Verse. 1534 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَاِلٰي ثَمُوْدَ اَخَاہُمْ صٰلِحًا۝۰ۘ قَالَ يٰقَوْمِ اعْبُدُوا اللہَ مَا لَكُمْ مِّنْ اِلٰہٍ غَيْرُہٗ۝۰ۭ ہُوَاَنْشَاَكُمْ مِّنَ الْاَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيْہَا فَاسْتَغْفِرُوْہُ ثُمَّ تُوْبُوْۗا اِلَيْہِ۝۰ۭ اِنَّ رَبِّيْ قَرِيْبٌ مُّجِيْبٌ۝۶۱
Waila thamooda akhahum salihan qala ya qawmi oAAbudoo Allaha ma lakum min ilahin ghayruhu huwa anshaakum mina alardi waistaAAmarakum feeha faistaghfiroohu thumma tooboo ilayhi inna rabbee qareebun mujeebun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» أرسلنا «إلى ثمود أخاهم» من القبيلة «صالحا قال يا قوم اعبدوا الله» وحدوه «ما لكم من إله غيره هو أنشأكم» ابتدأ خلقكم «من الأرض» بخلق أبيكم آدم منها «واستعمركم فيها» جعلكم عمارا تسكنون بها «فاستغفروه» من الشرك «ثم توبوا» ارجعوا «إليه» بالطاعة «إن ربي قريب» من خلقه بعلمه «مجيب» لمن سأله.

61

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة وهي قصة صالح مع ثمود، ونظمها مثل النظم المذكور في قصة هود، إلا أن ههنا لما أمرهم بالتوحيد ذكر في تقريره دليلين: الدليل الأول: قوله: {هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ } وفيه وجهان: الوجه الأول: أن الكل مخلوقون من صلب آدم، وهو كان مخلوقاً من الأرض. وأقول: هذا صحيح لكن فيه وجه آخر وهو أقرب منه، وذلك لأن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث، والمني إنما تولد من الدم، فالإنسان مخلوق من الدم، والدم إنما تولد من الأغذية، وهذه الأغذية إما حيوانية وإما نباتية، والحيوانات حالها كحال الإنسان، فوجب انتهاء الكل إلى النبات وظاهر أن تولد النبات من الأرض، فثبت أنه تعالى أنشأنا من الأرض. والوجه الثاني: أن تكون كلمة {مِنْ } معناها في التقدير: أنشأكم في الأرض، وهذا ضعيف لأنه متى أمكن حمل الكلام على ظاهره فلا حاجة إلى صرفه عنه، وأما تقرير أن تولد الإنسان من الأرض كيف يدل على وجود الصانع فقد شرحناه مراراً كثيرة. الدليل الثاني: قوله: {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } وفيه ثلاثة أوجه: الأول: جعلكم عمارها، قالوا: كان ملوك فارس قد أكثروا في حفر الأنهار وغرس الأشجار، لا جرم حصلت لهم الأعمار الطويلة فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه، ما سبب تلك الأعمار؟ فأوحى الله تعالى إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي، وأخذ معاوية في إحياء أرض في آخر عمره فقيل له ما حملك عليه، فقال: ما حملني عليه إلا قول القائل: شعر : ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ولا يكون له في الأرض آثار تفسير : الثاني: أنه تعالى أطال أعماركم فيها واشتقاق {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ } من العمر مثل استبقاكم من البقاء. والثالث: أنه مأخوذ من العمرى، أي جعلها لكم طول أعماركم فإذا متم انتقلت إلى غيركم. واعلم أن في كون الأرض قابلة للعمارات النافعة للإنسان، وكون الإنسان قادراً عليها دلالة عظيمة على وجود الصانع، ويرجع حاصله إلى ما ذكره الله تعالى في آية أخرى وهي قوله: { أية : وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ } تفسير : [الأعلى: 3] وذلك لأن حدوث الإنسان مع أنه حصل في ذاته العقل الهادي والقدرة على التصرفات الموافقة يدل على وجود الصانع الحكيم وكون الأرض موصوفة بصفات مطابقة للمصالح موافقة للمنافع يدل أيضاً على وجود الصانع الحكيم. أما قوله: {فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } فقد تقدم تفسيره. وأما قوله: {إِنَّ رَبّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ } يعني أنه قريب بالعلم والسمع {مُّجِيبٌ } دعاء المحتاجين بفضله ورحمته، ثم بين تعالى أن صالحاً عليه السلام لما قرر هذه الدلائل {قَالُواْ ياصَـٰلِحٌ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّا قَبْلَ هَـٰذَا } وفيه وجوه: الأول: أنه لما كان رجلاً قوي العقل قوي الخاطر وكان من قبيلتهم قوي رجاؤهم في أن ينصر دينهم ويقوي مذهبهم ويقرر طريقتهم لأنه متى حدث رجل فاضل في قوم طمعوا فيه من هذا الوجه. الثاني: قال بعضهم المراد أنك كنت تعطف على فقرائنا وتعين ضعفاءنا وتعود مرضانا فقوي رجاؤنا فيك أنك من الأنصار والأحباب، فكيف أظهرت العداوة والبغضة ثم إنهم أضافوا إلى هذا الكلام التعجب الشديد من قوله: {فقالوا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا} والمقصود من هذا الكلام التمسك بطريق التقليد ووجوب متابعة الآباء والأسلاف، ونظير هذا التعجب ما حكاه الله تعالى عن كفار مكة حيث قالوا: { أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عُجَابٌ } تفسير : [صۤ: 5] ثم قالوا: {وَإِنَّنَا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ } والشك هو أن يبقى الإنسان متوقفاً بين النفي والإثبات والمريب هو الذي يظن به السوء فقوله: {وَإِنَّنَا لَفِى شَكّ } يعني به أنه لم يترجح في اعتقادهم صحة قوله وقوله: {مُرِيبٍ } يعني أنه ترجح في اعتقادهم فساد قوله وهذا مبالغة في تزييف كلامه.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ} أي أرسلنا إلى ثمود {أَخَاهُمْ} أي في النسب. {صَالِحاً}. وقرأ يحيـى بن وثّاب «وَإِلَى ثَمُودٍ» بالتنوين في كل القرآن؛ وكذلك روي عن الحسن. وٱختلف سائر القرّاء فيه فصرفوه في موضع ولم يصرفوه في موضع. وزعم أبو عبيدة أنه لولا مخالفة السواد لكان الوجه ترك الصرف؛ إذ كان الأغلب عليه التأنيث. قال النحاس: الذي قال أبو عبيدة ـ رحمه الله ـ من أن الغالب عليه التأنيث كلام مردود؛ لأن ثموداً يقال له حيّ؛ ويقال له قبِيلة، وليس الغالب عليه القبِيلة، بل الأمر على ضدّ ما قال عند سيبويه. والأجود عند سيبويه فيما لم يقُل فيه بنو فلان الصَّرف؛ نحو قريش وثقيف وماأشبههما، وكذلك ثمود، والعلة في ذلك أنه لما كان التذكير الأصل، وكان يقع له مذكر ومؤنث كان الأصل الأخف أولى. والتأنيث جيد بالغ حسن. وأنشد سيبويه في التأنيث: شعر : غَلبَ المساميحَ الوليدُ سَمَاحةً وكَفَى قريشَ المعضِلاتِ وسادَهَا تفسير : الثانية: قوله تعالى: {قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} تقدّم. {هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ} أي ابتدأ خلقكم من الأرض، وذلك أن آدم خلق من الأرض على ما تقدّم في «البقرة» و«الأنعام» وهم منه. وقيل: أنشأكم في الأرض. ولا يجوز إدغام الهاء من «غيره» في الهاء من «هو» إلا على لغة من حذف الواو في الإدراج. {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} أي جعلكم عُمّارها وسكّانها. قال مجاهد: ومعنى «اسْتَعْمَرَكُمْ» أعمركم من قوله: «أعْمر فلان فلاناً داره؛ فهي له عُمْرى. وقال قَتَادة: أسكنكم فيها؛ وعلى هذين القولين تكون ٱستفعل بمعنى أفعل؛ مثل ٱستجاب بمعنى أجاب. وقال الضّحاك: أطال أعماركم، وكانت أعمارهم من ثلثمائة إلى ألف. ٱبن عباس: أعاشكم فيها. زيد بن أسلم: أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه فيها من بناء مساكن، وغرس أشجار. وقيل: المعنى ألهمكم عمارتها من الحرث والغرس وحفر الأنهار وغيرها. الثالثة: قال ٱبن العربيّ قال بعض علماء الشافعية: الاستعمار طلب العمارة، والطلب المطلق من الله تعالى على الوجوب؛ قال القاضي أبو بكر: تأتي كلمة استفعل في لسان العرب على معان: منها؛ ٱستفعل بمعنى طلب الفعل كقوله: ٱستحملته أي طلبت منه حملاناً؛ وبمعنى ٱعتقد، كقولهم: استسهلت هذا الأمر ٱعتقدته سهلاً، أو وجدته سهلاً، وٱستعظمته أي ٱعتقدته عظيماً ووجدته؛ ومنه استفعلت بمعنى أصبت، كقولهم: ٱستجدته أي أصبته جيداً: ومنها بمعنى فَعل؛ كقوله: قرّ في المكان وٱستقرّ؛ وقالوا وقوله: «يَسْتَهْزِئُونَ» و«يَسْتَسْخِرُونَ» منه؛ فقوله تعالى: «اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا» خلقكم لعمارتها، لا على معنى استجدته وٱستسهلته؛ أي أصبته جيداً وسهلاً، وهذا يستحيل في الخالق، فيرجع إلى أنه خلق؛ لأنه الفائدة، وقد يعبر عن الشيء بفائدته مجازاً؛ ولا يصح أن يقال: إنه طلبٌ من الله تعالى لعمارتها، فإن هذا اللفظ لا يجوز في حقه، أما إنه يصح أن يقال: أنه ٱستدعى عمارتها فإنه جاء بلفظ ٱستفعل، وهو ٱستدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه إذا كان أمراً، وطلب للفعل إذا كان من الأدنى إلى الأعلى (رغبة). قلت: لم يذكر ٱستفعل بمعنى أفعل، مثل قوله: استوقد بمعنى أوقد، وقد ذكرناه وهي: الرابعة: ويكون فيها دليل على الإسكان والعمرى وقد مضى القول في «البقرة» في السُّكنى والرُّقْبى. وأما العُمْرى فاختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تمليك لمنافع الرقبة حياةَ المُعْمَر مدة عمره؛ فإن لم يذكر عقباً فمات المعمر رجعت إلى الذي أعطاها أو لورثته هذا قول القاسم بن محمد ويزيد بن قُسيط والليث بن سعد، وهو مشهور مذهب مالك، وأحد أقوال الشافعي، وقد تقدّم في «البقرة» حجة هذا القول. الثاني: أنها تمليك الرقبة ومنافعها وهي هبة مبتولة؛ وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما والثّوري والحسن بن حيّ وأحمد بن حنبل وٱبن شُبْرمة وأبي عُبيد؛ قالوا: من أعمر رجلاً شيئاً حياته فهو له حياته، وبعد وفاته لورثته؛ لأنه قد ملك رقبتها، وشرط المعطي الحياة والعمر باطل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : العمرى جائزة». تفسير : و«حديث : العمرى لمن وُهِبت له».تفسير : الثالث: إن قال عُمرك ولم يذكر العقب كان كالقول الأوّل: وإن قال لعقبك كان كالقول الثاني؛ وبه قال الزهريّ وأبو ثور وأبو سلَمة بن عبد الرحمن وابن أبي ذئب، وقد رُوي عن مالك؛ وهو ظاهر قوله في الموطأ. والمعروف عنه وعن أصحابه أنها ترجع إلى المُعْمِر؛ إذا انقرض عقب المُعْمَر؛ إن كان المُعْمِر حيّا، وإلا فإلى من كان حيّا من ورثته، وأولى الناس بميراثه. ولا يملك المُعْمَر بلفظ العمرى عند مالك وأصحابه رقبة شيء من الأشياء، وإنما يملك بلفظ العُمْرى المنفعة دون الرقبة. وقد قال مالك في الحبس أيضاً: إذا حبس على رجل وعقبه أنه لا يرجع إليه. وإن حبس على رجل بعينه حياته رجع إليه، وكذلك العُمْرى قياساً، وهو ظاهر الموطأ. وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أَيُّما رجلٍ أعْمر رجلاً عُمْرى له ولعقبِه فقال قد أعطيتُكَها وعقِبَك ما بقي منكم أحد فإنها لمن أعطِيها وأنها لا ترجع إلى صاحبها من أجلِ أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث». تفسير : وعنه قال: إن العمرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: هي لك ولعقبِك، فأما إذا قال: هي لك ما عِشتَ فإنها ترجع إلى صاحبها؛ قال مَعْمَر: وبذلك كان الزّهري يفتي. قلت: معنى القرآن يجري مع أهل القول الثاني؛ لأن الله سبحانه قال: «وَٱسْتَعْمَرَكُمْ» بمعنى أعمركم؛ فأعمر الرجل الصالح فيها مدة حياته بالعمل الصالح، وبعد موته بالذكر الجميل والثناء الحسن؛ وبالعكس الرجل الفاجر؛ فالدنيا ظرف لهما حياة وموتاً. وقد يقال: إن الثناء الحسن يجري مجرى العقِب. وفي التنزيل: {أية : وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ} تفسير : [الشعراء: 84] أي ثناء حسناً. وقيل: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقال: {أية : وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِين} تفسير : [الصافات: 77] وقال: {أية : وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ} تفسير : [الصافات: 113]. الخامسة: قوله تعالى: {فَٱسْتَغْفِرُوهُ} أي سلوه المغفرة من عبادة الأصنام. {ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} أي ٱرجعوا إلى عبادته. {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} أي قريب الإجابة لمن دعاه. وقد مضى في «البقرة» عند قوله: {أية : فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ} تفسير : [البقرة:186] القولُ فيه.

البيضاوي

تفسير : {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ} هو كونكم منها لا غيره فإنه خلق آدم ومواد النطف التي خلق نسله منها من التراب. {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} عمركم فيها واستبقاكم من العمر، أو أقدركم على عمارتها وأمركم بها، وقيل هو من العمري بمعنى أعمركم فيها دياركم ويرثها منكم بعد انصرام أعماركم، أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة عمركم ثم تتركونها لغيركم. {فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى قَرِيبٌ} قريب الرحمة. {مُّجِيبٌ} لداعيه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَ} لقد أرسلنا {أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ} وهم الذين كانوا يسكنون مدائن الحجر بين تبوك والمدينة، وكانوا بعد عاد، فبعث الله منهم {أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا} فأمرهم بعبادة الله وحده، ولهذا قال: {هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ} أي: ابتدأ خلقكم منها، خلق منها أباكم آدم {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} أي: جعلكم عماراً تعمرونها وتستغلونها {فَٱسْتَغْفِرُوهُ} لسالف ذنوبكم {ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} فيما تستقبلونه {إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} تفسير : [البقرة: 186] الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} ارسلنا { إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ } من القبيلة {صَٰلِحًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } وحِّدوه {مَالَكُمْ مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ } ابتدأ خلقكم {مِّنَ ٱلأَرْضِ } بخلق أبيكم آدم منها {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } جعلكم عماراً تسكنون بها {فَٱسْتَغْفِرُوهُ } من الشرك {ثُمَّ تُوبُواْ } ارجعوا {إِلَيْهِ } بالطاعة {إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ } من خلقه بعلمه {مُّجِيبٌ } لمن سأله.

الشوكاني

.تفسير : قوله: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا } معطوف على ما تقدّم. والتقدير: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً، والكلام فيه، وفي قوله: {يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } كما تقدّم في قصة هود. وقرأ الحسن ويحيـى بن وثاب: «وإلى ثمود» بالتنوين في جميع المواضع. واختلف سائر القراء فيه، فصرفوه في موضع ولم يصرفوه في موضع، فالصرف باعتبار التأويل بالحيّ، والمنع باعتبار التأويل بالقبيلة، وهكذا سائر ما يصح فيه التأويلان، وأنشد سيبويه في التأنيث باعتبار التأويل بالقبيلة:شعر : غلب المساميح الوليد جماعة وكفى قريش المعضلات وسادها تفسير : {هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ } أي: ابتدأ خلقكم من الأرض، لأن كل بني آدم من صلب آدم، وهو مخلوق من الأرض {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } أي: جعلكم عمارها وسكانها، من قولهم أعمر فلان فلاناً داره، فهي له عمرى، فيكون استفعل بمعنى أفعل: مثل استجاب بمعنى أجاب. وقال الضحاك: معناه: أطال أعماركم، وكانت أعمارهم من ثلثمائة إلى ألف. وقيل: معناه أمركم بعمارتها من بناء المساكن وغرس الأشجار {فَٱسْتَغْفِرُوهُ } أي: سلوه المغفرة لكم من عبادة الأصنام {ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } أي: ارجعوا إلى عبادته {إِنَّ رَبّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ } أي: قريب الإجابة لمن دعاه، وقد تقدّم القول فيه في البقرة عند قوله تعالى: {أية : فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِىَ } تفسير : [البقرة: 186] {قَالُواْ ياصَـٰلِحٌ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّا قَبْلَ هَـٰذَا } أي: كنا نرجو أن تكون فيناً سيداً مطاعاً ننتفع برأيك، ونسعد بسيادتك قبل هذا الذي أظهرته من ادّعائك النبوّة، ودعوتك إلى التوحيد. وقيل: كان صالح يعيب آلهتهم، وكانوا يرجون رجوعه إلى دينهم، فلما دعاهم إلى الله قالوا انقطع رجاؤنا منك، والاستفهام في قوله: {أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} للإنكار، أنكروا عليه هذا النهي، وأن نعبد في محل نصب بحذف الجار: أي بأن نعبد، ومعنى ما يعبد آباؤنا: ما كان يعبد آباؤنا، فهو حكاية حال ماضية لاستحضار الصورة {وَإِنَّنَا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ } من أربته، فأنا أريبه: إذا فعلت به فعلاً يوجب له الريبة، وهي: قلق النفس وانتفاء الطمأنينة، أو من أراب الرجل: إذا كان ذا ريبة، والمعنى: إننا لفي شك مما تدعونا إليه من عبادة الله وحده، وترك عبادة الأوثان موقع في الريب. {قَالَ يَـاقَوْمٌ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } أي: حجة ظاهرة وبرهان صحيح {وَآتَانِي مِنْهُ} أي: من جهته {رَحْمَةً } أي: نبوّة، وهذه الأمور وإن كانت متحققة الوقوع، لكنها صدّرت بكلمة الشك اعتباراً بحال المخاطبين، لأنهم في شك من ذلك، كما وصفوه عن أنفسهم {فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ } استفهام معناه النفي: أي لا ناصر لي يمنعني من عذاب الله {إِنْ عَصَيْتُهُ } في تبليغ الرسالة، وراقبتكم وفترت عما يجب عليّ من البلاغ {فَمَا تَزِيدُونَنِى } بتثبيطكم إياي {غَيْرَ تَخْسِيرٍ } بأن تجعلوني خاسراً بإبطال عملي، والتعرّض لعقوبة الله لي. قال الفراء: أي تضليل وإبعاد من الخير. وقيل: المعنى: فما تزيدونني باحتجاجكم بدين آبائكم غير بصيرة بخسارتكم. قوله: {وَيٰقَوْم هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءايَةً } قد مرّ تفسير هذه الآية في الأعراف، ومعنى {لكم آية}: معجزة ظاهرة، وهي منتصبة على الحال، ولكم في محل نصب على الحال من {آية} مقدّمة عليها، ولو تأخرت لكانت صفة لها. وقيل: إن ناقة الله بدل من هذه، والخبر لكم، والأوّل: أولى، وإنما قال: {ناقة الله} لأنه أخرجها لهم من جبل على حسب اقتراحهم. وقيل: من صخرة صماء {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ ٱللَّهِ } أي: دعوها تأكل في أرض الله مما فيها من المراعي التي تأكلها الحيوانات. قال أبو إسحاق الزجاج: ويجوز رفع تأكل على الحال والاستئناف، ولعله يعني في الأصل على ما تقتضيه لغة العرب لا في الآية، فالمعتمد القراءات المروية على وجه الصحة {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء } قال الفراء: بعقر، والظاهر أن النهي عما هو أعمّ من ذلك {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ } جواب النهي: أي قريب من عقرها. وذلك ثلاثة أيام {فَعَقَرُوهَا } أي: فلم يمتثلوا الأمر من صالح ولا النهي، بل خالفوا كل ذلك فوقع منهم العقر لها {فَقَالَ } لهم صالح {تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ } أي: تمتعوا بالعيش في منازلكم ثلاثة أيام، فإن العقاب نازل عليكم بعدها. قيل: إنهم عقروها يوم الأربعاء، فأقاموا الخميس والجمعة والسبت، وأتاهم العذاب يوم الأحد، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما يدل عليه الأمر بالتمتع ثلاثة أيام {وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } أي: غير مكذوب فيه، فحذف الجارّ اتساعاً، أو من باب المجاز، كأن الوعد إذا وفى به صدق ولم يكذب، ويجوز أن يكون مصدراً: أي وعد غير كذب. {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } أي: عذابنا، أو أمرنا بوقوع العذاب {نَجَّيْنَا صَـٰلِحاً وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا } قد تقدّم تفسير هذا في قصة هود {وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ } أي: ونجيناهم من خزي يومئذ وهو هلاكهم بالصيحة، والخزي: الذل والمهانة. وقيل: من عذاب يوم القيامة، والأوّل: أولى. وقرأ نافع والكسائي بفتح "يوم" على أنه اكتسب البناء من المضاف إليه. وقرأ الباقون بالكسر {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ } القادر الغالب الذي لا يعجزه شيء {وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ } أي: في اليوم الرابع من عقر الناقة، صيح بهم فماتوا، وذكر الفعل لأن الصيحة والصياح واحد، مع كون التأنيث غير حقيقي. قيل: صيحة جبريل، وقيل: صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم وماتوا، وتقدّم في الأعراف {أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ }تفسير : [الأعراف: 78] قيل: ولعلها وقعت عقب الصيحة {فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ } أي: ساقطين على وجوههم موتى قد لصقوا بالتراب كالطير إذا جثمت {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } أي: كأنهم لم يقيموا في بلادهم أو ديارهم، والجملة في محل نصب على الحال والتقدير: مماثلين لمن لم يوجد ولم يقم في مقام قط {إِلا إن ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ } وضع الظاهر موضع المضمر؛ لزيادة البيان، وصرح بكفرهم مع كونه معلوماً تعليلاً للدعاء عليهم بقوله: {أَلاَ بُعْدًا لّثَمُودَ } وقرأ الكسائي بالتنوين. وقد تقدم تفسير هذه القصة في الأعراف بما يحتاج إلى مراجعته ليضم ما في إحدى القصتين من الفوائد إلى الأخرى. وقد أخرج أبو الشيخ، عن السديّ {هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ } قال: خلقكم من الأرض. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } قال: أعمركم فيها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } قال: استخلفكم فيها. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد {فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍ } يقول: ما تزدادون أنتم إلا خساراً. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عطاء الخراساني نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله: {فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ } قال: ميتين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } قال: كأن لم يعيشوا فيها. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، قال: كأن لم يعمروا فيها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، قال: كأن لم ينعموا فيها.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {. .. هو أنشأكم من الأرض} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: خلقكم من الأرض لأنكم من آدم وآدم من الأرض، قاله السدي. والثاني: معناه أنشأكم في الأرض. والثالث: أنشأكم بنبات الأرض. {واستعمركم فيها} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه أعمركم فيها بأن جعلكم فيها مدة أعماركم، قاله مجاهد، من قولهم أعمر فلان فلاناً داره فهي له عمرى. الثاني: امركم بعمارة ما تحتاجون إليه فيها بناء مساكن وغرس أشجار قاله علي بن عيسى. الثالث: أطال فيها أعمالكم، قال الضحاك، كانت أعماركم ألف سنة إلى ثلاثمائة سنة.

ابن عطية

تفسير : التقدير: وأرسلنا إلى ثمود وقد تقدم القول في مثل هذا وفي معنى الأخوة في قصة هود. وقرأ الجمهور: "وإلى ثمودَ" بغير صرف، وقرأ ابن وثاب والأعمش "وإلى ثمود" بالصرف حيث وقع، فالأولى على إرادة القبيلة، والثانية على إرادة الحي، وفي هذه الألفاظ الدالة على الجموع ما يكثر فيه إرادة الحي كقريش وثقيف وما لا يقال فيه بنو فلان؛ وفيها ما يكثر فيه إرادة القبيلة كتميم وتغلب، ألا ترى أنهم يقولون تغلب ابنة وائل، وقال الطرماح: [الطويل] شعر : "إذا نهلت منه تميم وعلّت" تفسير : وقال الآخر: [المتقارب] شعر : "تميم ابن مر وأشياعها" تفسير : وفيها ما يكثر فيه الوجهان كثمود وسبأ، فالقراءتان هنا فصيحتان مستعملتان. وقرأت فرقة "غيرُه" برفع الراء، وقد تقدم آنفاً. و {أنشأكم من الأرض}، أي اخترعكم وأوجدكم، وذلك باختراع آدم عليه السلام: فكأن إنشاء آدم إنشاء لبنيه. {واستعمركم}، أي اتخذكم عماراً، كما تقول: استكتب واستعمل. وذهب قوم إلى أنها من العمر أي عمركم، وقد تقدم مثل قوله: {فاستغفروه ثم توبوا إليه}. {إن ربي قريب مجيب}، أي إجابته وغفرانه قريب ممن آمن وأناب، و {مجيب}، معناه بشرط المشيئة والظاهر الذي حكاه جمهور المفسرين أن قوله: {مرجواً} معناه: مسوداً؛ نؤمل فيك أن تكون سيداً سادّاً مسدّ الأكابر، ثم قرروه على جهة التوبيخ في زعمهم بقولهم: {أتنهانا} وحكى النقاش عن بعضهم أنه قال: معناه حقيراً. قال القاضي أبو محمد: فأما أن يكون لفظ {مرجواً} بمعنى حقير فليس ذلك في كلام العرب، وإنما يتجه ذلك على جهة التفسير للمعنى، وذلك أن القصد بقولهم: {مرجواً} يكون: لقد كنت فينا سهلاً مرامك قريباً رد أمرك، ممن لا يظن أن يستفحل من أمره مثل هذا فمعنى "مرجو" أي مرجو اطراحه وغلبته ونحو هذا، فيكون ذلك على جهة الاحتقار، فلذلك فسر بحقير، ويشبه هذا المعنى قول أبي سفيان بن حرب: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة... الحديث؛ ثم يجيء قولهم: {أتنهانا} على جهة التوعد والاستشناع لهذه المقالة منه. و {ما يعبد آباؤنا} يريدون به الأوثان والأصنام، ثم أوجبوا أنهم في شك من أمره وأقاويله، وأن ذلك الشك يرتابون به زائداً إلى مرتبته من الشك قال القاضي: ولا فرق بين هذه الحال وبين حالة التصميم على الكفر، و {مريب} معناه ملبس متهم، ومنه قول الشاعر: [الرجز] شعر : يا قوم ما بال أبي ذؤيب كنت إذا أتيته من غيب يشم عطفي ويمس ثوبي كأنني أربته بريــــــــب

ابن عبد السلام

تفسير : {مِّنَ الأَرْضِ} في الأرض، أو خلقهم من آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ وآدم من ترابها. {وَاسْتَعْمَرَكُمْ} أبقاكم فيها مدة أعماركم من العمر، أو أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه من مسكن وغرس أشجار أو أطال أعماركم؛ كانت أعمارهم من ألف إلى ثلاثمائة سنة.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} القصة. الكلامُ على أوَّلها كالذي قبلها. والعامَّةُ على منع "ثمُود" الصَّرْف هنا لعلَّتين: وهما العلمية والتَّأنيث، ذهبُوا به مذهب القبيلة، والأعمش ويحيى بن وثاب صَرَفاه، ذهبا به مذهب الحي، وسيأتي بيان الخلافِ إن شاءَ الله تعالى. قوله: {هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ} يجُوزُ أن تكون "مِنْ" لابتداءِ الغايةِ، أي ابتداء إنشائكم منها إمَّا إنشاءُ أصلكم، وهو آدم - صلوات الله وسلامه عليه -. قال ابنُ الخطيب: "وفيه وجهٌ آخر وهو أقربُ منه؛ وذلك لأنَّ الإنسان مخلوقٌ من المنيّ ومن دم الطمث، والمنيُّ إنما تولد من الدَّم، فالإنسان مخلوق من الدَّم، والدَّم إنما تولد من الأغذية، والأغذيةُ إما حيوانية وإما نباتية، والحيوانات حالها كحال الإنسان؛ فوجب انتهاء الكل إلى النبات والنبات أنما تولد من الأرض؛ فثبت أنه تعالى أنشأنا من الأرض". أو لأن كل واحد خلق من تربته؛ أو لأن غذائهم وسبب حياتهم من الأرض. وقيل: "من" بمعنى "في" ولا حاجة إليه. قوله: {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} أي جعلكم عمَّارها وسكانها. قال الضحاكُ: "أطَالَ أعماركم فيها". وقال مجاهدٌ: أعمركم من العمرى. أي جعلها لكم ما عِشْتُمْ. وقال قتادةُ - رضي الله عنه -: "اسكنكم فيها". قال ابنُ العربي: "قال بعضُ علمائنا: الاستعمارُ: طلبُ العمارة، والطلب المعلق من الله - تعالى - على الوجوب، قال القاضي أبو بكرٍ: تأتي كلمة استفعل في لسانِ العربِ على معانٍ منها: استفعل بمعنى: طلبُ الفعل كقوله: اسْتَحْمَلْتُه أي: طلبت من حملاناً، وبمعنى اعتقد؛ كقوله: استسهلت هذا الأمر اعتقدته سهلاً، أو وجدتُه سهلاً، واستعظمتهُ أي: وجدته عظيماً، وبمعنى أصبت كقوله: استجدته أي: أصبته جيداً، وبمعنى "فَعَلَ"؛ كقوله: قرَّ في المكانِ، واستقر، قالوا وقوله: [{أية : يَسْتَهْزِءُونَ}تفسير : [الأنعام:5] و {أية : يَسْتَسْخِرُونَ}تفسير : [الصافات:14] منه، فقوله تعالى: {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} أي: خلقكم لعمارتها، لا على معنى: استجدته واستسهلته، أي: أصبته جيداً، وسهلاً، وهذا يستحيل] في حقِّ الخالق، فيرجع إلى أنَّه خلق لأنه الفائدة؛ وقد يعبّر عن الشيء بفائدته مجازاً، ولا يصحّ أن يقال إنه طلبٌ من الله لعمارتها، فإن هذا لا يجوز في حقه" ويصحُّ أن يقال: استدعى عمارتها، وفي الآية دليل على الإسكان والعُمْرَى. ثم قال: {فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} وقد تقدَّم تفسيره. {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} أي: أقربُ بالعلم والسمعِ "مجيب" دعاء المحتاجين بفضله، ورحمته. ولمَّا قرَّر صالح هذه الدلائل {قَالُواْ يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا} أي: كُنَّا نَرْجُو أن تكون سيّداً فينا. وقيل: كُنَّا نَرْجُو أن تعُود إلى ديننا، وذلك أنَّهُ كان رجلاً قوي الخاطر وكان من قبيلتهم، فقوي رجاؤهُم في أن ينصر دينهم، ويقرِّرُ طريقتهم، فلمَّا دعاهم إلى الله وترك الأصنام زعموا أنَّ رجاءهم انقطع منه فقالوا: {أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} من الآلهة، فتمسَّكُوا بطريق التقليد. ونظير تعجُّبهم هذا ما حكاهُ الله - تعالى - عن كفَّار مكَّة في قولهم: {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}تفسير : [ص:5]. قوله: {وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ} مما تدعونا إليه مريب هذا هو الأصل، ويجوز "وإنَّا" بنونٍ واحدةٍ مشدَّدة كما في السورة الأخرى [إبراهيم:9]. وينبغي أن يكون المحذوفُ النُّونَ الثَّانية من "إنَّ"؛ لأنَّه قد عُهد حذفها دون اجتماعها مع "نا"، فحذفها مع "نا" أولى، وأيضاً فإنَّ حذف بعض الأسماءِ ليس بسهلٍ وقال الفرَّاءُ: "مَنْ قال "إنَّنَا" أخرج الحرف على أصله؛ لأنَّ كتابة المتكلمين "نَا" فاجتمع ثلاثُ نونات، ومن قال: "إنا" استثقل اجتماعها؛ فأسقط الثالثة، وأبقى الأوليين" انتهى. وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك. قوله: "مُرِيبٍ" اسم فاعل من "أرَاب" يجوز أن يكون متعدِّياً من "أرابهُ"، أي: أوقعه في الرِّيبة، أو قاصراً من "أرابَ الرَّجلُ" أي: صار ذا ريبة. ووصف الشَّكُّ بكونه مُريباً بالمعنيين المتقدمين مجازاً. والشَّك: أن يبقى الإنسان متوقفاً بين النَّفْي والإثبات، والمُريب: هو الذي يظن به السوء والمعنى: أنَّهُ لَمْ يترجَّحْ في اعتقادهم فساد قوله وهذا مبالغةٌ في تزييف كلامهِ. قوله: {أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً} تقدَّم نظيره [يونس:50]، والمفعول الثَّاني هنا محذوف تقديره: أأعْصيه ويدل عليه "إنْ عَصَيْتُه". وقال ابنُ عطيَّة: هي مِنْ رؤيةِ القَلْبِ، والشَّرطُ الذي بعده وجوابه يَسُدُّ مسدَّ مفعولين لـ "أرَأيْتُم". قال أبُو حيَّان: "والذي تقرَّر أنَّ "أرَأيْتَ" ضُمِّن معنى "أخْبِرْنِي"، وعلى تقدير أن لا يُضَمَّن، فجملةُ الشَّرط والجواب لا تسدُّ مسدَّ مفعولي "عَلِمْتُ" وأخواتها". قوله: {إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي} ورد بحرف الشَّك، وكان على يقين تام في أمره إلاَّ أنَّ خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب إلى القبُولِ؛ فكأنه قال: قدِّرُوا أنِّي على بيِّنةٍ من ربِّي وأنِّي نبيٌّ على الحقيقةِ، وانظُرُوا إن تابعتكم، وعصيتُ أمر ربِّي، فمن يمنعني من عذابِ الله فما تزيدُونَنِي على هذا التقدير غير تَخْسِير. قوله: "غَيْرَ تَخْسِير" الظاهرُ أنَّ "غَيْرَ" مفعولٌ ثانٍ لـ "تَزِيدُونَنِي". قال أبُو البقاءِ: "الأقْوَى هنا أن تكُون "غير" استثناءً في المعنى، وهو مفعولٌ ثانٍ لـ "تَزِيدُونَنِي"، أي: فمَا تَزِيدُونَنِي إلاَّ تَخْسِيراً. ويجوز أن تكون "غير" صفةً لمفعولٍ محذوفٍ، أي شيئاً غير تخسير، وهو جيد في المعنى. ومعنى التَّفْعِيل هنا النسبةُ، والمعنى: غير أن أخسركُم، أي: أنسبكم إلى التَّخْسير، قال الزمخشريُّ. قال الحسنُ بن الفضلِ: لم يكنْ صالح في خسارةٍ حتى قال: {فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} وإنَّما المعنى: فما تَزِيدُونَنِي بما تقُولُون إلا نسبتي إيَّاكم إلى الخسارةِ. والتفسيقُ والتَّفْجِيرُ في اللغة: النسبة إلى الفِسْقِ والفُجُور، فكذلك التَّخْسيرُ هو النسبة إلى الخُسرانِ. وقيل: هو على حذفِ مضافٍ، أي: غير بضارِّه تخسيركم، قالهُ ابن عبَّاسٍ. قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً} الآية. "لَكُمْ" في محلِّ نصبٍ على الحالِ من "آيةً"؛ لأنَّهُ لو تأخَّرَ لكان نَعْتاً لها، فلمَّا قُدِّم انتصب حالاً. قال الزَّمخشريُّ: فإن قلت: بِمَ تتعلَّقُ "لَكُمْ"؟ قلتُ: بـ "آيَةٌ" حالاً منها متقدمة، لأنَّها لو تأخَّرت لكانت صفة لها، فلما تقدَّمت انتصبت على الحالِ. قال أبُو حيَّان: وهذا متناقضٌ لأنَّهُ من حيثُ تعلق "لكُم" بـ "آية" كان معمولاً لـ "آية" وإذا كان معمولاً لها امتنع أن يكون حالاً منها، لأنَّ الحال تتعلَّقُ بمحذوفٍ. قال شهابُ الدِّين - رحمه الله -: ومثلُ هذا كيف يعترض به على مثلِ الزمخشري بعد إيضاحه المعنى المقصود بأنه التعلُّقُ المعنويُّ؟. و "آيةً" نصب على الحالِ بمعنى علامة، والنَّاصبُ لها: إمَّا "ها" التَّنبيه، أو اسمُ الإشارة، لما تضمَّناهُ من معنى الفعل، أو فعلٍ محذوف. فصل اعلم أنَّ العادة فيمن يدَّعي النبوة عند قوم يعبدون الأصنام لا بُدَّ وأن يطلبوا منه معجزة، فطلبوا منه أن يخرج ناقة عشراء من صخرةٍ معينةٍ، فدعا صالحٌ؛ فخرجت ناقة عشراء، وولدت في الحال ولداً مثلها. وهذه معجزة عظيمة من وجوه: الأول: خلقُهَا من الصَّخْرة. وثانيها: خَلْقُها في جوف الجبل ثم شق عنها الجبل. وثالثها: خلقها على تلك الصُّورة دفعة واحدة من غير ولادة. ورابعها: أنَّهُ كان لها شرب يوم. وخامسها: أنه كان يحصلُ منها لبنٌ كثير يكفي الخلق العظيم. ثم قال: {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ} من العشب، والنبات، فليس عليكم مؤنتها. وقرىء "تأكلُ" بالرفع: إمَّا على الاستئناف، وإمَّا على الحالِ. {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ}، ولا تصيبوها بعقر "فيَأخُذَكُمْ" إن قتلتموها "عذابٌ قريبٌ" يريد اليوم الثالث. {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ} لهُم صالح: {تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ} أي: في دياركم، فالمراد بالدَّار: البلد، وتُسَمَّى البلاد بالدِّيار، لأنَّه يدار فيها، أي: يتصرف، يقال: ديار بكر أي: بلادهم. وقيل: المراد بالدِّيار: دار الدُّنيا، وقيل: هو جمع "دارة" كساحة وساحٍ وسُوحٍ، وأنشد ابنُ أبي الصَّلْت: [الوافر] شعر : 2980- لَهُ دَاعٍ بِمَكَّة مُشْمَعِلٌّ وآخَرُ فوْقَ دَارَتِهِ يُنَادِي تفسير : فصل قال القرطبيُّ: "استدلَّ العلماءُ بتأخير الله العذاب عن قوم صالح ثلاثة أيام على أنَّ المسافر إذا لمْ يُجمع على إقامة أربع ليالٍ قصر؛ لأنَّ الثلاثة أيام خارجة عن حكم الإقامة". والتَّمتع: التَّلذُّذ بالمنافع والملاذ. {ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ}، [أي: غير كذب]. قوله: "مَكْذُوب" يجُوزُ أن يكون مصدراً على زنة مفعولٍ، وقد جاء منه أليفاظ نحو: المَجْلود والمعقُول والمَيْسُور والمَفْتُون، ويجوزُ أن يكون اسم مفعولٍ على بابه، وفيه حينئذٍ تأويلان: أحدهما: غير مكذوبٍ فيه، ثم حذف حرف الجر فاتَّصل الضَّمير مرفُوعاً مستتراً في الصِّفة ومثله "يَوْمٌ مَشْهُودٌ" وقول الشاعر: [الطويل] شعر : 2981- ويَوْمَ شَهِدْنَاهُ سُلَيْماً وعَامِراً قَلِيلٌ سِوَى الطَّعْنِ النِّهَالِ نوافِلُه تفسير : والثاني: أنه جُعِل هو نفسُه غير مكذوب؛ لأنَّه قد وُفي به، فقد صُدِّق. فصل قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "لمَّا أمهلهم ثلاثة أيَّام، قالوا وما علامةُ ذلك؟ قال: تصبحوا في اليوم الأوَّلِ وجوهكم مصفرة، وفي اليوم الثاني مُحْمَرة وفي اليوم الثالث مسودة، ثم يأتيكم العذابُ في اليوم الرَّابع فكان كما قال". فإن قيل: كيف يُعقل أن تظهر هذه العلامات مطابقة لقول صالحٍ، ثم يبقون مصرين على الكفر؟ فالجواب: ما دامت الأمارات غير بالغة إلى حدِّ اليقينِ لم يمتنع بقاؤهم على الكفر وإذا صارت يقينيَّة قطعيَّة، فقد انتهى الأمرُ إلى حدِّ الإلجاء، والإيمان في ذلك الوقت غير مقبول. قوله {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} أي: عذابنا، وتقدَّم الكلامُ على مثله. قوله: {ومِنْ خِزْيِ} متعلِّقٌ بمحذوفٍ، أي: ونجَّيْنَاهم من خزي. وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: علام عطف؟ قلت: على "نَجَّيْنَا"؛ لأنَّ تقديره: ونجَّيناهم من خزي يومئذٍ كما قال: {أية : وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} تفسير : [هود:58] أي: وكانت التنجيةُ من خزي. وقال غيرهُ: "إنَّه متعلقٌ بـ "نَجَّيْنَا" الأول". وهذا لا يجُوزُ عند البصريين غير الأخفش؛ لأنَّ زيادة الواو غيرُ ثابتة. وقرأ نافعٌ والكسائيُّ بفتح ميم "يومئذٍ" على أنَّها حركةُ بناءٍ لإضافته إلى غير متمكن؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2982- عَلَى حينَ عَاتَبْتُ المشيبَ على الصِّبَا فقُلْتُ ألمَّا أصْحُ والشَّيبُ وَازعُ تفسير : وقرأ الباقون: بخفض الميم. فمن قرأ بالفتح فعلى أنَّ "يَوْم" مضاف إلى "إذْ"، و "إذْ" مبني، والمضاف إلى المبني يجوزُ جعله مبنياً، ألا ترى أنَّ المضاف يكتسب من المضاف إليه التعريف فكذا ههنا، وأمَّا الكسرُ: فالسَّبب فيه أنَّهُ يضاف إلى الجملة من المبتدأ والخبر، تقولُ: "جئتك إذ الشَّمس طالعة"، فلمَّا قطع عنه المضاف إليه نون ليدل التنوين على ذلك ثمَّ كسرت الذَّال لسكونها وسكون التنوين. وأما قراءةُ الكسر فعلى إضافة "الخِزْيِ" إلى "اليوم"، ولم يلزم من إضافته إلى المبني أن يكون مبنيّاً لأنَّ إضافته غير لازمة. وكذلك الخلافُ جارٍ في {أية : سَأَلَ سَآئِلٌ}تفسير : [المعارج:11]. وقرأ طلحة وأبانُ بن تغلب بتنوين "خِزْي" و "يَوْمَئِذ" نصب على الظَّرف بـ "الخِزْي"، وقرأ الكوفيون ونافع في النَّمل {أية : مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ}تفسير : [الآية:89] بالفتح أيضاً، والكوفيون وحدهم بتنوين "فَزَعٍ" ونصب "يَومئذ" به. ويحتملُ في قراءة من نوَّن ما قبل "يومئذ" أن تكون الفتحةُ فتحة إعرابٍ، أو فتحة بناء، و "إذْ" مضافةٌ لجملة محذوفة عُوِّض عنها التَّنوينُ تقديره: إذ جاء أمرنا. وقال الزمخشريُّ: ويجوزُ أن يراد يومُ القيامة، كما فُسِّرَ العذاب الغليظ بعذاب الآخرة. قال أبُو حيان: وهذا ليس بجيِّدٍ؛ لأنه لم يتقدَّم ذكرُ يومِ القيامة، ولا ما يكونُ فيها، فيكون هذا التَّنوين عوضاً عن الجملةِ التي تكون يومَ القيامةِ. قال شهابُ الدِّينِ - رحمه الله -: قد تكونُ الدَّلالةُ لفظيةً، وقد تكون معنويةً، وهذه من المعنوية. والخِزْي: الذّل العظيم حتى يبلغ حدَّ الفضيحة كما قال الله تعالى في المحاربين: {أية : ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا}تفسير : [المائدة:33]. ثم قال: {إِنَّ رَبَّكَ هو القوي العزيز} وإنَّما حسن ذلك، لأنَّه تعالى بيَّن أنه أوصل العذاب إلى الكافر وصان أهل الإيمان عنه، وهذا لا يصحُّ إلاَّ من القادر الذي يقدر على قَهْرِ طبائع الأشياءِ، فيجعل الشَّيء الواحد بالنِّسبة إلى إنسان بلاء وعذاباً، وبالنسبة إلى إنسان آخر راحة وريحاناً. قوله: {وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ}: حُذِفت تاءُ التَّأنيث: إمَّا لكونِ المؤنث مجازياً، أو للفصلِ بالمفعولِ أو لأنَّ الصَّيحة بمعنى الصياح، والصَّيْحةُ: فعله يدل على المرَّة من الصِّياح، وهي الصوتُ الشديدُ: صاح يصيح صِيَاحاً، أي: صوَّت بقوة. قال ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما -: المُرادُ الصَّاعقة. وقيل: صيحة عظيمة هائلةٌ سمعوها فهلكوا جميعاً فأصبحوا جاثمين في دورهم. وجثومهم: سقوطهم على وجوههم. وقيل: الجثومُ: السُّكون، يقالُ للطَّيْرِ إذا باتَتْ في أوكارها إنها جثمت، ثم إنَّ العرب أطلقوا هذا اللفظ على ما لا يتحرك من الموات. فإن قيل: ما السَّببُ في كون الصَّيْحةِ موجبة للموت؟. فالجوابُ من وجوه: أحدها: أنَّ الصَّيحة العظيمة إنما تحدثُ عن سببٍ قوي يوجب تموج الهواء، وذلك التموج الشديد ربما يتعدَّى إلى صمخ الإنسان فيُمزق غشاء الدِّماغِ فيورثُ الموت. وثانيها: أنَّه شيء مهيب فتحدث الهيبة العظيمة عند حدوثها والأعراض النَّفسانية إذا قويت أوجبت الموت. وثالثها: أنَّ الصَّيحة العظيمة إذا حدثت من السحاب فلا بد وأن يصحبها برقٌ شديدٌ محرق، وذلك هو الصَّاعقة التي ذكرها ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -. ثم قال تعالى: {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ} كأنَّهُم لم يُوجدوا. والمغنى المقام الذي يقيمُ الحي فيه يقال: غني الرَّجُلُ بمكان كذا إذا أقام به. قوله: {أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ} قرأ حمزة وحفص هنا {أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ}، وفي الفرقان: {أية : وَعَاداً وَثَمُودَاْ}تفسير : [الآية:38] وفي العنكبوت: {أية : وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم}تفسير : [الآية:37]، وفي النجم: {أية : وَثَمُودَ فَمَآ أَبْقَىٰ}تفسير : [الآية:51] جميعُ ذلك بمنع الصرف، وافقهم أبو بكر على الذي في النَّجْم. وقوله: {أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ} منعه القراء الصرفَ إلاَّ الكسائيَّ فإنَّهُ صرفه، وقد تقدَّم أنَّ من منع الصرف جعله اسماً للقبيلةِ، ومن صرف جعله اسماً للحيِّ، أو إلى الأبِ الأكبرِ؛ وأنشد على المنع: [الوافر] شعر : 2983- ونَادَى صالحٌ يَا ربِّ أنْزِلْ بآلِ ثمُودَ مِنْكَ غداً عَذَابَا تفسير : وأنشد على الصَّرف قوله: [الطويل] شعر : 2984- دَعَتْ أمُّ عَمْرٍو أمْرَ شرٍّ عَلِمْتُهُ بأرْضِ ثمُودٍ كُلِّهَا فأجَابَهَا تفسير : وقد تقدَّم الكلامُ على اشتقاق هذه اللفظة في سورةِ الأعراف.

البقاعي

تفسير : ولما انقضت قصة عاد على ما أراد سبحانه، أتبعها قصة من كانوا عقبهم في الزمن ومثلهم في سكنى أرض العرب وعبادة الأوثان والمناسبة في الأمر المعذب به لأن الموصل للصيحة إلى الأسماع هو الريح وفي خفاء أمرهم، مفصلاً على أهل ذلك الزمان فقال: {*وإلى} أي ولقد أرسلنا إلى {ثمود أخاهم} وبينه بقوله: {صالحاً} ثم أخرج قوله صلى الله عليه وسلم على تقدير سؤال فقال: {قال يا قوم} أي يا من يعز عليّ أن يحصل لهم سوء {اعبدوا الله} أي الملك الأعظم وحده لأن عبادتكم له مع غيره ليست بشيء؛ ثم استأنف تفسير ذلك فقال: {ما لكم} أغرق في النفي فقال: {من إله غيره} جرياً على منهاج الدعاة إلى الله في أصل الدين، وهو إفراد المنعم بالعبادة. ولما أمرهم بذلك، ذكرهم قدرته ونعمته مرغباً مرهباً فقال: {هو} أي وحده {أنشأكم} أي ابتدأ خلقكم {من الأرض} بخلق آدم عليه السلام منها بغير واسطة وبخلقكم من المني من الدم وهو من الغذاء وهو من النبات وهو من الأرض كما أنشأ أوثانكم منها {و} وفع مقداركم عليه بأن {استعمركم} أي أهلكم لما لم يؤهل له الأوثان من أن تكونا عماراً {فيها} فلا تنسوا حق إلهكم وما فضلكم به من حق أنفسكم بخضوعكم لما لا يساويكم فكيف بمن أنشأكم وإياها؛ والإنشاء: الابتداء بالإيجاد من غير استعانة بشيء من الأسباب. ولما بين لهم سبحانه عظمته، وكان الشيطان قد شبه عليهم لأنه لعظمته لا يوصل إليه بوسيلة كما هو حال الملوك وألقى إليهم أن الأوثان وسائل، نفى ذلك مبيناً طريق الرجوع إليه بقوله: {فاستغفروه} أي فأقبلوا بكل قلوبكم عليه طالبين أن يستر ذنوبكم؛ وذكر شرط المغفرة بقوله مشيراً بأداة البعد إلى عظيم المنزلة: {ثم توبوا} أي ارجعوا بجميع قلوبكم {إليه} ثم علل ذلك بلطفه وعطفه ترغيباً في الإقبال إليه فقال مؤكداً لأن من يرى إمهاله للعصاة يظن الظنون ومن عصاه كان عمله عمل من ينكر قربه وإجابته: {إن ربي} الذي أخلصت له العبادة لإحسانه إليّ وأدعوكم إلى الإخلاص له لإحسانه إليكم {قريب} من كل من أقبل إليه من غير حاجة إلى معاناة مشي ولا حركة جارحة {مجيب*} لكل من ناداه لا كمعبوداتكم في الأمرين معاً. ولما دعاهم إلى الحق ونصب لهم عليه من الأدلة ما هم به معترفون وذكرهم نعمه مومئاً إلى التحذير من نقمه، وسهل لهم طريق الوصول إليه، ما كان جوابهم إلا أن سلخوه من طور البشرية لمحض التقليد، فلذلك استأنف الإخبار عن جوابهم بقوله: {قالوا} أي ثمود {يا صالح} نادوه باسمه قلة أدب منهم وجفاء {قد كنت فينا} أي فيما بينا إذا تذاكرنا أمرك {مرجواً} أي في حيز من يصح أن يرجى أن يكون فيه خير وسؤدد ورشد وصلاح، واستغرقوا الزمان فحذفوا الجار وقالوا: {قبل هذا} أي الذي دعوتنا إليه فأما بعد هذا فانسلخت من هذا العداد؛ ثم بينوا ما أوجب سقوطه عندهم بقولهم منكرين إنكار محترق {أتنهانا} أي مطلق نهي {أن نعبد} أي دائماً {ما يعبد آباؤنا} وعبروا بصيغة المضارع تصويراً للحال كأن آباءهم موجودون فلا تمكن مخالفتهم إجلالاً لهم، فأجلوا من يرونه سبباً قريباً في وجودهم ولم يهابوا من أوجدهم وآباءهم أولاً من الأرض وثانياً من النطف، ثم خولهم فيما هم فيه، ثم فزعوا - في أصل الدين بعد ذكر الحامل لهم على الكفر المانع لهم من تركه - إلى البهت بأن ما يوجب القطع لكل عاقل من آيته الباهرة لم يؤثر عندهم إلا ما هو دون الظن في ترك إجابته، فقالوا مؤكدين لأن شكهم حقيق بأن ينكر لأنه في أمر واضح جداً لا يحتمل الشك أصلاً: {وإننا لفي شك} وزادوا التأكيد بالنون واللام وبالإشارة بالظرف إلى إحاطة الشك بهم {مما} ولما كان الداعي واحداً وهو صالح عليه السلام لم يلحق بالفعل غير نون واحدة هي ضميرهم بخلاف ما في سورة إبراهيم عليه السلام فلذلك قالوا: {تدعونا إليه} من عبادة الله وحده {مريب*} أي موقع في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين؛ والرجاء: تعلق النفس لمجيء الخير على جهة الظن، ونظيره الأمل والطمع؛ والنهي: المنع من الفعل بصيغة لا تفعل.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ‏ {‏هو أنشأكم من الأرض‏} ‏ قال‏:‏ خلقكم من الأرض‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏واستعمركم فيها‏} ‏ قال‏:‏ أعمركم فيها‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه ‏ {‏واستعمركم فيها‏}‏ قال‏:‏ استخلفكم فيها. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد ‏ {‏فما تزيدونني غير تخسير‏} ‏ يقول‏:‏ ما تزدادون أنتم إلا خسارا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء الخراساني ‏{‏فما تزيدونني غير تخسير‏} ‏ قال‏:‏ ما تزيدونني بما تصنعون إلا شراً لكم وخسراناً تخسرونه‏. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج في قوله ‏ {‏ثلاثة أيام‏}‏ قال‏:‏ كان بقي من أجل قوم صالح عند عقر الناقة ثلاثة أيام فلم يعذبوا حتى أكملوها‏. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏نجينا صالحاً والذين آمنوا‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نجاه الله برحمة منه، ونجاه من خزي يومئذ‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فأصبحوا في ديارهم جاثمين‏} ‏ قال‏:‏ ميتين‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏كأن لم يغنوا فيها‏} ‏ قال‏:‏ كأن لم يعيشوا فيها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ‏{‏كأن لم يغنوا فيها‏}‏ قال‏:‏ كأن لم يعمروا فيها‏. وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل ‏ {‏كأن لم يغنوا فيها‏} ‏ قال‏:‏ كأن لم يكونوا فيها يعني في الدنيا حين عذبوا ولم يعمروا فيها‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول‏: شعر : وغنيت شيئاً قبل نحري وأحسن لو كان للنفس اللجوج خلود تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏كأن لم يغنوا فيها‏} ‏ قال‏:‏ كأن لم ينعموا فيها‏.

القشيري

تفسير : عُقَيْبَ ما مضى من قصة عادٍ ذَكَرَ ثمود، وثمودهم قوم لصالح، وقد انخرطوا في الغيِّ في سِلْكِ مَنْ سَبَقَهم، فَلَحِقَتُ العقوبةُ بجميعهم. ثم أخبر أنهم قابلوا نَبِيَّهم - عليه السلام - بالتكذيب، ولم يقفوا على ما نبَّههُم عليه من التوبة والتصديق وأصَرُّوا على الإقرار أنهم في شأنه لفي شكٍ مريب. ثم بيَّن أنَّ صالحاً لم يُعِرِّجْ - في التبليغ - على تقصير. وبَعْدَ تَمَرُّدِهم وامتناعهم عن الإنابةِ، وإصرارهم على تَرْكِ الإجابة حقَّ عليهم ما توعدهم به من عذاب غير مكذوب،ونجَّى نبيَّهم - عليه السلام -، ونجَّى مَنْ اتَّبَعَه من كل عقوبة...سُنَّةٌ منه - سبحانه - في إِنجاءِ أوليائه أمضاها، وعادةٌ في تلطفه ورحمته بالمستحقين أجراها.

اسماعيل حقي

تفسير : {والى ثمود} اى وارسلنا الى ثمود وهى قبيلة من العرب سموا باسم ابيهم الاكبر ثمود بن عاد بن ارم بن سام. وقيل انما سموا بذلك لقلة مائهم من الثمد وهو الماء القليل. فى تفسير ابى الليث انما لم ينصرف لانه اسم قبيلة وفى الموضع الذي ينصرف جعله اسما للقوم {اخاهم} اى واحدا منهم فى النسب {صالحا} عطف بيان لاخاهم وهو صالح بن عبيد بن آسف بن ماسخ بن عبيد بن خاور ابن ثمود {قال} استئناف بيانى كأن قائلا قال فما قال لهم صالح ارسل اليهم فقيل قال {يا قوم} [اى قوم من] {اعبدوا الله} وحده لانه {ما لكم من اله غيره} [نيست شمارا معبودى جزوى] {هو} لا غيره لانه فاعل معنوى وتقديمه يدل على القصر {انشأكم} كونكم وخلقكم {من الارض} من لابتداء الغاية اى ابتداء انشاءكم منها فانه خلق آدم من التراب وهو انموذج منطو على جميع ذرياته التى ستوجد الى يوم القيامة انطواء اجماليا لان كل واحد منهم مخلوق من المنى ومن دم الطمث والمنى انما يتولد من الدم والدم انما يتولد من الاغذية وهى اما حيوانية او نباتية والنباتية انما تتولد من الارض والاغذية الحيوانية لا بد ان تنتهى الى الاغذية النباتية المتولدة من الارض فثبت انه تعالى انشأ الكل من الارض {واستعمركم فيها} من العمر يقال عمر الرجل يعمر عمرا بفتح العين وسكون الميم اى عاش زمانا طويلا واستعمره الله اى اطال بقاءه ونظيره بقى الرجل واستبقاه الله من البقاء اى ابقاء الله فبناه استفعل للتعدية. والمعنى عمركم واستبقاكم فى الارض وبالفارسية [وزند كانى وبقاداد شمارا درزمين. درمدارك مذ كورست كه سال عمر هريك از ثمود از سيصد تاهزار بوده] ويجوز ان يكون من العمارة بالفارسية [آبادان كردن]. قال كعب قوله تعالى {واستعمركم فيها} يدل على وجوب عمارة الارض لان الاستعمار طلب العمارة والطلب المطلق منه تعالى يحمل على الامر والايجاب. والمعنى امركم بالعمارة فيها واقدركم على امارتها. كما قال فى الكاشفى [شما قدرت داد برعمارت زمين تامنازل نزه ساختيد وبر حفر انهار وغرس اشجار اشتغال نموديد] {فاستغفروه} فاطلبوا مغفرة الله بالايمان يعنى [ايمان أريد تا شمارا بيامرزد] فان ما فصل من فنون الاحسان داع الى الاستغفار {ثم توبوا اليه} من عبادة غيره لان التوبة لا تصح الا بعد الايمان وقد سبق تحقيق "ثم" هذه غير مرة {ان ربى قريب} اى قريب الرحمة لقوله تعالى {أية : ان رحمة الله قريب من المحسنين} تفسير : {مجيب} لمن دعاه وسأله قال سعدى المفتى والذى يلوح للخاطر ان قوله تعالى قريب ناظر لتوبوا ومجيب لاستغفروا اى ارجعوا الى الله فانه قريب ما هو بعيد واسألوا منه المغفرة فانه مجيب لسائله لا يخيبه شعر : محالست اكر سربرين در نهى كه باز آيدت دست حاجت تهى تفسير : وحفظ العبد من الاسم المجيب ان يجيب ربه فيما امره ونهاه ويتلقى عباده بلطف الجواب واسعاف السؤال والعبد اذا اجاب ربه فالله تعالى يجيبه كما حديث : قال ابو طالب لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما اطوع ربك فقال عليه السلام "وانت يا عم لو اطعته لاطاعك " تفسير : قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر الدعاء يوذن بالبعد وهو تعالى يوذن بالبعد وهو تعالى القريب واذا كان القريب فلم تدعو وان سكت قال لك لم لا تدعو هل استكبرت فلم تبق الغبطة الا للاخرس وهو البكم صم بكم عمى طوبى لهم وحسن مآب انتهى. وهذا وصف العلماء بالله وهم الذين قيل فيهم من عرف الله كل لسانه شعر : جو بيت المقدس درون بر قباب رها كرده ديوار بيرون خراب بخود سرفروبرده همجون صدف ند ماند زدريا بر آورده كف تفسير : واعلم ان عمارة الظاهر بافعال الشريعة من اسباب عمارة الباطن باخلاق الربانية. قال العلماء العمارة متنوعة الى واجب ومندوب ومباح وحرام فالواجب مثل سد الثغور وبناء القناطر على الانهر المهلكة وبناء المسجد الجامع فى المصر وغير ذلك والمندوب كبناء القناطر على الانهر الصغيرة والمساجد والمدارس والرباطات ونحو ذلك تيسيرا للناس والمباح كالزوايا والخانقات والبيوت التى تقى الحر والبرد وربما تكون الاخيرة واجبة. قال فى الاسرار المحمدية الغرض من المسكن دفع المطر والبرد واقل الدرجات فيه معلوم وما زاد عليه فهو من الفضول والاقتصار على الاقل والادنى يمكن فى الديار الحارة واما البلاد الباردة فى غلبة البرد ونفوذه من الجدران الضعيفة حتى كاد يهلك او يمرض فالبناء بالطين واحكامه لا يخرجه عن حد الزاهدين كذا فى ايام لصيف عند اشتداد الحر واستضراره واستضرار اولاده بالبيت الشتوى السفلى لعدم نفوذ الهواء البارد فيه ومن براغيثه فى الليل المزعجات عن النوم وانواع الحشرات فيه فلا يجوز حملهم على الزهد بان يتركهم على هذه الحال بل عليه ان يبنى لهم صيفيا علويا لما روينا عن النبى عليه السلام "حديث : من بنى بنيانا فى غير ظلم ولا اعتداء او غرس غرسا فى غير ظلم ولا اعتداء كان له اجرا جاريا ما انتفع به احد من خلق الرحمن" تفسير : انتهى والحرام كابنية الجهلة الذين بنوا للمباهاة وابنية الظلمة وغير ذلك مما ليس به حاجة. وفى الخبر "حديث : من بنى فوق ما يكفيه جاء يوم القيامة وهو حامله على عنقه" تفسير : وفى الحديث "حديث : الدنيا ملعونة ملعون ما فيها الا ما كان منها لله تعالى" تفسير : وكان ملوك فارس قد اكثروا من حفر الانهار وغرس الاشجار وعمروا الاعمار الطوال مع ما كان فيهم من عسف الرعايا فسأل نبى من انبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم فاوحى اليه انهم عمروا بلادى فعاش فيها عبادى. وعن معاوية انه اخذ فى احياء الارض فى آخر امره فقيل له فقال ما حملنى عليه الا قول القائل شعر : ليس الفتى بفتى يستضاء به ولا يكون له فى الارض آثار تفسير : والمراد بهذه الآثار ما يتناول العمارة الواجبة والمندوبة: قال سعدى قدس سره شعر : نمرد آنكه ماند بس ازوى بجاى بل ومسجد وخان ومهمان سراى هر آن كو نماند ازبسش ياد كار درخت وجودش نياورد بار وكر رفت آثار خيرش نماند نشايد بس از مرك الحمد خواند

ابن عجيبة

تفسير : قلت: قال الشطيبي: صالح: هو ابن عبيد بن عابرَ بن أرْفَخْشد بن سام بن نوح. وثمود هم أولاد ثمود بن عوص بن عاد بن إرم بن سام بن نوح. هـ. وفيه نظر؛ فقد ذكر البيضاوي في سورة الأعراف أن بين صالح ونوح تسعة أجداد، فانظره. يقول الحق جل جلاله: {و} أرسلنا {إلى ثمودَ أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيرُه هو أنشأكم من الأرض} كونكم من الأرض؛ لأنه خلق آدم منها، والنطف التي هي مواد نسله أصها منها، {واستعمركم}؛ عمركم {فيها} وجعلكم تعمرونها بعد من مضى قبلكم، ثم تتركونها لغيركم. أو استبقاكم فيها مدة أعماركم، ثم ترحلون عنها. {فاستغفروه ثم توبوا إليه، أن ربي قريبٌ} من كل شيء {مجيبٌ} لمن دعاه. {قالوا يا صالحُ قد كنت فينا مرجُواً قبل هذا} أي: كنا نرجو أن ننتفع بك؛ لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد، فتكون لنا سيداً، أو مُستشاراً في الأمور، وإن توافقنا على ديننا، فلما سمعنا هذا القول منك انقطع رجاؤنا منك؛ {أتنهانا أن نعبدَ ما يعبد آباؤنا} قبلنا لتصرفنا عن ديننا، {وإننا لفي شكٍّ مما تدعونا إليه} من التوحيد، والتبري من الأوثان. {مُريب}: موقع في الريبة؛ مبالغة في الشك، {قال يا قوم أرأيتُم إن كنتُ على بينة}؛ طريقة واضحة {من ربي} وبصيرة نافذة منه، {وآتاني منه رحمةٌ}: نبوة، {فمن ينصرني من الله}؛ من يمنعني من عذابه {إن عصيته} وأطعتكم في ترك التبليغ، وموافقتكم في الدين الفاسد، {فما تزيدونني} باستتباعكم {غير تَخسير} بترك ما منحني الله به، والتعرض لغضبه، أو فما تزيدونني بما تقولون لي غير تخسير لكم؛ لأنه يجركم إلى الخسران. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من وجهه الحق تعالى يدعو إلى الله فإنما يدعو إلى خصلتين: إفراد الحق بنعوت الألوهية، والقيام بوظائف العبودية؛ شكراً لنعمة الإيجاد، وتوالي الإمداد. فقول صالح عليه السلام: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}، هذا إفراد الحق بالربوبية، وقوله: {هو أنشأكم من الأرض}، هذه نعمة الإيجاد. وقوله: {واستعمركم فيها} هي: نعمة الإمداد، وقوله: {فاستغفروه ثم توبوا إليه}، وهو القيام بوظائف العبودية؛ شكراً لتلك النعمتين. وفي قوله: {إن ربي قريب مجيب}: ترهيب وترغيب. وقوله تعالى: {قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا}: يؤخذ من الآية: أن شُعاع الخصوصية، وآثارها، تظهر على العبد قبل شروق أنوارها، وهو جار في خصوص النبوة والولاية، فلا تظهر على العبد في الغالب حتى يتقدمها آثار وأنوار، من مجاهدة أو أنس، أو اضطرار أو انكسار، أوعِرْق طيب. والله تعالى أعلم. وكل من واجهه منهم تكذيب أو إنكار يقول: {أرأيتم إن كنتُ على بينة من ربي...} الآية. وبالله التوفيق. ثم ذكر معجزة الناقة، فقال: {وَيٰقَوْمِ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً}.

الطوسي

تفسير : حكى الله تعالى في هذه الآية أنه أرسل {إلى ثمود أخاهم صالحاً} ونصب {أخاهم} بأرسلنا، عطف على ما تقدم، وانه {قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} وقد فسرناه. وقوله {هو أنشأكم من الأرض} قيل في معناه قولان: احدهما - انه خلقكم من آدم وآدم من تراب. الثاني - انه خلقكم من الارض، والاول اختيار الجبائي وهو الأقوى. والانشاء الايجاد ابتداء من غير استعانة بشيء من الاسباب، وهما نشأتان الاولى في الدنيا والثانية في الآخرة. وقوله {واستعمركم فيها} اي جعلكم قادرين على عمارة الأرض، ومكنكم من عمارتها والحاجة الى سكناها. والاستعمار جعل القادر يعمر الارض كعمارة الدار. وقال مجاهد معنى {استعمركم فيها} أي اعمركم بأن جعلها لكم طول اعماركم. ومنه العمرى المسألة المعروفة في الفقه. وفي الآية دلالة على فساد قول من حرم المكاسب، لانه تعالى امتن على خلقه بأن مكنهم من عمارة الأرض فلو كان ذلك محرماً لم يكن لذلك وجه، والعبادة لا تستحق إلا بالنعم المخصوصة التي هي أصول النعم فلذلك لا يستحق بعضنا على بعض العبادة ابتداء، وان استحق الشكر، ولذلك لا تحسن العبادة ابتداء، كما لا يحسن الشكر إلا في مقابلة النعم. وقوله {فاستغفروه ثم توبوا إليه} قد بينا معناه وقوله {إن ربي قريب مجيب} معناه أنه قريب الرحمة لا من قرب المكان، لكنه خرج هذا المخرج لحسن البيان في المبالغة، وقيل ان بلاد ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام، وكانت عاد باليمن.

الجنابذي

تفسير : {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} استبقاكم او اعطاكم وعلّمكم ما به تعمرون البلاد {فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ قَالُواْ يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً} للخير لما رأينا عليك من الصّلاح والعقل والكفاية {قَبْلَ هَـٰذَا} الزّمان الّذى أظهرت فيه ما ننكره وما لم نعرفه قبل ذلك من غيرك {أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} الهمزة للتّعجّب {وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} صفة شكٍّ من قبيل ظلّ ظليل سواء كان بمعنى موقع فى الشّكّ او بمعنى ذى ريبة.

فرات الكوفي

تفسير : {وإلى ثمود أخاهم صالحاً61} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي معنعناً: عن يحيى بن مساور قال: أتى رجل من اهل الشام إلى [ر، أ: على] علي بن الحسين عليهما السلام فقال له: أنت علي بن الحسين؟ قال: نعم. قال أبوك قتل المؤمنين! فبكى علي بن الحسين قال: ثم مسح وجهه [و. ب] قال: ويلك وبما قطعت على أبي أنه قتل المؤمنين؟ قال: بقوله: إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم على بغيهم. قال: أما تقرأ القرآن؟ قال: إني أقرأ، قال: أما سمعت قوله [ر: قول الله]: {وإلى عاد أخاهم هوداً، وإلى مدين أخاهم شعيباً، وإلى ثمود أخاهم صالحاً}؟ قال: بلى. قال: كان أخاهم في عشيرتهم أو في دينهم؟ قال: في عشيرتهم [ثم] قال: فرجت عني فرج الله عنك.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {وإلى ثمود أخاهم صالحاً} أخاهم في النسب لا في الدين {قال} لهم {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض} يعني خلق آدم من التراب واستعمركم فيها، قيل: يعني جعلكم عمارها وسكانها، وقيل: أطال عمركم فيها، وقيل: أسكنكم {فاستغفروه} اطلبوا منه المغفرة {إن ربي قريب} الرحمة {مجيب} لمن دعاه، فلما دعاهم صالح بهذا الدعاء الحسن {قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوّاً قبل هذا} أي قد كنَّا نرجو الخير من جهتك لما كنت عليه من الأحوال الجميلة وقد كنَّا نرجو أن تكون فينا سيِّداً {أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا} من الأوثان {قال يا قوم أرأيتم} أعلمتم {إن كنت على بينَّة من ربي} أي حجة واضحة {وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته} إلى آخرها {ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية} يعني ان شككتم في نبوتي فهذه ناقة الله لكم آية أي حجة، وإنما سميت ناقة الله لأنه لم يكن لها ملك، ولأنه رفع عنهم مؤنتها، ولأنه أحدثها آية أخرجها تعالى لهم من جوف صخرة صمّاء وهي حامل كما طلبوا {ولا تمسوها بسوءٍ فيأخذكم عذاب قريب} إن فعلتم ذلك {فعقروها فقال} لهم صالح {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب}، قوله تعالى: {فلما جاء أمرنا} يعني عذابنا {نجينا صالحاً والذين آمنوا معه} أي خلصناهم من العذاب ومن خزي يومئذ أي من هوان ذلك اليوم والذل الذي أصابهم {وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا}، قيل: أمر الله تعالى جبريل (عليه السلام) فصاح عليهم صيحة فماتوا {فأصبحوا في ديارهم جاثمين}، قيل: في بلادهم، وقيل: في منازلهم جاثمين أي ساقطين على الوجوه {كأن لم يغنوا فيها}، قيل: كأن لم يقيموا ولم يسكنوها لانقطاع آثارهم بالهلاك.

الهواري

تفسير : قوله: { وَإِلَى ثَمُودَ} يقول: وأرسلنا إلى ثمود { أَخَاهُمْ صَالِحاً} على الكلام الأول في عاد. { قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ} أي مبتدأ خلقكم من آدم، وخلق آدم من طين، فهو خلقكم من الأرض { وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} قال مجاهد: أعمركم فيها. وقال الحسن: جعلكم عمار الأرض، وهو واحد. كقوله: (أية : وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ) تفسير : [الأعراف:129] أي: بعد الماضين: { فَاسْتَغْفِرُوهُ} أي: من الشرك {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} منه {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} أي: قريب ممن دعاه، مجيب لمن دعاه. ذكروا أن موسى عليه السلام قال: يا رب، أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك، فأوحى الله إليه: أني عند ظن عبدي، وأنا معه إذا دعاني. { قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا} أي كنا نرجو ألا تشتم آلهتنا ولا تعبد غيرها. { أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} أي: من الريبة. {قَالَ يَاقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} أي: على أمر بيّن، أي من النبوة { وَءَاتَانِي} وأعطاني {مِنْهُ رَحْمَةً} أي: النبوة { فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ} فيمنعني منه، أي لا أحد. {فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} يعني إن أجبتكم إلى ما تدعونني إليه لم أزدد به إلا خسراناً.

اطفيش

تفسير : {وإلى ثَمودَ أخاهُم} فى النسب {صَالحاً} مثل: {أية : وإلى عاد أخاهم هوداً} تفسير : {قالَ يا قَوْمِ اعْبدُوا} وحدوا وأطيعوا {اللهَ مَا لكُم مِنْ إلهٍ غَيرهُ} تعليل للعبادة. {هُو أنْشأكُم} أوجدكم {مِنَ الأرْضِ} بإنشاء أبيكم آدم منها، أو بالتولد من ماء الرجل وماء المرأة ودم الطمث المتولدات من النبات، ومما تولد من النبات المتولد من التراب، ولا بأس بالقول بالتولد على نحو هذه الطريقة، فما هو إلا كقوله: {أية : من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة} تفسير : خلافا لمن توهم، أو التقدير أنشأ أباكم من الأرض، فأنتم منها بوسائط، ولا يخفى أن من للابتداء، وأن الجملة تعليل وبرهان لقوله: {ما لكم من إله غيره}. {واسْتَعْمركُم فيها} أى جعلكم ذوى أعمار فيها، وأحياكم وأبقاكم، وقال الحسن: ومجاهد: جعلكم عامرين وساكنين فيها، وقال الضحاك: أطال أعماركم حتى إن الواحد ليعيش ثلاثمائة سنة إلى ألف سنة، وكذلك كان قوم هود قبلهم، ويجوز أن يكون من قولنا فى الفقه: أعمر زيد عمراً داره أى جعلها لعمرو عمرى، أى يسكنها مدة عمره، فالمعنى أنه جعل الأرض عمرى لكم ويرثها بعد انصرافكم، وهو رواية عن مجاهد، أو يجوز أن يكون بمعنى جعلكم معمرين لها تسكنونها مدة أعماركم وتتركونها لغيركم، أو أقدركم على عمارتها وأمركم بها. وقال ابن العربى: خلقكم لعمارتها، ولا يصح أن يقال: هو طلب من الله لعمارتها كما زعم بعض الشافعية انتهى. وكأنه نفى الصحة من حيث العبارة، أى لا يجوز أن يعبر بذلك، وإلا فمراد ذلك البعض، والله أعلم، أنه أمر بعمارتها، ولكن عبر بلفظ الطلب لمكان السين، والتاء فى قوله تعالى: {واستعمركم} ولا شك أن الآية امتنان أكثر ملوك فارس حفر الأنهار، وغرس الأشجار فى طول الأعمار، وفيهم جور، فسأل نبى من أهل زمانهم الله سبحانه وتعالى فى تعميرهم، فأوحى الله إليه أنهم عمروا بلادى فعاش فيها عبادى، وكذا فعل معاوية، وآخر أمره فقيل له فى ذلك، فقال: ما حملنى عليه إلا قول القائل: شعر : ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ولا يكون له فى الأرض آثار تفسير : فاستغفروه من الشرك والذنوب، على أن الخروج من الشرك خروج من الذنوب السابقة كلها. {ثمَّ توبُوا إليْه} بالعبادات، وقيل: استغفروه من الذنوب وتوبوا إليه من الشرك {إنَّ ربِّى قَريبٌ مُجيبٌ} قريب من عباده، أى عالم بما يقولون فى دعائهم وغيره، لما كان البعيد منا لا يعلم ما يقول، كنى الله تعالى عن علمه بما يقال بقربه، أو قريب الرحمة سهل المطلب، مجيب لدعاء داعيه، إلا من فر وأعرض عن موجب الرحمة، وتسبب فى عدم الإجابة، والجملة عندى تعليل لما يفهمه الأمر بالاستغفار والتوبة من أنمها يقبلان.

الالوسي

تفسير : {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} الكلام فيه كالكلام في نظيره السابق آنفاً. وجمهور القراء على منع صرف ثمود ذهاباً إلى القبيلة، وقرأ ابن وثاب والأعمش بالصرف على إرادة الحي {هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ} أي ابتدأ خلقكم منها فإنها المادة الأولى وآدم الذي هو أصل البشر خلق منها، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي أنشأ أباكم، وقيل: {مِنْ} بمعنى في، وليس بشيء، والمراد الحصر كما يفهمه كلام بعض الأجلة كأن القول لعدم أدائهم حقه سبحانه قد اعتقدوا أن الفاعل لذلك غيره تعالى، أو هو مع غيره فخوطبوا على وجه قصر القلب أو قصر الإفراد بذلك، واحتمال أنهم كانوا يعتقدون أحد الأمرين حقيقة لا تنزيلاً يستدعي القول بأنهم كانوا طبيعية أو ثنوية وإلا فالوثنية وإن عبدوا معه سبحانه غيره لا يعتقدون خالقية غيره لهم بوجه من الوجوه، وأخذ الحصر على ما قيل: من تقديم الفاعل المعنوي، وقيل: إنه مستفاد من السياق لأنه لما حصر الإلۤهية فيه تعالى اقتضى حصر الخالقية أيضاً، فبيان ما خلقوا منه بعد بيان أنه الخالق لا غيره يقتضي هذا فتدبر. والظاهر أن من يقول بالحصر هنا يقول به في قوله سبحانه: {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} لمكان العطف وكونه معطوفاً بعد اعتبار التقديم فلا ينسحب على ما بعده مما لا فائدة في التزامه أي وهو الذي جعلكم عمارها وسكانها فالاستفعال بمعنى الإفعال يقال: أعمرته الأرض واستعمرته إذا جعلته عامرها وفوضت إليه عمارتها، وإلى هذا ذهب الراغب وكثير من المفسرين، وقال زيد بن أسلم: المعنى أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه من بناء مساكن وحفر أنهار وغرس أشجار وغير ذلك، فالسين للطلب، وإلى هذا ذهب إلكيا، واستدل بالآية على أن عمارة الأرض واجبة لها الطلب، وقسمها في «الكشاف» إلى واجب كعمارة القناطر اللازمة والمسجد الجامع ومندوب كعمارة المساجد ومباح كعمارة المنازل وحرام كعمارة الحانات، وما يبنى للمباهاة أو من مال حرام كأبنية كثير من الظلمة. واعترض على إلكيا بأنه لم يكن هناك طلب حقيقة ولكن نزل جعلهم محتاجين لذلك ـ وإقدارهم عليه وإلهامهم كيف يعمرون ـ منزلة الطلب، وقال الضحاك: المعنى عمركم فيها واستبقاكم وكان أحدهم يعمر طويلاً حتى أن منهم من يعمر ألف سنة، والمشهور أن الفعل من العمر وهو مدة الحياة بالتشديد ومن العمارة نقيض الخراب بالتخفيف ففي أخذ ذلك من العمر تجوز. وعن مجاهد أن استعمر من العمرى بضم فسكون مقصور، وهي ـ كما قال الراغب ـ في العطية أن تجعل له شيئاً مدة عمرك أو عمره، والمعنى أعمركم فيها ورباكم أي أعطاكم ذلك ما دمتم أحياء ثم هو سبحانه وارثها منكم، أو المعنى جعلكم معمرين دياركم فيها لأن الرجل إذا ورث داره من بعده فكأنما أعمره إياها لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لغيره. {فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ} تفريع على ما تقدم فإن ما ذكر من صنوف إحسانه / سبحانه داع إلى الاستغفار والتوبة. وقوله: {إِنَّ رَبّي قَرِيبٌ} أي قريب الرحمة لقوله سبحانه: {أية : إن رحمة الله قريب من المحسنين}تفسير : [الأعراف: 56] والقرآن يفسر بعضه بعضاً {مُّجِيبٌ} لمن دعاه وسأله زيادة في بيان ما يوجب ذلك، والأول علة باعثة، وهذا علة غائية وما ألطف التقديم والتأخير، وصرح بعضهم أن {قَرِيبٌ} ناظر ـ لتوبوا ـ و {مُّجِيبٌ} ـ لاستغفروا ـ كأنه، قيل: ارجعوا إلى الله تعالى فإنه سبحانه قريب منكم أقرب من حبل الوريد واسألوه المغفرة فإنه جلا وعلا مجيب السائلين ولا يخلو عن حسن.

ابن عاشور

تفسير : قوله تعالى: {وإلى ثمود أخاهم صالحاً} إلى قوله {غيره} الكلام فيه كالذي في قوله: {أية : وإلى عَاد أخاهم هودا}تفسير : [هود: 50] إلخ. وذكر ثمود وصالح ـ عليه السّلام ـ تقدّم في سورة الأعراف. وثمود: اسم جدّ سميت به القبيلة، فلذلك منع من الصرف بتأويل القبيلة. وجملة {هو أنشأكم من الأرض} في موضع التّعليل للأمر بعبادة الله ونفي إلهية غيره، وكأنهم كانوا مثل مشركي قريش لا يدّعون لأصنامهم خلقاً ولا رزقاً، فلذلك كانت الحجّة عليهم ناهضة واضحة. والإنشاء: الإيجاد والإحداث، وتقدّم في قوله تعالى: {أية : وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين}تفسير : في [الأنعام: 6]. وجَعل الخبرين عن الضمير فعلين دون: هو منشئكم ومستعمركم لإفادة القَصر، أي لم ينشئكم من الأرض إلاّ هو، ولم يستعمركم فيها غيره. والإنشاء من الأرض خلق آدم من الأرض لأنّ إنشاءه إنشاء لنسله، وإنّما ذكر تعلّق خلقهم بالأرض لأنّهم كانوا أهل غرس وزرع، كما قال في سورة [الشعراء:146 ـ 148] {أية : أتتْركون فيما هٰهنا آمنين في جنّاتٍ وعيونٍ وزروعٍ ونخلٍ طلعها هضيمٌ}تفسير : ولأنّهم كانوا ينحتون من جبال الأرض بيوتاً ويبنون في الأرض قصوراً، كما قال في الآية الأخرى: {أية : وبوّأكم في الأرض تتّخذون من سهولها قصُوراً وتنحتون الجبال بيوتاً}تفسير : [الأعراف: 74]، فكانت لهم منافع من الأرض تناسب نعمة إنشائهم من الأرض فلأجل منافعهم في الأرض قيّدت نعمة الخلق بأنّها من الأرض التي أنشئوا منها، ولذلك عطف عليه {واستعمركم فيها}. والاستعمار: الإعمار، أي جعلكم عامرينها، فالسّين والتاء للمبالغة كالتي في استبقَى واستفاق. ومعنى الإعمار أنهم جَعلوا الأرض عامرة بالبناء والغرس والزرع لأنّ ذلك يعدّ تعميراً للأرض حتى سمي الحرث عِمارة لأنّ المقصود منه عَمر الأرض. وفرع على التذكير بهذه النعم أمرهم باستغفاره والتّوبة إليه، أي طلب مغفرة أجرامهم، والإقلاع عمّا لا يرضاه من الشرك والفساد. ومن تفنّن الأسلوب أن جعلت هذه النعم علّة لأمرهم بعبادة الله وحده بطريق جملة التّعليل، وجعلت علّة أيضاً للأمر بالاستغفار والتّوبة بطريق التّفريع. وعطف الأمر بالتّوبة بحرف التّراخي للوجه المتقدّم في قوله: {أية : ويا قوم استغفروا ربّكم ثم توبوا إليه}تفسير : [هود: 51] في الآية المتقدمة. وجملة {إنّ ربّي قريب مجيب} استئناف بيانيّ كأنهم استعظموا أن يكون جرمهم ممّا يقبل الاستغفار عنه، فأجيبوا بأنّ الله قريب مجيب، وبذلك ظهر أنّ الجملة ليست بتعليل. وحرف {إنّ} فيها للتّأكيد تنزيلاً لهم في تعظيم جرمهم منزلة من يشكّ في قبول استغفاره. والقرب: هنا مستعار للرأفة والإكرام، لأنّ البعد يستعار للجفاء والإعراض. قال جبير بن الأضبط: شعر : تباعد عنّي مطحل إذ دعوته أمين فزاد الله ما بيننا بعداً تفسير : فكذلك يستعار ضدّه لضدّه، وتقدّم في قوله: {أية : فإنّي قريبٌ أجيب دعوة الداعِ}تفسير : في سورة [البقرة:186]. والمجيب هنَا: مجيب الدّعاء، وهو الاستغفار. وإجابة الدّعاء: إعطاء السائل مسؤوله.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 61- وقد أرسلنا إلى ثمود واحداً منهم، تربطه بهم صلة النسب والمودة، وهو صالح، فقال لهم: يا قوم اعبدوا الله - وحده - ليس لكم من يستحق العبادة غيره، هو خلقكم من الأرض ومكَّنكم من عمارتها، واستثمار ما فيها والانتفاع بخيرها.. فادْعوه أن يغفر لكم ما سلف من ذنوبكم، ثم ارجعوا إليه بالندم على معصيته والإقبال على طاعته كلما وقعتم فى ذنب. إنّ ربى قريب الرحمة مجيب الدعاء لمن يستغفره ويدعوه. 62- قالوا: يا صالح قد كنت بيننا موضع الرجاء والمحبة والتقدير من نفوسنا، قبل هذا الذى تدعونا إليه، أتطلب منا أن نترك عبادة ما كان يعبد آباؤنا وما ألفناه وألفوه؟ إنَّا لفى شك من دعوتك إلى عبادة الله - وحده فهذا مثير للرّيب، وسوء الظن فيك، وفيما تدعو إليه. 63- قال: يا قوم: خبِّرونى إن كنت على بصيرة نيِّرة وبيِّنة مما أدعوكم إليه مُؤيداً بحجة من ربى، وأعطانى ربى رحمة لى ولكم، وهى النبوة والرسالة، فكيف أخالف أمره وأعصيه بعدم تبليغ رسالته، استجابة لكم؟ ومن ينصرنى ويعيننى على دفع عذابه إن عصيته؟ إنكم لا تستطيعون نصرتى ودفع عذابه عنى، فما تزيدوننى غير الضياع والوقوع فى الخسران إن أطعتكم وعصيت ربى وربكم. 64- ويا قوم، هذه ناقة الله جعلها لكم علامة تشهد على صدقى فيما أبلغه لكم، لأنها على غير ما تألفون من أمثالها، فاتركوها تأكل فى أرض الله لأنها ناقته، والأرض أرضه، ولا تنالوها بسوء يؤذيها، فإنكم إن فعلتم ذلك يأخذكم من الله عذاب قريب.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وإلى ثمود: أي وأرسلنا إلى قبيلة ثمود. أخاهم صالحا: أي في النسب لأنه من قبيلة ثمود، بينه وبين ثمود أبي القبيلة خمسة أجداد. واستعمركم: أي جعلكم عماراً فيها تعمرونها بالسكن والإِقامة فيها. قريب مجيب: أي من خلقه، إذ العوالم كلها بين يديه ومجيب أي لمن سأله. مرجوا قبل هذا: أي قبل أن تقول ما قلت كنا نرجو أن تكون سيداً فينا. أرأيتم: أي أخبروني. على بيّنة من ربي: أي على علم بربي علمنيه سبحانه وتعالى فهل يليق بي أن أعبد غيره. غير تخسير: أي خسار وهلاك. معنى الآيات: هذه بداية قصة صالح مع قومه إذ قال تعالى مخبراً عن إرساله إلى قومه {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} أي وأرسلنا إلى قبيلة ثمود بالحجر بين الحجاز والشام أخاهم في القبيلة لا في الدين صالحاً. فقال {يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} فناداهم بعنوان القومية جمعا لقلوبهم على ما يقول لهم فقال {يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} أي آمنوا به ووحدوه في عبادته فلا تعبدوا معه أحداً. إذ ليس لكم من إله غيره. إذ هو ربكم أي خالقكم ورازقكم ومدير أمركم. {أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ} أي ابتدأ خلقكم بخلق أبيكم آدم منها {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} أي جعلكم تعمرونها بالسكن فيها والعيش عليها. إذا فاستغفروه بالاعتراف بألوهيته ثم توبوا إليه فاعبدوه وحده ولا تشركوا في عبادته أحداً. وقوله {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} أخبرهم بقرب الربّ تعالى من عباده وإجابته لسائليه ترغيبا لهم في الإِيمان والطاعة، وترك الشرك والمعاصي. هذا ما تضمّنته الآية الأولى [61] أما الآية الثانية فقد تضمنت رد القوم عليه عليه السلام إذ قالوا بما أخبر تعالى عنهم {يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا} أي كنا نأمل فيك الخير ونرجوا أن تكون سيداً فينا حتى فاجأتنا بما تدعونا إليه من ترك آلهتنا لإِلهك ثم أنكروا عليه دعوته فقالوا {أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} وأخبروه أنهم غير مطمئنين إلى صحة ما يدعوهم إليه من توحيد الله تعالى فقالوا {وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} أي موقع في الريب وهو اضطراب النفس وعدم سكونها إلى ما قيل لها أو أخبرت به هذا ما تضمنه الآية الثانية [62] أما الآية الثالثة [63] فقد تضمنت دعوة صالح لقومه بأسلوب رفيع رغبة منه في أقامة الحجة عليهم لعلهم يؤمنون ويوحدون إذ قال بما أخبر الله تعالى في قوله: {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي} أي على علم يقيني بالإِيمان بربي ووجوب عبادته وتوحيده وآتاني منه رحمةً وهي النبوة والرسالة، فمن ينصرني من الله إن عصيته اللهم إنه لا أحد أبداً إذاً فإِنكم ما تزيدونني إن أنا أطعتكم في ترك عبادة ربّي والرضا بعباة آلهتكم إلا خساراً وضلالا في هذه الحياة وفي الحياة الآخرة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وحدة الوسيلة والغاية عند كافّة الرسل فالوسيلة عباة الله وحده، والغاية رضا الله والجنة. 2- تقديم الاستغفار على التوبة في الآية سره إن المرء لا يقلع عن ذنبه حتى يعترف به. 3- بيان سنة في الناس وهي أن المرء الصالح يرجى في أهله حتى إذا دعاهم إلى الحق وإلى ترك الباطل كرهوه وقد يصارحونه بما صارح به قوم صالح نبيّهم إذ قالوا {قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا}. 4- حرمة الاستجابة لأهل الباطل بأي نوع من الاستجابة، إذ الاستجابة لا تزيد العبد إلا خساراً.

القطان

تفسير : أنشأكم من الارض: اوجدكم منها. استعمركم فيها. جعلكم تعمرونها. مرجوا: نرجوا منك الخير. مريب: موجب للتهمة والشك. تخسير: خسران. صالح هو الرسول الثاني من العرب، ورد ذِكره في القرآن تسع مرات، في سورة الأعراف ثلاث مرات، وفي سورة هود اربع مرات، وفي كل من الشعراء والنمل مرة واحدة. وجاء ذِكر ثمودَ في سورة الحِجْر، وفُصّلت، والذاريات، والنجم، والقمر، والحاقة، والشمس. كانت مساكن ثمود بالحِجْر التي تُعرف اليوم بمدائن صالح، في شمال الحجاز، وآثارُها باقية الى اليوم، وكانوا وثنيين يعبُدون الاصنام. {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ}. وأرسلْنا إلى قوم ثمود رسولَهم صالحاً، فقال لهم: يا قومي، اعبدوا لله وحدَه، لي لكم آله غيره يستحق العبادة. لقد خلقَكُم من الأرض، ومكّنكم من عِمارتها، واستثمارِ خَيراتِها، فاستغفِروه من ذنوبكم، ثم ارِجعوا إليه بالتوبة الصادقة، فهو قريبُ الرحمة مجيبٌ لمن دعاه. {قَالُواْ يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ}. قالوا: يا صالح، لقد كنّا نرجو الخير فيك قبل هذه الدعوة، كنا نرى فيك حكمةً وأصالة رأيٍ، فما بالك الآن؟ أتنهانا عن عبادة ما كان يعبُد آباؤنا؟ نحن في شكٍّ من دعوتك هذه الى عبادة الله وحده، شكٍ يجعلُنا نرتابُ فيك وفيما تقول. {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ}. قال صالح: أخبِروني ان كنتُ على بَصيرةٍ من ربي، واعطني رحمةً منه لي ولكم، وهي النبوة والرسالة، ماذا اصنع؟ وكيف أخالف أمره وأعصيه؟ ومن يُعينني إن عصيتُه؟، إنكم لن تزيدوني غيرَ الضياعِ والوقوع في الخسران.

د. أسعد حومد

تفسير : {صَالِحاً} {يٰقَوْمِ} (61) - يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ بَعَثَ إِلَى قَوْمِ ثَمُودَ رَسُولاً مِنْهُمْ هُوَ صَالِحٌ (وَهُمْ قَوْمٌ كَانُوا يَسْكُنُونَ مَدَائِنَ الحِجْر بَيْنَ تَبُوكَ وَالمَدِينةِ، وَكَانُوا بَعْدَ قَوْمِ عَادٍ فَأَمَرهُمْ صَالِحٌ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَقَالَ لَهُمْ إِنَّ اللهَ هُوَ الذِي خَلَقَ أَبَاكُمْ آدَمَ مِنْ تُرابٍ، وَجَعَلَكُمْ تُعَمِّرُونَ الأَرْضَ، وَتَسْتَغِلُّونَهَا، فَاسسْتَغْفِرُوهُ عَمَّا سَلَفَ مِنْكُمْ مِنْ ذُنُوبٍ، وَتُوبُوا إِلَيهِ فِيمَا تَسْتَقْبِلُونَه، فَإِنَّ رَبِّي قَريبٌ، يَسْمَعُ دَعْوَةَ مَنْ دَعَاهُ، وَيُجِيبُهُ إِذا كَانَ مُؤْمِناً، مُخْلِصاً فِي دَعْوَتِهِ. اسْتَعْمَركُم فِيها - جَعَلَكُمْ عُمَّارَهَا وَسُكَّانَهَا.

الثعلبي

تفسير : {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ} ابتدأ خلقكم {مِّنَ ٱلأَرْضِ} وذلك أن آدم خلق من الأرض وهم منه {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} وجعلكم عمّارها وسكانها، قال ابن عباس: أعاشكم فيها،الضحّاك: أطال أعماركم، مجاهد: أعمركم من العمر أي جعلها داركم وسكنكم،قتادة: أسكنكم فيها. {فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ} ممّن رجاه {مُّجِيبٌ} لمن دعاه. {قَالُواْ} يعني قوم ثمود {يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا} القول أي كنا نرجو أن تكون فينا سيّداً، وقيل: كنا نرجو أن تعود إلى ديننا {أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} من الآلهة. {وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} موقع في الريبة وموجب إليها، يقال: أربته إرابة إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة، قال الهذلي: شعر : كنت إذا أتيته من غيبِ يشم عطفي ويبز ثوبى كأنما أربته بريب تفسير : {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} نبوة وحكمة {فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ} لا يمنعني من عذاب الله {إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} قال ابن عباس: غير خسارة في خسارتكم، الفرّاء: تضليل، قال الحسين بن الفضيل: لم يكن صالح في خسارة حين قال، علمت علم العرب، فما تزيدونني غير تخسير، وإنما المعنى ما تزيدونني، كما يقولون: ما أسبق إياكم إلى الخسارة، وهو قول العرب: فسقته وفجرته إذا نسبته إلى الفسق والفجور، وكذلك خسرته: نسبته إلى الخسران. {وَيٰقَوْمِ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً} نصب على الحال والقطع {فَذَرُوهَا} أي دعوها تأكل في أرض الله من العشب والنبات فليس عليكم رزقها ولا مؤنتها. {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ} ولا تصيبوها بعقر ونحر {فَيَأْخُذَكُمْ} إن قتلتموها {عَذَابٌ قَرِيبٌ} من عقرها {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ} لهم صالح {تَمَتَّعُواْ} حتى يحين (عذابه) {فِي دَارِكُمْ} منازلكم {ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ} تمهلون {ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} غير كذب وقيل: غير مكذوب فيه. {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ} نعمة وعصمة {مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ} عذابه وهوانه. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ * وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ} يعني صيحة جبريل {فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} صرعى، هلكى {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ} يقيموا ويكونوا {فِيهَآ أَلاَ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونحن نلحظ أن الحق سبحانه يبيِّن لنا هنا أنه أرسل إلى ثمود واحداً منهم هو صالح عليه السلام. وجاء الحق سبحانه بلفظ {أَخَاهُمْ} ليبين العلاقة التي بين صالح - عليه السلام - وقومه، فهو قد نشأ بينهم، وعرفوه وخبروه، فإذا ما جاءهم بدعوة - وقد لمسوا صدقه - فلا بد أن يؤمنوا بما جاء به من منهج. وناداهم صالح عليه السلام: {يٰقَوْمِ}، وهي من القيام، يعني: يا من تقومون للأمور. والذي يقوم على الأمر عادة هم الرجال؛ لأن أمر النساء مستور - دائماً - في طي الرجال، فليس كل حكم من أحكام الدين يأتي فيه ذكر المرأة، بل نجد كثيراً من الأحكام تنزل للرجال، والنساء مطويات على الستر في ظل الرجال، والرجل يشقى ويكدح، والمرأة تدير حياة السُكْنى وتربية الأولاد. ونحن نجد من النساء ومن الرجال من يتراضون عند الزواج على ألا تخرج المرأة للعمل. إن للمرأة حق العمل إن احتاجت ولم تجد من يعولها، ولكن إن وجدت من يقوم عليها، فلماذا لا تلتفت إلى عمل لا يقل أهمية عن عمل الرجل، وهو رعاية الأسرة؟ وكذلك يجد من يقوم باسم الحرية بالهجوم على الحجاب، ونقول لمن يفعل ذلك: إذا كنت لم تنتقد التهتك في الملابس، ووَصَفْتَهُ بأنه "حرية"، فلماذا تتدخل في أمر الحجاب، ولا تعتبره "حرية" أيضاً. ونعود إلى الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ..} [هود: 61] والعبادة تقتضي تلقي أوامر الإله المعبود بـ "افعل" و"لا تفعل" في كل حركة من حركات الحياة. فكان أول شيء طلبه صالح من قومه ثمود {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} وأمر عبادة الله وحده مطلوب من كل أحد، ولا يسع أحداً مخالفته. {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ..} [هود: 61]. تقرير واقع لا تستطيعون تغييره، فليس لكم إله آخر غير الله، مهما حاولتم ادعاء آلهة أخرى. ويقول الحق سبحانه: {هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ..} [هود: 61]. والإنشاء هو الإيجاد ابتداء من غير واسطة شيء، ويقال: أنشأ، أي: أوجد وجوداً ابتداءً من غير الاستعانة بشيء آخر. لذلك لا نقول لمن اخترع: إنه "أنشأ" لأنه استعان بأشياء كثيرة ليصل إلى اختراعه؛ فقد يكون مستعيناً بمادة أخذها من الجبال، وبخبرة تجارب صنعها من سبقوه، ولكن الحق سبحانه وتعالى هو الذي ينشىء من عدم. والوجود من العدم قسمان: قسم أوجدته باستعانة بموجود، وقسم أوجدته من عدم محض، وهذا الأخير هو الإنشاء ولا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى. والحق سبحانه جلَّت مشيئته في الإنشاء، فهو ينشىء الإنسان من التقاء الزوج والزوجة، وإن أرجعت هذا الإنشاء إلى البداية الأولى في آدم عليه السلام، فستجد أن الحق سبحانه وتعالى قد خلقه من نفس مادة الأرض، والأرض مخلوق من مخلوقات الله. فمنيُّ الزوج وبويضة الزوجة يتكونان من خلاصة الدم، الذي هو خلاصة الأغذية وهي تأتي من الأرض، فسواء رمزت لآدم بإنشائه من الأرض، أو أبقيتها في ذريته، فكل شيء مَردُّه إلى الأرض. وقول الحق سبحانه: {أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ..} [هود: 61]. نجد فيه كلمة {ٱسْتَعْمَرَكُمْ} وساعة ترى الألف والسين والتاء فاعلم أنها للطلب، وهكذا يكون معنى كلمة "استعمر" هو طلب التعمير. ومن الخطأ الشائع تسمية البلاد التي تحتل بلاداً أخرى: "دول الاستعمار". أقول: إن ذلك خطأ، لأنهم لو كانوا دول استعمار، فهذا يعني أنهم يرغبون في عمارة الأرض، ولكنهم في حقيقة الأمر كانوا يخربون في الأرض؛ ولذلك كان يجب أن تسمى "دول الاستخراب". {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} أي: طلب منكم عمارتها، وهذا يتطلب أمرين اثنين: أن يبقي الناس الأمر الصالح على صلاحه، أو يزيدوه صلاحاً. وكما ضربت المثل من قبل بتحسين وسائل وصول المياه إلى المنازل بعد اكتشاف نظرية الأواني المستطرقة، فقد كان الناس يشربون الماء من الترع، ثم تم اختراع كيفية تكرير المياه، ثم جاءت نظرية الأواني المستطرقة، فاستغلها الناس في بناء خزانات عالية، وتوصيل الماء بواسطة مواسير تدخل لكل بيت. وهكذا تصل المياه النقية لكل منزل، وهكذا يزداد في الأمر الصالح صلاحاً. وأيضاً إن استصلحنا الأرض البور، فنحن نزيد الأرض رقعة صالحة لإنتاج الغذاء لمقابلة الزيادة في عدد السكان. وما دام عدد السكان في زيادة فلا بد من زيادة رقعة الأرض بالاستصلاح؛ لأن الأزمة التي نعاني منها الآن، هي نتيجة للغفلة التي مرت علينا، فزاد التكاثر عن الاستصلاح، وكان الواجب يقتضي أن نزيد من الاستصلاح بما يتناسب مع الزيادة في السكان. وهكذا نفهم معنى استعمار الأرض. ومن عظمة الحق سبحانه وتعالى أنه تجلَّى على الخَلْق بصفات من صفاته، فالقويُّ يعين الضعيف، والحق سبحانه له مطلق القوة، ويَهَبُ الخلق من حكمته حكمة، ومن قبضه قبضاً، ومن بسطه بسطاً، ومن غناه غنىً؛ ولكن الصفات الحسنى كلها ذاتية فيه وموهوبة منه لنا. والدليل على ذلك أن القوي فينا يصير إلى ضعف، والغني منا قد يصيبه الفقر؛ حتى لا نفهم أن هذه الصفات ذاتية فينا، وأن الحق سبحانه وتعالى قد أعطانا من صفاته قدرة لنفعل. ومن أعطاه الله تعالى قدرة ليفعل؛ عليه أن يلاحظ أنه انتفع بفعل من سبقه، فإن أكل اليوم تمراً - على سبيل المثال - فعليه أن يتذكر أن الذي زرع له النخلة هو من سبقه، فليزرع من يأكل البلح الآن نخلة لتفيده بعد سبع سنين - وهو الزمن اللازم لتطرح النخلة بلحاً - وليستفيد بها من يأتي من بعده. ويقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان صالح عليه السلام لقومه "ثمود" في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {.. فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} [هود: 61]. فإن استغفر الإنسان، فالحق سبحانه قريب من كل عبد يستغفر عن ذنوب لا تمثل حقوقاً للناس، والله سبحانه وتعالى يجيب لطالب المغفرة. فماذا كان الرد من قوم ثمود؟ يقول الحق عز وجل ما جاء على ألسنتهم: {قَالُواْ يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [الآية: 61]. يعني: أَعمركم فيها. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا روقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} [الآية: 74]. قال: يخاصمنا في قوم لوط. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} [الآية: 78]. يعني: الإِسراع في المشي.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُمْ} معناهُ ابتَدأ خَلقكِمْ. تفسير : وقوله تعالى: {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} معناهُ جَعَلَكُم فِيهَا عُمَّاراً.

الأندلسي

تفسير : {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} الآية. {هُوَ أَنشَأَكُمْ} اخترعكم. {مِّنَ ٱلأَرْضِ} أي باختراع آدم عليه السلام أصلهم فكان إنشاء الأصل إنشاءً للفرع. {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ} جعلكم عماراً. وقيل: استعمركم من العمر، أي استبقاكم فيها. {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ} أي داني الرحمة. {مُّجِيبٌ} لمن دعاه. {قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً} قال كعب: كانوا يرجونه للمملكة بعد مَلِكهم لأنه كان ذا حسب وثروة. وعن ابن عباس: كان فاضلاً خيراً نقدمك على جميعنا. والإِشارة بهذا إلى الأمر بعبادة الله تعالى وإفراده بها. {مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} حكاية حال ماضية. وفي اننا لغتان لقريش. قال الفراء: من قال اننا اخرج الحرف على أصله لأنه كناية المتكلمين فاجتمعت ثلاث نونات. ومن قال: انا استثقل اجتماعها فأسقط الثالثة وأبقى الأولتين. والذي اختاره ان نا ضمير المتكلمين لا تكون المحذوفة، لأن في حذفها حذف بعض اسم وهي منه حرف ساكن. وإنما المحذوفة النون الثانية من أنّ، فحذفت لاجتماع الأمثال وبقي من الحرف الهمزة والنون الساكنة بعد هذا أولى من حذف ما بقي منه حرف. وأيضاً فقد عهد حذف هذه النون مع غير ضمير المتكلمين ولم يعهد حذف نون نا فكان حذفها من أن أولى. ومريب اسم فاعل من متعد، أرابه: أوقعه في الريبة، وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة. أو: من لازم اراب الرجل إذا كان ذا ريبة. فأسند ذلك إلى الشك إسناداً مجازياً، ووجود هذا الشك كوجود التصميم على الكفر. {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي} الآية، تقدم الكلام على أرأيتم في قصة نوح عليه السلام. {غَيْرَ تَخْسِيرٍ} غير أن أُخَسركم، أي أنسُبكم إلى الخسران وأقول انكم خاسرون ففعل هذا للنسبة كفسَّقتُهُ وفجرته، أي نسبته إلى الفسق والفجور. قال الزمخشري: فإن قلت: فبم يتعلق لكم؟ قلت: بآية حالاً منها متقدمة لأنها لو تأخرت لكانت صفة لها، فلما تقدمت انتصبت على الحال. "انتهى". هذا متناقض لأنه من حيث تعلق لكم بآية كان لكم معمولاً لآية وإذا كان معمولاً لها امتنع أن يكون حالاً منها لأن الحال يتعلق بمحذوف فيتناقض هذا الكلام لأنه من حيث كونه معمولاً لها كانت هي العاملة ومن حيث كونه حالاً منها كان العامل غيرها. ومعنى {تَمَتَّعُواْ} استمتعوا بالعيش. {فِي دَارِكُمْ} في بلدكم. وتسمى البلاد: الديار. {ذٰلِكَ} أي الوعد بالعذاب. {غَيْرُ مَكْذُوبٍ} أي صدق حق. والأصل غير مكذوب فيه فاتسع فيه بحذفه حرف الجر وأجري الضمير مجرى المفعول به.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا } . إلى آخر قصتهم، أي: { و } أرسلنا { إِلَى ثَمُودَ } وهم: عاد الثانية، المعروفون، الذين يسكنون الحجر، ووادي القرى، { أَخَاهُمْ } في النسب { صَالِحًا } عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فـ { قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } أي: وحدوه، وأخلصوا له الدين { مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } لا من أهل السماء، ولا من أهل الأرض. { هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ } أي: خلقكم فيها { وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } أي: استخلفكم فيها، وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة، ومكنكم في الأرض، تبنون، وتغرسون، وتزرعون، وتحرثون ما شئتم، وتنتفعون بمنافعها، وتستغلون مصالحها، فكما أنه لا شريك له في جميع ذلك، فلا تشركوا به في عبادته. { فَاسْتَغْفِرُوهُ } مما صدر منكم، من الكفر، والشرك، والمعاصي، وأقلعوا عنها، { ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } أي: ارجعوا إليه بالتوبة النصوح، والإنابة، { إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ } أي: قريب ممن دعاه دعاء مسألة، أو دعاء عبادة، يجيبه بإعطائه سؤله، وقبول عبادته، وإثابته عليها، أجل الثواب، واعلم أن قربه تعالى نوعان: عام، وخاص، فالقرب العام: قربه بعلمه، من جميع الخلق، وهو المذكور في قوله تعالى: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } تفسير : والقرب الخاص: قربه من عابديه، وسائليه، ومحبيه، وهو المذكور في قوله تعالى {أية : وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ }. تفسير : وفي هذه الآية، وفي قوله تعالى: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ } تفسير : وهذا النوع، قرب يقتضي إلطافه تعالى، وإجابته لدعواتهم، وتحقيقه لمراداتهم، ولهذا يقرن، باسمه "القريب" اسمه "المجيب". فلما أمرهم نبيهم صالح عليه السلام، ورغبهم في الإخلاص لله وحده، ردوا عليه دعوته، وقابلوه أشنع المقابلة. { قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا } أي: قد كنا نرجوك ونؤمل فيك العقل والنفع، وهذا شهادة منهم، لنبيهم صالح، أنه ما زال معروفا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وأنه من خيار قومه. ولكنه، لما جاءهم بهذا الأمر، الذي لا يوافق أهواءهم الفاسدة، قالوا هذه المقالة، التي مضمونها، أنك [قد] كنت كاملا والآن أخلفت ظننا فيك، وصرت بحالة لا يرجى منك خير. وذنبه، ما قالوه عنه، وهو قولهم: { أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا } وبزعمهم أن هذا من أعظم القدح في صالح، كيف قدح في عقولهم، وعقول آبائهم الضالين، وكيف ينهاهم عن عبادة، من لا ينفع ولا يضر، ولا يغني شيئا من الأحجار، والأشجار ونحوها. وأمرهم بإخلاص الدين لله ربهم، الذي لم تزل نعمه عليهم تترى، وإحسانه عليهم دائما ينزل، الذي ما بهم من نعمة، إلا منه، ولا يدفع عنهم السيئات إلا هو. { وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ } أي: ما زلنا شاكين فيما دعوتنا إليه، شكا مؤثرا في قلوبنا الريب، وبزعمهم أنهم لو علموا صحة ما دعاهم إليه، لاتبعوه، وهم كذبة في ذلك، ولهذا بين كذبهم في قوله: { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي } أي: برهان ويقين مني { وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً } أي: منَّ علي برسالته ووحيه، أي: أفأتابعكم على ما أنتم عليه، وما تدعونني إليه؟. { فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ } أي: غير خسار وتباب، وضرر. { وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً } لها شرب من البئر يوما، ثم يشربون كلهم من ضرعها، ولهم شرب يوم معلوم. { فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ } أي: ليس عليكم من مؤنتها وعلفها شيء، { وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ } أي: بعقر { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ } لهم صالح { تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } بل لا بد من وقوعه. { فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا } بوقوع العذاب { نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ } أي نجيناهم من العذاب والخزي والفضيحة. { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ } ومن قوته وعزته أن أهلك الأمم الطاغية ونجى الرسل وأتباعهم. { وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ } العظيمة فقطعت قلوبهم { فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ } أي خامدين لا حراك لهم. { كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا } أي كأنهم لما جاءهم العذاب ما تمتعوا في ديارهم ولا أنسوا بها ولا تنعموا بها يوما من الدهر قد فارقهم النعيم وتناولهم العذاب السرمدي الذي ينقطع الذي كأنه لم يزل. { أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ } أي جحدوه بعد أن جاءتهم الآية المبصرة { أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ } فما أشقاهم وأذلهم نستجير بالله من عذاب الدنيا وخزيها.