١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
62
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا} أي كنا نرجو أن تكون فينا سيّداً قبل هذا؛ أي قبل دعوتك النبوّة. وقيل: كان صالح يعيب آلهتهم ويشنؤها، وكانوا يرجون رجوعه إلى دينهم، فلما دعاهم إلى الله قالوا: ٱنقطع رجاؤنا منك. {أَتَنْهَانَآ} استفهام معناه الإنكار. {أَن نَّعْبُدَ} أي عن أن نعبد. {مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} فأن في محل نصب بإسقاط حرف الجر. {وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ} وفي سورة «إبراهيم» «وَإِنَّا» والأصل وإنّنا؛ فاستثقل ثلاث نونات فأسقط الثالثة. {مِّمَّا تَدْعُونَآ} الخطاب لصالح، وفي سورة «إبراهيم» «تَدْعُونَنَا» لأن الخطاب للرسل (صلوات الله وسلامه عليهم) {إِلَيْهِ مُرِيبٍ} من أربته فأنا أريبه إذا فعلت به فعلاً يوجب لديه الريبة. قال الهذلي:شعر : كنتُ إذا أتوتُهُ من غَيْبِ يَشُمُّ عِطْفِي ويَبُزُّ ثَوْبِي كأنّمـا أربتُـه بِرَيْـبِ تفسير : قوله تعالى: {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} تقدّم معناه في قول نوح. {فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ} استفهام معناه النفي؛ أي لا ينصرني منه إن عصيته أحد. {فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} أي تضليل وإبعاد من الخير؛ قاله الفرّاء. والتخسير لهم لا له صلى الله عليه وسلم؛ كأنه قال: غير تخسير لكم لا لي. وقيل: المعنى ما تزيدونني باحتجاجكم بدين آبائكم غير بصيرة بخسارتكم؛ عن ابن عباس. قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ} ابتداء وخبر. {لَكُمْ آيَةً} نصب على الحال، والعامل معنى الإشارة أو التنبيه في «هَذِهِ». وإنما قيل: ناقة الله؛ لأنه أخرجها لهم من جبل ـ على ما طلبوا ـ على أنهم يؤمنون. وقيل: أخرجها من صخرة صمّاء منفردة في ناحيةِ الحجر يقال لها الكاثبة، فلما خرجت الناقة ـ على ما طلبوا ـ قال لهم (نبي الله) صالح: {هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً}. {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ} أمر وجوابه؛ وحذفت النون من «فذروها» لأنه أمر. ولا يقال: وَذِرَ ولا وَاذِرٌ إلا شاذّاً. وللنحويين فيه قولان؛ قال سيبويه: استغنوا عنه بتَركَ. وقال غيره: لما كانت الواو ثقيلة وكان في الكلام فِعل بمعناه لا واو فيه ألغوه؛ قال أبو إسحاق الزّجاج: ويجوز رفع «تَأكل» على الحال والاستئناف. {وَلاَ تَمَسُّوهَا} جزم بالنهي. {بِسُوۤءٍ} قال الفرّاء: بعَقْر. {فَيَأْخُذَكُمْ} جواب النهي. {عَذَابٌ قَرِيبٌ} أي قريب من عَقْرِها. قوله تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ}. فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {فَعَقَرُوهَا} إنما عقرها بعضهم؛ وأضيف إلى الكل لأنه كان برضا الباقين. وقد تقدّم الكلام في عقرها في «الأعراف». ويأتي أيضاً. {فَقَالَ تَمَتَّعُواْ} أي قال لهم صالح تمتعوا؛ أي بنعم الله عزّ وجلّ قبل العذاب. {فِي دَارِكُمْ} أي في بلدكم، ولو أراد المنزل لقال في دوركم. وقيل: أي يتمتع كل واحد منكم في داره ومسكنه؛ كقوله: {أية : يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} تفسير : [غافر: 67] أي كل واحد طفلاً. وعبر عن التمتع بالحياة لأن الميّت لا يتلذذ ولا يتمتع بشيء؛ فعقرت يوم الأربعاء، فأقاموا يوم الخميس والجمعة والسبت وأتاهم العذاب يوم الأحد. وإنما أقاموا ثلاثة أيام؛ لأن الفصيل رغا ثلاثاً على ما تقدّم في «الأعراف» فاصفرّت ألوانهم في اليوم الأول، ثم ٱحمرّت في الثاني، ثم ٱسودّت في الثالث، وهلكوا في الرابع؛ وقد تقدّم في «الأعراف». الثانية: استدلّ علماؤنا بإرجاء الله العذاب عن قوم صالح ثلاثة أيام على أن المسافر إذا لم يُجمع على إقامة أربع ليال قصر؛ لأن الثلاثة الأيام خارجة عن حكم الإقامة. وقد تقدّم في «النساء» ما للعلماء في هذا. قوله تعالى: {ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} أي غير كذب. وقيل: غير مكذوب فيه. قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} أي عذابنا. {نَجَّيْنَا صَالِحاً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} تقدّم. {وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ} أي ونجيناهم من خزي يومئذ؛ أي من فضيحته وذلّته. وقيل: الواو زائدة؛ أي نجيناهم من خزي يومئذ. ولا يجوز زيادتها عند سيبويه وأهل البصرة، وعند الكوفيين يجوز زيادتها مع «لما» و«حتى» لا غير. وقرأ نافع والكسائيّ «يَوْمَئِذٍ» بالنصب. الباقون بالكسر على إضافة «يوم» إلى «إذ». وقال أبو حاتم: حدّثنا أبو زيد عن أبي عمرو أنه قرأ «وَمِنْ خِزْيِ يَوْمَئِذٍ» أدغم الياء في الياء، وأضاف، وكسر الميم في «يومئذ». قال النحاس: الذي يرويه النحويون ـ مثل سيبويه ومن قاربه عن أبي عمرو في مثل هذا ـ الإخفاء؛ فأما الإدغام فلا يجوز، لأنه يلتقي ساكنان، ولا يجوز كسر الزاي. قوله تعالى: {وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ} أي في اليوم الرابع صِيح بهم فماتوا؛ وذَكَّر لأن الصّيحة والصِّياح واحد. قيل: صيحة جبريل. وقيل: صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء في الأرض، فتقطعت قلوبهم وماتوا. وقال هنا: «وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ» وقال في «الأعراف» «أية : فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ» تفسير : [الأعراف: 18] وقد تقدّم بيانه هناك. وفي التفسير: أنهم لما أيقنوا بالعذاب قال بعضهم لبعض ما مقامكم أن يأتيكم الأمر بغتة؟ٰ قالوا: فما نصنع؟ فأخذوا سيوفهم ورماحهم وعُدَدهم، وكانوا فيما يقال ٱثني عشر ألف قبيلة، في كل قبيلة ٱثنا عشر ألف مقاتل، فوقفوا على الطرق والفِجاج، زعموا يلاقون العذاب؛ فأوحى الله تعالى إلى الملَك الموكل بالشمس أن يعذبهم بحرّها، فأدناها من رؤوسهم فاشتوت أيديهم، وتدلت ألسنتهم على صدورهم من العطش، ومات كل ما كان معهم من البهائم. وجعل الماء يتفوّر من تلك العيون من غليانه حتى يبلغ السماء، لا يسقط على شيء إلا أهلكه من شدّة حره، فما زالوا كذلك، وأوحى الله إلى ملَك الموت ألا يقبض أرواحهم تعذيباً لهم إلى أن غربت الشمس؛ فصيح بهم فأهلكوا. {فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} أي ساقطين على وجوههم، قد لصقوا بالتراب كالطير إذا جَثَمت. {أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ} تقدّم معناه.
البيضاوي
تفسير : {قَالُواْ يا صَـٰلِحٌ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّا قَبْلَ هَـٰذَا} لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد أن تكون لنا سيداً ومستشاراً في الأمور، أو أن توافقنا في الدين فلما سمعنا هذا القول منك انقطع رجاؤنا عنك. {أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا} على حكاية الحال الماضية. {وَإِنَّنَا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} من التوحيد والتبري عن الأوثان. {مُرِيبٍ} موقع في الريبة من أرابه، أو ذي ريبة على الإِسناد المجازي من أراب في الأمر.
ابن كثير
تفسير : يذكر تعالى ما كان من الكلام بين صالح عليه السلام وبين قومه، وما كان من الجهل والعناد في قولهم: {قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَا} أي: كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت {أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا} وما كان عليه أسلافنا {وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} أي: شك كثير {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّىۤ} فيما أرسلني به إليكم على يقين وبرهان {وَءَاتَـٰنِى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ} وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة الله وحده، فلو تركته، لما نفعتموني، ولما زدتموني {غَيْرَ تَخْسِيرٍ} أي: خسارة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالُواْ يٰصَٰلِح قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً } نرجو أن تكون سيداً {قَبْلَ هَٰذَا } الذي صدر منك {أَتَنْهَٰنَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا} من الأوثان {وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } من التوحيد {مُّرِيبٍ } مُوقع في الريب.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {قالوا يا صالحُ قد كنت فينا مرجُوّاً قَبل هذا} فيه وجهان: أحدهما: أي مؤملاً برجاء خيرك. الثاني: أي حقيراً من الإرجاء وهو التأخير، فيكون على الوجه الأول عتباً، وعلى الثاني زجراً. قوله عز وجل: {قال يا قوم أرأيتم إن كُنْتُ على بينةٍ من ربي} يحتمل وجهين: أحدهما: على حق بَيّن. الثاني: على حجة ظاهرةٍ. وقال الكلبي على دين من ربي. {وآتاني منه رحمة} قال ابن جرير الطبري يعني النبوة والحكمة. {فمن ينصرني من الله إن عصيته} أي فمن يدفع عني عذاب الله إن عصيته بطاعتكم. {فما تزيدونني غير تخسير} فيه وجهان: أحدهما: يعني ما تزيدونني في احتجاجكم بتباع آبائكم إلا خساراً تخسرونه أنتم، قاله مجاهد. الثاني: فما تزيدونني مع الرد والتكذيب إن أجبتم إلى ما سألتم إلا خساراً لاستبدال الثواب بالعقاب.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَرْجُوّاً} يرجى خيرك، أو حقيراً من الإرجاء والتأخير.
النسفي
تفسير : {قَالُواْ يَا صَـٰلِحٌ قَدْ كُنتَ فِينَا } فيما بيننا {مَرْجُوّا قَبْلَ هَـٰذَا } للسيادة والمشاورة في الأمور أو كنا نرجو أن تدخل في ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه {أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا } حكاية حال ماضية {وَإِنَّنَا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } من التوحيد {مُرِيبٍ } موقع في الريبة من أرابه إذا أوقعه في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَءيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةً مّن رَّبّى وَءاتَـٰنِى مِنْهُ رَحْمَةً} نبوة، أتى بحرف الشك مع أنه على يقين أنه على بينة لأن خطابه للجاحدين فكأنه قال قدروا أني على بينة من ربي، وأنني نبي على الحقيقة وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره {فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ } فمن يمنعني من عذاب الله {إِنْ عَصَيْتُهُ } في تبليغ رسالته ومنعكم عن عبادة الأوثان {فَمَا تَزِيدُونَنِى } بقولكم: {أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا} {غَيْرَ تَخْسِيرٍ } بنسبتكم إياي إلى الخسار أو بنسبتي إياكم إلى الخسران. {يٰقَوْمِ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءايَةً } نصب على الحال قد عمل فيها ما دل عليه اسم الإشارة من معنى الفعل و{لكم} متعلق {بآية} حالاً منها متقدمة، لأنها لو تأخرت لكانت صفة لها فلما تقدمت انتصبت على الحال {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ ٱللَّهِ } أي ليس عليكم رزقها مع أن لكم نفعها {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء } عقر أو نحر {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ } عاجل {فَعَقَرُوهَا } يوم الأربعاء {فَقَالَ } صالح {تَمَتَّعُواْ } استمتعوا بالعيش {فِى دَارِكُمْ } في بلدكم وتسمى البلاد الديار لأنه يدار فيها أي يتصرف أو في دار الدنيا {ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ } ثم تهلكون فهلكوا يوم السبت {ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } أي غير مكذوب فيه فاتسع في الظرف بحذف الحرف وإجرائه مجرى المفعول به، أو وعد غير كذب على أن المكذوب مصدر كالمعقول .
ابو السعود
تفسير : {قَالُوا يا صَالِحُ قد كُنتَ فينَا مَرْجُوّاً} أي كنا نرجو منك لِما كنا نرى منك من دلائل السَّداد ومخايلِ الرشاد أن تكون لنا سيداً ومستشاراً في الأمور. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فاضلاً خيّراً نقدّمك على جميعنا. وقيل: كنا نرجو أن تدخُلَ في ديننا وتوافقَنا على ما نحن عليه. {قَبْلَ هَذَا} الذي باشرتَه من الدعوة إلى التوحيد وتركِ عبادةِ الآلهة، أو قبل هذا الوقتِ فكأنهم لم يكونوا إلى الآن على يأس من ذلك ولو بعد الدعوةِ إلى الحق فالآن قد انصرَم عنك رجاؤُنا. وقرأ طلحةُ مرجُوءاً بالمد والهمزة {أَتَنْهَانا أَن نَعْبُد مَا يَعبد آبَاؤنا} أي عبَدوه، والعدولُ إلى صيغة المضارعِ لحكاية الحالِ الماضية {وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ} من التوحيد وتركِ عبادةِ الأوثانِ وغيرِ ذلك من الاستغفار والتوبة {مُرِيبٍ} أي مُوقعٌ في الريبة، مِنْ أرابه أي أوقعه في الريبة، أي قلقِ النفسِ وانتفاءِ الطمُأنينة أو من أراب إذا كان ذا رِيبةٍ وأيَّهما كان فالإسنادُ مجازيٌّ والتنوينُ فيه وفي (شك) للتفخيم. {قَالَ يَـا قَوْمِ أَرَءيْتُمْ} أي أخبروني {إِن كُنتُ} في الحقيقة {عَلَىٰ بَيّنَةٍ} أي حجةٍ ظاهرةٍ وبرهانٍ وبصيرة {مّن رَّبّى} مالكي ومتولّي أمري {وَآتَانِى مِنْهُ} من جهته {رَحْمَةً} نبوّةً، وهذه الأمورُ وإن كانت محقّقة الوقوعِ لكنها صُدّرت بكلمة الشك اعتباراً لحال المخاطبـين ورعايةً لحسن المحاوَرةِ لاستنزالهم عن المكابرة {فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ} أي ينجِّيني من عذابه، والعدولُ إلى الإظهار لزيادة التهويلِ والفاءُ لترتيب إنكارِ النُّصرةِ على ما سبق من إيتاء النبوةِ وكونِه على بـينة من ربه على تقدير العصيانِ حسبما يُعرب عنه قوله تعالى: {إِنْ عَصَيْتُهُ} أي بالمساهلة في تبليغ الرسالةِ والمجاراةِ معكم فيما تأتون وتذرون فإن العصيانَ ممنْ ذلك شأنُه أبعدُ والمؤاخذةَ عليه ألزمُ وإنكارَ نُصرتِه أدخل {فَمَا تَزِيدُونَنِى} إذن باستتباعكم إيايَ كما ينبىء عنه قولُهم: {قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّا قَبْلَ هَـٰذَا} أي لا تفيدونني إذ لم يكن فيه أصلُ الخُسران حتى يزيدوه {غَيْرَ تَخْسِيرٍ} أي غيرَ أن تجعلوني خاسراً بإبطال أعمالي وتعريضي لسخط الله تعالى أو فما تزيدونني بما تقولون غيرَ أن أنسُبَكم إلى الخسران وأقولَ لكم: إنكم الخاسرون، فالزيادةُ على معناه، والفاءُ لترتيب عدمِ الزيادةِ على انتفاء الناصِرِ المفهومِ من إنكاره على تقدير العصيان مع تحقق ما ينفيه من كونه عليه الصلاة السلام على بـينة من ربه وإيتائِه النبوةَ.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالوا} اى قوم صالح بعد دعوتهم الى الله تعالى وعبادته {يا صالح قد كنت فينا} فيما بيننا {مرجوا} مأمولا {قبل هذا} الوقت وهو وقت الدعوة كانت تلوح فيك مخايل الخير وامارات الرشد والسداد فكنا نرجوك ان تكون لنا سيدا ننتفع بك ومستشارا فى الامور ومسترشدا فى التدابير فلما سمعنا منك هذا القول انقطع رجاؤنا عنك وعلمنا ان لا خير فيك كما يقول بعض اهل الانكار لبعض من يسلك طريق الارادة والطلب ان هذا قد فسد بل جن وكان قبل هذا رجلا صالحا عاقلا فلا يرجى منه الخير: وفى المثنوى شعر : عقل جزوى عشق را منكربود كرجه بنمايد كه صاحب سربود تفسير : قال الحافظ شعر : مبين حقير كدايان عشق را كين قوم شهان بى كمر وخسروان بى كلهند غلام همت دردى كشان يك رنكيم نه زين كروه كه ازرق رداودل سيهند تفسير : {أتنهانا} معنى الهمزة الانكار اى أتمنعنا من {ان نعبد ما يعبد آباؤنا} اى عبدوه والعدل الى صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية {واننا} من قال انا اسقط النون الثانية من ان دون كناية المتكلمين نا وهو المختار {لفى شك مما تدعونا اليه} من التوحيد وترك عبادة الاوثان {مريب} موقع فى الريبة اى قلق النفس وانتفاء الطمأنينة: يعنى [كمانى كه نفس را مضطرب ميسازد ودل آرام نمى دهد وعقل را شوريده مى كرداند] من ارابه اى اوقعه فى الريبة واسناد الارابه الى الشك وهو ان يبقى الانسان متوقفا بين النفى والاثبات مجازى لان الريب هو انتفاء ما يرجح احد طرفى النسبة او تعارض الادلة لا نفس الشك. وقال سعدى المفتى يجوز ان يعتقدوا ان الشك يوقع فى القلق والاضطراب فيكون الاسناد حقيقيا وان كان الموقع عند الموحدين هو الله تعالى
الطوسي
تفسير : في هذه الآية حكاية ما أجاب به قوم صالح له حين قالوا له يا صالح قد كنت فينا مرجوّاً قبل هذا، ومعناه قد كنا نرجو منك الخير، ونطمع فيه من جهتك قبل هذا لما كنت عليه من الاحوال الجميلة، فالآن يئسنا منك. والرجاء تعلق النفس بمجيء الخير على جهة الظن، ومثله الأمل والطمع. وقوله {أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا} معناه تحظر علينا عبادة كان يعبدها أباؤنا. وقوله {إننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب} معناه إن الذي أتيتنا به لا يوجب العلم بل يوجب الشك فنحن في شك مما جئتنا به. والريبة هي الشك إلا ان مع الريبة تهمة للمعنى ليست في نقيضه، والشك قد يعتدل فيه النقيضان.
اطفيش
تفسير : {قالُوا يَا صَالحُ قَدْ كُنتَ فِينَا} متعلق بكنت، أو حال من التاء، أو من المستتر فى قوله: {مَرْجوَّا} نرجوك أن تكون فينا سيدا مقدما علينا، كما قال ابن عباس والجمهور، أو مستشارا فى الأمور، أو لما نرى فيك من مخايل الرشاد، وقد كان يغنى الفقير، ويعين الضعيف، أو أن توافقنا فى الدين {قَبْل هَذا} قبل ادعائك النبوة، وقد انقطع رجاؤنا عنك بعده. {أتنْهانا أنْ نَعْبد} عن أن نعبد المضارعان للحال حقيقة {ما يعْبُد آباؤنَا} من الأصنام، وهذا لحكاية الحال الماضية كأنها حاضرة {إنَّنا لفى شكٍّ مما} من للابتداء، فإن الشك آتاهم مما دعاهم، أو بمعنى فى متعلق بشك {تدْعُونا إليْهِ} من التوحيد والأحكام {مُريبٍ} أى موقع فى الريب وهو الشك، من أرابه إذا جعله شاكا أو معنى ذى ريبة أى شك، على أن الشك هو بنفسه شاك على الإسناد المجازى، فهو على هذا كقولهم فى المبالغة والتوحيد ليلة لبلاد، وليل لائل.
اطفيش
تفسير : {قالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا} نرجوك للأُمور العظام كالنفع بالرأْى والمال والرياسة لما رأَوا منه من حسن العشرة ومكارم الأَخلاق، وكالموافقة فى الدين ورفع شأْن الأَصنام، وقيل مرجو للملك بعد ملكهم لأَنه ذو حسب وثروة، وقيل مرجوا مؤخرا غير معتبر لحقارتك {قَبْلَ هَذَا} أَى قبل هذا الوقت الذى جئْتنا فيه بالتوحيد وما تدعيه من الله عز وجل، أَو قبل المجىءِ بذلك أَو قبل قولك هذا، ولما رأَينا منك ذلك انقطع رجاؤُنا منك {أَتَنْهَانَا أَنْ نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} من الأَصنام مع قدمهم وكثرتهم وجودة رأْيهم وطول أَزمنتهم فيعبد لحكاية الحال الماضية {وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} من التوحيد والطاعة والإِيمان برسالتك {مُرِيبٍ} موقع فى الريب لنا من أَراب المتعدى فيكون من الإِسناد إِلى السبب، أَو ذى ريب من أَراب اللازم وكل من كون الشك ذا ريب أَو موقعا فى الريب المبالغة كقولك ظل ظليل أَو مظلل، أَو المراد أَن ذلك الشك يورث الريبة وهى غيره، فإِنه التردد وهى بعده ترجيح السوءِ والاتهام به أَو القلق والاضطراب ومورث ذلك حقيقة هو الله عز وجل.
الالوسي
تفسير : {قَالُواْ يَٰصَـٰلِحٌ قَدْ كُنتَ فِينَا} أي فيما بيننا {مَرْجُوّا} فاضلاً خيراً نقدمك على جميعنا على ما روي عن ابن عباس. وقال ابن عطية مشوراً نأمل منك أن تكون سيداً ساداً مسدّ الأكابر، وقال كعب: كانوا يرجونه للملك بعد ملكهم لأنه كان ذا حسب وثروة. وقال مقاتل: كانوا يرجون رجوعه إلى دينهم إذ كان يبغض أصنامهم ويعدل عن دينهم {قَبْلَ هَـٰذَا} أي الذي باشرته من الدعوة إلى التوحيد وترك عبادة الآلهة فلما سمعنا منك ما سمعناه انقطع عنك رجاؤنا، وقيل: كانوا يرجون دخوله في دينهم بعد دعواه إلى الحق ثم انقطع رجاؤهم ـ فقبل هذا ـ قبل هذا الوقت لا قبل الذي بشاره من الدعوة، وحكى النقاش عن بعضهم أن {مَرْجُوّا} بمعنى حقيراً وكأنه فسره أولاً بمؤخراً غير معتنى به ولا مهتم بشأنه، ثم أراد منه ذلك وإلا ـ فمرجواً ـ بمعنى حقير لم يأت في كلام العرب. وجاء قولهم: {أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا} على جهة التوعد والاستبشاع لتلك المقالة منه والتعبير ـ بيعبد ـ لحكاية الحال الماضية. وقرأ طلحة {مرجوءاً} بالمد والهمز {وَإِنَّنَا لَفِي شَكّ مّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ} من التوحيد وترك عبادة الآلهة وغير ذلك من الاستغفار والتوبة {مُرِيبٍ} اسم فاعل من أرابه المتعدي بنفسه إذا أوقعه في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين، أو من أراب الرجل اللازم إذا كان ذا ريبة، والإسناد على الوجهين مجازي إلا أن بينهما ـ كما قال بعض المحققين ـ فرقاً، وهو أن الأول منقول من الأعيان إلى المعنى والثاني منقول من صاحب الشك إلى الشك كما تقول: شعر شاعر، فعلى الأولى هو من باب الإسناد إلى السبب لأن وجود الشك سبب لتشكيك المشكك ولولاه لما قدر على التشكيك، والتنوين في {مُرِيبٍ} وفي {شَكٌّ} للتفخيم. {وَإِنَّنَا} بثلاث نونات، ويقال: إنا بنونين وهما لغتان لقريش. قال الفراء: من قال: إننا أخرج الحرف على أصله لأن كناية المتكلمين ـ نا ـ فاجتمعت ثلاث نونات، ومن قال: إنا استثقل اجتماعها فأسقط الثالثة وأبقى الأوليين. واختار أبو حيان أن المحذوف النون الثانية لا الثالثة لأن في حذفها إجحافاً بالكلمة إذ لا يبقى منها إلا حرف واحد ساكن دون حذف الثانية لظهور بقاء حرفين بعده على أنه قد عهد حذف النون الثانية من إن مع غير ضمير المتكلمين ولم يعهد حذف نون ـ نا ـ ولا ريب في أن ارتكاب المعهود أولى من ارتكاب غير المعهود.
ابن عاشور
تفسير : هذا جوابهم عن دعوته البليغة الوجيزة المَلأى إرشاداً وهدياً. وهو جواب مُلىء بالضلال والمكابرة وضعف الحجة. وافتتاح الكلام بالنّداء لقصد التوبيخ أو الملام والتّنبيه، كما تقدّم في قوله: {أية : قالوا يا هود ما جئتنا ببيّنة}تفسير : [هود: 53]. وقرينة التّوبيخ هنا أظهر، وهي قولهم: {قد كنت فينا مرجوا قبل هذا} فإنّه تعريض بخيبة رجائهم فيه فهو تعنيف. و{قد} لتأكيد الخبر. وحذف متعلّق {مرجواً} لدلالة فعل الرجاء على أنّه ترقب الخير، أي مرجواً للخير، أي والآن وقع اليأس من خيرك. وهذا يفهم منه أنّهم يَعدّون ما دعاهم إليه شرّاً، وإنما خاطبوه بمثل هذا لأنّه بعث فيهم وهو شاب (كذا قال البغوي في تفسير سورة الأعراف) أي كنت مرجواً لخصال السيادة وحماية العشيرة ونصرة آلهتهم. والإشارة في {قبل هذا} إلى الكلام الذي خاطبهم به حين بعثه الله إليهم. وجملة {أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا} بيان لجملة {قد كنت فينا مرجواً} باعتبار دلالتها على التعنيف، واشتمالها على اسم الإشارة الذي تبيّنه أيضاً جملة {أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا}. والاستفهام: إنكار وتوبيخ. وعبّروا عن أصنامهم بالموصول لِمَا في الصّلة من الدّلالة على استحقاق تلك الأصنام أن يعبدوها في زعمهم اقتداءً بآبائهم لأنّهم أسوة لهم، وذلك ممّا يزيد الإنكار اتّجاهاً في اعتقادهم. وجملة {وإنّنا لفي شك} معطوفة على جملة {يا صالح قد كنت فينا مرجواً}، فبعد أن ذكروا يأسهم من صلاح حاله ذكروا أنّهم يشكون في صدق أنه مرسل إليهم وزادوا ذلك تأكيداً بحرف التأكيد. ومن محاسن النّكت هنا إثبات نون (إنّ) مع نون ضمير الجمع لأنّ ذلك زيادة إظهار لحرف التوْكيد والإظهار ضرب من التحقيق بخلاف ما في سورة إبراهيم (9) من قول الأمم لرسلهم: {أية : وإنّا لفي شكّ ممّا تدعوننا}تفسير : لأنّ الحكاية فيها عن أمم مختلفة في درجات التّكذيب، ولأنّ ما في هاته الآية خطاب لواحد، فكان {تدعونا} بنون واحدة هي نون المتكلم ومَعهُ غيره فلم يقع في الجملة أكثر من ثلاث نونات بخلاف ما في سورة إبراهيم لأنّ الحكاية هنالك عن جمع من الرسل في (تدعُوننا) فلو جاء (إنّنا) لاجتمع أربع نونات. والمريب: اسم فاعل من أراب إذا أوقع في الريب، يقال: رابه وأرابه بمعنى، ووصف الشك بذلك تأكيد كقولهم: جدّ جدّه.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰصَالِحُ} {أَتَنْهَانَآ} {آبَاؤُنَا} (62) - فَرَدَّ عَلَيْهِ قَوْمُهُ قَائِلينَ: لَقَدْ كُنْتَ مَحَطَّ رَجَائِنَا وَآمَالِنا قَبْلَ أَنْ تَنْهَانَا عَنْ أَنْ نَعْبُدَ مَا كَانَ يَعْبُدُهُ آبَاؤُنَا وَأَسْلاَفُنا، وَقَبْلَ أَنْ تَدْعُوَنَا إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ كَبيرٍ مِمَّا جِئْتَنَا بِهِ. مُرِيبٍ - مُوقِعٍ فِي الرِّيبَةِ وَالقَلَقِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كانوا ينظرون إلى صالح - عليه السلام - بتقدير ورجاء قبل أن يدعوهم لعبادة الله تعالى وحده، ولا إله غيره. والمرجوُّ هو الإنسان المؤمَّل فيه الخير، ذكاءً، وطموحاً، وأمانة، وأية خصلة من الخصال التي تبشر بأن له مستقبلاً حسناً. ولكن ما إن دعاهم صالح - عليه السلام - إلى عبادة الله سبحانه وتعالى أعلنوا أنه - بتلك الدعوة - إنما يفسد رجاءهم فيه وما كانوا يأملونه فيه. وقد أوضح لهم صالح - عليه السلام - ما أوضحه الرسل من قبله ومن بعده، أن اتخاذ الأصنام أو الأشجار أو الشمس آلهة تُعْبد هو أمر خاطىء؛ لأن العبادة تقتضي أوامر ونواهي ينزل بها منهج؛ يتبعه من يعبدون، وتلك الكائنات المعبودة لا منهج لها، ولا عبادة دون منهج. وأضاف قوم ثمود: {.. وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [هود: 62]. والشك هو استواء الطرفين: النفي والإثبات. إذن: فهم ليسوا على يقين أن عبادتهم لما عبد آباؤهم هي عبادة صادقة، ودعوة صالح عليه السلام لهم جعلتهم يترددون في أمر تلك العبادة؛ وهذا يُظهر أن خصال الخير في صالح عليه السلام جعلتهم يترددون في أمر عبادتهم. ويقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان صالح عليه السلام لثمود: {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):