Verse. 1536 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

قَالَ يٰقَوْمِ اَرَءَيْتُمْ اِنْ كُنْتُ عَلٰي بَيِّنَۃٍ مِّنْ رَّبِّيْ وَاٰتٰىنِيْ مِنْہُ رَحْمَۃً فَمَنْ يَّنْصُرُنِيْ مِنَ اللہِ اِنْ عَصَيْتُہٗ۝۰ۣ فَمَا تَزِيْدُوْنَنِيْ غَيْرَ تَخْسِيْرٍ۝۶۳
Qala ya qawmi araaytum in kuntu AAala bayyinatin min rabbee waatanee minhu rahmatan faman yansurunee mina Allahi in AAasaytuhu fama tazeedoonanee ghayra takhseerin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بيِّنة» بيان «من ربي وآتاني منه رحمة» نبوة «فمن ينصرني» يمنعني «من الله» أي عذابه «إن عصيته فما تزيدونني» بأمركم لي بذلك «غير تخسير» تضليل.

63

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } ورد بحرف الشك وكان على يقين تام في أمره إلا أن خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب إلى القبول، فكأنه قال: قدروا أني على بينة من ربي وأني نبي على الحقيقة، وانظروا أني إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره فمن يمنعني من عذاب الله فما تزيدونني على هذاالتقدير غير تخسير،وفي تفسير هذه الكلمة وجهان: الأول: أن على هذا التقدير تخسرون أعمالي وتبطلونها. الثاني: أن يكون التقدير فما تزيدونني بما تقولون لي وتحملوني عليه غير أن أخسركم أي أنسبكم إلى الخسران، وأقول لكم إنكم خاسرون، والقول الأول أقرب لأن قوله: { أية : فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ } تفسير : [هود: 63] كالدلالة على أنه أراد إن أتبعكم فيما أنتم عليه من الكفر الذي دعوتموني إليه لم أزدد إلا خسراناً في الدين فأصير من الهالكين الخاسرين.

البيضاوي

تفسير : {قَالَ يَـا قَوْمٌ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّى} بيان وبصيرة وحرف الشك باعتبار المخاطبين. {وَءَاتَانِى مِنْهُ رَحْمَةً} نبوة. {فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ} فمن يمنعني من عذابه {إِنْ عَصَيْتُهُ} في تبليغ رسالته والمنع عن الإِشراك به. {فَمَا تَزِيدُونَنِي} إذن باستتباعكم إياي. {غَيْرَ تَخْسِيرٍ} غير أن تخسروني بإبطال ما منحني الله به والتعرض لعذابه، أو فما تزيدونني بما تقولون لي غير أن أنسبكم إلى الخسران.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ } بيان {مِّن رَّبِّى وَءاتَٰنِى مِنْهُ رَحْمَةً } نبوَّة {فَمَن يَنصُرُنِى } يمنعني {مِّنَ ٱللَّهِ } أي عذابه {إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِى } بأمركم لي بذلك {غَيْرَ تَخْسِيرٍ } تضليل.

ابن عطية

تفسير : قوله: {أرأيتم} هو من رؤية القلب، أي أتدبرتم؟ والشرط الذي بعده وجوابه يسد مسد مفعولي {أرأيتم}، و"البينة": البرهان واليقين، والهاء في "بيّنة" للمبالغة، ويحتمل أن تكون هاء تأنيث، و"الرحمة" في هذه الآية: النبوة وما انضاف إليها، وفي الكلام محذوف تقديره أيضرني شككم أو أيمكنني طاعتكم ونحو هذا مما يليق بمعنى الآية. وقوله {فما تزيدونني غير تخسير} معناه: فما تعطونني فيما أقتضيه منكم من الإيمان وأطلبكم به من الإنابة غير تخسير لأنفسكم، وهو من الخسارة، وليس التخسير في هذه الآية إلا لهم وفي حيزهم، وأضاف الزيادة إليه من حيث هو مقتض لأقوالهم موكل بإيمانهم، كما تقول لمن توصيه: أنا أريد بك خيراً وأنت تريد بي شراً. فكأن الوجه البيّن؛ وأنت تزيد شراً ولكن من حيث كنت مريد خير به ومقتضي ذلك - حسن أن تضيف الزيادة إلى نفسك. وقوله تعالى: {ويا قوم هذه ناقة الله} الآية، اقتضب في هذه الآية ذكر أول أمر الناقة،وذلك أنه روي أن قومه طلبوا منه آية تضطرهم إلى الإيمان، فأخرج الله، جلت قدرته، لهم الناقة من الجبل، وروي أنهم اقترحوا تعيين خروج الناقة من تلك الصخرة، فروي أن الجبل تمخض كالحامل، وانصدع الحجر، وخرجت منه ناقة بفصيلها، وروي أنها خرجت عشراء، ووضعت بعد خروجها، فوقفهم صالح وقال لهم: {هذه ناقة الله لكم آية}، ونصب {آية} على الحال. وقرأت فرقة "تأكلْ" بالجزم على جواب الأمر، وقرأت فرقة: "تأكلُ" على طريق القطع والاستئناف، أو على أنه الحال من الضمير في {ذروها}. وقوله {ولا تمسوها بسوء} عام في العقر وغيره، وقوله: {فيأخذكم عذاب قريب} هذا بوحي من الله إليه أن قومك إذا عقروا الناقة جاءهم عذاب قريب المدة من وقت المعصية، وهي الأيام الثلاثة التي فهمها صالح عليه السلام من رغاء الفصيل على جبل القارة. وأضاف العقر إلى جميعهم لأن العاقر كان منهم وكان عن رضى منهم وتمالؤ، وعاقرها قدار، وروي في خبر ذلك أن صالحاً أوحى الله إليه أن قومك سيعقرون الناقة وينزل بهم العذاب عند ذلك، فأخبرهم بذلك فقالوا: عياذاً بالله أن نفعل ذلك، فقال: إن لم تفعلوا أنتم ذلك أوشك أن يولد فيكم من يفعله، وقال لهم: صفة عاقرها أحمر أزرق أشقر، فجعلوا الشرط مع القوابل وأمروهم بتفقد الأطفال، فمن كان على هذه الصفة قتل، وكان في المدينة شيخان شريفان عزيزان، وكان لهذا ابن ولهذا بنت، فتصاهرا فولد بين الزوجين قدار، على الصفة المذكورة، فهم الشرط بقتله، فمنع منه جداه حتى كبر، فكان الذي عقرها بالسيف في عراقيبها، وقيل: بالسهم في ضرعها وهرب فصيلها عن ذلك، فصعد على جبل يقال له القارة، فرغاً ثلاثاً، فقال صالح: هذا ميعاد ثلاثة أيام للعذاب، وأمرهم قبل رغاء الفصيل أن يطلبوه عسى أن يصلوا إليه فيندفع عنه العذاب به، فراموا الصعود إليه في الجبل، فارتفع الجبل في السماء حتى ما تناله الطير، وحينئذ رغا الفصيل. وقوله {في داركم} هي جمع دارة كما تقول ساحة وساح وسوح، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الوافر] شعر : له داع بمكةَ مشمعلّ وآخر عند دارته ينادي تفسير : ويمكن أن يسمى جميع مسكن الحي داراً، و "الثلاثة الأيام" تعجيز قاس الناس عليه الاعذار إلى المحكوم عليه ونحوه. قال القاضي أبو محمد: وذلك عندي مفترق لأنها في المحكوم عليه والغارم في الشفعة ونحوه توسعة، وهي هنا توقيف على الخزي والتعذيب، وروى قتادة عن ابن عباس أنه قال: لو صعدتم على القارة لرأيتم عظام الفصيل.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَيِّنَةٍ} دين. {رَحْمَةً} نبوة وحكمة. {فَمَا تَزِيدُونَنِى} في احتجاجكم باتباع آبائكم إلا خساراً تخسرونه أنتم، أو ما تزيدونني على الرد والتكذيب ـ إن أطعتكم ـ إلا خساراً لاستبدال الثواب العقاب.

البقاعي

تفسير : ولما أبرزوا له أمرهم في قالب الشك على سبيل الجزم، قابلهم بمثله على سبيل الفرض إنصافاً لهم لئلا يلائم الخطاب حال المخاطبين، فاستأنف سبحانه الإخبار عنه بذلك في قوله: {قال} أي صالح نادياً لهم إلى النظر في أمره برفق {يا قوم أرءيتم} أي أخبروني {إن كنت} أورده بصيغة الشك لأن خطابه للجاحدين {على بينة من ربي} أي المحسن إليّ، لا شك عندي فيها {وآتاني منه رحمة} أي أوامر هي سبب الرحمة {فمن ينصرني} وأظهر موضع الإضمار وعبر بالاسم الأعظم لاقتضاء المقام التهويل فقال: {من الله} أي الملك الأعظم {إن عصيته} أي إن وقوعكم في الشك على زعمكم حملكم على هيئة الإباء في التلبس بأعمالهم مع زوالهم واضمحلالهم لو كانوا موجودين وعصيتموهم لم تبالوا بهم، وأما أنا فالذي أمرني بعبادته حي قادر على جزاء من يطيعه أو يعصيه، وأقل ما يحمل على طاعته الشك في عقوبته، وهو كاف للعاقل في ترك الخطر {فما} أي فتسبب عن نهيكم لي عن الدعاء إليه سبحانه أنكم ما {تزيدونني} بذلك شيئاً في عملي بما ترمونه مني من عطفي عنه باتباعكم في عملكم أو الكف عنكم لأصير في عداد من يرجى عندكم ممن له عقل {غير تخسير*} أي إيقاعي في الخسارة على هذا التقدير: فلا تطمعوا في تركي لشيء من مخالفتكم ما دمتم على ما أنتم عليه، والآية كما ترى ناظرة إلى قوله تعالى {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك}. ولما أخبرهم أن معصية الله خسران، ذكرهم أمر الناقة التي أخرجها سبحانه لهم من الأرض شاهداً على كونهم مساوين للأوثان في كونهم منها مفضلين عليها بالحياة محذراً لهم من شديد انتقامه فقال: {ويا قوم هذه} إشارة إلى حاضر، وذلكم بعد أن أخرجها لهم سبحانه عندما دعاه صالح عليه السلام؛ وبين الإشارة بقوله: {ناقة الله} أي الملك الأعلى، ثم بني حالاً من {آية} مقدماً عليها لئلا يكون صفة لها فقال: {لكم} أي خاصة لنظركم إياها عندما خرجت ولكل من سمع بها بعدكم، وليس الخبر كالمعاينة، أشير إليها حال كونها {آية} بكون الله تعالى أخرجها لكم من صخرة، وهي عشراء على حسب ما اقترحتم وأنتم تشاهدون وبكونها تنفرد بشرب يوم، وتنفردون كلكم بشرب يوم وتنفرد برعي يوم، وتنفرد جميع الحيوانات من دوابكم ووحوش بلادكم برعي يوم إلى غير ذلك مما أنتم له مبصرون وبه عارفون {فذروها} أي اتركوها على أيّ حالة كان ترككم لها {تأكل} أي مما أرادت {في أرض الله} أي الملك الذي له الأمر كله التي خلقها منها {ولا تمسوها بسوء} والأكل: مضغ يقع عند بلع؛ والمس مطلق الإصابة ويكون بين الحيوان وغيره، واللمس أخص منه لما فيه من الإدراك {فيأخذكم} أي فيتسبب عن ذلك أن يأخذكم {عذاب قريب*} أي من زمن إصابتكم لها بالسوء؛ ثم اشار إلى قرب مخالفتهم لأمره فيها بقوله مسبباً عن أوامره ونواهيه ومعقباً: {فعقروها} أي الناقة {فقال} أي عند بلوغه الخبر {تمتعوا} أي أنتم تعيشون {في داركم} أي داركم هذه، وهي بلدة الحجر {ثلاثة أيام} أي بغير زيادة عليها، فانظروا ماذا يغني عنكم تلذذكم وترفهكم وإن اجتهدتم فيه. ولما كان كأنه قيل: هل في هذا الوعيد مثنوية، قال مجيباً: {ذلك} أي الوعد العالي الرتبة في الصدق والغضب {وعد غير مكذوب*} أي فيه؛ والتمتع: التلذذ بالمدركات الحسان من المناظر والأصوات وغيرها مما يدرك بالحواس، وسميت البلاد داراً لأنها جامعة لأهلها - كما تجمع الدار - ويدار فيها، وأشار إلى تعقب العذاب للأيام وتسببه عن الوعيد المعين بقوله: {فلما جاء أمرنا} بالفاء بخلاف ما في قصة هود وشعيب عليهما السلام، أي مع مضي الأيام كان أول ما فعالنا أن {نجينا} بنا لنا من العظمة أولياءنا {صالحاً والذين آمنوا معه} من كيد قومهم، وبين أن إحسانه سبحانه لا يكون إلا فضلاً منه بقوله: {برحمة منا} وذلك أنه عليه السلام قال لهم: تصبحون غداً يوم مؤنس - يعني الخميس - ووجوهكم مصفرة، ثم تصبحون يوم عروبة - يعني الجمعة - ووجوهكم محمرة، ثم تصبحون يوم شبار ووجوهكم مسودة، ثم يصبحكم العذاب يوم أول - أي الأحد - فقال التسعة رهط الذين عقروا الناقة: هلم فلنقتل صالحاً، فإن كان صادقاً عجلناه قبلنا، وإن كان كاذباً قد كنا ألحقناه بناقته، فأتوه ليلاً ليبيتوه في أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطؤوا على أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم قد رضخوا بالحجارة فقالوا لصالح: أنت قتلتهم! ثم هموا به فقامت عشيرته دونهم ولبسوا السلاح وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبداً فقد وعدكم أن العذاب يكون بكم بعد ثلاث، فإن كان صادقاً لم تزيدوا ربكم عليكم إلا غضباً، وإن كان كاذباً فأنتم وراء ما تريدون، فانصرفوا فلما أصبحت وجوههم مصفرة عرفوا أنه قد صدقهم، فطلبوه ليقتلوه فجاء إلى بطن منهم يقال له (بنو غنم) فنزل على سيدهم رجل فغيبه عنده، فعدوا على أصحاب صالح يعذبونهم ليدلوهم عليه فقالوا: يا نبي الله! إنهم يعذبوننا لندلهم عليك، أفندلهم؟ قال: نعم، فدلوهم عليه فأتوه فقال الغنمي: نعم عندي ولا سبيل إليه، فتركوه وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم كذا ذكر ذلك البغوي عن ابن اسحاق ووهب وغيرهما مطولاً. ولما ذكر نجاتهم من كل هلكة، ذكر نجاتهم من خصوص ما عذب به قومهم فقال: {ومن} أي ونجيناهم من {خزي} أي ذل وفضيحة {يومئذ} أي يوم إذ جاء أمرنا بإهلاكهم بالصيحة وحل بهم دونهم فرقاً بين أوليائنا وأعدائنا، وحذف "نجينا" هنا يدل على أن عذابهم دون عذاب عاد؛ ثم عقب ذلك بتعليله إهلاكاً وإنجاء باختصاصه بصفات القهر والغلبة والانتقام فقال: {إن ربك} أي المحسن إليك كما أحسن إلى الأنبياء من قبلك {هو} أي وحده {القوي} فهو يغلب كل شيء {العزيز*} أي القادر على منع غيره من غير أن يقدر أحد عليه أو على الامتناع منه، من عز الشيء أي امتنع، ومنه العزاز - للأرض الصلبة الممتنعة بذلك عن التصرف فيها؛ والخزي: العيب الذي تظهر فضيحته ويستحي من مثله؛ ثم بين إيقاعه بأعدائه بعد إنجائه لأوليائه فقال معظماً للأخذ بتذكير الفعل: {وأخذ الذين ظلموا الصيحة} وأشار إلى عظمة هذه الصيحة بإسقاط علامة التأنيث وسبب عنها قوله: {فأصبحوا في ديارهم جاثمين*} أي ساقطين على وجوههم، وقيل: جاثين على الركب موتى لا حراك بهم، وتقدم سر التعبير بالديار مع الصيحة والدار مع الرجفة في الأعراف، وخصت هود بما ذكر فيها لأن مقصودها أعظم نظر إلى التفصيل، وكل من الديار والصيحة أقرب إلى ذلك. ولما كان الجثوم كناية عن الموت أوضحه بقوله: {كأن} أي كأنهم {لم يغنوا} أي يقيموا أغنياء لاهين بالغناء {فيها} ثم نبه - على ما استحقوا به ذلك لمن لعله يغفل فيسأل - بقوله مفتتحاً بالأداة التي لا تقال إلا عند الأمور الهائلة: {ألا إن ثموداً} قراءة الصرف دالة على الاستخفاف بهم لطيشهم في المعصية {كفروا ربهم} أي أوقعوا التغطية والستر على المحسن إليهم بالخلق والرزق والإرسال وهو الظاهر وبصفاته وأفعاله، فلا يخفى على أحد أصلاً، فإيصال الفعل دون قصره كما في أكثر أضرابه بيان لغلظة كفرهم؛ ثم كرر ذلك تأكيداً له وإعلاماً بتأبيد هلاكهم بقوله: {ألا بعداً لثمود*} ترك صرفهم في قراءة غير الكسائي إيذاناً بدوام لبثهم في الطرد والبعد؛ والصيحة: صوت عظيم من فم حي، والجثوم لدوام مكان واحد أو السقوط على الوجه، وقيل: القعود على الركب؛ وقال {أصبحوا} زيادة في التخويف والتأسيف بما وقع لهم من التحسير لو أدركه أحد منهم لأن الإنسان يفرح إذا أصبح بقيامه من نومه مستريحاً قادراً على ما يريد من الحركات للاستمتاع بما يشتهي من التصرفات، فأصبح هؤلاء - بعد هذه الصفة على ما قص الله - خفوتا أجمعين كنفس واحدة رجالاً ونساء صغاراً وكباراً كأنهم بم يكونوا أصلاً، ولا أصدروا فصلاً ولا وصلاً كأنهم لم يكونوا للعيون قرة، ولم يعدوا في الأحياء مرة كأن لم يغنوا أي يقيموا لانقطاع آثارهم إلا ما بقي من أجسادهم الدالة على الخزي؛ والمغاني: المنازل، وأصل الغناء الاكتفاء؛ ومعنى "ألا" التنبيه؛ قال الرماني: وهي ألف الاستفهام دخلت على "لا" فالألف تقتضي معنى، و "لا" تنفي معنى، فاقتضى الكلام بهما معنى التنبيه مع نفي الغفلة - انتهى. وكان حقيقته - والله أعلم - أن "لا" دخلت على ما بعدها فنفته، ثم دخلت عليها همزة الإنكار فنفتها، ومن المعلوم أن نفي النفي إثبات فرجع المعنى كما كان على أتم وجوه التنبيه والتأكيد، لأن إثبات المعنى بعد نفيه آكد من إثباته عرياً عن النفي ولا سيما إذا كان المفيد لذلك الإنكار، وهذا المعنى مطرد في ألا العرضية وهلا التخصيصية ونحوهما، ويمشي في كل صلة بأن تردها إلى أصل مدلولها في اللغة ثم تتصرف بما يقتضيه الحال - والله الهادي! ولما جاز الصرف في ثمود باعتبار أنه اسم أبي القبيلة وعدمه باعتبار إطلاقه على القبيلة اختير الصرف في النصب فقط لخفته.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} صالح {يا قوم أرأيتم} اى اخبرونى {ان كنت} فى الحقيقة {على بينة} حجة ظاهرة وبرهان وبصيرة {من ربى} مالكى ومتولى امرى {وآتانى منه} من جهته {رحمة} نبوة وانما اتى بحرف الشك مع انه متيقن انه على بينة وانه نبى لا خطابه للجاحدين وهو على سبيل الفرض والتقدير كأنه قال افرضوا وقدروا انى على بينة من ربى وانى نبى بالحقيقة وانظروا ان تابعتكم وعصيت ربى فيما امرنى {فمن ينصرنى من الله} اى فمن يمنعنى من عذاب الله ففيه تضمين ينصر معنى يمنع وتقدير المضاف قبل اللفظة الجليلة. وقال فى الارشاد فمن ينصرنى منجيا من عذابه تعالى {ان عصيته} فى تبليغ رسالته والنهى عن الاشراك به {فما تزيدوننى} اذا باستتباعكم اياى كما ينبئ عنه قولهم {أية : قد كنت فينا مرجوا قبل هذا} تفسير : اى لا تفيدوننى اذ لم يكن فيه اصل الخسران حتى يزيدوه {غير تخسير} اى غير ان تجعلونى خاسرا بابطال اعمالى وتعريضى سخط الله تعالى او فما تزيدوننى بما تقولون لى وتحملوننى عليه غير ان انسبكم الى الخسران واقول لكم انكم لخاسرون فالزيادة على معناها وصيغة التفعيل للنسبة يقال فسقه وفجره اذا نسبه الى الفسق والفجور فكذا خسره اذا نسبه الى الخسران. وفى الآية اشارة الى ان لا رجوع عن الحق بعدما استبان فانه ماذا بعد الحق الا الضلال والخذلان والخسران. قال اوحد لمشايخ فى وقته ابو عبد الله الشيرازى قدس سره رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنام وهو يقول من عرف طريقا الى الله فسلكه ثم رجع عنه عذبه الله بعذاب لم يعذب به احدا من العالمين. وقال الجنيد قدس سره لو اقبل صديق على الله الف سنة ثم اعرض عنه لحظة فان ما فاته اكثر مما ناله. وفى شرح التجليات البيعة لازمة الى ان يلقى الله تعالى ومن نكث الاتباع فحسبه جهنم خالدا فيها لا يكلمه الله ولا ينظر اليه وله عذاب اليم هذا كما قال ابو سليمان الدارانى قدس سره حظه فى الآخرة واما الدنيا فقد قال ابو يزيد البسطامى قدس سره فى حق تلميذه لما خالفه دعوا من سقط من عين الله فرؤى بعد ذلك مع المخنثين وسرق فقطعت يده هذا لما نكث اين هو ممن وفى بيعته مثل تلميذ الدارانى قيل له الق نفسك فى التنور فالقى نفسه فعاد عليه بردا وسلاما وهذا نتيجة الوفاء. واعلم ان المبايع فى الحقيقة وهو معطى البيعة هو الله تعالى لكن خلق الوسائط والوسائل ليسهل الاخذ والعهد فجعل الانبياء والشيوخ الورثة والسلاطين اللاحقين بالشيوخ مبايعين فهم معصومون محفوظون لا يأمرون بمعصية اصلا ولا يتصور منهم نكث العهد قطعا فبقى الاتباع فمن لزم منهم الباب استسعد بحسن المآب ومن رجع القهقرى ونعوذ بالله الله واخزاه: فى المثنوى شعر : مرسكانرا جون وفا آمد شعار روسكانرا ننك بدنامى ميار بى وفائى جون سكانرا عاربود بى وفائى جون روا دارى نمود تفسير : فعلى العاقل ان لا يكون فى تردد وشك مما دعا اليه الانبياء والاولياء من التوحيد وحقائقه بل يتبع الحق الى ان يصل الى دقائقه فان التردد والشك من اوصاف الكفرة والقلق والاضطراب من احوال الفجرة شعر : اين تردد عقبه راه حقست اى خنك آنراكه بايش مطلقست بى تردد مى رود برراه راست ره نمى دانى بجوكامش كجاست كام آهورا بكيرو رومعاف تارسى ازكام آهو تابناف كركران وكر شتابنده بود عاقبت جوينده يابنده بود تفسير : وقد رأينا فى زماننا اشخاصا يطلبون شيوخا ورثة عم على بينة من ربهم فلا يجدونهم لان فى الطلب ضعفا وترددا وفى الاعتقاد والهمة توزعا وتفرقا فاذا لم يكن الطالب على بصيرة من الامر لا يجد اهل البصيرة وان كانوا نصب عينيه بل تزداد خسارته ونعم ما قيل الشمس شمس وان لم يرها الضرير ألا ترى الى طغاة الامم السالفة كيف انكروا الانبياء مع ظهور حججهم وبراهينهم اللهم انا نسألك العصمة والتوفيق

الطوسي

تفسير : حكى الله تعالى في هذه الآية ما أجاب به صالح قومه ثمود بأن قال لهم {أرءيتم إن كنت على بينة} أي حجة من ربي ودليل من جهته. ولا مفعول لـ (رأيتم) لأنه يلغى كما يلغى اذا دخل عليه لام الابتداء في قولك (رأيت لزيد خير منك) فكذلك الجزاء. وجواب (إن) الاولى الفاء، وجواب (إن) الثانية محذوف، وتقديره ان عصيته فمن ينصرني، إلا انه يستغني بالاول، فلا يظهر. وقوله {فمن ينصرني من الله إن عصيته} صورته صورة الاستفهام، ومعناه النفي كأنه قال فلا ناصر لي من الله ان عصيته، ومعنى الكلام أعلمتم من ينصرني من الله ان عصيته بعد بينة من ربى ونعمة، وانما جاز إلغاء (رأيت) لانها دخلت على جملة قائمة بنفسها من جهة انها تفيد لو انفردت عن غيرها، و (من) يتعلق بمعناها دون تفصيل لفظها. وقوله {فما تزيدونني غير تخسير} قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - ليس تزيدونني باحتجاجكم بعبادة آبائكم اي ما تزدادون انتم الا خساراً، هذا قول مجاهد. والثاني - قال قوم: تزيدونني لانهم يعطونه ذاك بعد اول امرهم. الثالث - قال الحسن معناه ان اجبتكم الى ما تدعونني اليه كنت بمنزلة من يزداد الخسران. وقال اخرون معناه ما تزيدونني على ما انا عندكم الا خساراً.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي} ان اتّبعتمونى فيكون بمنزلة قوله تعالى قل لا أسألكم عليه اجراً او ابلغ منه وان اتبعتكم فى دينكم برجوعى اليه كما سألتمونيه {غَيْرَ تَخْسِيرٍ} ايقاع الخسران علىّ او نسبتى الى الخسران.

اطفيش

تفسير : {قالَ يا قوْمِ أرأيتُم إنْ كُنتُ عَلى بيِّنةٍ منْ ربِّى} حجة ويقين على صحة رسالتى {وآتانى مِنْهُ} عمل أوتى فى ضمير لمسمى واحد، أحدهما المستتر، والآخر الهاء، وجاز ذلك لأن عمله فى الهاء بواسطة الجار، وأما الياء فلنوح. {رحْمةً} توفيقا هذا ما ظهر لى، والموجود لغيرى تفسير البينة، وبالبيان وبالصيرة، أو باليقين والبرهان والرحمة بالنبوة، أو بها وبغيرها مما أنعم الله عليه {فمَنْ ينْصُرنى مِنَ الله} أى من يمنعنى من عذابه، ولذلك عدى بمن {إنْ عَصيْتُه} فى التبليغ والدعاء إلى التوحيد، وإنما قال: {إن كنت على بينة} بأداة الشك لأنه فى خطاب الجاحدين لكونه على بينة. {فَما تَزِيدُونَنى} إن اتبعتكم وعصيته، وهذا مستأنف {غَيْر تَخْسيرٍ} منكم لى فى أعمالى بإبطالها وإبطال ثوابها، وبالتعرض للعقاب كالزيادة من غير جنس، المزيد عليه، لأنه ليس فى صالح عليه السلام بشئ ما من خسارة، وذلك وارد، ويجوز أن يكون التخسير للنسبة، فيكون من صالح لهم، أى فما تزيدوننى بشككم وكفركم وردكم علىَّ إلا نسبتى لكم إلى الخسارة لقولك فسقته وفجرته تشديدهما، أى نسبته فى الفسق والفجور، وبهذا قال الحسن ابن الفضل.

اطفيش

تفسير : {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْ رَبِّى} حجة قاطعة واضحة وأَداة الشك مراعاة باعتبار المخاطبين المشركين {وآتَانِى مِنْهُ رَحمَة} نبوة أَو أَعم {فمَنْ يَنْصُرُنِى مِن اللهِ} عداه بمن لتضمنه معنى يمنعنى من عذابه، أَو النصرة مستعملة فى لازم معناها {إِنْ عَصَيْتُهُ} بالإِشراك وغيره وبعدم التبليغ وعدم أَمركم ونهيكم فإِن عذابه واقع لا محالة إِن عصيته، فإِن تكلفتمونى بدفعه أَمكن لكم دعائِى إِلى معصيته، فيقولون لانقدر على دفعه أَو يقولون نقدر وهم كاذبون، أَو مجازفون بلا ترو فلا وجه لقولكم {فَمَا تَزِيدُونَنِى} بقولكم {غَيْرَ تَخْسِيرٍ} أَى تضليل عن منافعى بإِبطال ما أَعطانى الله تبارك وتعالى وبالتعرض لعذابه أَو غير نسبتكم إِلى الخسران، تطلبون قربى إِليكم وأَنتم تباعدون عنى كفسقه بمعنى نسبه إِلى الفسق، أَو ما تزيدوننى من أَنفسكم فى جوابكم لى إِلا خسارا، سأَلتكم أَن تعطونى الإِيمان فأَعطيتمونى الخسار باتباع آبائِكم، قال مجاهد ومثله لابن عطية، وقيل فما تزيدوننى غير تخسيرى إِياكم، وكلما ازددتم تكذيبا ازددتم خسارة، والوجه ما مر أَولا، وقد طلبوا قبل فى جدالهم إِياه عليه السلام أَن يخرج لهم ناقة وبراءَ عشراءَ حاملا من هذه الصخرة، لصخرة عظيمة منفردة فتمخضت الصخرة كالمرأَة حين الولادة فخرجت منها ناقة على ما وصفوا لما خرجت ولدت، وقيل شرطوا أَن تخرج منها وولدها يتبعها فكان ذلك فقال صالح: {وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُل فِى أَرْضِ اللهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ} وأَشار إِلى الناقة بعد خروجها من الصخرة، وآية حال من ناقة، وعامل ناقة متضمن معنى الفعل وهو أَشير، وأَيضا هاءُ التنبيه فى معنى أُنبه، وهذا التنبيه مسلط على مدخوله فكأَنه معنى لمدخوله، ولكم حال من آية ولو نكرة لتأَخرها، وذلك حال من الحال ولا بأْس به، وكل من الحالين مبينة لهيئَة صاحبها، أَو لكم حال وناقة حال من ضمير الاستقرار، ومعنى لكم أَنها نفع لكم للإِيمان وجلب اللبن والعسل منها ونهاهم عن مضرتها وهى حرام ولا سيما فيما لم يجر عليه ملكهم وهى الناقة هى ملك لله، تأكل من ملك الله وهى الأَرض وتشرب منها، ولا مثُوبة لها عليكم وأَوعدهم على مسها بسوءٍ كقتل وجرح وحبس عن مرعى ومشرب بعذاب قريب أَى عاجل وهو لا يتأَخر عن ثلاثة أَيام بل يكون فى آخرهن أَو هو عقبهن ومضت مدة.

الالوسي

تفسير : {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ} أخبروني {إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ} حجة ظاهرة وبرهان وبصيرة {مّن رَّبّي} مالكي ومتولي أموري {وَءَاتَٰنِي مِنْهُ} من قبله سبحانه {رَحْمَةً} نبوة، وهذا من الكلام المنصف، والاستدراج / إذ لا يتصور منه عليه السلام شك فيما في حيز {إن} وأصل وضعها أنها لشك المتكلم {فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ} أي فمن يمنعني من عذابه، ففي الكلام مضاف مقدر والنصرة مستعملة في لازم معناها أو أنّ الفعل مضمن معنى المنع، ولذا تعدى بمن. والعدول إلى الإظهار لزيادة التهويل والفاء لترتيب إنكار النصر على ما سبق من كونه على بينة وإيتاء الرحمة على تقدير العصيان حسبما يعرب عنه قوله: {إِنْ عَصَيْتُهُ} أي في المساهلة في تبليغ الرسالة والمنع عن الشرك به تعالى والمجاراة معكم فيما تشتهون فإن العصيان ممن ذلك شأنه أبعد والمؤاخذة عليه ألزم وإنكار نصرته أدخل {فَمَا تَزِيدُونَنِي} إذن باستتباعكم إياي أي لا تفيدونني إذ لم يكن فيه أصل الخسران حتى يزيدوه {غَيْرَ تَخْسِيرٍ} أي غير أن تجعلوني خاسراً بإبطال أعمالي وتعريضي لسخط الله تعالى، أو فما تزيدونني بما تقولون غير أن أنسبكم إلى الخسران وأقول لكم: إنكم لخاسرون لا أن أتبعكم. وروي هذا عن الحسن بن الفضل، فالفاعل على الأول هم والمفعول صالح، وعلى الثاني بالعكس والتفعيل كثيراً ما يكون للنسبة كفسقته وفجرته، والزيادة على معناها والفاء لترتيب عدم الزيادة على انتفاء الناصر المفهوم من إنكاره على تقدير العصيان مع تحقق ما ينفيه من كونه عليه السلام على بينة من ربه وإيتائه النبوة. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المعنى: فما تزيدونني غير مضارة في خسرانكم، فالكلام على حذف مضاف، وعن مجاهد ما تزدادون أنتم باحتجاجكم بعبادة آبائكم إلا خساراً، وأضاف الزيادة إلى نفسه لأنهم أعطوه ذلك وكان قد سألهم الإيمان، وقال ابن عطية ((المعنى فما تعطوني فيما اقتضيه منكم من الإيمان غير تخسير لأنفسكم، وأضاف الزيادة إلى نفسه من حيث أنه مقتض لأقوالهم موكل بإيمانهم كما تقول لمن توصيه: أنا أريد بك خيراً وأنت تريد بـي سوءاً وكان الوجه البين أن تقول: وأنت تريد شراً لكن من حيث كنت مريد خير ومقتضى ذلك حسن أن تضيف الزيادة إلى نفسك)) وقيل: المعنى فما تزيدونني غير تخسيري إياكم حيث أنكم كلما ازددتم تكذيباً إياي ازدادت خسارتكم، وهي أقوال كما ترى.

ابن عاشور

تفسير : جواب عن كلامهم فلذلك لم تعطف جملة {قال} وهو الشّأن في حكاية المحاورات كما تقدّم غير مرة. وابتداء الجواب بالنّداء لقصد التّنبيه إلى ما سيقوله اهتماماً بشأنه. وخاطبهم بوصف القوميّة له للغرض الذي تقدّم في قصة نوح. والكلام في قوله: {أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربّي وآتاني منه رحمة} كالكلام على نظيرها في قصة نوح. وإنّما يتّجه هنا أن يسأل عن موجب تقديم {منه} على {رحمة} هنا، وتأخير {أية : من عنده}تفسير : [هود: 28] عن {أية : رحمة}تفسير : [هود: 28] في قصة نوح السابقة. فالجواب لأنّ ذلك مع ما فيه من التّفنن بعدم التزام طريقة واحدة في إعادة الكلام المتماثل، هو أيضاً أسعد بالبيان في وضوح الدّلالة ودفع اللبس. فلمّا كان مجرور (من) الابتدائية ظرفاً وهو (عند) كان صريحاً في وصف الرّحمة بصفة تدلّ على الاعتناء الربّانيّ بها وبمَن أوتيَهَا. ولمّا كان المجرور هنا ضمير الجلالة كان الأحسن أن يقع عقب فعل {آتاني} ليكون تقييدُ الإيتاء بأنّه من الله مشير إلى إيتاء خاص ذي عناية بالمؤتى إذ لولا ذلك لكان كونه من الله تحصيلاً لما أفيد من إسناد الإيتاء إليه، فتعيّن أن يكون المراد إيتاءً خاصاً، ولو أوقع {منه} عقب {رحمة} لتوهّم السامع أنّ ذلك عوض عن الإضافة، أي عن أن يقال: وآتاني رحمته، كقوله: {أية : ولنجعله آيةً للنّاس ورحمةً منا}تفسير : [مريم: 21] أي ورحمتنا لهم، أي لنعظَهم ونرحَمَهم. وجملة {فمن ينصرني من الله} جواب الشرط وهو {إن كنت على بيّنة}. والمعنى إلزام وجدل، أي إن كنتم تنكرون نبوءتي وتوبّخونني على دعوتكم فأنا مؤمن بأنّي على بيّنة من ربّي، أفترون أنّي أعدل عن يقيني إلى شكّكم، وكيف تتوقّعون منّي ذلك وأنتم تعلمون أنّ يقيني بذلك يجعلني خائفاً من عذاب الله إن عصيته ولا أحد ينصرني. والكلام على قوله: {مَنْ ينصرني من الله إن عصيته} كالكلام على قوله: {أية : من ينصرني من الله إن طردتهم}تفسير : [هود: 30] في قصة نوح. وفُرع على الاستفهام الإنكاري جملة: {فما تزيدونني غيرَ تخسير} أي إذ كان ذلك فما دعاؤكم إيّاي إلا سعي في خسراني. والمراد بالزيادة حدوث حال لم يكن موجوداً لأنّ ذلك زيادة في أحوال الإنسان، أي فما يحدث لي إن اتّبعتُكم وعصيتُ الله إلاّ الخسرانُ، كقوله تعالى حكاية عن نوح ـ عليه السّلام ـ: {أية : فلم يزدهم دعائي إلاّ فِرارا}تفسير : [نوح: 6]، أي كنت أدعوهم وهم يسمعون فلمّا كرّرت دعوتهم زادوا على ما كانوا عليه ففرُّوا، وليس المعنى أنّهم كانوا يفرّون فزادوا في الفرار لأنّه لو كان كذلك لقيل هنالك: فلم يزدهم دعائي إلاّ من فرار، ولقيل هنا: فما تزيدونني إلاّ من تخسير. والتّخسير، مصدر خسر، إذا جعله خاسراً.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰقَوْمِ} {أَرَأَيْتُمْ} {وَآتَانِي} (63) - فَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: هَلْ تَرَوْنَ لَوْ أَنَّنِي كُنْتُ عَلَى هُدًى وَبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي تَجْعَلُني عَلَى يقينٍ مِنْ أَنَّ هَذا هُوَ الطَّرِيقُ القَوِيمُ، وَأَنَّهُ آتَانِي رَحْمَةً مِنْهُ فَاخْتَارَنِي لِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ عَصَيْتُهُ فِيمَا أَرْسَلَنِي بِهِ إِلَيْكُمْ، وَتَرَكْتُ دَعْوَتَكُمْ إِلَى الحَقِّ وَعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، فَمَنْ يَنْصُرُنِي وَيُجِيرُنِي مِنَ اللهِ حِينَئِذٍ؟ إِنَّكُمْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ نَفْعِي إِنْ عَصَيْتُهُ، وَلاَ تَزِيدُونَنِي غَيْرَ خَسَارَةٍ عَلَى خَسَارَةٍ (تَخْسِيرٍ)، إِنْ آثَرْتُ مَا عِنْدَكُمْ عَلَى مَا عِنْدَ اللهِ، وَاشْتَرَيْتُ رِضَاكُمْ بِسُخْطِهِ. أَرَأَيْتُمْ - أَخْبِرُونِي. بَيِّنَةٍ - يَقِينٍ وَبُرْهَانٍ وَبَصِيرَةٍ. تَخْسِيرٍ - خُسْرَانٍ - أَوْ خَسَارَةٍ إِثْرَ خَسَارَةٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكأن صالحاً قد ارتضاهم حكماً فقال: أخبروني إذا كنت أنا على بينة من ربي ويقين بأنه أرسلني وأيَّدني، وأنا إن خدعت الناس جميعاً فلن أخدع نفسي، فهل أترك ما أكرمني به ربي وأنزل إليَّ منهجاً أدعوكم إليه؟ هل أترك ذلك وأستمع لكلامكم؟ هل أترك يقيني بأنه أرسلني بهذه الرسالة {وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً ..} [هود: 63] وهي النبوة؟ {فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ..} [هود: 63]. وساعة يستفهم إنسان عن شيء في مثل هذا الموقف فهو لا يستفهم إلا عن شيء يثق أن الإجابة ستكون بما يرضيه. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان صالح عليه السلام: {.. فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} [هود: 63]. ونحن نعلم أن الخسارة ضد المكسب، ومعنى الخسارة أن يقل رأس المال. فهل التخسير واقع منه عليهم أم واقع منهم عليه. إن ثراء الأسلوب القرآني هنا يوضح لنا هذه المعاني كلها، فإن أطاعهم صالح - عليه السلام - وعصى ربه، فهو قد أزاد في خسارته، أو أنه ينسبهم إلى الخسران أكثر، لأنهم غير مهديين، ويريدون له أن يضل ويتبع ما يعبدون من دون الله تعالى. إذن: فالتخسير إما أن يكون واقعاً عليهم من صالح - عليه السلام - وإما أن يكون واقعاً منهم على صالح. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك على لسان صالح عليه السلام: {وَيٰقَوْمِ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً ...}.

الجيلاني

تفسير : {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ} أي: أخبروني {إِن كُنتُ} جئت لكم ملتبساً {عَلَىٰ بَيِّنَةً} واضحةٍ دالة على صدق ما ادعيت نازلةٍ {مِّن} عند {رَّبِّي} لتصديقي وتأييدي {وَ} الحال أني قد {آتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} نبوة ورسالة تامة، مؤيدة بأنواع المعجزات {فَمَن يَنصُرُنِي} ويمنعني {مِنَ} عذاب {ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ} في تبليغ رسالته وإظهار ما أمرني بظهوره وأوصاني بنشره {فَمَا تَزِيدُونَنِي} حين ابتلائي وأخذ الله إياي بعصياني {غَيْرَ تَخْسِيرٍ} [هود: 63] على تخسير وتخذيل على تخذيل. {وَ} بعدما آيس عن إيمانهم قال: {يٰقَوْمِ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً} دالة على صدقي في دعواي وتأييد الله إياي {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ} مسلمة بلا منع وإباء {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ} لأجل الماء والكلأ {فَيَأْخُذَكُمْ} ويلحقكم بعدما أصبتموها بسوء {عَذَابٌ قَرِيبٌ} [هود: 64] أجله وحلولهن، وبعدما ظهرت الناقة بين أظهرهم وأكلت كلأهم وشربت ماءهم فتضروا منها وشاوروا في أمرها وتقرر رأيهم إلى قتلها {فَعَقَرُوهَا} وهلوكها ظلماً وزوراً {فَقَالَ} صالح بعدما وقع الواقعة الهائلة: {تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ} أي: عيشوا فيها بعدما خالقتم حكم الله وآتيتم بما نهيتم {ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ} الأربعاء والخميس والجمة، فوادعوا فيها وتوادعوا، واعلموا أن {ذٰلِكَ وَعْدٌ} أوحي إلى من ربي {غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود: 65] أي: غير منسوب إلى الكذب، بل مصدق متيقن فلا تشكوا. {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} بالعذاب المهلك بعد انقضاء الأيام الثلاثة التي ظهرت فيها علاماته من اصفرار في وجوههم في اليوم الأول، واحمرارها في الثاني، واسودادها في الثالث {نَجَّيْنَا} من فضلنا وجودنا {صَالِحاً} الذي صلح نفسه وأصلح نفوسهم، فمل يقبلوا إصلاحه، بل أفسدوها بأنفهسم {وَ} نجينا أيضاً منهم {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} وصلحوا بإصلاحه {بِرَحْمَةٍ} نازلة {مِّنَّا} على قلوبهم؛ ليوفقوا بها على قبول دعوته والإيمان به، وبسبب إيمانهم نجوا من خزي النشاة الأخرى {وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ} أيضاً {إِنَّ رَبَّكَ} يا أكمل الرسل الموفق لهم على الإيمان والإذعان {هُوَ ٱلْقَوِيُّ} المحصور على القوة والقدرة؛ إذ لا حول ولا وقة إلا به {ٱلْعَزِيزُ} [هود: 66] الغالب على إمضائه وإنفاذه حيث أراد وشاء. {وَ} بعدما أنجاهم الله بلطفه {أَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أنفسهم بالعتو والفساد {ٱلصَّيْحَةُ} الهائلة التي وعدها الله لإهلاكهم {فَأَصْبَحُواْ} بعدما سمعوا الصيحة في أثناء الليل {فِي دِيَارِهِمْ} التي صاروا متمتعين فيها {جَاثِمِينَ} [هود: 67] جامدين ميتين. {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ} ولم يسكنوا {فِيهَآ} أصلاً، ونادى عند وقوع الواقعة الهائلة أصحاب الاعتبار والاستبصار: {أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ} بكفران نعمه وتكذيب رسله {أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ} [هود: 68] ع سعة رحمة الحق في النشأة الأولى والأخرى. وبعدما انقرض أولئك الهالكون حدث بعدهم قوة لوط المبالغون في الغفلة القبيحة غقلاً ونقلاً، المصرون عليها إلى أن أخذناهم بما أخذناهم.