Verse. 1543 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

فَلَمَّا رَاٰۗ اَيْدِيَہُمْ لَا تَصِلُ اِلَيْہِ نَكِرَہُمْ وَاَوْجَسَ مِنْہُمْ خِيْفَۃً۝۰ۭ قَالُوْا لَا تَخَفْ اِنَّاۗ اُرْسِلْنَاۗ اِلٰي قَوْمِ لُوْطٍ۝۷۰ۭ
Falamma raa aydiyahum la tasilu ilayhi nakirahum waawjasa minhum kheefatan qaloo la takhaf inna orsilna ila qawmi lootin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم» بمعنى أنكرهم «وأوجس» أضمر في نفسه «منهم خيفة» خوفا «قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط» لنهلكهم.

70

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّا رءَآ أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ } بمعنى أنكرهم {وَأَوْجَسَ } أضمر في نفسه {مِنْهُمْ خِيفَةً } خوفاً {قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ } لنهلكهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {نَكِرَهُمْ} نَكِر وأنكر واحد، أو نَكِر إذا لم يعرفهم وأنكرهم وجدهم على منكر. ونكرهم لأنهم [لم] يتحرموا بطعامه وشأن العرب إذا لم يتحرم بطعامهم أن يظنوا السواء، أو نكرهم لأنه لم يكن لهم أيدي. {وَأَوْجَسَ} أضمر. {إِنَّآ أُرْسِلْنَآ} أعلموه بذلك ليأمن منهم، أو لأنه كان يأتي قوم لوط فيقول وَيْحكم أنهاكم عن الله ـ تعالى ـ أن تتعرضوا لعقوبته فلا يطيعونه.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن كعب رضي الله عنه قال‏:‏ بلغنا أن إبراهيم عليه السلام كان يشرف على سدوم فيقول‏:‏ ويلك يا سدوم يوم مالك، ثم قال ‏ {‏ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاماً قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ‏} ‏ نضيج وهو يحسبهم أضيافاً ‏{‏فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أُرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب‏} ‏ قال‏:‏ ولد الولد ‏ {‏قالت ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب‏}‏ فقال لها جبريل ‏ {‏أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد‏}‏ وكلمهم إبراهيم في أمر قوم لوط إذ كان فيهم إبراهيم قالوا‏:‏ ‏{أية : يا إبراهيم أعرض عن هذا‏} ‏تفسير : [‏هود: 76‏]‏ إلى قوله {أية : ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم‏}‏ تفسير : ‏[‏هود: 77‏]‏ قال‏:‏ ساءه مكانهم لما رأى منه من الجمال ‏ {‏وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب‏}‏ قال‏:‏ يوم سوء من قومي، فذهب بهم إلى منزله، فذهبت امرأته لقومه {أية : ‏فجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال‏:‏ يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم‏} تفسير : ‏[هود: 78‏]‏ تزوّجوهن ‏{أية : ‏أليس منكم رجل رشيد قالوا‏‏ لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد‏}‏ ‏تفسير : [‏هود: 79‏]‏ وجعل الأضياف في بيته وقعد على باب البيت ‏{أية : قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد‏} ‏تفسير : [هود: 80‏]‏ قال‏:‏ إلى عشيرة تمنع، فبلغني أنه لم يبعث بعد لوط عليه السلام رسول إلا في عز من قومه، فلما رأت الرسل ما قد لقي لوط في سيئتهم ‏ {أية : ‏قالوا يا لوط إنا رسل ربك‏}‏ تفسير : [هود:81] إنا ملائكة ‏ {‏أية : لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك‏} تفسير : ‏[هود: 81] إلى قوله {أية : أليس الصبح بقريب} ‏تفسير : [هود: 81‏]‏‏ فخرج عليهم جبريل عليه السلام، فضرب وجوههم بجناحه ضربة فطمس أعينهم والطمس ذهاب الأعين، ثم احتمل جبريل وجه أرضهم حتى سمع أهل سماء الدنيا نباح كلابهم وأصوات ديوكهم ثم قلبها عليهم ‏{‏وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل‏} ‏ قال‏:‏ على أهل بواديهم، وعلى رعاثهم، وعلى مسافرهم فلم يبق منهم أحد‏. ‏وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لما رأى إبراهيم أنه لا تصل إلى العجل أيديهم نكرهم وخافهم، وإنما كان خوف إبراهيم أنهم كانوا في ذلك الزمان إذا هم أحدهم بأمر سوء لم يأكل عنده يقول‏:‏ إذا أكرمت بطعامه حرم عليّ أذاه، فخاف إبراهيم أن يريدوا به سوءاً، فاضطربت مفاصله، وامرأته سارة قائمة تخدمهم، وكان إذا أراد أن يكرم أضيافه أقام سارة لتخدمهم، فضحكت سارة وإنما ضحكت انها قالت‏:‏ يا إبراهيم وما تخاف أنهم ثلاثة نفر وأنت وأهلك وغلمانك‏؟‏ قال لها جبريل‏:‏ أيتها الضاحكة أما أنك ستلدين غلاماً يقال له إسحاق، ومن ورائه غلام يقال له يعقوب ‏{‏فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها‏} ‏ فأقبلت والهة تقول‏:‏ واويلتاه‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ ووضعت يدها على وجهها استحياء‏.‏ فذلك قوله ‏ {‏فصكت وجهها وقالت أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا‏ً}‏ قال‏:‏ لما بشر إبراهيم بقول الله ‏ {‏فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى‏} ‏ باسحاق ‏ {‏يجادلنا في قوم لوط‏} ‏ وإنما كان جداله أنه قال‏:‏ يا جبريل أين تريدون، وإلى من بعثتم‏؟‏ قال‏:‏ إلى قوم لوط وقد أمرنا بعذابهم‏.‏ فقال إبراهيم ‏{أية : إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته‏}‏ ‏تفسير : [‏العنكبوت: 32‏]‏ وكانت فيما زعموا تسمى والقة فقال إبراهيم‏:‏ إن كان فيهم مائة مؤمن تعذبونهم‏؟‏ قال جبريل‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فإن كان فيهم تسعون مؤمنون تعذبونهم‏؟‏ قال جبريل‏:‏ لا، قال‏:‏ فإن كان فيهم ثمانون مؤمنون تعذبونهم‏؟‏ قال جبريل‏:‏ لا، حتى انتهى في العدد إلى واحد مؤمن‏؟‏ قال جبريل‏:‏ لا، فلما لم يذكروا لإِبراهيم أن فيها مؤمناً واحداً قال‏:‏ ‏{أية : ‏إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته‏}‏ ‏تفسير : [‏العنكبوت: 32‏]‏‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن وهب بن منبه رضي الله عنه‏.‏ أن إبراهيم عليه السلام حين أخرجه قومه بعدما ألقوه في النار خرج بامرأته سارة ومعه أخوها لوط وهما ابنا أخيه، فتوجها إلى أرض الشام ثم بلغوا مصر، وكانت سارة رضي الله عنها من أجمل الناس، فلما دخلت مصر تحدث الناس بجمالها وعجبوا له حتى بلغ ذلك الملك، فدعا ببعلها وسأله ما هو منها فخاف إن قال له زوجها أن يقتله، فقال‏:‏ أنا أخوها‏.‏ فقال‏:‏ زوجنيها‏.‏ فكان على ذلك حتى بات ليلة، فجاءه حلم فخنقه وخوّفه، فكان هو وأهله في خوف وهول حتى علم أنه قد أتى من قبلها، فدعا إبراهيم فقال‏:‏ ما حملك على أن تَغُرَّني زعمت أنها أختك‏؟‏ فقال‏:‏ إني خفت إن ذكرت أنها زوجتي أن يصيبني منك ما أكره، فوهب لها هاجر أم إسمعيل وحملهم وجهزهم حتى استقر قرارهم على جبل إيليا، فكانوا بها حتى كثرت أموالهم ومعايشهم، فكان بين رعاء إبراهيم ورعاء لوط جوار وقتال‏:‏ فقال لوط لابراهيم‏:‏ إن هؤلاء الرعاء قد فسد ما بينهم وكانت تضيق فيهم المراعي، ونخاف أن لا تحملنا هذه الأرض فإن أحببت أن أخف عنك خففت‏.‏ قال إبراهيم‏:‏ ما شئت إن شئت فانتقل منها وإن شئت انتقلت منك‏.‏ قال لوط عليه السلام‏:‏ لا بل أنا أحق أن أخف عنك‏.‏ ففر بأهله وماله إلى سهل الأردن، فكان بها حتى أغار عليه أهل فلسطين فسبوا أهله وماله‏. فبلغ ذلك إبراهيم عليه السلام فأغار عليهم بما كان عنده من أهله ورقيقه، وكان عددهم زيادة على ثلاثمائة من كان مع إبراهيم، فاستنقذ من أهل فلسطين من كان معهم من أهل لوط حتى ردهم إلى قرارهم، ثم انصرف إبراهيم إلى مكانه وكان أهل سدوم الذين فيهم لوط قوم قد استغنوا عن النساء بالرجال، فلما رأى الله كان عند ذلك بعث الملائكة ليعذبوهم، فأتوا إبراهيم فلما رآهم راعه هيئتهم وجمالهم فسلموا عليه وجلسوا إليه، فقام ليقرب إليهم قِرىً فقالوا‏:‏ مكانك‏.‏ قال‏:‏ بل دعوني آتيكم بما ينبغي لكم فإن لكم حقاً لم يأتنا أحد أحق بالكرامة منكم، فأمر بعجل سمين فحنذ له - يعني شوي لهم - فقرب إليهم الطعام ‏ {‏فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة‏} ‏ وسارة رضي الله عنها وراء الباب تسمع ‏ {‏قالوا لا تخف إنا نبشرك بغلام حليم‏} ‏ مبارك فبشر به امرأته سارة فضحكت وعجبت كيف يكون له مني ولد وأنا عجوز وهذا شيخ كبير‏.‏‏.‏‏.‏‏! {قالوا أتعجبين من أمر الله‏} ‏ فإنه قادر على ما يشاء، وقد وهبه الله لكم فابشروا به‏.‏ فقاموا وقام معهم إبراهيم عليه السلام فمشوا معاً، وسألهم قال‏:‏ أخبروني لم بعثتم وما دخل بكم‏؟‏ قالوا‏:‏ إنا أرسلنا إلى أهل سدوم لندمرها فإنهم قوم سوء وقد استغنوا بالرجال عن النساء‏.‏ قال إبراهيم‏:‏ إن فيها قوماً صالحين فكيف يصيبهم من العذاب ما يصيب أهل عمل السوء‏؟‏ قالوا‏:‏ وكم فيها‏؟‏ قال‏:‏ أرأيتم إن كان فيها خمسون رجلاً صالحاً‏.‏ قالوا‏:‏ إذن لا نعذبهم‏.‏ قال‏:‏ إن كان فيهم أربعون‏؟‏ قالوا‏:‏ إذن لا نعذبهم‏.‏ فلم يزل ينقص حتى بلغ إلى عشرة، ثم قال‏:‏ فأهل بيت‏؟‏ قالوا‏:‏ فإن كان فيها بيت صالح‏.‏ قال‏:‏ فلوط وأهل بيته‏؟‏ قالوا‏:‏ إن امرأته هواها معهم فكيف يصرف عن أهل قرية لم يتم فيها أهل بيت صالحين‏. فلما يئس منهم إبراهيم عليه السلام انصرف وذهبوا إلى أهل سدوم، فدخلوا على لوط عليه السلام، فلما رأتهم امرأته أعجبها هيئتهم وجمالهم، فأرسلت إلى أهل القرية أنه قد نزل بنا قوم لم ير قط أحسن منهم ولا أجمل‏.‏ فتسامعوا بذلك فغشوا دار لوط من كل ناحية وتسوروا عليهم الجدران، فلقيهم لوط عليه السلام فقال‏:‏ يا قوم لا تفضحوني في بيتي وأنا أزوجكم بناتي فهن أطهر لكم‏.‏ قالوا‏:‏ لو كنا نريد بناتك لقد عرفنا مكانك ولكن لا بد لنا من هؤلاء القوم الذين نزلوا بك فخل بيننا وبينهم واسلم منا، فضاق به الأمر ‏فـ {‏قال لو أن لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد‏} ‏ فوجد عليه الرسل في هذه الكلمة فقالوا‏:‏ إن ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود، ومسح أحدهم أعينهم بجناحه فطمس أبصارهم فقالوا‏:‏ سحرنا انصرف بنا حتى ترجع إليهم تغشاهم الليل، فكان من أمرهم ما قص الله في القرآن، فأدخل ميكائيل وهو صاحب العذاب جناحه حتى بلغ أسفل الأرض، ثم حمل قراهم فقلبها عليهم، ونزلت حجارة من السماء فتتبعت من لم يكن منهم في القرية حيث كانوا، فأهلكهم الله تعالى ونجا لوط وأهله إلا امرأته‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي يزيد البصري رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فلما رأى أيديهم لا تصل إليه‏} ‏ قال‏:‏ لم ير لهم أيدياً فنكرهم‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏نكرهم‏} ‏ الآية قال‏:‏ كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يأت بخير وإنه يحدث نفسه بشر، ثم حدثوه عند ذلك بما جاؤوا فيه فضحكت امرأته‏. وأخرج ابن المنذر عن عمرو بن دينار رضي الله عنه قال‏:‏ لما تضيفت الملائكة عليهم السلام إبراهيم عليه السلام قدم لهم العجل فقالوا‏:‏ لا نأكله إلا بثمن‏.‏ قال‏:‏ فكلوا وأدوا ثمنه‏.‏ قالوا‏:‏ وما ثمنه‏؟‏ قال‏:‏ تسمون الله إذا أكلتم وتحمدونه إذا فرغتم‏.‏ قال‏:‏ فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا‏:‏ لهذا اتخذك الله خليلا‏ً. وأخرج ابن جرير عن السدي قال‏:‏ لما بعث الله الملائكة عليهم السلام لتهلك قوم لوط أقبلت تمشي في صورة رجال شباب حتى نزلوا على إبراهيم عليه السلام فضيفوه، فلما رآهم أجلهم فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فذبحه ثم شواه في الرضف، فهو الحنيذ وأتاهم فقعد معهم، وقامت سارة رضي الله عنها تخدمهم، فذلك حين يقول ‏ {‏وامرأته قائمة‏}‏ وهو جالس في قراءة ابن مسعود ‏ {‏فلما قربه إليهم قال ألا تأكلون‏}‏‏ ؟‏ قالوا‏:‏ يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاماً إلا بثمن‏.‏ قال‏:‏ فإن لهذا ثمنا‏ً.‏ قالوا‏:‏ وما ثمنه‏؟‏ قال‏:‏ تذكرون اسم الله على أوّله وتحمدونه على آخر.‏ فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال‏:‏ حق لهذا أن يتخذه ربه خليلاً‏.‏ فلما رأى إبراهيم أيديهم لا تصل إليه يقول‏:‏ لا يأكلون، فزع منهم وأوجس منهم خيفة، فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت، وقالت‏:‏ عجباً لاضيافنا هؤلاء انا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا‏.‏‏!‏ قال لها جبريل‏:‏ ابشري بولد اسمه إسحق، ومن وراء إسحق يعقوب‏.‏ فضربت وجهها عجباً فذلك قوله ‏ {‏فصكت وجهها وقالت أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب، قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد‏}‏ قالت سارة رضي الله عنها‏:‏ ما آية ذلك‏؟‏ فأخذ بيده عوداً يابساً فلواه بين أصابعه فاهتز أخضر‏.‏ فقال إبراهيم عليه السلام‏:‏ هو لله إذن ذبيحا‏ً. وأخرج ابن المنذر عن المغيرة رضي الله عنه قال‏:‏ في مصحف ابن مسعود ‏"‏وامرأته قائمة وهو جالس‏"‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏وامرأته قائمة‏} ‏ قال‏:‏ في خدمة أضياف إبراهيم عليه السلام‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ لما أوجس إبراهيم خيفة في نفسه حدثوه عند ذلك بما جاؤوا فيه، فضحكت امرأته تعجباً مما فيه قوم لوط من الغفلة ومما أتاهم من العذاب‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏فضحكت‏} ‏ قال‏:‏ فحاضت وهي بنت ثمان وتسعين سنة‏. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏فضحكت‏}‏ قال‏:‏ حاضت وكانت ابنة بضع وتسعين سنة، وكان إبراهيم عليه السلام ابن مائة سنة‏. وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فضحكت‏} ‏ قال‏:‏ حاضت‏.‏ قال الشاعر‏: شعر : إني لآتي العرس عند طهورها وأهجرها يوماً إذا هي ضاحك تفسير : وأخرج ابن عساكر عن الضحاك رضي الله عنه قال‏:‏ كان اسم سارة يسارة فلما قال لها جبريل عليه السلام‏:‏ يا سارة‏.‏ قالت‏:‏ إن اسمي يسارة فكيف تسمينني سارة‏؟‏ قال الضحاك‏:‏ يسارة العاقر التي لا تلد، وسارة الطالق الرحم التي تلد‏.‏ فقال لها جبريل عليه السلام‏:‏ كنت يسارة لا تحملين فصرت سارة تحملين الولد وترضعينه‏.‏ فقالت سارة رضي الله عنها‏:‏ يا جبريل نقصت اسمي قال جبريل‏:‏ إن الله قد وعدك بأن يجعل هذا الحرف في اسم ولد من ولدك في آخر الزمان، وذلك أن اسمه عند الله حي فسماه يحيى‏. وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان حسن سارة رضي الله عنها حسن حواء عليها السلام‏. وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن سارة بنت ملك من الملوك، وكانت قد أوتيت حسناً‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب‏} ‏ قال‏:‏ هو ولد الولد‏. وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء عن حسان بن أبحر قال‏:‏ كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل من هذيل فقال له ابن عباس‏:‏ ما فعل فلان‏؟‏ قال‏:‏ مات، وترك أربعة من الولد وثلاثة من الوراء‏.‏ فقال ابن عباس‏:‏ ‏ {‏فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب‏} ‏ قال‏:‏ ولد الولد‏. وأخرج ابن الأنباري عن الشعبي رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ومن وراء إسحاق يعقوب‏} ‏ قال‏:‏ ولد الولد‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ضمرة بن حبيب‏.‏ أن سارة لما بشرها الرسل بإسحق قال‏:‏ بينا هي تمشي وتحدثهم حين أتت بالحيضة، فحاضت قبل أن تحمل بإسحق، فكان من قولها للرسل حين بشروها‏:‏ قد كنت شابة وكان إبراهيم شاباً فلم أحبل فحين كبرت وكبر أألد‏؟‏ قالوا‏:‏ أتعجبين من ذلك يا سارة، فإن الله قد صنع بكم ما هو أعظم من ذلك، إن الله قد جعل رحمته وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد‏. وأخرج ابن الأنباري وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا‏ً} ‏ قال‏:‏ وهي يومئذ ابنة سبعين، وهو يومئذ ابن تسعين سنة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏بعلي‏} ‏ قال‏:‏ زوجي‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن ضرار بن مرة عن شيخ من أهل المسجد قال‏:‏ بشر إبراهيم بعد سبع عشرة ومائة سنة‏. وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن علي رضي الله عنه قال‏:‏ قالت سارة رضي الله عنها لما بشرتها الملائكة عليهم السلام ‏ {‏يا ويلتاه أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب‏}‏ فقالت الملائكة ترد على سارة ‏ {‏أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد‏} ‏ قال‏:‏ فهو كقوله ‏{أية : ‏وجعلها كلمة باقية في عقبه‏}‏ ‏تفسير : [‏الزخرف: 28‏]‏ بمحمد صلى الله عليه وسلم وآله من عقب إبراهيم‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه في قوله ‏ {‏رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد‏} ‏ قال‏:‏ كنت عند ابن عباس إذ جاءه رجل فسلم عليه، فقلت‏:‏ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته‏.‏ فقال ابن عباس‏:‏ انته إلى ما انتهيت إليه الملائكة، ثم تلا ‏ {‏رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت‏} ‏‏. وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن سائلاً قام على الباب وهو عند ميمونة رضي الله عنها فقال‏:‏ السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته وصلواته ومغفرته، فقال ابن عباس‏:‏ انتهوا بالتحية إلى ما قال الله ‏ {‏ورحمة الله وبركاته‏}‏‏ . وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في الشعب عن عطاء قال‏:‏ كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما، فجاء سائل فقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته وصلواته‏.‏ فقال ابن عباس‏:‏ ما هذا السلام، وغضب حتى احمرت وجنتاه، إن الله حد للسلام حداً ثم انتهى ونهى عما وراء ذلك، ثم قرأ ‏ {‏رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد‏} ‏‏. وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما‏.‏ أن رجلاً قال له‏:‏ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته‏.‏ فانتهره ابن عمر وقال‏:‏ حسبك إذا انتهيت إلى وبركاته إلى ما قال الله.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} [الآية: 70]. سمعت غير واحد من أصحابنا يحكون عن البوشنجى أنه قال: من دخل هذه الدويرة ولم يبسط معنا فى كسرةٍ أو فيما حضر فقد جفانى غاية الجفاء. سمعت أبا بكر بن إبراهيم يقول: سمعت أبا جعفر بن عبدوس يقول: من أشبع من طعام العقد أو الفتيان فقد أظهر كبره. وقيل فة قوله: نكرهم: نكر أخلاقهم، مما تبين فيهم من الخير.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} انكر على تركهم استعمال الخلق ولكن ما عرف شان الحال الذى فيه اشارة عجيبة اى لا تذبح عندنا عجلا فانا لا نحتاج الى العجل وليس للعجل مكان المحبة ولكن اذبح لنا اسماعيل فان المحبة والعشق مقتضيان قربان الوجود بين يدى المعشوق حكى عن ابى الحسن البوشخى انه قال من دخل هذه الدويرة ولم يبسط معنا فى كسيره او فيها حضر فقد جفانى غاية الجفاء وقال ابن جعفر بن عبدش من امتنع من تناول الطعام الفقراء والفتيان فقد اظهر كبره وقيل فى قوله نكرهم نكرا خلافهم مع ما تفرس فيهم من الخير قوله تعالى {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} خيفة ابراهيم من الملائكة ليس من جهل بهم انما === اثار باس قوم لوط من شمايلهم وهناك متوقع الانذار لان ربما جاء الرسول بالانذار شعر : لعلك غضبان ولست بعالم سلام على الدارين ان كنت راضيا تفسير : وايضا خاف على اخيه لوط === قومه {قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ} رفعوا الحجاب وتينوا العتاب.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلما رأى ايديهم لا تصل اليه} لا يمدون الى العجل ايديهم للاكل {نكرهم} انكر ذلك منهم ولم يعرف سبب عدم تناولهم منه وامتناعهم عنه {واوجس} الايجاس الادراك. وفى التهذيب [بيم دردل كرفتن] اى احس وادرك {منهم} من جهتهم {خيفة} لما وقع فى نفسه انهم ملائكة وان نزولهم لامر انكره الله عليه او لتعذيب قومه. قال فى التأويلات النجمية ما كان خوف ابراهيم خوف البشرية بان خاف على نفسه فانه حين رمى بالمنجنيق الى النار ما خاف على نفسه وقال اسلمت لرب العالمين وانما كان خوفه خوف الرحمة والشفقة على قومه يدل عليه {قالوا لا تخف انا ارسلنا} بالعذاب {الى قوم لوط} خاصة ما ارسلنا الى قومك فكن طيب النفس وكان اخا سارة او ابن اخى ابراهيم عليهما السلام

الطوسي

تفسير : قيل في وجه اتيان الملائكة ابراهيم صلى الله عليه وسلم في صورة الاضياف قولان: احدهما - قال الحسن أنهم اتوه على الصفة التي كان يحبها، لانه كان يقري الضيف. والآخر - انهم أروه معجزاً من مقدور الله في صورتهم مع البشارة له بالولد على الكبر، فاخبر الله تعالى ان ابراهيم لما رآهم ممتنعين من تناول الطعام وان ايديهم لا تصل اليه، والعقل لم يكن مانعاً من أكل الملائكة الطعام وإنما علم ذلك بالاجماع وبهذه الآية، والا ما كان يجوز أن يقدم ابراهيم الطعام مع علمه بانهم ملائكة. ويجوز بأن يأكلوه وانما جاز ان يتصور الملائكة في صورة البشر مع ما فيه من الايهام لأنهم أتوه به دلالة، وكان فيه مصلحة فجرى مجرى السراب الذي يتخيل انه ماء من غير علم انه ماء. وقوله {نكرهم} يقال نكرته وانكرته بمعنى. وقيل نكرته اشد مبالغة وهي لغة هذيل واهل الحجاز، وانكرته لغة تميم قال الاعشى في الجمع بين اللغتين: شعر : وانكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث الا الشيب والصلعا تفسير : وقال ابو ذؤيب: شعر : فنكرنه فنفرن وافترست به هوجاء هاربة وهاد خرسع تفسير : وقوله {أوجس منهم خيفة} اي اضمر الخوف منهم، والايجاس الاحساس قال ذو الرمة: شعر : وقد توجس ركزاً مغفراً ندساً بنبأة الصوت ما في سمعه كذب تفسير : اي تجسيس. وقيل أوجس أضمر، وانما خافهم حين لم ينالوا من طعامه لانه رآهم شباباً اقوياء وكان ينزل طرفاً من البلد لم يأمن - من حيث لم يتحرموا بطعامه ان يكون ذلك البلاء حتى قالوا له لا تخف يا ابراهيم {إنا أرسلنا إلى قوم لوط} بالعذاب والاهلاك وقيل انهم دعوا الله فاحيا العجل الذي كان ذبحه ابراهيم وشواه فظهر ورعى، فعلم حينئذ انهم رسل الله.

الجنابذي

تفسير : {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} انكرهم واضمر انّهم اعداء لا اضياف {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} احسّ واضمر خوفاً {قَالُواْ} بعد ما رأوا انّه خاف {لاَ تَخَفْ إِنَّا} ملائكة الله واحبابك {أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ} وليس شأننا الاكل.

اطفيش

تفسير : {فلمَّا رَأى أيدِيَهم لا تَصلُ إليْهِ} إلى العجل الحنيذ، إذ لم يمدوها إليه {نَكِرهُم} أنكر حالهم {وأوْجَسَ} أضمر وأدرك {مِنْهم خِيفةً} نوعا من الخوف، وخاف أن يريدوا به مكروها، وكان منزله طرفا من الناس، فخاف منهم لامتناعهم من الأكل، إذ عرف من جاء بشر لا يأكل طعام المنزول به، وكان عادتهم إذا مس من جاءهم طعامهم أمنوه، وإلا خافوه، ولم يعلم بأنهم ملائكة، بل قيل: استضافوه فأضافهم بالعجل الحنيذ على طعام، والضيافة عندنا معشر الأباضية فرض كفاية، وإن قصد أحدا تعينت عليها وهى ثلاثة أيام، وروى يوما وليلة، وكذا قال ابن العربى المالكى. وقال بعض فقهاء قومنا: إنها غير واجبة، وإن الأحاديث فيها على الندب، وقيل: إن إبراهيم لم يعرفهم أولا، ولذلك قدم إليهم ما يأكلون، ولما رآهم لا يمدون أيديهم للأكل عرف أنهم ملائكة، لأنهم لا يأكلون ولا يشربون، فخاف أن يكونوا قد جاءوا بعذاب قومه أو لأن ما أحدثه لم يرضه الله، لا بمجرد أنهم ملائكة، لأنه لا يخافهم، ولكن المتبادر من الآية ما تقدم. قال الطبرى: لما قدم العجل قالوا: لا نأكل طعاما إلا بثمن، فقال لهم: ثمنه أن تذكروا الله تعالى عليه فى أوله، وتحمدوه فى آخره، فقال جبريل لأصحابه: بحق اتخذ الله هذا خليلا، فقيل: نظر إلى مكائيل فقال له ذلك. {قالُوا} حين رأوا خوفه الذى أضمره ظهر أثره عليه {لا تخف} إنا ملائكة الله، وإن قلنا: إنه عرفهم بعد عدم مد أيديهم، فالمراد لا تخف من عذاب قومك، وهون أمره عليك، فإنه أهل له، أو علمهم الله أنه خاف، أو علموا أن علمه بهم يوجب الخوف بأنهم ينزلون بعذاب، وفى هذا ضعف، أو لا تخف على نفسك فإنا لم نجئ فيك. {إنَّا أرْسِلنا إلَى قَوْم لُوطٍ} لنهلكم.

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ} أَى إِلى العجل الحنيذ إِذ لم يمدوها إِليه لأَن الملائِكة لا تأْكل، وذلك بعد أَن قربه إِليهم وقال أَلا تأْكلون كما فى سورة أُخرى، وقيل لا تصل لأَنهم يتناولون بغيرها وهو باطل لأَن الملائِكة لا تعبث وتنزه عن إِفساد الطعام ولو خيلوا له الأَكل بذلك لم ينكرهم ولم يقل لهم أَلا تأْكلون {نَكِرَهُمْ} توحش منهم ولم تطمئِن نفسه إِليهم حتى خاف أَن يكونوا عدوا أَو أَرادوا قتله، إِذ لم يأْكلوا لأَن الجائِى إِلى ضر لا يأْكل ما قدم إِليه المجىءُ إِليه وأَيضا دخلوا بدون استئْذان وفى غير وقت المجىءِ، وأَيضا لا يعرف سلاما فى زمانه وفى أَرضه، وقيل علمهم ملائِكة وخاف أَنه بدل فجاءُوا لإِهلاكه، خاف على نفسه لأَمر لم يرضه الله تعالى منه أَو على قومه أَو عليه وعليهم وللملائِكة اطلاع على ما لم يطلع عليه الإِنسان، وفى حديث البخارى قالت الملائِكة: رب إِن عبدك هذا يريد أَن يعمل سيئَة إِلخ وذلك بأَمارة لا باطلاع على ما فى القلب {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} أضمر أَو بلغ فإِنه من نكره لهم بلغ الخوف وأَدركه {خِيفَةً} نوعا من الخوف قويا أَو ضعيفاً أَو متوسطا ولو علمهم ملائِكة لم يقدم لهم مأكولا ولا خاف منهم ولا سيما أَنهم فى صورة حسنة {قَالُوا} لما أَحسوا من الخوف إِلهاما من الله لهم، أَو لما رأَوه من أَثره فى وجهه وكلامه، ثم تذكرت أَنه صرح لهم بالخوف كما فى آية أُخرى: إِنا منكم وجلون. وعن ابن عباس أَنه عليه السلام أَحس بأَنهم ملائِكة، كما قالوا إِنا أَرسلنا فهو عرفهم ولم يعرف فيم أُرسلوا فأَخبروه، فالإِنكار المدلول عليه بسلام قوم منكرون، وهو هنا بعد إِحضار الطعام، وهناك قبله أَو ما هنا راجع إِلى حالهم حين إِحضار الطعام، وما هناك متعلق بهم لا بعدم الأَكل ولا يخفى أَن المتبادر أَنه لم يعرفهم ملائِكة حتى قالوا لا تخف إِنا أُرسلنا، ولو عرفهم ملائِكة لم يقدم إِليهم الطعام فما عرفهم إِلا بعد تقديمه، وذكر بعض أَنه لم يعرفهم ملائِكة حتى مسح جبريل على الحنيذ فأَسرع يرضع أُمه {لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} بالعذاب ولم نأْكل طعامك لأَنا ملائِكة لا نأْكل لا لإِرادة سوءٍ بك، ولوط هو بن أَخى إِبراهيم، وهو لوط بن هاران وهاران أَخو إِبراهيم، وفى سورة أُخرى: {أية : إِنا أُرسلنا إِلى قوم مجرمين، لنرسل عليهم حجارة من طين، مسومة عند ربك للمسرفين} تفسير : [الذاريات: 32 - 34].

الالوسي

تفسير : {فَلَمَّا رَءآ أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ} كناية عن أنهم لا يمدون إليه أيديهم ويلزمه أنهم لا يأكلون، وقيل: {لا} كناية بناءاً على ما روي أنهم كانوا ينكتون اللحم بقداح في أيديهم وليس بشيء، وفي القلب من صحة هذه الرواية شيء إذ هذا النكت أشبه شيء بالعبث، والملائكة عليهم السلام يجلون عن مثله. و {رَأَىٰ} قيل: علمية فجملة {لاَ تَصِلُ} مفعول ثان، والظاهر أنها بصرية. والجملة في موضع الحال ففيه دليل على أن من أدب الضيافة النظر إلى الضيف هل يأكل أولاً لكن ذكروا أنه ينبغي أن يكون بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر / لأن ذلك مما يجعل الضيف مقصراً في الأكل أي لما شاهد منهم ذلك {نَكِرَهُمْ} أي نفرهم {وَأَوْجَسَ} أي استشعر وأدرك، وقيل: أضمر {مِنْهُمْ} أي من جهتهم {خِيفَةً} أي خوفاً، وأصلها الحالة التي عليها الإنسان من الخوف، ولعل اختيارها بالذكر للمبالغة حيث تفرس لذلك مع جهالته لهم من قبل وعدم معرفته من أي الناس يكونون كما ينبـىء عنه ما في الذاريات [25] من قوله سبحانه حكاية عنه: {أية : قَالَ سَلَـٰمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ }تفسير : أنهم ملائكة، وظن أنهم أرسلوا لعذاب قومه أو لأمر أنكره الله تعالى عليه. {قَالُواْ} حين رأوا أثر ذلك عليه عليه السلام، أو أعلمهم الله تعالى به، أو بعد أن قال لهم ما في الحجر [52] {أية : إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ }تفسير : فإن الظاهر منه أن هناك قولاً بالفعل لا بالقوة كما هو احتمال فيه على ما ستراه إن شاء الله تعالى، وجوز أن يكون ذلك لعلمهم أن علمه عليه السلام أنهم ملائكة يوجب الخوف لأنهم لا ينزلون إلا بعذاب، وقيل: إن الله تعالى جعل للملائكة مطلقاً ما لم يجعل لغيرهم من الاطلاع كما قال تعالى: {أية : يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ }تفسير : [الإنفطار: 12] وفي «الصحيح» «حديث : قالت الملائكة رب عبدك هذا يريد أن يعمل سيئة»تفسير : الحديث، وهو قول بأن الملائكة يعلمون الأمور القلبية. وفي الأخبار الصحيحة ما هو صريح بخلافه، والآية. والخبر المذكوران لا يصلحان دليلاً لهذا المطلب، وإسناد القول إليهم ظاهر في أن الجميع قالوا {لاَ تَخَفْ} ويحتمل أن القائل بعضهم، وكثيراً ما يسند فعل البعض إلى الكل في أمثال ذلك. وظاهر قوله سبحانه: {أَنَّآ أَرْسَلْنَا} أنه استئناف في معنى التعليل للنهي المذكور كما أن قوله سبحانه: {أية : إِنَّا نُبَشّرُكَ}تفسير : [الحجر: 53] استئناف كذلك فإن إرسالهم إلى قوم آخرين يوجب أمنهم من الخوف أي {أَرْسَلْنَا} بالعذاب {إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ} خاصة، ويعلم مما ذكرنا أنه عليه السلام أحس بأنهم ملائكة، وإليه ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد يستدل له بقولهم: {لاَ تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَا} فإنه كما لا يخفى على من له أدنى ذوق إنما يقال لمن عرفهم ولم يعرف فيم أرسلوا فخاف، وأن الإنكار المدلول عليه بنكرهم غير المدلول عليه بما في الذاريات فلا إشكال في كون الإنكار هناك قبل إحضار الطعام وهنا بعده. وأصل الإنكار ضد العرفان، ونكرت وأنكرت واستنكرت بمعنى، وقيل: إن أنكر فيما لا يرى من المعاني ونكر فيما يرى بالبصر، ومن ذلك قول الشاعر شعر : : وأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا تفسير : فإنه أراد في الأول على ما قيل: أنكرت مودتي، وقال الراغب: إن أصل ذلك أن يرد على القلب ما لا يتصوره وذلك ضرب من الجهل وبه فسر ما في الآية، وفرق بعضهم بين ما هنا وبين ما وقع في الذاريات بأن الأول راجح إلى حالهم حين قدم إليهم العجل والثاني متعلق بأنفسهم ولا تعلق له برؤية عدم أكلهم بل وقع عند رؤيته عليه السلام لهم لعدم كونهم من جنس ما يعهده من الناس، ويحتاج هذا إلى اعتبار حذف المضاف أو ملاحظة الحيثية، واعترض ما قدمناه بأن فيه ارتكاب مجاز، ولعل الأمر فيه سهل. وذهب بعضهم إلى أنه عليه السلام لم يعرف أنهم ملائكة حتى قالوا له: {لاَ تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَا} وكأن سبب خوفه منهم أنهم لم يتحرموا بطعامه فظن أنهم يريدون به سوءاً إذ كانت العادة إذ ذاك كذلك، وكان عليه السلام نازلاً في طرف من الأرض منفرداً عن قومه، وهي رواية عن ابن عباس أخرجه إسحاق بن بشر/ وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عنه، وقيل: كان سبب خوفه أنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت. وقال العلامة الطيبـي: الحق أن الخوف إنما صدر عن مجموع كونهم منكرين وكونهم ممتنعين من الطعام كما يعلم من الآيات الواردة في هذه القصة ولأنه لو عرفهم بأنهم ملائكة لم يحضر بين أيديهم الطعام ولم يحرضهم على الأول وإنما عدلوا إلى قولهم: {إِنَّآ أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ} ليكون جامعاً للمعاني بحيث يفهم منه المقصود أيضاً انتهى. وفيه إشارة إلى الردّ على الزمخشري، وقد اختلف كلامه في تعليل الخوف فعلله تارة بعرفانه أنهم ملائكة وأخرى بأنهم لم يتحرموا طعامه، ولعله أراد بذلك العرفان العرفان بعد إحضار الطعام، وما ذكره الطيبـي من أنه لو عرفتهم بأنهم ملائكة لم يحضر الخ غير قادح إذ يجوز أن يخافهم بعد الإحضار أولاً لعدم التحرم ثم بعد تفرس أنهم ملائكة خافهم لأنهم ملائكة أرسلوا للعذاب، والزمخشري حكى أحد الخوفين في موضع والآخر في آخر. قال بعض المحققين والتعليل بأنهم ملائكة هو الوجه لينتظم قوله سبحانه: {أية : لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشّرُكَ بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍ} تفسير : [الحجر: 53] مع ما قبله إذ لو كان الوجل لكونهم على غير زي من عرف ونحوه لم يحسن التعليل بقوله تعالى: {إِنَّا نُبَشّرُكَ} فإنه إنما هو تعليل للنهي عن الوجل من أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب كأنهم قالوا: لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم وإنا أرسلنا إلى قوم لوط فجاء على اختصارات القرآن بذكر أحد التعليلين في أحد الموضعين والآخر في الآخر، ولا شك أن في الحجر اختصاراً لطي حديث الرواع، والتعجيل بالعجل الحنيذ وعدم تحرمهم بطعامه لما أن المقصود من سوق القصة هنالك الترغيب والترهيب للاعتبار بحال إبراهيم عليه السلام وما لقي من البشرى والكرامة، وحال قوم لوط عليه السلام وما منوا به من السوأى والملامة، ألا ترى إلى قوله سبحانه: {أية : نَبّيء عِبَادِي أَنّيۤ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : إلى قوله جل وعلا: {أية : عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ }تفسير : [الحجر: 49-51] فاقتصر على ما يفيد ذلك الغرض، وأما في هذه السورة فجيء بها للإرشاد الذي بنى عليه السورة الكريمة مع إدماج التسلية ورد ما رموه به عليه الصلاة والسلام من الافتراء، وفي كل من أجزاء القصة ما يسد من هذه الأغراض فسرد على وجهها، وفي سورة الذاريات للأخيرين فقط فجىء بما يفيد ذلك فلا عليك إن رأيت اختصاراً أن تنقل إليه من المبسوط ما يتم به الكلام بعد أن تعرف نكتة الاختصار، وهذا من خواص كتاب الله تعالى الكريم انتهى ولا يخلو عن حسن، وفيه ذهاب إلى كون جملة {إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ} استئنافاً في موضع التعليل كما هو الظاهر. وقال شيخ الإسلام عليه الرحمة: الظاهر ما ذكر إلا أنه ليس كذلك فإن قوله تعالى: {أية : قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ * قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ }تفسير : [الحجر: 57-58] صريح في أنهم قالوه جواباً عن سؤاله عليه السلام، وقد أوجز الكلام اكتفاءاً بذلك انتهى. وتعقب بأنه قد يقال: إن ذلك لا يقدح في الحمل على الظاهر لجواز أن يكونوا قالوا ذلك على معنى التعليل للنهي عن الخوف، ولكنه وإن أريد منه الإرسال بالعذاب لقوم لوط عليه السلام مجمل لم يؤت به على وجه يظهر منه ما نوع هذا العذاب هل هو استئصال أم لا؟ فسأل عليه السلام لتحقيق ذلك فكأنه قال: أيها المرسلون إلى قوم لوط ما هذا الأمر العظيم الذي أرسلتم به؟ فأجابوه بما يتضمن بيان ذلك مع الإشارة إلى علة نزول ذلك الأمر بهم وهو قولهم: {أية : إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * إِلآ ءالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [الحجر: 58-59] الآية فإن انفهام عذاب الاستئصال لقوم لوط عليه السلام من ذلك ظاهر، وكذا الإشارة إلى العلة. / والحاصل أن السؤال في تلك الآية عن الخطب وهو في الأصل الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب، ويراد من السؤال عنه تحقيق أمر لم يعلمه عليه السلام من كلامهم قبل إما لأنه لم يعلم ذلك منه أو لأنه كان مشغولاً عن كمال التوجه ليعلم عليه السلام منه ذلك، وفي خطابه عليه السلام لهم عليهم السلام بعنوان الرسالة ما يؤيد تقدم قولهم: {أَنَّآ أَرْسَلْنَا} على هذا السؤال لكنه أسقط هناك تعويلاً على ما هنا ولا بدع في الإسقاط من المتأخر تعويلاً على المتقدم، وتأخر الحجر والذاريات عن هود تلاوة مما لا كلام فيه، وتأخرهما نزولاً مما رواه ابن ضريس في «فضائل القرآن» عن محمد بن عبد الله بن أبـي جعفر الرازي عن عمر بن هٰرون عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن ابن عباس، وذكر أنها كلها نزلت بمكة وأن بين هود والحجر سورة واحدة، وبين الحجر والذاريات ثلاث عشرة سورة فليتأمل في هذا المقام، ويفهم من كلام بعضهم أنه عليه السلام لم يتحقق كونهم ملائكة إلا بعد أن مسح جبريل عليه السلام العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه فحينئذ عرفهم وأمن منهم، ولم يتحقق صحة الخبر عندي، والذي أميل إليه أنه عليه السلام عرفهم قبل ذلك وأن خوفه منهم لكونهم ملائكة لم يدر لأي شيء نزلوا، ويبعد عند من عرف حال إبراهيم عليه السلام القول بأنه خاف بشراً وبلغ منه الخوف حتى قَالَ {أية : إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ }تفسير : [الحجر: 52] لا سيما إذا قلنا: إنا من خافهم كانوا ثلاثة وأنه عليه السلام لم يكن في طرف من الأرض بل كان بين أصحابه، أو كان هناك لكن بين خدمه وغلمانه.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 70- فلما رأى أيديهم لا تبلغه ولا تمتد إليه، كما هو معروف عن الضيوف أنكر أنهم ضيوف، وأحس أنهم ملائكة، وأضمر الخوف أن يكون مجيئهم لأمر أنكره الله عليه، أو لتعذيب قومه. قالوا - وقد عرفوا أثر الخوف فى نفسه -: لا تخف إنا أرسلنا لهلاك قوم لوط. 71- وكانت امرأته قائمة تسمع كلامهم فى مكان قريب منهم، فضحكت لسرورها لنجاة لوط ابن أخى زوجها، فبشرناها على ألْسِنَة الملائكة بأنها ستلد من إبراهم زوجها ولداً يسمى إسحاق، وسيعيش ولدها، وسيكون لها منه بعد إسحاق يعقوب. 72- صاحت متعجبة وقالت: يا عجبا! أألدُ وأنا عجوز، وهذا زوجى ترونه شيخاً كبيراً ولا يولد لمثله؟ إن هذا الذى أسمعه والله شئ عجيب، إذ كيف يولد لهرِمَيْن مثلى ومثل زوجى؟. 73- قالت الملائكة لها: أتعجبين من أن يولد لكما على كبركما، وهو من أمر الله الذى لا يعجزه شئ؟ تلك رحمة الله ونعمه الكثيرة عليكم - أهل بيت النبوة - فليس بعجيب أن يهب لكم ما لا يهب لغيركم، إنه فاعل ما يستوجب الحمد، عظيم كثير الإحسان والكرم والعطاء. 74- فلما ذهب عن إبراهيم الخوف، وسمع البشارة السارة بالولد، أخذه الإشفاق، وأخذ يجادل رسلنا فى هلاك قوم لوط. 75- إن إبراهيم لكثير الحلم، لا يحب تعجيل العقاب، كثير التأوه والتوجع من السوء الذى يصيب غيره، تائب راجع إلى الله بما يحبه ويرضاه، فَرِقته ورحمته ورأفته حملته على المجادلة رجاء أن يرفع الله عذابه عن قوم لوط وأن يتوبوا وينيبوا إليه. 76- قالت الملائكة: يا إبراهيم أعرض عن هذا الجدال والتماس الرحمة لهؤلاء القوم، إنه قد جاء أمر ربك بهلاكهم، وأنهم لا بد آتيهم عذاب نافذ غير مردود بجدل أو غير جدل.

د. أسعد حومد

تفسير : {رَأَى} (70) - فَلَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمُ أَنَّ المَلائِكَةَ لاَ يَمُدُّونَ أَيْدِيَهُمْ إِلى طَعَامِهِ كَمَا تَقْضِي بِهِ آدَابُ الضِّيَافَةِ، أَنْكَرَ ذلِكَ مِنْهُمْ (نَكِرَهُمْ)، وَاسْتَشْعَرَ مِنْهُم الخَوْفَ، فَقَالُوا: لاَ تَخَفْ مِنَّا فَإِنَّنا لاَ نُرِيدُ بِكَ سُوْءاً، وَإِنَّما نَحْنُ مُرْسَلُونَ مِنْ رَبِّكَ لِنُهْلِكَ قَوْمَ لُوطٍ. نَكِرَهُمْ - أَنْكَرَهُمْ وَنَفَرَ مِنْهُمْ. أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً - اسْتَشْعَرَ فِي نَفْسِهِ الخَوْفَ مِنْهُمْ وَأَحَسَّ بِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وحين رأى إبراهيم أن أيديهم لا تصل إلى الطعام توجس من ذلك شرّاً ونكرهم، أي: استنكر أنهم لم يأكلوا من طعام قدَّمه لهم، فهل علم إبراهيم أنهم ملائكة؟ لقد علم إبراهيم عليه السلام أنهم ملائكة من كلامهم. وقد بيَّن ذلك قول الحق سبحانه في موضع آخر من القرآن: {أية : إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ * قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ}تفسير : [الحجر: 52-58]. إذن: فهم لم يقولوا له مثلما قالوا للوط عليه السلام: {أية : إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ ..}تفسير : [هود: 81]. وهنا حين قالوا لإبراهيم عليه السلام: {.. لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 70]. أي: أنهم فهموا أن إبراهيم عليه السلام يعلم أنهم ملائكة؛ لأن المَلك قد يتشكل في هيئة إنسان، مثلما تشكَّل جبريل عليه السلام أمام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك الجن لهم قدرة على التشكل، إلا أن هناك فارقاً بين تشكل الملك وتشكل الجن، فالجن إن تشكل تحكمه الصورة، فإن تشكل في صورة رجل فيمكنك أن تمسك به وتؤذيه. ألم يَقُلْ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن عفريتاً من الجن تفلَّت البارحة ليقطع عليَّ صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته، فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ}. فرددته خاسئاً ". تفسير : إذن: إذا تشكل الجن حكمته الصورة، ويمكن أن نضربه مثلاً، أما الملاك إذا تشكل فالصورة لا تحكمه. وحُكْم الصورة عند تشكل الجني هي التي تحمينا من مخاوفنا، وهو أيضاً يخاف منا مثلما نخاف منه، ولذلك لا يظهر الجني متشكلاً في صورة إلا لحظة قصيرة ليختفي على الفور؛ لأنه يخاف أن تكون قد علمت أن الصورة التي تشكل عليها تحكمه وتستطيع أن تفتك به؛ لذلك فالجن يخافون من البشر. وشاء الحق سبحانه ذلك الأمر حتى لا يفزع الجنُّ الناسَ. وهنا يقول الحق سبحانه: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ ..} [هود: 70]. وكلمة {نَكِرَهُمْ} تقتضي أن ننظر في مادة "النون والكاف والراء" وكلمة "نكر" وكلمة "أنكر" كلتاهما مستعملة في القرآن. والشاعر يقول: شعر : وَأنْكَرتْنِي ومَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِث إلاّ الشَّيبَ والصَّلَعا تفسير : والاستعمال اللغوي يدل على أن المقابح من ألوان السلوك تسمى منكرات، أي: ينكرها الإنسان بفطرته. وهنا حين رأى إبراهيم عليه السلام أن أيديهم لا تصل إلى العجل الحنيذ نكرهم، وأوجس في نفسه خيفة، فلاحَظوا ذلك، وقالوا: {.. لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 70]. وهكذا عرف لمن جاءوا، واطمأن أن قومه لم يأتوا بفعل يستحقون عليه العذاب، وخصوصاً أن كتب التاريخ تقول: إن إمرأة إبراهيم عليه السلام قالت له: ألا تضم ابن أخيك إلى كنفك هنا؛ لأن قومه يوشك أن يعمهم الله بالعذاب. وحين سمعت أن الرسل إنما جاءت إلى قوم لوط سُرَّتْ من فراستها، وتبسَّمت لأنها تنبهت إلى هذه المسألة. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: {أية : قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ}تفسير : [الذاريات: 32-34]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {نَكِرَهُمْ} معناه أَنْكرَهُمْ. تفسير : وقوله تعالى: {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} معناهُ أضمرَ مِنهُم خَوفاً.

همام الصنعاني

تفسير : 1209- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ}: [الآية: 70]، قَالَ: كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكُلْ من طعامهم ظنّوا أنه لم يأتِ بخير، وأنَّهُ يحدّث نفسه بَشَرّ، قال: ثم حدثوه عند ذلك لما جاءوه فضحكت امْرَأَتُه عند ذلك تعجباً من غفلة القوم ومَا أتاهم من العذاب، فبشروها بإسحاق، بعد الذي كَانَ من أمره، {وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}: [الآية: 71]. 1210- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الكلبي في قوله تعالى: {فَضَحِكَتْ}: [الآية: 71]، قال: ضحِكَتْ حين راعوا إبراهيم مما رأت من الرَّوْعِ بإبراهيم. 1211- حدثنا عبد الرزاق، قال مَعْمَر، وقال قتادة، فضحكت تعجباً مما فيه قوم لوط من الغفلة وما أتاهم من العذاب. 1212- حدثنا سلمة، عن إبراهيمَ بْنِ الحَكَمِ قال: حدثني أبي عن عكرمة في قوله: {فَضَحِكَتْ}: [الآية: 71]، قال: حاضت.