Verse. 1542 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَلَقَدْ جَاۗءَتْ رُسُلُنَاۗ اِبْرٰہِيْمَ بِالْبُشْرٰي قَالُوْا سَلٰمًا۝۰ۭ قَالَ سَلٰمٌ فَمَا لَبِثَ اَنْ جَاۗءَ بِعِجْلٍ حَنِيْذٍ۝۶۹
Walaqad jaat rusuluna ibraheema bialbushra qaloo salaman qala salamun fama labitha an jaa biAAijlin haneethin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى» بإسحاق ويعقوب بعده «قالوا سلاما» مصدر «قال سلام» عليكم «فما لبث أن جاء بعجل حنيذِ» مشوي.

69

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة وههنا مسائل: المسألة الأولى: قال النحويون: دخلت كلمة «قد» ههنا لأن السامع لقصص الأنبياء عليهم السلام يتوقع قصة بعد قصة، وقد للتوقع، ودخت اللام في «لقد» لتأكيد الخبر، ولفظ {رُسُلُنَا } جمع وأقله ثلاثة فهذا يفيد القطع بحصول ثلاثة، وأما الزائد على هذا العدد فلا سبيل إلى إثباته إلا بدليل آخر، وأجمعوا على أن الأصل فيهم كان جبريل عليه السلام، ثم اختلفت الروايات فقيل: أتاه جبريل عليه السلام ومعه اثنا عشر ملكاً على صورة الغلمان الذين يكونون في غاية الحسن وقال الضحاك كانوا تسعة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام، وهم الذين ذكرهم الله في سورة والذاريات في قوله: { أية : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [الذاريات: 24] وفي الحجر { أية : وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } تفسير : [الحجر: 51]. المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بالبشرى على وجهين: الأول: أن المراد ما بشره الله بعد ذلك بقوله: {فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ } الثاني: أن المراد منه أنه بشر إبراهيم عليه السلام بسلامة لوط وبإهلاك قومه. وأما قوله: {قَالُواْ سَلَـٰماً قَالَ سَلَـٰمٌ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكساني {قَالُواْ سلام قَالَ سَلَـٰمٌ } بكسر السين وسكون اللام بغير ألف، وفي والذاريات مثله. قال الفراء: لا فرق بين القراءتين كما قالوا حل وحلال وحرم وحرام لأن في التفسير أنهم لما جاؤا سلموا عليه. قال أبو علي الفارسي: ويحتمل أن يكون سلم خلاف العدو والحرب كأنهم لما امتنعوا من تناول ما قدمه إليهم نكرهم وأوجس منهم خيفة قال إنا سلم ولست بحرب ولا عدو فلا تمتنعوا من تناول طعامي كما يمتنع من تناول طعام العدو، وهذا الوجه عندي بعيد، لأن على هذا التقدير ينبغي أن يكون تكلم إبراهيم عليه السلام بهذا اللفظ بعد إحضار الطعام، إلا أن القرآن يدل على أن هذا الكلام إنما وجد قبل إحضار الطعام لأنه تعالى قال:{ قَالُواْ سَلَـٰماً قَالَ سَلَـٰمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } [هود: 69] والفاء للتعقيب، فدل ذلك على أن مجيئه بذلك العجل الحنيذ كان بعد ذكر السلام. المسألة الثانية: قالوا سلاماً تقديره: سلمنا عليك سلاماً قال سلام تقديره: أمري سلام، أي لست مريداً غير السلامة والصلح. قال الواحدي: ويحتمل أن يكون المراد: سلام عليكم، فجاء به مرفوعاً حكاية لقوله كما قال: وحذف عنه الخبر كما حذف من قوله: { أية : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } تفسير : [يوسف: 18] وإنما يحسن هذا الحذف إذا كان المقصود معلوماً بعد الحذف، وههنا المقصود معلوم فلا جرم حسن الحذف، ونظيره قوله تعالى: { أية : فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَـٰمٌ } تفسير : [الزخرف: 89] على حذف الخبر. واعلم أنه إنما سلم بعضهم على بعض، رعاية للإذن المذكور في قوله تعالى: {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا }. المسألة الثالثة: أكثر ما يستعمل {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } بغير ألف ولام، وذلك لأنه في معنى الدعاء، فهو مثل قولهم: خير بين يديك. فإن قيل: كيف جاز جعل النكرة مبتدأ؟ قلنا: النكرة إذا كانت موصوفة جاز جعلها مبتدأ، فإذا قلت سلام عليكم: فالتنكير في هذا الموضع يدل على التمام والكمال، فكأنه قيل: سلام كامل تام عليكم، ونظيره قولنا: سلام عليك، وقوله تعالى: { أية : قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } تفسير : [مريم: 47] وقوله: { أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يۤس: 58] { أية : سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الصافات: 79] { أية : ٱلْمَلَـٰئِكَةَ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } تفسير : [الرعد: 23، 24] فأما قوله تعالى: { أية : وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [طه: 47] فهذا أيضاً جائز، والمراد منه الماهية والحقيقة. وأقول: قوله: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } أكمل من قوله: السلام عليكم، لأن التنكير في قوله: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } يفيد الكمال والمبالغة والتمام. وأما لفظ السلام: فإنه لا يفيد إلا الماهية. قال الأخفش: من العرب من يقول: سلام عليكم فيعرى قوله: سلام عن الألف واللام والتنوين، والسبب في ذلك كثرة الاستعمال أباح هذا التخفيف، والله أعلم. ثم قال تعالى: {فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } قالوا: مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك، ثم جاءه الملائكة فرأى أضيافاً لم ير مثلهم، فعجل وجاء بعجل حنيذ، فقوله: {فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } معناه: فما لبت في المجيء به بل عجل فيه، أو التقدير: فما لبث مجيئه والعجل ولد البقرة. أما الحنيذ: فهو الذي يشوى في حفرة من الأرض بالحجارة المحماة، وهو من فعل أهل البادية معروف، وهو محنوذ في الأصل كما قيل: طبيخ ومطبوخ، وقيل: الحنيذ الذي يقطر دسمه. يقال: حنذت الفرس إذا ألقيت عليه الجل حتى تقطر عرقاً. ثم قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ } أي إلى العجل، وقال الفراء: إلى الطعام، وهو ذلك العجل {نَكِرَهُمْ } أي أنكرهم. يقال: نكره وأنكره واستنكره. واعلم أن الأضياف إنما امتنعوا من الطعام لأنهم ملائكة والملائكة لا يأكلون ولا يشربون، وإنما أتوه في صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها، وهو كان مشغوفاً بالضيافة. وأما إبراهيم عليه السلام. فنقول: إما أن يقال: إنه عليه السلام ما كان يعلم أنهم ملائكة، بل كان يعتقد فيهم أنهم من البشر، أو يقال: إنه كان عالماً بأنهم من الملائكة. أما على الاحتمال الأول فسبب خوفه أمران: أحدهما: أنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به مكروهاً، وثانيها: أن من لا يعرف إذا حضر وقدم إليه طعام فإن أكل حصل الأمن وإن لم يأكل حصل الخوف. وأما الاحتمال الثاني: وهو أنه عرف أنهم ملائكة الله تعالى، فسبب خوفه على هذا التقدير أيضاً أمران: أحدها: أنه خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله تعالى عليه: والثاني: أنه خاف أن يكون نزولهم لتعذيب قومه. فإن قيل: فأي هذين الاحتمالين أقرب وأظهر؟ قلنا: أما الذي يقول إنه ما عرف أنهم ملائكة الله تعالى فله أن يحتج بأمور: أحدها: أنه تسارع إلى إحضار الطعام، ولو عرف كونهم من الملائكة لما فعل ذلك. وثانيها: أنه لما رآهم ممتنعين من الأكل خافهم، ولو عرف كونهم من الملائكة لما استدل بترك الأكل على حصول الشر، وثالثها: أنه رآهم في أول الأمر في صورة البشر، وذلك لا يدل على كونهم من الملائكة. وأما الذي يقول: إنه عرف ذلك احتج بقوله: {لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ } وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف بأي سبب أرسلوا، ثم بين تعالى أن الملائكة أزالوا ذلك الخوف عنه فقالوا: {لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ } ومعناه: أرسلنا بالعذاب إلى قوم لوط، لأنه أضمر لقيام الدليل عليه في سورة أخرى، وهو قوله: { أية : إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً } تفسير : [الذاريات:32، 33]. ثم قال تعالى: {وَٱمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ } يعني سارة بنت آزر بن باحورا بنت عم إبراهيم عليه السلام، وقوله: {قَائِمَةً } قيل: كانت قائمة من وراء الستر تستمع إلى الرسل، لأنها ربما خافت أيضاً. وقيل: كانت قائمة تخدم الأضياف وإبراهيم عليه السلام جالس معهم، ويأكد هذا التأويل قراءة ابن مسعود {وَٱمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ } وهو قاعد. ثم قال تعالى: {فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ } واختلفوا في الضحك على قولين: منهم من حمله على نفس الضحك، ومنهم من حمل هذا اللفظ على معنى آخر سوى الضحك. أما الذين حملوه على نفس الضحك فاختلفوا في أنها لم ضحكت، وذكروا وجوهاً: الأول: قال القاضي إن ذلك السبب لا بد وأن يكون سبباً جرى ذكره في هذه الآية، وما ذاك إلا أنها فرحت بزوال ذلك الخوف عن إبراهيم عليه السلام حيث قالت الملائكة: {لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ } وعظم سرورها بسبب سروره بزوال خوفه، وفي مثل هذه الحالة قد يضحك الإنسان، وبالجملة فقد كان ضحكها بسبب قول الملائكة لإبراهيم عليه السلام {لاَ تَخَفْ } فكان كالبشارة، فقيل لها: نجعل هذه البشارة بشارتين، فكما حصلت البشارة بزوال الخوف، فقد حصلت البشارة أيضاً بحصول الولد الذي كنتم تطلبونه من أول العمر إلى هذا الوقت وهذا تأويل في غاية الحسن. الثاني: يحتمل أنها كانت عظيمة الإنكار على قوم لوط لما كانوا عليه من الكفر والعمل الخبيث، فلما أظهروا أنهم جاؤا لإهلاكهم لحقها السرور فضحكت. الثالث: قال السدي قال إبراهيم عليه السلام لهم: {أَلا تَأْكُلُونَ } قالوا: لا نأكل طعاماً إلا بالثمن، فقال: ثمنه أن تذكروا اسم الله تعالى على أوله وتحمدوه على آخره، فقال جبريل لميكائيل عليهما السلام: «حق لمثل هذا الرجل أن يتخذه ربه خليلاً» فضحكت امرأته فرحاً منها بهذا الكلام. الرابع: أن سارة قالت لإبراهيم عليه السلام أرسل إلى ابن أخيك وضمه إلى نفسك، فإن الله تعالى لا يترك قومه حتى يعذبهم، فعند تمام هذا الكلام دخل الملائكة على إبراهيم عليه السلام، فلما أخبروه بأنهم إنما جاؤا لإهلاك قوم لوط صار قولهم موافقاً لقولها، فضحكت لشدة سرورها بحصول الموافقة بين كلامها وبين كلام الملائكة. الخامس: أن الملائكة لما أخبروا إبراهيم عليه السلام أنهم من الملائكة لا من البشر وأنهم إنما جاؤا لإهلاك قوم لوط طلب إبراهيم عليه السلام منهم معجزة دالة على أنهم من الملائكة فدعوا ربهم بإحياء العجل المشوي فطفر ذلك العجل المشوي من الموضع الذي كان موضوعاً فيه إلى مرعاه، وكانت امرأة إبراهيم عليه السلام قائمة فضحكت لما رأت ذلك العجل المشوي قد طفر من موضعه. السادس: أنها ضحكت تعجباً من أن قوماً أتاهم العذاب وهم في غفلة. السابع: لا يبعد أن يقال إنهم بشروها بحصول مطلق الولد فضحكت، إما على سبيل التعجب فإنه يقال إنها كانت في ذلك الوقت بنت بضع وتسعين سنة وإبراهيم عليه السلام ابن مائة سنة، وإما على سبيل السرور. ثم لما ضحكت بشرها الله تعالى بأن ذلك الولد هو إسحق ومن وراء إسحق يعقوب. الثامن: أنها ضحكت بسبب أنها تعجبت من خوف إبراهيم عليه السلام من ثلاث أنفس حال ما كان معه حشمه وخدمه. التاسع: أن هذا على التقديم والتأخير والتقدير: وامرأته قائمة فبشرناها بإسحق فضحكت سروراً بسبب تلك البشارة فقدم الضحك، ومعناه التأخير. الثاني: هو أن يكون معنى فضحكت حاضت وهو منقول عن مجاهد وعكرمة قالا: ضحكت أي حاضت عند فرحها بالسلامة من الخوف، فلما ظهر حيضها بشرت بحصول الولد، وأنكر الفراء وأبو عبيدة أن يكون ضحكت بمعنى حاضت، قال أبو بكر الأنباري هذه اللغة إن لم يعرفها هؤلاء فقد عرفها غيرهم، حكى الليث في هذه الآية {فَضَحِكَتْ } طمثت، وحكى الأزهري عن بعضهم أن أصله من ضحاك الطلعة يقال ضحكت الطلعة إذا انشقت. واعلم أن هذه الوجوه كلها زوائد. وإنما الوجه الصحيح هو الأول. ثم قال تعالى: {وَمِن وَرَاء إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب بالنصب والباقون بالرفع أما وجه النصب، فهو أن يكون التقدير: بشرناها بإسحق ومن وراء إسحق وهبنا لها يعقوب، وأما وجه الرفع فهو أن يكون التقدير: ومن وراء إسحق يعقوب مولود أو موجود. المسألة الثانية: في لفظ وراء قولان: الأول: وهو قول الأكثرين أن معناه بعد أي بعد إسحق يعقوب وهذا هو الوجه الظاهر. والثاني: أن الوراء ولد الولد، عن الشعبي أنه قيل له هذا ابنك، فقال نعم من الوراء، وكان ولد ولده، وهذا الوجه عندي شديد التعسف، واللفظ كأنه ينبو عنه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ} هذه قصة لوط عليه السلام، وهو ٱبن عم إبراهيم عليه السلام لَحًّا، وكانت قرى لوط بنواحي الشام، وإبراهيم ببلاد فلسطين، فلما أنزل الله الملائكة بعذاب قوم لوط مروا بإبراهيم ونزلوا عنده، وكان كل من نزل عنده يحسن قِراه، وكانوا مروا ببشارة إبراهيم، فظنهم أضيافاً. وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام؛ قاله ٱبن عباس. الضحّاك: كانوا تسعة. السّدي: أحد عشر ملَكاً على صورة الغلمان الحسان الوجوه، ذوو وضاءة وجمال بارع. «بِالْبُشْرَى» قيل: بالولد. وقيل: بإهلاك قوم لوط. وقيل: بشروه بأنهم رسل الله عزّ وجلّ، وأنه لا خوف عليه. {قَالُواْ سَلاَماً} نصب بوقوع الفعل عليه؛ كما تقول: قالوا خيراً. وهذا ٱختيار الطبريّ. وأما قوله: {أية : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ} تفسير : [الكهف: 22] فالثلاثة ٱسم غير (قول) مقول. ولو رفعا جميعاً أو نصبا جميعاً {قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ} جاز في العربية. وقيل: ٱنتصب على المصدر. وقيل: «قالوا سلاماً» أي فاتحوه بصواب من القول. كما قال: {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً} تفسير : [الفرقان:63] أي صواباً؛ فسلاماً معنى قولهم لا لفظه؛ قال معناه ٱبن العربيّ وٱختاره. قال: ألا ترى أن الله تعالى لما أراد ذكر اللفظ قاله بعينه فقال مخبراً عن الملائكة: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ} تفسير : [الرعد: 24] {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ} تفسير : [الزمر: 73]. وقيل: دَعَوا له؛ والمعنى سَلِمت سَلاماً. {قَالَ سَلاَمٌ} في رفعه وجهان: أحدهما: على إضمار مبتدأ أي هو سلام، وأمرِي سلام. والآخر بمعنى سلام عليكم إذا جعل بمعنى التحية؛ فأضمر الخبر. وجاز سلام على التنكير لكثرة استعماله، فحذف الألف واللام كما حذفت من لاهمّ في قولك اللهم. وقرىء «سِلْمٌ» قال الفرّاء: السّلم والسّلام بمعنى؛ مثل الحِلّ والحلال. قوله تعالى: {فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} فيه أربع عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ} «أن» بمعنى حتى، قاله كبراء النحويين؛ حكاه ٱبن العربيّ. التقدير: فما لبث حتى جاء. وقيل: «أن» في موضع نصب بسقوط حرف الجر؛ التقدير: فما لبث عن أن جاء؛ أي ما أبطأ عن مجيئه بعجل؛ فلما حذف حرف الجر بقي «أن» في محل النصب. وفي «لبث» ضمير ٱسم إبراهيم. و«ما» نافية؛ قاله سيبويه. وقال الفراء: فما لبث مجيئه؛ أي ما أبطأ مجيئه؛ فأن في موضع رفع، ولا ضمير في «لبث»، و«ما» نافية؛ ويصح أن تكون «ما» بمعنى الذي، وفي «لبث» ضمير إبراهيم و«أن جاء» خبر «ما» أي فالذي لبث إبراهيم هو مجيئه بعجل حنيذ. و{حَنِيذٍ} مشويّ. وقيل: هو المشوي بحر الحجارة من غير أن تمسه النار. يقال حنذت الشاة أحنِذها حنذاً أي شويتها، وجعلت فوقها حجارة مُحْمَاة لتنضجها فهي حنيذ. وحَنَذْت الفرس أحنِذه حَنْذاً، وهو أن تحُضِره شوطا أو شوطين ثم تُظاهِر عليه الجِلال في الشمس ليعرَق، فهو محنوذ وحنِيذ؛ فإن لم يعرق قيل: كَبَا. وحَنَذٌ موضع قريب من المدينة. وقيل: الحنِيذ السَّمِيط. ٱبن عباس وغيره: حنيذ نضِيج. وحنِيذٍ بمعنى محنوذ؛ وإنما جاء بعجل لأن البقر كانت أكثر أمواله. الثانية: في هذه الآية من أدب الضّيف أن يُعجّل قِراه، فيقدّم الموجود الميسّر في الحال، ثم يتبعه بغيره إن كان له جِدَة، ولا يتكلف ما يضرّ به. والضيافة من مكارم الأخلاق، ومن آداب الإسلام، ومن خلق النبيين والصالحين. وإبراهيم أوّل من أضاف على ما تقدّم في «البقرة» وليست بواجبة عند عامة أهل العلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الضّيافة ثلاثة أيامٍ وجائِزته يوم وليلة فما كان وراء ذلك فهو صدقة»تفسير : . والجائزة العطية والصلة التي أصلها على النّدب. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». تفسير : وإكرام الجار ليس بواجب إجماعاً، فالضيافة مثله. والله أعلم. وذهب الليث إلى وجوبها تمسكاً بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليلة الضّيف حقّ» تفسير : إلى غير ذلك من الأحاديث. وفيما أشرنا إليه كفاية، والله الموفق للهداية. قال ٱبن العربيّ: وقد قال قوم: إن وجوب الضِّيافة كان في صدر الإسلام ثم نسخ، وهذا ضعيف؛ فإن الوجوب لم يثبت، والناسخ لم يرِد؛ وذكر حديث أبي سعيد الخدريّ خرجه الأئمة، وفيه: «حديث : فٱستضفناهم فأبوا أن يُضيِّفونا فلُدِغ سيّد ذلك الحيّ» تفسير : الحديثَ. وقال: هذا ظاهر في أن الضيافة لو كانت حقاً لَلامَ النبيّ صلى الله عليه وسلم القوم الذين أَبَوا، ولَبيّن لهم ذلك. الثالثة: اختلف العلماء فيمن يخاطب بها؛ فذهب الشافعي ومحمد بن عبد الحكم إلى أن المخاطب بها أهل الحضر والبادية. وقال مالك: ليس على أهل الحضر ضيافة. قال سُحْنون: إنما الضّيافة على أهل القُرى، وأما الحضر فالفُنْدق ينزل فيه المسافر (حكى اللغتين صاحب العين وغيره). واحتجوا بحديث ٱبن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الضّيافة على أهل الوَبَر وليست على أهل المَدَر». تفسير : وهذا حديث لا يصح، وإبراهيم ٱبن أخي عبد الرزاق متروك الحديث منسوب إلى الكذب، وهذا مما ٱنفرد به، ونسب إلى وضعه؛ قاله أبو عمر بن عبد البر. قال ٱبن العربيّ: الضيافة حقيقة فرض على الكفاية، ومن الناس من قال: إنها واجبة في القرى حيث لا طعام ولا مأوى، بخلاف الحواضر فإنها مشحونة بالمأْوَاة والأقوات؛ ولا شك أن الضّيف كريم، والضيافة كرامة؛ فإن كان غريباً فهي فريضة. الرابعة: قال ٱبن العربيّ قال بعض علمائنا: كانت ضيافة إبراهيم قليلة فشكرها الحبيب من الحبيب، وهذا حكم بالظن في موضع القطع، وبالقياس في موضع النقل؛ من أين علِم أنه قليل؟ٰ بل قد نقل المفسرون أن الملائكة كانوا ثلاثة؛ جبريل وميكائيل وإسرافيل صلى الله عليهم وسلم؛ وعجل لثلاثة عظيم؛ فما هذا التفسير لكتاب الله بالرأي؟ٰ هذا بأمانةِ الله هو التفسير المذموم فاجتنبوه فقد علمتموه. الخامسة: السنة إذا قُدِّم للضّيف الطعام أن يبادر المقدِّم إليه بالأكل؛ فإن كرامة الضّيف تعجيل التقديم، وكرامة صاحب المنزل المبادرة بالقبول؛ فلما قبضوا أيديهم نكرهم إبراهيم؛ لأنهم خرجوا عن العادة، وخالفوا السنة، وخاف أن يكون وراءهم مكروه يقصدونه. وروي أنهم كانوا يَنكُتون بِقداح كانت في أيديهم في اللحم ولا تصل أيديهم إلى اللحم، فلما رأى ذلك منهم. {نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} أي أضمر. وقيل: أحس؛ والوجوس الدخول؛ قال الشاعر: شعر : جاء البريدُ بقرطاسٍ يَخُبُّ بهِ فأوجسَ القلبُ من قرطاسه جَزعَا تفسير : «خِيفَةً» خوفاً؛ أي فزعاً. وكانوا إذا رأوا الضيف لا يأكل ظنوا به شراً؛ فقالت الملائكة {لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ}. السادسة: من أدب الطعام أن لصاحب الضّيف أن ينظر في ضيفه هل يأكل أم لا؟ وذلك ينبغي أن يكون بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر. روي أن أعرابياً أكل مع سليمان بن عبد الملك، فرأى سليمان في لقمة الأعرابيّ شعرة فقال له: أزل الشعرة عن لقمتك؛ فقال له: أتنظر إليّ نظر من يرى الشّعرة في لقمتي! والله لا أكلت معك. قلت: وقد ذُكر أن هذه الحكاية إنما كانت مع هشام بن عبد الملك لا مع سليمان، وأن الأعرابي خرج من عنده وهو يقول:شعر : ولَلموتُ خيرٌ من (زيارة) باخل يُلاحظُ أطرافَ الأَكِيلِ على عَمْدِ تفسير : السابعة: قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} يقول: أنكرهم، تقول: نَكِرتك (وأنكرتك) واستنكرتك إذا وجدته على غير ما عهدته؛ قال الشاعر: شعر : وأَنكرتنِي وما كان الذي نَكِرتْ من الحوادِث إلا الشّيبَ والصَّلَعَا تفسير : فجمع بين اللغتين. ويقال: نكِرت لما تراه بعينك. وأنكرت لما تراه بقلبك. الثامنة: قوله تعالى: {وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ} ٱبتداء وخبر، أي قائمة بحيث ترى الملائكة. قيل: كانت من وراء الستر. وقيل: كانت تخدم الملائكة وهو جالس. وقال محمد بن إسحق: قائمة تصلي. وفي قراءة عبد الله بن مسعود «وٱمرأته قائِمة وهو قاعِد». التاسعة: قوله تعالى: {فَضَحِكَتْ} قال مجاهد وعِكرمة: حاضت، وكانت آيسة؛ تحقيقاً للبشارة؛ وأنشد على ذلك اللغويون: شعر : وإني لآتي العِرسَ عند طُهورها وأهجرُها يوماً إذا تَكُ ضاحِكَا تفسير : وقال آخر: شعر : وضِحْكُ الأرانبِ فوق الصَّفَا كمثلِ دمِ الجوفِ يوم اللِّقا تفسير : والعرب تقول: ضحكت الأرنب إذا حاضت؛ وروي عن ٱبن عباس رضي الله عنهما وعِكرمة؛ أخذاً من قولهم: ضحكت الكافورة ـ وهي قشرة الطلعة ـ إذا انشقّت. وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في كلام العرب ضحِكت بمعنى حاضت. وقال الجمهور: هو الضحك المعروف، واختلفوا فيه؛ فقيل: هو ضحك التعجّب؛ قال أبو ذؤيب: شعر : فجاءَ بمزجٍ لم يَرَ الناسُ مثله هو الضَّحْكُ إلا أنه عمل النَّحْلِ تفسير : وقال مقاتل: ضحكت من خوف إبراهيم، ورِعدته من ثلاثة نفر، وإبراهيم في حشمه وخدمه؛ وكان إبراهيم يقوّم وحده بمائة رجل. قال: وليس الضحك الحيض في اللغة بمستقيم. وأنكر أبو عبيد والفراء ذلك؛ قال الفراء: لم أسمعه من ثقة؛ وإنما هو كناية. وروي أن الملائكة مسحت العجل، فقام من موضعه فلحق بأمه، فضحكت سارة عند ذلك فبشّروها بإسحق. ويقال: كان إبراهيم عليه السلام إذا أراد أن يكرم أضيافه أقام سارة تخدمهم، فذلك قوله: {وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ} أي قائمة في خدمتهم. ويقال: «قَائِمَةٌ» لروع إبراهيم «فَضَحِكَتْ» لقولهم: «لاَ تَخَفْ» سروراً بالأمن. وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير؛ المعنى: فبشرناها بإسحق فضحكت، أي ضحكت سروراً بالولد، وقد هرِمت؛ والله أعلم أيّ ذلك كان. قال النحاس فيه أقوال: أحسنها ـ أنهم لما لم يأكلوا أنكرهم وخافهم؛ فلما قالوا لا تخف، وأخبروه أنهم رُسُل (الله)، فرح بذلك، فضحكت ٱمرأته سروراً بفرحه. وقيل: إنها كانت قالت له: أحسب أن هؤلاء القوم سينزل بهم عذاب فضم لوطاً إليك، فلما جاءت الرسل بما قالته سرّت به فضحكت؛ قال النحاس: وهذا إن صح إسناده فهو حسن. والضحك ٱنكشاف الأسنان. ويجوز أن يكون الضحك إشراق الوجه؛ تقول: رأيت فلاناً ضاحكاً؛ أي مشرقاً. وأتيت على رَوْضة تضحك؛ أي مشرقة. وفي الحديث: «حديث : إن الله سبحانه يبعث السّحاب فيضحك أحسن الضَّحِك». تفسير : جعل ٱنجلاءه عن البرق ضَحِكا؛ وهذا كلام مستعار. وروي عن رجل من قرّاء مكة يقال له محمد بن زياد الأعرابي. «فَضَحَكت» بفتح الحاء؛ قال المهدوي: وفتح «الحاء» من «فضحكت» غير معروف. وضَحِك يضحَك ضَحْكاً وضِحكاً وضِحِكاً (وضَحِكا) أربع لغات. والضَّحْكة المرّة الواحدة، ومنه قول كُثيّر:شعر : غَلِقت لضَحكتِـهِ رقابُ المـال تفسير : قاله الجوهري. العاشرة: روى مسلم عن سهل بن سعد قال: دعا أبو أُسَيْدٍ الساعديّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في عُرْسه، فكانت ٱمرأته يومئذ خادمهم وهي العَروس. قال سهل: أتدرون ما سقت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أنقعت له تمراتٍ من الليل في تَوْر، فلما أكل سقته إياه. وأخرجه البخاري وترجم له «باب قيام المرأة على الرجال في العُرْس وخدمتهم بالنفس». قال علماؤنا: فيه جواز خدمة العَروس زوجها وأصحابه في عُرْسها. وفيه أنه لا بأس أن يعرض الرجل أهله على صالح إخوانه، ويستخدمهنّ لهم. ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول الحجاب. والله أعلم. الحادية عشرة: ذكر الطبريّ أن إبراهيم عليه السلام لما قدّم العجل قالوا: لا نأكل طعاماً إلا بثمن؛ فقال لهم: «ثمنه أن تذكروا الله في أوّله وتحمدوه في آخره» فقال جبريل لأصحابه: بحق ٱتخذ الله هذا خليلاً. قال علماؤنا: ولم يأكلوا لأن الملائكة لا تأكل. وقد كان من الجائز كما يَسَّر الله للملائكة أن يتشكّلوا في صفة الآدمي جسداً وهيئة أن ييسر لهم أكل الطعام؛ إلا أنه في قول العلماء أرسلهم في صفة الآدمي وتكلّف إبراهيم عليه السلام الضّيافة حتى إذا رأى التوقف وخاف جاءته البشرى فجأة. الثانية عشرة: ودلّ هذا على أن التسمية في أوّل الطعام، والحمد في آخره مشروع في الأمم قبلنا؛ وقد جاء في الإسرائيليات أن إبراهيم عليه السلام كان لا يأكل وحده؛ فإذا حضر طعامه أرسل يطلب من يأكل معه، فلقي يوماً رجلاً، فلما جلس معه على الطعام، قال له إبراهيم: سمّ ٱلله، قال الرجل لا أدري ما ٱلله؟ فقال له: فاخرج عن طعامي، فلما خرج نزل إليه جبريل فقال له: يقول الله إنه يرزقه على كفره مدى عمره وأنت بخلت عليه بلقمة؛ فخرج إبراهيم فزعاً يجرّ رداءه، وقال: ٱرجع، فقال: لا أرجع حتى تخبرني لم تردّني لغير معنى؟ فأخبره بالأمر؛ فقال: هذا رب كريم، آمنت؛ ودخل وسمّى الله وأكل مؤمناً. الثالثة عشرة: قوله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ} لما ولد لإبراهيم إسمٰعيل من هاجر تمنّت سارة أن يكون لها ابن، وأَيِست لكبر سنّها، فبشرت بولد يكون نبياً ويلد نبياً، فكان هذا بشارة لها بأن ترى ولد ولدها. الرابعة عشرة: قوله تعالى: {وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} قرأ حمزة وعبد الله بن عامر «يعقوبَ» بالنصب. ورفع الباقون؛ فالرفع على معنى: ويحدث لها من وراء إسحٰق يعقوبُ. ويجوز أن يرتفع بالفعل الذي يعمل في «من» كأن المعنى: وثبت لها من وراء إسحق يعقوبُ. ويجوز أن يرتفع بالابتداء، ويكون في موضع الحال؛ أي بشّروها بإسحٰق مقابلاً له يعقوب. والنصب على معنى: ووهبنا لها من وراء إسحٰق يعقوبُ. وأجاز الكسائيّ والأخفش وأبو حاتم أن يكون «يعقوب» في موضع جرّ على معنى: وبشرناها من وراء إسحٰق بيعقوب. قال الفراء: ولا يجوز الخفض إلا بإعادة الحرف الخافض؛ قال سيبويه ولو قلت: مررت بزيد أوّل من أمس وأمس عمرٍو كان قبيحاً (خبيثاً)؛ لأنك فرقت بين المجرور وما يشركه وهو الواو، كما تفرق بين الجار والمجرور؛ لأن الجار لا يفصل بينه وبين المجرور، ولا بينه وبين الواو.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ} وهم الملائكة، إبراهيم بالبشرى، قيل: تبشره بإسحاق، وقيل: بهلاك قوم لوط، ويشهد للأول قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ} تفسير : [هود: 74]، {قَالُواْ سَلَـٰماً قَالَ سَلَـٰمٌ} أي: عليكم، قال علماء البيان: هذا أحسن مما حيوه به؛ لأن الرفع يدل على الثبوت والدوام {فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} أي: ذهب سريعاً، فأتاهم بالضيافة، وهو عجل فتى البقر، حنيذ: مشوي على الرضف، وهي الحجارة المحماة. هذا معنى ما روي عن ابن عباس وقتادة وغير واحد؛ كما قال في الآية الأخرى: {أية : فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ } تفسير : [الذاريات:26-27] وقد تضمنت هذه الآية آداب الضيافة من وجوه كثيرة. وقوله: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ}تنكرهم {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام، ولا يشتهونه، ولا يأكلونه، فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاءهم به، فارغين عنه بالكلية، فعند ذلك نكرهم {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} قال السدي: لما بعث الله الملائكة لقوم لوط، أقبلت تمشي في صور رجال شبان، حتى نزلوا على إبراهيم، فتضيفوه، فلما رآهم أجلهم {أية : فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ } تفسير : [الذاريات: 26] فذبحه، ثم شواه في الرضف، وأتاهم به، فقعد معهم، وقامت سارة تخدمهم، فذلك حين يقول - وامرأته قائمة وهو جالس - في قراءة ابن مسعود: {أية : فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ } تفسير : [الذاريات: 27] قالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاماً إلا بثمن، قال: فإن لهذا ثمناً، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله، وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل، فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلاً، {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} يقول: فلما رآهم لا يأكلون، فزع منهم، وأوجس منهم خيفة، فلما نظرت سارة أنه قد أكرمهم، وقامت هي تخدمهم، ضحكت وقالت: عجباً لأضيافنا هؤلاء، نخدمهم بأنفسنا كرامة لهم، وهم لا يأكلون طعامنا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا نصر بن علي، حدثنا نوح بن قيس عن عثمان بن محصن في ضيف إبراهيم، قال: كانوا أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل ورفائيل. قال نوح بن قيس: فزعم نوح بن أبي شداد أنهم لما دخلوا على إبراهيم، فقرب إليهم العجل، مسحه جبريل بجناحه، فقام يدرج حتى لحق بأمه، وأم العجل في الدار، وقوله تعالى إخباراً عن الملائكة: {قَالُواْ لاَ تَخَفْ} أي: قالوا: لا تخف منا، إنا ملائكة أرسلنا إلى قوم لوط لنهلكهم، فضحكت سارة استبشاراً بهلاكهم؛ لكثرة فسادهم، وغلظ كفرهم، فلهذا جوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس، وقال قتادة: ضحكت وعجبت أن قوماً يأتيهم العذاب، وهم في غفلة، وقوله: {وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ} قال العوفي عن ابن عباس: فضحكت، أي: حاضت، وقول محمد بن قيس: إنها إنما ضحكت من أنها ظنت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط، وقول الكلبي: إنها إنما ضحكت لما رأت من الروع بإبراهيم ضعفاً ووجداً، وإن كان ابن جرير قد رواهما بسنده إليهما، فلا يلتفت إلى ذلك، والله أعلم. وقال وهب بن منبه: إنما ضحكت لما بشرت بإسحاق، وهذا مخالف لهذا السياق؛ فإن البشارة صريحة مرتبة على ضحكها {فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ} أي: بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل؛ فإن يعقوب ولد إسحاق؛ كما قال في آية البقرة: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَآئِكَ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 133]. ومن ههنا استدل من استدل بهذه الآية على أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق؛ لأنه وقعت البشارة به، وأنه سيولد له يعقوب، فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه، وهو طفل صغير، ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده، ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه، فتعين أن يكون إسماعيل، وهذا من أحسن الاستدلال، وأصحه وأبينه، ولله الحمد {قَالَتْ يٰوَيْلَتَا ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا} الآية، حكى قولها في هذه الآية، كما حكى فعلها في الآية الأخرى؛ فإنها {قَالَتْ يٰوَيْلَتَا ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ} وفي الذاريات {أية : فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِى صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} تفسير : [الذاريات: 29] كما جرت به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجب {قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} أي: قالت الملائكة لها: لا تعجبي من أمر الله؛ فإنه إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، فلا تعجبي من هذا، وإن كنت عجوزاً عقيماً وبعلك شيخاً كبيراً، فإن الله على ما يشاء قدير {رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} أي: هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله، محمود ممجد في صفاته وذاته، ولهذا ثبت في الصحيحين أنهم قالوا: قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟، قال:«حديث : قولوا: اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم إنك حميد مجيد».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ جآءَتْ رُسُلُنآ إِبْرٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ } بإِسحٰق ويعقوب بعده {قَالُواْ سَلَـٰماً } مصدر {قَالَ سَلَٰمٌ } عليكم {فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } مشوي.

الشوكاني

.تفسير : هذه قصة لوط عليه السلام وقومه، وهو ابن عم إبراهيم عليه السلام، وكانت قرى لوط بنواحي الشام، وإبراهيم ببلاد فلسطين. فلما أنزل الله الملائكة بعذاب قوم لوط، مرّوا بإبراهيم ونزلوا عنده، وكان كل من نزل عنده يحسن قراه، وكان مرورهم عليه لتبشيره بهذه البشارة المذكورة، فظنهم أضيافاً، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقيل: كانوا تسعة. وقيل: أحد عشر، والبشرى التي بشروه بها هي بشارته بالولد. وقيل: بإهلاك قوم لوط. والأولى: أولى. {قَالُواْ سَلاَماً } منصوب بفعل مقدر: أي سلمنا عليك سلاماً {قَالَ سَلَـٰمٌ } ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي أمركم سلام، أو مرتفع على أنه مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: عليكم سلام {فَمَا لَبِثَ } أي: إبراهيم {أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } قال أكثر النحويين "أن" هنا بمعنى حتى أي: فما لبث حتى جاء. وقيل: إنها في محل نصب بسقوط حرف الجر، والتقدير فما لبث عن أن جاء: أي ما أبطأ إبراهيم عن مجيئه بعجل، و"ما" نافية قاله: سيبويه. وقال الفراء: فما لبث مجيئه، أي ما أبطأ مجيئه. وقيل: إن "ما" موصولة وهي: مبتدأ والخبر {أن جاء بعجل حنيذ}. والتقدير: فالذي لبث إبراهيم هو مجيؤه بعجل حنيذ، والحنيذ: المشويّ مطلقاً. وقيل: المشويّ بحرّ الحجارة من غير أن تمسه النار، يقال: حنذ الشاة يحنذها: جعلها فوق حجارة محماة لتنضجها فهي: حنيذ. وقيل: معنى حنيذ: سمين. وقيل: الحنيذ: هو: السميط. وقيل: النضيج، وهو فعيل بمعنى مفعول، وإنما جاءهم بعجل، لأن البقر كانت أكثر أمواله {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ } أي: لا يمدونها إلى العجل كما يمدّ يده من يريد الأكل {نَكِرَهُمْ } يقال: نكرته وأنكرته واستنكرته: إذا وجدته على غير ما تعهد، ومنه قول الشاعر:شعر : فأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا تفسير : فجمع بين اللغتين، ومما جمع فيه بين اللغتين قول الشاعر:شعر : إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها خرجت مع البازي عليّ سواد تفسير : وقيل: يقال: أنكرت لما تراه بعينك، ونكرت لما تراه بقلبك، قيل: وإنما استنكر منهم ذلك، لأن عادتهم أن الضيف إذا نزل بهم ولم يأكل من طعامهم ظنوا أنه قد جاء بشرّ {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ } أي: أحسّ في نفسه منهم {خِيفَةً } أي: خوفاً وفزعاً. وقيل: معنى أوجس: أضمر في نفسه خيفة، والأول ألصق بالمعنى اللغوي، ومنه قول الشاعر:شعر : جاء البريد بقرطاس يحث به فأوجس القلب من قرطاسه فزعا تفسير : وكأنه ظنّ أنهم قد نزلوا به لأمر ينكره، أو لتعذيب قومه {قَالُواْ لاَ تَخَفْ } قالوا له هذه المقالة مع كونه لم يتكلم بما يدل على الخوف، بل أوجس ذلك في نفسه، فلعلهم استدلوا على خوفه بأمارات كظهور أثره على وجهه، أو قالوه له بعدما قال عقب ما أوجس في نفسه من الخيفة قولاً يدلّ على الخوف، كما في قوله في سورة الحجر: {أية : قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } تفسير : [الحجر: 52]، ولم يذكر ذلك ها هنا اكتفاء بما هنالك، ثم علّلوا نهيه عن الخوف بقولهم: {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ } أي: أرسلنا إليهم خاصة، ويمكن أن يكون إبراهيم عليه السلام قد قال قولاً يكون هذا جواباً عنه {أية : قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُون * قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } تفسير : [الذاريات: 31، 32]. وجملة {وَٱمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ } في محل نصب على الحال، قيل: كانت قائمة عند تحاورهم وراء الستر. وقيل: كانت قائمة تخدم الملائكة وهو جالس. والضحك هنا هو الضحك المعروف الذي يكون للتعجب أو للسرور كما قاله الجمهور. وقال مجاهد وعكرمة: إنه الحيض، ومنه قول الشاعر:شعر : وإني لآتي العرس عند طهورها وأهجرها يوماً إذا تك ضاحكاً تفسير : وقال الآخر:شعر : وضحك الأرانب فوق الصفا كمثل دم الخوف يوم اللقا تفسير : والعرب تقول ضحكت الأرانب: إذا حاضت. وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في كلام العرب ضحكت بمعنى حاضت. {فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ } ظاهره أن التبشير كان بعد الضحك. وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير. والمعنى: فبشرناها فضحكت سروراً بالولد. وقرأ محمد بن زياد من قراء مكة "فضحكت" بفتح الحاء، وأنكره المهدوي. {وَمِن وَرَاء إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ } قرأ حمزة، وابن عامر، وحفص بنصب {يعقوب} على أنه مفعول فعل دل عليه {فبشرناها}، كأنه قال: ووهبنا لها من وراء إسحاق يعقوب. وأجاز الكسائي، والأخفش، وأبو حاتم أن يكون {يعقوب} في موضع جرّ. وقال الفراء: لا يجوز الجرّ إلا بإعادة حرفه. قال سيبويه: ولو قلت: مررت بزيد أوّل من أمس، وأمس عمر، كان قبيحاً خبيثاً، لأنك فرقت بين المجرور، وما يشركه، كما يفرق بين الجار والمجرور. وقرأ الباقون برفع "يعقوب" على أنه مبتدأ وخبره الظرف الذي قبله. وقيل: الرفع بتقدير فعل محذوف، أي ويحدث لها، أو وثبت لها. وقد وقع التبشير هنا لها، ووقع لإبراهيم في قوله تعالى: {أية : فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ } تفسير : [الصافات: 101]{أية : وَبَشَّرُوهُ بِغُلَـٰمٍ عَلَيمٍ } تفسير : [الذاريات: 28]، لأن كل واحد منهما مستحق للبشارة به لكونه منهما. وجملة: {قَالَتْ يٰوَيْلَتَا} مستأنفة جواب سؤال مقدّر كأنه قيل: فماذا قالت؟ قال الزجاج: أصلها يا ويلتي، فأبدل من الياء ألف لأنها أخفّ من الياء والكسرة، وهي لم ترد الدعاء على نفسها بالويل، ولكنها كلمة تقع كثيراً على أفواه النساء إذا طرأ عليهنّ ما يعجبن منه، وأصل الويل: الخزي، ثم شاع في كل أمر فظيع، والاستفهام في قولها: {ءأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ } للتعجب: أي: كيف ألد وأنا شيخة قد طعنت في السنّ، يقال: عجزت تعجز مخففاً ومثقلاً عجزاً وتعجيزا: أي: طعنت في السنّ. ويقال: عجوز وعجوزة، وأما عجزت بكسر الجيم: فمعناه عظمت عجيزتها. قيل: كانت بنت تسع وتسعين، وقيل: بنت تسعين {وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا } أي: وهذا زوجي إبراهيم شيخاً لا تحبل من مثله النساء، و{شيخاً} منتصب على الحال، والعامل فيه معنى الإشارة. قال النحاس: وفي قراءة أبيّ وابن مسعود "شيخ" بالرفع على أنه خبر المبتدأ، أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف، وعلى الأول يكون {بعلى} بدلاً من اسم الإشارة. قيل: كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة. وقيل: ابن مائة، وهذه المبشرة هي سارة امرأة إبراهيم. وقد كان ولد لإبراهيم من هاجر أمته إسماعيل، فتمنت سارة أن يكون لها ابن، وأيست منه لكبر سنها، فبشرها الله به على لسان ملائكته {إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عَجِيبٌ } أي: ما ذكرته الملائكة من التبشير بحصول الولد، مع كونها في هذه السنّ العالية التي لا يولد لمثلها شيء يقضي منه العجب. وجملة {قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، والاستفهام فيها للإنكار: أي كيف تعجبين من قضاء الله وقدره، وهو لا يستحيل عليه شيء، وإنما أنكروا عليها مع كون ما تعجبت منه من خوارق العادة لأنها من بيت النبوّة، ولا يخفى على مثلها أن هذا من مقدوراته سبحانه، ولهذا قالوا: {رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} أي: الرحمة التي وسعت كل شيء، والبركات وهي: النموّ والزيادة. وقيل الرحمة: النبوّة، والبركات: الأسباط من بني إسرائيل لما فيهم من الأنبياء، وانتصاب {أهل البيت} على المدح أو الاختصاص، وصرف الخطاب من صيغة الواحدة إلى الجمع لقصد التعميم {إِنَّهُ حَمِيدٌ } أي: يفعل موجبات حمده من عباده على سبيل الكثرة {مَّجِيدٌ } كثير الإحسان إلى عباده بما يفيضه عليهم من الخيرات، والجملة تعليل لقوله: {رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ}. قوله: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ } أي: الخيفة التي أوجسها في نفسه، يقال ارتاع من كذا: إذا خاف، ومنه قول النابغة:شعر : فارتاع من صوت كلاب فبات له طوع الشوامت من خوف ومن حذر تفسير : {وَجَاءتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ } أي: بالولد، أو بقولهم: لا تخف، قوله: {يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ } قال الأخفش والكسائي: إن {يجادلنا} في موضع جادلنا، فيكون هو جواب {لما}. لما تقرّر من أن جوابها يكون بالماضي لا بالمستقبل. قال النحاس: جعل المستقبل مكانه كما يجعل الماضي مكان المستقبل في الشرط، وقيل: إن الجواب محذوف، و{يجادلنا} في موضع نصب على الحال، قاله الفراء. وتقديره: فلما ذهب عنه الروع وجاءته البشرى اجترأ على خطابنا حال كونه يجادلنا: أي يجادل رسلنا. وقيل: إن المعنى: أخذ يجادلنا، ومجادلته لهم قيل: إنه سمع قولهم: {أية : إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ } تفسير : [العنكبوت: 31] قال: أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا، قال: فأربعون؟ قالوا: لا، قال: فعشرون؟ قالوا: لا، ثم قال: فعشرة، فخمسة؟ قالوا: لا. قال: فواحد؟ قالوا: لا {أية : قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ } تفسير : [العنكبوت: 32] الآية، فهذا معنى مجادلته في قوم لوط، أي في شأنهم وأمرهم. ثم أثنوا على إبراهيم، أو أثنى الله عليه فقال: {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لَحَلِيمٌ } أي: ليس بعجول في الأمور، ولا بموقع لها على غير ما ينبغي. والأوّاه: كثير التأوّه، والمنيب: الراجع إلى الله. وقد تقدّم في براءة الكلام على الأوّاه. قوله: {يإِبْرٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا } هذا قول الملائكة له: أي أعرض عن هذا الجدال في أمر قد فرغ منه، وجفّ به القلم، وحقّ به القضاء {إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبّكَ } الضمير للشأن، ومعنى مجيء أمر الله: مجيء عذابه الذي قدّره عليهم، وسبق به قضاؤه {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ } أي: لا يردّه دعاء ولا جدال، بل هو واقع بهم لا محالة، ونازل بهم على كل حال، ليس بمصروف ولا مدفوع. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن عثمان بن محصن، في ضيف إبراهيم قال: كانوا أربعة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ورافئيل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله: {بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } قال: نضيج. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، قال: مشويّ. وأخرج أبو الشيخ، عنه، أيضاً قال: سميط. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك قال: الحنيذ: الذي أنضج بالحجارة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن يزيد بن أبي يزيد البصري، في قوله: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ } قال: لم ير لهم أيدياً فنكرهم، وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {نَكِرَهُمْ } قال: كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يأت بخير، وأنه يحدّث نفسه بشرّ، ثم حدّثوه عند ذلك بما جاءوا فيه، فضحكت امرأته. وأخرج ابن المنذر، عن المغيرة قال: في مصحف ابن مسعود «وامرأته قائمة وهو جالس». وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد {وَٱمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ } قال: في خدمة أضياف إبراهيم. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة قال: لما أوجس إبراهيم في نفسه خيفة حدّثوه عند ذلك بما جاءوا فيه، فضحكت امرأته تعجباً مما فيه قوم لوط من الغفلة، ومما أتاهم من العذاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس {فَضَحِكَتْ } قال: فحاضت وهي: بنت ثمان وتسعين سنة. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد، في قوله: {فَضَحِكَتْ } قال: حاضت، وكانت ابنة بضع وتسعين سنة، وكان إبراهيم ابن مائة سنة. وأخرج أبو الشيخ، عن عكرمة قال: حاضت. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عمر مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس، في قوله: {وَمِن وَرَاء إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ } قال: هو ولد الولد. وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء، عن حسان بن أبجر قال: كنت عند ابن عباس، فجاء رجل من هذيل، فقال له ابن عباس: ما فعل فلان؟ قال: مات وترك أربعة من الولد وثلاثة من الوراء، فقال ابن عباس {فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ } قال: ولد الولد. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الشعب من طرق، عن ابن عباس أنه كان ينهى عن أن يزاد في جواب التحية على قولهم: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ويتلو هذه الآية {رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ}. وأخرج البيهقي عن ابن عمر نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد، في قوله: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ } قال: الفرق {يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ } قال: يخاصمنا. وأخرج عبد الرزاق، وأبو الشيخ، عن قتادة في تفسير المجادلة قال: إنه قال لهم يومئذ: أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين؟ قالوا: إن كان فيهم خمسون لم نعذبهم، قال: أربعون؟ قالوا: وأربعون. قال: ثلاثون؟ قالوا: وثلاثون، حتى بلغوا عشرة، قالوا: إن كان فيهم عشرة لم نعذبهم، قال: ما قوم لا يكون فيهم عشرة فيهم خير؟ قال قتادة: إنه كان في قرية لوط أربعة آلاف ألف إنسان، أو ما شاء الله من ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس قال: لما جاءت الملائكة إلى إبراهيم قالوا لإبراهيم: إن كان فيها خمسة يصلون رفع عنهم العذاب. وأخرج أبو الشيخ، عن عمر بن ميمون قال: الأوّاه: الرحيم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: المنيب، المقبل إلى طاعة الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: المنيب المخلص.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى}. أما إبراهيم ففيه وجهان: أحدهما: أنه اسم أعجمي، قاله الأكثرون. وقيل معناه أب رحيم. الثاني: أنه عربي مشتق من البرهمة وهي إدامة النظر. والرسل جبريل ومعه ملكان قيل إنهما ميكائيل وإسرافيل عليه السلام وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه كان المرسل مع جبريل اثني عشر ملكاً. وفي البشرى التي جاءوه بها أربعة أقاويل: أحدها: بشروه بنبّوته، قاله عكرمة. الثاني: بإسحاق، قاله الحسن. الثالث: بشروه بإخراج محمد صلى الله عليه وسلم من صلبه وأنه خاتم الأنبياء. الرابع: بشروه بهلاك قوم لوط، قاله قتادة. {قالوا سلاماً قال سلامٌ} فيه وجهان: أحدهما تحية من الملائكة لإبراهيم عليه السلام فحياهم بمثله فدل على أن السلام تحية الملائكة والمسلمين جميعاً. الثاني: سلمت أنت وأهلك من هلاك قوم لوط. وقوله {سلام} أي الحمد لله الذي سلّمني، فمعنى سلام: سلمت. وقرأ حمزة والكسائي {سِلم} بكسر السين وإسقاط الألف. واختلف في السلم والسلام على وجهين: أحدهما: أن السلم من المسالمة والسلام من السلامة. الثاني: أنهما بمعنى واحد، قال الشاعر، وقد أنشده الفراء لبعض العرب: شعر : وقفنا فقلنا إيه سِلْم فسَلّمَتْ كما اكتلَّ بالبرْقِ الغمامُ اللوائحُ تفسير : {فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} ظنَّ رُسُل ربه أضيافاً لأنهم جاؤُوه في صورة الناس فعجل لهم الضيافة فجاءهم بعجل حنيذ. وفي الحنيذ قولان: أحدهما: أنه الحار، حكاه أبان بن تغلب عن علقمة النحوي. الثاني: هو المشوي نضيجاً وهو المحنوذ مثل طبيخ ومطبوخ وفيه قولان: أحدهما: هو الذي حُفر له في الأرض ثم غُمَّ فيها، قال الشاعر: شعر : اذا ما اعتبطنا اللحم للطالب القِرى حنذناه حتى عَين اللحم آكله تفسير : الثاني: هو أن يوقد عل الحجارة فإذا اشتد حرها ألقيت في جوفه ليسرع نضجه، قال طرفة بن العبد: شعر : لهم راحٌ وكافور ومسكٌ وعِقر الوحش شائله حنوذ تفسير : قوله عز وجل: {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم} في نكرهم وأنكرهُم وجهان: أحدهما: أن معناهما مخلتف، فنكرهم إذا لم يعرفهم ونكرهم إذا وجدهم على منكر. الثاني: أنهما بمعنى واحد، قال الأعشى: شعر : وأنكَرَتْني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصّلَعا تفسير : واختلف في سبب إنكاره لهم على قولين: أحدهما: أنهم لم يطعموا، ومن شأن العرب إذا نزل بهم ضيف فلم يطعم من طعامهم ظنوا به سوءاً وخافوا منه شراً، فنكرهم إبراهيم لذلك، قاله قتادة. والثاني: لأنه لم تكن لهم أيدي فنكرهم، قاله يزيد بن أبي حبيب. وامتنعوا من طعامه لأنهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون. {وَأَْوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} فيه وجهان: أحدهما: أضمر في نفسه خوفاً منهم. والثاني: أحسّ من نفسه تخوفاً منهم، كما قال يزيد بن معاوية: شعر : جاء البريد بقرطاس يُخَبُّ به فأوجس القلبُ من قرطاسه جزعا تفسير : {قالوا لا تخف إنا أُرسلنا إلى قوم لوط} يعني بهلاكهم. وفي إعلامهم إبراهيم بذلك وجهان: أحدهما: ليزول خوفه منهم. والثاني: لأن إبراهيم قد كان يأتي قوم لوط فيقول: ويحكم أينهاكم عن الله أن تتعرضوا لعقوبته فلا يطيعونه. {وَامْرأَتُهُ قَائِمَتٌ فَضَحِكَتْ} وفي قيامها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها كانت قائمة من وراء الستر تسمع كلامهم، قاله وهب. الثاني: أنها كانت قائمة تخدمهم، قاله مجاهد. الثالث: أنها كانت قائمة تُصَلّي، قاله محمد بن إسحاق. {فَضَحِكَتْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني حاضت، قاله مجاهد والعرب تقول ضحكت المرأة إذا حاضت، والضحك الحيض في كلامهم، قال الشاعر: شعر : وضحك الأرانب فوق الصفا كمثل دم الخوف يوم اللّقا تفسير : والثاني: أن معنى ضحكت: تعجبت، وقد يسمى التعجب ضحكاً لحدوث الضحك عنه، ومنه قول أبي ذؤيب. شعر : فجاء بمزجٍ لم ير الناس مثله هو الضحك إلاّ انه عمل النحل تفسير : الثالث: أنه الضحك المعروف في الوجه، وهو قول الجمهور. فإن حمل تأويله على الحيض ففي سبب حيضها وجهان: أحدهما: أنه وافق وقت عاتها فخافت ظهور دمها وأرادت شداده فتحيرت مع حضور الرسل. والقول الثاني: ذعرت وخافت فتعجل حيضها قبل وقته، وقد تتغير عادة الحيض باختلاف الأحوال وتغير الطباع. ويحتمل قولاً ثالثاً: أن يكون الحيض بشيراً بالولادة لأن من لم تحض لا تلد. وإن حمل تأويله على التعجب ففيما تعجب منه أربعة أقاويل: أحدها: أنها تعجبت من أنها وزوجها يخدمان الأضياف تكرمة لهم وهم لا يأكلون، قاله السدي. الثاني: تعجبت من أن قوم لوط قد أتاهم العذاب وهم غافلون، قاله قتادة. الثالث: أنها عجبت من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها، قاله وهب بن منبه. الرابع: أنها تعجبت من إحياء العجل الحنيذ لأن جبريل عليه السلام مسحه بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه وأم العجل في الدار، قاله عون بن أبي شداد. وإن حمل تأويله على ضحك الوجه ففيما ضحكت منه أربعة أقاويل: أحدها: ضحكت سروراً بالسلامة. الثاني: سروراً بالولد. الثالث: لما رأت ما بزوجها من الورع، قاله الكلبي. الرابع: أنها ضحكت ظناً بأن الرسل يعملون عمل قوم لوط، قاله محمد بن عيسى. {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} وفي {وراء} ها هنا قولان: أحدهما: أن الوراء ولد الولد، قاله ابن عباس والشعبي. الثاني: أنه بمعنى بعد، قاله مقاتل، وقال النابغة الذبياني: شعر : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراءَ اللهِ للمرء مذهبُ تفسير : فعجلوا لها البشرى بالولدين مظاهرة للنعمة ومبالغة في التعجب، فاحتمل أن يكون البشارة بهما باسميهما فيكون الله تعالى هو المسمى لهما، واحتمل أن تكون البشارة بهما وسماها أبوهما. فإن قيل: فلم خصت سارة بالبشرى من دون إبراهيم؟ قيل عن هذا ثلاثة أجوبة: أحدها: أنها لما اختصت بالضحك خصت بالبشرى. الثاني: أنهم كافأُوها بالبشرى مقابلة على استعظام خدمتها. الثالث: لأن النساء في البشرى بالولد أعظم سروراً وأكثر فرحاً. قال ابن عباس: سمي إسحاق لأن سارة سحقت بالضحك حين بشرت به. قوله عز وجل: {قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوزٌ وهذا بَعْلي شيخا} لم تقصد بقولها يا ويلتا الدعاء على نفسها بالويل ولكنها كلمة تخفُّ على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يعجبن منه، وعجبت من ولادتها وهي عجوز وكون بعلها شيخاً لخروجه عن العادة، وما خرج عن العادة مستغرب ومستنكر. واختلف في سنها وسن إبراهيم حينئذ، فقال مجاهد: كان لسارة تسع وتسعون سنة وكان لإبراهيم مائة سنة. وقال محمد بن إسحاق: كانت سارة بنت تسعين سنة وكان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة. وقال قتادة: كان كل واحد منهما ابن تسعين سنة. وقيل انها عرّضت بقولها {وهذا بعلي شيخاً} عن ترك غشيانه لها، والبعل هو الزوج في هذا الموضع، ومنه قوله تعالى {أية : وبعولتهن أحق بردّهن في ذلك} تفسير : [البقرة: 228]. والبعل: المعبود، ومنه قوله تعالى {أية : أتدعون بعلاً} تفسير : [الصافات: 125] أي اليها معبوداً. والبعل السيد، ومنه قول لبيد. شعر : حاسري الديباج عن أذرعهم عند بعل حازم الرأي بَطل تفسير : فسمي الزوج بعلاً لتطاوله على الزوجة كتطاول السيد على المسود. {إن هذا لشيء عجيب} أي منكر، ومنه قوله تعالى {أية : بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم} تفسير : [ق: 2] أي أنكروا. ولم يكن ذلك منها تكذيباً ولكن استغراباً له.

ابن عطية

تفسير : "الرسل" الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقالت فرقة: بدل إسرافيل عزرائيل - ملك الموت - وروي أن جبريل منهم كان مختصاً بإهلاك قرية لوط، وميكائيل مختصاً بتبشير إبراهيم بإسحاق. وإسرافيل مختصاً بإنجاء لوط ومن معه. قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية تقضي باشتراكهم في البشارة بإسحاق وقالت فرقة - وهي الأكثر - "البشرى" هي بإسحاق. وقالت فرقة: "البشرى" هي بإهلاك قوم لوط. وقوله: {سلاماً} نصب على المصدر، والعامل فيه فعل مضمر من لفظه كأنه قال: أسلم سلاماً، ويصح أن يكون: {سلاماً} حكاية لمعنى ما قالوه لا للفظهم - قاله مجاهد والسدي - فلذلك عمل فيه القول، كما تقول - الرجل قال: لا إله إلاَّ الله - قلت حقاً أو إخلاصاً؛ ولو حكيت لفظهم لم يصح أن تعمل فيه القول وقوله: {قال: سلام} حكاية للفظه، و {سلام} مرتفع إما على الابتداء، والخبر محذوف تقديره عليكم، وإما على خبر ابتداء محذوف تقديره أمري سلام، وهذا كقوله: {أية : فصبر جميل} تفسير : [يوسف: 18] إما على تقدير فأمري صبر جميل، وإما على تقدير: فصبر جميل أجمل. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم: "قالوا: سلاماً قال: سلاَم" وقرأ حمزة والكسائي: "قالوا سلاماً، قال: سلم" وكذلك اختلافهم في سورة الذاريات. وذلك على وجهين: يحتمل أن يريد به السلام بعينه، كما قالوا حل وحلال وحرم وحرام ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل] شعر : مررنا فقلنا ابه سلم فسلمت كما اكتلّ بالبرق الغمام اللوائح تفسير : اكتلّ: اتخذ إكليلاً أو نحو هذا قال الطبري وروي: كما انكلّ - ويحتمل أن يريد بـ "السلم" ضد الحرب، تقول نحن سلم لكم. وكان سلام الملائكة دعاء مرجواً - فلذلك نصب - وحيي الخليل بأحسن مما حيي وهو الثابت المتقرر ولذلك جاء مرفوعاً. وقوله: {فما لبث أن جاء} يصح أن تكون {ما} نافية، وفي {لبث} ضمير إبراهيم وإن جاء في موضع نصب أي بأن جاء، ويصح أن تكون {ما} نافية وإن جاء بتأويل المصدر في موضع رفع بـ {لبث} أي ما لبث مجيئه، وليس في {لبث} على هذا ضمير إبراهيم، ويصح أن يكون {ما} بمعنى الذي وفي {لبث} ضمير إبراهيم - وإن جاء خبر {ما} أي فلبث إبراهيم مجيئه بعجل حنيذ، وفي أدب الضيف أن يجعل قراه من هذه الآية. و"الحنيذ" بمعنى المحنوذ ومعناه بعجل مشوي نضج يقطر ماؤه، وهذا القطر يفصل الحنيذ من جملة المشويات، ولكن هيئة المحنوذ في اللغة الذي يغطى بحجارة أو رمل محمي أو حائل بينه وبين النار يغطى به والمعرض من الشواء الذي يصفف على الجمر؛ والمهضب: الشواء الذي بينه وبين النار حائل، يكون الشواء عليه لا مدفوناً له، والتحنيذ في تضمير الخيل هو أن يغطى الفرس بجل على جل لينتصب عرقه. وقوله تعالى: {فلما رأى أيديهم...} الآية، روي أنهم كانوا ينكتون بقداح كانت في أيديهم في اللحم ولا تصل أيديهم إليه، وفي هذه الآية من أدب الطعام أن لصاحب الضيف أن ينظر من ضيفه هل يأكل أم لا؟ قال القاضي أبو محمد: وذلك ينبغي أن يكون بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر، فروي أن أعرابياً أكل مع سليمان بن عبد الملك، فرأى سليمان في لقمة الأعرابي شعرة فقال له: أزل الشعرة عن لقمتك، فقال له: أتنظر إلي نظر من يرى الشعر في لقمتي والله لا أكلت معك. و {نكرهم} - على ما ذكر كثير من الناس - معناه: أنكرهم، واستشهد لذلك بالبيت الذي نحله أبو عمرو بن العلاء الأعشى وهو: [البسيط] شعر : وأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا تفسير : وقال بعض الناس: "نكر" هو مستعمل فيما يرى بالبصر فينكر، وأنكر هي مستعملة فيما لا يقرر من المعاني، فكأن الأعشى قال: وأنكرتني مودتي وأدمتي ونحوه، ثم جاء بـ "نكر" في الشيب والصلع الذي هو مرئي بالبصر، ومن هذا قول أبي ذؤيب: [الكامل] شعر : فنكرنه فنفرن وامترست به هوجاء هادية وهاد جرشع تفسير : والذي خاف منه إبراهيم عليه السلام ما يدل عليه امتناعهم من الأكل، فعرف من جاء بشر أن لا يأكل طعام المنزول به، و {أوجس} معناه أحس في نفسه خيفة منهم، و"الوجيس": ما يعتري النفس عند الحذر وأوائل الفزع، فأمنوه بقولهم: {لا تخف} وعلم أنهم الملائكة، ثم خرجت الآية إلى ذكر المرأة وبشارتها فقالت فرقة: معناه: {قائمة} خلف ستر تسمع محاورة إبراهيم مع أضيافه، وقالت فرقة: معناه {قائمة} في صلاة، وقال السد معناه {قائمة} تخدم القوم، وفي قراءة ابن مسعود: "وهي قائمة وهو جالس". وقوله {فضحكت} قال مجاهد: معناه: حاضت، وأنشد على ذلك اللغويون: شعر : وضحك الأرانب فوق الصفا كمثل دم الجوق يوم اللقاء تفسير : وهذا القول ضعيف قليل التمكن، وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في كلام العرب ضحكت بمعنى: حاضت وقرره بعضهم، ويقال ضحك إذا امتلأ وفاض: ورد الزجّاج قول مجاهد، وقال الجمهور: هو الضحك المعروف، واختلف مم ضحكت؟ فقالت فرقة: ضحكت من تأمينهم لإبراهيم بقولهم: {لا تخف}. وقال قتادة: ضحكت هزؤاً من قوم لوط أن يكونوا على غفلة وقد نفذ من أمر الله تعالى فيهم ما نفذ. وقال وهب بن منبه: ضحكت من البشارة بإسحاق، وقال: هذا مقدم بمعنى التأخير، وقال محمد ابن قيس: ضحكت لظنها بهم أنهم يريدون عمل قوم لوط؛ قال القاضي: وهذا قول خطأ لا ينبغي أن يلتفت إليه، وقد حكاه الطبري، وإنما ذكرته لمعنى التنبيه على فساده، وقالت فرقة: ضحكت من فزع إبراهيم من ثلاثة وهي تعهده يغلب الأربعين من الرجال، وقيل: المائة. وقال السدي: ضحكت من أن تكون هي تخدم وإبراهيم يحفد ويسعى والأضياف لا يأكلون. وقيل: ضحكت سروراً بصدق ظنها، لأنها كانت تقول لإبراهيم، إنه لا بد أن ينزل العذاب بقوم لوط، وروي أن الملائكة مسحت العجل فقام حياً فضحكت لذلك. وقرأ محمد بن زياد الأعرابي: "فضحَكت" بفتح الحاء. وامرأة إبراهيم هذه هي سارة بنت هارون بن ناحور، وهو إبراهيم بن آزر بن ناحور فهي ابنة عمه، وقيل: هي أخت لوط. قال القاضي أبو محمد: وما أظن ذلك إلا أخوة القرابة لأن إبراهيم هو عم لوط فيما روي: وذكر الطبري أن إبراهيم لما قدم العجل قالوا له: إنَّا لا نأكل طعاماً إلا بثمن، فقال لهم: ثمنه أن تذكروا الله تعالى عليه في أول، وتحمدوه في آخر، فقال جبريل لأصحابه: بحق اتخذ الله هذا خليلاً. وقوله: {فبشرناها} أضاف فعل الملائكة إلى ضمير اسم الله تعالى إذ كان بأمره ووحيه، وبشر الملائكة سارة {بإسحاق} وبأن إسحاق سيلد يعقوب، ويسمى ولد الولد الولد من الوراء، وهو قريب من معنى وراء في الظروف إذ هو ما يكون خلف الشيء وبعده؛ ورأى ابن عباس رجلاً معه شاب، فقال له: من هذا؟ فقال له: ولد ولدي، فقال: هو ولدك من الوراء، فغضب الرجل، فذكر له ابن عباس الآية. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي "يعقوبُ" بالرفع على الابتداء والخبر المقدم، وهو على هذا دخل في البشرى، وقالت فرقة: رفعه على القطع بمعنى: ومن وراء إسحاق يحدث يعقوب، وعلى هذا لا يدخل في البشارة وقرأ ابن عامر وحمزة "يعقوبَ" بالنصب واختلف عن عاصم، فمنهم من جعله معطوفاً على {إسحاق} إلا أنه لم ينصرف، واستسهل هذا القائل أن فرق بين حرف العطف والمعطوف بالمجرور، وسيبويه لا يجيز هذا إلا على إعادة حرف الجر، وهو كما تقول: مررت بزيد اليوم وأمس عمرو، فالوجه عنده: وأمس بعمرو، وإذا لم يعد ففيه كبير قبيح، والوجه في نصبه أن ينتصب بفعل مضمر، تدل عليه البشارة وتقديره: ومن وراء إسحاق وهبنا يعقوب، ,هذا رجح أبو علي. قال القاضي أبو محمد: وروي أن سارة كانت في وقت هذه البشارة بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة سنة. وهذه الآية تدل على أن الذبيح هو إسماعيل وأنه أسن من إسحاق وذلك أن سارة كانت في وقت إخدام الملك الجائر هاجر أم إسماعيل امرأة شابة جميلة حسبما في الحديث، فاتخذها إبراهيم عليه السلام أم ولد، فغارت بها سارة، فخرج بها وبابنها إسماعيل من الشام على البراق وجاء من يومه مكة فتركهما - حسبما في السير - وانصرف إلى الشام من يومه ثم كانت البشارة بإسحاق، وسارة عجوز متجالة، وأما وجه دلالة الآية على أن إسحاق ليس بالذبيح فهو أن سارة وإبراهيم بشرا بإسحاق وأنه يولد له يعقوب، ثم أمر بالذبح حين بلغ ابنه معه السعي، فكيف يؤمر بذبح ولد قد بشر قبل أنه سيولد لابنه ذلك، وأيضاً فلم يقع قط في أثر أن إسحاق دخل الحجاز وإجماع أن أمر الذبح كان بمنى، ويؤيد هذا الغرض قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا ابن الذبيحين" تفسير : يريد أباه عبد الله وأباه إسماعيل، ويؤيده ما نزع به مالك رحمه الله من الاحتجاج برتبة سورة الصافات فإنه بعد كمال أمر الذبيح قال: {أية : وبشرناه بإسحاق نبيّاً من الصالحين} تفسير : [الصافات: 112]. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا كله موضع معارضات لقائل القول الآخر: إن الذبيح هو إسحاق، ولكن هذا الذي ذكرناه هو الأرجح والله أعلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {رُسُلُنَآ} رسلنا جبريل وميكائيل وإسرافيل واثنا عشر ملكاً مع جبريل "ع" و {إِبْرَاهِيمَ} أعجمي عند الأكثرين، أو عربي من البرهمة وهي إدامة النظر. {بِالْبُشْرَى} بإسحاق ـ عليه الصلاة والسلام ـ أو النبوة، أو بإخراج محمد صلى الله عليه وسلم من صلبه وأنه خاتم الأنبياء، أو بهلاك قوم لوط. {سَلاماً} حيوه فرد عليهم، أو قالوا: سلمت أنت وأهلك من هلاك قوم لوط، قوله: سلام: أي الحمد لله الذي سلمني، والسِّلْم والسَّلام واحد أو السِّلْم من المسالمة والسَّلام من السلامة. {فَمَا لَبِثَ} مدحه بالإسراع بالضيافة لأنه ظنهم ضيوفاً لمجيئهم على صور الناس. {حَنِيذٍ} حار، أو مشوي نضيجاً بمعنى محنوذ كطبيخ ومطبوخ، وهو الذي حُفر له في الأرض ثم غُم فيها، أو الذي تجعل الحجارة المحماة بالنار في جوفه ليسرع نضاجه.

النسفي

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا } جبريل وميكائيل وإسرافيل أو جبريل مع أحد عشر ملكاً {إِبْرٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ } هي البشارة بالولد أو بهلاك قوم لوط والأول أظهر {قَالُواْ سَلاَماً } سلمنا عليك سلاماً {قَالَ سَلَـٰمٌ } أمركم سلام {سِلم} حمزة وعلي بمعنى السلام {فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ } فما لبث في المجيء به بل عجل فيه، أو فما لبث مجيئه، والعجل ولد البقرة: وكان مال إبراهيم البقر {حَنِيئذٍ } مشوي بالحجارة المحماة {فَلَمَّا رَءا أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ } نكر وأنكر بمعنى وكانت عادتهم أنه إذا مس من يطرقهم طعامهم أمنوه وإلا خافوه. والظاهرة أنه أحس بأنهم ملائكة ونكرهم لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه أو لتعذيب قومه دليله قوله {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً } أي أضمر منم خوفاً {قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ } بالعذاب، وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف فيم أرسلوا، وإنما قالوا {لا تخف} لأنهم رأوا أثر الخوف والتغير في وجهه {وَٱمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ } وراء الستر تسمع تحاورهم أو على رؤوسهم تخدمهم {فَضَحِكَتْ } سروراً بزوال الخيفة أو بهلاك أهل الخبائث، أو من غفلة قوم لوط مع قرب العذاب، أو فحاضت {فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ } وخصت بالبشارة لأن النساء أعظم سروراً بالولد من الرجال، ولأنه لم يكن لها ولد وكان لإبراهيم ولد وهو إسماعيل {وَمِن وَرَاء إِسْحَـٰقَ } ومن بعده {يَعْقُوبَ } بالنصب: شامي وحمزة وحفص، بفعل مضمر دل عليه فبشرناها أي فبشرناها بإسحاق ووهبنا لها يعقوب من وراء إسحاق. وبالرفع: غيرهم على الابتداء والظرف قبله خبر كما تقول «في الدار زيد». {قَالَتْ يٰوَيلَتَٰى } الألف مبدلة من ياء الإضافة وقرأ الحسن يا ويلتي بالياء على الأصل {ءأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ} ابنة تسعين سنة {وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا } ابن مائة وعشرين سنة، {هذا} مبتدأ و{بعلي} خبره و{شيخا}ً حال، والعامل معنى الإشارة التي دلت عليه ذا أو معنى التنبيه الذي دل عليه «هذا» {إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عَجِيبٌ } أن يولد ولد من هرمين وهو استبعاد من حيث العادة .

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {سلم} بكسر السين بلا ألف فيهما. حمزة وعلي {ويعقوب} بالنصب: ابن عامر وحمزة وحفص، الآخرون بالرفع. {سيء بهم} وبابه كضرب مجهولاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس. الآخرون {سيء} مثل {قيل} {تخزوني} بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل. وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل {ضيفي} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو {فاسر} وبابه بهمزة الوصل: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس من طريق الموصلي وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة {إلا امرأتك} بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو. الباقون بالنصب. الوقوف: {سلاماً} ط {حنيذ} ه {خيفة} ط {قوم لوط} ه ط {بإسحق} ط لمن قرأ {يعقوب} بالرفع {يعقوب} ه {شيخاً} ط {عجيب} ه {أهل البيت} ط {مجيد} ه {في قوم لوط} ط {منيب} ه {عن هذا} ج لاحتمال التعليل {أمر ربك} ج للاتبداء بأن مع اتصال المعنى. {مردود} ه {عصيب} ه {إليه} ج للعطف ولاختلاف النظم {السيئات} ط {ضيفي} ط {رشيد} ه {من حق} ج لما مر {ما نريد} ه {شديد} هـ. {إلا امرأتك} ط {أصابهم} ط {الصبح} ط {بقريب} ه {منضود} ه لا لأن ما بعده صفة حجارة {عند ربك} ط {ببعيد} ه. التفسير: الرسل ههنا الملائكة، وأجمعوا على أن الأصل فيهم جبرائيل، ثم اختلفوا فقيل: كان معه اثناء عشر ملكاً على أحسن ما يكون من صورة الغلمان. وقال الضحاك: كانوا تسعة. وقال ابن عباس: كانوا ثلاثة جبرائيل وميكائيل وإسرائفيل وهم الذين ذكر الله تعالى في سورة الحجر {أية : ونبئهم عن ضيف إبراهيم}تفسير : [الآية: 51] وفي الذاريات {أية : هل أتاك حديث إبراهيم}تفسير : [الآية: 24] والظاهر أن البشرى هي البشارة بالولد. وقيل: بهلاك قوم لوط. ومعنى {سلاماً} سلمنا عليك. ومعنى {سلام} أمركم سلام أو سلام عليكم. ولأن الرفع يدل على الثبات والاستقرار، والنصب يدل على الحدوث لمكان تقدير الفعل. قال العلماء: إن سلام إبراهيم كان أحسن اقتداء بقوله تعالى: {أية : وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحس منها}تفسير : [النساء: 86] وإنما صح وقوع {سلام} مبتدأ مع كونه نكرة لتخصصها بالإِضافة إلى المتكلم إذ أصله سلمت سلاماً فعدل إلى الرفع لإفادة الثبات. ومن قرأ {سلماً} فمعناه السلام أيضاً. قال الفراء. سلم وسلام كحل وحلال وحرم وحرام. وقال أبو علي الفارسي: يحتمل أن يراد بالسلم خلاف الحرب. قالوا: مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك فجاءته الملائكة فرأى أضيافاً لم ير مثلهم فما لبث {أن جاء} أي فما لبث في أن جاء بل عجل أو فما لبث مجيئه {بعجل} هو ولد البقرة {حنيذ} مشوي في حرفة من الأرض بالحجارة المحماة وهو من فعل أهل البادية معروف. ومعناه محنوذ كطبيخ بمعنى مطبوخ. وقيل: الحنيذ الذي يقطر دسماً لقوله:{أية : بعجل سمين}تفسير : [الذاريات: 26] تقول: حنذت الفرس إذا ألقيت عليها الجل حتى يقطر عرقاً {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه} إلى العجل أو الطعام {نكرهم} أي أنكرهم واستنكر فعلهم {وأوجس} أضمر {منهم خيفة} لأنه ما كان يعرف أنهم ملائكة وكان من عادة العرب أنه إذا نزل بهم الضيف ولم يتناول طعامهموتوقعوا منه المكروه والشر. وقيل: إنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به شراً. وقيل: إنه كان يعرف أنهم ملائكة الله لقولهم: {لا تخف}. {وإنا أرسلنا إلى قوم لوط} لم يقولوا لا تخف إنا ملائكة بل ذكروا سبب الإرسال وهو إهلاك قوم لوط. وعلى هذا فإنما خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله أو لتعذيب قومه، والاحتمال الأول وهو أنه كان لا يعرف أنهم ملائكة أقرب بدليل إحضاره الطعام واستدلاله بترك أكلهم على توقع الشر منهم. وإنما ذكروا سبب الإرسال إيجازاً واختصاراً لدلالة الإرسال على كونهم رسلاً لا أضافياً. وإنما أتوه على صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها لأنه كان مشغوفاً بالضيافة. وبم عرف الملائكة خوفه؟ قيل: بالتغير في وجهه أو بتعريف الله، أو علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف لأنهم كانوا لا ينزلون إلا بعذاب {وامرأته} وهي سارة بنت هاران بن ناحورا بنت عم إبراهيم {قائمة} وراء الستر تسمع تحاورهم، أو كانت قائمة على رؤوسهم تخدمهم وهو قعود {فضحكت}. قال العلماء: لا بد للضحك من سبب فقيل: سببه السرور بزوال الخيفة. وقيل: بهلاك أهل الخبائث. وعن السدي أن إبراهيم قال لهم: ألا تأكلون؟ قالوا: إنا لا نأكل طعاماً إلا بالثمن. فقال: ثمنه أن تذكروا اسم الله على أوله وتحمدوه في آخره. فقال جبرائيل لميكائيل: حق لمصل هذا الرجل أن يتخذه ربه خليلاً، فضحكت امرأته فرحاً بهذا الكلام. وقيل: كانت تقول لإبراهيم اضمم لوطاً ابن أخيك إليك فإني أعلم أنه ينزل بهؤلاء القوم عذاب، ففرحت بموافقة قولهم لقولها فضحكت. وقيل: طلب إبراهيم صلى الله عليه وسلم منهم معجزة دالة على أنهم من الملائكة فدعوا ربهم بإحياء العجل المشوي فطفر ذلك العجل المشوي إلى مرعاه فضحكت سارة من طفرته. وقيل: ضحكت تعجباً من قوم أتاهم العذاب وهم غافلون. وقيل: تعجبت من خوف إبراهيم مع كثرة خدمه وحشمه من ثلاثة أنفس. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي فبشرناها بإسحق، فضحكت سروراً. وعن مجاهد وعكرمة ضحكت أي حاضت ومنه ضحكت الطلعة إذا انشقت يعني استعدادها لعلوق الولد. من قرأ {يعقوب} بالرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف أي يعقوب مولود أو موجود بعد إسحاق، ومن قرأ بالنصب فعلى العبارة المتروكة كأنه قيل: ووهبنا لها إسحق ومن بعد إسحق يعقوب. أقول من المحتمل أن يكون {يعقوب} مجروراً بالعبارة الموجودة أي وبشرناها بيعقوب من بعد إسحاق وقيل: الوراء ولد الولد ووجهه أن يراد بيعقوب أولاده كما يقال هاشم ويراد أولاده {يا ويلتي} كلمة تلهف وقد مرت في "المائدة" في {أية : يا ويلتي أعجزت}تفسير : [المائدة: 31] و {شيخاً} نصب الحال والعامل فيه ما في هذا من معنى أنبه أو أشير {إن هذا} يعني إن تولد ولد من هرمين {لشيء عجيب} عادة فأزال الملائكة تعجبها منكرين عليها بقولهم على سبيل الاستئناف {رحمة الله وبركاته عليكم} يا أهل بيت خليل الرحمن. والمقصود أن رحمته عليكم متكاثرة وبركاته فيكم متواترة وخرق العادات في أهل بيت النبوة غير عجيب. ويحتمل أن يكون انتصاب {أهل البيت} على الاختصاص. وقيل: الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم. ثم أكدوا إزالة التعجب بقولهم: {إنه حميد} محمود في أفعاله {مجيد} ذو الكرم الكامل فلا يليق به منع الطالب عن مطلوبه. {فلما ذهب عن إبراهيم الروع} الخوف الذي لحقه حين أنكر أضيافه {وجاءته البشرى} البشارة بحصول الولد {يجادلنا في قوم لوط} في معناهم وفي شأنهم وهو جواب "لما" على حكاية الحال، أو لأن "لما" ترد المضارع إلى الماضي عكس "إن"، ويحتمل أن يكون جواب "لما" محذوفاً دل عليه {يجادلنا} أي اجترأ على خطابنا أو قال كذا، ثم ابتدأ فقال: {يجادلنا} وقيل: معناه أخذ يجادلنا ولا بد من حذف مضاف أي يجادل رسلنا لا بمعنى مخالفة أمر الله فإن ذلك يكون معصية بل سعياً في تأخير العذاب عنهم رجاء إيمانهم وتوبتهم. ويروى أنهم قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية فقال: أرأيتم لو كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونها؟ قالوا: لا قال: فأربعون؟ قالوا: لا حتى بلغ العشرة قالوا لا. قال: فإن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فعند ذلك {أية : قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لنُنَجِّيَنهُ وأهله}تفسير : [العنكبوت: 32] قال الأصوليون: إن إبراهيم كان يقول: إن أمر الله ورد بايصال العذاب ومطلق الأمر لا يوجب الفور، والملائكة يدعون الفور إما للقرائن أو لأن مطلق الأمر يستدعي ذلك، فهذه هي المجادلة. أو لعل إبراهيم كان يدعي أن الأمر مشروط لم يحصل بعدوهم لا يسلمون. وبالجملة فإن العلماء يجادل بعضهم بعضاً عند التمسك بالنصوص وليس يوجب القدح في واحد منهم فكذلك ههنا ولذلك مدحه بقوله: {إن إبراهيم لحليم} غير عجول في الأمور {أوّاه} كثير التأوّه من الذنوب {منيب} راجع إلى الله في كل ما يسنح له. وهذه الصفات تدل على رقة القلب والشفقة على خلق الله حتى حملته على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع العذاب عنهم. ولما عرفت الملائكة أن العذاب قد حق عليهم قالوا: {يا إبراهيم أعرض عن هذا} الجدال {إنه قد جاء أمر ربك} بإهلاكهم {وإنهم آتيهم} لاحق بهم {عذاب غير مردود} فلا راد لقضائه فلا ينفع فيهم جدال ولا دعاء. {ولما جاءت رسلنا} المذكورون {لوطاً سيء بهم} أصله "سوىء" لأنه من ساءه يسوءه نقيض سره يسره، نقلت الكسرة إلى الفاء وأبدلت العين ياء، ومن قرأ {سيء} بإبدال العين ياء مكسورة فلكراهة اجتماع الواو والهمزة. {وضاق بهم ذرعاً} قال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة وأصله أن البعير يذرع بيده في سيره على قدر سعة خطوه، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فجعل ضيق الذرع عبارة عن قلة الوسع والطاقة، وربما قالوا ضقت بالأمر ذرعاً. {وقال هذا يوم عصيب} أي شديد من العصب الشد كأنه أريد اشتداد ما فيه من الأمور. عن ابن عباس: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط وبين القريتين أربعة فراسخ ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم في غاية الحسن، ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله فساءه مجيئهم واغتم لذلك لأنه خاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم. وقيل: سبب المساءة أنه لم يكن قادراً على القيام بحق ضياقتهم لأنه ما كان يجد ما ينفق عليهم. وقيل: السبب أن قومه منعوه عن إدخال الضيف داره. وقيل: عرف أنهم ملائكة جاؤوا لإهلاك قومه فرق قلبه على قومه.والصحيح هو الأول. يروى أنه تعالى قال لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات. فلما مشى معهم منطلقاً به إلى منزله قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملاً - يقول ذلك أربع مرات - فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها فذلك قوله: {وجاءه قومه يهرعون إليه} قال أبو عبيدة: يستحثون إليه كأنه يحث بعضهم بعضاً. وقال الجوهري: الإهراع الإسراع. وأهرع الرجل على ما لم يسم فاعله فهو مهرع إذا كان يرعد من حمى أو غضب أو فزع. وقيل: إنما لم يسم فاعله للعلم به. والمعنى أهرعه خوفه أو حرصه. ثم بين إسراعهم إنما كان لأجل العمل الخبيث فقال: {ومن قبل كانوا يعملون السيئات} الفواحش فمرنوا عليها فلذلك جاؤوا مجاهرين لا يكفهم حياء. وقيل: معناه وكان لوط قد عرف عادتهم في ذلك العمل قبل ذلك فأراد أن يقي أضيافه ببناته فقال: {هؤلاء نباتي} عن قتادة: بناته من صلبه. وعن مجاهد وسعيد بن جبير: أراد نساء أمته لأن النبي كالأب لأمته. واختير هذا القول لأن عرض البنات الحقيقيات على الفجار لا يليق بذوي المروءات. ولأن اللواتي من صلبه لا تكفي للجمع العظيم، ولما روي أنه لم يكن له إلا بنتان وأقل الجمع ثلاثة. والقائلون بالقول الأول قالوا ما دعا القوم إلى الزنا بهن وإنما دعاهم إلى التزوج بهن بعد الإيمان أو مع الكفر، فلعل تزويج المسلمات من الكفار كان جائزاً كما في أول الإسلام، زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع بن عبد العزى - وهما كافران - فنسخ بقوله: {أية : ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} تفسير : [البقرة: 221] وقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه، وقيل: إن بناته كن أكثر من ثنتين. ويجوز أ يكون قد عرض البنات عليهم لا بطريق الجد بل طمعاً فيهم أن يستحيوا منه ويرقوا له. و{أطهر} بمعنى الطاهر لأنه لا طهارة في نكاح الرجال {فاتقوا الله} بإيثارهن عليهم {ولا تخزون} ولا تفضحوني من الخزي أو لا تخجلوني من الخزاية وهي الحياء. {في ضيفي} في حق أضيافي فخزي الضيف والجار يورث للمضيف العار والشنار. والضيف يستوي فيه الواحد والجمع ويجوز أن يكون مصدراً. {أليس منكم رجل رشيد} صالح أو مصلح مرشد يمنتع أو يمنع عن مثل هذا العمل القبيح. {قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق} من شهوة ولا حاجة لأن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق ولذلك قالوا {وإنك لتعلم ما نريد} ويجوز أن يراد إنهن لسن لنا بأزواج فلا حق لنا فيهن من حيث الشرع ومن حيث الطبع، أو يراد إنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان ونحن لا نؤمن ألبتة فلا يتصور لنا حق فيهن. قال لوط {لو أن لي بكم قوّة} وجوابه محذوف أي لفعلت بكم وصنعت وبالغت في دفعكم. قال أهل المعاني: حذف الجواب أبلغ لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من الدفع والمنع. والمراد لو أن لي ما أتقوى به عليكم فسمى موجب القوة بالقوة، ويحتمل أن يريد بالقوة القدرة والطاقة {أو آوي} أنضم {إلى ركن شديد} حام منيع شبه الركن من الجبل في شدته. وقوله: {أو آوي} عطف على الفعل المقدر بعد "لو". والحاصل أنه تمنى دفعهم بنفسه أو بمعاونة غيره، قال ذلك من شدة القلق والحيرة في الأمر النازل به ولهذا قالت الملائكة وقد رقت عليه وحزنت له: إن ركنك لشديد. وقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : رحم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد فما بعث نبي بعد ذلك إلا في ثروة من قومه"تفسير : ويحتمل أن يريد بالركن الشديد حصناً يتحصن به فيأمن من شرهم، ويحتمل أنه لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على سوء الأدب تمني حصول قوة قوية على الدفع. ثم استدرك وقال بل الأولى أن آوي إلى ركن شديد وهو الاعتصام بعناية الله. روي أنه أغلق بابه لما جاؤوا فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب {قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} وهذه جملة موضحة للتي قبلها لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصل الأعداء إليه ولن يقدروا على ضرره، فأمره الملائكة أن يفتح الباب فدخلوا فاستأذن جبرائيل ربه في عقوبتهم فأذن له، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم كما قال سبحانه {أية : ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم}تفسير : [القمر: 37] فصاروا لا يعرفون الطريق فخرجوا وهم يقولون إن في بيت لوط سحرة. ثم بين نزول العذاب ووجه خلاص لوط وأهله فقال: {فأسر بأهلك} الباء للتعدية إن كانت الهمزة للوصل من السرى، أو زائدة وإن كانت للقطع من الإسراء. {بقطع من الليل} عن ابن عباس: أي في آخر الليل بسحر. وقال قتادة: بعد طائفة من الليل. وقيل نصف الليل كأنه قطع نصفين {ولا يلتفت منكم أحد} أي لا ينظر إلى ما رواءه {إلا امرأتك} أكثر القراء على النصب فاعترض بأن الفصيح في مثله هو البدل لأن الكلام غير موجب فكيف اجتمع القراء على غير فصيح؟ فأجاب جار الله بأن الرفع بدل من {أحد} على القياس والنصب مستثنى من قوله: {فأسر} لا من قوله {لا يلتفت} وزيف بأن الاستثناء من {أسر} يقتضي كونها غير مسرى بها، والاستثناء من {لا يلتفت} يقتضي كونها مسرياً بها لأن الالتفات بعد الإسراء فتكون مسرياً بها غير مسرى بها. ويمكن أن يجاب بأن {أسر} وإن كان مطلقاً في الظاهر إلا أنه في المعنى مقيد بعدم الالتفات إذ المراد أسر بأهلك إسراء لا التفات فيه إلا امرأتك فإنك تسري بها إسراء مع الالتفات، فاستثن على هذا إن شئت من {أسر} وإن شئت من {لا يلتفت} ولا تناقض. وبعضهم - كابن الحاجب - جعل {إلا امرأتك} في كلتا القراءتين مستثنى من {لا يلتفت} ولم يستبعد اجتماع القراء على قراءة غير الأقوى. ويمكن أن يقال: إنما اجتمعوا على النصب ليكون استثناء من {أسر} إذ لو جعل استثناء من {لا يلتفت} لزم أن تكون مأمورة بالالتفات لأن القائل إذا قال لا يقم منكم إلا زيد كان ذلك أمراً لزيد بالقيام اللهم إلا أن يجعل الاستثناء منقطعاً على معنى ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم، وإذا كان هذا الاستثناء منقطعاً كان التفاتها موجباً للمعصية. قاله في الكشاف. وروي أنه أمر أن يخلفها مع قومها فلم يسر بها. واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين. أقول: في هذا الكلام خلل لا يمكن اجتماعهما على الصحة، والقراءتان يجب اجتماعهما على الصحة لتواتر القراآت كلها. روي أنها لما سمعت هدّة العذاب أي صوته التفتت وقالت: يا قوماه: فأدركها حجر فقتلها. وقيل: المراد بعدم الالتفات قطع تعلق القلب عن الأصدقاء والأموال والأمتعة. فعلى هذا يصح الاستثناءان من غير شائبة التناقض كأنه أمر لوطاً أن يخرج بقومه ويترك هذه المرأة فإنها هالكة من الهالكين. ثم أمر أن يقعطوا العلائق وأخبر أن امرأته تبقى متعلقة القلب بها. يروى أنه قال لهم متى موعد هلاكهم فقيل له {إن موعدهم الصبح} فقال أريد أسرع من ذلك فقالوا: {أليس الصبح بقريب؟} {فلما جاء أمرنا} بإهلاكهم {جعلنا} أي جعل رسلنا {عاليها سافلها} روي أن جبرائيل أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير ونباح الكلاب وصياح الديوك لم يتبدد لهم طعام ولم يتكسر لهم إناء، ثم قلبها دفعة وضربها على الأرض، ثم أمطر عليهم حجارة من سجيل - وهو معرب سنك وكل - كأنه مركب من حجر وطين وهو في غاية الصلابة. وقيل: سجيل أي مثل السجل وهي الدلو العظيمة أو مثلها في تضمن الأحكام الكثيرة، وقيل: أي مرسلة عليهم من أسجلته إذا أرسلته. وقيل: أي مما كتب الله أن يعذب به أو كتب عليه أسماء المعذبين من السجل وقد سجل لفلان. وقيل: من سجين أي من جهنم فأبدلت النون لاماً. ويل: إنه اسم من أسماء السماء الدنيا. ومعنى {منضود} موضع بعضها فوق بعض في النزول يأتي على سبيل المتابعة والتلاصق. أو نضد في السماء نضداً معداً لإهلاك الظلمة وفي السماء معادنها في جبال مخصوصة كقوله: {أية : من جبال فيها من برد}تفسير : [النور: 43] {مسوّمة} معلمة للعذاب أو بياض وحمرة، عن الحسن والسدي عليها أمثال الخواتيم. وقال ابن جريج كان عليها سيما لا تشاكل حجارة الأرض. وقال الربيع: مكتوب على كل حجر اسم من يرمى به. وقال أبو صالح: رأيت منها عند أم هانىء حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع. ومعنى {عند ربك} أي في خزائنه لا يتصرف في شيء منها إلا هو، أو مقرر في علمه إهلاك من أهلك بكل واحد منها {وما هي} أي تلك الحجارة {من الظالمين} أي من كل ظالم {ببعيد} وهو وعيد لأهل مكة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبرائيل عن هذا فقال يعني من ظالمي أمتك ما من ظالم إلا وهو بصدد سقوط الحجر عليه ساعة فساعة. وقيل: أي تلك القرى ليست ببعيدة من ظالمي أهل مكة يمرون بها في مسايرهم إلى الشام. وقيل: المراد أنها وإن كانت في السماء إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بالمرمى فكانت كأنها بمكان قريب والله تعالى أعلم بمراده.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ} القصة. قال النحويون: دخلت كلمة "قَدْ" هاهنا لأنَّ السَّامع لقصص الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يتوقع قصة بعد قصة، و "قَدْ" للتوقع، ودخلت اللاَّم في "لَقَدْ" تأكيداً للخبر. فصل لفظ "رُسُلُنَا" جمع وأقله ثلاثة، فهذا يدلُّ على أنهم كانوا ثلاثة، والزَّائِدُ على هذا العددِ لا يثبتُ إلاَّ بدليل آخر، وأجمعُوا على أنَّ الأصلَ فيهم كان جبريلُ - عليه السَّلامُ -. قال ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما -: "كانوا ثلاثة جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وهم المذكورون في الذَّاريات {أية : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الذاريات:24] وفي الحجر {أية : وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الحجر:51]. وقال الضحَّاكُ: "كانوا تسعة". وقال محمد بن كعب - رضي الله عنه - "كان جبريل ومعه سبعة" وقال السُّديُّ: "أحد عشر ملكاً" وقال مقاتل: "كانوا اثني عشر ملكاً على صور الغلمان الوضاء وجوههم". "بِٱلْبُـشْرَىٰ" بالبشارة بإسحاق ويعقوب وقيل: بسلامة لوطٍ، وإهلاك قومه. قوله: {قَالُواْ سَلاَماً}: في نصبه وجهان: أحدهما: أنَّه مفعولٌ به، ثم هو محتملٌ لأمرينِ: أحدهما: أن يراد قالوا هذه اللفظ بعينه، وجاز ذلك لأنَّه يتضمَّن معنى الكلام. الثاني: أنَّهُ أراد قالوا معنى هذا اللفظ، وقد تقدَّم نحو ذلك في قوله تعالى: {أية : وَقُولُواْ حِطَّةٌ}تفسير : [البقرة:58]. وثاني الوجهين: أن يكون منصوباً على المصدر بفعل محذوفٍ، وذلك الفعلُ في محلِّ نصب بالقول، تقديره: قالوا: سَلَّمْنَا سلاماً، وهو من باب ما ناب فيه المصدرُ عن العامل فيه، وهو واجب الإضمار. قوله: "سَلاَمٌ" في رفعه وجهان: أحدهما: أنَّهُ مبتدأ وخبره محذوفٌ، أي: سلامٌ عليكم. والثاني: أنَّه خبر مبتدأ محذوف أي: أمْرِي أو قَوْلِي سلام. وقد تقدَّم أنَّ الرفع أدلُّ على الثُّبوتِ من النَّصْبِ [الفاتحة:2]، والجملة بأسرها - وإن كان أحد جزأيها محذوفاً - في محلِّ نصب بالقول؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2985- إذَا ذَقْتُ فَاهَا قُلْتُ: طَعْمُ مُدَامَةٍ ..................... تفسير : وقرأ الأخوان: "قَالَ سِلْم" هنا وفي سورة الذَّاريات بكسر السين وسكون اللاَّم. ويلزم بالضرورة سقوطُ الألف، قال الفرَّاءُ: "هُما لغتان كحِرْم وحَرَامٍ وحِلٍّ وحلالٍ"؛ وأنشد [الطويل] شعر : 2986- مَرَرْنَا فَقُلْنَا: إيهِ سِلْمٌ فَسلَّمَتْ كَمَا اكْتَلَّ بالبَرْقِ الغَمَامُ اللَّوَائِحُ تفسير : يريد: سلامٌ؛ بدليل: فسلَّمَتْ. وقال الفارسي: "السِّلْم" بالكسر ضد الحربِ، وناسبَ ذلك لأنَّهم لمَّا امتنعوا من تناول ما قدَّمهُ إليهم، أنكرهم، وأوجس منهم خيفة، فقال: أنا سِلْم، أي: مُسَالمكم غيرُ محارب لكم، فلم تمتنعوا من تناول طعامي؟ قال ابنُ الخطيب - رحمه الله -: وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ على هذا التقدير ينبغي أن يكون تكلُّم إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بهذا اللفظ بعد إحضار الطَّعام، والقرآن يدل على أنَّ هذا الكلام قبل إحضار الطَّعام؛ لأنَّه تعالى قال: {قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} والفاءُ للتَّعقيب، فدلَّ على أنَّ مجيئَهُ بالعجل الحنيذِ بعد السَّلام. فصل أكثر ما يستعمل "سلامٌ عليكم" منكّراً؛ لأنَّهُ في معنى الدُّعاءِ كقولهم: خير بين يديك. فإن قيل: كيف جاز الابتداء بالنَّكرةِ؟. فالجوابُ: إذا وصفت جاز، فإذا قلت: "سلامٌ عليكم" فالتَّنكير هُنا يدلُّ على الكمال والتَّمام، فكأنه سلام كامل تام عليك، ونظيره قوله تعالى: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ}تفسير : [مريم:47] وقوله: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}تفسير : [يس:58] وقوله: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم}تفسير : [الرعد:23، 24]. وأما قوله: {أية : وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ}تفسير : [طه:47] فالمراد منه الماهية والحقيقة. قال ابنُ الخطيب: قوله:"سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ" أكملُ من قوله: "السَّلامُ عليْكُم"؛ لأنَّ التَّنْكيرَ يُفيدُ المبالغة والتَّمام، والتعريف لا يفيدُ إلاَّ الماهية. قوله: "فَمَا لَبِثَ" يجُوزُ في "ما" هذه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنَّها نافيةٌ، وفي فاعل "لَبِثَ" حينئذٍ وجهان: أحدهما: أنَّه ضميرُ إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أي: فَمَا لَبِثَ إبراهيم، وإن جاء على إسقاطِ الخافض، فقدَّرُوه بالباء و بـ "عَنْ" وبـ "في"، أي: فمَا تأخَّر في أنْ، أو بأن، أو عن أن. والثاني: أنَّ الفاعل قوله: "أنْ جَاءَ"، والتقدير: فَما لبثَ، أي: ما أبْطَأ ولا تأخَّر مجيئُه بعجل سمين. وثاني الأوجه: أنَّها مصدريةٌ. وثالثها: أنَّها بمعنى الذي. وهي في الوجهين الأخيرين مبتدأ، وإن جاء خبرهُ على حذفِ مضاف تقديره: فلُبْثُه - أو الذي لبثه - قَدْرَ مجيئه. قال القرطبيُّ: قوله: "أنْ جَاءَ" معناه: حتَّى جَاءَ. والحَنِيذُ: المَشْويُّ بالرَّضْفِ في أخدود كفعل أهل البادية يشوون في حفرةٍ من الأرض بالحجارة المُحَمَّاة، يقال: حَنَذْتُ الشَّاة أحْنِذُهَا حَنْذاً فهي حَنِيذ، أي: مَحْنُوذة. وقيل: حَنيذ بمعنى يَقْطُرُ دَسَمُه من قولهم: حَنَذْتُ الفرس، أي: سُقْتُه شَوْطاً أو شَوْطَيْن وتضع عليه الجُلَّ في الشمس ليعرق. ثم قال: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ} أي: إلى العِجْلِ. وقال الفرَّاءُ: إلى الطَّعامِ وهو العجل. قوله: "نَكِرَهُمْ" أي: أنكرهم، فهما بمعنى واحد؛ وأنشدوا: [البسيط] شعر : 2987- وأنكَرَتْنِي ومَا كَانَ الذي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادثِ إلاَّ الشَّيْبَ والصَّلعَا تفسير : وفرَّق بعضهم بينهما فقال: الثلاثي فيما يُرَى بالبصرِ، والرباعي فيما لا يُرَى من المعاني، وجعل البيت من ذلك، فإنَّها أنكرتْ مودَّتهُ وهي من المعاني التي لا تُرَى، ونكِرَتْ شَيْبَتَهُ وصلعهُ، وهما يُبْصرانِ؛ ومنه قول أبي ذؤيبٍ: [الكامل] شعر : 2988- فَنَكِرْتَهُ فَنَفَرْتُ وامْتَرَسَتْ بِهِ هَوْجَاءُ هَادِيَةٌ وهَادٍ جُرْشَعُ تفسير : والإيجاس: حديث النَّفس، وأصله من الدُّخُول كأنَّ الخوف داخلهُ. وقال الأخفش: "خَامَر قلبه". وقال الفرَّاء: "اسْتَشْعَرَ وأحسَّ". والوَجَسُ: ما يَعْتَرِي النفس أوائل الفزع، ووجس في نفسه كذا أي: خطر بها، يَجِسُ وَجْساً ووُجُوساً ووَجِيساً، ويَوْجَسُ ويَجِسُ بمعنى يسمعُ؛ وأنشدوا على ذلك قوله: [الطويل] شعر : 2989- وَصَادِقَتَا سَمْعِ التَّوجُّسِ للسُّرَى لِلَمْحِ خَفِيٍّ أو لِصَوْتٍ مُنَدَّدِ تفسير : و "خيفة" مفعول به أي: أحس خيفة أو أضمر خيفة. فصل اعلم أنَّ الأضياف إنَّما امتنعوا عن الطَّعام؛ لأنهم ملائكةٌ، والملائكةُ لا يأكلون، ولا يشربون، وإنَّما أتوهُ في صورة الأضياف، ليَكونوا على صفة يحبها؛ لأنه كان يحب الضيافة، وأمَّا إبراهيم، فإما أن يقال: إنه ما كان يعلم أنهم ملائكة بل كان يعتقدُ أنهم من البشر، أو يقال: إنَّه كان عالماً بأنهم ملائكة، فعلى الأول فسببُ خوفه أمران: أحدهما: أنَّهُ كان ينزل في طرف من الأرض بعيداً عن النَّاس، فلما امتنعوا عن الأكل، خاف أن يريدوا به مكروهاً. والثاني: أنَّ من لا يعرفه إذا حَضَر، وقدَّم إليه طعاماً، فإن أكل حصل الأمن، وإن لم يأكل، حصل الخوفُ. وإن كان عارفاً بأنَّهم ملائكة، فسبب خوفه أمران: أحدهما: أنه خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله تعالى عليه. والثاني: أنه خاف أن يكون نزولهم لتعذيب قومه. والأول أقرب؛ لأنَّهُ سارع إلى إحضار الطعام، ولو عرف كونهم من الملائكة لما فعل ذلك، ولما استدلَّ بترك الأكل على حصول الشَّرِّ، وأيضاً: فإنَّهُ رآهم في صورة البشر، قالوا: لا تخف يا إبراهيم، إنَّا ملائكة الله، أرسلنا إلى قوم لوط. فصل في هذه القصَّة دليل على تعجيل قرى الضيف، وعلى تقديم ما يتيسَّر من الموجود في الحال، ثم يُتبِعُهُ بغيره، إن كان له جدةٌ، ولا يتكلَّف ما يَضُرُّ به، والضيافة من مكارم الأخلاق، وإبراهيم أوَّل من أضاف، وليست الضيافةُ بواجبة عند عامة أهل العلم؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : مَنْ كَانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ". تفسير : وإكرام الجار ليس بواجب، فكذلك الضَيْفُ، حديث : وفي الضيافة الواجبة يقولُ - عليه الصلاة والسلام -: لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ. تفسير : وقال ابن العربيِّ: وقد قال قَوْمٌ: إنَّ الضيافة كانَتْ واجبةً في صدْر الإسلام، ثم نُسِخَتْ. فصل اختلفوا في المخاطب بالضِّيافة، فذهب الشافعيُّ، ومحمد بنُ عبد الحكم إلى أنَّ المخاطب بها أهل الحضر والبادية. وقال مالكٌ: ليس على أهل الحضر ضيافة. قال سُحْنُون: إنَّما الضِّيافةُ على أهْلِ القُرى، وأمَّا أهل الحضر، فالفُنْدُق ينزل فيه المسافرُ؛ لما روى ابنُ عمر قال: قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الضِّيافةُ عَلَى أهْلِ الوَبَرِ، ولَيْسَتْ عَلَى أَهْلِ المَدَرِ ". تفسير : قال القرطبيُّ: "قال أبوعمر بن عبد البرِّ: وهذا حديثٌ لا يصحُّ" قال ابنُ العربي: "الضيافة حقيقة فرض على الكفاية". فصل ومن أدب الضيافة أن يبادرَ المضيف بالأكل؛ لأنَّ كرامةَ الضَّيْفِ التعجيل بتقديم الضِّيافة، كما فعل إبراهيمُ - عليه الصلاة والسلام - ولما قبضوا أيديهم نكرهم إبراهيم فإذا أكل المضيف، طاب نفس الضَّيف للأكل. قوله: {وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ} في محلِّ نصب على الحالِ من مرفوع: "أرْسِلْنَا". وقال أبو البقاءِ: من ضمير الفاعل في "أرْسِلْنَا". وهي عبارةٌ غيرُ مشهورة، إذ مفعول مَا لَمْ يُسَمَّ فاعلهُ لا يطلقُ عليه فاعلٌ على المَشْهُورِ، وعلى الجملةِ فجعلها حالاً غير واضح بل هي استئناف إخبار، ويجوزُ جعلها حالاً من فاعل "قالُوا" أي: قالوا ذلك في حال قيام امرأته، وهي ابنة عم إبراهيم. وقوله: "وَهِي قَائمةٌ" أي تخدمُ الأضياف؛ وإبراهيم جالس معهم، يؤكد هذا التأويل قراءة ابن مسعود: "وامرأته قائمةٌ وهو قاعِدٌ". قوله: "فَضَحِكَتْ" العامَّةُ على كسر الحاء وقرأ محمد بن زياد الأعرابي - رجل من مكة - بفتحها وهي لغتان، يقال: ضَحِكَ وضَحَكَ، وقال المهدويُّ: "الفتح غير معروف"، والجمهورُ على أنَّ الضَّحكَ على بابِهِ. واختلف المفسِّرون في سببه فقال القاضي: إنَّ إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لما خاف قالت الملائكة {لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ} فعظم سرورها بسبب سرورهِ، وفي مثل هذه الحالة قد يضحك الإنسان، فكان ضحكها بسبب قول الملائكة لإبراهيم "لا تَخَفْ" فكان كالبشارة فقيل لها: نجعل هذه البشارة أيضاً بحصول الولد الذي كنتم تطلبونه من أوَّلِ العُمر إلى هذا الزَّمان، وقيل: لمَّا كانت عظيمة الإنكار على قوم لوط لكفرهم وعملهم الخبيث، فلما أخبروا أنهم جاءوا لإهلاكهم، لحقها السُّرور، فضحكت. وقيل: بشَّرُوها بحصول مطلق الولد فضَحِكَتْ إمَّا تعَجُّباً فإنَّهُ يقالُ: إنَّها كانت في ذلك الوقت بنت تسع وتسعين سنة وإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ابن مائة سنة، وإمَّا على سبيل السُّرور، ثم لمَّا ضحكت بشَّرها الله - تعالى - بأنَّ ذلك الولد هو إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب. وقيل: إنَّها ضحكت من خوف إبراهيم من ثلاثة نفر حال ما كان معه حشمه وخدمه. وقيل: هذا على التقديم والتأخير تقديره: وامرأته قائمة فبشَّرناها بإسحاق، فضحكت سروراً بتلك البشارة، فقدَّم الضَّحكَ، ومعناه التَّأخير، يقالُ ضحكت الأرنب، بمعنى: حَاضَتْ. وقال مجاهدٌ وعكرمة: "ضَحِكَتْ" بمعنى: حَاضَتْ. وأنكره أبو عبيدة، وأبو عبيد، والفرَّاء. قال ابنُ الأنباري: "هذه اللُّغة إن لم يَعْرِفها هؤلاء فقد عرفها غيرهم، حكى اللُّيثُ - رحمه الله - في هذه الآية "فَضَحِكَتْ" طمثت، وحكى الأزهريُّ - عن بعضهم - أنَّ أصلهُ: من ضحاك الطَّلعةِ، يقال: ضَحِكَت الطلعة إذا انشقت، وأنشدوا: [المتقارب] شعر : 2990- وضِحْكُ الأرَانبِ فَوْقَ الصَّفَا كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللِّقَا تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 2991- وعَهْدِي بِسَلْمَى ضَاحِكاً في لُبانةٍ ولَمْ يَعْدُ حقّاً ثَدْيُهَا أن تُحَلَّمَا تفسير : أي: حَائِضاً. وضَحِكت الكافُورَةُ: تَشَقَّقَتْ. وضَحِكَت الشَّجَرةُ: سَالَ صَمْغُهَا، وضَحِكَ الحَوْضُ: امتلأ وفاض وظاهرُ كلام أبي البقاءِ أن "ضَحَكَ" بالفتح مختصٌّ بالحيْضِ فإنَّه قال: "بِمَعْنَى حَاضَتْ يقال: ضَحَكَت الأرنب بفتح الحَاءِ". قوله: {وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} قرأ ابنُ عامر وحمزة وحفص عن عاصم بفتح الباء، والباقون برفعها. فأمَّا القراءةُ الأولى فاختلفوا فيها، هل الفتحةُ علامةُ نصبٍ أو علامة جرٍّ؟ والقائلون بأنَّها علامةُ نصب اختلفوا، فقيل: هو منصوبٌ عطفاً على قوله: "إسْحَاق". قال الزمخشريُّ: كأنَّهُ قيل: وَوَهَبْنَا لهُ إسحاقَ، ومنْ وراءِ إسْحَاق يعقوب على طريقة قوله: [الطويل] شعر : 2992- مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحينَ عَشِيرَةً ولا نَاعبٍ............................. تفسير : يعنى أنَّهُ عطف على التَّوهم فنصب، كما عطف الشَّاعرُ على توهُّم وجود الباء في خبر "ليس" فجرَّ، ولكنه لا ينقاس. وقيل: منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ، أي: وَوَهَبْنَا يعقوب وهو على هذا غيرُ داخلٍ في البشارة ورجَّحه الفارسي. وقيل: هو منصوبٌ عطفاً على محلِّ "بإسحاقَ"؛ لأنَّ موضعهُ نصب كقوله: "وَأَرْجُلَكُمْ" بالنصب عطفاً على {أية : بِرُؤُوسِكُمْ}تفسير : [المائدة:6]. والفرقُ بين هذا والوجه الأول: أنَّ الأول ضمَّن الفعل معنى: "وَهَبْنَا" توهُّماً، وهنا باقٍ على مدلوله من غير توهُّم. ومن قال بأنه مجرورٌ جعله عطفاً على "بإسحاقَ" والمعنى: أنَّها بُشِّرت بهما. وفي هذا الوجه والذي قبله بحثٌ: وهو الفَضْلُ بالظَّرْفِ بين حرف العطف، والمعطوف، وقد تقدَّم ذلك مستوفى في النِّساءِ. ونسب مكي الخفض للكسائي ثم قال: "وهو ضعيفٌ إلاَّ بإعادة الخافض؛ لأنَّك فصلت بين الجار والمجرور بالظَّرف". قوله: "بإعادة الخافض" ليس ذلك لازماً، إذ لو قدِّم ولم يفصلْ لم يلتَزِم الإتيان به. وأمَّا قراءةُ الرَّفْع ففيها أوجه: أحدها: أنَّه مبتدأ وخبره الظَّرف السَّابق فقدره الزمخشريُّ "موجود أو مولود" وقدَّره غيره بـ: كائن ولمَّا حكى النَّحاسُ هذا قال: "الجملةُ حالٌ داخلةٌ في البشارة أي: فبشَّرناها بإسحاق مُتَّصلاً به يعقُوبُ". والثاني: أنَّه مرفوعٌ على الفاعلية بالجارِّ قبله، وهذا يجيء على رأي الأخفش. والثالث: أن يرتفع بإضمارِ فعلٍ أي: ويحدث من وراء إسحاق يعقوب، ولا مدخل له في البشارة. والرابع: أنه مرفوعٌ على القَطْع يَعْنُونَ الاستئناف، وهو راجعٌ لأحَدِ ما تقدَّم من كونه مبتدأ وخبراً، أو فاعلاً بالجارِّ بعدهُ، أو بفعل مقدر. وفي لفظ "وَرَاء" قولان: أظهرهما: وهو قولُ الأكثرين أنَّ معناه "بَعْد" أي: بعد إسحاق يعقوب ولا مدخل له في البشارة. والثاني: أنَّ الوراء: ولد الولد. فصل ذكر المفسِّرون أنَّ "إسحاق" ولدَ ولأبيه مائة سنة بعد أخيه إسماعيل بأربع عشرة سنة وكان عمر أمه سارة حين بُشِّرَتْ به تسعين سنة. وذكر أهلُ الكتاب أنَّ إسحاق لمَّا تزوج ربقة بنت شاويل في حياة أبيه كان عمره أربعين سنة، وأنَّها كانت عَاقِراً فدعا الله لها فحملتْ فولدت غلامين تَوْءَمَيْنِ؛ أولهما سمَّوهُ عيصو، وتسمية العرب "العِيصَ" وهو والدُ الرُّوم الثانية، والثاني خرج وهو آخذ بعقب أخيه فسمَّوهُ يعقوب، وهو إسرائيل الذي ينسبُ إليه بنو إسرائيل. قوله: {قَالَتْ يٰوَيْلَتَا} الظَّاهرُ كون الألف بدلاً من ياءِ المتكلم ولذلك أمالها أبو عمرو وعاصم في روايةٍ، وبها قرأ الحسن "يَا وَيْلَتي" بصريح الياء. وقيل: هي ألف الندبة، ويوقفُ عليها بهاء السَّكْتِ. وكذلك الألف في "يَا وَيْلَتَا" و "يَا عَجَبَا". قال القفال - رحمه الله -: أصلُ الوَيْل هو الخِزْيُ، ويقال: وَيلٌ لفلان، أي الخزي والهلاك. [قال سيبويه: "وَيْح" زجر لمنْ أشرف على الهلاكِ، و "وَيْل"] لمن وقع فيه. قال الخليلُ: ولَمْ أسْمَعْ على مثاله إلاَّ "وَيْح"، و "وَيْد"، و "وَيْه"، وهذه كلمات متقاربة في المعنى. قوله: "أَأَلِدُ" قرأ ابنُ كثير ونافع وأبو عمرو "آلد" بهمزة ومدة، والباقون: بهمزتين بلا مدٍّ وقوله: {وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً} الجملتان في محلِّ نصبٍ على الحالِ من فاعل "ألِدُ" أي: كيف تقعُ الولادة في هاتينِ الحالتين المنافيتين لها؟. والجمهورُ على نصب "شَيْخاً" وفيه وجهان: المشهورُ أنَّهُ حالٌ، والعاملُ فيه: إمَّا التَّنْبيهُ وإما الإشارةُ. وإمَّا كلاهما. والثاني: أنه منصوبٌ على خبر التَّقريب عند الكوفيين، وهذه الحالُ لازمةٌ عند من لا يَجْهَل الخبر، وأمَّا من جهله فهي غير لازمة. وقرأ ابنُ مسعُود والأعمش وكذلك في مصحف ابن مسعود "شَيْخٌ" بالرَّفْع، وذكروا فيه أوجهاً: إمَّا خبرٌ بعد خبر، أو خبران في معنى خبر واحد نحو: هذا حلو حامض، أو خبر "هَذَا" و "بَعْلِي" بيانٌ، أو بدلٌ، أو "شيخٌ" بدلٌ من "بَعْلي"، أو "بَعْلِي" مبتدأ و "شَيْخٌ" خبره، والجملة خبر الأول، أو "شَيْخٌ" خبر مبتدأ مضمر أي: هو شيخٌ. والشَّيْخُ يقابله عجوزٌ، ويقال: شَيْخَة قليلاً؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2993- وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشمِيَّةٌ ................................. تفسير : وله جموعٌ كثيرة، فالصَّريحُ منها: أشياخ وشُيُوخ وشِيخان، وشِيخَة عند من يرى أنَّ فعلة جمعٌ لا اسم جمع كغِلْمَة وفِتْيَة. ومن أسماءِ جمعه: مَشِيخَة وشِيَخَة ومَشْيُوخاً. وبَعْلُهَا: زوجها، سُمِّي بذلك لأنَّهُ قيِّمُ أمرها. قال الواحدي: وهذا من لَطِيفِ النَّحو وغامضه فإنَّ كلمة "هذا" للإشارة، فكان قوله {وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً} قائمٌ مقام أن يقال: أشير إلى بَعْلِي حال كونه شَيْخاً. والمقصُودُ: تعريف هذه الحالة المخصوصة وهي الشَّيْخُوخة. ثم قال: {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ}. فإن قيل: كيف تعجَّبَتْ من قُدْرَةِ الله - تعالى - والتَّعجُّبُ من قدرةِ الله يدلُّ على الجهْلِ بقُدْرةِ الله تعالى؛ وذلك يوجبُ الكُفْرَ؟. فالجواب: أنَّها إنَّما تعجبت بحسب العُرْفِ والعادة لا بحسب القدرة، فإنَّ الرَّجُلَ المسلم لو أخبره رجلٌ آخرُ صادقٌ بأنَّ الله - تعالى - يقلبُ هذا الجبل إبْرِيزاً، فلا شكَّ أنه يتعجب نظراً إلى العادةِ لا استنكاراً للقدرةِ. ثم قالت الملائكةُ: {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} أي: لا تعجبي مِنْ أمْرِ الله، فإنَّ الله إذا أراد شيئاً كان. قوله: {رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} أي: بيت إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - والمعنى: رحمةُ الله عليكم متكاثرة، وبركاته عندكم متواليةٌ متعاقبة، وهي النبوة، والمعجزات القاهرةُ، فإذا خرق الله العادةَ في تخصيصكُم بهذه الكراماتِ العاليةِ الرَّفيعةِ، فلا تعجبي من ذلك. وقيل: هذا على معنى الدُّعاءِ من الملائكة. وقيل: على معنى الخَيْرِ والرَّحْمَةِ والنعمة. و "البركاتُ" جمع البركة وهي ثبوت الخَيْرِ. فإن قيل: ما الحكمةُ في إفرادِ الرَّحمةِ وجمع البركات، وكذلك إفراد السَّلام في التشهد وجمع البركات؟. فالجواب: قد تقدَّم في سورة البقرة عند قوله: {أية : أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ}تفسير : [البقرة:157]. وقال ابن القيِّم - هنا - إنَّ السلام إمَّا مصدرٌ محضٌ، فهو شيءٌ واحدٌ، فلا معنى لجَمْعِهِ، وإمَّا اسمٌ من أسماء الله - تعالى - فيستحيل أيضاً جمعه، وعلى التقديرين لا سبيل لجمعه. وأمَّا الرَّحمةُ فمصدرٌ كما تقدَّم، وأمَّا البركةُ: فإنها لمَّا كانت تتجدَّدُ شيئاً بعد شيءٍ كان لفظ الجمع أولى بها؛ لدلالتها على المعنى المقصود بها، ولهذا جاءت في القرآن كهذه الآية، وكذلك السَّلام في التشهُّدِ، وهو قوله: السَّلام عليكم أيُّها النبيُّ ورحمة الله وبركاته. وقوله: "عَلَيْكُم" حكى سيبويه "عَلَيْكم" بكسر الكافِ لمجاورتها الياء نقله القرطبي وفيه دليل على أنَّ الأزواجَ من أهلِ البيتِ. قوله: "أهْلَ البيتِ" في نصبه وجهان: أحدهما: أنه مُنَادَى. والثاني: أنه منصوبٌ على المدح. وقيل: على الاختصاص، وبين النَّصبين فرقٌ: وهو أنَّ المنصوب على المدح لفظٌ والمنصوبُ على الاختصاصِ لا يكونُ إلا لمدحٍ، أو ذمٍّ، لكن لفظه لا يتضمَّنُ بوضعه المدحَ، ولا الذَّم؛ كقوله: [الرجز] شعر : 2994- بِنَا تَمِيماً يُكْشَفُ الضَّبَابُ تفسير : كذا قاله أبو حيَّان، واستند إلى أنَّ سيبويه جعلهما في بابين، وفيه نظرٌ. ثم قال: إنه حميدٌ مجيدٌ، فالحميد: المحمود، والمجيدُ: فعيل، مثال مبالغة من مَجَد يَمْجُد مَجْداً ومَجَادَة، ويقال: مَجُد كـ: شَرُف وأصله: الرِّفْعَة. وقيل: من مَجَدتِ الإبلُ تَمْجُدُ مَجَادَةً ومَجْداً، أي: شَبِعَتْ؛ وأنشدوا لأبي حيَّة النَّمَيْرِي: [الوافر] شعر : 2995- تَزيدُ على صواحبها وليْسَتْ بِمَاجِدةِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ تفسير : [أي]: ليست بكثيرة الطَّعام ولا الشَّرابِ. وقيل: مَجَد الشَّيءُ: أي: حَسُنَتْ أوصافُهُ. وقال الليثُ - رحمه الله -: "أمْجَدَ فلانٌ عطاءهُ ومجَّدهُ أي: كثَّرَهُ". والمجيدُ: المَاجدُ، وهو ذُو الشَّرفِ والكرمِ. قوله: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ}، أي: الفزعُ؛ قال الشَّاعرُ: [الطويل] شعر : 2996- إِذَا أخَذَتْهَا هِزَّةُ الرَّوْعِ أمْسَكَتْ بِمَنْكِبِ مِقدامٍ على الهَوْلِ أرْوَعَا تفسير : يقال: رَاعَهُ يَرُوعُه، أي: أفزعهُ؛ قال عنترةُ: [الكامل] شعر : 2997- ما رَاعَنِي إِلاَّ حَمُولةُ أهْلِهَا وسْطَ الدِّيارِ تَسَفُّ حبَّ الخِمْخِمِ تفسير : وارتاع: افتعل منه؛ قال النابغة: [البسيط] شعر : 2998- فارْتَاعَ مِنْ صَوْتِ كلاَّبٍ فَبَاتَ لَهُ طَوْعَ الشَّوامِتِ مِنْ خَوْفٍ ومِنْ صَرَدِ تفسير : وأمَّا الرُّوعُ - بالضمِّ - فهي النَّفْسُ لأنَّها محلُّ الرَّوْعِ. ففرَّقُوا بين الحالِّ والمَحَلِّ؛ وفي الحديث: "حديث : إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي ". تفسير : قوله: {وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ} عطف على "ذَهَبَ"، وجوابُ "لمَّا" على هذا محذوفٌ أي: فلمَّا كان كيت وكيت اجترأ على خطابهم، أو فطن لمجادلتهم، وقوله: "يَجَادِلُنَا" على هذا جملةٌ مستأنفةٌ، وهي الدَّالَّةُ على ذلك الجواب المحذوف. وقيل: تقديرُ الجواب: أقبل يُجَادلنا، أو أخذ يُجَادلُنَا، فـ "يُجَادِلُنَا" على هذا حالٌ من فاعل "أقبل". وقيل: جوابها قوله: "يُجَادلُنَا" وأوقع المضارع موقع الماضي. وقيل: الجوابُ قوله: {وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ} والواوُ زائدةٌ. وقيل: "يُجَادِلُنَا" حال من "إبراهيم"، وكذلك قوله: {وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ} و "قَدْ" مقدرةٌ. ويجُوزُ أن يكون "يُجَادِلُنَا" حالاً من ضمير المفعول في "جَاءَتْهُ". و "فِي قَوْمِ لُوطٍ" أي: في شأنهم. قوله:{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ}. هذا أوَّلُ قصة قوم لوط، والمعنى: أنَّهُ لمَّا زال الخوف وحصل السُّرورُ بسبب مجيء البُشْرَى بحصول الولد، أخذ يُجَادلنا أي: رسلنا، بمعنى: يكلمنا؛ لأنَّ إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - لا يجادل ربه، إنَّما يسأله ويطلب إليه بدليل مدحه عقيب الآية بقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} ولو كان جدلاً مذموماً لما مدحه بهذا المَدْح العظيم، وكانت مجادلته أن قال للملائكة: أرأيتم لو كان في مدائنِ لوطٍ خمسون رجلاً من المؤمنين أتهلكونها قالوا: لا. قال: أو أربعون. قالوا: لا. قال: أو ثلاثون. قالوا لا. حتَّى بلغ العشرة. قالوا: لا. قال: أرأيتم لو كان فيها رجلٌ مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فعند ذلك {أية : قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ}تفسير : [العنكبوت:32]. ثم قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ}. والحليم: الذي لا يتعجَّلُ بمكافأة من يؤذيه، ومن كان كذلك فإنَّه يتأوَّهُ إذا شاهد وصول الشَّدائد إلى الغير فلمَّا رأي مجيء الملائكة لإهلاك قومِ لُوط عظم حزنهُ، وأخذ يتأوَّهُ فوصفه، الله - تعالى - بأنَّهُ مُنِيبٌ؛ لأنَّ من ظهرت منه هذه الشفقة العظيمةُ على الخلق فإنَّهُ يتُوبُ ويرجع إلى الله - تعالى عزَّ وجلَّ - في إزالة ذلك العذابِ، أو يقال: من كان لا يَرْضَى بوقوع غيره في الشَّدائد، فبأن لا يرضى بوقوع نفسه فيها أولى، ولا طريق لتخليصِ النَّفْسِ من عذاب الله والوقوع فيه إلا بالتوبةِ والإنابةِ، فقالت الرُّسُلُ عند ذلك لإبراهيم - عليه الصلاة والسلام -: {يإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ} أي: أعرض عن هذا المقال، فـ {إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ}، أي: عذابُ ربِّك وحُكم ربِّك {إِنَّهُمْ آتِيهِمْ}: نازلٌ بهم {عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ}، أي: غير مصروف عنهم. قوله: {آتِيهِمْ عَذَابٌ} يجوز أن يكون جملة من مبتدأ وخبر في محلِّ رفع خبراً لـ "إنَّهُمْ"، ويجوز أن يكون "آتِيهِمْ" الخبر "عَذابٌ" المبتدأ، وجاز ذلك لتخصُّصِه بالوصفِ، ولتنكير "آتِيهِمْ"؛ لأنَّ إضافته غيرُ محصنةٍ. ويجُوزُ أن يكون "آتِيهِمْ" خبر "إنَّ"، و "عذابٌ" فاعلٌ به، ويدلُّ على ذلك قراءةُ عمرو بن هرم "وإنَّهُمْ أتاهُمْ" بلفظ الفعل الماضي.

البقاعي

تفسير : ولما انقضت القصة على هذا الوجه الرائع، أتبعها قصة لوط عليه السلام إذ كانت أشهر الوقائع بعدها وهي أفظع منها وأروع، وقدم عليها ما يتعلق بها من أمر إبراهيم عليها لسلام ذكر بشراه لما في ذلك كله من التنبيه لمن تعنت بطلب إنزال الملائكة في قولهم {أو جاء معه ملك} على أن ذلك ليس عزيزاً عليه. وقد أكثر من فعله ولكن نزولهم مرهب، وأمرهم عند المكاشفة مرعب، وأما مع الستر فلا يقطع تعنتهم، هذا مع ما في ذلك من مناسبة أمر هذا الولد لأمر الناقة في تكوين كل منهما بخارق للعادة إشارة إلى تمام القدرة وكمال العلم المبني عليه أمر السورة في إحكام الكتاب وتفصيله وتناسب جدالي نوح وإبراهيم عليهما السلام في أن كلاً منهما شفقة على الكافرين ورجاء لنجاتهم من العذاب بحسن المثاب، ولعله سبحانه كرر "لقد" في صدرها عطفاً على ما في قصة نوح للتنبيه على مثل الأغراض، لأن "قد" للتوقع فجاءت لتؤذن بأن السامع في حال توقع لذلك لأنه إذا انقضت قصة الخبر عما بعدها فقال تعالى: {ولقد} قال الرماني: ودخلت اللام لتأكيد الخبر كما يؤكد القسم {جاءت رسلنا} أي الذين عظمتهم من عظمتنا، قيل: كانوا جبرئيل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام {إبراهيم} هو خليل الله عليه السلام {بالبشرى} أي التي هي من أعظم البشائر وهي إكرامه بإسحاق عليه السلام ولداً له من زوجته سارة رضي الله عنها، جاءوه في الصفة التي يحبها وهي صفة الأضياف، فلم يعرفهم مع أنه الخليل بل إنكارهم كما قال تعالى في الذاريات {أية : قال سلام قوم منكرون}تفسير : [الذاريات: 25] فيحمل إنكاره أولاً على الاستغراب بمعنى أنه لم ير عليهم زيّ أهل تلك البلاد ولا أثر سفر، فكأنه قيل: ما كان من أمرهم؟ فقيل: {قالوا سلاماً} أي سلمنا عليك سلاماً عظيماً {قال سلام} أي ثابت دائم عليكم لا زوال له أبداً، فللرفع مزية على النصب لأنه إخبار عن ثابت، والنصب تجديد ما لم يكن، فصار مندرجاً في {أية : فحيوا بأحسن منها}تفسير : [النساء: 86] ثم أكرم نزلهم وذهب يفعل ما طبعه الله عليه من سجايا الكرم وأفعال الكرام في أدب الضيافة من التعجيل مع الإتقان {فما لبث} أي فتسبب عن مجيئهم وتعقبه أنه ما تأخر {أن جاء بعجل حنيذ*} أي مشوي على حجارة محماة في أخدود وفوقه حجارة محماة ليشتد نضجه، فكان بعد الشيّ يقطر دسمه لأنه سمين، كل ذلك وهو لا يعرف أنهم ملائكة، بل هو قاطع بأنهم ممن يأكل، وهذا ناظر إلى قول قوم نوح {وما نرى لكم علينا من فضل} وقوله {ولا أقول للذين تزدري أعينكم} الآية، أي إن الله جعل المعاني في القلوب وناط بها السعادة والشقاوة، وقد تخفي تلك المعاني كما خفي على أكمل أهل ذلك الزمان أن ضيفه ملائكة حتى خاف منهم وقد أتوه بالبشرى، فلا ينبغي لأحد أن يحتقر أحداً إلا بما أذن الله فيه. ولما وضع الطعام بين أيديهم لم يلموا به {فلما رأى أيديهم} أي الرسل عقب الوضع سواء {لا تصل إليه} أي إلى العجل الذي وضعه ليأكلوه {نكِرهم} أي اشتدت نكارته لهم وانفعل لذلك، وهذا يدل على ما قال بعض العلماء: إن نكر أبلغ من أنكر {وأوجس} أي أضمر مخفياً في قلبه {منهم خيفة} أي عظيمة لما رأى من أحوالهم وشاهد من جلالهم، وأصل الوجوس: الدخول، والدليل - على أن خوفه كان لعلمه بالتوسم أنهم ملائكة نزلوا لأمر يكرهه من تعذيب من يعز عليه أو نحو هذا - أنهم {قالوا لا تخف} ثم عللوا ذلك بقولهم {إنآ أرسلنآ} أي ممن لا يرد أمره {إلى قوم لوط} فإنهم نفوا الخوف عنه بالإعلام بمن أرسلوا إليه، لا بكونهم ملائكة، قالوا ذلك وبشروه بالولد {وامرأته} أي جاءته الرسل بالبشرى أي ذكروها له والحال أن زوجة إبراهيم التي هي كاملة المروءة وهي سارة {قآئمة} قيل: على باب الخيمة لأجل ما لعلها تفوز به من المعاونة على خدمتهم، فسمعت البشارة بالولد التي دل عليها فيما مضى قوله {بالبشرى} {فضحكت} أي تعجبت من تلك البشرى لزوجها مع كبره، وربما طنته من غيرها لأنها - مع أنها كانت عقيماً - عجوز، فهو من إطلاق المسبب على السبب إشارة إلى أنه تعجب عظيم {فبشرناها} أي فتسبب عن تعجبها أنا أعدنا لها البشرى مشافهة بلسان الملائكة تشريفاً لها وتحقيقاً أنه منها {بإسحاق} تلده {ومن وراء إسحاق يعقوب} أي يكون يعقوب ابناً لإسحاق، والذي يدل على ما قدّرته - من أنهم بشروه بالولد قبل امرأته فسمعت فعجبت - ما يأتي عن نص التوراة، والحكم العدل على ذلك كله قوله تعالى في الذاريات {أية : قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها} تفسير : [الذاريات: 28-29] - الآية. ولما شافهوها بذلك، صرحت بوجه العجب من أنه جامع بين عجبين في كونه منه ومنها بأن {قالت يَٰوَيْلَتَىٰ} وهي كلمة تؤذن بأمر فظيع تخف على أفواه النساء ويستعملنها إلى اليوم، لكنهن غيرن في لفظها كما غير كثير من الكلام؛ والويل: حلول الشر؛ والألف في آخره بدل عن ياء الإضافة، كنى بها هنا عن العجب الشديد لما فيه من الشهرة ومراجمة الظنون؛ وقال الرماني: إن معناها الإيذان بورود الأمر الفظيع كما تقول العرب: يا للدواهي! أي تعالين فإنه من أحيانك فحضور ما حضر من أشكالك. ولما كان ما بشرت به منكراً في نفسه بحسب العادة قالت: {ءَألد وأنا} أي والحال أني {عجوز وهذا} أي من هو حاضري {بعلي شيخاً} ثم ترجمت ذلك بما هو نتيجته فقالت مؤكدة لأنه - لما له من خرق العوائد - في حيز المنكر عند الناس: {إن هذا} أي الأمر المبشر به {لشيء عجيب} فكأنه قيل: فماذا قيل لها؟ فقيل: {قالوا} أي الملائكة متعجبين من تعجبها {أتعجبين من أمر الله} أي الذي له الكمال كله، وهو لا ينبغي لك لأنك معتادة من الله بما ليس لغيركم من الخوارق، والعجب إنما يكون مما خرج عن أشكاله وخفي سببه، وأنت - لثبات علمك بالسبب الذي هو قدرة الله على كل شيء وحضوره لديك مع اصطفاء الله لكم وتكرر خرقه للعوائد في شؤونكم - لست كغيرك ممن ليس كذلك؛ ثم عللوا إنكارهم لتعجبها بقولهم: {رحمت الله} أي كرامة الذي له الإحاطة بصفات الجلال والإكرام {وبركاته} أي خيراته النامية الثابتة {عليكم} وبينوا خصوصيتهم بإسقاط أداة النداء مدحة لهم فقال: {أهل البيت} قد تمرنتم على مشاهدة العجائب لكثرة ما ترون من آثاره بمثل ذلك وغيره؛ ثم علل إحسانه إليهم مؤكداً تثبيتاً لأصل الكلام الذي أنكرته فقال: {إنه} أي بخصوص هذا الإحسان {حميد مجيد} أي كثير التعرف إلى من يشاء من جلائل التعمم وعظيم المقدور بما يعرف أنه مستحق الحمد على المجد، وهو الكرم الذي ينشأ عنه الجود، فلما سمعوا ذلك واطمأنوا، أخذ في قص ما كان بعده، فقال مشيراً بالفاء إلى قلة زمن الإنكار الذي هو سبب الفزع: {فلما ذهب} بانكشاف الأمر {عن إبراهيم الروعُ} أي الخوف والفزع الشديد {وجآءته البشرى} فامتلأ سروراً {يجادلنا} أي أخذ يفعل معنا بمجادلة رسلنا فعل المجادل الذي يكثر كلامه إرادة الفتل مخاطبه عما يقوله {في قوم لوط} أي يسألنا في نجاتهم سؤالاً يحرص فيه حرص المجادل في صرف الشيء، من الجدل وهو الفتل، ووضع المضارع موضع الماضي إشارة إلى تكرر المجادلة مع تصوير الحال، أي جادلنا فيهم جدالاً كثيراً؛ ثم علل مجادلته بقوله: {إن إبراهيم لحليم} أي بليغ الحلم، وهو إمهال صاحب الذنب على ما يقتضيه العقل {أواه} أي رجاع للتأوه خوفاً من التقصير {منيب} أي رجاع إلى الله بالسبق في ارتقاء درج القرب، فهو - لما عنده هذه المحاسن - لا يزال يتوقع الإقلاع من العصاة. ولما كان أكثر المجادلة لما عنده من الشفقة على عباد الله لما له من هذه الصفات الجليلة، أعلمه الله أن الأمر قد ختم بقوله حكاية أن الرسل قالت له بعد طول المجادلة منادين بالأداة التي هي أم الباب إعلاماً بأن ما بعدها عظيم الشأن عالي المنزلة: {يا إبراهيم أعرض} أي بكليتك {عن هذا} أي السؤال في نجاتهم؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكداً لأنه بمجادلته في حيز من ينكر بتّ الأمر: {إنه قد} افتتحه بحرف التوقع لأنه موضعه {جآء أمر ربك} أي الذي عودك بإحسانه الجم، فلولا أنه حتم الأمر بعذابهم لأمهلهم لأجلك، ولذا عطف على العلة قوله مؤكداً إعلاماً بأنه أمر قد انبرم ومضى: {وإنهم آتيهم} أي إتياناً ثابتاً {عذاب غير مردود} أي بوجه من الوجوه من أحد كائناً من كان؛ الإعراض: الانصراف، وحقيقته الذهاب عن الشيء في جهة العرض؛ والرد: إذهاب الشيء إلى ما جاء منه كالرجع؛ والدفع أعم لأنه قد يكون إلى جهة القدام؛ فلما علم مراد الله فيهم، قدمه على مراده ولم ينطق بعده ببنت شفة. ذكر هذه القصة من التوراة: قال في السفر الأول: واستعلن الله لإبراهيم في مرج - وفي نسخة: بين بلوط ممرى الأموراني - وكان جالساً على باب خيمته إذ اشتد النهار، فرفع عينيه فنظر فإذا هو بثلاثة رجال وقوف على رأسه، فلما رآهم أحضر إليهم من باب الخيمة وسجد على الأرضِ وقال: يا رب - وفي نسخة: يا ولي الله - إن كان لي عندك مودة فلا تبعد عن عبدك حتى آتي بما أغسل به أرجلكم، واتكئوا تحت الشجرة وأصيبوا شيئاً من الطعام تقرون به أنفسكم، ثم حينئذٍ تجوزون لأنكم مررتم بعبدكم بغتة فقالوا له: اصنع كما قلت، فاستعجل إبراهيم فأحضر إلى الخيمة إلى سارة وقال: عجلي بثلاثة آصع من درمك - وفي نسخة: دقيق سميد - فاعجنيه واخبزي منه مليلاً، وسعى إلى قطيع البقر فأخذ عجلاً سميناً شاباً فدفعه إل الغلام وأمر بتعجيل صنعته وأخذ سمناً ولبناً والعجل الذي صنع له أيضاً فقربه إليهم، وكان هو واقفاً بين أيديهم تحت الشجرة وقالوا له: أين سارة امرأتك؟ فقال: في الخيمة، فقال له: إني أرجع إليك في مثل هذا الحين من قابل وهي في الحياة ولها منك ابن، فسمعت سارة وهي على باب الخيمة مستترة وكان هو خلفها، وكان إبراهيم وسارة قد شاخا وقدم سنهما وانقطع عن سارة سبيل النساء، فضحكت سارة في قلبها وقالت: أمن بعد ما بليت أرجع شابة وسيدي قد شاخ؟ فقال الله لإبراهيم: لم ضحكت سارة وقالت: أني لي بالولد وقد شخت؟ أيعسر هذا على الله؟ إني أرجع إليك في مثل هذا الحين من قابل وهي حية ولها ابن، فجحدت سارة وقالت: كلا ما ضحكت، لأنها فزعت، فقال: كلا! ولكنك قد ضحكت، ثم قام الرجال وتعمدوا طريق سدوم وعامورا، وانطلق معهم إبراهيم ليشيعهم. وقال الله: أأكتم عبدي إبراهيم شيئاً مما أصنع؟ وإبراهيم يكون رئيساً لشعب عظيم كبير، وتتبارك به شعوب الأرض، لأني عالم أنه يوصي بنيه وأهل بيته من بعده أن يحفظوا طرق الرب ليعملوا بالبر والعدل، لأن الرب يكمل لإبراهيم جميع ما وعده به. فقال الرب لإبراهيم: لقد وصل إليّ حديث سدوم وعاموراً وقد كثرت خطاياهم جداً، ثم ولى القوم ومضوا إلى سدوم، وكان إبراهيم بعد واقفاً قدام الرب، فدنا إبراهيم وقال: يا رب! تهلك الأبرار مع الفجار بغضب واحد؟ إن كان في القرية خمسون باراً أتهلكهم بغضب واحد؟ حاشاك يا رب أن تصنع هذا الصنيع وتهلك البريء مع السقيم، ويكون البريء بحال السقيم، حاشا لك يا حاكم الأرض كلها! لا يكون هذا من صنيعك! فقال الرب: إن وجدت بسدوم خمسين باراً في القرية عفوت عن جميع البلد من أجلهم، فأجاب إبراهيم وقال: إني قد بدأت بالكلام بين يدي الرب، وإنما أنا تراب ورماد، فإن نقص من الخمسين باراً خمسة تخرب القرية كلها من أجل الخمسة؟ فقال: لا أخربها إن وجدت بها خمسة وأربعين باراً، فعاد إبراهيم وقال له: فإن وجد فيها أربعون؟ فقال: لا أخربها إن وجدت فيها أربعين، فقال: لا يمكن الرب كلامي فأتكلم، فإن كان هناك ثلاثون؟ فقال: لا أخربها إن وجدت فيها ثلاثين، فقال: إني قد أمعنت في الكلام بين يدي الرب، فإن وجد بها عشرون؟ فقال: لا أخربها من أجل العشرين، فقال لانشقن على الرب، فأتكلم هذه المرة يارب فقط، فإن وجد بها عشرة رهط؟ فقال: لا أفسدها من أجل العشرة؛ فارتفع استعلان الرب عن إبراهيم لما فرغ إبراهيم من كلامه ورجع إبراهيم إلى موضعه - انتهى. وقد مضى أمر حبل سارة وولادها في البقرة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن عثمان بن محسن رضي الله عنه في ضيف إبراهيم كانوا أربعة‏.‏ جبريل عليه السلام، ويمكائيل، وإسرافيل، ورفائيل‏. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه قرأ: قالوا سلاماً قال سلام وكل شيء سلمت عليه الملائكة فقالوا سلاماً قال سلام‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏بعجل حنيذ‏} ‏ قال‏:‏ نضيج‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏حنيذ‏}‏ قال‏:‏ مشوي‏. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ‏{‏بعجل حنيذ‏}‏ قال‏:‏ سميط‏. وأخرج الطستي عن ابن عباس‏:‏ أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل ‏{‏بعجل حنيذ‏}‏ قال‏:‏ الحنيذ النضيج ما يشوى بالحجارة‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت قول الشاعر وهو يقول‏: شعر : لهم راح وفار المسك فيهم وشاوهم إذا شاوا حنيذ تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏بعجل حنيذ‏}‏ قال‏:‏ الحنيذ الذي أنضِج بالحجارة‏. وأخرج أبو الشيخ عن شمر بن عطية قال‏:‏ الحنيذ الذي شوي وهو يسيل منه الماء‏.

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرٰهِيمَ} وهم الملائكةُ. عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم جبريلُ وملكانِ. وقيل: هم جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ عليهم السلام. وقال الضحاك: كانوا تسعةً، وعن محمد بن كعب جبريلُ ومعه سبعةٌ. وعن السدي أحدَ عشرَ على صور الغلمان الوِضاءِ وجوهُهم. وعن مقاتل كانوا اثني عشر ملَكاً وإنما أسند إليهم مطلقُ المجيءِ بالبشرى دون الإرسالِ لأنهم لم يكونوا مرسَلين إليه عليه السلام بل إلى قوم لوطٍ لقوله تعالى: {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ}، وإنما جاؤوه لداعية البُشرى ولما كان المقصودُ في السورة الكريمةِ ذكرَ سوءِ صنيعِ الأممِ السالفةِ مع الرسل المرسلةِ إليهم ولحوقِ العذابِ بهم بسبب ذلك ولم يكن جميعُ قومِ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام ممن لحق بهم العذابُ بل إنما لحِق بقوم لوطٍ منهم خاصةً غيّر الأسلوبُ المطردُ فيما سبق من قوله تعالى: {أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا }تفسير : [الأعراف: 65] {أية : وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا } تفسير : [الأعراف: 73] ثم رُجع إليه حيث قيل: {أية : وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً } تفسير : [الأعراف: 85]{أية : بِٱلْبُشْرَىٰ}تفسير : أي ملتبسين بها قيل: هي مطلقُ البشرى المنتظمةِ للبشارة بالولد من سارَةَ لقوله تعالى: {فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ} الآية، وقولِه تعالى: {أية : فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ }تفسير : [الصافات: 101] وقوله: {أية : وَبَشَّرُوهُ بِغُلَـٰمٍ عَلَيمٍ } تفسير : وللبشارة بعدم لحوقِ الضررِ به لقوله تعالى:{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَاءتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ} لظهور تفرّعِ المجادلةِ على مجيئها كما سيأتي وقيل: هي البشارةُ بهلاك قوم لوطٍ ويأباه مجادلتُه عليه الصلاة والسلام في شأنهم، والأظهرُ أنها البشارةُ بالولد وستعرِف سرَّ تفرُّعِ المجادلةِ على ذلك ولما كان الإخبارُ بمجيئهم بالبشرى مظِنةً لسؤال السامِع بأنهم ما قالوا أجيب بأنهم {قَالُواْ سَلاَماً} أي سلّمنا أو نسلّم عليك سلاماً ويجوز أن يكون نصبُه بقالوا أي قالوا قولاً ذا سلامٍ أو ذكروا سلاماً {قَالَ سَلَـٰمٌ} أي عليكم سلامٌ أو سلامٌ عليكم حياهم بأحسن من تحيتهم وقرىء سَلِم كحَرِم في حرام، وقرأ ابن أبـي عبلة قال: سلاماً وعنه أنه قرأ بالرفع فيهما {فَمَا لَبِثَ} أي إبراهيم {أَن جَاء بِعِجْلٍ} أي في المجيء به أو ما لبث مجيئَه بعجل {حَنِيذٍ} أي مشويٌّ بالرَّضْف في الأُخدود وقيل: سمين يقطُر وَدَكُه لقوله: بعجل سمين من حنذت الفرس إذا عرقته بالجِلال. {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ} لا يُمدون إليه أيديَهم للأكل {نَكِرَهُمْ} أي أنكرهم يقال: نكِرَه وأنكره واستنكره بمعنى، وإنما أنكرهم لأنهم كانوا إذا نزل بهم ضيفٌ ولم يأكُلْ من طعامهم ظنوا أنه لم يجىء بخير، وقد روي أنهم كانوا ينكُتون بقداح كانت في أيديهم في اللحم ولا تصل إليه أيديهم وهذا الإنكارُ منه عليه الصلاة والسلام راجعٌ إلى فعلهم المذكور وأما إنكارُه المتعلقُ بأنفسهم فلا تعلقَ له برؤية عدمِ أكلِهم، وإنما وقع ذلك عند رؤيتِه لهم لعدم كونِهم من جنس ما كان يعهده من الناس، ألا يُرى إلى قوله تعالى في سورة الذاريات: {أية : سَلَـٰمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ }تفسير : . {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ} أي أحسّ أو أضمَر من جهتهم {خِيفَةً} لما ظُنّ أن نزولَهم لأمر أنكره الله تعالى عليه أو لتعذيب قومِه، وإنما أُخّر المفعولُ الصريحُ على الظرف، لأن المرادَ الإخبارُ بأنه عليه الصلاة والسلام أوجس من جهتهم شيئاً هو الخيفةُ لا أنه أوجس الخِيفةَ من جهتهم لا من جهة غيرِهم، وتحقيقُه أن تأخيرَ ما حقُّه التقديمُ يوجب ترقّبَ النفسِ إليه فيتمكن عند ورودِه عليها فضلُ تمكن {قَالُواْ لاَ تَخَفْ} ما قالوه بمجرد ما رأوا منه مخايلَ الخوفِ إزالةً له منه بل بعد إظهارِه عليه الصلاة والسلام له قال تعالى في سورة الحِجر: {أية : قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } تفسير : ولم يُذكر ذلك هٰهنا اكتفاءً بذلك {إِنَّا أُرْسِلْنَا} ظاهرُه أنه استئنافٌ في معنى التعليلِ للنهي المذكورِ كما أن قولَه تعالى: {أية : إِنَّا نُبَشّرُكَ } تفسير : [الحجر: 53] تعليلٌ لذلك فإن إرسالَهم إلى قوم آخرين يوجب أمنَهم من الخوف أي أُرسلنا بالعذاب {إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ} خاصةً إلا أنه ليس كذلك فإن قوله تعالى: {أية : قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } تفسير : [الحجر: 57, 58] صريحٌ في أنهم قالوه جواباً عن سؤاله عليه الصلاة والسلام، وقد أُوجز الكلامُ اكتفاء بذلك.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ} [الآية: 69]. قال بعضهم: بشروا إبراهيم بأنَّ نسب الخلة ثابتة وأنها لا تنقطع. قال بعضهم: بشروه بإخراج محمد صلى الله عليه وسلم من صلبه، وأنه خاتم الأنبياء وصاحب لواء الحمد. قال بعضهم: رسول الخليل إذا ورد فهو بشارة، فإذا أدَّى الرسالة فقد تم به البشرى، خصوصًا إذا أدى من الخليل سلامًا ألا تراه كيف ذكر: قالوا سلامًا من الخليل، فقال: سلام من الخليل، تَمَّ به المراد. قوله تعالى: {قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ} [الآية: 69]. قال ابن عطاء: سلام لك رتبة الخلة من الزلل. {قاَلَ سَلاَمٌ}: أى هذه السلامة التى توجب لى السلام من السلام. قال الترمذى: كانت الملائكة قصدوا هلاك قوم لوط فلما رآهم الخليل صلى الله عليه وسلم فزع منهم، فزادوا ذلك فيه، فقالوا: سلامًا، أى قد سلمت أنت وأهلك وقصدنا لهلاك الأمة العاصية، فأنت ومن معك منَّا فى سلامة وسلام، فقال سلام - الحمد لله الذى أمَّننى وأهلى من الهلاك. قوله تعالى: {فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [الآية: 69]. قال بعضهم: من آداب الفتوة إذا ورد الضيف أن يُبدأ أولاً بإكرامه فى الإنزال ثم يثنيه بالطعام ثم بالكلام ألا ترى الخليل عليه السلام كيف بدأ بالطعام بعد السلام، فقال: فما لبث أن جاء بعجل حنيذ، وهو تعجيل ما حضر والتكلف بعد ذلك لمن أحب.

القشيري

تفسير : أخبر أن الملائكة أتوا إبراهيمَ - عليه السلام - بالبشارة. وأخبر أن إبراهيمَ - عليه السلام - أنْكَرَهُم، ولم يَعْرِفْ أنهم ملائكةٌ. فيُحتمل أنَّه - سبحانه - أراد أن تكونَ تلك البشارة فجأةً من غير تنبيهٍ لتكونَ أتَمَّ وأبلغَ في إيجاد السرور، ولا سيما وقد كانت بعد خوف لأنه قال: {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً}. ويقال إن إبراهيم - عليه السلام - كان صاحبَ النبوة والخُلَّة والرسالة فلا بُدَّ أن تكون فراستُه أعلى من فراسة كلِّ أحدٍ، ولكنه في هذه الحالة لم يَعْرِفْ الملائكةَ ليُعْلَمَ أنَّ الحقَّ - سبحانه وتعالى - إذا أراد إمضاءِ حُكْمِ يَسُدُّ على مَنْ أرادَ عيونَ الفراسة، وإنْ كان صاحبُ الفراسة هو خليل الله، كما سَدَّ الفراسة، على نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - في قصة الإفْكِ إلى الوقت الذي نزل فيه الوحيُ، وكذلك التبس على لوطٍ - عليه السلام - إلى أن تبيَّن له الأمر. وتكلموا في هذه "البشرى" ما كانت؛ فقيل كانت البشارة بإسحاق؟ أنَّه سيولد له ولد ومن نَسْله وسُلالته؛ قال تعالى: {وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}. ويقال بسلامة قومه - حيث كانوا مُرْسَلين بإهلاك قوم لوط - عليه السلام. ويقال بشارة بالخُلَّة وتمام الوصلة. ويقال إن الخُلَّة والمحبة بناؤهما كتمان السِّرِّ؛ فَيَعْلَمَ أنهم أُرْسِلُوا بشارةٍ ما ولم يكن للغير اطلاع، قال قائلهم: شعر : بين المحبين قولٌ لست أفهمه تفسير : ويقال إن تلك البشارة هي قولهم: "سلاماً" وأن ذلك كان من الله، وأيُّ بشارة أتمُّ من سلام الحبيب؟ وأيُّ صباح يكون مُفْتَتَاً بسلام الحبيب فصَبَاحٌ مباركٌ، وكذلك المبيتُ بسلام الحبيب فهو مباركٌ. قوله: {فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [هود: 69]: لمَّا توهمهم أضيافاً قام بحقِّ الضيافة، فقدَّم خَيْرَ ما عنده مما شكره الحقُّ عليه حيث قال في موضع آخر:{أية : فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ}تفسير : [الذاريات: 26]. والمحبةُ توجِبُ استكثارَ القليلِ من الحبيبِ واستقلالَ ما مِنْك للحبيب، وفي هذا إشارة إلى أنه إذا نَزَلَ الضيفُ فالواجبُ المبادرةُ إلى تقديم السُّفرة مِمَّا حضر في الوقت. قوله: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} [هود: 70] تمامُ إحسانِ الضيف أن تتناولَ يَدُه ما يُقَدَّم إليه من الطعام، والامتناعُ عن أكل ما يُقَدَّم إليه معدودٌ في جملة الجفاء في مذهب أهل الظَّرْف. والأكل في الدعوة واجبٌ على أحد الوجهين. {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً}: أي خاف أنه وقع له خَلَلٌ في حاله حيث امتنع الضِّيفانُ عن أكل طعامه؛ فأوجس الخيفةَ لهم لا منهم. وقيل إن الملائكة في ذلك الوقت ما كانوا ينزلون جهراً إلا لعقوبة؛ فلمَّا امتنعوا عن الأكل، وعَلِمَ أنهم ملائكةٌ خَافَ أنْ يكونوا قد أُرْسِلُوا لعقوبة قومه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ قَالُواْ سَلاَماً} بشارة الرسل للخليل عليه السلام من الله سبحانه بدوام وصاله وكشف جماله بلا حجاب ولا عتاب وان خلته تولدت من سابق خلته الازلية والاصطفائية الابدية وبان النبوة باقية فى اولاده وبشروا انه تعالى مشتاق الى احبائه واخلائه وبشروا له بقدوم اخص اولاده واخص خلق الله من العرش الى الثرى محمد صلى الله عليه وسلم وبشارتهم باولاده من المرسلين نظام الرسالة ودوام الشريعة ونشر الحقيقة والسلام منهم اخبار عن اهليتهم لخليله ورفع النكرة وتعريف العهد الاولية بنعت زوال الخطرات والمعارضة وسلامهم ممزوج بسلام الحبيب وبديهة دنوه من خليله وسلام الخليل اظهار السرور بالضيف واكرامهم واظهاره الاهلية منه عرف سره سرهم موافق سلامه سلامهم اى ههنا بيت كرامة وسلامة من العيوب وما اطيب سلام الحبيب على الحبيب وما الذ رسالة الحبيب الى الحبيب وما اشهى بشارة الحبيب للحبيب وان كان بالوسائط شعر : سلام على سلمى وان شط دارها سلام على ارض قديم بها العهد سلام على جاراتها لجوارها سلام حزين وامن شقة الصد سلام عليها دائما متواتر سلام على ارض اليها لها قصد اذا نزلت سلمى بواد فماؤها زال وسلسال وشيحانها ورد تفسير : قال بعضهم بشروا لابراهيم بان نسبة الخلة ثابتة فانها لا تنقطع وقال بعضهم بشروه باخراج محمد صلى الله عليه وسلم من صلبه وانه خاتم الانبياء وصاحب لواء الحمد وقال بعضهم رسول الخليل اذا ورد فهو بشارة فاذا ادى الرسالة قد تم به البشرى خصوصا اذا ادى من الخليل سلاما الا تراه كيف ذكر قالوا سلامًا من الخليل فقال سلام من الخليل ثم به المراد قال ابن عطا فى قوله سلاما نال سلام سلم لك رتبة الخلة من الزلل قال سلام اى هذه السلامة التى يوجب لى السلام من السلام قوله تعالى {فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} اخبر عن فتوته واكرام ضيفه ولكن فيه ما فيه من اشارة الى قلبه المذبوح وروحه المجروح ونفسه المبذولة بين يدى سلطان جبروته وانوار ملكوته وسنا جماله وسر جلاله وتلك مجموعة نيران المحبة ولهب الشوق وحرقة العشق ليسلبها بياسمين القرب وورد الانس ونسيم صباء الوصلة وايضا تعريف احوال الملائكة هل جاؤ بالباس ام وذلك من لطيف صنيع الابناء وفيه اظهار المعارضة والخيفة ليعرف شان الحال وان كان خلقه السخاء والكرم قال بعضهم من اداب الفتوت اذا ورد الضيف ان تبدا بالكرامة فى الانزال ثم تثنيه بالطعام ثم بالكلام ار ترى الخليل كيف بدء بالطعام بعد السلام قال فما لبث ان جاء بعدل حنيذ وهو تعجيل ما حضروا بتكلف التكلم بعد ذلك لمن احب.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد جاءت رسلنا ابراهيم} اى وبالله لقد جاء جبريل وجمع من الملائكة معه فى صورة الغلمان الذين يكونون فى غاية الحسن والبهاء والجمال الى ابراهيم عليه السلام { بالبشرى} اى ملتبسين بالبشارة بالولد من سارة بدليل ذكره فى سور اخرى ولانه اطلق البشرى هنا وقيد فى قوله {فبشرناها باسحق} والمطلق محمول على المقيد {قالوا} استئناف بيانى {سلاما} اى سلمنا عليك سلاما او نسلم. وبالفارسية [سلام ميكنيم برتو سلام كردنى] {قال} ابرهيم عليكم {سلام} حياهم باحسن من تحيتهم لان الجملة الفعلية دالة على التجدد والحدوث والاسمية دالة على الثبات والاستمرار. قال الكافى [ابراهيم عليه السلام ندانست كه فرشتكانند ايشانرا درمهما نخانه نشانيد] {فما} نافية {لبث} مكث ابراهيم {ان جاء بعجل} ولد البقرة {حنيذ} يعنى [بس درنك نكرد تا آنكه آورد كوساله بريان كرده برسنك كرم] والحنيذ هو المشوى فى حفرة من الارض بالحجارة المحماة بغير تنور ومن غير ان تمسه النار كفعل اهل البادية فانهم يشوون فى الاخدود بالحجارة المحماة. وفى الكواشى حنيذ مشوى فى حفيرة يقطر دسما من خذت الفرس اذا وضعت اليه جلاله ليسيل عرقه. وفى التأويلات النجمية {قالوا سلاما} اى نبلغك سلاما قولا من رب رحيم {قال سلام} اى علينا سلام الجليل وهذا كما كان حال الحبيب ليلة اسرى به قال (السلام عليك ايها النبى ورحمة الله وبركاته) قال الحبيب "حديث : السلام علينا وعلى عبادنا الصالحين" تفسير : والفرق بين الحبيب والخليل ان سلام الحبيب بلا واسطة وسلام الخليل بواسطة الرسل وفى سلام الحبيب زيادة رحمة الله وبركاته {فما لبث ان جاء بعجل حنيذ} تكرمه لسلام الخليل واعزازا لرسله انتهى شعر : قاصد دلبر كه آرد يك بيام از حبيب من كه أمديك سلام مزدكانه مال وجانم مى دهم هرجه ميدارم براهش مة نهم

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "سلاماً": منصوب على المصدر، أي: سلمنا سلاماً. ويجوز نصبه بقالوا؛ لتضمنه معنى ذكروا. (قال سلام): إما خبر، أي: أمرنا سلام، أو جواب سلام، وإما مبتدأ، أي: عليكم سلام. وكسر السين: لغة، وإنما رفع جوابه ليدل على ثبوت سلامة؛ فيكون قد حياهم بأحسن مما حيوه به. (فما لبث أن جاء)؛. "ما": نافية و"أن جاء": فاعل "لبث". ونكر وأنكر بمعنى واحد. والإيجاس: الإدراك أو الإضمار. و(من وراء إسحاق يعقوب): من قرأ بالنصب فبفعل دل عليه الكلام، أي: ووهبنا لها يعقوب. ومن رفعه فمبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده. و(شيخاً): حال، والعامل فيه: الإشارة، أي: أشير إليه شيخاً. و(أهل البيت): نصب على المدح والاختصاص، أو على النداء. يقول الحق جل جلاله: {ولقد جاءت رسُلنا إبراهيمَ}، وهم الملائكة، وقيل: ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقيل: تسعة جاؤوه {بالبُشرى}؛ بالولد. فلما دخلوا عليه {قالوا سلاماً} أي: سلمنا عليك سلاماً، أو ذكروا سلاماً، {قال سلام} أي: عليكم سلام، {فما لبثَ} أي: أبطأ، {أن جاء بعجل حَنيذ}؛ مشوي بالرضف، أي: بالحجر المحمي. وقيل: حنيذ بمعنى يقطر ودكه. كقوله: {أية : بِعِجْلٍ سَمِينٍ}تفسير : [الذاريات: 26]، فامتنعوا من أكله، {فلما رأى أيديَهم لا تصل إليه}؛ لا يمدون إليه أيديهم، {نَكرهم} أي: أنكر ذلك منهم، {وأوجس}: أدرك، أو أضمر {منهم خفيةً} أي: خوفاً، خاف أن يريدوا به مكروهاً؛ لامتناعهم من طعامه، وكان من عادتهم إذا مس من يطرقهم طعامهم أمنوه، وإلا خافوه. والظاهر أنه أحسَ بأنهم ملائكة ونكرهم؛ لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه فأمنوه، وقالوا: {لا تخفْ إنا} ملائكة {أرسلنا إلى قوم لوطٍ} لنعذبهم، وإنما لم نأكل طعامك؛ لأنا لا نأكل الطعام. {وامرأته قائمة} من وراء ستر تسمع محاورتهم، أو على رؤوسهم للخدمة، {فضحكتْ} سروراً بزوال الخيفة، أو بهلاك أهل الفساد، أو بإصابة رأيها، فإنها كانت تقول لإبراهيم: اضمم إليك لوطاً، فإني لأعلم أن العذاب نازل بهؤلاء القوم. وقيل: معنى ضحكت: حاضت. يقال: ضحكت الشجرة: إذا سال صَمغُها. وقيل: ضحكت سروراً بالولد الذي بُشرت به. فيكون في الكلام تقديم وتأخير، أي: فبشرناها فضحكت، وهو ضعيف. قال تعالى {فبشرناها بإسحاقَ ومن وراء إسحاق يعقوبَ} ولد ولدها. وتوجيه البشارة إليها؛ لأنه من نسلها، ولأنها كانت عقيمة حريصة على الولد، {قالت يا ويلتا}؛ يا عجباً، وأصله في الشر، فأطلق على كل أمر فظيع. وقرئ بالياء على الأصل، أي: يا ويلتي {أألدُ وأنا عجوزٌ} ابنة تسعين، أو تسع وتسعين {وهذا بَعْلِي}: زوجي، وأصله: القائم بالأمر، {شيخاً}؛ ابن مائة أو مائة وعشرين سنة، {إنَّ هذا لشيء عجيب} يتعجب منه؛ لكونه نشأ الولد من هرمين. وهو استغرب من حيث العادة، لا من حيث القدرة، ولذلك قالوا: {أتعجبينَ من أمر الله}؛ منكرين عليها، فإن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة، ومهبط الوحي ومظهر المعجزات. وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس ببدع، ولذلك قالوا: {رحمةُ الله وبركاته عليكم أهل البيت} أي: بيت إبراهيم، فلا تستغرب ما يظهر منهم من خوارق العادات، ولا سيما من نشأت وشابت في ملاحظة الآيات، {إنه} تعالى {حميدٌ}؛ فاعل ما يستوجب به الحمد، أو محمود على كل حال {مجيد}؛ كثير الخير والإحسان. أو ممجَّد بمعنى العلو والشرف التام. قال ابن عطية هنا: إن في الآية دليلاً على ان الذبيح إسماعيل لا إسحاق. وفيه نظر. وسيأتي في سورة الصافات ما هو الحق، إن شاء الله تعالى. الإشارة: من شأن أهل الكرم والامتنان: المبادرة إلى من أتاهم بالبر والإحسان؛ إما بقوت الأرواح، أو بقوت الأشباح. من أتاهم لقوت الأرواح بادروه بإمداد الروح من اليقين والمعرفة، ومن أتاهم لقوت الأشباح بادروه بالطعام والشراب، كُلاً ما يليق به، ومن شأن الضيف اللبيب المبادرة إلى أكل ما قُدِّمَ إليه، من غير اختبار، إلا لمانع شرعي أو عادي. ومن شأن أهل التحقيق والتصديق ألا يتعجبوا مما يظهر من القدرة من الخوارق؛ إذ القدرة صالحة لكل شيء، حاكمة على كل شيء، هي تحكم على العادة، لا العادة تحكم عليها. وهذا شأن الصديقين؛ لا يتعجبون من شيء؛ ولا يستغربون شيئاً، ولذلك توجه الإنكار إلى سارة من الملائكة، ولم يتوجه إلى مريم؛ حيث سألت؛ استفهاماً، ولم تتعجب، ووصفت بالصديقية دون سارة. والله تعالى أعلم. ولما تحقق إبراهيم عليه السلام بهلاك قو لوط أسف عليهم، كما قال تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ}.

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة والكسائي "قال سلم" بكسر السين وسكون اللام من غير الف هنا، وفي الذاريات. قال محمد بن يزيد المبرد (السلام) في اللغة يحتمل اربعة اشياء، منها مصدر سلمت، ومنها جمع سلامة، ومنها اسم من اسماء الله، ومنها اسم شجرة، ومنه قول الاخطل: شعر : الاسلام وحرمل تفسير : وقوله {أية : دار السلام}تفسير : يحتمل ان يكون مضافاً الى الله تعظيماً لها، ويجوز ان يكون دار السلام من العذاب لمن حصل فيها. واما انتصاب قوله {سلاماً} فانه لا يحك شيئاً تكلموا به فيحكى كما تحكى الجمل، ولكن هو ما تكلمت به الرسل، كما ان القائل اذا قال لا اله الا الله، فقلت له قلت حقاً او قلت اخلاصاً اعملت القول في المصدر لانك ذكرت معنى ما قال، فلم يحك نفس الكلام الذي هو جملة يحكى، فكذلك نصب سلاماً هنا، لما كان معنى ما قيل ولم يكن نفس القول بعينه. وقوله {أية : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً}تفسير : قال بسيبويه زعم ابو الخطاب: ان مثله يراد به مثل قولك سبحان الله الذي، تفسيره براءة الله من السوء، وقولك للرجل سلاماً تريد مسلماً منك لا ابتلي بشيء من امرك. وقوله "سلام" مرفوع، لانه من جملة الجملة المحكية، وتقديره سلام عليكم فحذف الخبر كما حذف من قوله {أية : فصبر جميل}تفسير : اي فصبر جميل امثل او يكون المعنى امري سلام وشأني سلام، كما يجوز ان يكون في قوله {فصبر جميل} المحذوف منه المبتدا، ومثله على حذف المبتدا قوله تعالى {أية : فاصفح عنهم وقل سلام} تفسير : او حذف الخبر ويكون سلام مبتدأ واكثر ما يستعمل {سلام} بغير الف ولام لأنه في معنى الدعاء، فهو مثل قولهم خير بين يديك، فمن ذلك قوله {أية : قال سلام عليك سأستغفر لك ربي}تفسير : وقوله {أية : سلام عليكم بما صبرتم}تفسير : وقوله {أية : سلام على نوح}تفسير : و {أية : سلام على إبراهيم}تفسير : وقوله {أية : سلام على عباده الذين اصطفى}تفسير : وقد جاء بالالف واللام قال تعالى {أية : والسلام على من اتبع الهدى}تفسير : و {أية : والسلام علي يوم ولدت}تفسير : وزعم ابو الحسن ان من العرب من يقول: السلام عليكم، ومنهم من يقول سلام عليكم فمن ألحق فيه الالف واللام حمله على المعهود. ومن لم يلحقه حمله على غير المعهود, وزعم أن منهم من يقول سلام عليكم بلا تنوين، وحمل ذلك على وجهين: أحدهما - انه حذف الزيادة من الكلمة كما يحذف الاصل في نحو لم يك ولا ادر ويوم يأت. والآخر - انه لما كثر استعمال هذه الكلمة، وفيها الالف والام جاز حذفها منها لكثرة الاستعمال كما حذفوا من اللهم فقالوا: لا هم كما قال الشاعر: شعر : لا هم لا هم ان عامر العجوز قد حبس الخيل على يعمور تفسير : ومن قرأ (سلم) بلا الف احتمل امرين: احدهما - ان يكون بمعنى (سلم) والمعنى أمرنا سلم وسلم عليكم، ويكون سلام بمعنى سلم، كقولهم حل وحلال، وحرم وحرام، انشد الفراء: شعر : وقفنا فقلنا ايه سلم فسلمت كما اكيل بالبرق الغمام اللوائح تفسير : وروي كما انكل. ثم قال الفراء في رفع سلام انه حين نكرهم، قال هو سلم ان شاء الله، من أنتم؟ فعلى هذا القراءتان بمعنى واحد. والآخر أن يكون (سلم) خلاف العدو، والحرب. كأنهم لما كفوا عن تناول ما قدم اليهم فنكرهم واوجس منهم خيفة، قال انا سلم، ولست بحرب ولا عدو، فلا تمتنعوا من تناول طعامي، كما يمتنع من تناول طعام العدو، وقوله {ولقد} دخلت اللام لتأكيد الخبر، كما يؤكد القسم، ومعنى (قد) هنا ان السامع لقصص الأنبياء يتوقع قصة بعد قصة، و (قد) للتوقع فجاءت لتؤذن أن السامع في حال توقع. أخبر الله تعالى أنه لما جاءت رسل ابراهيم يبشرونه. وقيل في البشارة بماذا كانت قولان: احدهما - قال الحسن كانت بأن الله تعالى يهب له اسحاق ولداً ويجعله رسولا الى عباده. وقال غيره كانت البشارة باهلاك قوم لوط. وقوله {قالوا سلاماً} حكاية ما قال رسل الله لابراهيم مجيباً لهم {سلام}. وقوله {فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} معنى ذلك لم يتوقف حتى جاء - على عادته في اكرام الاضياف وتقديم الطعام اليهم - بعجل، وهو ولد البقرة يسمى بذلك لتعجيل امره بقرب ميلاده. ويقال: فيه عجول وجمعه عجاجيل، و {الحنيذ} المشوي ومعناه محنوذ، فجاء "فعيل" بمعنى "مفعول" كطبيخ ومطبوخ، وقتيل ومقتول تقول: حنذه حنذاً ويحنذه قال العجاج: شعر : ورهبا من حنذه أن يهجرا تفسير : يعني الحمراء الوحشية أي حنذها حر الشمس على الحجارة. وقال الحسن حنيذ بمعنى نضيج مشوي. وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد: نضيج. وحكى الزجاج أن الحنيذ هو الذي يقطر ماؤه تقول العرب أحنذ هذا الفرس أي جلله حتى يقطر عرقاً. وانما قدم الطعام اليهم وهم ملائكة لأنه رآهم في صورة البشر، فظنهم أضيافاً. وقال الحسن: جاؤوه فاستضافوه، والا لم يخف عليه أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون. وقوله {أن جاء} في موضع نصب بوقوع لبث عليه، كأنه قال فما ابطأ عن مجيئه بعجل، فلما حذف حرف الجر نصب. قال الفراء: ويحتمل {أن جاء بعجل} أن يكون في موضع رفع بأن تجعل {لبث} فعلا له كأنك قلت فما أبطأ مجيئه بعجل حنيذ، قال الفراء: (الحنيذ) ما حفرت له في الأرض ثم عممته وهو فعل أهل البادية. قال الفراء وغيره: وانما خافهم ابراهيم من حيث لم ينالوا طعامه، لان عادة ذلك الوقت اذا قدم الطعام إلى قوم فلا يمسونه ظنوا أنهم أعداء.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ} اى الملائكة وكانوا اربعة كما ورد فى الخبر جبرئيل وميكائيل واسرافيل وكرّوبيل {إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ} ببشارة الولد اى اسماعيل من هاجر او اسحاق من سارة باختلاف الاخبار {قَالُواْ سَلاَماً} حيّوه بتلك التّحيّة {قَالَ سَلاَمٌ} اجابهم بابلغ من تحيّتهم حيث عدل عن النّصب الى الرّفع {فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ} اى ما لبث زماناً معتدّاً به الى ان جاء {بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} يعنى اسرع فى قراهم وفى طبخه والحنيذ المشوىّ النّضيج، فقال كلوا، فقالوا لا نأكل حتّى تخبرنا ما ثمنه؟ - قال اذا اكلتم فقولوا بسم الله واذا فرغتم فقولوا الحمد لله، فقال جبرئيل لاصحابه حقّ على الله ان يتّخذه خليلاً.

الأعقم

تفسير : {ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى} يعني الملائكة واختلفوا في عددهم، قيل: كانوا ثلاثة جبريل وميكائيل واسرافيل، وقيل: تسعة، وقيل: أحد عشر وكانوا على صورة الغلمان، وقوله: بالبشرى أي بالبشارة، وقيل: بإسحاق، وقيل: بهلاك قوم لوط {قالوا سلاماً}، قيل: سلماً سلاماً بمعنى الدعاء، وقيل: أرادوا بذلك استئناسه {قال سلام} أي وعليكم سلام {فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} لأنه توهم أنهم أضياف لأنهم كانوا على صورة البشر {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه} أي إلى العجل {نكرهم وأوجس منهم خيفة} ظن أنهم لصوص، وقيل: ظن أنهم كفار {قالوا} يعني الملائكة {إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته} سارة {قائمة} وراء الستر تسمع كلامهم، وقيل: إنها كانت قائمة على رؤوسهم تخدمهم {فضحكت}، قيل: تعجباً من حال الأضياف وامتناعهم من أكل الطعام، وقالت: عجباً لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا مكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا، وقيل: ضحكت تعجباً من حال قوم لوط إذ أتاهم العذاب وهم في غفلة، وقيل: كانت تقول لابراهيم اضمم لوطاً ابن أخيك إليك، وقيل: ضحكت لما رأت العجل قد حيى {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} ابني ابراهيم {قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز} إمرأة كبيرة {وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب}، وقيل: بشرت وهي لها ثمان وتسعون سنة ولابراهيم مئة وعشرون سنة، إن هذا لشيء عجيب أي يولد ولد من هرمين وإنما أنكرت عليها الملائكة لتعجبها {قالوا أتعجبين من أمر الله} لأنها كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} يعني خير الدين والدنيا، وقيل: هو دعا لهم بالبركة {فلما ذهب عن إبراهيم الروع} أي الخوف وأمن كل مكروه {وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط} يعني أخذ يجادل رسلنا من الملائكة واختلفوا بأي شيء جادل قيل: قال لهم أن فيها لوطاً، قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله وقوله: {إن ابراهيم لحليم} لا يعجل بالعقوبة {أوّاه} أي متأوه من خوف النار {منيب} توَّاب {يا إبراهيم أعرض عن هذا} الجدال وذلك أنهم قالوا لإبراهيم: أنا مهلكوا أهل هذه القرية، فقال لهم (عليه السلام): أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلاً من المؤمنين أتهلكونها؟ قالوا: لا، قال: فأربعون؟ قالوا: لا، قال: فثلاثون؟ قالوا: لا، حتى بلغ العشرة قالوا: لا، قال: أرأيتم لو كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا، فعند ذلك قال: إن فيها لوطاً، قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله، وعن ابن عباس: قالوا له: إن كان فيها خمسة يصلون رفع عنهم العذاب، وعن قتادة: ما قوم لا يكون فيهم عشرة أبرار فيهم خير، وقيل: كان فيهم أربعة ألاف فعند ذلك قالوا: يعني الملائكة {يا إبراهيم أعرض عن هذا} الجدال {إنه قد جاء أمر ربك} وهو قضاؤه وحكمه {وانهم آتيهم عذاب غير مردود} ثم بيَّن تعالى مجيء الملائكة إلى لوط بعد خروجهم من إبراهيم، وما جرى بينهم وبين لوط فقال تعالى: {ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم}، قيل: ساءه مجيء الملائكة لأنه خاف عليهم من قومه وخاف على أضيافه منهم {وقال هذا يوم عصيب} شديد في الشر، وإنما قال ذلك لأنه لم يعلم أنهم رسل وعلم من قومه ما هم عليه، ودخلوا معه منزله ولم يعلم بهم أحداً إلاَّ أهله، وقيل: أتوه في نصف النهار وهو في أرض له، وروي أن الله تعالى قال لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما مشى معهم قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله أنها لشرّ قرية في الأرض عملاً، يقول ذلك أربع مرات، فدخلوا معه ولم يعلم بذلك أحد فخرجت إمرأته فأخبرت بهم قومها {وجاءه قومه يهرعون إليه} يسرعون اليه {ومن قبل كانوا يعملون السيئات} ومن قبل ذلك الوقت كانوا يعملون الفواحش ويكثرونها {قال يا قوم هؤلاء بناتي} أراد أن يقي أضيافه ببناته وذلك غاية الكرم، وأراد هؤلاء بناتي فتزوجوهن، وكان تزويج المسلمات من الكفار جائز كما زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ابنته من أبي العاص بن الربيع وهو مشرك، وقيل: كان لهم سيّدان مطاوعان فأراد أن يزوجهما ابنته {هنَّ أطهر لكم} من معاصي الله تعالى {فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي} أي لا تفضحوني، وقيل: لا تذلوني ولا تهينوني {أليس منكم رجل رشيد} يهتدي إلى سبيل الحق {قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق} لسنا بأزواج لهنَّ، وقيل: ما لنا في بناتك من حاجة {وإنك لتعلم ما نريد} من إتيان الرجال فلما لم يقبلوا الوعظ أخذ لوط (عليه السلام) يتأسف و{قال لو أن لي بكم قوة} وقدرة على دفعكم {أو آوي إلى ركن شديد} ارجع إلى عشيرة أتمكن بهم من النهي عن المنكر، وقيل: أراد قوة في نفسه، والآية تدل على عظم معصيتهم بإتيان الذكور وهي كبيرة عظيمة، واختلفوا قيل: فيه من الحدّ ما في الزنا، ومنهم من قال: يقتل، وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "حديث : رحم الله أخي لوطاً قد كان يأوي إلى ركن شديد وكان له قوة بالله" تفسير : ثم بيَّن تعالى أن الملائكة لما رأوا ما فيه من الوجع والتأسف وما فيه قوة فقال سبحانه: {قالوا يا لوط انا رسل ربك} أرسلنا لإهلاكهم {لن يصلوا إليك} وهو يناظرهم ويناشدهم من وراء الباب، فقالت الملائكة: يا لوط افتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا، فاستأذن جبريل ربه في عقوبتهم فأذن له، فقام في الصورة التي يكون يها فنشر جناحه وله جناحان وعليه وشاح من در منظوم فضرب بجناحه وجوههم فطمس عيونهم فأعماهم كما قال الله تعالى: {أية : فطمسنا أعينهم} تفسير : [القمر: 37] فخرجوا وهم يقولون النجاء النجاء فإن في بيت لوط قوم سحرة {فأسر بأهلك}، قيل: كان لوط وابنتيه {بقطع من الليل}، قيل: بطائفة، وقيل: نصف الليل {ولا يلتفت منكم أحدٌ} قيل: لا ينظر، وقيل: لا يلتفت منكم أحد إلى ماله وأهله {إلا امرأتك} روي أنه أمر أن يخليها مع قومها، وروي أنه أخرجها معهم وأمر أن لا يلتفت منكم أحدٌ إلاَّ هي، فلما سمعت هدّة العذاب التفتت فقالت: يا قوماه فأدركها حجر فقتلها، وروي أن لوطاً قال لجبريل (عليه السلام): عجل هلاكهم، قال: {إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب} {فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها} جعل جبريل جناحه في أسفلها ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة ثم قلبها واتبعوا الحجارة من فوقهم {من سجيل}، قيل: من جهنم، وقيل: من الطين {منضود} يتتابع {مسوَّمة}، قيل: مكتوب على كل حجر إسم من يرمي به، وقيل: مرسلة.

اطفيش

تفسير : {ولَقَد جَاءتْ رُسُلنا} ثلاثة من الملائكة عند ابن عباس، وعطاء: جبريل وميكائيل، وإسرافيل، واختاره بعض لأنه أقل الجمع، ويرده أن احتمال الأكثر باق، وقال الضحاك: تسعة، وقال مقاتل: اثنا عشر، وقال محمد بن كعب: ثمانية أحدهم جبريل، وقال السدى: أحد عشر، وهم بصور غلمان حسان الوجوه. {إبْراهِيمَ بالبُشْرى} بشارة الولد، وقيل: بشارة بإهلاك قوم لوط، واختبر الأول {قالُوا سَلاماً} سلمنا، أو نسلم عليك سلاما، فهو مفعول مطلق، والمراد الإنشاء، ويجوز أن يكون مفعولا به، أى ذكروا سلاما، والجملة جواب سؤال، كأنه قيل: ماذا قالوا؟ فقال: قالوا سلاما. {قالَ} إبراهيم جواب لسؤال، كأنه قيل: فماذا قال إبراهيم بعد سلامه؟ فقال: قال {سَلامٌ} مبتدأ محذوف لخبر، أى عليكم سلام، أو خبر لمحذوف، أى جوابى سلام، أو أمرى سلام، أو أمركم سلام، وفى هذا ضعف، ووجد جوازه إذ رد السلام عليهم أمر من أمورهم، إذ كان متعلقا بهم، وقرأ حمزة والكسائى هنا، وفى الذاريات: {قالوا سلاما قال سلام} بكسر السينين وإسكان اللامين، والمعنى إيتاء السلام، كحرم وحرام، أو المراد ضد الحرب، والأصل واحد، فإن فى ضدها سلامة، وعلى كل قراءة وجواب إبراهيم أفضل من جوابهم، إذ أتى بالجملة الاسمية، فذلك من كرمه. {فما لَبِثَ} ما أبطأ أو ما تأخر، وفاعله ضمير إبراهيم {أنْ جَاءَ} أى بأن جاء، أو فى أن جاء، أو عن أن جاء، وسواء فى ذلك أول مصدر منصوب على حذف الخافض، أو مجرور على تقديره، ويجوز كونه فاعلا أى ما أبطأ مجيئه، أو ما تأخر مجيئه {بعجْلٍ} ولد البقرة، وكان عامة ماله البقر {حَنيذٍ} أى محنوذ بمعنى مشوى على الرضف، وهى الحجارة المحماة، كما يفعل أهل البدو، أو قيل: هو المغطى بحجارة أو رمل محمى، أو حائل بينه وبين النار يغطى به، والمعرض الذى يصفف على الجمر ويسمى الصفيف، والمصهب الذى بينه وبين النار حائل، يكون للحلم عليه لا مدفونا به، وقيل: اللحم الضعيف الشى، والشواء يعم ذلك، ويعم المشوى بالنار الموقد بلا حائل، والمطهو المشوى أو المطبوخ، والقدير المطبوخ فى القدر. وقيل: الحنيذ الذى يقطر ودكه، من حنذت الغرس إذا ألقيت عليه جلا على جل ليتصبب عرقا، كما يدل عليه قوله: {أية : بعجل سمين}. تفسير : قال فى عرائس القرآن: مكث إبراهيم خمسة عشر يوما لم يأته ضيف، وشق ذلك [عليه] وكان يحب الضيف، ولا يأكل إلا معه، ولما أتوه على صور الرجال فرح بهم، لم ير ضيفا مثلهم حسنا وجمالا فقال: لا يخدمن هؤلاء إلا أنا، فخرج فأمر بعجل سمين يذبح فذبحه وعجله إليهم انتهى بتصرف.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءَتْ} لم يقل وإِلى إِبراهيم كما فى نظائِره ولأَن الملائِكة للشر لا للرسالة، وإِنما أُرسلوا إِلى قوم لوط كما قال: إِنا أُرسلنا إِلى قوم لوط {رُسُلُنَا إِبْرَاهِيم} ثلاثة عشر ملكا رئِيسهم جبريل، وهو منهم على صورة الغلمان فى غاية الحسن، وقيل تسعة أَحدهم جبريل، وقيل ثلاثة جبريل وميكائِيل وإِسرافيل، وقيل وعزرائِيل فهم أَربعة، وقيل ثمانية أَحدهم جبريل، وقيل أَحد عشر أَحدهم جبريل، وفى جميع الأَقوال هم على صورة الغلمان الذين فى غاية الحسن، وعاش إِبراهيم مائة وخمساً وسبعين سنة، وبينه وبين نوح أَلف سنة وستمائَة سنة وأَربعون سنة، وإِسحاق مائَة وثمانين سنة، ويعقوب مائَة وخمسا وأَربعين سنة، ورجحوا فى عدد الرسل المرسلين إِلى إِبراهيم من الملائِكة أَنهم ثلاثة، وهو قول ابن عباس، لأَن أَقل الجمع ثلاثة، وهى مقطوع بها، وما فوقها محتمل وإِطلاقه على أَقل مجاز يحتاج إِلى قرينة، ورجح بعض عشرة على أَنها أَول جموع الكثرة وبعضهم أَحد عشر على أَن العشرة أَكثر جمع القلة، وبعض تسعة على أَنها أَول جمع الكثرة، وبعض ثمانية كذلك والرسل جمع كثرة {بِالْبُشْرَى} بالتبشير بإِسحاق من صلبه ويعقوب من صلب إِسحاق كما قال: وبشرناها بإِسحاق، وبشرناه بغلام حليم، وقال ومن وراءِ إِسحاق يعقوب، وقال: ويعقوب نافلة، وقيل بهلاك قوم لوط، وهلاك العدو من أَعظم ما يكون التبشير به ولا سيما عدو الدين، واعترض بقوله تعالى: {أية : يجادلنا فى قوم لوط} تفسير : [هود: 74]، وقيل بعدم لحوق الضرر به، ولما ذهب عن إِبراهيم الروع، وجاءَته البشرى، وقيل البشارة الأُولى من ميكائِيل والثانية من إِسرافين عليهما السلام {قَالُوا سَلاَماً} سلمنا عليك سلاما أَى تسليما، والجملة إِنشائِية أَو هو مفعول قالوا، أَى ذكروا سلاما بلفظ السلام عليك أَو سلام عليك فيكون فى قولهم بالجملة الاسمية كما فى جواب إِبراهيم، أَو بلفظ سلمنا سلاما، أَو بحذف سلمنا فيكون دون سلام إِبراهيم لأَنه بالفعلية والأَولى أَن لا يكون دونه {قَالَ سَلاَمٌ} أَى عليكم سلام، أَو سلام عليكم، أَو أَمرى سلام، أَو جوابى سلام {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ} أَى ما تأَخر عن أَن جاءَ أَو فى أَن جاءَ أَو بأَن جاءَ أَى ما قام غير جاءَ وذلك مبالغة فى السرعة، وإِلا فلا بد من الاشتغال بعد مجيئِهم بذبح العجل وشيه أَو طبخه اللهم إِلا إِن هيىءَ قبل لحاجة لشدة رغبته فى الإِضافة وليوافق جائِعا، ولشدة كرمه، ويناسبه فراغ إِلى أَهله فجاءَ بعجل سمين بفاءِ الاتصال، وقد يقال التجدد للضيف أَشد إِعظاماً له وأَزيد فى الاعتناءِ به، واختاره بعض المحققين وأَنا أَختار الأَول، لأَن الإِفراح بالطعام مطرد وليس كل مضاف يعرف أَن فى التأْخير للتجدد اعتناءً به وليس يعرف أَن التأْخير للتجدد، نعم الطعام الجديد أَحلى ببقاءِ بعض حرارته، ويجوز أَن يفسر لبث بأَبطأَ وفاعل لبث ضمير إِبراهيم، ويجوز أَن يكون أَن جاءَ أَى ما أَبطأَ أَو ما تأَخر مجيئُه بعجل ولا حاجة إِلى جعل ما مبتدأٌ أَو مصدرية، والمصدر مبتدأٌ والخبر أَن جاءَ على حذف مضاف، أَى فلبثه قدر مجيئه بالعجل أَو اللبث الذى لبثه قدر مجيئه لما فى ذلك من التكلف {حَنِيذٍ} مشوى فى حجارة محماة أَو مطبوخ، والأَول أَولى أَو يقطر دسمه بعد شيِّه أَو طبخه، يقال حنذت الفرس إِذا أَلقيت عليه ما يعرف به كالجل، وكان عامة ماشية إِبراهيم البقر فيما قيل والمشهور الغنم، قيل: مكث عليه السلام خمسة عشر يوما لم يأْكل مع الضيف إِذ لم يجده، ولما جاءَه الملائِكة ظنهم أَضيافا، فعجل إِليهم فرحا، وكان لا يأْكل إِلا مع الضيف ما وجده، وفى مجيئِه مع أَنه يكفى بعضه سنة تقديم أَكثر مما يأْكل الضيف بكثير لينبسط فى الأَكل ولا يستحى، ويسن للمضيف النظر إِليه مسارقة ليقول لهم بالأَصلح لا مواجهة لئَلا يستحيوا.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ جآءتْ رُسُلُنَا إِبْرٰهِيمَ} وهم الملائكة؛ روي عن ابن عباس أنهم كانوا اثني عشر ملكاً. وقال السدي: أحد عشر على صورة الغلمان في غاية الحسن والبهجة، وحكى صاحب "الفينان" أنهم عشرة منهم جبريل، وقال الضحاك: تسعة، وقال محمد بن كعب: ثمانية، وحكى الماوردي أنهم أربعة ولم يسمهم. وجاء في رواية عن عثمان بن محيصن أنهم جبريل وإسرافيل وميكائيل ورفائيل عليهم السلام، وفي رواية عن ابن عباس وابن جبير أنهم ثلاثة الأولون فقط، وقال مقاتل: جبرائيل وميكائيل وملك الموت عليهم السلام، واختار بعضهم الاقتصار على القول بأنهم ثلاثة لأن ذلك أقل ما يدل عليه الجمع وليس هناك ما يعول عليه في الزائد وإنما أسند إليهم المجىء دون الإرسال لأنهم لم يكونوا مرسلين إليه عليه السلام بل إلى قوم لوط لقوله تعالى: {أية : إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ }تفسير : [هود: 70] وإنما جاءوه لداعية البشرى، قيل: ولما كان المقصود في السورة الكريمة ذكر صنيع الأمم السالفة مع الرسل المرسلة إليهم ولحوق العذاب بهم ولم يكن جميع قوم إبراهيم عليه السلام من لحق بهم العذاب بل إنما لحق بقوم لوط منهم خاصة غير الأسلوب المطرد فيما سبق من قوله تعالى: {أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخُاهُمْ هُودًا}تفسير : [هود:50 ] {أية : وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخُاهُمْ صَـٰلِحاً } تفسير : [هود: 61] ثم رجع إليه حيث قيل: {أية : وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً}تفسير : [هود: 84]. والباء في قوله تعالى: {بِٱلْبُشْرَىٰ} للملابسة أي ملتبسين بالبشرى، والمراد بها قيل: مطلق البشارة المنتظمة بالبشارة بالولد من سارة لقوله تعالى: {أية : فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ }تفسير : [هود: 71] الآية، وقوله سبحانه: {أية : فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ } تفسير : [الصافات: 101] إلى غير ذلك، وللبشارة بعدم لحوق الضرر به لقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ }تفسير : [هود: 74] لظهور تفرع المجادلة على مجيئها، وكانت البشارة الأولى على ما قيل: من ميكائيل والثانية من إسرافيل عليهما السلام، وقيل: المراد بها البشارة بهلاك قوم لوط عليه السلام فإن هلاك الظلمة من أجل ما يبشر به المؤمن. واعترض بأنه يأباه مجادلته عليه السلام في شأنهم، واستظهر الزمخشري أنها البشارة بالولد وهي المرادة بالبشرى فيما سيأتي، وسر تفرع المجادلة عليها سيذكر إن شاء الله تعالى، وعلل في «الكشف» استظهار ذلك بقوله: لأنه الأنسب بالإطلاق، ولقوله سبحانه في الذاريات [28]: {أية : وَبَشَّرُوهُ بِغُلَـٰمٍ عَلَيمٍ}تفسير : ثم قال بعده: {أية : فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ}تفسير : [الذاريات: 31] ثم قال: وقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرٰهِيمَ}تفسير : [هود: 74] الخ، وإن كان يحتمل أن ثمة بشارتين فيحمل في كل موضع على واحدة لكنه خلاف الظاهر انتهى. ولما كان الإخبار بمجيء الرسل عليهم السلام مظنة لسؤال السامع بأنهم ما قالوا أجيب بأنهم {قَالُواْ سَلَـٰماً} أي سلمنا أو نسلم عليك سلاماً فهو منصوب بفعل محذوف، والجملة مقول القول قال ابن عطية: ((ويصح أن يكون مفعول {قَالُواْ} على أنه حكاية لمعنى ما قالوا لا حكاية للفظهم. وروي ذلك عن مجاهد والسدي، ولذلك عمل فيه القول، وهذا كما تقول لرجل قال: لا إله إلا الله: قلت حقاً وإخلاصاً)) وقيل: إن النصب بقالوا لما فيه من معنى الذكر كأنه قيل: ذكروا سلاماً {قَالَ سَلَـٰمٌ} أي عليكم سلام / أو سلام عليكم، والابتداء بنكرة مثله سائغ كما قرر في النحو، وقد حياهم عليه السلام بأحسن من تحيتهم لأنها بجملة اسمية دالة على الدوام والثبات فهي أبلغ، وأصل معنى السلام السلامة مما يضر. وقرأ حمزة والكسائي (سلم) في الثاني بدون ألف مع كسر السين وسكون اللام وهو على ما قيل: لغة في {سَلَـٰمٌ} كحرم وحرام، ومنه قوله: شعر : مررنا فقلنا: إيه (سلم) فسلمت كما اكتل بالبرق الغمام اللوائح تفسير : وقال ابن عطية: ((ويحتمل أن يراد بالسلم ضد الحرب))، ووجه بأنهم لما امتنعوا من تناول طعامه وخاف منهم قاله أي أنا مسالم لا محارب لأنهم كانوا لا يأكلون طعام من بينهم وبينه حرب، واعترض بأنه يدل على أن قوله هذا بعد تقديم الطعام وقوله سبحانه: {فَمَا لَبِثَ} الخ صريح في خلافه. وذكر في «الكشاف» أن حمزة والكسائي قرءا بكسر السين وسكون اللام في الموضعين وهو مخالف للمنقول في كتب القراءات، وقرأ ابن أبـي عبلة ـ قال سلاماً ـ بالنصب كالأول، وعنه أنه قرأ بالرفع فيهما. {فَمَا لَبِثَ} أي فما أبطأ إبراهيم عليه السلام {أَن جَآء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} أي في مجيئه به أو عن مجيئه به فما نافية، وضمير {لَبِثَ} لإبراهيم، و {أَن جَآء} بتقدير حرف جر متعلق بالفعل وحذف الجار قبل أن وأن مطرد، وحكى ابن العربـي أن {أن} بمعنى حتى، وقيل: {أن} وما بعدها فاعل {لَبِثَ} أي فما تأخر مجيئه، وروي ذلك عن الفراء، واختاره أبو حيان وقيل: ما مصدرية والمصدر مبتدأ أو هي اسم موصول بمعنى الذي كذلك، و {أَن جَآء} على حذف مضاف أي قدر وهو الخبر أي فلبثه أو الذي لبثه قدر مجيئه وليس بشيء. والعجل ولد البقرة، ويسمى الحسيل والخبش بلغة أهل السراة، والباء فيه للتعدية أو الملابسة، والحنيذ السمين الذي يقطر ودكه من حنذت الفرس إذا عرقته بالجلال كأنه ودكه كالجلال عليه، أو كأن ما يسيل منه عرق الدابة المجللة للعرق، واقتصر السدي على السمين في تفسيره لقوله تعالى: {أية : بِعِجْلٍ سَمِينٍ }تفسير : ،[الذاريات: 26] وقيل: هو المشوي بالرضف في أخدود، وجاء ذلك في رواية عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وفي رواية عن مجاهد تفسيره بالمطبوخ، وإنما جاء عليه السلام بالعجل لأن ماله كان البقر وهو أطيب ما فيها، وكان من دأبه عليه السلام إكرام الضيف، ولذا عجل القِرى، وذلك من أدب الضيافة لما فيه من الاعتناء بشأن الضيف، وفي مجيئه بالعجل كله مع أنهم بحسب الظاهر يكفيهم بعضه دليل على أنه من الأدب أن يحضر للضيف أكثر مما يأكل. واختلف في هذا العجل هل كان مهيئاً قبل مجيئهم أو أنه هيىء بعد أن جاؤوا؟ قولان اختار أبو حيان أولهما لدلالة السرعة بالإتيان به على ذلك، ويختار الفقير ثانيهما لأنه أزيد في العناية وأبلغ في الإكرام، وليست السرعة نصاً في الأول كما لا يخفى.

سيد قطب

تفسير : يلم السياق في مروره التاريخي بالمستخلفين من عهد نوح، وبالأمم التي بوركت والأمم التي كتب عليها العذاب.. يلم بطرف من قصة إبراهيم، تتحقق فيه البركات، في الطريق إلى قصة قوم لوط الذين مسهم العذاب الأليم. وفي قصتي إبراهيم ولوط هنا يتحقق وعد الله بطرفيه لنوح: {أية : قيل: يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك. وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم}..تفسير : وقد كانت البركات في إبراهيم وعقبه من ولديه: إسحاق وأبنائه أنبياء بني إسرائيل. وإسماعيل ومن نسله خاتم الأنبياء المرسلين. {ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى}.. ولا يفصح السياق عن هذه البشرى إلا في موعدها المناسب بحضور امرأة إبراهيم! والرسل: الملائكة. وهم هنا مجهولون، فلا ندخل ـ مع المفسرين ـ في تعريفهم وتحديد من هم بلا دليل. {قالوا: سلاماً. قال: سلام}.. وكان ابراهيم قد هاجر من أرض الكلدانيين مسقط رأسه في العراق، وعبر الأردن، وسكن في أرض كنعان في البادية ـ وعلى عادة البدو في إكرام الأضياف راح إبراهيم يحضر لهم الطعام وقد ظنهم ضيوفاً ـ: {فما لبث إن جاء بعجل حنيذ}.. أي سمين مشوي على حجارة الرضف المحماة. ولكن الملائكة لا ياكون طعام أهل الأرض: {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه}.. أي لا تمتد إليه. {نكرهم وأوجس منهم خيفة}.. فالذي لا يأكل الطعام يريب، ويشعر بأنه ينوي خيانة أو غدراً بحسب تقاليد أهل البدو.. وأهل الريف عندنا يتحرجون من خيانة الطعام، أي من خيانة من أكلوا معه طعاماً! فإذا امتنعوا عن طعام أحد فمعنى هذا أنهم ينوون به شراً، أو أنهم لا يثقون في نياته لهم.. وعند هذا كشفوا له عن حقيقتهم: {قالوا: لا تخف، إنا أرسلنا إلى قوم لوط}.. وإبراهيم يدرك ما وراء إرسال الملائكة إلى قوم لوط! ولكن حدث في هذه اللحظة ما غير مجرى الحديث: {وامرأته قائمة فضحكت}.. وربما كان ضحكها ابتهاجاً بهلاك القوم الملوثين: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب}.. وكانت عقيماً لم تلد وقد أصبحت عجوزاً. ففاجأتها البشرى بإسحاق. وهي بشرى مضاعفة بأن سيكون لإسحاق عقب من بعده هو يعقوب. والمرأة ـ وبخاصة العقيم ـ يهتز كيانها كله لمثل هذه البشرى، والمفاجأة بها تهزها وتربكها: {قالت: يا ويلتا! أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً؟ إن هذا لشيء عجيب}.. وهو عجيب حقاً. فالمرأة ينقطع طمثها عادة في سن معينة فلا تحمل. ولكن لا شيء بالقياس إلى قدرة الله عجيب: {قالوا: أتعجبين من أمر الله؟ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت. إنه حميد مجيد}.. ولا عجب من أمر الله. فالعادة حين تجري بأمر لا يكون معنى هذا أنها سنة لا تتبدل. وعندما يشاء الله لحكمة يريدها ـ وهي هنا رحمته بأهل هذا البيت وبركاته الموعودة للمؤمنين فيه ـ يقع ما يخالف العادة، مع وقوعه وفق السنة الإلهية التي لا نعلم حدودها، ولا نحكم عليها بما تجري به العادة في أمد هوعلى كل حال محدود، ونحن لا نستقرئ جميع الحوادث في الوجود. والذين يقيدون مشيئة الله بما يعرفونه هم من نواميسه لا يعرفون حقيقة الألوهية كما يقررها الله سبحانه في كتابه ـ وقوله الفصل وليس للعقل البشري قول في ذلك القول ـ وحتى الذين يقيدون مشيئة الله بما يقرر الله ـ سبحانه ـ أنه ناموسه ـ لا يدركون حقيقة الألوهية كذلك! فمشيئة الله سبحانه طليقة وراء ما قرره الله سبحانه من نواميس. ولا تتقيد هذه المشيئة بالنواميس. نعم إن الله يجري هذا الكون وفق النواميس التي قدرها له.. ولكن هذا شيء والقول بتقيد إرادته بهذه النواميس بعد وجودها شيء آخر! إن الناموس يجري وينفذ بقدر من الله في كل مرة ينفذ فيها. فهو لا يجري ولا ينفذ آلياً. فإذا قدر الله في مرة أن يجري الناموس بصورة أخرى غير التي جرى بها في مرات سابقة كان ما قدره الله ولم يقف الناموس في وجه القدر الجديد.. ذلك أن الناموس الذي تندرج تحته كل النواميس هو طلاقة المشيئة بلا قيد على الإطلاق، وتحقق الناموس في كل مرة يتحقق فيها بقدر خاص طليق. وإلى هنا كان إبراهيم ـ عليه السلام ـ قد اطمأن إلى رسل ربه، وسكن قلبه بالبشرى التي حملوها إليه. ولكن هذا لم ينسه لوطاً وقومه ـ وهو ابن أخيه النازح معه من مسقط رأسه والساكن قريباً منه ـ وما ينتظرهم من وراء إرسال الملائكة من هلاك واستئصال. وطبيعة إبراهيم الرحيمة الودود لا تجعله يطيق هلاك القوم واستئصالهم جميعاً: {فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجآءته البشرى يجادلنا في قوم لوط. إن أبراهيم لحليم أواه منيب}. والحليم الذي يحتمل أسباب الغضب فيصبر ويتأنى ولا يثور. والأوّاه الذي يتضرع في الدعاء من التقوى. والمنيب الذي يعود سريعاً إلى ربه.. وهذه الصفات كلها قد دعت إبراهيم أن يجادل الملائكة في مصير قوم لوط وإن كنا لا نعلم كيف كان هذا الجدال لأن النص القرآني لم يفصله، فجاءه الرد بأن أمر الله فيهم قد قضي وأنه لم يعد للجدال مجال: {يا أبراهيم أعرض عن هذا، إنه قد جاء أمر ربك، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود}.. ويسكت السياق. وقد سكت ـ ولا شك ـ إبراهيم.. ويسدل الستار على مشهد إبراهيم وزوجه ليرفع هناك على مشهد حافل بالحركة والانفعال مع لوط. وقوم لوط في مدن الأردن: عمورية وسدوم. {ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً، وقال: هذا يوم عصيب!}. لقد كان يعرف قومه. ويعرف ما أصاب فطرتهم من انحراف وشذوذ عجيبين. إذ يتركون النساء إلى الرجال، مخالفين الفطرة التي تهتدي إلى حكمة خلق الأحياء جميعاً أزواجاً، كي تمتد الحياة بالنسل ما شاء لها الله. والتي تجد اللذة الحقيقية في تلبية نداء الحكمة الأزلية، لا عن تفكير وتدبير، ولكن عن اهتداء واستقامة. والبشرية تعرف حالات مرضية فردية شاذة، ولكن ظاهرة قوم لوط عجيبة. وهي تشير إلى أن المرض النفسي يعدي كالمرض الجسدي. وأنه يمكن أن يروج مرض نفسي كهذا نتيجة لاختلال المقاييس في بيئة من البيئات، وانتشار المثل السيئ، عن طريق إيحاء البيئة المريضة. على الرغم من مصادمته للفطرة، التي يحكمها الناموس الذي يحكم الحياة. الناموس الذي يقتضي أن تجد لذتها فيما يلبي حاجة الحياة لا فيما يصادمها ويعدمها. والشذوذ الجنسي يصادم الحياة ويعدمها، لأنه يذهب ببذور الحياة في تربة خبيثة لم تعد لاستقبالها وإحيائها. بدلاً من الذهاب بها إلى التربة المستعدة لتلقيها وإنمائها. ومن أجل هذا تنفر الفطرة السليمة نفوراً فطرياً ـ لا أخلاقياً فحسب ـ من عمل قوم لوط. لأن هذه الفطرة محكومة بقانون الله في الحياة. الذي يجعل اللذة الطبيعية السليمة فيما يساعد على إنماء الحياة لا فيما يصدمها ويعطلها. ولقد نجد أحياناً لذة في الموت ـ في سبيل غاية أسمى من الحياة الدنيا ـ ولكنها ليست لذة حسية إنما هي معنوية اعتبارية. على أن هذه ليست مصادفة للحياة، إنما هي إنماء لها وارتفاع بها من طريق آخر. وليست في شيء من ذلك العمل الشاذ الذي يعدم الحياة وخلاياها.. سيئ لوط بأضيافه. وهو يعلم ما ينتظرهم من قومه، ويدرك الفضيحة التي ستناله في أضيافه: {وقال: هذا يوم عصيب}! وبدأ اليوم العصيب! {وجاءه قومه يهرعون إليه}.. أي يسرعون في حالة تشبه الحمى. {ومن قبل كانوا يعملون السيئات}.. وكان هذا ما ساء الرجل بضيوفه، وما ضيق بهم ذرعه، وما دعاه إلى توقع يوم عصيب! ورأى لوط ما يشبه الحمى في أجساد قومه المندفعين إلى داره، يهددونه في ضيفه وكرامته. فحاول أن يوقظ فيهم الفطرة السليمة، ويوجههم إلى الجنس الآخر الذي خلقه الله للرجال، وعنده منه في داره بناته، فهن حاضرات، حاضرات اللحظة إذا شاء الرجال المحمومون تم الزواج على الفور، وسكنت الفورة المحمومة والشهوة المجنونة! {قال: يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم. فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي. أليس منكم رجل رشيد؟}.. {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم}.. أطهر بكل معاني الطهر. النفسي والحسي. فهن يلبين الفطرة النظيفة، ويثرن مشاعر كذلك نظيفة. نظافة فطرية ونظافة أخلاقية ودينية. ثم هن أطهر حسياً. حيث أعدت القدرة الخالقة للحياة الناشئة مكمناً كذلك طاهراً نظيفاً. {فاتقوا الله}.. قالها يلمس نفوسهم من هذا الجانب بعد ان لمسها من ناحية الفطرة. {ولا تخزون في ضيفي}.. قالها كذلك يلمس نخوتهم وتقاليد البدو في إكرام الضيف إطلاقاً. {أليس منكم رجل رشيد؟}.. فالقضية قضية رشد وسفه إلى جوار أنها قضية فطرة ودين ومروءة.. ولكن هذا كله لم يلمس الفطرة المنحرفة المريضة، ولا القلوب الميتة الآسنة، ولا العقول المريضة المأفونة. وظلت الفورة المريضة الشاذة في اندفاعها المحموم: {قالوا: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق. وإنك لتعلم ما نريد!}.. لقد علمت لو أردنا بناتك لتزوجناهن. فهذا حقنا.. {وإنك لتعلم ما نريد}.. وهي إشارة خبيثة إلى العمل الخبيث. وأسقط في يد لوط، وأحس ضعفه وهو غريب بين القوم، نازح إليهم من بعيد، لا عشيرة له تحميه، وليس له من قوة في هذا اليوم العصيب؛ وانفرجت شفتاه عن كلمة حزينة أليمة: {قال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد!}.. قالها وهو يوجه كلامه إلى هؤلاء الفتية ـ الذين جاء الملائكة في صورتهم ـ وهم صغار صباح الوجوه؛ ولكنهم ـ في نظره ـ ليسوا بأهل بأس ولا قوة. فالتفت إليهم يتمنى أن لو كانوا أهل قوة فيجد بهم قوة. أو لو كان له ركن شديد يحتمي به من ذلك التهديد! وغاب عن لوط في كربته وشدته أنه يأوي إلى ركن شديد. ركن الله الذي لا يتخلى عن أوليائه. كما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يتلو هذه الآية: "حديث : رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد "! تفسير : وعندما ضاقت واستحكمت حلقاتها، وبلغ الكرب أشده.. كشف الرسل للوط عن الركن الشديد الذي يأوي إليه: {قالوا: يا لوط، إنا رسل ربك، لن يصلوا إليك}.. وأنبأوه نبأهم، لينجو مع أهل بيته الطاهرين، إلا امرأته فإنها كانت من القوم الفاسدين: {فأسر بأهلك بقطع من الليل، ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك. إنه مصيبها ما أصابهم، إن موعدهم الصبح. أليس الصبح بقريب؟}.. والسرى: سير الليل، والقطع من الليل: بعضه، ولا يلتفت منكم أحد. أي لا يتخلف ولا يعوق. لأن الصبح موعدهم مع الهلاك. فكل من بقي في المدينة فهو هالك مع الهالكين. {أليس الصبح بقريب؟}.. سؤال لإنعاش نفس لوط بعد ما ذاق. لتقريب الموعد وتأكيده. فهو قريب. مع مطلع الصباح. ثم يفعل الله بالقوم ـ بقوته ـ ما لم تكن قوة لوط التي تمناها فاعله! والمشهد الأخير. مشهد الدمار المروع، اللائق بقوم لوط: {فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها، وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود. مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد}.. فلما جاء موعد تنفيذ الأمر {جعلنا عاليها سافلها}.. وهي صورة للتدمير الكامل الذي يقلب كل شيء ويغير المعالم ويمحوها. وهذا القلب وجعل عاليها سافلها أشبه شيء بتلك الفطرة المقلوبة الهابطة المرتكسة من قمة الإنسان إلى درك الحيوان. بل أحط من الحيوان، فالحيوان واقف ملتزم عند حدود فطرة الحيوان.. {وأمطرنا عليها حجارة من سجيل}.. حجارة ملوثة بالطين.. وهي كذلك مناسبة وعلى قدر المقام: {منضود}.. متراكم بعضه يلاحق بعضاً. هذه الحجارة.. {مسوّمة عند ربك}.. كما تسوم الماشية أي تربى وتطلق بكثرة. فكأنما هذه الحجارة مرباة! ومطلقة لتنمو وتتكاثر! لوقت الحاجة.. وهو تصوير عجيب يلقي ظله في الحس، ولا يفصح عنه التفسير، كما يفصح عنه هذا الظل الذي يلقيه.. {وما هي من الظالمين ببعيد}.. فهي قريبة وتحت الطلب، وعند الحاجة تطلق فتصيب! والصورة التي يرسمها السياق هنا لهذه النازلة التي أصابت قوم لوط هي أشبه شيء ببعض الظواهر البركانية التي تخسف فيها الأرض فتبتلع ما فوقها ويصاحب هذا حمم وحجارة ووحل.. وعند ربك للظالمين كثير!!! ولا نقول هذا الكلام لنقول: إنه كان بركان من تلك البراكين، ثار في ذلك الوقت، فوقع ما وقع. إننا لا ننفي هذا. فقد يكون هو الذي وقع فعلاً. ولكننا لا نجزم به كذلك ولا نقيد قدر الله بظاهرة واحدة مألوفة.. وقوام القول في هذه القضية وأمثالها أنه جائز أن يكون في تقدير الله وقوع انفجار بركاني في موعده في هذا الموعد ليحقق قدر الله في قوم لوط كما قدر في علمه القديم. وهذا التوقيت والتوافق شأن من شؤون ألوهيته سبحانه وربوبيته للكون وتصريفه لكل ما يجري فيه متناسقاً مع قدره بكل شيء و بكل حي فيه. وجائز كذلك أن تكون هذه الظاهرة وقعت بقدر خاص تعلقت به مشيئة الله سبحانه لإهلاك قوم لوط على هذه الصورة التي تم بها في ذلك الحين. وفهم علاقة مشية الله بالكون على النحو الذي بيناه قريباً في التعليق على حادثة امرأة إبراهيم، لا يبقي مجالاً لمشكلة تقوم في التصور الإنساني لمثل هذه الظواهر والأمور..

ابن عاشور

تفسير : عطف قصة على قصة. وتأكيد الخبر بحرف (قد) للاهتمام به كما تقدّم في قوله: {أية : ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه}تفسير : [هود: 25]. والغرض من هذه القصّة هو: الموعظة بمصير قوم لوط إذْ عصوا رسول ربّهم فحلّ بهم العذاب ولم تغن عنهم مجادلة إبراهيم. وقدّمت قصة إبراهيم لذلك وللتنويه بمقامه عند ربّه على وجه الإدماج، ولذلك غيّر أسلوب الحكاية في القصص الّتي قبلها والتي بعدها نحو {أية : وإلى عاد}تفسير : [هود: 50] إلخ. والرّسل: الملائكة. قال تعالى: {أية : جاعل الملائكة رسلاً}تفسير : [فاطر: 1]. والبشرى: اسم. للتبشير والبشارة. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : وبشّر الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحات}تفسير : في أوّل سورة [البقرة: 25]. هذه البشرى هي التي في قوله: فبشّرناها بإسحاق} لأنّ بشارة زوجه بابنٍ بشارة له أيضاً. والباء في {بالبشرى} للمصاحبة لأنّهم جاءوا لأجل البشرى فهي مصاحبة لهم كمصاحبة الرسالة للمرسل بها. وجملة {قالوا سلاماً} في موضع البيان ل-{البشرى}، لأنّ قولهم ذلك مبدأ البشرى، وإنّ ما اعترض بينها حكاية أحوال، وقد انتهى إليها في قوله: {فبشّرناها بإسحاق إلى قوله إنّه حميد مجيد}. والسّلام: التحيّة. وتقدّم في قوله: {أية : وإذا جاءك الّذين يؤمنون بآياتنا فقل سلامٌ عليكم}تفسير : في سورة [الأنعام: 54]. و{سلاماً} مفعول مطلق وقع بَدَلاً من الفعل. والتّقدير: سلّمنا سلاماً. و{سلام} المرفوع مصدر مرفوع على الخبر لمبتدأ محذوف، تقديره: أمري سلام، أي لكم، مثل {أية : فصبرٌ جميلٌ}تفسير : [يوسف: 18]. ورفع المصدر أبلغ من نصبه، لأنّ الرّفع فيه تناسي معنى الفعل فهو أدلّ على الدّوام والثّبات. ولذلك خالف بينهما للدّلالة على أنّ إبراهيم - عليه السّلام - ردّ السّلام بعبارة أحسن من عبارة الرسل زيادة في الإكرام. قال ابن عطيّة: حيّاً الخليل بأحسن ممّا حُيّيَ به، أي نظراً إلى الأدب الإلهي الذي عَلّمَهُ لَنَا في القرآن بقوله: {أية : وإذا حيّيتم بتحيةٍ فَحَيّوا بأحسن منها أو رُدُّوها}تفسير : [النساء: 86]، فَحكيَ ذلك بأوجز لفظ في العربية أداءً لمعنى كلام إبراهيم - عليه السّلام - في الكلدانيّة. وقرأ الجمهور {قال سَلامٌ} - بفتح السّين وبِألِف بعد اللاّم -. وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف: {قال سِلْم} - بكسر السّين وبدون ألِف بعد اللاّم - وهو اسم المسالمة. وسمّيت به التحية كما سمّيت بمرادفِه (سَلام) فهو من باب اتّحاد وزن فَعال وفِعْل في بعض الصفات مثل: حرام وحِرم، وحلال وحلّ. والفاء في قوله: {فما لبث} للدّلالة على التعقيب إسراعاً في إكرام الضّيف، وتعجيل القرى سنّة عربيّة: ظنهم إبراهيم - عليه السّلام - ناساً فبادر إلى قراهم. واللّبث في المكان يقتضي الانتقال عنه، أيْ فما أبطأ. و{أن جاء} يجوز أن يكون فاعل {لَبِثَ}، أي فما لبث مجيئه بعجل حنيذ، أي فما أبطأ مَجيئه مصاحباً له، أي بل عجّل. ويجوز جعل فاعل {لبث} ضمير إبراهيم - عليه السّلام - فيقدّر جارّ لـ{جاء}. والتّقدير: فما لبث بأن جاء به. وانتفاء اللبث مبالغة في العجل. والحنيذ: المشوي، وهو المحنوذ. والشيُّ أسْرَع من الطبخ، فهو أعون على تعجيل إحضار الطعام للضيف. و{لا تصل إليه} أشد في عدم الأخذ من (لا تتناوله). ويقال: نكر الشيء إذا أنكره أي كرهه. وإنّما نكرهم لأنّه حسب أنّ إمساكهم عن الأكل لأجل التبرّؤ من طعامه، وإنّما يكون ذلك في عادة النّاس في ذلك الزّمان إذا كان النّازل بالبيت يضمر شرّاً لمضيّفه، لأنّ أكل طعام القرى كالعهد على السّلامة من الأذى، لأنّ الجزاء على الإحسان بالإحسان مركوز في الفطرة، فإذا انكفّ أحد عن تناول الإحسان فذلك لأنّه لا يريد المسالمة ولا يرضى أن يكون كفوراً للإحسان. ولذلك عقب قوله {نكرهم} بـ {أوجس منهم خيفة}، أي أحسّ في نفسه خيفة منهم وأضمر ذلك. ومصدره الإيجاس. وذلك أنّه خشي أن يكونوا مضمرين شرّاً له، أي حسبهم قطّاعاً، وكانوا ثلاثة وكان إبراهيم - عليه السّلام - وحده. وجملة {قالوا لا تخف} مفصولة عمّا قبلها، لأنّها أشبهت الجواب، لأنّه لمّا أوجس منهم خيفة ظهر أثرها على ملامحه، فكان ظهور أثرها بمنزلة قوله إنّي خفت منكم، ولذلك أجابوا ما في نفسه بقولهم: {لا تَخف}، فحكي ذلك عنهم بالطّريقة الّتي تحكى بها المحاورات، أو هو جواب كلام مقدّر دلّ عليه قوله: {وأوجس منهم خيفة}، أي وقال لهم: إنّي خفت منكم، كما حكي في سورة [الحجر: 52] {أية : قال إنّا منكم وَجِلون}تفسير : . ومن شأن النّاس إذا امتنع أحد من قبول طعامهم أن يقولوا له: لعلّك غادر أو عَدوّ، وقد كانوا يقولون للوافد: أحَرْبٌ أم سِلْمٌ. وقولهم: {إنّا أرسلنا إلى قوم لوط} مكاشفة منهم إيّاه بأنّهم ملائكة. والجملة استئناف مبينة لسبب مجيئهم. والحكمةُ من ذلك كرامة إبراهيم - عليه السّلام - وصدورهم عن علم منه. وحذف متعلّق {أرسلنا} أي بأي شيء، إيجازاً لظهوره من هذه القصّة وغيرها. وعبّر عن الأقوام المراد عذابهم بطريق الإضافة {قوم لوط} إذ لم يكن لأولئك الأقوام اسم يجمعهم ولا يرجعون إلى نسب بل كانوا خليطاً من فصائل عرفوا بأسماء قراهم، وأشهرها سدوم كما تقدّم في الأعراف. وجملة {وامرأته قائمة فضحكت} في موضع الحال من ضمير {أوجس}، لأنّ امرأة إبراهيم - عليه السّلام - كانت حاضرة تقدّم الطّعام إليهم، فإن عادتهم كعادة العرب من بعدهم أنّ ربة المنزل تكون خادمة القوم. وفي الحديث «حديث : والعروس خادمهم»تفسير : . وقال مرّة بن محكان التميمي: شعر : يا ربّة البيت قومي غير صاغرة ضُمّي إليك رجال القوم والغربا تفسير : وقد اختصرت القصة هنا اختصاراً بديعاً لوقوعها في خلال الحوار بين الرسل وإبراهيم - عليهم السّلام -، وحكاية ذلك الحوار اقتضت إتمامه بحكاية قولهم: {لا تخف إنّا أرسلنا إلى قوم لوط}. وأمّا البشرى فقد حصلت قبل أن يخبروه بأنّهم أرسلوا إلى قوم لوط كما في آية سورة [الذاريات: 28] {أية : فأوجس منهم خيفةً قالوا لا تخَف وبشّروه بغلامٍ عليمٍ}. تفسير : فلمّا اقتضى ترتيب المحاورة تقديم جملة {قالوا لا تخف} حكيت قصة البشرى وما تبعها من المحاورة بطريقة الحال، لأنّ الحال تصلح للقبْليّة وللمقارنَة وللبعدية، وهي الحال المقدّرة. وإنّما ضحكت امرأة إبراهيم - عليه السّلام - من تبشير الملائكة إبراهيم - عليه السّلام - بغلام، وكان ضحكها ضحك تعجّب واستبعاد. وقد وقع في التّوراة في الإصحاح الثامن عشر من سفر التكوين «وقالوا له: أين سارة امرأتك؟ فقال: ها هي في الخيمة. فقالوا: يكون لسارة امرأتك ابن، وكانت سارة سامعة في باب الخيمة فضحكت سارة في باطنها قائلة: أفبالحقيقة ألِدُ وأنا قد شِخت؟ فقال الربّ: لماذا ضحكتْ سارة؟ فأنكرت سارة قائلة لم أضحك، لأنّها خافت، قال: لا بل ضحكت». وتفريع {فبشّرناها بإسحاق} على جملة {ضحكت} باعتبار المعطوف وهو {ومن وراء إسحاق يعقوب} لأنّها ما ضحكت إلاّ بعد أن بشّرها الملائكة بابن، فلمّا تعجبت من ذلك بشّروها بابن الابن زيادة في البشرى. والتّعجيب بأن يولد لها ابن ويعيش وتعيش هي حتّى يولد لابنها ابن. وذلك أدخل في العجب لأن شأن أبناء الشيوخ أن يكونوا مهزولين لا يعيشون غالباً إلاّ معلولين، ولا يولد لهم في الأكثر ولأن شأن الشيوخ الذين يولد لهم أن لا يدركوا يفع أولادهم بله أولاد أولادهم. ولما بشّروها بذلك صرحت بتعجبها الذي كتمته بالضحك، فقالت: {يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إنّ هذا لشيءٌ عجيب}، فجملة {قالت} جواب للبشارة. و(يعقوب) مبتدأ {ومن وراء إسحاق} خبر، والجملة على هذا في محلّ الحال. وهذه قراءة الجمهور. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص {يعقوبَ} بفتحة وهو حينئذٍ عطف على {إسحاق}. وفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف وخطبه سهل وإن استعظمه ظاهرية النحاة كأبي حيان بقياس حرف العطف النائب هنا مناب الجار على الجار نفسه، وهو قياس ضعيف إذ كون لفظ بمعنى لفظ لا يقتضي إعطاءه جميع أحكامه كما في «مغني اللبيب». والنداء في {يا ويلتا} استعارة تبعية بتنزيل الويلة منزلة من يعقل حتّى تنادى، كأنها تقول: يا ويلتي احضر هنا فهذا موضعك. والويلة: الحادثة الفظيعة والفضيحة. ولعلّها المرة من الويل. وتستعمل في مقام التعجب، يقال: يا ويلتي. واتّفق القرّاء على قراءة {يا ويلتا} - بفتحة مشبعة في آخره بألف -. والألف التي في آخر {يا ويلتا} هنا يجوز كونها عوضاً عن ياء المتكلم في النداء. والأظهر أنها ألف الاستغاثة الواقعة خلَفاً عن لام الاستغاثة. وأصله: يا لَويلة. وأكثر ما تجيء هذه الألف في التعجّب بلفظ عجب، نحو: يا عجباً، وباسم شيء متعجب منه، نحو: يا عشبا. وكتب في المصحف بإمالة ولم يقرأ بالإمالة، قال الزجاج: كتب بصورة الياء على أصل ياء المتكلم. والاستفهام في {أألد وأنا عجوز} مستعمل في التعجب. وجملة {أنا عجوز} في موضع الحال، وهي مناط التعجب. والبعل: الزوج. وسيأتي بيانه عند تفسير قوله تعالى: {أية : ولا يبدين زينتهن إلاّ لبعولتهن}تفسير : في سورة [النّور: 31]، فانظره. وزادت تقرير التعجب بجملة {إنّ هذا لشيء عجيب} وهي جملة مؤكدة لصيغة التعجب فلذلك فصلت عن التي قبلها لكمال الاتّصال، وكأنّها كانت متردّدة في أنهم ملائكة فلم تطمئنّ لتحقيق بشراهم. وجملة {هذا بعلي} مركبة من مبتدأ وخبر لأنّ المعنى هذا المشار إليه هو بعلي، أي كيف يكون له ولد وهو كما ترى. وانتصب {شيخاً} على الحال من اسم الإشارة مبينة للمقصود من الإشارة. وقرأ ابن مسعود {وهذا بعلي شيخ} - برفع شيخ - على أن (بعلي) بيان من (هذا) و(شيخ) خبر المبتدأ. ومعنى القراءتين واحد. وقد جرت على هذه القراءة النادرة لطيفة وهي: ما أخبرنا شيخنا الأستاذ الجليل سالم بوحاجب أنّ أبا العبّاس المبرّد دُعي عند بعض الأعيان في بغداد إلى مأدبة، فلمّا فرغوا من الطّعام غنّت من وراء الستار جارية لرب المنزل ببيتين: شعر : وقالوا لها هذا حبيبك معرضٌ فقالت: ألاَ إعراضه أهون الخطب فما هي إلاّ نظرة وابتسامة فتصطكّ رجلاه ويسقط للجنب تفسير : فطرب كل من بالمجلس إلاّ أبا العبّاس المبرد فلم يتحرك، فقال له رب المنزل: ما لك لم يطربك هذا؟. فقالت الجارية: مَعذُور يحسبني لحنت في أن قلت: معرضٌ - بالرفع - ولم يعلم أنّ عبد الله بن مسعود قرأ «وهذا بعلي شيخٌ» فطرب المبرد لهذا الجواب. وجواب الملائكة إياها بجملة {أتعجبين من أمر الله} إنكار لتعجبها لأنه تعجّبٌ مراد منه الاستبعاد. و{أمر الله} هو أمر التكوين، أي أتعجبين من قدرة الله على خرق العادات. وجوابهم جار على ثقتهم بأن خبرهم حق منبىء عن أمر الله. وجملة {رحمت الله وبركاته عليكم} تعليل لإنكار تعجبها، لأن الإنكار في قوة النفي، فصار المعنى: لا عجب من أمر الله لأنّ إعطاءك الولد رحمة من الله وبركة، فلا عجب في تعلّق قدرة الله بها وأنتم أهل لتلك الرحمة والبركة فلا عجب في وقوعها عندكم. ووجه تعليل نفي العجب بهذا أن التعجب إمّا أن يكون من صدور هذا من عند الله وإما أن يكون في تخصيص الله به إبراهيم - عليه السّلام - وامرأته فكان قولهم {رحمت الله وبركاته عليكم} مفيداً تعليل انتفاء العجبين. وتعريف {البيت} تعريف حضور، وهو البيت الحاضر بينهم الذي جرى فيه هذا التحاور، أي بيت إبراهيم - عليه السّلام -. والمعنى أهل هذا البيت. والمقصود من النداء التنويه بهم ويجوز كونه اختصاصاً لزيادة بيان المرَاد من ضمير الخطاب. وجملة {إنّه حميد مجيد} تعليل لتوجه رحمته وبركاته إليهم بأنّ الله يحمد من يطيعه، وبأنّه مَجِيدٌ، أي عظيم الشأن لاَ حَدّ لِنِعَمِه فلا يعظم عليه أن يعطيها ولداً، وفي اختيار وصف الحميد من بين الأسماء الحسنى كناية عن رضى الله تعالى على إبراهيم - عليه السّلام - وأهله.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ قَالُواْ سَلاَماً} اآية. لم يبين هنا ما المراد بهذه البشرى التي جاءت بها الرسل الملائكة إبراهيم ولكنه أشار بعد هذا إلى أنها البشارة بإسحاق ويعقوب في قوله: {أية : وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}تفسير : [هود: 71] لأن البشارة بالذرية الطيبة شاملة للأم والأب، كما يدل لذلك قوله: {أية : وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [الصافات: 112]. وقوله: {أية : قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلَيمٍ} تفسير : [الذاريات: 28] وقوله: {أية : قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} تفسير : [الحجر: 53] وقيل: البشرى هي إخبارهم له بأنهم أرسلوا لإهلاك قوم لوط، وعليه فالآيات المبينة لها كقوله هنا في هذه السورة: {أية : قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ} تفسير : [هود: 70] الآية. وقوله:{أية : قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ إِلاَّ آلَ لُوطٍ}تفسير : [الحجر: 58 - 59] الآية. وقوله: {أية : قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ}تفسير : [الذاريات: 32 - 33] وقوله: {أية : وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ} تفسير : [العنكبوت: 31]. والظاهر القول الأول: وهذه الآية الأخيرة تدل عليه لأن فيها التصريح بأن إخبارهم بإهلاك قوم لوط بعد مجيئهم بالبشرى، لأنه مرتب عليه بأداة الشرط التي هي "لما" كما ترى. قوله تعالى. {فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ} الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن إبراهيم لما سلم على رسل الملائكة وكان يظنهم ضيوفاً من الآدميين، أسرع إليهم بالإتيان بالقرى وهو لحم عجل حنيذ - أي منضج بالنار - وأنهم لما لم يأكلوا أوجس منهم خيفة فقالوا لا تخف وأخبروه بخبرهم. وبين في الذاريات: أنه راغ إلى أهله - أي مال إليهم - فجاء بذلك العجل وبين أنه سمين، وأنه قربه إليهم، وعرض عليهم الأكل برفق فقال لهم: {أية : أَلاَ تَأْكُلُونَ} تفسير : [الذاريات: 27] وأنه أوجس منهم خيفة وذلك في قوله: {أية : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} تفسير : [الذاريات: 24 - 28] الآية. تنبيه يؤخذ من قصة إبراهيم مع ضيفه هؤلاء أشياء من آداب الضيافة. منها - تعجيل القرى لقوله {فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}. ومنها - كون القرى من أحسن ما عنده، لأنهم ذكروا أن الذي عنده البقر وأطيبه لحماً الفتى السمين المنضح. ومنها - تقريب الطعام إلى الضيف. ومنها - ملاطفته بالكلام بغاية الرفق، كقوله {أَلاَ تَأْكُلُون}. ومعنى قوله {نكرهم} أي أنكرهم لعدم أكلهم، والعرب تطلق نكر وأنكر بمعنى واحد وقد جمعهما قول الأعشى: شعر : وأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا تفسير : وروي عن يونس: أن أبا عمرو بن العلاء حدثه: أنه صنع هذا البيت وأدخله في شعر الأعشى. والله تعالى أعلم.

الواحدي

تفسير : {ولقد جاءت رسلنا} يعني: الملائكة الذين أتوا {إبراهيم} عليه السَّلام على صورة الأضياف {بالبشرى} بالبشارة بالولد {قالوا سلاماً} أَيْ: سلِّموا سلاماً {قال سلامٌ} أَيْ: عليكم سلامٌ {فما لبث أن جاء بعجل حنيذٍ} مشويٍّ. {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه} إلى العجل {نكرهم} أنكرهم {وأوجس منهم خيفة} أضمر منهم خوفاً، ولم يأمن أن يكونوا جاؤوا لبلاءٍ لمَّا لم يتحرَّموا بطعامه، فلمَّا رأوا علامة الخوف في وجهه {قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط} بالعذاب.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: بالبشرى: أي بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. فما لبث: أي ما أبطأ. بعجل حنيذ: أي مشوي على الحجارة. لا تصل إليه: أي لم يتناولوه فيأكلوا منه. نكرهم: أي لم يعرفهم. وأوجس: أي أحس بالخوف وشعر به. لوط: هو ابن هاران أخي إبراهيم عليه السلام. يا ويلتا: أي يا ويلتي أحضري هذا أوان حضورك. وهذا بعلي شيخا: إشارة إلى إبراهيم إذ هو بعلها أي زوجها. إن هذا لشيء عجيب: أي أمر يتعجب منه استبعاداً له واستغراباً. معنى الآيات: هذه بشارة إبراهيم عليه السلام التي بشره الله تعالى بها إذ قال تعالى {وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ} والمراد بالرسل جبريل وميكائيل وإسرافيل، إذ دخلوا عليه داره فسلموا عليه فرد عليهم السلام وهو معنى قوله تعالى {قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ} وقوله تعالى {فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} أي لم يبطأ حتى جاء بعجل مشوي فحنيذ بمعنى محنوذ وهو المشوي على الحجارة. فقربه إليهم وعرض عليهم الأكل بقوله {أية : أَلاَ تَأْكُلُونَ}تفسير : [الصافات:91، الذاريات: 27] فلما رأى أيديهم لا تصل إليه أي لم يتناولوه نكرهم بمعنى أنكرهم وأوجس منهم خيفة لأن العادة أن الضيف إذا نزل على أحد فقدم إليه طعاماً فلم يأكل عرف أنه ينوي شراً ولما رأت الملائكة ذلك منه قالوا له لا تخف وبينوا له سبب مجيئهم فقالوا إنا أرسلنا إلى قوم لوط أي لإِهلاكهم وتدميرهم بسبب إجرامهم. وكانت امرأته قائمة وراء الستار تخدمهم مع إبراهيم. فلما سمعت بنبأ هلاك قوم لوط ضحكت فرحاً بهلاك أهل الخبث فعندئذ بشرها الله تعالى على لسان الملائكة بإسحاق ومن بعده يعقوب أي بولد وولد ولد، فلما سمعت البشرى صكت وجهها تعجبا على عادة النساء وقالت {يَٰوَيْلَتَىٰ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي} تشير إلى زوجها إبراهيم {شَيْخاً} أي كبير السن إذ كانت سنه يومئذ مائة سنة وسنها فوق التسعين. {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} أي ولادتي في هذه السن أمر يتعجب منه. {قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} أي بيت إبراهيم، {إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} أي محمود بإفضاله وإنعامه عليكم {مَّجِيدٌ} أي ذو مجد وثناء وكرم. وامرأة إبراهيم المبشرة هي سارة بنت عم إبراهيم عليه السلام، والبشارة هنا لإبراهيم وزوجه سارة معاً وهي مزدوجة إذ هي بهلاك الظالمين، وبإسحاق ويعقوب. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- استحباب تبشير المؤمن بما هو خير له ولو بالرؤيا الصالحة. 2- مشروعية السلام لمن دخل على غيره أو وقف عليه أو مرّ به ووجوب رد السلام. 3- مشروعية خدمة أهل البيت لضيوفهم ووجوب إكرام الضيف وفي الحديث الصحيح "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ". تفسير : 4- شرف أهل بيت إبراهيم عليه السلام.

القطان

تفسير : فما لبث: أسرع. حنيذ: مشوي بالحجارة المحاماة. نكرة: أنكره، ضد عرفه.واوجس منهم خِيفة: احس بالخوف. يا ويلتا: يا عجبا. البعل: الزوج. جاء ذِكر إبراهيم عليه السلام في خمس وعشرين سورة سيأتي بعض التفصيلات عنها في سورة ابراهيم. {وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}. ولقد أرسلنا الملائكة إلى ابراهيم تبشِّره بأن الله سيرزُقُه غلاماً من زوجته سارة. وكان له اسماعيل من هاجر. فقالوا يحيُّونه: سلاماً، فقال: سلام، وأسرع فهيَّأ لهم طعاماً لذيذاً، عِجلاَ مشوياً، وكان كريماً يحب الضيوف. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: "قال سلم" بكسر السين وسكون اللام. {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ}. استغرب ابراهيم حال ضيوفه حين رأى أيديَهم لا تمتد الى الطعام، وأَدرك أنهم ليسوا من البشرَ، وأَضمر ذلك في نفسِه وخافَ أن يكون مَجيئهم لأمرٍ خطيرٍ لا يعلمه. فالذّي لا يأكل الطعام من الضيوف يكون امره مريباً، ويُشعر بأنه ينوي خيانةً او غدراً حسب تقاليد العرب. وعند ذلك كشفوا له عن حقيقتِهم، قالوا: لا تخفْ، لقد أُرسِلْنا إلى قومِ لوطٍ لإهلاكهم. وكانت ديارهم قريبةً من ديار ابراهيم. {وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}. وكانت امرأةُ إبراهيم سارة واقفةً تسمع ما يقال، فضحكتْ سروراً بالأمنِ من الخوف، فبشَّرها الملائكة بأن الله سيرزقها ولداً اسمُه اسحاق، ومن بعدِه سيولد لإسحاقَ يعقوب. قراءات: قرأ ابن عامر وحمزة حفص "ويعقوب" بنصب الباء، والباقون "ويعقوب" بالرفع. {قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ}. قالت سارة متعجبة: كيف ألد وأَنا كبيرة في السن عجوز، وهذا زوجي كما تَرَونه شيخاً كبيراً لا يولَد لمثله! إن بشارتكم هذه شيء عجيب مخالف لما هو معروف. {قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ}. قال الملائكة: لا ينبغي لك ان تعجبي من قُدرة الله وأمرهِ. انه لا يعجِزه شيء. لتكنْ هذه معجزةً من معجزاته الخارقة للعادات، وهي رحمةٌ منه لكم واحدى نعمه الكثيرة عليكم يا أهلَ بيتِ النبوّة. وهل جلَّ ثناؤه مستحقّ لجميع المحامد، حقيق بالخير والاحسان.

د. أسعد حومد

تفسير : {إِبْرَاهِيمَ} {سَلاَماً} {سَلاَمٌ} (69) - وَجَاءَ المَلائِكَةُ، رُسُلُ اللهِ، إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، يُبَشِّرُونَهُ بِولاَدَةِ ابْنِهِ إِسْحَاقَ، فَقَالُوا لَهُ: نُسَلِّمُ عَليكَ سَلاماً فَقَالَ: وعليكم سَلاَمٌ. فَذَهَبَ سَريعاً فَأَتَاهُمْ بِعِجْلٍ مِنَ البَقَرِ مَشْوِيٍّ (حَنِيذٍ) وَهُوَ مَا يُوجِبُهُ عَليهِ حَقُّ الضِّيَافَةِ لِلنَّازِلِينَ عَلَيهِ. عِجْلٍ حَنيذٍ - عِجْلٍ مَشْوِيٍّ عَلَى حِجَارَةٍ مُحَمَّاةٍ فِي حُفْرَةٍ.

الثعلبي

تفسير : {وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ} يعني الملائكة، واختلفوا في عددهم، فقال ابن عباس: كانوا ثلاثة: جبرئيل وميكائيل وإسرافيل. الضحّاك: تسعة،السدّي: أحد عشر، وكانوا على صورة الغلمان الوِضاء وجوههم. {إِبْرَاهِيمَ} الخليل {بِٱلْبُـشْرَىٰ} بالبشارة بإسحاق ويعقوب، وبإهلاك قوم لوط {قَالُواْ} لإبراهيم {سَلاَماً} سلّموا عليه ونصب {سَلاَماً} بإيقاع القول عليه، لأن السلام قول أي [مِثل] قالوا وسلّموا سلاماً (قال) إبراهيم (سلام) أي عليكم سلام، وقيل: لكم سلام وقيل: رُفِع على الحكاية، (قيل: الحمد لله) (وقولوا حطّة)، وقرأ حمزة والكسائي سِلام بكسر السين من غير ألف ومثله في والذاريات، وكذلك هو في مصحف عبد الله ومعناه: نحن سِلام صالح لكم غير حرب، وقيل: هو بمعنى السِلم أيضاً كما يقال: حِل وحلال، وحِرم وحرام. وأنشد الفراء: شعر : مررنا فقلنا إيه سلّم فسلمت كما اكتل بالبرق الغمام اللوائح تفسير : {فَمَا لَبِثَ} فما أقام ومكث إبراهيم {أَن} بمعنى حتى بإسقاط الخافض أي بأن {جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} قال ابن عباس: مشوي بالحجارة الحارة في خد من الأرض، قتادة ومجاهد: نضج بالحجارة وشوي، ابن عطية: شوي بعضه بحجارة، أبو عبيدة: كل ما أسخنته فقد حنذته فهو حنيذ ومحنوذ وأصل يحنذ أن إذا ألقيت عليها الجلال بعضها على بعض لتعرق. {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ} أي للعجل {نَكِرَهُمْ} أي: أنكرهم، ويقال: نكرت الشيء وأنكرته بمعنى واحد. قال الأعشى: وأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلاّ الشيب والصلعا فجمع المعنيين في وقت واحد. {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} أضمر وأحسّ منهم خوفاً، وقال مقاتل: وقع في قلبه، الأخفش: خامر نفسه. الفرّاء: استشعر. الحسن: حدّث نفسه، وأصل الوجوس الدخول، وكان الخوف دخل قلبه. قتادة: وذلك أنهم كانوا إذا أتاهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يجئ لخير وأنّه يحدّث نفسه بشرّ. {قَالُواْ لاَ تَخَفْ} يا إبراهيم فإنّا ملائكة الله {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ} قال الوالبي: لمّا عرف إبراهيم أنهم ملائكة خاف أنه وقومه المقصودون بالعذاب؛ لأن الملائكة كانت تنزل إذ ذاك بالعذاب، نظير ما في الحجر {أية : مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ}تفسير : [الحجر: 8] أي بالعذاب، قالت الملائكة: لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط لا إلى قومك. {وَٱمْرَأَتُهُ} سارة بنت هاران بن ناحور بن شاروع بن أرغوا بن فالغ وهي ابنة عم إبراهيم {قَآئِمَةٌ} من وراء الستر تسمع كلام الملائكة وكلام إبراهيم، وقيل: كانت قائمة [......] الرسل وإبراهيم جالس معهم فهو كلام أوّلي، وقرأ ابن مسعود: وامرأته قائمة وهو جالس {فَضَحِكَتْ}. واختلفوا في العلة الجالبة للضحك، فقال السدي: لما قرب إليهم الطعام فلم يأكلوا خاف إبراهيم فظنهم لصوصاً، فقال لهم: ألا تأكلون؟ فقالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاماً إلاّ بثمن، قال: فإن لهذا ثمناً، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوّله وتحمدون على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل وقال: حق أن يتخذك خليلا، فلما رأى إبراهيم وسارة أيديهم لا تصل إليه نكرهم، فضحكت سارة وقالت: إنا قمنا لأضيافنا هؤلاء أنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم، وهم لا يأكلون طعامنا. وقال قتادة: فضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، وقال مقاتل والكلبي: فضحكت من خوف إبراهيم من ثلاثة نفر وهو فيما بين خدمه وحشمه، وقال ابن عباس ووهب: ضحكت عجباً من أن يكون لها ولد على كبر سنّها وسنّ زوجها، وقالوا: هو من التقديم الذي معناه التأخير، وكان بمعنى: [......] وامرأته قائمة. {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} فضحكت وقالت {قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ} الآية، وقيل: ضحكت سروراً بالأمن عليهم لما قالوا: لا تخف وقال مجاهد وعكرمة: فضحكت أي حاضت في الوقت، تقول العرب: ضحكت الأرنب إذا حاضت، وقال الشاعر: شعر : وضحكت الأرانب فوق الصفا كمثل دم الخوف يوم اللقا تفسير : {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} قال ابن عباس والشعبي: الوراء ولد الولد، واختلف القّراء في قوله: يعقوب، فنصبه ابن عامر وعاصم وقيل: في موضع جر في الصفة أي من وراء إسحاق بيعقوب، فلمّا حذف الباء نصب، وقيل: بإضمار فعل له، ووهبنا له يعقوب. ورفعه الآخرون على خبر حذف الصفة، فلمّا بُشّرت بالولد والحفيد {أية : فَصَكَّتْ وَجْهَهَا}تفسير : [الذاريات: 29] أي ضر الله تعجباً {قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰ} والأصل: يا ويلتاه {أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ} وكانت لتسعين سنة في قول ابن إسحاق، وتسع وتسعين سنة في قول مجاهد. { وَهَـٰذَا بَعْلِي} زوجي سمي بذلك لأنه قيّم أمرها كما سمّي مالك الشيء بعله، والنخل الذي استغنى بالأمطار عن ماء الأنهار يسمّى بعلا {شَيْخاً} وكان إبراهيم ابن مائة سنة في قول مجاهد، وعشرين ومائة سنة في قول ابن إسحاق. {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} فقالت الملائكة {قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} يعني هنا إبراهيم {إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} قال السدّي: قالت سارة لإبراهيم (عليه السلام): ما آية قولك؟ قال: فأخذ بيده عوداً يابساً فلواه بين أصابعه، فاهتزّ أخضر فقال إبراهيم: هو لله إذاً ذبيحاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلمة "رسل" جمع "رسول"، والرسول هو المرسَل من جهة إلى جهة، وأي إنسان تبعثه إلى جهة ما؛ اسمه رسول، ولكن المعنى الشرعي للرسول: أن يكون مُرسَلاً من الله. ويقول الحق سبحانه: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ ..}تفسير : [الحج: 75]. واصطفاء الملائكة كرسل لتيسير التلقِّي عن الخالق سبحانه؛ لأن القوة التي تتلقى عن الخالق سبحانه وتعالى لا بد أن تكون قوة عالية، والإنسان منا لا يقدر على أن يتلقى مباشرة عن الحق سبحانه. لذلك يأتي لنا الله جَلَّ عُلاَه بالرسل، فيصطفي من الملائكة المخصوصين القادرين على التلقي لينزلوا على المصطفى من البشر القادر على حمل الرسالة. وهكذا نعلم أن الملائكة ليست كلها قادرة على التلقي من الله تعالى، ولا كل البشر بقادرين على التلقي عن الله أو عن الملائكة. وهذه الحلقات في الإبلاغ أرادها الحق سبحانه، لتؤهل للضعيف أن يأخذ من الأقوى؛ والبشر يلجأون إلى ذلك في حياتهم. وسبق أن ضربت المثل، بأننا أثناء الليل نطفىء نور المنزل، لكننا نترك ضوءاً خافتاً يوضح لنا ملامح البيت، فإن قمنا ليلاً من النوم؛ لا نصطدم بمتاع البيت، فيتحطم ما نصطدم به إن كان أضعف منا، أو نُصَاب نحن إن اصطدمنا بما هو أقوى منا. والنور الضعيف يتيح لنا أن نرى مكان مفتاح الضوء القوي. وكذلك يفعل الله سبحانه وتعالى، فيأتي بمصطفى من الملائكة، يتلقى عن الحق سبحانه ويبلغ المَلَكُ من هؤلاء الرسولَ المصطفى من البشر. والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ ..}تفسير : [الشورى: 51]. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ ..} [هود: 69]. والبشرى هي الإخبار بشيء يسرُّ قبل أوان وقوعه، وهي عكس الإنذار الذي يعني الإخبار بشيء محزن قبل أوانه. وقبل أن يوضح الرسل لإبراهيم - عليه السلام - البشارة التي جاءوا من أجلها، يعلمنا الحق سبحانه المقدمات اللازمة للدخول إلى الأماكن، فمن أدب الدخول إلى أي مكان أن نسلِّم على أهل هذا المكان، والحق سبحانه القائل: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا ..}تفسير : [النور: 27]. ولذلك يأتي الحق سبحانه هنا بما قالته الملائكة من قبل إبلاغ البشرى: {قَالُواْ سَلاَماً ..} [هود: 69]. وجاء سبحانه بردِّ إبراهيم عليه السلام: {قَالَ سَلاَمٌ ..} [هود: 69]. ونحن نلحظ أن السلام جاء على ألسنتهم بالنصب، والرد بالسلام جاء بالرفع، وقولهم: {سَلاَماً} دل على فعل يوضح التجدد، والرد جاء بكلمة {سَلاَمٌ} بالرفع؛ ليدل على الثبات والإصرار. والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ..}تفسير : [النساء: 86]. هكذا استقبل إبراهيم عليه السلام رسل الحق سبحانه. ثم يقول الحق سبحانه: {.. فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [هود: 69]. والعجل هو ولد البقر. وهناك آيات كثيرة في القرآن تعرضت لقصة إبراهيم عليه السلام في أكثر من موضع من مواضع القرآن، لا بقصد التكرار، ولكن لأن كل لقطة في أي موضع هي لقطة مقصودة لها دلائلها وأسرارها، فإذا جُمِعَتْ اللقطات فسوف تكتمل لك قصة إبراهيم عليه السلام في شمول متكامل. وعلى سبيل المثال: يقول الحق سبحانه: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..}تفسير : [الأنعام: 75]. وفي موضع آخر يتعرض الحق سبحانه للتربية اليقينية التي أرادها لإبراهيم، فيقول سبحانه: {أية : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 76-79]. إن هذه الآيات تبين وظيفة الحواس إدراكاً، ووظيفة الوجدان انفعالاً، ووظيفة الاختيار توحيداً وإذعاناً بيقين. ثم يقول الحق سبحانه في موضع آخر على لسان إبراهيم عليه السلام فخاطب عمه باحترام لمكانته التي تساوي منزلة الأب. يقول الحق سبحانه: {أية : وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً * يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِيۤ أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً * يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً}تفسير : [مريم: 41-45]. فهذه الآية تبين رفق الداعي مع جمال العرض. فأصرَّ العَمُّ على الشرك، فقال إبراهيم عليه السلام: {أية : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ ..}تفسير : [مريم: 47]. وبعد ذلك يتبرأ منه لإصراره على الكفر. ثم هناك لقطة من يُحاجِج إبراهيم في ربه: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ..}تفسير : [البقرة: 258]. وكانت تلك سفسطة في القول ناتجة عن عجز في التعبير، فليس إصدار حكم بالقتل على إنسان، ثم العفو عنه، هو إحياء وإماتة، فأخذه إبراهيم عليه السلام إلى منطقة لا يجرؤ عليها أحد، وقال: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ ..}تفسير : [البقرة: 258]. وهذه الآية تبين منطق الحق أمام زيف الباطل، ثم يأتي في موضع آخر من القرآن ليبين المقارنة بين فكرة الكفر، وفكرة الإيمان، فيقول سبحانه: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}تفسير : [الشعراء: 69-74]. وفي هذه الآية أمثلة تحمل جواب الإسكات. ثم يقول الحق سبحانه، على لسان إبراهيم عليه السلام: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ}تفسير : [الشعراء: 78-82]. يقول رب العزة سبحانه في سورة الأنبياء: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ}تفسير : [الأنبياء: 51-56]. هذه هي التربية اليقينية التي أرادها الحق سبحانه لإبراهيم عليه السلام ليعلمنا كيف يكون الإيمان؟ وكان قوم إبراهيم يعبدون آلهة غير الله، لكن إبراهيم عليه السلام توصَّل إلى عبادة مَنْ خَلَقه وخَلَق الكون، وهو الصانع الذي يضع قانون صيانة ما يصنع سبحانه وتعالى: ولذلك نلاحظ قوله: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 78]. فلم يقل: "الذي خلقني يهديني" لأن هذه دعوى؛ ستُدَّعى، وسيضع الناس قوانين لأنفسهم، فبيَّن الحق سبحانه أن الذي خَلَق هو الذي يَهْدِي. وجاء الحق سبحانه بكلمة "هو" لحصر الأمر حتى لا يشارك الخلق خالقهم فيه، لكن الأمر الذي لم يُدَّعَ، لم يأت فيه بكلمة "هو" كقوله: {أية : وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ}تفسير : [الشعراء: 81]. فما لا شركة فيه عند الخَلْق يأتي به القرآن من غير تأكيد الضمير، ولكن في الأمر الآخر يأتي بتأكيد الضمير كقوله: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}تفسير : [الشعراء: 80]. فقد يقال: "إن الطبيب هو الذي يشفيني"، ولكن ذلك غير حقيقي؛ لأن الله سبحانه هو الذي يضع العلم، وهو الذي خلق الداء وخلق الدواء. ثم بعد ذلك يقول الحق سبحانه في قصة إبراهيم عليه السلام: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ ..}تفسير : [البقرة: 127]. إذن: فكل مناسبة تأتي لتأكيد معنى من معاني الإيمان تأتي معها لقطة من لقطات قصة إبراهيم عليه السلام، وإذا جُمِعت اللقطات كلها تجد قصة إبراهيم كاملة. وإذا كان الله سبحانه وتعالى يريد أن يقص على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم القصص، فذلك لتثبيت فؤاده صلى الله عليه وسلم: {أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ..}تفسير : [هود: 120]. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يتعرض لكثير من الأحداث فيذكِّره الله سبحانه بما حدث للرسل عليهم السلام ويأتي باللقطات الإيمانية ليثبت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم. وهنا يقول الحق سبحانه: {.. قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [هود: 69]. وفي موضع آخر يقول الحق سبحانه: {أية : إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ}تفسير : [الحجر: 52]. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه عن هذا الموقف: {أية : فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلَيمٍ}تفسير : [الذاريات: 28]. أي: أحس في نفسه الخوف، وهذا من أمر المواجيد؛ لأن كل فعل من الأفعال له مقدمات تبدأ بالإدراك، ثم النزوع، ثم الفعل؛ فحين رآهم إبراهيم عليه السلام أوجس في نفسه خيفة، ثم نزع إلى فعل هو السلام. والشرع لا يتدخل في الإدراك أو المواجيد، ولكنه يتدخل في النزوع، إلا في أمر واحد من مدركات الإنسان، وهو إدراك الجمال في المرأة. لذلك أمر الشرع بغض البصر؛ حتى لا يدرك الإنسان ذلك فينزع إلى سلوك ليس له حق فيه، ولأن إدراك حُسْن المرأة قد يدفع الغرائز إلى السلوك الفوري؛ لأن الغرائز لا تفصل النزوع عن الوجدان والإدراك. وهنا بيَّن الحق مواجيد إبراهيم عليه السلام حين قال: {أية : وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ ..}تفسير : [هود: 70]. وجاء بالمعنى النزوعي حين قال: {قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ ..} [هود: 69]. وهو حين التأكيد والتثبيت. وقال الحق سبحانه: {.. فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [هود: 69]. وهو: العجل السمين المشوي على الحجارة؛ لأن الشواء - كما نعلم - قد يكون على اللهب أو على الفحم، أو على الحجارة. ومثل ذلك يحدث في البلاد العربية حين يأتون بحجر رقيق جدّاً، ويحمُّونه على النار، ثم يشوون عليه اللحم، وهذا ما يضمن عدم حدوث تفاعلات بين اللحم والحجر؛ لأن هناك تفاعلات تحدث من الحديد أو من الفحم؛ ولذلك فهذه أنظف طريقة للشواء. أو أن كلمة: {.. بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [هود: 69]. أي: ينزل منه الدهن بعد الشواء. وقول الحق سبحانه: {.. فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [هود: 69]. لأن طبيعة سيدنا إبراهيم عليه السلام هي محبة الضيوف وإكرامهم. ومن عادة الكرام أن يُعجِّلوا بإكرام الضيف، وتقديم الطعام له، والكريم هو من يفعل ذلك؛ لأنه لا يعلم ما قد مر على الضيف دون طعام، فإن كان الضيف جائعاً؛ أكل، وإن كان شبعان فهو يعلن ذلك. ويقول الحق سبحانه ما حدث بعد أن جاء لهم إبراهيم عليه السلام بالعجل المشوي: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} فالحَنيذُ: الشِّواءُ الذِي يَقْطُرُ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} حين أردنا أخذهم {لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ} أي: الملائكة المأمورون لإهلاك قوم لوط {إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ} والبشارة بالولد بعدما آيس هو وزوجته عن التوالد والتناسل {قَالُواْ} له حين لاقوه: {سَلاَماً} أي: نسلم سلاماً عليكم ترحيباً منا عليك {قَالَ سَلاَمٌ} عليكم دائماً مستمراً أيها المستحقون للتحية والترحيب {فَمَا لَبِثَ} وسكن بعد نزولهم إلى {أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [هود: 69] مشوي؛ ضيافة لهم ونزلاً لقدومهم ووضع بين أيديهم، فانصرفوا عنه ولم يمدوا أيديهم نحوه. {فَلَمَّا رَأَى} إبراهيم {أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ} ولا يتناولون منه كما هو عادة المسافرين {نَكِرَهُمْ} أي: أنكر منهم عدم أكلهم؛ لأن الامتناع من الطعام دليل على قصد المكروه لصاحبه {وَأَوْجَسَ} أي: أضمر {مِنْهُمْ خِيفَةً} خوفاً ورعباً حتى أحسوا منه الخوف وعلامات الرعب {قَالُواْ} تسلية وتسكيناً: {لاَ تَخَفْ} منا {إِنَّا} وإن كنا من أهل الإنذار والإهلاك {أُرْسِلْنَا إِلَىٰ} إهلاك {قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 70] ما لنا معك شغل. {وَ} حين قالوا له ما قالوا {ٱمْرَأَتُهُ} أي: سرة حاضرة {قَآئِمَةٌ} لخدمة الأضياف {فَضَحِكَتْ} بعدما سمعت قولهم فرحاً وسروراً؛ لأنها كانت تقول لإبراهيم: اضمم إليك لوطاً، فإني أعلم أن البلاء ينزل على هؤلاء المسرفين {فَبَشَّرْنَاهَا} أي: سارة تفضلاً وامتناناً {بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ} ولده {يَعْقُوبَ} [هود: 71] أبا الأنبياء. {قَالَتْ} بعدما سمعت التبشير مستحية مستغربة: {يَٰوَيْلَتَىٰ} أي: يا هلكتي وفضيحتي {ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ} قد مضت علي تسع وتسعون سنة {وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً} فانياً ابن مائة وعشرين سنة {إِنَّ هَـٰذَا} أي: التوالد بيننا {لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} [هود: 72] غريب خارق للعادة إن وقع. {قَالُوۤاْ} إزالة لشكها وتعجبها: {أَتَعْجَبِينَ} أي: تستبعدين {مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} القادر المقتدر بالقدرة الكاملة أمثال هذا؛ أي: التوالد بين الهرمين تفضلاً وامتناناً مع أنها {رَحْمَتُ ٱللَّهِ} أي: أنواع فضله وجوده {وَبَرَكَاتُهُ} أي: خبراته الكثيرة النالزة {عَلَيْكُمْ} يا {أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} يا أهل بيت الخلة والنبوة {إِنَّهُ} سبحانه في ذاته {حَمِيدٌ} يفعل ما يوجب الحمد له {مَّجِيدٌ} [هود: 73] محسن كثير الإحسان والإنعام المستجلب لأنواع المحامد والأثنية. {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ} أي: الخوف والرعب بستيلة الرسل إياه {وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ} بما لا ترقب له فيه أخذ {يُجَادِلُنَا} أي: يجادل مع رسلنا ويناجي معنا {فِي} حق {قَوْمِ لُوطٍ} [لوط: 74] وأخذنا إياهم.؟ وما حمله على المجادلة والمناجاة في حقهم إلا فرط إشافقه ورقة قلبه {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ} في نفسه {لَحَلِيمٌ} غير عجول على الانتقام، كظيم الغيظ والغضب {أَوَّاهٌ} كثير التأوه والتأسف من الذنب الصادر عنه {مُّنِيبٌ} [هود: 75] رجاع إلى الله في جميع حالاته، فقاس حالهم على نفسه، فأخذ يجادل في حقهم؟ قال الرسل بوحي الله إياهم: {يَٰإِبْرَٰهِيمُ} المتحقق بمقام الخلة {أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ} الجدال، وانصرف عن مدافعة كلام الله المبرم {إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ} وثبت منه سبحانه الحكم بهلاكهم حتماً مبرماً، ولا تنفعهم مجادلتك وممانعتك {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ} عن قريب {عَذَابٌ} حتم {غَيْرُ مَرْدُودٍ} [هود: 76] بتقويتك وحمايتك.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن مظهر اللطف بقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ} [هود: 69] الجليل إلى الخليل وبشرى سلام الجليل، {قَالُواْ سَلاَماً} [هود: 69] أي: نبلغك سلاماً قولاً من رب رحيم، {قَالَ سَلاَمٌ} [هود: 69] أي: علينا سلام الجليل وهذا كما كان حال الحبيب ليلة أسري به قال: "حديث : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"تفسير : والفرق بين الحبيب والخليل أن سلام الحبيب بلا واسطة وسلام الخليل بواسطة الرسل، وفي سلام الحبيب زيادة رحمة الله وبركاته، {فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [هود: 69] تكرمة لسلام الخليل وإعزازاً لرسله. {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} [هود: 70] ما كان خوف إبراهيم خوف البشرية على نفسه، فإنه حين رمي بالمنجنيق إلى النار ما خاف على نفسه وقال: {أية : أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [البقرة: 131] وإنما كان خوفه خوف الرحمة والشفقة على قومه يدل عليه قوله تعالى: {قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 70] أي: ما أرسلنا إلى قومك فكن طيب النفس. {وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ} [هود: 71] أي: بالخدمة عليهم، {فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ} [هود: 71]، فهذه البشارة لها ما كانت بشارة تتعلق ببشريتها وحيوانيتها، وما كان ضحكها لسرور بحصول الابن الذي هو من زينة الدنيا، وإنما كان ضحكها لسرور نجاة القوم من العذاب، وكان بشارتها نبوة ابنها اسحاق بعد إبراهيم، {وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] أي: بعد إسحاق يكون يعقوب نبيّاً، وتكون النبوة في عقبهم إلى عهد خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه يكون من عقب إسماعيل عليه السلام {قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} [هود: 72] أي: على خلاف العادة وعلى خلاف سنة الله التي قد خلت من قبل. {قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} [هود: 73] أي: من قدرة الله، فإن لله تعالى سنة وقدرة، فيجري أمر العوام بمشيئة وأمر الخواص إظهاراً للآية والإعجاز بقدرته فأجرى أمركم بقدرته وهي {رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} [هود: 73] بيت النبوة كرامة لكم. {إِنَّهُ حَمِيدٌ} [هود: 73] على ما يجرى في السنة والقدرة، {مَّجِيدٌ} [هود: 73] فيما ينعم به على العوام والخواص، {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ} [هود: 74] أي: الخوف من هلاك قومه، {وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ} [هود: 74] بنجاتهم، {يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 74] لدفع الهلاك عنهم جدال الضعيف مع القوي لا جدال القوي مع الضعيف جدال المحتاج الفقير مع الكريم الغني وجدال الرحمة والمعاطفة. وطلب النجاة للضعفاء والمساكين الهالكين يدل عليه قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} [هود: 75] أي: كان جلاله لحلمه تأوهه عليهم وأنه مع ذلك منيب راجع إلى الله في جميع أحواله أي: ما تكون بعض أحواله مشوباً بعلة راجعة إلى حفظ نفسه، بل كلها الله وبالله وإلى الله، {يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ} [هود: 76] أي: عن هذا الجلال بالحلم والرحمة على غير أهل الرحمة {إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ} [هود: 76] أي: حكم ربك وقضائه الأزلي فإنه لا راد لحكمة وقضائه، {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} [هود: 76] بدعاً أحد ولا شفاعة أحد وإنك مأجور مشوب فيما جادلتنا لنجاتهم، وهذا كمال النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء ".

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى } . إلى آخر القصة أي: { وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا } من الملائكة الكرام، رسولنا { إِبْرَاهِيمَ } الخليل { بِالْبُشْرَى } أي: بالبشارة بالولد، حين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط، وأمرهم أن يمروا على إبراهيم، فيبشروه بإسحاق، فلما دخلوا عليه { قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ } أي: سلموا عليه، ورد عليهم السلام. ففي هذا مشروعية السلام، وأنه لم يزل من ملة إبراهيم عليه السلام، وأن السلام قبل الكلام، وأنه ينبغي أن يكون الرد، أبلغ من الابتداء، لأن سلامهم بالجملة الفعلية، الدالة على التجدد، ورده بالجملة الاسمية، الدالة على الثبوت والاستمرار، وبينهما فرق كبير كما هو معلوم في علم العربية. { فَمَا لَبِثَ } إبراهيم لما دخلوا عليه { أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } أي: بادر لبيته، فاستحضر لأضيافه عجلا مشويا على الرضف سمينا، فقربه إليهم فقال: ألا تأكلون؟. { فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ } أي: إلى تلك الضيافة { نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً } وظن أنهم أتوه بشر ومكروه، وذلك قبل أن يعرف أمرهم. فـ { قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ } أي: إنا رسل الله، أرسلنا الله إلى إهلاك قوم لوط. وامرأة إبراهيم { قَائِمَةٌ } تخدم أضيافه { فَضَحِكَتْ } حين سمعت بحالهم، وما أرسلوا به، تعجبا. { فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ } فتعجبت من ذلك. و { قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا } فهذان مانعان من وجود الولد { إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ }. { قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } فإن أمره لا عجب فيه، لنفوذ مشيئته التامة في كل شيء، فلا يستغرب على قدرته شيء، وخصوصا فيما يدبره ويمضيه، لأهل هذا البيت المبارك. { رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ } أي: لا تزال رحمته وإحسانه وبركاته، وهي: الزيادة من خيره وإحسانه، وحلول الخير الإلهي على العبد { عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ } أي: حميد الصفات، لأن صفاته صفات كمال، حميد الأفعال لأن أفعاله إحسان، وجود، وبر، وحكمة، وعدل، وقسط. مجيد، والمجد: هو عظمة الصفات وسعتها، فله صفات الكمال، وله من كل صفة كمال أكملها وأتمها وأعمها. { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ } الذي أصابه من خيفة أضيافه { وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى } بالولد، التفت حينئذ، إلى مجادلة الرسل في إهلاك قوم لوط، وقال لهم: { إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته }. { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ } أي: ذو خلق حسن وسعة صدر، وعدم غضب، عند جهل الجاهلين. { أَوَّاهٌ } أي: متضرع إلى الله في جميع الأوقات، { مُنِيبٌ } أي: رجَّاع إلى الله بمعرفته ومحبته، والإقبال عليه، والإعراض عمن سواه، فلذلك كان يجادل عمن حتَّم الله بهلاكهم. فقيل له: { يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا } الجدال { إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ } بهلاكهم { وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ } فلا فائدة في جدالك. { وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا } أي: الملائكة الذين صدروا من إبراهيم لما أتوا { لُوطًا سِيءَ بِهِمْ } أي: شق عليه مجيئهم، { وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ } أي: شديد حرج، لأنه علم أن قومه لا يتركونهم، لأنهم في صور شباب، جرد، مرد، في غاية الكمال والجمال، ولهذا وقع ما خطر بباله. فـ { وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } أي: يسرعون ويبادرون، يريدون أضيافه بالفاحشة، التي كانوا يعملونها، ولهذا قال: { وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السيئاتِ } أي: الفاحشة التي ما سبقهم عليها أحد من العالمين. { قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } من أضيافي، [ وهذا كما عرض لسليمان صلى الله عليه وسلم، على المرأتين أن يشق الولد المختصم فيه، لاستخراج الحق ولعلمه أن بناته ممتنع منالهن، ولا حق لهم فيهن. والمقصود الأعظم، دفع هذه الفاحشة الكبرى ]. { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي } أي: إما أن تراعوا تقوى الله، وإما أن تراعوني في ضيفي، ولا تخزون عندهم. { أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ } فينهاكم، ويزجركم، وهذا دليل على مروجهم وانحلالهم، من الخير والمروءة. فـ { قَالُوا } له: { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ } أي: لا نريد إلا الرجال، ولا لنا رغبة في النساء. فاشتد قلق لوط عليه الصلاة والسلام، و { قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ } كقبيلة مانعة، لمنعتكم. وهذا بحسب الأسباب المحسوسة، وإلا فإنه يأوي إلى أقوى الأركان وهو الله، الذي لا يقوم لقوته أحد، ولهذا لما بلغ الأمر منتهاه واشتد الكرب. { قَالُوا } له: { إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ } أي: أخبروه بحالهم ليطمئن قلبه، { لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ } بسوء. ثم قال جبريل بجناحه، فطمس أعينهم، فانطلقوا يتوعدون لوطا بمجيء الصبح، وأمر الملائكة لوطا، أن يسري بأهله { بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ } أي: بجانب منه قبل الفجر بكثير، ليتمكنوا من البعد عن قريتهم. { وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ } أي: بادروا بالخروج، وليكن همكم النجاة ولا تلتفتوا إلى ما وراءكم. { إِلا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا } من العذاب { مَا أَصَابَهُمُ } لأنها تشارك قومها في الإثم، فتدلهم على أضياف لوط، إذا نزل به أضياف. { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ } فكأن لوطا، استعجل ذلك، فقيل له: { أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ } . { فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا } بنزول العذاب، وإحلاله فيهم { جَعَلْنَا } ديارهم { عَالِيَهَا سَافِلَهَا } أي: قلبناها عليهم { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ } أي: من حجارة النار الشديدة الحرارة { مَنْضُودٍ } أي. متتابعة، تتبع من شذ عن القرية. { مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ } أي: معلمة، عليها علامة العذاب والغضب، { وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ } الذين يشابهون لفعل قوم لوط { بِبَعِيدٍ } فليحذر العباد، أن يفعلوا كفعلهم، لئلا يصيبهم ما أصابهم.

همام الصنعاني

تفسير : 1207- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، في قوله تعالى: {بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}: [الآية: 69]، قالَ نَضِيجٍ. 1208- حدثنا عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَر، وقال الكَلْبِي: الحنيذ: الذي يَحْنِذُ في الأرض.