١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
73
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} لما قالت: «وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً» وتعجبت، أنكرت الملائكة عليها تعجّبها من أمر الله، أي من قضائه وقدره، أي لا عجب من أن يرزقكما الله الولد، وهو إسحٰق. وبهذه الآية ٱستدلّ كثير من العلماء على أن الذَّبيح إسمٰعيل، وأنه أسنّ من إسحٰق؛ لأنها بشّرت بأن إسحٰق يعيش حتى يولد له يعقوب. وسيأتي الكلام في هذا؛ وبيانه في «الصافات» إن شاء الله تعالى. الثانية: قوله تعالى: {رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ} مبتدأ، والخبر {عَلَيْكُمْ}. وحكى سيبويه «عليكِم» بكسر الكاف لمجاورتها الياء. وهل هو خبر أو دعاء؟ وكونه إخباراً أشرف؛ لأن ذلك يقتضي حصول الرحمة والبركة لهم، المعنى: أوصل الله لكم رحمته وبركاته أهل البيت. وكونه دعاء إنما يقتضي أنه أمر يُترجّى ولم يتحصّل بعد. ونصب {أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} على الاختصاص؛ وهذا مذهب سيبويه. وقيل: على النداء. الثالثة: هذه الآية تعطي أن زوجة الرجل من أهل البيت؛ فدلّ هذا على أن أزواج الأنبياء من أهل البيت؛ فعائشة رضي الله عنها وغيرها من جملة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ ممن قال الله فيهم: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيــراً} وسيأتي. الرابعة: ودلّت الآية أيضاً على أنّ منتهى السلام «وَبَرَكَاتُهُ» كما أخبر الله عن صالحي عباده «رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ». والبركة النموّ والزيادة؛ ومن تلك البركات أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم وسارّة. وروى مالك عن وهب بن كَيْسَان أبي نعيم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: كنت جالساً عند عبد الله بن عباس فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته؛ ثم زاد شيئاً مع ذلك؛ فقال ٱبن عباس ـ وهو يومئذ قد ذهب بصره ـ مَن هذا؟ فقالوا اليمانيّ الذي يغشاك، فعرّفوه إياه، فقال: إن السلام ٱنتهى إلى البركة. ورُوي عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: دخلت المسجد فإذا أنا بالنبي صلى الله عليه وسلم في عصبة من أصحابه، فقلت: السلام عليكم؛ فقال: «حديث : وعليك السلام ورحمة الله عشرون لي وعشرة لك»تفسير : . قال: ودخلت الثانية؛ فقلت: السلام عليكم ورحمة الله فقال: «حديث : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وعشرون لك»تفسير : . فدخلت الثالثة فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: فقال: «حديث : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وثلاثون لك أنا وأنت في السلام سواء«تفسير : . {إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} أي محمود ماجد. وقد بيناهما في «الأسماء الحسنى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } قدرته {رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُ عَلَيْكُمْ } يا {أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } بيت إبراهيم {إِنَّهُ حَمِيدٌ } محمود {مَّجِيدٌ } كريم.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} أنكروا ما قالته استغراباً لا تكذيباً وإنكاراً.
النسفي
تفسير : {قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } قدرته وحكمته. وإنما أنكرت الملائكة تعجبها لأنها كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والأمور الخارقة للعادات فكان عليها أن تتوقر ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء الناشئات في غير بيت النبوة، وأن تسبح الله وتمجده مكان التعجب وإلى ذلك أشارت الملائكة حيث قالوا {رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت } أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوة فليست بمكان عجيب، وهو كلام مستأنف علل به إنكار التعجب كأنه قيل: إياك والتعجب لأن أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم. وقيل: الرحمة: النبوة، والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم وأهل البيت نصب على النداء أو على الاختصاص {إِنَّهُ حَمِيدٌ } محمود بتعجيل النعم {مَّجِيدٌ } ظاهر الكرم بتأجيل النقم {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ } الفزع وهو ما أوجس من الخيفة حين نكر أضيافه {وَجَاءتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ } بالولد {يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ } أي لما اطمأن قلبه بعد الخوف وملىء سروراً بسبب البشرى فرغ للمجادلة. وجواب {لما} محذوف تقديره أقبل يجادلنا، أو {يجادلنا} جواب {لما} وإنما جيء به مضارعاً لحكاية الحال، والمعنى يجادل رسلنا. ومجادلته إياهم أنهم قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية فقال: أرأيتم لو كان فيها خمسون مؤمناً أتهلكونها؟ قالوا: لا، قال: فأربعون؟ قالوا: لا، قال: فثلاثون؟ قالوا: لا حتى بلغ العشرة قالوا: لا قال: أرأيتم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا فعند ذلك قال {أية : إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله} ) تفسير : العنكبوت: 32) {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لَحَلِيمٌ } غير عجول على كل من أساء إليه أو كثير الاحتمال ممن آذاه، صفوح عمن عصاه {أَوَّاهٌ } كثير التأوه من خوف الله {مُّنِيبٌ } تائب راجع إلى الله، وهذه الصفات دالة على رقة القلب والرأفة والرحمة فبين أن ذلك مما حمله على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع عنهم العذاب ويمهلوا لعلهم يحدثون التوبة كما حمله على الاستغفار لأبيه فقالت الملائكة.
ابو السعود
تفسير : {قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} أي قدرتِه وحكمتِه أو تكوينه أو شأنِه أنكروا عليها تعجيباً من ذلك لأنها كانت ناشئةً في بـيت النبوة ومهبِطِ الوحي والآيات، ومظهَرِ المعجزة والأمورِ الخارقةِ للعادات فكان حقُّها أن تتوقرَ ولا يزدهِيَها ما يزدهي سائرَ النساء من أمثال هذه الخوارقِ من ألطاف الله تعالى الخفيةِ ولطائفِ صنعِه الفائضةِ على كل أحدٍ مما يتعلق بذلك مشيئتُه الأزليةُ لا سيما على أهل بـيتِ النبوة الذين ليست مرتبتُهم عند الله سبحانه كمراتب سائرِ الناس وأن تسبحَ الله تعالى وتحمَدَه وتمجِّدَه وإلى ذلك أشاروا بقوله تعالى: {رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} التي وسِعتْ كلَّ شيءٍ واستتبعت كلَّ خير، وإنما وُضع المظهرُ موضعَ المضمر لزيادة تشريفِها {وَبَرَكَـٰتُهُ} أي خيراتُه الناميةُ المتكاثرةُ في كل بابٍ التي من جملتها هبةُ الأولادِ، وقيل: الرحمةُ النبوةُ والبركاتُ الأسباطُ من بني إسرائيلَ لأن الأنبـياءَ منهم وكلُّهم من ولد إبراهيمَ عليهم الصلاة والسلام {عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} نصبَ على المدح أو الاختصاصِ لأنهم أهلُ بـيتِ خليلِ الرحمٰنِ، وصرفُ الخطاب من صيغة الواحدة إلى جمع المذكر لتعميم حكمِه لإبراهيمَ عليه الصلاة والسلام أيضاً ليكون جوابُهم لها جواباً له أيضاً إن خطر بباله مثلُ ما خطر ببالها، والجملة كلامٌ مستأنَفٌ عُلّل به إنكارُ تعجُّبها كأنه قيل: ليس المقامُ مقامَ التعجيبِ فإن الله تعالى على كل شيء قديرٌ ولستم يا أهل بـيتِ النبوةِ والكرامةِ والزُّلفىٰ كسائر الطوائفِ بل رحمتُه المستتبِعةُ لكل خيرٍ الواسعةُ لكل شيء، وبركاتُه أي خيراتُه الناميةُ الفائضةُ منه بواسطة تلك الرحمةِ الواسعةِ لازمةٌ لكم لا تفارقكم {إِنَّهُ حَمِيدٌ} فاعلٌ ما يستوجب الحمدَ {مَّجِيدٌ} كثيرُ الخير والإحسان إلى عباده. والجملةُ لتعليل ما سبق من قوله: {رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ}. {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ} أي ما أوجس منهم من الخِيفة واطمأن قلبُه بعِرفانهم وعرفانِ سببِ مجيئِهم، والفاءُ لربط بعض أحوالِ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام ببعضٍ غِبَّ انفصالِها بما ليس بأجنبـي من كل وجهٍ بل له مدخلٌ تامٌّ في السباق والسياق، وتأخيرُ الفاعلِ عن الظرف لأنه مصبُّ الفائدةِ، فإن بتأخير ما حقُّه التقديمُ تبقى النفسُ منتظرةً إلى وروده فيتمكن فيها عند ورودِه إليها فضلُ تمكّنٍ{وَجَاءتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ} إن فُسِّرت البُشرى بقولهم: لا تخف فسببـيّهُ ذهابِ الخوفِ ومجيءِ السرور للمجادلة المدلولِ عليها بقوله تعالى: {يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ} أي جادل رسلَنا في شأنهم. وعُدل إلى صيغة الاستقبالِ لاستحضار صورتِها أو طفِقَ يجادلنا ظاهرةٌ، وأما إن فُسّرت ببشاره الولدِ أو بما يعُمها فلعل سببـيّتَها لها من حيث إنها تفيد زيادةَ اطمئنانِ قلبه بسلامته وسلامةِ أهلهِ كافةً، ومجادلتُه إياهم أنه قال لهم حين قالوا له: إنا مُهلكو أهلِ هذه القريةِ: أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلاً من المؤمنين أتُهلكونها؟ قالوا: لا، قال: فأربعون؟ قالوا: لا، فثلاثون؟ قالوا: لا، حتى بلغ العشرةَ قالوا: لا، قال: أرأيتم إن كان فيها رجلٌ مسلمٌ أتهلكونها؟ قالوا: لا، فعند ذلك قال: إن فيها لوطاً قالوا: نحن أعلمُ بمن فيها لنُنجِّينه وأهلَه. إن قيل: المتبادرُ من هذا الكلامِ أن يكون إبراهيمُ عليه السلام قد علِم أنهم مرسَلون لإهلاك قومِ لوطٍ قبل ذهابِ الرَّوع عن نفسه ولكن لم يقدِر على مجادلتهم في شأنهم لاشتغاله بشأن نفسِه فلما ذهب عنه الروعُ فرَغ لها مع أن ذهابَ الروعِ إنما هو قبل العِلم بذلك لقوله تعالى: {أية : قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ} تفسير : [هود: 70] قلنا: كان لوطٌ عليه السلام على شريعة إبراهيمَ عليه السلام وقومُه مكلّفين بها فلما رأى من الملائكة ما رأى خاف على نفسه وعلى كافة أمتِه التي من جملتهم قومُ لوط، ولا ريب في تقدم هذا الخوفِ على قولهم: لا تخف، وأما الذي علمه عليه السلام بعد النهي عن الخوف فهو اختصاصُ قومِ لوطٍ بالهلاك لا دخولُهم تحت العموم فتأملْ والله الموفق.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} [الآية: 73]. قال بعضهم: بركات أهل البيت من دعوات الخليل، ودعوات الملائكة وأمر النبى صلى الله عليه وسلم بالدعاء له فى الصلاة فى قوله: كما باركت على إبراهيم، فبارك علينا، فأنا من أهل بيته وأولاده.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} رحمت الله وقربة الله وبركات الله انوار مشاهدة الله وايضا رحمت الله نبوة الله وولايته وبركات الله رسالة الله وخلافته وبقى ذلك فى اولاده حتى خص باستجابة دعوته محمد صلى الله عليه وسلم وعلى اله واهل بيته واولاده وايضا رحمت الله محبة الله وبركاته معرفته وتوحيده قال بعضهم بركات اهل البيت من دعوات الخليل ودعوات الملائكة بامر النبى صلى الله عليه وسلم بالدعاء به فى الصلوات فى قوله كما باركت على ابراهيم فبارك علينا فانا من اهل بيته واولاده {إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} محمود بحمده === حيث === نفسه مجيد عظيم الشان لا يناله عوض الفطن ولا يلدكه بعد الهمم فلما وصل بركات الله اليه وانفتح له ابواب المكاشفة وادركه فيض البشارة خرج قلبه من غبار الامتحان وانبسط مع الرحمن بقوله {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} ذهب عنه خوف البعد وجاءته بشرى القرب وذاق طعم الود وسكر الخيل بوجه الخليل وانبسط الخليل الى الخليل وهكذا اعادة السكارى اذا شربوا شراب الوصلة وسمعوا اصنوات القربة يخرجون بنعت السكارى على بساط الانبساط وفى ذلك يحمل عنهم ما لا يحمل من غيرهم من اهل الهيبة والاجلال وانبساطهم اليه من مواليد انبساطه اليهم الا ترى كيف قال جاءته البشرى ثم قال يجادلنا فالبشارة انبساط الله فانبسط بانبساط الله لكن انبساط الخليل لا يكون الا رحمة وشفقة على خلقه واوليائه الا ترى كيف قال يجادلنا فى قوم لوط كان يسترحم لهم ويسال نجاة لوط واهل بيته لما فيه من الظرافة والسخاوة والفتوة والمروة والحلم بما وصفه الله بقوله {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} حليم بانه كان لا يدعوا على قومه بل قالوا فمن اتبعنى فانه منى ومن عصانى فانك غفور رحيم وتاوهه زفرة قلبه مع غيره عينه من الشوق الى جمال ربه وهكذا وصف العاشقين التاوه والزفرات والشهقة والغلبات والصحية والعبرات منيب حيث اناب الى كنف قدمه وقدام خطا قدسه ومجالس انسه من رؤية شواهد ملكوته حيث قال انى برئ مما تشركون انى وجهت وجهى ومجادلته كمال الانبساط لم تكن جاهلا ولكن كان مشفقا باراكو بما راى مكانه نفسه فى محل الخلة واصطفائية القديمة وهو تعالى يحب غضب العارفين وتغير المحبين ومجادلة الصديقين وانبساط العاشقين حتى يحثهم على ذلك وفى الحديث المرروى من النبى صلى الله عليه وسلم انه قال حديث : لما اسرى بي رايت رجلا فى الخضرة يتدمر فقلت لجبرئيل عليه السلام من هذا فقال اخوك موسى يتدمر على ربه تعالى فقلت وهل له ذلك فقال يعرفه فيحتمل عنه تفسير : الا ترى كيف وصف الله انبساط كليمه بقوله ان هى الا فتنتك ولا يجوز الانبساط الا لمن كان على وصفهم قال بعضهم ذهب روع ما يجده فى نفسه من تنزههم عن طعامه وعلم انهم الملائكة وجاءته البشرى السلام من الله لما فرغ من قضاء حق الضيف ولقى للبشرى رجع الى حمد الشفقة على الخلق والمجادلة عنهم يجادلنا فى قوم لوط الرحمة التى جبله الله عليه ثم ان الله سبحانه ذكر وصف خليله من ضيق صدر ود الخيفة منهم بقوله {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} حزن لاجلهم وضاق صدره شفقة عليهم من فتنة قومه ثم وصف بانه مشفق حزين كريم على الاضياف بقوله {وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} وحكمه انشاد باب الفراسة على ابراهيم ولوط انهما كانا فى محل البسط وحسن الرجاء من الله سبحانه ولا يتوقفان الياس والعذاب على القوم فلما رايا ملائكة الله لم يعرفاهم باشتغالهم بمعهود حال البسط ولطائف الرجاء والقربة وان كان سرهما لا يغيبان عن معرفتهم ولكن عارفهما التقدير لامضاء حكم الله على قوم قيل ان ابراهيم كان صاحب النبوة والخلة والرسالة ولا بد ان يكون فراسته اصدق من فراسة كل احد ولكنه فى هذه الحالة لم يعرف الملائكة ليعلم ان الحق سبحانه اذا اراد امضاء حكم سد على من اراد عيون الفراسة كما سد فراسة النبى صلى الله عليه وسلم فى قصة الافك الى الوقت الذى انزل به الوحى والتبس الحال على لوط عليه السلام الى ان ينزله الامر ولما اخذ تلاطم بحر الامتحان لوطا عليه السلام طلب قوة روكنا شديدا ليدفع بهما قوم من ارتكاب المعصية قال سبحانه {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ} راى نفسه فى منازل الابتلاء والامتحان وراى ابواب المكاشفات والواردات والمشاهدات مسدودة ولم ير نفسه الا فى عمل الخوف ورؤية المكر وخشية العظمة قال لو ان لى فى هذه الساعة اتصافا بصفة القدرة والقدر الازلية كما كان حالى قبل هذا الامتحان لرفعتكم عن الكفر والمعصية او اوى الى ركن شديد اى لو كشف لى حاشية من حواشى قوام العدم اوى الى هناك واسترع من رؤيتكم او اتى من عالم الملكوت بياسكم او ادعوا لكم لو كان لى لسان الربانى الرحمانى ليهتدوا الى مواقع بالرشد وتعرفوا حقوق الله عليكم قال ابن عطا الوان المعرفة بيدى لا وصلتها اليكم قال بعضهم لو ان لى جرأة على الدعاء عليكم لدعوت او اوى الى ركن شديد من علم الغيب بما انتم صائرون اليه من سعادة او شقاوة فلما تم الامر وعرف الحال كشف الملائكة له حال القوم ووعد اهلاك القوم وقت الصبح بقوله {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} كانه تسارع الى مكان التخلص من بين الضلال واراد ان يرجع الى قرب الله ومشاهدته وتسريح من رؤية الاضداد لان روية الاضداد حمى الروح كانه قال لو ان بكم قوة ازلية اهلكتكم واوى الى ركن شديد الى حضرة الملكوت مجالس الجبروت واستريح من صحبتكم ورؤية معصيتكم فانتظر بعد ذلك ما وعدوه قيل له اليس الصبح بقريب ما اشد على العارفين انتظار واردات الغيب وطلوع صبح المشاهدة والفلاق شرق العناية وانشراق شمس المكاشفة دنا وصال الحبيب واقتربا واطربا للوصال واطربا حكى عن السرى انه قال قلوب الابرار لا يحتمل الانتظار.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالوا} منكرين عليها {اتعجبين من امر الله} اى من شأن الله تعالى بايجاد الولد من كبيرين. قال الكاشفى [ازكاوخداى تعالى هيج عجيب نيست كه از صنع آلت واز فضل بى علت ازميان دو بير فرزندى بيرون آرد شعر : قدرتى راكه بركمال بود كى جنينها از ومحال بود تفسير : قال سعدى المفتى اخذ جبريل عمودا من الارض يابسا فدلكه بين اصبعيه فاذا هى شجرة تهتز فعرفت انه من الله تعالى. وفى التأويلات النجمية {من امر الله} اى من قدرة الله تعالى فان لله تعالى سنة وقدرة فيجرى امر العوام بسنته وامر الخواص اظهارا للآية والاعجاز بقدرته فاجرى امره بقدرته ومثلها امرأة عمران وهى حنة كانت عاقرا لم تلد الى ان عجزت اى صارت عجوزا ثم حملت بمريم وقد سبق فى آل عمران فاذا كان هذا الحمل بقدرة الله تعالى خارقا للعادة لم يحتج الى الحيض ايضا فى كبر السن كما فسر بعض العلماء قوله تعالى {أية : ضحكت} تفسير : بحاضت قيل لما صلب الحجاج عبد الله بن الزبير جاءته امه اسماء بنت ابى الصديق فلما رأته حاضت مع كبر سنها وقد بلغت مائة سنة وخرج اللبن من ثدييها وقالت حنت اليه مراتعه ودرت عليه مراضعه {رحمة الله} التى وسعت كل شيء واستبقت كل خير {وبركاته} خيراته النامية المتكاثرة فى كل باب التى من جملتها هبة الاولاد حالتان {عليكم} لازمتان لكم لا تفارقاكم يا {اهل البيت} ارادوا ان هذه وامثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالانعام به يا اهل بيت النبوة فليست بمكان عجب. والجملة مستأنفة فقيل خبر وهو الاظهر وقيل دعاء وقيل الرحمة النبوة والبركات الاسباط من بنى اسرائيل لان الانبياء منهم وكلهم من ولد ابراهيم عليه السلام ومثله قصة نوح عليه السلام {أية : قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك} تفسير : وقد سبق {انه} اى الله تعالى {حميد} فاعل ما يستوجب به الحمد من عباده لا سيما فى حقها {مجيد} كثير الخير والاحسان الى عباده خصوصا فى ان جعل بيتها مهبط البركات. وفى التأويلات النجمية {حميد} على ما يجرى من السنة والقدرة {مجيد} فيما ينعم به على العوام والخواص واصل المجد فى كلامهم السعة. قال ابن الشيخ المجد الكرم والمجيد صيغة مبالغة منه. وقال الامام الغزالى رحمه الله المجيد الشريف ذاته الجميل افعاله الجزيل عطاؤه ونواله فكان شريف الذات اذا قارنه حسن الفعال سمى مجيدا
الطوسي
تفسير : في هذه الآية حكاية عما قالت الملائكة لامرأة ابراهيم حين تعجبت من ان تلد بعد الكبر، فانهم قالوا لها {أتعجبين من أمر الله} وهذه الألف للاستفهام ومعناها ها هنا التنبيه، وليست الف انكار، وانما هي تنبيه وتوقيف. والعجب يجري على المصدر وعلى المتعجب منه كقولك: هذا أمر عجب، ولا يجوز العجب من أمر الله، لأنه يجب ان يعلم انه قادرعلى كل شيء من الاجناس، لا يعجزه شيء، وما عرف سببه لا يعجب منه. وقوله {رحمة الله وبركاته عليكم} يحتمل معنيين: احدهما - الدعاء لهم بالرحمة والبركة. الثاني - التذكير بنعمة الله وبركاته عليهم، والإخبار لهم بذلك. وقوله {أهل البيت} يدل على ان زوجة الرجل تكون من أهل بيته في - قول الجبائي - وقال غيره إنما جعل سارة من أهل البيت لما كانت بنت، عمه على ما قاله المفسرون. وقوله {إنه حميد مجيد} معناه مستحمد الى عباده. وقال ابو علي: يحمد المؤمنين من عباده، والمجيد الكريم - في قول الحسن - يقال: مجد الرجل يمجد مجداً اذا كرم قال الشاعر: شعر : رفعت مجد تميم باهلال لها رفع الطراف على العلياء بالعمد
اطفيش
تفسير : {قالُوا} أى الرسل الملائكة {أتعْجبِينَ مِنْ أمْر} قدرة {اللهِ} إنكار لتعجبها، أى لا تعجبى من ذلك، فإن الله قادر على ذلك، وإن أهل بيت النبوة مختصون بمزيد النعم والرحمة والبركة، وليس ذلك ببدع ولا حقيق بأن يستغربه أحد عاقل، فضلا عن أهل بيتها، كما قال عن الرسل الذين هم ملائكة. {رحْمةُ الله وبَرَكاتُه عَليْكم} إخبار منهم بالرحمة والبركة على العموم، وقيل الرحمة النبوة، والبركات الأسباط من بنى إسرائيل، لأن الأنبياء منهم، وكلهم من ولد إبراهيم، ويجوز أن يكون ذلك دعاء لهم بالبركة والرحمة العاملين، وقيل: إن ذلك من كلام الله لا من كلام الملائكة. {أهْلَ البَيْت} بيت إبراهيم منصوب على الاختصاص، أو أو على النداء، أو على المدح، والحمد على الأول ضعيف، لأن الأكثر فى الاختصاص أن يكون بعلى ضمير تكلم، والحمد على النداء أولى، قيل: وفى الآية دليل على أن زوجة الرجل من أهل بيته، ويبحث بأن زوجته هذه بنت عمه، فلعلهم جعلوها من أهل البيت لكونها بنت عمه. {إنَّه حميدٌ} أى محمود، أو فاعل لما يستوجب الحمد، ولكنه أهل للحمد ولو لم يفعل شيئا، أو فاعل لما يستوجب به الشكر {مَجيدٌ} واسع الخير والإحسان، وقيل: ذو الشرف والكرم، قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس أحد أحب إليه الحمد من الله ولا أكثر معاذير من الله ".
اطفيش
تفسير : {قَالُوا أَتَعْجَبِبينَ مِن أَمْرِ اللهِ} مع أَن قدرته صالحة لخرق العادة، وهذا إِنكار لأَن يكون تعجبها لائِقاً، أَرادوا منها أَن يكون قلبها مطمئِناً إِلى المعتاد وخلاف على حد سواءٍ لكمال قدرته وكثرة خوارق العادة ومشاهدتها فى جنب إِبراهيم وغيره، وعلمها بها كالوحى وعلمها بأَنه قبل تزوجه إِياها أَلقى فى النار ولم تحرقه، ويقال نشأْت وشابت فى ملاحظة الآيات، لما شاب إِبراهيم كان أَهل زمانه ومن بعده يشيبون أَو أُرِيد بشيبها أَو أَنه وقومه منها {رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} إِخبار، وقيل دعاءٌ من الملائِكة بالرحمة تحضر وهى مزيد الإِنعام، وبالبركة بعد بأْن تنمو تلك الرحمة وتتوالد له ولذريته وكل من الرحمة، والبركات عموم، ومن الرحمة الولادة، وقيل الرحمة النبوة والبركات الأَسباط من بنى إِسرائِيل والأَنبياءُ منهم غالباً، وهم من ولد إِبراهيم عليه السلام، وقيل رحمته تحيته وبركاته فواضل خبره والنصب على الاختصاص كقوله صلى الله عليه وسلم: حديث : نحن معاشر الأَنبياءِ إِخوة تفسير : بنصب معاشر أَى أَخص أَهل البيت، والاختصاص وضع لا على تضمن مدح أَو ذم، أَو النصب على المدح بأَن وضع على رسم المدح كما هنا، أَو الذم أَو النصب على النداءِ، والبيت بيت إِبراهيم، والمراد آله بيت نسب لا بيت طين وخشب، وقيل هو المراد وعلى الأَول تدخل الزوجة وهى سارة والزوجة تدخل فى أَهل البيت، قيل لهذه الآية، وقيل أَنها هى بنت عم إِبراهيم، وهى من نسبه فلا دليل، وقيل المراد بيت الطين والخشب فتدخل بسكناها فيه، وإِنما الدليل على أَن زوجة الرجل من آله، آية الأحزاب: {أية : يريد الله ليذهب عنكم الرجس} تفسير : [الأحزاب: 33]، والآية. وزعمت الشيعة أَنها لا تدخل فى آل زوجها وأَهل بيته إِلا إِن كانت من نسبه، وأَخرجوا ـ لعنهم الله سبحانه ـ عائِشة رضى الله عنها من هذه الآية ولم يحيوها بالسلام كإِبراهيم، بل بالرحمة والبركة تفننا، أَو لأَنه لم يكن تحية أَهل الأَرض وجمع وذكر لإِبراهيم والملائِكة ولذريتها أَو لأَنها كجملة رجال عقلاءَ، واستدل بالآية على انتهاءِ السلام فى البركات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومثله فى الرد فإِن زاد لم ترد عليه الزيادة للنهى عن هذه الزيادة، وقيل ترد لقوله تعالى: {أية : بأَحسن منها أَو ردوها} تفسير : [النساء: 86] ويجاب بأَن بالمراد بأَحسن منها فيما لم يرد النهى فيه، فإِن يرد بغير هذه الزيادة، وذلك أَنه صلى الله عليه وسلم قيل له السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه، فغضب حتى احمرت وجنتاه وقال: حديث : ما هذا السلام، إِن الله تعالى حد السلام، وقرأَ: رحمة الله وبركاته عليكم أَهل البيت تفسير : {إِنَّهُ حَمِيدٌ} محمود لا يوجد فى ذاته أَو فعله أَو وصفه ما يذم، بل صفاته ذاته فهو محمود فى السراءِ والضراءِ أَو عظيم الحمد وكثيرة لعباده بمعنى حامد أَى مجازيهم على الخير، ومنه هبة الولد حين الإِياس فهو يدعو للحمد لا تعجب {مَّجِيدٌ} جواد كريم أَو رفيع الشأْن.
الالوسي
تفسير : {قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} أي قدرته وحكمته أو تكوينه أو شأنه سبحانه أنكروا عليها تعجبها لأنها كانت ناشئة في بيت النبوة ومهبط الوحي ومحل الخوارق فكان حقها أن تتوقر ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء من أمثال هذه الخوارق من ألطاف الله سبحانه الخفية ولطائف صنعه الفائضة على كل أحد ممن يتعلق بإفاضته عليه مشيئته تعالى الأزلية لا سيما أهل بيت النبوة الذين هم هم وأن تسبح الله تعالى وتمجده وتحمده، وإلى ذلك أشاروا بقوله تعالى: {رَحْمَتُ ٱللَّهِ} المستتبعة كل خير / ووضع المظهر موضع المضمر لزيادة تشريفها والإيماء إلى عظمتها {وَبَرَكَـٰتُهُ} أي خيراته النامية المتكاثرة التي من جملتها هبة الأولاد، وقيل: الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء عليهم السلام منهم وكلهم من ولد إبراهيم عليه السلام؛ وقيل: رحمته تحيته وبركاته فواضل خيره بالخلة والإمامة. {عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} نصب على المدح أو الاختصاص كما ذهب إليه كثير من المعربين، قال أبو حيان: وبينهما فرق ولذلك جعلهما سيبويه في بابين وهو أن المنصوب على المدح لفظ يتضمن بوضعه المدح كما أن المنصوب على الذم يتضمن بوضعه الذم والمنصوب على الاختصاص يقصد به المدح أو الذم لكن لفظه لا يتضمن بوضعه ذلك كقول رؤية: شعر : بنا تميما يكشف الضباب )) تفسير : انتهى، وفي «الهمع» أن النصب في الاختصاص بفعل واجب الإضمار وقدره سيبويه ـ بأعني ـ ويختص بأن الواقعة بعد ضمير المتكلم كأنا أفعل كذا أيها الرجل وكاللهم اغفر لنا أيتها العصابة، وحكمها في هذا الباب ـ إلا عند السيرافي والأخفش ـ حكمها في باب النداء ويقوم مقامها في الأكثر كما ـ قال سيبويه ـ بنو نحو قوله: شعر : نحن بني ضبة أصحاب الجمل تفسير : ومنه قوله: شعر : نحن بنات طارق نمشي على النمارق تفسير : ومعشر كقوله: شعر : لنا معشر الأنصار مجد مؤثل بإرضائنا خير البرية أحمدا تفسير : وفي الحديث «حديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث»تفسير : وآل وأهل، وأبو عمرو لا ينصب غيرهما وليس بشيء، وقلّ كون ذلك علماً كما في بيت رؤبة السابق في كلام أبـي حيان، ولا يكون اسم إشارة ولا غيره ولا نكرة البتة ولا يجوز تقديم اسم الاختصاص على الضمير، وقلّ وقوع الاختصاص بعد ضمير المخاطب كسبحانك الله العظيم، وبعد لفظ غائب في تأويل المتكلم أو المخاطب نحو على المضارب الوضيعة أيها البائع، فالمضرب لفظ غيبة لأنه ظاهر لكنه في معنى على أو عليك، ومنع ذلك الصفار البتة لأن الاختصاص شبه النداء فكما لا ينادى الغائب فكذلك لا يكون فيه الاختصاص انتهى مع أدنى زيادة وتغيير، ومنه يعلم بعض ما في كلام أبـي حيان وأن حمل ما في الآية الكريمة على الاختصاص انتهى مع أدنى زيادة وتغيير، ومنه يعلم بعض ما في كلام أبـي حيان وأن حمل ما في الآية الكريمة على الاختصاص من ارتكاب ما قل في كلامهم، وجوز في «الكشاف» نصبه على النداء، وقدمه على احتمال النصب على الاختصاص، ولعله أشار بذلك إلى ترجيحه على الاحتمال الثاني لكن ذكر بعض الأفاضل إن في ذلك فوات معنى المدح المناسب للمقام. والمراد من البيت ـ كما في «البحر» ـ بيت السكنى، وأصله مأوى الإنسان بالليل، ثم قد يقال من غير اعتبار الليل فيه، ويقع على المتخذ من حجر ومن مدر ومن صوف ووبر، وعبر عن مكان الشيء بأنه بيته ويجمع على بيوت وأبيات، وجمع الجمع أباييت وبيوتات وأبياوات، ويصغر على بييت وبييت بالكسر، ويقال: بويت كما تقوله العامة، وصرف الخطاب من صيغة الواحدة إلى الجمع ليكون جوابهم عليهم السلام لها جواباً لمن يخطر بباله مثل ما خطر ببالها من سائر أهل البيت. والجملة كلام مستأنف علل به إنكار تعجبها فهي جملة خبرية، واختاره جمع من المحققين، وقيل: هي دعائية وليس بذاك، واستدل بالآية على دخول الزوجة في أهل البيت، وهو الذي ذهب إليه السنيون، ويؤيده ما في سورة الأحزاب، وخالف في ذلك الشيعة فقالوا: لا تدخل إلا إذا كانت قريب الزوج ومن نسبه فإن المراد من البيت بيت النسب لا بيت الطين والخشب، ودخول سارة رضي الله تعالى عنها هنا لأنها بنت عمه، وكأنهم حملوا البيت على الشرف كما هو أحد معانيه، وبه فسر في قول العباس رضي الله تعالى عنه يمدح النبـي صلى الله عليه وسلم: شعر : / حتى احتوى (بيتك) المهيمن من خندف علياء تحتها النطف تفسير : ثم خصوا الشرف بالشرف النسبـي وإلا فالبيت بمعنى النسب مما لم يشع عند اللغويين، ولعل الذي دعاهم لذلك بغضهم لعائشة رضي الله تعالى عنها فراموا إخراجها من حكم {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً}تفسير : [الأحزاب: 33]، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل الكلام في هذا المقام. واستدل بالآية على كراهة الزيادة في التحية على السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وروي ذلك عن غير واحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. أخرج البيهقي في «الشعب» عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رجلاً قال له: سلام عليك ورحمة الله وبركاته ومغفرته فانتهره ابن عمر وقال: حسبك ما قال الله تعالى، وأخرج عن ابن عباس أن سائلاً قام على الباب وهو عند ميمونة فقال: السلام عليكم أهل البيت ما قال الله تعالى، وأخرج عن ابن عباس أن سائلاً قام على الباب وهو عند ميمونة فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته وصلواته ومغفرته، فقال: انتهوا بالتحية إلى ما قال الله سبحانه، وفي رواية عن عطاء قال: كنت جالساً عند ابن عباس فجاء سائل فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه فقال: ما هذا السلام؟! وغضب حتى احمرت وجنتاه إن الله تعالى حد للسلام حداً ثم انتهى ونهى عما وراء ذلك ثم قرأ {رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ}. {إِنَّهُ حَمِيدٌ} قال أبو الهيثم: أي تحمد أفعاله، وفي «الكشاف» أي فاعل ما يستوجب به الحمد من عباده ففعيل بمعنى مفعول، وجوز الراغب أن يكون {حَمِيدٌ} هنا بمعنى حامد ولعل الأول أولى {مَّجِيدٌ} أي كثير الخير والإحسان، وقال ابن الأعرابـي: هو الرفيع يقال: مجد كنصر وكرم مجداً ومجادة أي كرم وشرف؛ وأصله من مجدت الإبل إذا وقعت في مرعى كثير واسع، وقد أمجدها الراعي إذا أوقعها في ذلك، وقال الأصمعي: يقال: أمجدت الدابة إذا أكثرت علفها، وقال الليث: أمجد فلان عطاءه ومجده إذا كثره، ومن ذلك قول أبـي حية النميري: شعر : تزيد على صواحبها وليست (بماجدة) الطعام ولا الشراب تفسير : أي ليست بكثيرة الطعام ولا الشراب، ومن أمثالهم في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار أي استكثر من ذلك، وقال الراغب: أي تحري السعة في بذل الفضل المختص به، وقال ابن عطية: مجد الشيء إذا حسنت أوصافه، والجملة على ما في «الكشف» تذييل حسن لبيان أن مقتضى حالها أن تحمد مستوجب الحمد المحسن إليها بما أحسن وتمجده إذ شرفها بما شرف، وقيل: هي تعليل لما سبق من قوله سبحانه: {رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ}.
د. أسعد حومد
تفسير : {رَحْمَةُ} {وَبَرَكَاتُهُ} (73) - فَرَدَّتْ عَلَيهَا المَلائِكَةُ قَائِلَةً: لاَ يَنْبَغِي لَكِ أَنْ تَعْجَبِي مِنْ أَمْرٍ قَضَاهُ اللهُ وَقَدَّرَهُ، وَهَلْ يَحُولُ شَيءٌ دُونَ قَدَرِ اللهِ؟ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ البَيْتِ، إِنَّ اللهَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. حَمِيدٌ - مَحْمُودٌ عَلَى أَفْعَالِهِ كُلِّها. مَجِيدٌ - كَثِيرُ الخَيْرِ وَالإِحْسَانِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والعجب - إذن - إنما يكون من قانون بشري، وإنما القادر الأعلى سبحانه له طلاقة القدرة في أن يخرق الناموس.. ومن خرق النواميس جاءت المعجزات لتثبت صدق البلاغ عن الله تعالى، فالمعجزات أمر خارق للعادة الكونية. والقصة التي حدثت لإبراهيم عليه السلام وامرأته تكررت في قصة زكريا عليه السلام، والحق سبحانه هو الذي أعطى مريم عليها السلام بشارة التذكير لزكريا عليه السلام حين سألها: {أية : أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ..}تفسير : [آل عمران: 37]. فقالت مريم: {أية : .. هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [آل عمران: 37]. إذن: فالحساب يكون بين الخلق وبعضهم، لا بين الخالق - سبحانه - وخَلْقه. ولذلك يأتي قول الحق عز وجل: {أية : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ..}تفسير : [آل عمران: 38]. وما دام زكريا عليه السلام قد تذكَّر بقول مريم: {أية : .. إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [آل عمران: 37]. فمن حقه أن يدعو: {أية : قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً ..}تفسير : [آل عمران: 38]. فأوحى له الله سبحانه وتعالى: {أية : يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً}تفسير : [مريم: 7]. أي: أن الحق سبحانه لم يرزقه الابن فقط، بل وسماه له أيضاً باسمٍ لم يسبقه إليه أحد. وتسمية الله تعالى غير تسمية البشر، فإن كان بعض البشر قد سموا من بعد ذلك بعض أبنائهم باسم "يحيى" فقد فعلوا ذلك من باب الفأل الحسن في أن يعيش الابن. لكن الحق سبحانه حين يسمي اسماً، فقد سماه "يحيى" ليحيا بالفعل، ويبلغ سن الرشد، ثم لا يأتي الموت؛ لذلك قُتِل يحيى وصار شهيداً، والشهيد حيٌّ عند ربه لا يأتي إليه موتٌ أبداً. وهذا عكس تسمية البشر؛ لأن الإنسان قد يسمي ابنه "سعيد" ويعيش الابن حياته في منتهى الشقاء. والشاعر يقول عن الإنسان الذي سمى ابنه "يحيى": شعر : وَسَمَّيْتُهُ يَحْيَى لِيَحْيَا فَلَمْ يَكُنْ لِرَدِّ قَضَاءِ الله فيهِ سَبِيلُ تفسير : وحين نرجع إلى أن مريم عليها السلام هي التي نبهت إلى قضية الرزق من الله، نجد أن زكريا عليه السلام قد دعا، وذكر أنه كبير السن وأن زوجه عاقر. ولا بد أن زكريا عليه السلام يعرف أن الحق سبحانه وتعالى يعلم كل شيء أزلاً، ولذلك شاء الله سبحانه أن يطمئن زكريا عليه السلام بأنه سيرزقه الولد ويسميه، ويأتي قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ ..}تفسير : [مريم: 9]. وما دام الحق سبحانه وتعالى هو الذي قرَّر، فلا رادَّ لما أراده، ولذلك يقول سبحانه: {أية : .. هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}تفسير : [مريم: 9]. وهكذا توالت الأحداث بعد أن نبهت مريم زكريا عليه السلام إلى قضية خَرْق النواميس التي تعرضت هي لها بعد ذلك، حينما تمثَّل لها المَلك بشراً، وبشَّرها بغلام اسمه المسيح عيسى ابن مريم - عليه السلام. وتساءلت مريم عن كيفية حدوث ذلك - وهي التي لم يمسسها بشر - فيذكِّرها الملك بأنها هي التي أجرى الله سبحانه وتعالى على لسانها قوله الحق في أثناء كلامها مع زكريا عليه السلام: {أية : .. إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [آل عمران: 37]. وكان لا بد من طمأنتها؛ لأن إنجابها للمسيح عيسى - عليه السلام - دون أب هي مسألة عرض، ويجب أن تُقبل عليها وهي آمنة، غير مرتابٍ فيها ولا متهمة. والآية التي نحن بصددها هنا تتعرض لامرأة إبراهيم عليه السلام حين جاءتها البشارة بالطفل، وكيف أوضحت لها الملائكة أنه لا عجب مما قدَّره الله تعالى وأراده، خلافاً للناموس الغالب في خلقه؛ لأن رحمة الله تبارك وتعالى بكل خير فيها قد وسعت أهل بيت النبوة، ومن تلك الرحمة والبركات هبة الأبناء في غير الأوان المعتاد. ولهذا قال الحق سبحانه هنا: {رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ..} [هود: 73]. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله تعالى: {.. إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} [هود: 73]. أي: أنه سبحانه يستحق الحمد لذاته، وكل ما يصدر عنه يستوجب الحمد له من عباده، فلا حد لخيره وإحسانه، والله تعالى مُطْلَقُ صفات المجد. وكلمة "حميد" - في اللغة - من "فَعِيل" وتَرِدُ على معنيين: إما أن تكون بمعنى فاعل مثل قولنا: "الله رحيم" بمعنى أنه راحم خلقه. وإما أن تكون بمعنى مفعول؛ كقولنا: "قتيل" بمعنى "مقتول". وكلمة "حميد" هنا تأتي بالمعنيين معاً: "حامدٌ" و"محمودٌ"، مثل قول الحق سبحانه عن نفسه أنه "الشكور"؛ لأنه سبحانه يشكر من يشكره على نعمه بطاعته. والله سبحانه "حميدٌ"؛ لأنه حامدٌ لمن يطيعه طاعة نابعة من الإيمان، والله سبحانه "محمودٌ" ممن أنعم عليهم نعمه السابغة. والله سبحانه هو المجيد الذي يعطي قبل أن يُسأل. ولذلك نجد عارفاً بالله تعالى قد جاءه سائل، فأخرج كيساً ووضعه في يده، ثم رجع إلى أهله يبكي، فقالت له امرأته: وما يبكيك وقد أديت له حق سؤاله؟ قال: أنا أبكي لأني تركته ليسأل، وكان المفروض ألا أجعله يقف موقف السائل. والحق سبحانه وتعالى أعطانا، حتى قبل أن نعرف كيف نسأل، ومثال ذلك: هو عطاء الحق سبحانه وتعالى للجنين في بطن أمه، والجنين لم يتعلم الكلام والسؤال. والحق سبحانه وتعالى في كل لقطة من لقطات القرآن يعطي فكرة اجتماعية مأخوذة من الدين، فها هو ذا سيدنا إبراهيم عليه السلام يقدم العجل الحنيذ للضيوف، ليعلمنا أنه إذا جاء لك ضيف، وعرضت عليه الطعام، ولم يأكل، فلا ترفع الطعام من أمامه، بل عليك أن تسأله أن يأكل، فإن رد بعزيمة، وقال: لقد أكلت قبل أن أحضر إليك، فَلَكَ أن ترفع الطعام من أمامه بعد أن أكدت عليه في تناول الطعام. ويروي بعض العارفين أن سيدنا إبراهيم عليه السلام حينما قال: ألا تأكلون؟ قالت الملائكة: لا نأكل إلا إذا دفعنا ثمن الطعام. فقال إبراهيم، بما آتاه الله من حكمة النبوة ووحي الإلهام: ثمنه أن تُسمُّوا الله أوله، وتحمدوه آخره. وأنت إذا أقبلت على طعام وقلت في أوله: "بسم الله الرحمن الرحيم" وإذا انتهيت منه وقلت: "الحمد لله"؛ تكون قد أديت حق الطعام مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ}تفسير : [التكاثر: 8]. وهكذا بيَّن لنا الحق سبحانه أن إبراهيم عليه السلام وزوجه قد أطمأنا على أن الملائكة قد جاءت لهما بالبشرى، وأنها لا تريد بإبراهيم أو بقومه سوءاً، بل هي مكلفة بتعذيب قوم لوط. وهنا يقول الحق سبحانه: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} فالبَركاتُ: هي السَّعادةُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):