Verse. 1547 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

فَلَمَّا ذَہَبَ عَنْ اِبْرٰہِيْمَ الرَّوْعُ وَجَاۗءَتْہُ الْبُشْرٰي يُجَادِلُنَا فِيْ قَوْمِ لُوْطٍ۝۷۴ۭ
Falamma thahaba AAan ibraheema alrrawAAu wajaathu albushra yujadiluna fee qawmi lootin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلما ذهب عن إبراهيم الروع» الخوف «وجاءته البشرى» بالولد أخذ «يجادلنا» يجادل رسلنا «في» شأن «قوم لوط».

74

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو القصة الخامسة وهي قصة لوط عليه السلام، واعلم أن الروع هو الخوف وهو ما أوجس من الخيفة حين أنكر أضيافه والمعنى: أنه لما زال الخوف وحصل السرور بسبب مجيء البشرى بحصول الولد، أخذ يجادلنا في قوم لوط وجواب لما هو قوله: {أَخَذَ } إلا أنه حذف في اللفظ لدلالة الكلام عليه، وقيل تقديره: لما ذهب عن إبراهيم الروع جادلنا. واعلم أن قوله: {يُجَـٰدِلُنَا } أي يجادل رسلنا. فإن قيل: هذه المجادلة إن كانت مع الله تعالى فهي جراءة على الله، والجراءة على الله تعالى من أعظم الذنوب، ولأن المقصود من هذه المجادلة إزالة ذلك الحكم وذلك يدل على أنه ما كان راضياً بقضاء الله تعالى وأنه كفر وإن كانت هذه المجادلة مع الملائكة فهي أيضاً عجيبة، لأن المقصود من هذه المجادلة أن يتركوا إهلاك قوم لوط، فإن كان قد اعتقد فيهم أنهم من تلقاء أنفسهم يجادلون في هذا الإهلاك فهذا سوء ظن بهم. وإن اعتقد فيهم أنهم بأمر الله جاؤا فهذه المجادلة تقتضي أنه كان يطلب منهم مخالفة أمر الله تعالى وهذا منكر. والجواب: من وجهين: الوجه الأول: وهو الجواب الإجمالي أنه تعالى مدحه عقيب هذه الآية فقال: {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ } ولو كان هذا الجدل من الذنوب لما ذكر عقيبه ما يدل على المدح العظيم. والوجه الثاني: وهو الجواب التفصيلي أن المراد من هذه المجادلة سعي إبراهيم في تأخير العذاب عنهم وتقريره من وجوه: الوجه الأول: أن الملائكة قالوا: {إِنَاْ مُهْلِكُو أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ } فقال إبراهيم: أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلاً من المؤمنين أتهلكونها؟ قالوا: لا. قال: فأربعون قالوا: لا. قال: فثلاثون قالوا لا. حتى بلغ العشرة قالوا: لا. قال: أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فعند ذلك قال: إن فيها لوطاً وقد ذكر الله تعالى هذا في سورة العنكبوت فقال: { أية : وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَـٰلِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ } تفسير : [العنكبوت: 31، 32]. ثم قال: {وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امرأتك} فبان بهذا أن مجادلة إبراهيم عليه السلام، إنما كانت في قوم لوط بسبب مقام لوط فيما بينهم. الوجه الثاني: يحتمل أن يقال إنه عليه السلام كان يميل إلى أن تلحقهم رحمة الله بتأخير العذاب عنهم رجاء أنهم أقدموا على الإيمان والتوبة عن المعاصي، وربما وقعت تلك المجادلات بسبب أن إبراهيم كان يقول إن أمر الله ورد بإيصال العذاب ومطلق الأمر لا يوجب الفور بل يقبل التراخي فاصبروا مدة أخرى، والملائكة كانوا يقولون إن مطلق الأمر يقبل الفور، وقد حصلت هناك قرائن دالة على الفور، ثم أخذ كل واحد منهم يقرر مذهبه بالوجوه المعلومة فحصلت المجادلة بهذا السبب، وهذا الوجه عندي هو المعتمد. الوجه الثالث: في الجواب لعل إبراهيم عليه السلام سأل عن لفظ ذلك الأمر وكان ذلك الأمر مشروطاً بشرط فاختلفوا في أن ذلك الشرط هل حصل في ذلك القوم أم لا فحصلت المجادلة بسببه، وبالجملة نرى العلماء في زماننا يجادل بعضهم بعضاً عند التمسك بالنصوص، وذلك لا يوجب القدح في واحد منها فكذا ههنا. ثم قال تعالى: {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ } وهذا مدح عظيم من الله تعالى لإبراهيم، أما الحليم فهو الذي لا يتعجل بمكافأة غيره، بل يتأنى فيه فيؤخر ويعفو ومن هذا حاله فإنه يحب من غيره هذه الطريقة، وهذا كالدلالة على أن جداله كان في أمر متعلق بالحلم وتأخير العقاب، ثم ضم إلى ذلك ماله تعلق بالحلم وهو قوله: {أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ } لأن من يستعمل الحلم في غيره فإنه يتأوه إذا شاهد وصول الشدائد إلى الغير فلما رأى مجيء الملائكة لأجل إهلاك قوم لوط عظم حزنه بسبب ذلك وأخذ يتأوه عليه فلذلك وصفه الله تعالى بهذه الصفة، ووصفه أيضاً بأنه مُنيب، لأن من ظهرت فيه هذه الشفقة العظيمة على الغير فإنه ينيب ويتوب ويرجع إلى الله في إزالة ذلك العذاب عنهم، أو يقال: إن من كان لا يرضى بوقوع غيره في الشدائد فأن لا يرضى بوقوع نفسه فيها كان أولى، ولا طريق إلى صون النفس عن الوقوع في عذاب الله إلا بالتوبة والإنابة فوجب فيمن هذا شأنه يكون منيباً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ} أي الخوف؛ يقال: ارتاع من كذا إذا خاف؛ قال النابغة:شعر : فارتاعَ من صَوْتِ كَلاَّب فبات لهُ طوعَ الشَّوامِتِ من خوفٍ ومن صَرَدِ تفسير : {وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ} أي بإسحق ويعقوب. وقال قَتَادة: بشروه بأنهم إنما أتوا بالعذاب إلى قوم لوط، وأنه لا يخاف. {يُجَادِلُنَا} أي يجادل رسلنا، وأضافه إلى نفسه، لأنهم نزلوا بأمره. وهذه المجادلة رواها حُميد بن هلال عن جُنْدب عن حُذَيفة؛ وذلك أنهم لما قالوا: {إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} [العنكبوت: 31] قال لهم: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا. قال: فأربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون؟ قالوا: لا قال: فعشرون؟ قالوا: لا. قال: فإن كان فيها عشرة ـ أو خمسة شك حميد ـ قالوا: لا. قال قَتَادة: نحواً منه؛ قال فقال يعني إبراهيم: قوم ليس فيهم عشرة من المسلمين لا خير فيهم. وقيل إن إبراهيم قال: أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فقال إبراهيم عند ذلك: {أية : إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} تفسير : [العنكبوت: 32]. وقال عبد الرحمن بن سَمُرة: كانوا أربعمائة ألف. ٱبن جُريج. وكان في قرى قوم لوط أربعة آلاف ألف. ومذهب الأخفش والكسائيّ أنّ «يجادلنا» في موضع «جادلنا». قال النحاس: لما كان جواب «لمّا» يجب أن يكون بالماضي جعل المستقبل مكانه؛ كما أن الشرط يجب أن يكون بالمستقبل فجعل الماضي مكانه. وفيه جواب آخر ـ أن يكون «يجادلنا» في موضع الحال؛ أي أقبل يجادلنا؛ وهذا قول الفرّاء. {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} تقدّم في «براءة» معنى «لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ». والمنيب الراجع؛ يقال: أناب إذا رجع. وإبراهيم صلى الله عليه وسلم كان راجعاً إلى الله تعالى في أموره كلها. وقيل: الأوّاه المتأوّه أسفاً على ما قد فات قوم لوط من الإيمان. قوله تعالى: {يإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ} أي دع عنك الجدال في قوم لوط. {إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ} أي عذابه لهم. {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ} أي نازل بهم. {عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} أي غير مصروف عنهم ولا مدفوع.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن إبراهيم عليه السلام: أنه لما ذهب عنه الروع، وهو ما أوجس من الملائكة من خيفة حين لم يأكلوا، وبشروه بعد ذلك بالولد، وأخبروه بهلاك قوم لوط، أخذ يقول كما قال سعيد بن جبير في الآية قال: لما جاءه جبريل ومن معه، قالوا له: {أية : إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} تفسير : [العنكبوت: 31] قال لهم: أتهلكون قرية فيها ثلثمائة مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمناً؟ قالوا: لا، قال: ثلاثون؟ قالوا: لا، حتى بلغ خمسة قالوا: لا، قال: أرأيتكم إن كان فيها رجل مسلم واحد، أتهلكونها؟ قالوا: لا، فقال إبراهيم عليه السلام عند ذلك: {أية : إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ} تفسير : [العنكبوت: 32] الآية. فسكت عنهم، واطمأنت نفسه، وقال قتادة وغيره قريباً من هذا. زاد ابن إسحاق: أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا: لا، قال: فإن كان فيها لوط يدفع به عنهم العذاب؟ قالوا: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا} الآية، وقوله: { إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} مدح لإبراهيم بهذه الصفات الجميلة، وقد تقدم تفسيرها، وقوله تعالى: {يإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ} الآية، أي: إنه قد نفذ فيهم القضاء، وحقت عليهم الكلمة بالهلاك وحلول البأس الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ } الخوف {وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ } بالولد أخذ {يُجَٰدِلُنَا } يجادل رسلنا {فِى } شأن {قَوْمِ لُوطٍ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فلما ذهب عن إبراهيم الرّوع} يعني الفزع، والرُّوع بضم الراء النفس، ومنه قولهم ألقى في رُوعي أي في نفْسي. {وجاءتْهُ البشرى} أي بإسحاق ويعقوب. {يجادلنا في قوم لوط} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه جادل الملائكة بقوله {أية : إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينة وأهله} تفسير : [العنكبوت: 32] قاله الحسن. الثاني: أنه سألهم أتعذبونهم إن كان فيها خمسون من المؤمنين؟ قالوا لا، قال: فإن كان فيها أربعون؟ قالوا: لا، إلى أن أنزلهم إلى عشرة، فقالوا: لا، قاله قتادة. الثالث: أنه سألهم عن عذابهم هل هو عذاب الاستئصال فيقع بهم لا محالة على سبيل التخويف ليؤمنوا، فكان هذا هو جداله لهم وإن كان سؤالاً لأنه خرج مخرج الكشف عن أمر غامض. قال أبو مالك: ولم يؤمن بلوط إلا ابنتاه رقية وهي الكبرى وعروبة وهي الصغرى.

ابن عطية

تفسير : {الروع}: الفزع والخيفة التي تقدم ذكرها، وكان ذهابه بإخبارهم إياه أنهم ملائكة. و {البشرى}: تحتمل أن يريد الولد، ويحتمل أن يريد البشرى بأن المراد غيره، والأول أبين. وقوله: {يجادلنا} فعل مستقبل جائز أن يسد مسد الماضي الذي يصلح لجواب {لما}، لا سيما والإشكال مرتفع بمضي زمان الأمر ومعرفة السامعين بذلك، ويحتمل أن يكون التقدير ظل أو أخذ ونحوه يجادلنا، فحذف اختصاراً لدلالة ظاهر الكلام عليه، ويحتمل أن يكون قوله، {يجادلنا} حالاً من {إبراهيم} أو من الضمير في قوله: {جاءته}، ويكون جواب {لما} في الآية الثانية: "قلنا: يا إبراهيم أعرض عن هذا" واختار هذا أبو علي، و"المجادلة": المقابلة في القول والحجج، وكأنها أعم من المخاصمة فقد يجادل من لا يخاصم كإبراهيم. وفي هذه النازلة وصف إبراهيم "بالحلم" قيل: إنه لم يغضب قط لنفسه إلا أن يغضب لله. و"الحلم": العقل إلا إذا انضاف إليه أناة واحتمال. والـ {أواه} معناه: الخائف الذي يكثر التأوه من خوف الله تعالى؛ ويروى أن إبراهيم عليه السلام كان يسمع وجيب قلبه من الخشية، قيل: كما تسمع أجنحة النسور وللمفسرين في "الأواه" عبارات كلها ترجع إلى ما ذكرته وتلزمه. والـ {منيب}: الرجاع إلى الله تعالى في كل أمره. وصورة جدال إبراهيم عليه السلام كانت أن قال إبراهيم: إن كان فيهم مائة مؤمن أتعذبونهم؟ قالوا لا. قال: أفتسعون؟ قالوا لا. قال: أفثمانون؟ فلم يزل كذلك حتى بلغ خمسة ووقف عند ذلك؛ وقد عد في بيت لوط امرأته فوجدهم ستة بها فطمع في نجاتهم ولم يشعر أنها من الكفرة، وكان ذلك من إبراهيم حرصاً على إيمان تلك الأمة ونجاتها، وقد كثر اختلاف رواة المفسرين لهذه الأعداد في قول إبراهيم عليه السلام، والمعنى كله نحو مما ذكرته، وكذلك ذكروا أن قوم لوط كانوا أربعمائة ألف في خمس قرى. وقالت فرقة: المراد {يجادلنا} في مؤمني قوم لوط - وهذا ضعيف - وأمره بالإعراض عن المجادلة يقتضي أنها إنما كانت في الكفرة حرصاً عليهم، والمعنى: قلنا يا إبراهيم أعرض عن المجادلة في هؤلاء القوم والمراجعة فيهم، فقد نفذ فيهم القضاء، و {جاء أمر ربك} الأمر هنا: واحد الأمور بقرينة وصفه بالمجيء، فإن جعلناه مصدر أمر قدرنا حذف مضاف، أي جاء مقتضى أمر ربك ونحو هذا؛ وقوله {آتيهم عذاب} ابتداء وخبر؛ جملة في موضع خبر "إن" وقيل: {آتيهم} خبر "إن" فهو اسم فاعل معتمد، و {عذاب} فاعل بـ {آتيهم}. وهذه الآية مقتضية أن الدعاء إنما هو أن يوفق الله الداعي إلى طلب المقدور، فأما الدعاء في طلب غير المقدور فغير مجد ولا نافع.

ابن عبد السلام

تفسير : {الرَّوْعُ} الفزع والرُّوع: النفس "ألقى في رُوعي" {يُجَادِلُنَا} بقوله: إن فيها لوطاً، أو سأل هل يعذبونهم استئصالاً، أو على سبيل التخويف ليؤمنوا، أو قال: أتعذبونهم إن كان فيهم خمسون من المؤمنين قالوا: لا، قال: أربعون قالوا: لا، فما زال حتى نزلهم على عشرة فقالوا: لا، فذلك جداله، ولم يؤمن به إلا ابنتاه.

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {فلما ذهب عن إبراهيم الروع} يعني: الفزع والخوف الذي حصل له عند امتناع الملائكة من الأكل {وجاءته البشرى} يعني زال عنه الخوف بسبب البشرى التي جاءته وهي البشارة بالولد {يجادلنا} فيه إضمار تقديره أخذ يجادلنا أو جعل يجادلنا ويخاصمنا وقيل معناه يكلمنا ويسألنا {في قوم لوط} لأن العبد لا يقدر أن يخاصم ربه وقال جمهور المفسرين: معناه يجادل رسلنا في قوم لوط وكانت مجادلة إبراهيم مع الملائكة أن قال لهم أرأيتم لو كان في مدائن قوم لوط خمسون رجلاً من المؤمنين أتهلكونها قالوا لا قال فأربعون قالوا لا قال فثلاثون قالوا لا قال فما زال كذلك حتى بلغ خمسة قالوا لا قال أرأيتم لو كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها قالوا لا قال إبراهيم فإن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا أمرأته كانت من الغابرين وقيل إنما طلب إبراهيم تأخير العذاب عنهم لعلهم يؤمنون أو يرجعون عما هم فيه من الكفر والمعاصي، قال ابن جريج: كان في قرى قوم لوط أربعة آلاف مقاتل {إن إبراهيم لحليم أوَّاه منيب} تقدم تفسيره في سورة التوبة فعند ذلك قالت الملائكة لإبراهيم {يا إبراهيم أعرض عن هذا} يعني أعرض عن هذا المقال واترك هذا الجدال {إنه قد جاء أمر ربك} يعني: إن ربك قد حكم بعذابهم فهو نازل بهم وهو قوله سبحانه وتعالى: {وإنهم آتيهم عذاب غير مردود} يعني أن العذاب الذي نزل بهم غير مصروف ولا مدفوع عنهم. وقوله عز وجل: {ولما جاءت رسلنا لوطاً} يعني: هؤلاء الملائكة الذين كانوا عند إبراهيم وكانوا على صورة غلمان مرد حسان الوجوه {سيء بهم} يعني أحزن لوط بمجيئهم إليه وساء ظنه بقومه {وضاق بهم ذرعاً} قال الأزهري: الذي يوضع موضع الطاقة والأصل فيه أن البعير يذرع بيديه في سيره ذرعاً على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر من طوقه ضاق ذرعه من ذلك وضعف ومد عنقه فجعل ضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع والطاقة والمعنى وضاق بهم ذرعاً إذا لم يجد من المكروه في ذلك الأمر مخلصاً، وقال غيره: معناه ضاق بهم قلباً وصدراً ولا يعرف أصله إلا أن يقال إن الذرع كناية عن الوسع، والعرب تقول: ليس هذا في يدي يعنون ليس هذا في وسعي لأن الذراع من اليد ويقال ضاق فلان ذرعاً بكذا إذا وقع في مكروه ولا يطيق الخروج منه وذلك أن لوطاً عليه السلام لما نظر إلى حسن وجوههم وطيب روائحهم أشفق عليهم من قومه وخاف أن يقصدوهم بمكروه أو فاحشة وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عنهم {وقال} يعني لوطاً {هذا يوم عصيب} أي: شديد كأنه قد عصب به الشر والبلاء أي شد به مأخوذ من العصابة التي تشد به الرأس، قال قتادة والسدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط فأتوا لوطاً نصف النهار وهو يعمل في أرض له وقيل أنه كان يحتطب وقد قال الله سبحانه وتعالى للملائكة لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات فاستضافوه فانطلق بهم فلما مشى ساعة قال لهم أما بلغكم أمر هذه القرية قالوا وما أمرهم قال أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملاً يقول ذلك أربع مرات فمضوا معه حتى دخلوا منزله وقيل: إنه لما حمل الحطب ومعه الملائكة مر على جماعة من قومه فتغامزوا فيما بينهم فقال لوط إن قومي شر خلق الله تعالى، فقال جبريل: هذه واحدة فمر على جماعة أخرى فتغامزوا فقال مثله ثم مر على جماعة أخرى ففعلوا ذلك وقال لوط مثل ما قال أولاً حتى قال ذلك أربع مرات وكلما قال لوط هذا القول قال جبريل للملائكة اشهدوا وقيل إن الملائكة جاءوا إلى بيت لوط فوجدوه في داره فدخلوا عليه ولم يعلم أحد بمجيئهم إلا أهل بيت لوط فخرجت امرأته الخبيثة فأخبرت قومها وقالت: إن في بيت لوط رجالاً ما رأيت مثل وجوههم قط ولا أحسن منهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى‏} ‏ قال‏:‏ الغرق ‏ {‏يجادلنا في قوم لوط‏} ‏ قال‏:‏ يخاصمنا‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏فلما ذهب عن إبراهيم الروع‏} ‏ قال‏:‏ الخوف ‏{‏وجاءته البشرى‏}‏ بإسحق‏. وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن قتادة ‏{‏وجاءته البشرى‏} ‏ قال‏:‏ حين اخبروه أنهم أرسلوا إلى قوم لوط وأنهم ليسوا إياه يريدون ‏{‏يجادلنا في قوم لوط‏} ‏ قال‏:‏ إنه قال لهم يومئذ‏:‏ أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين‏؟‏ قالوا‏:‏ إن كان فيهم خمسون لم نعذبهم‏.‏ قال‏:‏ أربعون‏؟‏ قالوا‏:‏ وأربعون‏.‏ قال‏:‏ ثلاثون‏؟‏ قالوا‏:‏ وثلاثون حتى بلغ عشرة قالوا‏:‏ وإن كان فيها عشرة‏؟‏ قال‏:‏ ما قوم لا يكون فيهم عشرة فيهم خير‏.‏ قال قتادة‏:‏ إنه كان في قرية لوط أربعة آلاف، ألف إنسان أو ما شاء الله من ذلك‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏ {‏يجادلنا في قوم لوط‏} ‏ قال‏:‏ لما جاء جبريل ومن معه إلى إبراهيم عليه السلام، وأخبره أنه مهلك قوم لوط قال‏:‏ أتهلك قرية فيها أربعمائة مؤمن‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ ثلثمائة مؤمن‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فمائتا مؤمن‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فمائة‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فخمسون مؤمناً‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فأربعون مؤمنا‏ً؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فأربعة عشر مؤمنا‏ً؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ وظن إبراهيم أنهم أربعة عشر بامرأة لوط، وكان فيها ثلاثة عشر مؤمناً وقد عرف ذلك جبريل‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لما جاءت الملائكة إلى إبراهيم قالوا لإِبراهيم‏:‏ إن كان فيها خمسة يصلون رفع عنهم العذاب.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ} [الآية: 74]. قال بعضهم: ذهب عنه روع ما يجده فى نفسه من تنزههم عن طعامه، وعلم أنهم الملائكة، وجاءته البشرى بالسلام من الله لمَّا فرغ من قضاء حق الضيف ولقى البشرى رجع إلى حد الشفقة على الخلق والمجادلة عنهم، يجادلنا فى قوم لوط: الرحمة التى جبله الله عليها.

القشيري

تفسير : لما كانت مراجعته مع الله في أمر قوم لوطٍ بحقِّ الله لا لحظِّ نَفْسِه سَلِمَ له الجِدال، وهذا يدلُّ على علوِّ شأنه حيث تجاوزَ عنه ذلك.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلما ذهب عن ابراهيم الروع} اى زال الخوف والفزع الذى اصابه لما لم يأكلوا من العجل واطمأن قلبه بعرفانهم بحقيقتهم الملكية وعرفان سبب مجيئهم {وجاءته البشرى} بنجاة قومه كما {أية : قالوا لا تخف انا ارسلنا الى قوم لوط} تفسير : او بالولد اسحاق كما قال {أية : فبشرناها باسحق} تفسير : وابراهيم اصل فى التبشير كما قال فى سورة اخرى {أية : وبشرناه بغلام حليم} تفسير : {يجادلنا} اى جادل وخاصم رسلنا لانه صرح فى سورة العنكبوت بكون المجادلة مع الرسل وجيئ بجواب لما مضارعا مع انه ينبغى ان يكون ماضيا لكونها موضوعة للدلالة على وقوع امر فى الماضى لوقوع غيره فيه على سبيل الحكاية الماضية {فى قوم لوط} فى شانهم وحقهم لرفع العذاب جدال الضعيف مع القوى لا جدال القوى مع الضعيف بل جدال المحتاج الفقير مع الكريم الغنى وجدال الرحمة والمعاطفة وطلب النجاة للضعفاء والمساكين الهالكين وكان لوط ابن اخيه وهو لوط بن آزور بن آزر وابراهيم بن آزر ويقال ابن عمه وسارة كانت اخت لوط فلما سمعا بهلاك قوم لوط اغتما لاجل لوط فطفق ابراهيم يجادل الرسل حين قالوا انا مهلكوا اهل هذه القرية فقال أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلا من المؤمنين أتهلكونها قالوا لا نقول فاربعون قالوا لا قال فثلاثون قالوا لا حتى بلغ خمسة قالوا لا قال أرأيتم ان كان فيها رجل واحد مسلم اتهلكونها قالوا لا فعند ذلك قال فيها لوطا قالوا نحن اعلم بمن فيها لننجيه واهله

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "لما": حرف وجود لوجود، تفتقر للشرط والجواب. فشرطها: "ذهب"، وجوابها: محذوف أي: جعل يجادلنا. والتأوه: التفجع والتأسف، ومنه قول الشاعر: شعر : إِذا ما قمتُ أرحَلُهَا بليلٍ تأوّهُ آهةَ الرجل الحزين تفسير : يقول الحق جل جلاله: {فلما ذهب عن إبراهيمَ الرَّوعُ}، وهو ما أوجس في نفسه من الخيفة، {وجاءته البشرى} بدل الروع، جعل {يُجادلنا} أي: يخاصم رسلنا {في} شأن {قوم لوطٍ}، ويدفع عنهم، قال: {أية : إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا} تفسير : [العنكبوت: 32]، {إنَّ إبراهيمَ لحليمٌ}، غير عجول من الانتقام إلى من أساء اليه. {أواهٌ}؛ كثير التأوه والتأسف على الناس، {منيب}، راجع إلى الله. والمقصود من ذلك: بيان الحامل له على المجادلة، وهي: رقة قلبه وفرط ترحمه. قال تعالى على لسان الملائكة: {يا إبراهيمُ أعرضْ عن هذا}، الجدال؛ {إنه قد جاء أمرُ ربك} بهلاكهم، ونفذ قضاؤه الأزلي فيهم، ولا مرد لما قضى، {وإنهم آتيهم عذاب غير مردود}؛ غير مصروف بجدال ولا دعاء، ولا غير ذلك. الإشارة: قال الورتجبي: قوله تعالى {إن أبراهيم لحليم أواه}؛ حليم بأنه كان لا يدعو على قومه، بل قال: {أية : فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [إبراهيم: 36] وتأوه زفرة قلبه من الشوق إلى جمال ربه، هكذا وصْف العاشقين. ثم قال: ومجادلته كمال الانبساط، ولم يكن جهلاً، ولكن كان مُشفقاً، باراً كريماً، رأى مكانة نفسه في محل الخلة والاصطفائية القديمة، وهو تعالى يُحب غضب العارفين، وتغير المحبين، ومجادلة الصديقين، وانبساط العاشقين حتى يحثهم على ذلك. وفي الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لما أُسري بي رأيت رجلاً في الحضرة يتذمر، فقلت لجبريل: من هذا؟ فقال: أخوك موسى يَتَذَمَّرُ عَلَى ربهِ ـ أي: يجترئ عليه انبساط ـ فقلت: وهل يليق له ذلك؟ فقال: يعرفه؛ فيتحمل عنه "تفسير : . ثم قال: ولا يجوز الانبساط إلا لمن كان على وصفهم. هـ. قال في الصحاح: يَتَذَمَّرُ على فلان: إذا تَنَكَّرَ له وأَوعَدَهُ. قاله المحشي. والحاصل أن إبراهيم عليه السلام حملته الشفقة والرحمة، حتى صدر، منه ما صدر مع خلته واصطفائيته، فالشفقة والرحمة من شأن الصالحين والعارفين المقربين، غير أن العارفين بالله مع مراد مولاهم، يشفقون على عباد الله، ما لم يتعين مراد الله، فالله أرحم بعباده من غيره. ولذلك قال لخليله، لما تعين قضاؤه: {يا أبراهيم أعرض عن هذا}. فالشفقة التي تؤدي إلى معارضة القدر لا تليق بأهل الأقدار، وفي الحكم "ما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره الله". ولهذا قالوا: الشفقة لا تليق بالأولياء. قال جعفر الصادق ـ رحمه الله ـ: ست خصال لا تحس بستة رجال: لا يحسن الطمع في العلماء، ولا العجلة في الأمراء، ولا الشح في الأغنياء، ولا الكبر في الفقراء، ولا الشفقة في المشايخ، ولا اللؤم في ذوي الأحساب. وقولنا: الشفقة لا تليق بالأولياء، يعني إذا تعين مراد الله، أو إذا ظهرت المصلحة في عدمها، كأمر الشيخ المريد بما تموت به نفسه، فإذا كان الشيخ يحن على الفقراء في هذا المعنى لا تكمل تربيته. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هلاك لوط،، فقال: {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً}.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى انه حين ذهب عن ابراهيم الروع، وهو الافزاع، يقال: راعه يروعه روعاً اذا افزعه قال عنترة: شعر : ما راعني الا حمولة اهلها وسط الديار تسف حب الخمخم تفسير : أي ما افزعني، وارتاع ارتياعاً اذا خاف. و (الروع) بضم الراء النفس، يقال ألقي في روعي، وهو موضع المخافة و {جاءته البشرى} يعنى بالولد {يجادلنا} وتقديره جعل يجادلنا، فجواب (لما) محذوف لدلالة الكلام عليه، لان (لما) تقتضيه، والفعل خلف منه. وقال الاخفش (يجادلنا) بمعنى جادلنا. وقال الزجاج: يجوز ان يكون ذلك حكاية حال قد جرت، والا فالجيد ان تقول: لما قام قمت، ولما جاء جئت. ويضعف ان تقول: لما قام اقوم، والتقدير في الآية لما ذهب عن ابراهيم الروع وجاءته البشرى اقبل يجادلنا, واخذ يجادلنا. وقوله {يجادلنا} يحتمل معنيين احدهما يجادل رسلنا من الملائكة - في قول الحسن - الثاني - يسألنا في قوم لوط. والمعنى انه سأل الله، إلا انه استغني بلفظ {يجادلنا} لأنه حرص في السؤال حرص المجادل. وقيل في ما به جادل ثلاثة اقوال: احدها - قال الحسن: انه جادل الملائكة بأن قال لهم: {أية : إن فيها لوطاً} تفسير : كيف تهلكونهم، فقالت له الملائكة {أية : نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله}. تفسير : الثاني - قال قتادة انه سألهم: أتعذبون خمسين من المؤمنين ان كانوا؟ قالوا: لا، ثم نزل الى عشرة فقالوا: لا. الثالث - قال ابو علي: جادلهم ليعلم بأي شيء استحقوا عذاب الاستئصال وهل ذلك واقع بهم لا محالة أم على سبيل الاخافة؟ ليرجعوا الى الطاعة.

الجنابذي

تفسير : {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ} سكن الخوف بمعرفته ايّاهم {وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} يعنى انّه بعد ما سكن الخوف وحصل له البسط ببشارة الولد واخبره الملائكة بانّهم نزلوا لعذاب قوم لوط جادلنا يعنى بمجادلة رسلنا فى دفع العذاب عن قوم لوط وهذا من كمال رحمته على خلق الله وسعة خُلقه وكمال مرتبة نبوّته فانّ قوم لوط بشؤم اعمالهم استحقّوا سؤال العذاب منه وهو يجادل الله فى دفع العذاب، عكس ما روى عن بعض الانبياء (ع) الجزويّة من سؤال العذاب بعد التّبليغ وتأبّيهم عن الانقياد من غير صبر على اذاهم فضلاً عن طلب الرّحمة ودفع العذاب عنهم، وصورة مجادلته الملائكة كما نقل انّه قال ان كان فيها مائة من المؤمنين اتهلكونهم؟ - فقال جبرئيل: لا، قال: فان كان فيها خمسون؟ - قال لا، قال: فان كان فيها ثلاثون؟ - قال لا، قال: فان كان فيها عشرون؟ - قال: لا، قال: فان كان فيها عشرة؟ - قال: لا، قال: فان كان فيها خمسة؟ - قال: لا، قال: فان كان فيها واحد؟ - قال: لا، قال: فانّ فيها لوطاً؛ قالوا نحن اعلم بمن فيها لننجّينّه واهله، وهذا من استكماله (ع) فى نبوّته لانّه كما روى بعد ما رأى ملكوت السّماوات والارض رأى رجلا وامرأته على معصية الله فدعا عليهما فأهلكا وبعد كمال النّبوّة يجادل فى قوم لوطٍ مع انّه (ع) كان يراهم على معاصى الله وعلى اشدّها.

اطفيش

تفسير : {فلمَّا ذَهبَ} زال {عَنْ إبراهيم الرَّوْع} الخوف واطمأن بمعرفته أنهم ملائكة، وأنهم فى شأن قوم لوط {وجاءتْهُ البُشْرى} بالولد {يُجادِلنا} أى يجادل رسلنا، أو مجادلتهم مجادلته تعالى {فى قَوْم لُوطٍ} فى شأنهم، وما جداله إلا قوله: {أية : إن فيها لوطا} تفسير : وليس ردا لكلام الله وملائكته حاشاه، فكأنه قيل: يكلمنا ويطلبنا، وقيل: إنه قال للملائكة أيهلكون قوما فيهم خمسون من المؤمنين؟ قالوا: لا، قال: فأربعون؟ قالوا: لا، قال: فثلاثون؟ قالوا: لا، ومازال حتى قال: فخمسة؟ قالوا: لا، وقال: فواحد؟ قالوا: لا، قال: إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجيه وأهله إلا أمرأته. وقيل: قال: أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن؟ قالوا: لا، قال: فأربعون؟ قالوا: لا، قال: فأربعة عشر؟ قالوا: لا، قال: فواحد؟ قالوا: لا، قال: إن فيها لوطا؟ قالوا: نحن أعلم بمن فيها، الآية ويأتى فى سورة العنكبوت خلاف ذلك إن شاء الله، وفى رواية: أربعون، وثلاثون، وعشرون، وعشرة. وروى عن الكلبى أنه سأل ربه ألا يهلك لوطا وأهله، وأن يعفو عن قوم لوط بتأخير العذاب لعلمهم يؤمنون، قيل: كان فيهم أربعة آلاف ألف، ويجادلنا جواب لما، وقع جوابها مضارعا قيل: أجاز ابن عصفور ذلك، وقيل: إن الجواب جاءته البشرى، وزيدت فيه الواو، قلت: هذا ضعيف لا يعود عليه، وقيل الجواب محذوف، ويجادلنا حال معمول لمحذوف، أى أقبل أو شرع يجادلنا، ذكر ابن هشام بعض ذلك، وقيل: الجواب محذوف، ويجادلنا مستأنف دال عليه أى اجترأ على خطابنا، أو فطن لمجادلتنا، أو قال كذا وكذا، وقيل: الجواب يجادلنا جئ به مضارعا لحكاية الحال، وقيل: إن لما ترد المضارع إلى معنى الماضى، فكأنه قيل جادلنا.

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّا ذَهَبَ} بالتبشير بالولادة وقول الملائِكة إِنا أُرسلنا إِلى قوم لوط {عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ} الخوف من الملائِكة الجائِين ولم يأْكلوا طعامه ولا يعرف أَنهم ملائِكة {وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى} بالولادة على ما مر {يُجَادِلُنَا} جواب لما، وكان مضارعاً لأَنه للتجدد كأَنه قيل تكرر جداله حين ذهب إِلخ بأَن يقول فيهم لوط وهو مؤْمن أَو لإِرادة استحضار الحال الماضية أَو بمعنى جادلنا كما ترد لو المضارع بعدها للماضى كقوله تعالى: {قل لو أَنتم تملكون} [الإِسراء: 100]، أَى لو ملكتم أَو الجواب محذوف والجملة خبر له أَى يجادلنا، أَو محذوف والجملة مستأْنفة قيل أَو حال من إِبراهيم أَو من هاءِ جاءَته، أَى اجترأَ على الجدال أَو فطن له، أَو يقدر أَقبل يجادلنا فيجادل حال من ضمير أَقبل {فِى قَوْمِ لُوطٍ} فى شأْنهم كيف يهلكون كلهم وفيهم ثلاثمائَة مؤْمن، ويجادلنا على حذف مضاف يجادل رسلنا. قال الله تعالى: "أية : ولما جاءَت رسلنا إِبراهيم"تفسير : بالبشرى إِلى لوط.

الالوسي

تفسير : {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ} أي الخوف والفزع، قال الشاعر: شعر : إذا أخذتها هزة (الروع) أمسكت بمنكب مقدام على الهول أروعا تفسير : والفعل راع، ويتعدى بنفسه كما في قوله: شعر : (ما راعني) إلا حمولة أهلها وسط الديار تسف حب الخمخم تفسير : والروع بضم الراء النفس وهي محل الروع. والفاء لربط بعض أحوال إبراهيم عليه السلام ببعض غب انفصالها بما ليس بأجنبـي من كل وجه بل له مدخل في السياق والسباق، وتأخر الفاعل عن الظرف لكونه مصب الفائدة، والمعنى لما زال عنه ما كان أوجسه منهم من الخيفة وأطمأنت نفسه بالوقوف على جلية أمرهم {وَجَآءتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} أي يجادل رسلنا في حالهم وشأنهم، ففيه مجاز في الإسناد. وكانت مجادلته عليه السلام لهم ما قصه الله سبحانه في قوله سبحانه في سورة العنكبوت: {أية : وَلَمَّا جَآءتْ رُسُلُنَآ إِبْرٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَـٰلِمِينَ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً }تفسير : [العنكبوت: 31-32] فقوله عليه السلام: {إِنَّ فِيهَا لُوطاً} مجادلة وعد ذلك مجادلة لأن مآله على ما قيل: كيف تهلك قرية فيها من هو مؤمن غير مستحق للعذاب؟ ولذا أجابوه بقولهم: {أية : نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ}تفسير : [العنكبوت: 32] وهذا القدر من القول هو المتيقن. وعن حذيفة أنهم لما قالوا له عليه السلام ما قالوا، قال: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونها؟ وقالوا: لا، قال: فثلاثون؟ قالوا: لا، قال: فعشرون، قالوا: لا، قال: فإن كان فيهم عشرة أو خمسة ـ شك الراوي ـ؟ قالوا: لا، قال: أرأيتم إن كان فيها رجل واحد من المسلمين أتهلكونها؟ قالوا: لا، فعند ذلك قال: {أية : إِنَّ فِيهَا لُوطاً }تفسير : [العنكبوت: 32] فأجابوه بما أجابوه، وروي نحو ذلك عدة روايات الله تعالى أعلم بصحتها، وفسر بعضهم المجادلة بطلب الشفاعة، وقيل: هي سؤاله عن العذاب هل هو واقع بهم لا محالة أم على سبيل الإخافة ليرجعوا إلى الطاعة؟ وأياً مّا كان ـ فيجادلنا ـ جواب ـ لما ـ وكان الظاهر جادلنا إلا أنه عبر بالمضارع لحكاية الحال الماضية واستحضار صورتها، وقيل: إن ـ لما ـ كلو تقلب المضارع ماضياً كما أن ـ أن ـ تقلب الماضي مستقبلاً، وقيل: الجواب محذوف. وهذه الجملة في موضع الحال من فاعله أي أخذ أو أقبل مجادلا لنا، وآثر هذا الوجه الزجاج ولكنه جعله مع حكاية الحال وجهاً واحداً لأنه قال: ولم يذكر في الكلام أخذ لأن الكلام إذا أريد به حكاية حال ماضية قدر فيه أخذ وأقبل لأنك إذا قلت: قام زيد دل على فعل ماض، وإذا قلت: أخذ زيد يقوم دل على حال ممتدة من أجلها ذكر أخذ وأقبل، وصنيع الزمخشري يدل على أنهما وجهان، وتحقيقه على ما في «الكشف» أنه إذا أريد استمرار الماضي فهو كما ذكره الزجاج، وإن أريد التصوير المجرد فلا، وقيل: الجواب محذوف. والجملة مستأنفة استئنافاً نحوياً أو بيانياً وهي دليل عليه، والتقدير اجترأ على خطابنا أو فطن بمجادلتنا وقال: كيت وكيت، واختاره في «الكشاف»، وقيل: إن هذه الجملة ـ وكذا الجملة التي قبلها ـ في موضع الحال من {إِبْرَاهِيمَ} على الترادف أو التداخل وجواب (لما) قلنا يقدر قبل { أية : يآإِبْرٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا } تفسير : [هود: 76]، وأقرب الأقوال أولها ((والبشرى إن فسرت بقولهم: {أية : لاَ تَخَفْ}تفسير : [هود: 70] فسببية ذهاب الخوف ومجيء السرور للمجادلة ظاهرة، وأما إن فسرت ببشارة الولد ـ كما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن قتادة واختاره جمع أو بما يعمها ـ فلعل سببيتها لها من حيث أنها تفيد زيادة اطمئنان قلبه عليه السلام بسلامته وسلامة أهله كافة كذا قاله مولانا شيخ الإسلام، ثم قال: إن قيل: إن المتبادر من هذا الكلام أن يكون إبراهيم عليه السلام قد علم أنهم مرسلون لإهلاك قوم لوط قبل ذهاب الروع عن نفسه ولكن لم يقدر على مجادلتهم في شأنهم لاشتغاله بشأن نفسه، فلما ذهب عنه الروع فرغ لها مع أن ذهاب الروع إنما هو قبل العلم بذلك لقوله سبحانه: {أية : قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ}تفسير : [هود: 70] قلنا: كان لوط عليه السلام على شريعة إبراهيم عليه السلام وقومه مكلفين بها فلما رأى من الملائكة عليهم السلام ما رأى خاف على نفسه وعلى كافة أمته التي من جملتهم قوم لوط، ولا ريب في تقدم هذا الخوف على قولهم: {أية : لاَ تَخَفْ }تفسير : [هود: 70] وأما الذي علمه عليه السلام بعد النهي فهو اختصاص قوم لوط بالهلاك لا دخول لهم تحت العموم فتأمل)) انتهى. وفيه أن كون الكل أمته في حيز المنع، وما أشار إليه من اتحاد الشريعتين إن أراد به الاتحاد في الأصول كاتحاد شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم مع شريعة إبراهيم عليه السلام فمسلم لكن لا يلزم منه ذلك، وإن أراد به الاتحاد في الأصول والفروع فغير مسلم ولو سلم ففي لزوم كون الكل أمته له تردد على أنه لو سلمنا كل ذلك / فلقائل أن يقول: سلمنا أنه عليه السلام لما رأى من الملائكة عليهم السلام ما رأى حصل له خوف على نفسه وعلى كافة أمته التي من جملتهم قوم لوط عليه السلام لكن لا نسلم أن هذا الخوف كان عن علم بأن أولئك الملائكة كانوا مرسلين لإهلاك الكل المندرج فيه قوم لوط بل عن تردد وتحير في أمرهم، وحينئذ لا ينحل السؤال بهذا الجواب كما لا يخفى على المتبصر، وكأنه لذلك أمر بالتأمل. وقد يقال: المفهوم من الكلام تحقق المجادلة بعد تحقق مجموع الأمرين ذهاب الروع ومجيء البشارة، وهو لا يستدعي إلا سبق العلم بأنهم مرسلون لإهلاك قوم لوط على تحقق المجموع، ويكفي في ذلك سبقه على تحقق البشارة، وهذا العلم مستفاد من قولهم له: {أية : لاَ تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ } تفسير : [هود: 70] وكأنه عليه السلام إنما لم يجادل بعد هذا العلم، وأخر المجادلة إلى مجيء البشارة ليرى ما ينتهى إليه كلام الملائكة عليهم السلام، أو لأنه لم يقع فاصل سكوت في البين ليجادل فيه إلا أن هذا لا يتم إلا أن يكون الإخبار بالإرسال إلى قوم لوط سابقاً على البشارة بالولد، وفيه تردد. وفي بعض الآيات ما هو ظاهر في سبق البشارة على الإخبار بذلك، نعم يمكن أن يلتزم سبق الإخبار على البشارة، ويقال: إنهم أخبروه أولا ثم بشروه ثانياً، ثم بعد أن تحقق مجموع الأمرين قال: {أية : فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ}تفسير : [الحجر: 57] ويقال: الرماد منه السؤال عن حال العذاب هل هو واقع بهم لا محالة أم هو على سبيل الإخافة ليرجعوا إلى الإيمان؟ وتفسير المجادلة به كما مر عن بعض فتدبر ذاك والله سبحانه يتولى هداك.

ابن عاشور

تفسير : التعريف في {الرّوع} وفي {البشرى} تعريف العهد الذكري، وهما المذكوران آنفاً، فالرّوع: مرادف الخيفة. وقوله: {يجادلنا} هو جواب {لمّا} صيغ بصيغة المضارع لاستحضار الحالة العجيبة كقوله: {أية : ويَصنع الفلك}تفسير : [هود: 38]. والمجادلة: المحاورة. وقد تقدّمت في قوله: {أية : ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم}تفسير : في سورة [النساء: 107]. وقوله: {في قوم لوط} على تقدير مضاف، أي في عقاب قوم لوط. وهذا من تعليق الحكم باسم الذّات، والمراد حال من أحوالها يعيّنه المقام، كقوله: {أية : حرمْت عليكم الميتة}تفسير : [المائدة: 3] أي أكلها. والمجادلة هنا: دعاء ومناجاة سأل بها إبراهيم ـ عليه السّلام ـ ربّه العفو عن قوم لوط خشية إهلاك المؤمنين منهم. وقد تكون المجادلة مع الملائكة. وعدّيت إلى ضمير الجلالة لأنّ المقصود من جدال الملائكة التعرّض إلى أمر الله بصرف العذاب عن قوم لوط. والـ{حليم} الموصوف بالحلم وهو صفة تقتضي الصفح واحتمال الأذى. والـ{أوّاه} أصله الذي يكثر التأوُّه، وهو قول: أوّه. وأوّه: اسم فعل نائب مناب أتوجع، وهو هنا كناية عن شدة اهتمامه بهموم الناس. والـ{منيب} من أناب إذا رجع، وهو مشتق من النوب وهو النزول. والمراد التّوبة من التقصير، أي محاسب نفسه على ما يَحذر منه. وحقيقة الإنابة: الرجوع إلى الشيء بعد مفارقته وتركه. وجملة {يا إبراهيم أعرض عن هذا} مقول محذوف دل عليه المقام وهو من بديع الإيجاز، وهو وحي من الله إلى إبراهيم ـ عليه السّلام ـ، أو جواب الملائكة إبراهيم ـ عليه السّلام ـ. فإذا كان من كلام الله فقوله: {أمر ربك} إظهار في مقام الإضمار لإدخال الرّوع في ضمير السامع. و{أمر الله} قضاؤه، أي أمر تكوينه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ}. لم يبين هنا ما جادل به إبراهيم الملائكة في قوم لوط، ولكنه أشار إليه في العنكبوت بقوله {أية : قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ} تفسير : [العنكبوت: 31 - 32] الآية. فحاصل جداله لهم أنه يقول: إن أهلكتم القرية وفيها أحد من المؤمنين أهلكتم ذلك المؤمن بغير ذنب، فأجابوه عن هذا بقولهم {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا} الآية. ونظير ذلك قوله {أية : فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [الذاريات: 35 - 36].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الروع: الفزع والخوف. البشرى: أي الخبر السار المفرح للقلب. يجادلنا: أي يخاصمنا. في قوم لوط: أي في شأن هلاك قوم لوط، ولوط هو رسول الله لوط بن هاران بن عم إبراهيم. حليم أواه: الحليم الذي لا يعامل بالعقوبة والأواه كثير التأوه مما يسيء ويحزن. أعرض عن هذا: أي اترك الجدال في قوم لوط. غير مردود: أي لا يستطيع أحد رده لأن الله تعالى قد قضى به فهو واقع لا محالة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن بشارة إبراهيم قال تعالى فلما ذهب عن إبراهيم الروع أي الفزع والخوف من الملائكة قبل أن يعرفهم وجاءته البشرى بالولد وبهلاك قوم لوط أخذ يجادل الملائكة في شأن هلاك قوم لوط لأجل ما بينهم من المؤمنين فقال إن فيها لوطاً فأجابوه بقولهم الذي ذكر تعالى في سورة العنكبوت {أية : نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ}تفسير : [الآية: 32] وقوله تعالى {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} تعليل لمجادلة إبراهيم الملائكة في قوم لوط، وذلك أن إبراهيم رقيق القلب حليم لا يعامل بالعقوبة فأراد تأخير العذاب عنهم لعلهم يتوبون. وكان أواهاً ضارعا قانتا يكثر من قول آه إذا رأى أو سمع ما يسوء ومنيباً أي توابا رجاعاً إلى ربّه في كل وقت. ولما الحّ إبراهيم في مراجعة الملائكة قالوا له يا إبراهيم أعرض عن هذا الجدال، إنه قد جاء أمر ربك أي بهلاك القوم. {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} أي غير مدفوع من أحد وهو ما سَيُذْكَرُ في السياق بعد. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية الجدال عمن يُرجى له الخير من الناس، وذلك في غير الحدود الشرعية إذا رفعت إلى الحاكم. 2- فضيلة خلق الحلم. 3- فضل الإِنابة إلى الله تعالى. 4- قضاء الله لا يرد أي ما حكم الله به لابد واقع.

القطان

تفسير : الروع: الخوف. حليم: يصبر على من آذاه وجهل عليه ويعامله بلطف. اواه: كثير التأوه والتضرع الى الله. منيب: يرجع الى الله في كل امر. وكان ابراهيم عليه السلام رجلاً رقيق القلب، فلما عَلِمَ أن قومَ لوطٍ هالكون، كما أعلمه الملائكة - أخذتْه الشفقةُ عليهم، فجعلَ يجادل ويسأل الرحمة بهم، رجاء ان ينظُر الله اليهم نظر رحمة. قال تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ}. حين اطمأن ابراهيم الى ان ضيوفه ملائكة من رسُل الله، وذهب عنه الخوف، وسكن قلبه ببُشرى الولد التي حملوها اليه، أخذ يجادل الملائكة في خلاك قوم لوط. وكان لوط هذا ابن أخ ابراهيم، وقد آمن بعمه كما قال تعالى: {أية : فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ} تفسير : [العنكبوت:26]. {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ}. لقد جادل ابراهيم الملائكة في عذاب قوم لوط لأنه كان يعمل ان لوطاً من الصدِّيقين، ولان ابراهيم نفسهَ كان حليماً لا يَعْجَل بالانتقام من المسيء، بل هو كثير التأوُّه والتضرُّع الى ربه، ويرجع في كل اموره الى الله. {يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ}. وجاءه الرد بقوله الملائكة: دعْ هذا الجدل لمصلحة قوم لوط والتماس الرحمة لهم يا إبراهيم، فقد صدر أمرُ ربك بهلاكهم، فالعذاب آتيهم لا يُرَدّ، بعد أن حقَّت عليهم الكلمةُ بالهلاك.

د. أسعد حومد

تفسير : {إِبْرَاهِيمَ} {يُجَادِلُنَا} (74) - خَافَ إِبْرَاهِيمُ مِنَ المَلاَئِكَةِ لأَِنَّهُمْ لَمْ يَأْكُلُوا طَعَامَهُ، ثُمَّ بَشَّرُوهُ بِإِسْحَاقَ، وَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ مُرْسَلُونَ لإِهْلاَكِ قَوْمِ لُوطٍ، فَارْتَاعَ لِذلِكَ. وَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ أَخَذَهُ الإِشْفَاقُ، فَرَاحَ يُجَادِلُ المَلاَئِكَةَ كَيْفَ يُهْلِكُونَ قَوْمَ لُوطٍ، وَفِيهِمْ أُنَاسٌ مُؤْمِنُونَ. الرَّوْعُ - الخَوْفُ وَالفَزَعُ.

الثعلبي

تفسير : {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ} الخوف {وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ} بإسحاق ويعقوب {يُجَادِلُنَا} في [.......] لأنّ إبراهيم لا يجادل ربّه إنّما يسأله ويطلب إليه. وقال عامّة أهل التفسير معناه يجادل رسلنا وذلك أنهم لما قالوا: إنا مهلكوا أهل هذه القرية، قال لهم: أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا لا، فقال إبراهيم: وأربعون؟ قالوا: لا، قال: أو ثلاثون؟ قالوا: لا، قال: حتى بلغ عشرة، قالوا: لا، فقال: خمسة قالوا: لا، قال: أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونه؟ قالوا: لا، فقال إبراهيم عند ذلك: إن فيها لوطاً، فقالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجّينه وأهله إلاّ امرأته كانت من الغابرين. قال ابن جريج: وكان في قرى لوط أربعة آلاف ألف، قال قتادة: في هذه الآية لا يرى مؤمن إلاّ لوط المؤمن، فقالت الرسل عند ذلك لإبراهيم: {يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ} أي دع عنك الجدال، وأعرض عن هذا المقال {إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ} عذاب ربك {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ} نازل بهم، يعني قوم لوط {عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} غير مدفوع ولا ممنوع. {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا} يعني الملائكة {لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ} حزن لمجيئهم، يقال: سؤته فسيء مثل شغلته فانشغل، وسررته فانسر {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} قلباً {وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} شديد، ومنه عصبصب، كالعصب به الشر والبلاء أي شدّ ومنه عصابة الرأس، قال عدي بن زيد: شعر : وكنت لزاز خصمك لم أعرد وقد سلكوك في يوم عصيب تفسير : وقال آخر: شعر : وانك إلاّ تُرض بكر بن وائل يكن لك يوم بالعراق عصيب تفسير : وقال الراجز: شعر : يوم عصيب يعصب الأبطالا عصب القوي السلم الطوالا تفسير : وذلك أن لوطاً (عليه السلام) لم يكن يعلم أنهم رسل الله في تلك الحال، وعلم من قومه ما هم عليه من إتيان الفواحش فخاف عليهم،وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عن أضيافه قال قتادة والسدّي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم عليه الصلاة والسلام نحو قرية لوط فأتوا لوطاً وهو في أرض يعمل فيها، وقد قال الله تعالى لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوطاً أربع شهادات، واستضافوه فانطلق معهم، فلمّا خشي عليهم، قال لهم: ما بلغكم، أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها لشرّ قرية في الأرض عملا يقول، ذلك أربع مرات، فدخلوا معه منزله، ولم يعلم بذلك أحد إلاّ أهل بيت لوط، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، وقالت: إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط. {وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} قال ابن عباس وقتادة والسدّي: يُسرعون، ومجاهد: يهرولون، الضحاك: يسعون، ابن عيينة: كأنهم يُدفعون، شمر بن عطية: مشي بين الهرولة والجمزى، الحسن: مشي بين مشيتين، قال أهل اللغة: يقال: أهرع الرجل من برد وغضب أو أهرع إذا أرعد فهو مُهرع إذا كان معجلا مسرعاً، قال مُهلهل: شعر : فجاءوا يهرعون وهم أُسارى يقودهم على رغم الأنوفِ تفسير : وقال الراجز: شعر : بمعجلات نحوه مهارع تفسير : {وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي من قبل مجيء الرسل إلى لوط كانوا يأتون الرجال في أدبارهم، فقال لهم لوط حين قصدوا أضيافه وظنوا أنهم غلمان: {يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} واختلفوا في معنى قوله، قال محمد بن الفضل: يعني على شريعة الإسلام. وقال تميم: فلعلّ ذلك إلاّ إذا كان تزويجه بناته من الكفرة جائزاً كما زوج النبي صلى الله عليه وسلم بنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع قبل الوحي وكانا كافرين، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: أراد بقوله بناتي: النساء، وكلّ نبي أبو أمّته. وقرأ بعض القراء {أية : ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}تفسير : [الأحزاب: 6] وهو أب لهم، وقال بعضهم: كان لهم سيّدان مطاعان فأراد أن يزوجهما بنتيه، زعوراء وريثا. وقوله: (هنّ أطهر لكم) قراءة العامة برفع الراء، وقرأ الحسن وعيسى بن عمرو: (أطهر) بالنصب على الحال، فإن قيل: فأي طهارة في نكاح الرجال حتى قال لبناته هن أطهر لكم؟ قيل: ليس هذا زيادة النسل، إنما يقال ليس ألف «أطهر» للتفضيل وهذا سائغ جائز في كلام العرب كقول الناس: الله أكبر، فهل يكابر الله أحد حتى يكون هو أكبر منه؟ ويدلّ عليه ما روي "حديث : عن أبي سفيان حين قال يوم أحد: أعلُ هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: قل الله أعلى وأجل"تفسير : ، وهبل لم يكن قط عالياً. {فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} أي لا تهينوني فيهم بركوبهم، وهم لا يركبون، وعجزي من دفعهم عنهم. وقيل: أراد ولا تشهروني بهم. تقول العرب: خزي خزياً إذا افتضح، وخزي يخزي خزاية بمعنى الاستحياء، قال ذو الرمة: شعر : خزاية أدركته بعد جولته من جانب الحبل مخلوطاً بها الغضب تفسير : {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ} صالح، قال ابن عباس: معناه رجل يأمر المعروف وينهى عن المنكر. {قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} أي ليس لنا أزواجاً (نلتصقهنّ) بالتزويج {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} من إتيان الأضياف، فقال لهم لوط عند ذلك {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} أي منعة وشيعة تنصرني {أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ} أي ألجأ وأنضوي إلى عشيرة مانعة، وجواب {لَوْ} مضمر [تقديره: لرددت أهل الفساد]، وقالوا: ما بعث الله بعده نبياً إلاّ في ثروة من قومه، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية قال: "حديث : رحم الله أخي لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد ". تفسير : قال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار وهو يناظرهم ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسوّر الجدار، فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب والنصب بسببهم، قالوا: يا لوط إنّ ركنك لشديد وإنهم آتيهم عذاب غير مردود {إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ} فافتح الباب ودعنا وإيّاهم ففتح الباب ودخلوا، استأذن جبريل (عليه السلام) ربه في عقوبتهم فأذن له، فقام في الصورة التي يكون فيها فنشر جناحه وله جناحان [وعليه وشاح من در منظوم هو برّاق الثنايا أجلى الجبين، ورأسه [حبك حبك] مثل المرجان وهو اللؤلؤ كأنّه ثلج، وقدماه إلى الخضرة فقال: يا لوط إنّا رسل ربّك لن يصلوا إليك، امضِ يا لوط من الباب، ودعني وإيّاهم، فتنحى لوط عن الباب فخرج عليهم فنشر جناحه فضرب به] وجوههم فطمس أعينهم فعموا وانصرفوا على أعقابهم فلم يعرفوا طريقاً ولم يهتدوا إلى بيوتهم. فانصرفوا وهم يقولون: النجا النجا فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض وقد سحرونا، وجعلوا يقولون: يا لوط كما أنت حتى نصبح، يتوعدونه، فقال لهم لوط: متى موعد هلاكهم؟ فقالوا: الصبح قال: أريد أسرع من ذلك أن تهلكونهم الآن، فقالوا: أليس الصبح بقريب قالوا له: فأسر بأهلك، قرأ أهل الحجاز بوصل الألف من سرى يسري ويدلّ عليه قوله تعالى: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}تفسير : [الفجر: 4] وقرأ الباقون بقطع الألف من أسرى يسري اعتباراً بقوله {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ}تفسير : [الإسراء: 1] وهما بمعنى واحد. {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ} قال ابن عباس: بطائفة من الليل، الضحّاك: ببقية، قتادة: بعد مضي صدره، الأخفش: بعد جنح، وقيل: بعد هدوء،وبعضها قريب من بعض. {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ}قرأ ابن كثير وأبو عمرو: أمراتك برفع التاء على الاستثناء من الالتفات أي ولا يلتفت منكم أحد إلاّ امرأتُك فإنها تلتفت وتهلك، وإنّ لوطاً خرج بها، ونهى من معه ممن أُسرى بهم أن يلتفت سوى زوجته، فإنها لما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها. وقرأ الباقون بنصب المرأة على الاستثناء من الأهل، أي فأسر بأهلك بقطع من الليل إلاّ امرأتك ولا يلتفت منكم أحد، فإنه مصيبها ما أصابهم من العذاب غير مخطيها ولا يُخطيهم. {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ} أي إن موعد هلاكهم هو الصبح، فقال لوط: أُريد أسرع من ذلك، فقالوا: {أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ * فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} عذابنا {جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} وذلك أن جبريل (عليه السلام) أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط المؤتفكات سدوم وعامورا ودادوما وصبوا، فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب، ثم جعل عاليها سافلها. روي "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل (عليه السلام): إن الله تبارك وتعالى سمّاك بأسماء ففسّرها لي، قال الله في وصفك{ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير: 20-21] فأخبرْني عن قوّتك، قال: يا محمد رفعت قرى قوم لوط من تخوم الأرض على جناحي في الهواء حتى سمعت ملائكة سماء الدنيا أصواتهم وأصوات الديكة ثم قلبتها ظهراً لبطن، قال: فأخبرني عن قوله {مُّطَاعٍ} قال: إن رضوان خازن الجنان، ومالكاً خازن النيران متى كلفتهما فتح أبواب الجنة والنار فتحاهما لي، قال: فأخبرْني عن قوله {أَمِينٍ} قال: إن الله عزّ وجلّ أنزل من السماء مائة وأربعة كتب على أنبيائه لم يأتمن عليها غيري ". تفسير : {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا} أي على شذاذها وسافليها، وقال أبو عبيدة: مَطَر في الرحمة، وأمطر في العذاب {حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} قال مجاهد: أولها حجر وآخرها طين، وقال ابن عباس ووهب وسعيد بن جبير (سنك): و(كل) حجارة وطين، قتادة وعكرمة: السجّيل: الطين دليله قوله تعالى {أية : لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ}تفسير : [الذاريات: 33] قال الحسن: كان أصل الحجارة طيناً فشدّدت. وروى عكرمة أيضاً أنه قال: هو حجر معلق في الهواء بين الأرض والسماء منه أنزل الحجارة، وقيل: هو جبال في السماء وهي التي أشار الله إليها فقال: {أية : وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ}تفسير : [النور: 43] وقال أهل المعاني: السجّيل والسجّين واحد، وهو الشديد من الحجر والضرب. قال ابن مقبل: شعر : ورجلة يضربون البيض عن عرض ضرباً تواصت به الأبطال سجينا تفسير : والعرب تعاقب بين اللام والنون، قالوا: لأنّها كلها ذلقة من مخرج واحد ونظيره في الكلام هلّت العين وهنّت إذا أصيبت وبكت، وقيل: هو فعيل من قول العرب أسجلته إذا أرسلته فكأنها مرسلة عليهم، وقيل: من سجلت لهم سجلا إذا أعطيتهم كأنهم أُعطوا ذلك البلاء والعذاب، قال الفضل بن عباس: شعر : من يُساجلْني يساجلْ ماجداً يملأ الدلو إلى عقد الكرب تفسير : {مَّنْضُودٍ} قال ابن عباس: متتابع، قتادة: بعضها فوق بعض، الربيع: قد نضد بعضه على بعض، عكرمة: مصفوف، أبو بكر الهذلي: معدّ وهي من عدة (الله) التي أُعدت للظلمة. {مُّسَوَّمَةً} من نعت الحجارة، وهي نصب على الحال ومعناها مُعلّمة قتادة وعكرمة: مطوقة بها نضح من حمرة، ابن جريج: كانت لا تشاكل حجارة الأرض، الحسن والسدّي: مختومة، وقيل: مشهورة، ربيع: مكتوب على كل حجر اسم من رُمي به. {وَمَا هِيَ} يعني تلك الحجارة {مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} من مشركي مكّة {بِبَعِيدٍ} قال مجاهد: يرهب بها قريشاً، قتادة وعكرمة: يعني ظالمي هذه الأُمة والله ما أجار الله منها ظالماً بعد، وقال أنس بن مالك: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل (عليه السلام) عن قوله تعالى {وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} قال: يعني بها ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم إلاّ هو يعرف أي حجر سقط عليه.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والجدل هو أن تأخذ حُجَّة من مقابل؛ وتعطيه حُجَّة؛ لتصل إلى حق. والجدل يختلف عن المراء فالمراء يعني أنك تعرف الحقيقة وتجادل بالباطل لأنك لا تريد أن تصل إلى الحق. وقد نهانا الحق سبحانه عن المراء، وأمرنا بأن نجادل بشرط أن يكون الجدال بالتي هي أحسن. وهنا يبيِّن لنا الحق سبحانه أن إبراهيم بعد أن ذهب عنه الروع وجاءته البشرى بأن الله تعالى سيرزقه بغلام، وعلم إبراهيم من الملائكة أنهم ذاهبون لتعذيب قوم لوط: {أية : قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ..}تفسير : [الذاريات: 32-34]. ومجادلة سيدنا إبراهيم في عقاب قوم لوط، لم تكن ردّاً لأمر الله، ولكن طلباً للإمهال لعلهم يؤمنون؛ ذلك أن قلب إبراهيم عليه السلام؛ قلب رحيم. ولذلك يأتي الحق سبحانه بالعلة في المجادلة في قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لا تزال الآيات تتحدث عن قصة ضيوف إِبراهيم، وهم الملائكة الذين مروا عليه وهم بطريقهم لإِهلاك قوم لوط، وبشروه بالبشارة السارة بولادة غلام له، وقد ذكرت الآيات مرورهم على لوط وما حلَّ بقومه من النكال والدمار، وهي القصة الخامسة، ثم ذكرت قصة شعيب مع أهل مدين، وقصة موسى مع فرعون، وفي جميع هذه القصص عبرٌ وعظات. اللغَة: {ٱلرَّوْعُ} الخوف والفزع {مُّنِيبٌ} الإِنابة: الرجوع والتوبة {عَصِيبٌ} شديد في الشر قال الشاعر: شعر : وإِنك إِلاّ تُرض بكرَ بن وائلٍ يكنْ لك يومٌ بالعراق عصيب تفسير : {يُهْرَعُونَ} يسرعون قال الفراء: الإِهراع الإِسراع مع رِعدة يقال أُهرع الرجل إهراعاً أي أسرع في رعدة من برد أو غضب {تُخْزُونِ} أخزاه: أهانه وأذله قال حسان: شعر : فأخزاكَ ربي يا عُتَيْبَ بن مالكٍ ولقَّاك قبل الموتِ إِحدى الصَّواعق تفسير : {سِجِّيلٍ} السّجيل والسّجين: الشديد من الحجر قاله أبو عبيدة، وقال الفراء: طينٌ طبخ حتى صار كالآجر {مَّنْضُودٍ} متتابع بعضه فوق بعض في النزول {مُّسَوَّمَةً} معلَّمة من السيما وهي العلامة {شِقَاقِيۤ} الشقاق: العداوة قال الشاعر: شعر : ألاَ من مبلغٌ عني رسولاً فكيف وجدتم طعم الشقاق تفسير : {رَهْطُكَ} رهط الرجل: عشيرته التي يتقوى بهم {ٱلْوِرْدُ} المدخل {ٱلرِّفْدُ} العطاء والإِعانة. التفِسير: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ} أي فلما ذهب عن إبراهيم الخوفُ الذي أوجسه في نفسه، واطمأن قلبُه لضيوفه حين علم أنهم ملائكة {وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ} أي جاءته البشارة بالولد {يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} أي أخذ يجادل ملائكتنا في شأن إهلاك قوم لوط، وغرضُه تأخير العذاب عنهم لعلهم يؤمنون قال المفسرون: لما قالت الملائكة: {أية : إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} تفسير : [العنكبوت: 31] قال لهم: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا، قال: فأربعون؟ قالوا: لا فما زال يتنزّل معهم حتى قال لهم: أرأستم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونهم؟ قالوا لا فقال لهم {أية : إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ}تفسير : [العنكبوت: 32] {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ} أي غير عجولٍ في الانتقام من المسيء إِليه {أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} أي كثير التأوه والتأسف على الناس لرقة قلبه، منيب رجّاعٌ إِلى طاعة الله {يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ} أي قالت الملائكة: يا إِبراهيم دع عنك الجدال في قوم لوط فقد نفذ القضاء بعذابهم {إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ} أي جاء أمر الله بإِهلاكهم {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} أي نازلٌ بهم عذابٌ غير مصروفٍ عنهم ولا مدفوع {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ} أي ولما جاءت الملائكة لوطاً أصابه سوء وضجر، لأنه ظهر أنهم من البشر فخاف عليهم من قومه {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} أي ضاق صدره بمجيئهم خشيةً عليهم من قومه الأشرار {وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} أي شديد في الشر {وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} أي جاء قومه يسرعون إِليه لطلب الفاحشة بالضيوف كأنهم يدفعون إِلى ذلك دفعاً {وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي ومن قبل ذلك الحين كانت عادتهم إِتيان الرجال وعمل الفاحشة فلذلك لم يستحيوا حين جاءوا يهرعون لها مجاهرين قال القرطبي: وكان سبب إِسراعهم أن امرأة لوط الكافرة لما رأت الأضياف وجمالهم، خرجت حتى أتت مجلس قومها فقالت لهم: إِن لوطاً قد أضاف الليلة فتيةً ما رأيت مثلهم جمالاً فحينئذٍ جاءوا يُهرعون إِليه {قَالَ يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} أي قال لهم لوط: هؤلاء نساء البلدة أُزوِّجكم بهن فذلك أطهر لكم وأفضل، وإِنما قال بناتي لأن كل نبيٍّ أبٌ لأمته في الشفقة والتربية {فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} أي اخشوا عذاب الله ولا تفضحوني وتهينوني في ضيوفي {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ} أي استفهام توبيخ أي أليس فيكم رجل عاقل يمنع عن القبيح؟ {قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} أي قال له قومه: لقد علمت يا لوط ما لنا في النساء من أرب. وليس لنا رغبة فيهن {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} أي وأنت تعلم غرضنا وهو إِتيان الذكور، صرّحوا له بغرضهم الخبيث قبّحهم الله {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} أي لو كان لي قوة أستطيع أن أدفع أذاكم بها {أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ} أي ألجأ إِلى عشيرة وأنصار تنصرني عليكم، وجواب "لو" محذوف تقديره لبطشتُ بكم وفي الحديث "حديث : رحم الله أخي لوطاً لقد كان يأوي إِلى ركنٍ شديد"تفسير : يريد صلى الله عليه وسلم أن الله كان ناصره ومؤيده، فهو ركنه الشديد وسنده القوي قال قتادة: وذُكر لنا أن الله تعالى لم يبعث نبياً بعد لوط إِلا في منعة من عشيرته، وحين سمع رسل الله تعالى تحسر لوط على ضعفه وانقطاعه من الأنصار {قَالُواْ يٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ} أي قالت الملائكة للوط: إِنا رسلُ ربك أُرسلنا لإِهلاكهم وإِنهم لن يصلوا إِليك بضرر ولا مكروه {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ} أي اخرج بهم بطائفةٍ من الليل قال الطبري: أي اخرج من بين أظهرهم أنت وأهلك ببقية من الليل {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ} أي لا ينظر أحدٌ منكم وراءه إِلا امرأتَك فإِنها ستهلك كما هلكوا، نُهوا عن الالتفات لئلا تتفطر أكبادهم على قريتهم قال القرطبي: إِن امرأة لوط لمّا سمعت هدَّة العذاب التفتت وقالت: واقوماه! فأدركها حجر فقتلها {إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ} أي إِنه يصيب امرأتك من العذاب ما أصاب قومك {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ} أي موعد عذابهم وهلاكهم الصبحُ {أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} استعجلهم بالعذاب لغيظه على قومه فقالوا له: أليس وقت الصبح قريباً؟ قال المفسرون: إِن قوم لوط لما سمعوا بالضيوف هرعوا نحوه، فأغلق بابه وأخذ يجادل قومه عنهم من وراء الباب، فتسوروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما بلوطٍ من الكرب قالوا يا لوط: افتح الباب ودعنا وإِيّاهم، ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم وعموا، وانصرفوا على أعقابهم يقولون: النجاءَ، النجاء كما قال تعالى {أية : وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ}تفسير : [القمر: 37] ثم إِن لوطاً سرى بمن معه قبل الفجر، ولما حان وقت عذابهم أمر الله جبريل فاقتلع مَدائن قوم لوط - وهي خمسٌ - من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء بما فيها، حتى سمع أهل السماء صراخ الديكة، ونباح الكلاب، ثم أرسلها مقلوبة وأتبعهم الله بالحجارة ولهذا قال تعالى {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} أي فلما جاء وقت العذاب قلبنا بهم القرى فجعلنا العالي سافلاً {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} أي أرسلنا على أهل تلك المدن حجارة صلبة شديدة من نارٍ وطين، شبّهها بالمطر لكثرتها وشدتها {مَّنْضُودٍ} أي متتابعة، بعضُها في إِثر بعض {مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ} أي معلَّمة بعلامة قال الربيع: قد كتب على كل حجر اسم من يُرمى به قال القرطبي: وقوله {عِندَ رَبِّكَ} دليلٌ على أنها ليست من حجارة الأرض {وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} أي ما هذه القرى المهلكة ببعيدة عن قومك "كفار قريش" فإِنهم يمرون عليها في أسفارهم أفلا يعتبرون؟ قال المفسرون: وقد صار موضع تلك المدن بحراً أُجاجاً يعرف بـ "البحر الميت" لأن مياهه لا تغذي شيئاً من الحيوان وقد اشتهر باسم "بحيرة لوط" والأرض التي تليها قاحلة لا تنبتُ شيئاً {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} هذه هي القصة السادسة من القصص المذكورة في هذه السورة أي وأرسلنا إِلى قبيلة مدين أخاهم شعيباً، وقد كان شعيب من نفس القبيلة ولهذا قال "أخاهم" {قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} أي اعبدوا الله وحده فليس لكم ربٌ سواه {وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} أي لا تنقصوا الناس حقوقهم في المكيال والميزان، وقد اشتهروا بتطفيف الكيل والوزن {إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} أي إِني أراكم في سعةٍ تغنيكم عن نقص الكيل والميزان قال القرطبي: أي في سعة من الرزق، وكثرةٍ من النعم {وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} أي إِني أخاف عليكم إِن لم تؤمنوا عذاب يومٍ مهلك، لا يفلت منه أحد، والمراد به عذاب يوم القيامة {وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} أي أتموا الكيل والوزن للناس بالعدل {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ} أي لا تُنْقصوهم من حقوقهم شيئاً {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أي ولا تسعوا بالفساد في الأرض، والعثيُّ أشد الفساد {بَقِيَّةُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي ما أبقاه الله لكم من الحلال خيرٌ مما تجمعونه من الحرام، إِن كنتم مصدّقين بوعد الله ووعيده وقال مجاهد: أي طاعة الله خير لكم {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} أي ولستُ برقيب أحفظ عليكم أعمالكم وأجازيكم بها وإِنما أنا ناصح مبلّغ، وقد أعذر من أنذر {قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ} لما أمرهم شعيب عليه السلام بعبادة الله تعالى وترك عبادة الأوثان، وبإِيفاء الكيل والميزان، ردّوا عليه على سبيل السخرية والاستهزاء فقالوا: أصلاتك تدعوك لأن تأمرنا بترك عبادة الأصنام التي عبدها آباؤنا؟ إِن هذا لا يصدر عن عاقل {أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} أي وتأمرك بأن نترك تطفيف الكيل والميزان. قال الإِمام الفخر: إِن شعيباً أمرهم بشيئين: بالتوحيد، وترك البخس، فأنكروا عليه أمره بهذين النوعين فقوله {مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ} إِشارة إِلى التوحيد، {نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا} إِشارة إِلى ترك البخس، وقد يراد بالصلاة الدينُ والمعنى: دينُك يأمرك بذلك؟ وأطلق عليه الصلاة لأنها أظهر شعار الدين، وروي أن شعيباً كان كثير الصلاة وكان قومه إِذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا، فقصدوا بقولهم {أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ} السخرية والهزء، كما إِذا رأيت معتوهاً يطالع كتباً ثم يذكر كلاماً فاسداً فتقول: هذا من مطالعة تلك الكتب؟ {إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ} أي إِنك لأنت العاقل المتصف بالحلم والرشد؟ قال الطبري: يستهزئون به فإِنهم أعداء الله قالوا له ذلك استهزاءً، وإِنما سفّهوه وجهّلوه بهذا الكلام {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} أي قال لهم شعيب: أخبروني إِن كنت على برهان من ربي وهو الهداية والنبوة {وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً} أي أعطاني المال الحلال، فقد كان عليه السلام كثير المال قال الزمخشري: والجواب محذوف دل عليه المعنى أي أخبروني إِن كنت على حجة واضحة، ويقينٍ من ربي، وكنتُ نبياً على الحقيقة أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان، والكف عن المعاصي؟ والأنبياء لا يُبعثون إِلا لذلك {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} أي لست أنهاكم عن شيء وأرتكبه وإِنما آمركم بما آمر به نفسي {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ} أي لا أُريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه إِلا إِصلاحكم وإِصلاح أمركم بقدر استطاعتي {وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ} أي ليس التوفيق إِلى الخير إِلا بتأييده سبحانه ومعونته {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أي على الله سبحانه اعتمدت في جميع أموري، وإِليه تعالى أرجع بالتوبة والإِنابة {وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ} أي لا يكسبنكم عداوتي {أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ} أي يصيبكم العذابُ كما أصاب قوم نوح بالغرق، وقوم هود بالريح، وقوم صالح بالرجفة وقال الحسن المعنى: لا يحملنكم معاداتي على ترك الإِيمان فيصيبكم ما أصاب الكفار {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} أي وما ديار الظالمين من قوم لوطٍ بمكان بعيد، أفلا تتعظون وتعتبرون!؟ {وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} أي استغفروا ربكم من جميع الذنوب، ثم توبوا إِليه توبةً نصوحاً {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} أي إِنه جل وعلا عظيم الرحمة، كثير الود والمحبة لمن تاب وأناب {قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ} أي قالوا لنبيّهم شعيب على وجه الاستهانة: ما نفهم كثيراً مما تحدثنا به قال الألوسي: جعلوا كلامه المشتمل على فنون الحِكَم والمواعظ، وأنواع العلوم والمعارف، من قبيل التخليط والهذيان الذي لا يُفهم معناه، ولا يدرك فحواه مع أنه كما ورد في الحديث الشريف (خطيب الأنبياء) {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً} أي لا قوة لك ولا عزَّ فيما بيننا {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} أي ولولا جماعتك لقتلناك رمياً بالأحجار {وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} أي لستَ عندنا بمكرَّم ولا محترم حتى نمتنع من رجمك {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ}؟ هذا توبيخ لهم أي أتتركوني لأجل قومي ولا تتركوني إعظاماً لجناب الرب تبارك وتعالى؟ فهل عشيرتي أعزّ عندكم من الله وأكرم؟ قال ابن عباس: إِن قوم شعيب ورهطه كانوا أعزَّ عليهم من الله وصغُر شأنُ الله عندهم، عزَّ ربنا وجلَّ ثناؤه {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} أي جعلتم الله خلف ظهوركم لا تطيعونه ولا تعظمونه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يُعبأ به، وهذا مثلٌ قال الطبري: يقال للرجل إذا لم يقض حاجة الرجل: نبذ حاجته وراء ظهره أي تركها ولم يلتفت إليها {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} أي إنه جل وعلا قد أحاط علماً بأعمالكم السيئة وسيجازيكم عليها {وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ} تهديدٌ شديد أي اعملوا على طريقتكم إني عاملٌ على طريقتي كأنه يقول: اثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر والعداوة، فأنا ثابت على الإِسلام والمصابرة {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} أي سوف تعلمون الذي يأتيه عذاب يذله ويهينه {وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} أي وتعلمون من هو الكاذب {وَٱرْتَقِبُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} أي انتظروا عاقبة أمركم إنني منتظر معكم {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} أي ولما جاء أمرنا بإِهلاكهم نجينا شعيباً والمؤمنين معه بسبب رحمة عظيمة منا لهم {وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ} أي وأخذ أولئك الظالمين صيحةُ العذاب قال القرطبي: صاح بهم جبريل صيحةً فخرجت أرواحهم من أجسادهم {فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} أي موتى هامدين لا حراك بهم قال ابن كثير: وذكر هٰهنا أنه أتتهم صيحة، وفي الأعراف رجفة، وفي الشعراء عذاب يوم الظلة، وهم أمةٌ واحدة اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلّها، وإِنما ذكر في كل سياقٍ ما يناسبه {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ} أي كأن لم يعيشوا ويقيموا في ديارهم قبل ذلك {أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} قال الطبري: أي ألا أبعد الله مدين من رحمته بإِحلال نقمته، كما بعدت من قبلهم ثمود من رحمته بإِنزال سخطه بهم {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} هذه هي القصة السابعة وهي آخر القصص في هذه السورة والمعنى: لقد أرسلنا موسى بشرائع وأحكام وتكاليف إِلهية، وأيدناه بمعجزاتٍ قاهرة، وبينات باهرة، كالعصا واليد {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي إِلى فرعون وأشراف قومه {فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ} أي فأطاعوا أمر فرعون وعصوا أمر الله {وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} أي وما أمر فرعون بسديد لأنه ليس فيه رشد ولا هدى، وإنما هو جهل وضلال {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي يتقدم أمامهم إِلى النار يوم القيامة كما كان يتقدمهم في الدنيا {فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ} أي أدخلهم نار جهنم {وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ} أي بئس المدخل المدخول هي. {وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ لَعْنَةً} أي أُلحقوا فوق العذاب الذي عجله الله لهم لعنةً في الدنيا {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي وأُردفوا بلعنةٍ أخرى يوم القيامة {بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ} أي بئس العونُ الُمعان والعطاء المُعْطى لهم، وهي اللعنة في الدارين. البَلاَغَة: 1- {ذَهَبَ الرَّوْعُ.. وَجَآءَتْهُ} بينهما طباقٌ وهو من المحسنات البديعية. 2- {جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ} كناية عن العذاب الذي قضاه الله لهم. 3- {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ} الاستفهام للتعجب والتوبيخ. 4- {أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ} قال الشريف الرضي: وهذه استعارة والمراد بها قومه وعشيرته، جعلهم ركناً له لأن الإِنسان يلجأ إِلى قبيلته، ويستند إِلى أعوانه كما يستند إِلى ركن البناء الرصين، وجاء جواب "لو" محذوفاً تقديره: لحلت بينكم وبين ما هممتم به من الفساد، والحذف هٰهنا أبلغ لأنه يوهم بعظيم الجزاء وغليظ النكال. 5- {عَالِيَهَا سَافِلَهَا} بينهما طباقٌ. 6- {عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} فيه مجاز عقلي أسند الإِحاطة لليوم مع أن اليوم ليس بجسم باعتبار أن العذاب يكون فيه، فهو إِسنادٌ للزمان. 7- {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} فيه استعارة تمثيلية كالشيء الذي يلقى وراء الظهر ولا يكترث به. 8- {فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ} فيه استعارة مكنية لأن الورود في الأصل يقال للمرور على الماء للاستسقاء منه، فشبّه النار بماءٍ يورد وحذف ذكر المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو الورود، وشبّه فرعون في تقدمه على قومه بمنزلة من يتقدم على الواردين إِلى الماء ليكسر العطش وقوله {وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ} تأكيد له لأن الورد إنما يورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد وفي النار إلهابٌ للعطش وتقطيع للأكباد، نعوذ بالله من نار جهنم.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ} معناه الخَوفُ والفَزعُ.

الأندلسي

تفسير : {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ} أي الخيفة التي كان أوجبها في نفسه حين نكر أضيافة والمعنى اطمأن قلبه بعلمه أنهم ملائكة، والبشرى تبشيره بالولد أو بأن المراد بمجيئهم غيره. وجواب لما محذوف تقديره اجترأ على الخطاب، ودل على ذلك الجملة المستأنفة وهي يجادلنا. {يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ} أي قالت الملائكة. والإِشارة بهذا إلى الجدال والمحاورة في شىء مفروغ منه والأمر ما قضاه وحكم به من عذابه الواقع بهم لا محالة. {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ} الآية، خرجت الملائكة من قرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى قرية لوط عليه السلام وبينهما ثمانية أميال، وقيل: أربعة فراسخ فأتوها عشاء وقيل: نصف النهار، وجدوا لوطاً عليه السلام في حدث له. وقيل: وجدوا ابنته تسقي ماء في نهر سدوم وهي أكبر حواضر قوم لوط فسألوها الدلالة على من يضيّفهم ورأت هيئتهم فخافت عليهم من قوم لوط، وقالت لهم: مكانكم، وذهبت إلى أبيها فأخبرته فخرج إليهم فقالوا: إنا نريد أن تضيّفنا الليلة، فقال لهم: أو ما سمعتم بعمل هؤلاء القوم؟ فقالوا: وما عملهم؟ فقال: أشهد بالله أنهم شر قوم في الأرض وقد كان الله تعالى قال للملائكة: لا تعذبوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات. فلما قال هذه قال جبريل عليه الصلاة والسلام: هذه واحدة وتردد القول منهم حتى كرر لوط الشهادة أربع مرات ثم دخل لوط المدينة فحينئذٍ سىء بهم أي لحقه سوء بسببهم وضاق ذرعه بهم. {وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} أي شديد لما كان يتخوفه من تعدي قومه على أضيافه. {وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} لما جاء لوط بضيفه لم يعلم بذلك أحد إلا أهل بيته فخرجت امرأته حتى أتت مجالس قومها فقالت: ان لوطاً أضاف الليلة قوماً ما رؤي مثلهم جمالاً وكذا وكذا فحينئذٍ جاؤا يهرعون أي يسرعون كأنما يدفعون دفعاً فعل الطامع الخائف فوت ما يطلبه. {وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي كان ذلك دينهم وعادتهم أصروا على ذلك ومردوا عليه فليس ذلك بأول إنشاء هذه المعصية جاؤا يهرعون إليه لا يكفهم حياء لضراوتهم عنها. والتقدير في ومن قبل، أي من قبل مجيئهم إلى هؤلاء الأضياف وطلبهم إياهم. {هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي} الأحسن أن تكون الإِضافة مجازية، أي بنات قومي أي البنات. {أَطْهَرُ لَكُمْ} إذ النبي ينزل منزلة الأب لقومه. وقرىء: أطهر على الحال. فقيل: هؤلاء مبتدأ وخبر وهن مبتدأ ولكم خبره. قيل: والعامل المضمر. وقيل: لكم بما فيه من معنى الاستقرار. وقيل: هؤلاء بناتي مبتدأ وخبر وهن فصل وأطهر حال، ورد بأن الفصل لا يقع إلا بين جزيء الجملة ولا يقع بين الحال وذي الحال وقد أجاز ذلك بعضهم وادعى السماع فيه من العرب لكنه قليل. {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} قال ذلك على سبيل التفجع. وجواب لو محذوف تقديره لفعلت بكم وصنعت. والظاهر أن لو عطف جملة فعلية على جملة فعلية.

همام الصنعاني

تفسير : 1202- معمر عن قتادة في قوله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ}: [الآية: 74]، قال: الخوف. 1219- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ}: [الآية: 74]، قال: حين أخبروه أنهم أرسلوا إلى قوم لُوطٍ، وأنهم ليسوا إياه يريدون. 1220- عبد الرزاق، قال معمر، وقال آخرون: بُشِّرَ بإسحاق. 1221- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله: {يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ}: [الآية: 74]، قال: إنه قال لهم يومئذ: أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين، قال: إن كان فيهم خمسونَ لم نعذبهم. قال: أربعون، قالوا: أربعون. قال: ثلاثون قالوا: وثلاثون. قال: عشرون. قال: وحتى بلغوا عشرة. قال: وإن كانَ فِيهِم عشرة! قال: ما قومٌ لا تكومن فيهم عشرة فيهم خير. 1222- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: بلغني أنه كان في قرية لوط أربعة آلاف ألف إنسان، أو ما شاء الله من ذلك.