١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
72
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الفراء أصل الويل وي، وهو الخزي، ويقال: وي لفلان أي خزي له فقوله ويلك أي خزي لك، وقال سيبويه: ويح زجر لمن أشرف على الهلاك، وويل لمن وقع فيه. قال الخليل: ولم أسمع على بنائه إلا ويح، وويس، وويك، وويه، وهذه الكلمات متقاربة في المعنى وأما قوله: {يا ويلتا} فمنهم من قال هذه الألف ألف الندبة وقال صاحب «الكشاف»: الألف في ويلتا مبدلة من ياء الإضافة في {يا ويلتي} وكذلك في يا لهفا ويا عجبا ثم أبدل من الياء والكسرة الألف والفتحة، لأن الفتح والألف أخف من الياء والكسرة. أما قوله: {ءأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو آلد بهمزة ومدة، والباقون بهمزتين بلا مد. المسألة الثانية: لقائل أن يقول إنها تعجبت من قدرة الله تعالى والتعجب من قدرة الله تعالى يوجب الكفر، بيان المقدمة الأولى من ثلاثة أوجه: أولها: قوله تعالى حكاية عنها في معرض التعجب {ءألد وَأَنَاْ عَجُوزٌ } وثانيها: قوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عَجِيبٌ } وثالثها: قول الملائكة لها {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } وأما بيان أن التعجب من قدرة الله تعالى يوجب الكفر، فلأن هذا التعجب يدل على جهلها بقدرة الله تعالى، وذلك يوجب الكفر. والجواب: أنها إنما تعجبت بحسب العرف والعادة لا بحسب القدرة فإن الرجل المسلم لو أخبره مخبر صادق بأن الله تعالى يقلب هذا الجبل ذهباً إبريزاً فلا شك أنه يتعجب نظراً إلى أحوال العادة لا لأجل أنه استنكر قدرة الله تعالى على ذلك. المسألة الثالثة: قوله: {وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا } فاعلم أن شيخاً منصوب على الحال، قال الواحدي رحمه الله: وهذا من لطائف النحو وغامضه فإن كلمة هذا للإشارة، فكان قوله: {وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا } قائم مقام أن يقال أشير إلى بعلي حال كونه شيخاً، والمقصود تعريف هذه الحالة المخصوصة وهي الشيخوخة. المسألة الرابعة: قرأ بعضهم {وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا } على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذا بعلي وهو شيخ، أو بعلي بدل من المبتدأ وشيخ خبر أو يكونان معاً خبرين، ثم حكى تعالى أن الملائكة قالوا: {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} والمعنى: أنهم تعجبوا من تعجبها، ثم قالوا: {قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَتُ } والمقصود من هذا الكلام ذكر ما يزيل ذلك التعجب وتقديره: إن رحمة الله عليكم متكاثرة وبركاته لديكم متوالية متعاقبة، وهي النبوة والمعجزات القاهرة والتوفيق للخيرات العظيمة فإذا رأيت أن الله خرق العادات في تخصيصكم بهذه الكرامات العالية الرفيعة وفي إظهار خوارق العادات وإحداث البينات والمعجزات، فكيف يليق به التعجب. وأما قوله: {أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } فإنه مدح لهم فهو نصب على النداء أو على الاختصاص، ثم أكدوا ذلك بقولهم: {إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ } والحميد هو المحمود وهو الذي تحمد أفعاله، والمجيد الماجد، وهو ذو الشرف والكرم، ومن محامد الأفعال إيصال العبد المطيع إلى مراده ومطلوبه، ومن أنواع الفضل والكرم أن لا يمنع الطالب عن مطلوبه، فإذا كان من المعلوم أنه تعالى قادر على الكل وأنه حميد مجيد، فكيف يبقى هذا التعجب في نفس الأمر فثبت أن المقصود من ذكر هذه الكلمات إزالة التعجب.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {يٰوَيْلَتَا} قال الزجاج: أصلها يا ويلتي؛ فأبدل من الياء ألفاً، لأنها أخفّ من الياء والكسرة؛ ولم ترد الدعاء على نفسها بالويل، ولكنها كلمة تخفّ على أفواه النساء إذا طرأ عليهنّ ما يعجبن منه؛ وعجبت من ولادتها (ومن) كون بعلها شيخاً لخروجه عن العادة، وما خرج عن العادة مستغرب ومستنكر. و{أَأَلِدُ} ٱستفهام معناه التعجب. {وَأَنَاْ عَجُوزٌ} أي شيخة. ولقد عَجَزت تَعْجِزُ عَجْزاً وعَجَّزت تعجِيزاً؛ أي طعنت في السنّ. وقد يقال: عجوزة أيضاً. وعجزت المرأة بكسر الجيم؛ عظمت عجيزتها عُجْزاً وعَجَزاً بضم العين وفتحها. قال مجاهد: كانت بنت تسع وتسعين سنة. وقال ابن إسحٰق: كانت بنت تسعين (سنة). وقيل غير هذا. الثانية: قوله تعالى: {وَهَـٰذَا بَعْلِي} أي زوجي. {شَيْخاً} نصب على الحال، والعامل فيه التنبيه أو الإشارة. «وَهَذَا بَعْلِي» ٱبتداء وخبر. وقال الأخفش: وفي قراءة ابن مسعود وأُبيّ «وهذا بعلي شيخ» قال النحاس: كما تقول هذا زيد قائم؛ فزيد بدل من هذا؛ وقائم خبر الابتداء. ويجوز أن يكون «هذا» مبتدأ «وزيد قائم» خبرين؛ وحكى سيبويه: هذا حلوٌ حامضٌ. وقيل: كان إبراهيم ٱبن مائة وعشرين سنة. وقيل: ٱبن مائة فكان يزيد عليها في قول مجاهد سنة. وقيل: إنها عرضت بقولها: «وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً» أي عن ترك غِشْيانه لها. وسارّة هذه ٱمرأة إبراهيم بنت هاران بن ناحور بن شاروع بن أرغو بن فالغ، وهي بنت عم إبراهيم. {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} أي الذي بشرتموني به لشيء عجيب.
البيضاوي
تفسير : {قَالَتْ يَا وَيْلَتِي} يا عجباً، وأصله في الشر فأطلق على كل أمر فظيع. وقرىء بالياء على الأصل. {ءأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا} ابنة تسعين أو تسع وتسعين. {وَهَـٰذَا بَعْلِى} زوجي وأصله القائم بالأمر. {شَيْخًا} ابن مائة أو مائة وعشرين، ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإِشارة. وقرىء بالرفع على أنه خبر محذوف أي هو شيخ، أو خبر بعد خبر أو هو الخبر و {بَعْلِى} بدل. {إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عَجِيبٌ} يعني الولد من هرمين، وهو استعجاب من حيث العادة دون القدرة ولذلك: {قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} منكرين عليها فإِن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة ومهبط المعجزات، وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس ببدع ولا حقيق بأن يستغربه عاقل فضلاً عمن نشأت وشابت في ملاحظة الآيات، وأهل البيت نصب على المدح أو النداء لقصد التخصيص كقولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة. {إِنَّهُ حَمِيدٌ } فاعل ما يستوجب به الحمد. {مَّجِيدٌ } كثير الخير والإِحسان. {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ } أي ما أوجس من الخيفة واطمأن قلبه بعرفانهم. {وَجَاءتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ } بدل الورع. {يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ } يجادل رسلنا في شأنهم ومجادلته إياهم قوله: {أية : إِنَّ فِيهَا لُوطاً } تفسير : [العنكبوت: 32] وهو إما جواب لما جيء به مضارعاً على حكاية الحال أو لأنه في سياق الجواب بمعنى الماضي كجواب لو، أو دليل جوابه المحذوف مثل اجترأ على خطابنا أو شرع في جدالنا، أو متعلق به أقيم مقامه مثل أخذ أو أقبل يجادلنا. {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لَحَلِيمٌ} غير عجول على الانتقام من المسيء إليه. {أَوَّاهٌ} كثير التأوه من الذنوب والتأسف على الناس. {مُّنِيبٌ} راجع إلى الله، والمقصود من ذلك بيان الحامل له على المجادلة وهو رقة قلبه وفرط ترحمه. {يَا إِبْرَاهِيمَ} على إرادة القول أي قالت الملائكة {يَا إِبْرَاهِيمَ }. {أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا} الجدال {إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبّكَ} قدره بمقتضى قضائه الأزلي بعذابهم وهو أعلم بحالهم. {وَإِنَّهُمْ اتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} مصروف بجدال ولا دعاء ولا غير ذلك. {وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيْءَ بِهِمُ} ساءه مجيئهم لأنهم جاؤوه في صورة غلمان فظن أنهم أناس فخاف عليهم أن يقصدهم قومه فيعجز عن مدافعتهم. {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} وضاق بمكانهم صدره، وهو كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه والاحتيال فيه. {وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ } شديد من عصبه إذا شده. {وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} يسرعون إليه كأنهم يدفعون دفعاً لطلب الفاحشة من أضيافه. {وَمِن قَبْلُ } أي ومن قبل ذلك الوقت. {كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ} الفواحش فتمرنوا بها ولم يستحيوا منها حتى جاؤوا يهرعون لها مجاهرين. {قَالَ يَـا قَوْمِ هَـٰؤُلآء بَنَاتِى} فدى بهن أضيافه كرماً وحمية، والمعنى هؤلاء بناتي فتزوجوهن، وكانوا يطلبونهن قبل فلا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءتهم لا لحرمة المسلمات على الكفار فإنه شرع طارىء أو مبالغة في تناهي خبث ما يرومونه حتى إن ذلك أهون منه، أو إظهاراً لشدة امتعاضه من ذلك كي يرقوا له. وقيل المراد بالبنات نساؤهم فإن كل نبي أبو أمته من حيث الشفقة والتربية وفي حرف ابن مسعود {أية : وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ }تفسير : [الأحزاب: 6] وهو أب لهم {هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } أنظف فعلاً وأقل فحشاً كقولك: الميتة أطيب من المغصوب وأحل منه. وقرىء {أَطْهَرُ} بالنصب على الحال على أن هن خبر بناتي كقولك: هذا أخي هو الأفضل فإنه لا يقع بين الحال وصاحبها. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } بترك الفواحش أو بإيثارهن عليهم. {وَلاَ تُخْزُونِ} ولا تفضحوني من الخزي، أو ولا تخجلوني من الخزاية بمعنى الحياء. {فِى ضَيْفِى } في شأنهم فإن إخزاء ضيف الرجل إخزاؤه. {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ} يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح. {قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ } من حاجة {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} وهو إتيان الذكران. {قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً } لو قويت بنفسي على دفعكم. {أَوْ اوِى إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ} إلى قوي أبلغ به عنكم. شبهه بركن الجبل في شدته. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : رحم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد»تفسير : وقرىء {أَوْ آوِى} بالنصب بإضمار أن كأنه قال: لو أن لي بكم قوة أو أوياً وجواب لو محذوف تقديره لدفعتكم روي أنه أغلق بابه دون أضيافه وأخذ يجادلهم من وراء الباب فتسوروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَتْ يٰوَيْلَتَىٰ } كلمة تقال عند أمر عظيم، والألف مبدلة من ياء الإِضافة {ءأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ } لي تسع وتسعون سنة {وَهَٰذَا بَعْلِى شَيْخًا } له مائة وعشرون سنة، ونصبه على الحال، والعامل فيه ما في «ذا» من الإِشارة {إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ } أن يُولد ولدٌ لهرمين.
ابن عطية
تفسير : اختلف الناس في الألف التي في قوله: {يا ويلتى} وأظهر ما فيها أنها بدل ياء الإضافة، أصلها: يا ويلتي، كما تقول: يا غلاما ويا غوثا؛ وقد تردف هذه الألف بهاء في الكلام، ولم يقرأ بها، وأمال هذه الألف عاصم والأعمش وأبو عمرو. ومعنى {يا ويلتى} في هذا الموضع؛ العبارة عما دهم النفس من العجب في ولادة عجوز، وأصل هذا الدعاء بالويل ونحوه في التفجع لشدة أو مكروه يهم النفس، ثم استعمل بعد في عجب يدهم النفس وقال قوم: إنما قالت: {يا ويلتى} لما مر بفكرها من ألم الولادة وشدتها، ثم رجعت بفكرها إلى التعجب ونطقت بقولها {أألد وأنا عجوز}؟ الآية. وقرأت فرقة: "أألد" بتحقيق الهمزتين، وقرأت فرقة بتخفيف الأولى وتحقيق الثانية، وفي النطق بهذه عسر، وقرأت فرقة: بتحقيق الأولى وتخفيف الثانية، والتخفيف هنا مدها، وقرأت فرقة "ءا ألد" بتحقيق الهمزتين ومدة بينهما. و"العجوز" المسنة، وقد حكى بعض الناس: أن العرب تقول: العجوزة، و"البعل": الزوج، و {شيخاً} نصب على الحال وهي حال من مشار إليه لا يستغنى عنها لأنها مقصود الإخبار، وهي لا تصح إلا إذا لم يقصد المتكلم التعريف بذي الحال، مثل أن يكون المخاطب يعرفه؛ وأما إذا قصد التعريف به لزم أن يكون التعريف في الخبر قبل الحال، وتجيء الحال على بابها مستغنى عنها، ومثال هذا قولك: هذا زيد قائماً، إذا أردت التعريف بزيد. أو كان معروفاً وأردت التعريف بقيامه، وأما إن قصد المتكلم أن زيديته إنما هي مادام قائماً، فالكلام لا يجوز. وقرأ الأعمش "هذا بعلي شيخ"، قال أبو حاتم وكذلك في مصحف ابن مسعود، ورفعه على وجوه: منها: أنه خبر بعد خبر كما تقول: هذا حلو حامض، ومنها: أن يكون خبر ابتداء مضمر تقديره: هو شيخ وروي أن بعض الناس قرأه: "وهذا بعلي هذا شيخ"، وهذه القراءة شبيهة بهذا التأويل. ومنها: أنه بدل من {بعلي} ومنها: أن يكون قولها {بعلي} بدلاً من {هذا} أو عطف بيان عليه، ويكون "شيخ" خبر {هذا}. ويقال شيخ وشيخة - وبعض العرب يقول في المذكر والمؤنث شيخ. وروي أن سارة كانت وقت هذه المقالة من تسع وتسعين سنة، وقيل: من تسعين -قاله ابن إسحاق - وقيل من ثمانين؛ وكذلك قيل في سن إبراهيم، إنه كان مائة وعشرين سنة، وقيل: مائة سنة، وغير ذلك مما يحتاج إلى سند. والضمير في قوله: {قالوا} للملائكة، وقوله: {من أمر الله} يحتمل أن يريد واحد الأمور، أي من الولادة في هذه السن، ويحتمل أن يريد مصدر أمر، أي مما أمر الله في هذه النازلة. وقوله: {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} يحتمل اللفظ أن يكون دعاء وأن يكون إخباراً، وكونه إخباراً أشرف، لأن ذلك يقتضي حصول الرحمة والبركة لهم، وكونه دعاء إنما يقتضي أنه أمر يترجى ولم يتحصل بعد. ونصب {أهلَ البيت} على الاختصاص - هذا مذهب سيبويه، ولذلك جعل هذا والنصب على المدح في بابين. كأنه ميز النصب على المدح بأن يكون المنتصب لفظاً يتضمن بنفسه مدحاً كما تقول: هذا زيد عاقل قومه، وجعل الاختصاص إذا لم تتضمن اللفظة ذلك، كقوله: إنا معاشر الأنبياء وإنا بني نهشل. قال القاضي أبو محمد: ولا يكون الاختصاص إلا بمدح أو ذم، لكن ليس في نفس اللفظة المنصوبة. وهذه الآية تعطي أن زوجة الرجل من أهل بيته لأنها خوطبت بهذا، فيقوى القول في زوجات النبي عليه السلام بأنهن من أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس، بخلاف ما تذهب إليه الشيعة، وقد قاله أيضاً بعض أهل العلم، قالوا: "أهل بيته" الذين حرموا الصدقة، والأول أقوى وهو ظاهر جلي من سورة الأحزاب لأنه ناداهن بقوله: {أية : يا نساء النبي} تفسير : [الأحزاب: 32] ثم بقوله: {أية : أهل البيت} تفسير : [الأحزاب: 33]. قال القاضي أبو محمد: ووقع في البخاري عن ابن عباس قال: أهل بيته الذين حرموا الصدقة بعده؛ فأراد ابن عباس: أهل بيت النسب الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: حديث : إن الصدقة لا تحل لأهل بيتي إنما هي أوساخ الناس . تفسير : و {البيت} في هذه الآية وفي سورة الأحزاب بيت السكنى ففي اللفظ اشتراك ينبغي أن يتحسس إليه. ففاطمة رضي الله عنها من أهل بيت محمد صلى الله عليه وسلم بالوجهين وعلي رضي الله عنه بالواحد، وزوجاته بالآخر، وأما الشيعة فيدفعون الزوجات بغضاً في عائشة رضي الله عنها. و {حميد} أي أفعاله تقتضي أن يحمد، و {مجيد} أي متصف بأوصاف العلو، ومجد الشيء إذا حسنت أوصافه.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَاوَيْلَتَى} لم تدع بالويل ولكنها كلمة تخف على ألسنة النساء عند تعجبهن، استغربت مجيء ولد من عجوز لها تسع وتسعون سنة، وشيخ له مائة سنة، أو لها تسعون، وله مائة وعشرون. {بَعْلِى شَيْخاً} قيل عرَّضت بذلك عن ترك غشيانه لها، والبعل السيد والبعل المعبود، وسمي الزوج بعلاً لتطاوله على المرأة كتطاول السيد على المسود. {عَجِيبٌ} منكر. {أية : وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ}تفسير : [ص: 4].
الخازن
تفسير : {قالت يا ويلتا} نداء ندبة وأصلها يا ويلتاه وهي كلمة يستعملها الإنسان عند رؤية ما يتعجب منه مثل يا عجباه {أألد وأنا عجوز} وكانت بنت تسعين سنة في قول ابن إسحاق، وقال مجاهد: كانت بنت تسع وتسعين سنة {وهذا بعلي} يعني زوجي والبعل هو المستعلي على غيره ولما كان زوج المرأة مستعلياً عليها قائماً بأمرها سمي بعلاً لذلك {شيخاً} وكان سن إبراهيم يومئذ مائة وعشرين سنة في قول محمد بن إسحاق وقال مجاهد مائة سنة وكان بين الولادة والبشارة سنة {إن هذا لشيء عجيب} لم تنكر قدرة الله سبحانه وتعالى وإنما تعجبت من كون الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يولد لهما {قالوا} يعني قالت الملائكة لسارة {أتعجبين من أمر الله} معناه لا تعجبي من ذلك فإن الله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء فإذا أراد شيئاً كان سريعاً {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} يعني: بيت إبراهيم عليه السلام وهذا على معنى الدعاء من الملائكة لهم بالخير والبركة فيه دليل على أن أزواج الرجل من أهل بيته {إنه حميد} يعني: هو المحمود الذي يحمد على أفعاله كلها وهو المستحق لأن يحمد في السراء والضراء والشدة والرخاء فهو محمود على كل حال {مجيد} ومعناه المنيع الذي لا يرام، وقال الخطابي: المجيد الواسع الكرم، وأصل المجد في كلامهم: السعة يقال رجل ماجد إذا كان سخياً كريماً واسع العطاء وقيل الماجد هو ذو الشرف والكرم.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالت} كأنه قيل فما ذا قالت اذ بشرت بذلك فقيل قالت {يا ويلتا} اى يا عجبا اصله يا ويلتى فابدل من الياء الالف ومن كسرة التاء الفتحة لان الالف مع الفتحة اخف من الياء مع الكسرة واصل هذه الكلمة فى الشر لان الشخص ينادى ويلته وهى هلكته يقول لها تعالى واحضرى فهذا اوان حضورك ثم اطلق فى كل امر عجب كقولك يا سبحان الله وهو المراد هنا. قال سعدى المفتى اصل الدعاء بالويل ونحوه فى التفجع لشدة مكروه يدهم النفس ثم استعمل فى عجب يدهم النفس {ءالد} [ايا من بزايم] {وانا عجوز} بنت تسعين او تسع وتسعين سنة لم الد قط {وهذا} الذى تشاهدونه {بعلى} اى زوجى واصله القائم بالامر {شيخا} ابن مائة سنة او مائة وعشرين ونصبه على الحال والعامل معنى الاشارة. قال فى الكواشى كأنها اشارت الى معروف عندهم اى هذا المعروف بعلى ثم قالت شيخا اى اشير اليه فى حال شيخوخته ولو لم يكن معروفا عندهم لكان يجب ان يكون بعلها مدة شيخوخته ولم يكن بعلها مدة شبيبته ونحوه هذا زيد قائما ان اخبرت من يعرفه صح المعنى وان اخبرت من لا يعرفه لا يصح لانه انما يكون زيدا ما قام فاذا ترك القيام فليس بزيد وقدمت بيان حالها على بيان حال بعلها لان مباينة حالها لما ذكر من الولادة اكثر اذ ربما يولد للشيوخ من الشواب ولا يولد للعجائز من الشبان {ان هذا} اى حصول الولد من هرمين مثلنا {لشيء عجيب} بالنسبة الى سنة الله المسلوكة فيما بين عباده ومقصدها استعظام نعمة الله عليها فى ضمن الاستعجاب العادى لا استبعاد ذلك بالنسبة الى قدرة الله تعالى لان التعجب من قدرة الله يوجب الكفر لكونه مستلزما للجهل بقدرة الله تعالى
الطوسي
تفسير : في هذه الآية اخبار عما قالت امرأة ابراهيم حين بشرت بانها تلد اسحاق وهو ان قالت يا ويلتى. ومعنى ياويلتى الانذار بورود الأمر الفظيع تقول العرب يا للدواهي اي تعالين فانه من ازمانك بحضور ما حضر من اشكالك. والف {يا ويلتى} يجوز ان يكون الف ندبة. ويحتمل ان يكون للاضافة انقلبت من الياء وكان هذا القول من امرأة ابراهيم على وجه التعجب بطبع البشرية، إذ ورد عليها ما لم تجربه العادة قبل ان تفكر في ذلك كما ولّى موسى مدبراً حين انقلبت العصا حية حتى قيل له {أية : أقبل ولا تخف}تفسير : وإلا هي كانت مؤمنة عارفة بأن الله تعالى يقدرعلى ذلك. قال الرماني: والسبب في ان العجوز لا تلد أن الماء - الذي يخلق الله (عز وجل) منه الولد مع نطفة الرجل - قد انقطع بدلالة ارتفاع الحيض، فجعل الله الولد على تلك الحال معجزاً لنبيه ابراهيم (ع). وقال مجاهد: كان لابراهيم في ذلك مئة سنة ولها تسع وتسعون سنة. وقال ابن اسحاق: كان لابراهيم مئة وعشرون سنة، ولسارة تسعون سنة. والبعل الزوج، واصله القائم بالأمر، فيقولون للنخل الذي يستغني بماء السماء عن سقي الانهار والعيون: بعل، لأنه قائم بالأمر في استغنائه عن تكلف السقي له، ومالك الشيء القيم بتدبيره: بعل، ومنه قوله تعالى {أية : أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين}. تفسير : و {شيخاً} نصب على الحال، والعامل فيه ما في هذا من معنى الاشارة أو التنبيه. وفي قراءة ابن مسعود بالرفع. ويحتمل الرفع في قوله سيبويه والخليل أربعة أوجه، فيرفع (هذا) بالابتداء، و (بعلي) خبره، و (شيخ) خبر ثاني، كأنه قال هذا شيخ، ويجوز ان يكونا خبرين لهذا، كقولك هذا حلو حامض، ويجوز ان يكون (بعلي) بدلاً من (هذا) وبياناً له و (شيخ) خبره. وقوله {إن هذا لشيء عجيب} ان يكون الولد بين عجوزين شيخين شيء يتعجب منه.
الهواري
تفسير : { قَالَتْ يَا وَيْلَتَى ءَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ}، وكانت قعدت من الولد {وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ. قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ}. هذا كلام مستقبل، مقطوع من كلام الملائكة. {إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} حميد، أي: مستحمد إلى خلقه بنعمته عليهم. والمجيد هو الكريم، فلا أكرم منه. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إنه ليس أحد أحب إليه الحمد من الله، ولا أكثر معاذير من الله تفسير : قوله: { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ} يعني الخوف { وَجَاءَتْهُ البُشْرَى} أي: بإسحاق، { يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} أي: يخاصمنا في قوم لوط. وإنما كانت مجادلته مخاصمة للملائكة. ذكروا عن حذيفة بن اليمان أنه قال: لما بعثت الملائكة إلى قوم لوط عُهِد إليهم ألا يُهلكوا قوم لوط حتى يشهد عليهم لوط ثلاث شهادات. فأتوا على إبراهيم، وكان الطريق عليه، {فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} فقال: أتهلكون قوم لوط وفيهم لوط؟ (أية : قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ)تفسير : [العنكبوت:32] فقال: أتهلكون قوم لوط وإن كان فيهم أربعون من المسلمين؟ قالوا: لا. قالوا: أتهلكون قوم لوط وإن كان فيهم ثلاثون من المسلمين؟ قالوا: لا. قال: أتهلكون قوم لوط وإن كان فيهم عشرون من المسلمين؟ قالوا: لا. قال: أتهلكون قوم لوط وإن كان فيهم عشرة من المسلمين؟ قالوا: لا. فذكر لنا أن مجادلته إياهم هي هذه. وذكر لنا أنهم ثلاث قريات فيها ما شاء الله من الكثرة.
اطفيش
تفسير : {قالَتْ يَا ويْلتَا} أصله فى النداء الهلاك، ثم استعمل فى كل فظيع، كأنه قيل: يا عجبى، والألف بدل من ياء الإضافة، وقرأ الحسن: يا وليتى بكسر التاء بعدها ياء الإضافة {أَأَلدُ} استفهام تعجب، ولا مفعول لهذا الفعل، فإن المراد تعجب من مطلق الولادة، لا الولادة بقيد كذا ظهر لى. {وأنا عجُوزٌ وهَذا بعْلى شَيخا} عمرها تسع وتسعون سنة، وعمره مائة وعشرون سنة، ويأتى غير ذلك إن شاء الله فى غير هذه السورة، وشيخا حال من بعلى، وعامله معنى الإشارة، وصح هذا باعتبار معنى قولها: أشير إلى بعلى شيخا، وهذا بعلى أشير إليه شيخا، فعامل الحال وصاحبها فى الحقيقة واحد هو أشير، والصاحب فى الحقيقة مجرور إلى فلا يرد علينا اختلاف عاملهما من حيث إن أرفع بعلى هو ذا، ورافع ذا هو الابتداء. وقال السهيلى: اسم الإشارة لا يعمل فى الحال، وإنما العامل والصاحب محذوفان، أى انظر إليه شيخا وهكذا فى مثل هذه الآية مثل: {أية : فتلك بيوتهم خاوية} تفسير : فى النمل، بل السهيلى ذكر ذلك فى آية النمل، وقرأ شيخ بالرفع على أنه خبر ثان أو خبر لمحذوف، أى هو شيخ، أو على أنه الخبر وبعلى بدل من ذا، والبعل الزوج، وأصله القائم بالأمر، ولما كان الزوج قائما بالأمر سمى بعلا. {إنَّ هذا} أى المذكور من كون الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة يلدان {لشىءٌ عَجيبٌ} استبعدت ذلك بالنظر إلى العادة، ولم تذكر قدرة الله مع أنها فى بيت النبوة، والآية، ومهبط المعجزات والخوارق للعادة، وكان عليها أن تتوقر ولا يستخفها ما يستخف سائر النساء، وان تسبح وتحمد ما كان التعجب، ولذلك قالوا لها ما ذكر الله عز وجل بقوله: {قالُوا أتعْجبِينَ مِنْ أمْر اللهِ}.
اطفيش
تفسير : {قَالَتْ يَاوَيْلَتَى} يا هلكتى، هذا أَصله، والمراد الأَمر المهول خيراً أَو شراً والتاءُ للوحدة والأَلف عند ياءِ المتكلمة {أَأَلِدُ وأَنَا عَجُوزٌ} بنت تسع وتسعين، وقيل بنت تسعين {وَهَذَا بَعْلِى شَيْخاً} ابن مائَة على أَنها ابنة تسعين أَو ابن مائَة وعشرين على أَنها ابنة تسع وتسعين، وآيتان فيهما وشيخاً حال من الخبر وعامل الخبر هو المبتدأُ والمبتدأُ هو العامل فى الحال لتضمنه معنى أَشير، وفى الهاءِ أَيضاً معنى أُنبه، وقال الكوفيون: هذا فى مثل هذه العبارة تعمل عمل كان، وبعلى زوجى سمى الزوج بعلا لاستعلائِه على امرأَته لأَن البعل هو المستعلى على غيره القائِم به كما أَن الرجل قائِم بأَمر امرأَته من نفقة وغيرها كما سمى صنم بعلا لادعائِهِم أَنه قائِم بأَمر عابده، وقيل: هو فى الأَصل الزوج وسمى غيره به تشبيها. وأَنا عجوز حال من ضمير أَلد، وهذا بعلى شيخاً معطوف على الحالية، وحاليته بالعطف لا بالواو لأَن واو الحال لا تتكرر، وهذه الواو عاطفة لا حالية، إِلا أَنه ليس فى عجوز ضمير ردا إِلى أَصله من الوصفية، فجعلت هذا بعلى شيخاً حال من الضمير فتكون الواو للحال {إِنَّ هَذَا} أَى ما ذكر من الولادة من الهرمين وأَيضاً أَحدهما عقيم، أَو هذا الولد بإِسكان اللام على المصدرية أَو هذا الذى يولد أَو حصول الولادة، وقيل الإِشارة إِلى أَن أَلد باعتبار مصدره المؤنث وهو الولادة لأَن المصدر بالتأْويل لا يؤَنث ضميره نحو أَعجبنى أَن تقيم، لا يقال أَعجبتنى. ولو أَردت التأْويل بإِقامتك لا بإِقامك {لَشَىْءٌ عَجِيبٌ} تعجبت من خلاف العادة مستعظمة للنعمة مصدقة بقدرة الله عز وجل، وكذلك الاستفهام فى أَأَلد تعجب وتعجيب ولا إِنكار.
الالوسي
تفسير : {قَالَتْ} استئناف بياني كأن سائلاً سأل ما فعلت حين بشرت؟ فقيل: قالت: {يَٰوَيْلَتَىٰ} من الويل وأصله الخزي، ويستعمل في كل أمر فظيع، والمراد هنا التعجب وقد كثرت هذه الكلمة على أفواه النساء إذ طرأ عليهن ما يتعجبن منه. والظاهر أن الألف بدل من ياء المتكلم، ولذا أمالها أبو عمرو وعاصم في رواية، وبهذا يلغز فيقال: ما ألف هي ضمير مفرد متكلم؟ وقرأ الحسن {يا ويلتي} بالياء على الأصل. وقيل: إنها ألف الندبة ولذا يلحقونها الهاء فيقولون: يا ويلتاه {ءأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ} ابنة تسعين سنة على ما روي عن ابن إسحاق، أو تسع وتسعين على ما روي عن مجاهد. / {وَهَـٰذَا} الذي تشاهدونه {بَعْلِي} أي زوجي، وأصل البعل القائم بالأمر فأطلق على الزوج لأنه يقوم بأمر الزوجة، وقال الراغب: ((هو الذكر من الزوجين وجمعه بعولة نحو فحل وفحولة، ولما تصوروا من الرجل استعلاءاً على المرأة فجعل سائسها والقائم عليها؛ وسمي به شبه كل مستعل على غيره به فسمي باسمه، ومن هنا سمي العرب معبودهم الذي يتقربون به إلى الله تعالى بعلا لاعتقادهم ذلك فيه)) {شَيْخًا} ابن مائة سنة أو مائة وعشرين، وهو من شاخ يشيخ، وقد يقال: للأنثى شيخة كما قال:شعر : وتضحك مني (شيخة) عبشمية تفسير : ويجمع على أشياخ وشيوخ وشيخان ونصبه على الحال عند البصريين، والعامل فيه ما في {هَـٰذَا} من معنى الإشارة أو التنبيه. قال الزجاج: ومثل هذه الحال من لطيف النحو وغامضه إذ لا تجوز إلا حيث يعرف الخبر؛ ففي قولك: هذا زيد قائماً لا يقال إلا لمن يعرفه فيفيده قيامه ولو لم يكن كذلك لزم أن لا يكون زيداً عند عدم القيام وليس بصحيح فهنا بعليته معروفة، والمقصود بيان شيوخته وإلا لزم أن لا يكون بعلها قبل الشيخوخة قاله الطيبـي، ونظر فيه بأنه إنما يتوجه إذا لم تكن الحال لازمة غير منفكة أما في نحو هذا أبوك عطوفاً فلا يلزم المحذور، والحال هوَٰهنا مبينة هيئة الفاعل أو المفعول لأن العامل فيها ما أشير إليه وبذلك التأويل يتحد عامل الحال وذيها، وذهب الكوفيون إلى أن هذا يعمل عمل كان و {شَيْخًا} خبره وسموه تقريباً. وقرأ ابن مسعود وهو في مصحفه والأعمش ـ شيخ ـ بالرفع على أنه خبر محذوف أي هو شيخ، أو خبر بعد خبر، وفي «البحر» إن الكلام على هذا كقولهم: هذا حلو حامض، أو هو الخبر، و {بَعْلِي} بدل من اسم الإشارة أو بيان له، وجوز أن يكون {بَعْلِي} الخبر، و ـ شيخ ـ تابعاً له، وكلتا الجملتين وقعت حالاً من الضمير في {أَأَلِدُ} لتقرير ما فيه من الاستبعاد وتعليله أي أألد وكلانا على حالة منافية لذلك ((وإنما قدمت بيان حالها على بيان حاله عليه السلام لأن مباينة حالها لما ذكر من الولادة أكثر إذ ربما يولد للشيوخ من الشواب أما العجائز داؤهن عقام، ولأن البشارة متوجهة إليها صريحاً ولأن العكس في البيان ربما يوهم من أول الأمر نسبة المانع عن الولادة إلى جانب إبراهيم عليه السلام وفيه ما لا يخفى من المحذور، واقتصارها في الاستبعاد على ولادتها من غير تعرض لحال النافلة لأنها المستبعدة وأما ولادة ولدها فلا يتعلق بها استبعاد)) قاله شيخ الإسلام. {إِنَّ هَـٰذَا} أي ما ذكر من حصول الولد من هرمين مثلنا، وقيل: هو إشارة إلى الولادة أو البشارة بها، والتذكير لأن المصدر في تأويل {إن} مع الفعل ولعل المآل أن هذا الفعل {لَشَيْء عَجِيبٌ} أي من سنة الله تعالى المسلوكة في عباده. والجملة تعليل بطريق الاستئناف التحقيقي ومقصدها كما قيل: استعظام نعمة الله تعالى عليها في ضمن الاستعجاب العادي لا استبعاد ذلك من حيث القدرة.
الشنقيطي
تفسير : بين الله جل وعلا في هذه السورة الكريمة ما قالته امرأة إبراهيم لما بشرت بالولد وهي عجوز، ولم يبين هنا ما فعلت عند ذلك، ولكنه بين ما فعلت في الذاريات بقوله {أية : فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} تفسير : [الذاريات: 29] وقوله {فِي صَرَّةٍ} أي ضجة وصيحة. وقوله {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا} أي لطمته.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَٰوَيْلَتَىٰ} {أَأَلِدُ} (72) - قَالَتْ لَهُمْ سَارَةُ: كَيْفَ أَلِدُ وَأَنَأ عَجُوزٌ، وَزَوْجِي شَيْخٌ طَاعِنٌ فِي السِّنِّ لا يُولَدُ لِمِثْلِهِ وَلَدٌ، وَهذا بِلا شَكٍّ أَمْرٌ عَجِيبٌ إِنْ وَقَعَ. يَا وَيْلَتَا - كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والشيء العجيب هو الذي يخالف نواميس الكون المعتادة، ولكن هناك فرقاً بين النواميس وخالق النواميس، الذي هو قادر على أن يخرق النواميس. وها هو سيدنا إبراهيم يقول في موضع آخر: {أية : أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ ..}تفسير : [الحجر: 54]. ولم يأت هنا بقول امرأة إبراهيم التي قالت: {يَٰوَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً ..} [هود: 72]. وتسمية الزوج بعلاً فيها دقة شديدة؛ لأن البعل هو الذي يقوم بأمر المبعول ولا يحوجه لأحد. كذلك الزوج يقوم بأمر زوجته فيما لا يستطيع أبوها ولا أخوها أن يقوما به، وهو الإحساس بالأنوثة والإخصاب، وهو أهم ما تطلبه المرأة. وأيضاً سُمِّي النخل بالبعل، لأنه لا يطلب من زارعة أن يسقيه، وإنما يكتفي النخل بما يمتصه من الأرض، وما ينزل له من مطر السماء. وكذلك سُمِّي نوع من الفول "بالفول البعلي"، وهو الذي لا يحتاج إلى إرواء. إذن: فالبعل هو الزوج الذي يقوم على أمر زوجته فلا يُحوجها إلى غيره في أي شيء من الأشياء. وهنا تتعجب زوجة إبراهيم عليه السلام من أمر الإنجاب؛ لأن هذا شيء عجيب يقع على غير انتظار؛ ولذلك يرد الملائكة عليها. ويقول الحق سبحانه عن ذلك: {قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):