Verse. 155 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَلِكُلٍّ وِّجْہَۃٌ ھُوَ مُوَلِّيْہَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرٰتِ۝۰ۭ۬ اَيْنَ مَا تَكُوْنُوْا يَاْتِ بِكُمُ اللہُ جَمِيْعًا۝۰ۭ اِنَّ اللہَ عَلٰي كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ۝۱۴۸
Walikullin wijhatun huwa muwalleeha faistabiqoo alkhayrati ayna ma takoonoo yati bikumu Allahu jameeAAan inna Allaha AAala kulli shayin qadeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولكل» من الأمم «وجهة» قبلة «هو موليها» وجهه في صلاته وفي قراءة مُوَلاَّهَا «فاستبقوا الخيرات» بادروا إلى الطاعات وقبولها «أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا» يجعلكم يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم «إن الله على كل شيء قدير».

148

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنهم اختلفوا في المراد بقوله: {وَلِكُلٍّ} وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إنما قال: {وَلِكُلّ } ولم يقل لكل قوم أو أمة لأنه معروف المعنى عندهم فلم يضر حذف المضاف إليه وهو كثير في كلامهم كقوله: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً } تفسير : [المائدة: 48]. المسألة الثانية: ذكروا فيه أربعة أوجه. أحدها: أنه يتناول جميع الفرق، أعني المسلمين واليهود والنصارى والمشركين، وهو قول الاصم، قال: لأن في المشركين من كان يعبد الأصنام ويتقرب بذلك إلى الله تعالى كما حكى الله تعالى عنهم في قوله: {أية : هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [يونس: 18]. وثانيها: وهو قول أكثر علماء التابعين، أن المراد أهل الكتاب وهم: المسلمون واليهود والنصارى، والمشركون غير داخلين فيه. وثالثها: قال بعضهم: المراد لكل قوم من المسلمين وجهة أي جهة من الكعبة يصلي إليها: جنوبية أو شمالية، أو شرقية أو غربية، واحتجوا على هذا القول بوجهين. الأول: قوله تعالى: {هُوَ مُوَلّيهَا } يعني الله موليها وتولية الله لم تحصل إلا في الكعبة، لأن ما عداها تولية الشيطان. الثاني: أن الله تعالى عقبه بقوله: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } والظاهر أن المراد من هذه الخيرات ما لكل أحد من جهة، والجهات الموصوفة بالخيرية ليست إلا جهات الكعبة. ورابعها: قال آخرون: ولكل وجهة أي لكل واحد من الرسل وأصحاب الشرائع جهة قبلة، فقبلة المقربين: العرش، وقبلة الروحانيين: الكرسي، وقبلة الكروبيين: البيت المعمور، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك الكعبة. أما قوله تعالى: {وِجْهَةٌ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرىء: {وَلِكُلّ وِجْهَةٌ } على الإضافة والمعنى: وكل وجهة هو موليها فزيدت اللام لتقدم المفعول كقولك: لزيد ضربت، ولزيد أبوه ضارب. المسألة الثانية: قال الفاء: وجهة، وجهة، ووجه بمعنى واحد، واختلفوا في المراد فقال الحسن: المراد المنهاج والشرع، وهو كقوله تعالى: {أية : لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً } تفسير : [الحج: 67]، {أية : لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ } تفسير : [المائدة: 48] {أية : شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً } تفسير : [المائدة: 48] والمراد منه أن للشرائع مصالح، فلا جرم اختلفت الشرائع بحسب اختلاف الأشخاص، وكما اختلف بحسب اختلاف الأشخاص لم يبعد أيضاً اختلافها بحسب اختلاف الزمان بالنسبة إلى شخص واحد، فلهذا صح القول بالنسخ والتغيير، وقال الباقون: المراد منه أمر القبلة، لأنه تقدم قوله تعالى: {أية : فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } تفسير : [البقرة: 144] فهذه الوجهة يجب أن تكون محمولة على ذلك. أما قوله: {هُوَ مُوَلِّيهَا } ففيه وجهان. الأول: أنه عائد إلى الكل، أي ولكل أحد وجهة هو مولي وجهه إليها. الثاني: أنه عائد إلى اسم الله تعالى، أي الله تعالى يوليها إياه، وتقدير الكلام على الوجه الأول أن نقول: أن لكل منكم وجهة أي جهة من القبلة هو موليها، أي هو مستقبلها. ومتوجه إليها لصلاته التي هو متقرب بها إلى ربه، وكل يفرح بما هو عليه ولا يفارقه، فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة، مع لزوم الأديان المختلفة: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } أي فالزموا معاشر المسلمين قبلتكم فإنكم على خيرات من ذلك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلشرفكم بقبلة إبراهيم وأما في الآخرة فللثواب العظيم الذي تأخذونه على انقيادكم لأوامره فإن إلى الله مرجعكم، وأينما تكونوا من جهات الأرض يأت بكم الله جميعاً في صعيد القيامة، فيفصل بين المحق منكم والمبطل، حتى يتبين من المطيع منكم ومن العاصي، ومن المصيب منكم ومن المخطىء، إنه على ذلك قادر، ومن قال بهذا التأويل قال: المراد أن لكل من أهل الملل وجهة قد اختارها، إما بشريعة وإما بهوى، فلستم تؤخذون بفعل غيركم، فإنما لهم أعمالهم ولكم أعمالكم، وإما تقرير الكلام على الوجه الثاني أعني أن يكون الضمير في قوله: {هُوَ مُوَلّيهَا } عائداً إلى الله تعالى فههنا وجهان. الأول: أن الله عرفنا أن كل واحدة من هاتين القبلتين اللتين هما بيت المقدس والكعبة جهة يوليها الله تعالى عباده، إذا شاء يفعله على حسب ما يعلمه صلاحاً فالجهتان من الله تعالى وهو الذي ولى وجوه عباده إليهما، فاستبقوا الخيرات بالانقياد لأمر الله في الحالتين، فإن انقيادكم خيرات لكم، ولا تلتفتوا إلى مطاعن هؤلاء الذين يقولون: {أية : مَا وَلَّـٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ } تفسير : [البقرة: 142] فإن الله يجمعكم وهؤلاء السفهاء جميعاً في عرصة القيامة، فيفصل بينكم. الثاني: أنا إذا فسرنا قوله: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ } بجهات الكعبة ونواحيها، كان المعنى: ولكل قوم منكم معاشر المسلمين وجهة، أي ناحية من الكعبة: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } بالتوجه إليها من جميع النواحي، فإنها وإن اختلفت بعد أن تؤدي إلى الكعبة فهي كجهة واحدة ولا يخفى على الله نياتهم فهو يحشرهم جميعاً ويثيبهم على أعمالهم. أما قوله تعالى: { هُو مُوَلّيهَا } أي هو موليها وجهه فاستغنى عن ذكر الوجه، قال الفراء: أي مستقبلها وقال أبو معاذ: موليها على معنى متوليها يقال: قد تولاها ورضيها وأتبعها، وفي قراءة عبد الله بن عامر النخعي: {هُوَ مولاها} وهي قراءة ابن عباس وأبي جعفر ومحمد بن علي الباقر وفي قراءة الباقين: {َ مُوَلّيهَا } ولقراءة ابن عامر معنيان. أحدهما: أن ما وليته فقد ولاك، لأن معنى وليته أي جعلته بحيث تليه وإذا صار هذا بحيث يلي ذلك فذاك أيضاً، يلي هذا، فإذن قد ولى كل واحد منهما الآخر وهو كقوله تعالى: {أية : فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ } تفسير : [البقرة: 37] و {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [البقرة: 124] والظالمون، وهذا قول الفراء. والثاني: {هُوَ مُوَلّيهَا } أي قد زينت له تلك الجهة وحببت إليه، أي صارت بحيث يحبها ويرضاها. أما قوله: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } فمعناه الأمر بالبدار إلى الطاعة في وقتها، واعلم أن أداء الصلاة في أول الوقت عند الشافعي رضي الله عنه أفضل، خلافاً لأبي حنيفة، واحتج الشافعي بوجوه: أولها: أن الصلاة خير لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الصلاة خير موضوع»تفسير : وإذا كان كذلك وجب أن يكون تقديمه أفضل لقوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } وظاهر الأمر للوجوب، فإذا لم يتحقق فلا أقل من الندب. وثانيها: قوله: {أية : سَابِقُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } تفسير : [الحديد: 21] ومعناه إلى ما يوجب المغفرة والصلاة مما يوجب المغفرة فوجب أن تكون المسابقة إليها مندوبة. وثالثها: قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ} تفسير : [الواقعة: 10، 11] ولا شك أن المراد منه السابقون في الطاعات، ولا شك أن الصلاة من الطاعات، وقوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ } يفيد الحصر، فمعناه أنه لا يقرب عند الله إلا السابقون وذلك يدل على أن كمال الفضل منوط بالمسابقة. ورابعها: قوله تعالى: {أية : وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } تفسير : [آل عمران: 133] والمعنى: وسارعوا إلى ما يوجب المغفرة، ولا شك أن الصلاة كذلك، فكانت المسارعة بها مأمورة. وخامسها: أنه مدح الأنبياء المتقدمين بقوله تعالى: {أية : إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ } تفسير : [الأنبياء: 90] ولا شك أن الصلاة من الخيرات، لقوله عليه السلام: «حديث : خير أعمالكم الصلاة». تفسير : وسادسها: أنه تعالى ذم إبليس في ترك المسارعة فقال: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ } تفسير : [الأعراف: 12] وهذا يدل على أن ترك المسارعة موجب للذم. وسابعها: قوله تعالى: {أية : حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ } تفسير : [البقرة: 238] والمحافظة لا تحصل إلا بالتعجيل، ليأمن الفوت بالنسيان وسائر الأشغال. وثامنها: قوله تعالى: حكاية عن موسى عليه السلام: {أية : وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لِتَرْضَىٰ } تفسير : [طه: 84] فثبت أن الاستعجال أولى. وتاسعها: قوله تعالى: {أية : لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ أُوْلَـئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَـٰتَلُواْ } تفسير : [الحديد: 10] فبين أن المسابقة سبب لمزيد الفضيلة فكذا في هذه الصورة. وعاشرها: ما روى عمر وجرير بن عبد الله وأنس وأبو محذورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي آخره عفو الله» تفسير : قال الصديق رضي الله عنه: رضوان الله أحب إلينا من عفوه. قال الشافعي رضي الله عنه: رضوان الله إنما يكون للمحسنين والعفو يوشك أن يكون عن المقصرين فإن قيل هذا احتجاج في غير موضعه لأنه يقتضي أن يأثم بالتأخير، وأجمعنا على أنه لا يأثم فلم يبق إلا أن يكون معناه أن الفعل في آخر الوقت يوجب العفو عن السيئات السابقة، وما كان كذلك فلا شك أنه يوجب رضوان الله، فكان التأخير موجباً للعفو والرضوان، والتقديم موجباً للرضوان دون العفو فكان التأخير أولى قلنا: هذا ضعيف من وجوه. الأول: أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون تأخير المغرب أفضل وذلك لم يقله أحد. الثاني: أنه عدم المسارعة الامتثال يشبه عدم الالتفات، وذلك يقتضي العقاب، إلا أنه لما أتى بالفعل بعد ذلك سقط ذلك الاقتضاء. الثالث: أن تفسير أبي بكر الصديق رضي الله عنه يبطل هذا التأويل الذي ذكروه. الحادي عشر: روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤا» تفسير : . الثاني عشر: عن ابن مسعود أنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: أي الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة لميقاتها الأول. الثالث عشر: روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الرجل ليصلي الصلاة وقد فاته من أول الوقت ما هو خير له من أهله وماله. » تفسير : الرابع عشر: قال عليه السلام: «حديث : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»تفسير : فمن كان أسبق في الطاعة كان هو الذي سن عمل الطاعة في ذلك الوقت، فوجب أن يكون ثوابه أكثر من ثواب المتأخر. الخامس عشر: إنا توافقنا على أن أحد أسباب الفضيلة فيما بين الصحابة المسابقة إلى الإسلام حتى وقع الخلاف الشديد بين أهل السنة وغيرهم أن أبا بكر أسبق إسلاماً أم علياً، وما ذاك إلا اتفاقهم على أن المسابقة في الطاعة توجب مزيد الفضل وذلك يدل على قولنا. السادس عشر: قوله عليه السلام في خطبة له: «حديث : وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلو»تفسير : ولا شك أن الصلاة من الأعمال الصالحة. السابع عشر: أن تعجيل حقوق الآدميين أفضل من تأخيرها، فوجب أن يكون الحال في أداء حقوق الله تعالى كذلك، والجامع بينهما رعاية معنى التعظيم. الثامن عشر: أن المبادرة والمسارعة إلى الصلاة إظهار للحرص على الطاعة، والولوع بها، والرغبة فيها وفي التأخير كسل عنها، فيكون الأول أولى. التاسع عشر: أن الاحتياط في تعجيل الصلاة لأنه إذا أداها في أول الوقت تفرغت ذمته، فإذا أخر فربما عرض له شغل فمنعه عن أدائها فيبقى الواجب في ذمته، فالوجه الذي يحصل فيه الاحتياط لا شك أنه أولى. العشرون: أجمعنا في صوم رمضان أن تعجيله أفضل من تأخيره وذلك لأن المريض يجوز له أن يفطر ويؤخر الصوم، ويجوز له أن يعجل ويصوم في الحال، ثم أجمعنا على أن التعجيل في الصوم أفضل على ما قال: {أية : وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } تفسير : [البقرة: 184] فوجب أيضاً أن يكون التعجيل في الصلاة أولى فإن قيل: تنتقض هذه الدلائل القياسية بالظهر في شدة الحر، أو بما إذا حصل له رجاء إدراك الجماعة أو وجود الماء قلنا: التأخير ثبت في هذه المواضع لأمور عارضة، وكلامنا في مقتضى الأصل. الحادي والعشرون: المسارعة إلى الامتثال أحسن في العرف من ترك المسارعة، فوجب أن يكون في الشرع كذلك لقوله عليه السلام: «حديث : ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن»تفسير : . الثاني والعشرون: صلاة كملت شرائطها فوجب أداؤها في أول الوقت، كالمغرب ففيه احتراز عن الظهر في شدة الحر، لأنه إنما يستحب التأخير إذا أراد أن يصليها في المسجد لأجل أن المشي إلى المسجد في شدة الحر كالمانع، أما إذا صلاها في داره فالتعجيل أفضل، وفيه احتراز عمن يدافع الأخبثين أو حضره الطعام وبه جوع لهذا المعنى أيضاً، وكذلك المتيمم إذا كان على ثقة من وجود الماء، وكذلك إذا توقع حضور الجماعة فإن الكمال لم يحصل في هذه الصورة، فهذه هي الأدلة الدالة على أن المسارعة أفضل، ولنذكر كل واحد من الصلوات: أما صلاة الفجر فقال محمد: المستحب أن يدخل فيها بالتغليس، ويخرج منها بالإسفار، فإن أراد الاقتصار على أحد الوقتين فالإسفار أفضل، وقال الشافعي رضي الله عنه: التغليس أفضل، وهو مذهب أبي بكر وعمر وبه قال مالك وأحمد، واحتج الشافعي رضي الله عنه بعد الدلائل السالفة بوجوه. أحدها: ما أخرج في الصحيحين برواية عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف والنساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس» قال محيي السنة في كتاب «شرح السنة»: متلفعات بمروطهن أي متجللات بأكسيتهن، والتلفع بالثوب الاشتمال، والمروط: الأردية الواسعة، واحدها مرط، والغلس: ظلمة آخر الليل، فإن قيل: كان هذا في ابتداء الإسلام حين كان النساء يحضرن الجماعات، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالغلس كيلا يعرفن، وهكذا كان عمر رضي الله عنه يصلي بالغلس، ثم لما نهين عن الحضور في الجماعات ترك ذلك قلنا: الأصل المرجوع إليه في إثبات جميع الأحكام عدم النسخ، ولولا هذا الأصل لما جاز الاستدلال بشيء من الدلائل الشرعية. وثالثها: ما أخرج في الصحيحين عن قتادة عن أنس عن زيد بن ثابت قال تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة، قال قلت: كم كان قدر ذلك، قال: قدر خمسين آية، وهذا يدل أيضاً على التغليس. وثالثها: ما روي عن أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غلس بالصبح، ثم أسفر مرة، ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضة الله تعالى. ورابعها: أنه تعالى مدح المستغفرين بالأسحار فقال: {أية : وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ } تفسير : [آل عمران: 17] ومدح التاركين للنوم فقال: {أية : تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً }تفسير : [السجدة: 16] وإذا ثبت هذا وجب أن يكون ترك النوم بأداء الفرائض أفضل لقوله عليه السلام حكاية عن الله: «حديث : لن يتقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم» تفسير : وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون التغليس أفضل. وخامسها: أن النوم في ذلك الوقت أطيب، فيكون تركه أشق، فوجب أن يكون ثوابه أكثر، لقوله عليه السلام: «حديث : أفضل العبادات أحمزها» تفسير : أي أشقها، واحتج أبو حنيفة بوجوه. أحدها: قوله عليه السلام: «حديث : أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر». تفسير : وثانيها: روى عبد الله بن مسعود أنه صلى الفجر بالمزدلفة فغلس، ثم قال ابن مسعود: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلوات إلا لميقاتها إلا صلاة الفجر، فإنه صلاها يومئذ لغير ميقاتها. وثالثها: عن ابن مسعود قال: ما رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حافظوا على شيء ما حافظوا على التنوير بالفجر. ورابعها: عن أبي بكر رضي الله عنه أنه صلى الفجر فقرأ آل عمران، فقالوا: كادت الشمس أن تطلع، فقال لو طلعت لم تجدنا غافلين، وعن عمر أنه قرأ البقرة فاستشرقوا الشمس، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين. وخامسها: أن تأخير الصلاة يشتمل على فضيلة الإنتظار، وقال عليه السلام: «حديث : المنتظر للصلاة كمن هو في الصلاة» تفسير : فمن أخر الصلاة عن أول وقتها فقد انتظر الصلاة أولاً ثم بها ثانياً ومن صلاها في أول الوقت فقد فاته فضل الانتظار. وسادسها: أن التأخير يفضي إلى كثرة الجماعة فوجب أن يكون أولى تحصيلاً لفضل الجماعة. وسابعها: أن التغليس يضيق على الناس، لأنه إذا كان الصلاة في وقت الغليس احتاج الإنسان إلى أن يتوضأ بالليل حتى يتفرغ للصلاة بعد طلوع الفجر، والحرج منفى شرعاً.وثامنها: أنه تكره الصلاة بعد صلاة الفجر فإذا صلى وقت الإسفار فإنه يقل وقت الكراهة، وإذا صلى بالتغليس فإنه يكثر وقت الكراهة. والجواب عن الأول: أن الفجر اسم للنور الذي ينفي به ظلام المشرق، فالفجر إنما يكون فجراً لو كانت الظلمة باقية في الهواء، فأما إذا زالت الظلمة بالكلية واستنار الهواء لم يكن ذلك فجراً، وأما الإسفار فهو عبارة عن الظهور، يقال: أسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفت عنه، إذا ثبت هذا فنقول: ظهور الفجر إنما يكون عند بقاء الظلام في الهواء، فإن الظلام كلما كان أشد كان النور الذي يظهر فيما بين ذلك الظلام أشد، فقوله: «أسفروا بالفجر» يجب أن يكون محمولاً على التغليس، أي كلما وقعت صلاتكم حين كان الفجر أظهر وأبهر كان أكثر ثواباً، وقد بينا أن ذلك لا يكون إلا في أول الفجر، وهذا معنى قول الشافعي رضي الله عنه أن الإسفار المذكور في الحديث محمول على تيقن طلوع الفجر وزوال الشك عنه، والذي يدل على ما قلنا أن أداء الصلاة في ذلك الوقت أشق، فوجب أن يكون أكثر ثواباً، وأما تأخير الصلاة إلى وقت التنوير فهو عادة أهل الكسل، فكيف يمكن أن يقول الشارع: إن الكسل أفضل من الجد في الطاعة. والجواب عن الثاني: وهو قول ابن مسعود: حافظوا على التنوير بالفجر، فجوابه هذا الذي قررناه لأن التنوير بالفجر إنما يحصل في أول الوقت، فأما عند امتلاء العالم من النور فإنه لا يسمى ذلك فجراً، وأما سائر الوجوه فهي معارضة ببعض ما قدمناه والله أعلم. أما قوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا } فهو وعد لأهل الطاعة، ووعيد لأهل المعصية، كأنه تعالى قال: استبقوا أيها المحققون والعارفون بالنبوة والشريعة الخيرات وتحملوا فيها المشاق لتصلوا يوم القيامة إلى مالكم عند الله من أنواع الكرامة والزلفى، ثم إنه سبحانه حقق بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } وذلك لأن الإعادة في نفسها ممكنة وهو قادر على جميع الممكنات، فوجب أن يكون قادراً على الإعادة، وأما المسائل المستنبطة من هذه الآية، فقد ذكرناها في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } تفسير : [البقرة: 20].

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ} الوِجْهة وزنها فِعلة من المواجهة. والوجهة والجهة والوجه بمعنىً واحد، والمراد القِبْلة؛ أي إنهم لا يتّبعون قِبلتك وأنت لا تتّبع قِبلتهم، ولكلٍّ وجهةٌ إمّا بحقٍّ وإمّا بهوًى. الثانية: قوله تعالى: {هُوَ مُوَلِّيهَا}«هو» عائد على لفظ كلّ لا على معناه، لأنه لو كان على المعنى لقال: هم مُوَلُّوها وجوههم؛ فالهاء والألف مفعول أوّل والمفعول الثاني محذوف، أي هو موليها وجهه ونفسه. والمعنى: ولكلّ صاحب مِلّةٍ قِبلةٌ، صاحب القِبلة مُوَلِّيها وجهه، على لفظ كل؛ وهو قول الربيع وعطاء وٱبن عباس. وقال عليّ بن سليمان: «مُوَلِّيها» أي متولّيها. وقرأ ٱبن عباس وٱبن عامر «مُوَلاّها» على ما لم يسم فاعله. والضمير على هذه القراءة لواحدٍ؛ أي ولكل واحد من الناس قِبلة، الواحدُ مُوَلاّها أي مصروف إليها؛ قاله الزجاج. ويحتمل أن يكون على قراءة الجماعة «هو» ضمير ٱسم الله عز وجل وإن لم يجر له ذكر، إذ معلوم أن الله عز وجل فاعل ذلك، والمعنى: لكل صاحب مِلةٍ قبلةٌ اللَّهُ مُوَليها إيّاه. وحكى الطبري: أن قوماً قرأوا «ولكلِّ وجهةٍ» بإضافة كل إلى وجهة. قال ٱبن عطية: وخطّأها الطبري، وهي متّجهة؛ أي فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاّكُمُوها، ولا تعترضوا فيما أمركم بين هذه وهذه؛ أي إنما عليكم الطاعة في الجميع. وقدّم قوله: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ} على الأمر في قوله: {فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ} للاهتمام بالوجهة كما يُقدّم المفعول؛ وذكر أبو عمرو الدّانِيّ هذه القراءة عن ٱبن عباس رضي الله عنهما. وسَلِمت الواو في «وِجهة» للفرق بين عِدَة وزِنَة؛ لأن جهةً ظرف، وتلك مصادر. وقال أبو عليّ: ذهب قوم إلى أنه مصدر شذّ عن القياس فسَلِم. وذهب قوم إلى أنه ٱسم وليس بمصدر. وقال غير أبي عليّ: وإذا أردت المصدر قلت جهة، وقد يقال الجهة في الظرف. الثالثة: قوله تعالى: {فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ} أي إلى الخيرات، فحذف الحرف؛ أي بادروا ما أمركم الله عز وجل من ٱستقبال البيت الحرام؛ وإن كان يتضمّن الحثّ على المبادرة والاستعجال إلى جميع الطاعات بالعموم، فالمراد ما ذكر من الاستقبال لسياق الآي. والمعنى المراد المبادرة بالصلاة أوّل وقتها، والله تعالى أعلم. روى النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنما مَثَلُ المُهجِّر إلى الصلاة كمَثل الذي يُهْدِي البَدَنَة ثم الذي على أَثَرَه كالذي يُهْدِي البقرة ثم الذي على أثره كالذي يُهدِي الكبش ثم الذي على أثره كالذي يُهْدِي الدّجاجة ثم الذي على أثره كالذي يُهْدِي البيضة»تفسير : . وروى الدارَقُطْنِي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنّ أحدكم ليصلّى الصلاة لوقتها وقد ترك من الوقت الأوّل ما هو خير له من أهله وماله»تفسير : . وأخرجه مالك عن يحيى بن سعيد قوله. وروى الدارقُطْنِي أيضاً عن ٱبن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير الأعمال الصلاةُ في أوّل وقتها»تفسير : . وفي حديث ٱبن مسعود: «أوّل وقتها» بإسقاط «في». وروي أيضاً عن إبراهيم بن عبد الملك عن أبي مَحْذُورَة عن أبيه عن جَدّه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أوّلُ الوقت رضوانُ الله ووسَطُ الوقت رحمةُ الله وآخرُ الوقت عفوُ الله»تفسير : . زاد ٱبن العربي: فقال أبو بكر: رضوانُ الله أحبّ إلينا من عفْوه؛ فإن رضوانه عن المحسنين وعفْوه عن المُقَصِّرين؛ وهذا ٱختيار الشافعي. وقال أبو حنيفة: آخر الوقت أفضل؛ لأنه وقت الوجوب. وأمّا مالك ففصّل القول؛ فأما الصبح والمغرب فأوّل الوقت فيهما أفضل؛ أما الصبح فلحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «إنْ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلّي الصبح فينصرف النساء مُتَلَفِّعاتٍ بمُرُوطِهنّ ما يُعرفن من الغَلَس» ـ في رواية ـ «متلفِّقات». وأما المغرب فلحديث سلمة ابن الأَكْوَع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غَرَبت الشمس وتوارت بالحجاب؛ أخرجهما مسلم. وأما العشاء فتأخيرها أفضل لمن قَدَر عليه. حديث : روى ٱبن عمر قال: مكثنا (ذات) ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة؛ فخرج إلينا حين ذهب ثُلُث الليل أو بعده، فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غيرُ ذلك؛ فقال حين خرج: «إنكم لتنتظرون صلاةً ما ينتظرها أهلُ دين غيرُكم ولولا أن يَثْقُل على أمتي لصلّيتُ بهم هذه الساعة»»تفسير : . وفي البخاريّ عن أنس قال: أخّر النبيّ صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلّى...؛ وذكر الحديث. وقال أبو بَرْزَةَ: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يستحبّ تأخيرها. وأمّا الظهر فإنها تأتي الناس (على) غفْلة فيستحبّ تأخيرها قليلاً حتى يتأهّبُوا ويجتمعوا. قال أبو الفرج قال مالك: أوّل الوقت أفضلُ في كل صلاة إلا للظهر في شدّة الحرّ. وقال ٱبن أبي أُوَيْس: وكان مالك يكره أن يصلي الظهر عند الزوال ولكن بعد ذلك، ويقول: تلك صلاة الخوارج. وفي صحيح البخاري وصحيح الترمذيّ عن أبي ذَرّ الغِفَاريّ قال: كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في سَفَر فأراد المؤذّن أن يؤذِّن للظهر؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أبْرِد» ثم أراد أن يؤذِّن فقال له: «أبْرِد» حتى رأينا فَيْء التلُول؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن شدّة الحرّ من فَيْحِ جهنم فإذا ٱشتدّ الحرّ فأبرِدُوا بالصلاة»تفسير : . وفي صحيح مسلم عن أنس أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم: كان يصلي الظهر إذا زالت الشمس. والذي يجمع بين الحديثين ما رواه أنس أنه إذا كان الحرّ أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عَجّل. قال أبو عيسى الترمذيّ: «وقد ٱختار قوم (من أهل العلم) تأخير صلاة الظهر في شدّة الحرّ، وهو قول ٱبن المبارك وأحمد وإسحٰق. قال الشافعي: إنما الإبراد بصلاة الظهر إذا كان (مسجداً) ينتاب أهله من البعد، فأمّا المُصَلِّي وحده والذي يصلّي في مسجد قومه فالذي أُحِبّ له ألاّ يؤخّر الصلاة في شدّة الحرّ. قال أبو عيسى: ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر في شدّة الحرّ هو أولى وأشبه بالاتباع، وأمّا ما ذهب إليه الشافعيّ رحمه الله أنّ الرخصة لمن ينتاب من البعد وللمشقّة على الناس، فإن في حديث أبي ذَرّ رضي الله عنه ما يدل على خلاف ما قال الشافعي. «حديث : قال أبو ذرّ: كنّا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في سفر فأذّن بِلالٌ بصلاة الظهر؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: (يا بلال) أَبْرِد ثم أَبْرِد»تفسير : . فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنىً؛ لاجتماعهم في السفر وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البُعد». وأما العصر فتقديمها أفضل. ولا خلاف في مذهبنا أن تأخير الصلاة رجاءَ الجماعة أفضل من تقديمها؛ فإن فضل الجماعة معلوم، وفضل أوّل الوقت مجهول وتحصيل المعلوم أوْلى؛ قاله ٱبن العربيّ. الرابعة: قوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ}شرط، وجوابه: {يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً} يعني يوم القيامة. ثم وصف نفسه تعالى بالقدرة على كل شيء لتناسب الصفة مع ما ذكر من الإعادة بعد الموت والبِلَى.

البيضاوي

تفسير : {وَلِكُلّ وِجْهَةٌ} ولكل أمة قبلة، أو لكل قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة، والتنوين بدل الإضافة {هُوَ مُوَلّيهَا } أحد المفعولين محذوف، أي هو موليها وجهه، أو الله تعالى موليها إياه. وقرىء: {وَلِكُلّ وِجْهَةٍ} بالإِضافة، والمعنى وكل وجهة الله موليها أهلها، واللام مزيدة للتأكيد جبراً لضعف العامل. وقرأ ابن عامر: «مولاها» أي هو مولى تلك الجهة أي قد وليها {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } من أمر القبلة وغيره مما ينال به سعادة الدارين، أو الفاضلات من الجهات وهي المسامتة للكعبة {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا } أي: في أي موضع تكونوا من موافق ومخالف مجتمع الأجزاء ومفترقها، يحشركم الله إلى المحشر للجزاء، أو أينما تكونوا من أعماق الأرض وقلل الجبال، يقبض أرواحكم، أو أينما تكونوا من الجهات المتقابلة، يأت بكم الله جميعاً ويجعل صلواتكم كأنها إلى جهة واحدة. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} فيقدر على الإماتة والإِحياء والجمع.

ابن كثير

تفسير : قال العوفي عن ابن عباس: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} يعني بذلك أهل الأديان، يقول: لكل قبيلة قبلة يرضونها. ووجهة الله: حيث توجه المؤمنون. وقال أبو العالية: لليهودي وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهداكم أنتم أيتها الأمة إلى القبلة التي هي القبلة. وروي عن مجاهد وعطاء والضحاك والربيع بن أنس والسدي نحو هذا، وقال مجاهد في الرواية الأخرى، والحسن: أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة، وقرأ ابن عباس وأبو جعفر الباقر وابن عامر: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مَوْلاَهَا}، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَـٰكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً}تفسير : [المائدة: 48] وقال ههنا: {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} أي: هو قادر على جمعكم من الأرض، وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلِكُلٍّ } من الأمم {وِجْهَةٌ } قبلة {هُوَ مُوَلّيهَا } وجهه في صلاته وفي قراءة (مُوَلاَّها ) {فَاسْتَبِقُواْ الخَيْرَاتِ } بادروا إلى الطاعات وقبولها {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا } يجمعكم يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ }.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} يعني ولكل أهل ملة من سائر الملل وجهة هو مولِّيها. وفيه قولان: أحدهما: قبلة يستقبلونها، وهو قول ابن عباس وعطاء والسدي. والثاني: يعني صلاة يصلونها، وهو قول قتادة. وفي قوله تعالى: {هُوَ مُوَلِّيها} قولان: أحدهما: أن أهل كل وجهة هم الذين يَتَوَلَّونَهَا ويستقبلونها. والثاني: أن أهل كل وجهةٍ الله تعالى هو الذي يوليهم إليها ويأمرهم باستقبالها، وقد قرئ {هُوَ مَوْلاها} وهذا حسن يدل على الثاني من القولين. {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} فيه تأويلان: أحدهما: معناه فسارعوا إلى الأعمال الصالحة، وهو قول عبد الرحمن بن زيد. والثاني: معناه: لا تُغلَبوا على قبلتكم بما تقول اليهود من أنكم إذا اتبعتم قبلتهم اتبعوكم، وهذا قول قتادة. {... يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً} إلى الله مرجعكم جميعاً، يعني يوم القيامة. {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يعني على إعادتكم إليه أحياء بعد الموت والبلى.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَلِكُلٍّ} أهل ملة {وِجْهَةُ} قبلة، أو صلاة {هُوَ مُوَلّيهَا} أي المصلي، أو الله يوليه إليها، ويأمره باستقبالها. {فَاسْتَبِقُواْ الخَيرَاتِ} سارعوا إلى الأعمال الصالحة، أو لا تغلبكم اليهود على قبلتكم بقولهم: "إن اتبعتم قبلتنا اتبعناكم". {يَأتِ بِكُمُ} يوم القيامة جميعاً. {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ} من إعادتكم بعد الموت والبلى.

النسفي

تفسير : {وَلِكُلٍّ} من أهل الأديان المختلفة. {وِجْهَةٌ } قبلة. وقرىء بها. والضمير في {هُوَ } لكل. وفي {مُوَلِّيهَا } للوجهة. أي هو موليها وجهة فحذف أحد المفعولين أو هو لله تعالى. أي الله موليها إياه. «هو مولاها»: شامي أي هو مولى تلك الجهة قد وليها. والمعنى ولكل أمة قبلة يتوجه إليها منكم ومن غيركم. {فَاسْتَبِقُوا } أنتم {الخَيْرَاتِ } فاستبقوا إليها غيركم من أمر القبلة وغيره. {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ } أنتم وأعداؤكم {يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا } يوم القيامة فيفصل بين المحقق والمبطل، أو ولكل منكم يا أمة محمد وجهة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية، فاستقبلوا الفاضلات من الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت أينما تكونوا من الجهات المختلفة يأت بكم الله جميعاً ويجمعكم ويجعل صلاتكم كأنها إلى جهة واحدة وكأنكم تصلون حاضري المسجد الحرام. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ } ومن أي بلد خرجت للسفر {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } إذا صليت. {وَإِنَّهُ } وإن هذا المأمور به {لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } وبالياء: أبو عمرو. {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } وهذا التكرير لتأكيد أمر القبلة وتشديده لأن النسخ من مظان الفتنة والشبهة فكرر عليهم ليثبتوا على أنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر فاختلفت فوائدها {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } أي قد عرّفكم الله جل ذكره أمر الاحتجاج في القبلة بما قد بين في قوله: {أية : ولكل وجهة هو موليها}تفسير : لئلا يكون للناس لليهود عليكم حجة في خلاف ما في التوراة من تحويل القبلة. وأطلق اسم الحجة على قول المعاندين لأنهم يسوقونه سياق الحجة. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } استثناء من «الناس» أي لئلا يكون حجة لأحد من اليهود إلا المعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه وحباً لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء عليهم السلام. أو معناه لئلا يكون للعرب عليكم حجة واعتراض في ترككم التوجه إلى الكعبة التي هي قبلة إبراهيم وإسماعيل أبي العرب إلا الذين ظلموا منهم وهم أهل مكة حين يقولون بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجـع إلى دينهم. ثم استأنف منبهاً بقوله: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } فلا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضرونكم {وَٱخْشَوْنِى } فلا تخالفوا أمري {وَلأُِتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } أي عرفتكم لئلا يكون عليكم حجة ولأتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى الكعبة. {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ولكي تهتدوا إلى قبلة إبراهيم. الكاف في {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ } إما أن يتعلق بما قبله أي ولأتم نعمتي عليكم في الآخرة بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، أو بما بعده أي كما ذكرتكم بإرسال الرسول فاذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب، فعلى هذا يوقف على «تهتدون» وعلى الأول لا. {رَسُولاً مِّنْكُمْ } من العرب {يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ } يقرأ عليكم {ءَايَـٰتِنَا } القرآن {وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } القرآن {وَٱلْحِكْــمَةَ} السنة والفقه {وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } ما لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا...}. حمله الزمخشري على معنيين، أحدهما: ولكل فريق من أهل الأديان المختلفة قبلة هو موليها نفسه، أو يعود الضمير على الله، أي الله موليها إياه. - (الثاني): ولكل واحد منكم يا أمة محمد جهة يصلي إليها شمالية، أو جنوبية، أو شرقية أو (غربية). فالقبلة عندنا نحن في الجنوب وعند أهل العراق و (اليمن) في الشمال والمغرب. وضعف ابن عرفة الأول إذا أعيد الضمير في {هُوَ مُوَليِّهَا} على الله لأن الملل كلها قد انتسخت بشريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فلا يصدق أن لكل قوم (وجهة). قال ابن عرفة: وكان بعضهم يفسره بمعنى ثالث وهو أن (لكلّ) شخص منّا وجهة من وجوه الخير، والله أقامه فيها، فواحد مجاهد وآخر صائم وآخر عالم وآخر حاج وآخر كثير الصدقة. قوله تعالى: {فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ...}. دليل على أن الأمر للفور لأن مدلول صيغة اِفعل وهو الفور من مسمّى الخيرات لأن المبادرة إلى فعل المأمور به (من جملة) الخيرات فهو مأمور به. وإنما قال: {اسْتَبِقُوا} ولم يقل: اسْبَقُوا، ليتناول السابق والمسبوق فالمسبوق حينئذ يصدق عليه أنه استبق ولكنه لم يسبق، ولو قال: اسبقوا لما تناول إلا السّابق. والخيرات (تعم) الواجبات والمندوبات، وتعم من سبق بخير أو سبق غيره لخير (آخر) وإن لم (يستبقا) لشيء واحد. قوله تعالى: {يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً..} حمله الزمخشري على معنيين: إما يأت بكم (للجزاء) أو للحشر والنشر، وإمّا أَيْنَ مَا تَكُونُوا من الجهات يجعلكم تصلون إلى جهة واحدة (كأنكم) تصلون (حاضري) المسجد الحرام. قال ابن عرفة: وقوله إنّ اللهَ عَلَى كُلّ شَيءٍ قَدِيرٌ يرجح المعنى الأول.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ }: الوجهةُ: من المواجهة؛ كالقبلة، والمعنَىٰ: ولكلِّ صاحبِ ملَّة وجهةٌ هو مولِّيها نفْسَه، قاله ابن عَبَّاس وغيره. وقرأ ابن عامر: «هُوَ مَولاَّهَا»، أيْ: اللَّه مُوَلِّيها إياهم، ثم أمر تعالى عباده بٱستباقِ الخَيْرات، والبدارِ، إلى سبيل النجاة، وروى ابن المُبَارك في «رقائقه» بسنده؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَنْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ مِنَ الخَيْرِ فَلْيَنْتَهُزْهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي، مَتَىٰ يُغْلَقُ عَنْهُ» تفسير : .انتهى. ثم وعظهم سبحانه بذكْر الحشر موعظةً تتضمَّن وعيداً وتحذيراً. * ص *: «أينما» ظرفٌ مضمَّن معنى الشرط في موضعِ خَبَرِ «كان». انتهى. وقوله: {يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا } يعني به البعْثَ من القبور. وقوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } معناه: حيثُ كنْتَ، وأَنى توجَّهْتَ من مشارقِ الأرض، ومغاربِها، وكرَّرت هذه الآية؛ تأكيداً من اللَّه سبحانه؛ لأن موقع التحويلِ كان صَعْباً في نفوسهم جدًّا، فأكَّد الأمر؛ ليرى الناسُ التهمُّم به، فيخفَّ عليهم وتسكُنَ نفوسُهم إليه. وقوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ...} الآية: المعنَىٰ: عرفتكم وجه الصواب في قبلتكم، والحجة لذلك؛ لئلاَّ يكون للناسِ عليكم حجةٌ، والمراد بـــ «النَّاس» العمومُ في اليهودِ والعربِ وغيرهم {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ }، أي: من المذكورين ممَّن تكلَّم في النازلة في قولهم: {أية : مَا وَلَّـٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ} تفسير : [البقرة:142]. وقوله تعالى: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي...} الآية: [فيه] تحقيرٌ لشأنهم، وأمر بٱطراح أمرهم، ومراعاة أمره سبحانه، قال الفَخْر: وهذه الآية تدلُّ على أن الواجب علَى المَرْء في كلِّ أفعاله وتروكه؛ أن ينصب بين عينيه خشيةَ ربه تعالَىٰ، وأن يعلم أنه ليس في أيدي الخَلْقِ شيء البتَّةَ وألاَّ يكون مشتغل القَلْب بهم، ولا ملتفت الخاطر إلَيْهِم. انتهى. قال: * ص *: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ } استثناءٌ متَّصِلٌ، قاله ابن عباس وغيره، أي: لئلاَّ تكون حجةٌ من اليهود المعاندين القائلين ما ترك قبلتنا، وتوجَّه للكعبة إِلاَّ حبًّا لبلده، وقيل: منقطع، أي: لكن الذين ظلموا منهم؛ فإِنهم يتعلَّقون عليكم بالشُّبَه، وزعم أبو عُبَيْدة مَعْمَرُ بْنُ المثنَّىٰ: إن «إِلاَّ» في الآية بمعنى «الواو»، قال ومنه: [الوافر]: شعر : وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوه لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلاَّ الفَرْقَدَانِ تفسير : أي: والَّذين ظلموا، وَالفَرْقَدَان، ورُدَّ بأنَّ «إِلاَّ» بمعنى الواو ولا يقوم علَيْه دليلٌ. انتهى. وقوله تعالى: {فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } أمر بٱستقبالِ القبْلَة، وهو شرطٌ في الفرض إِلاَّ في القتالِ حالة الالتحامِ، وفي النوافل إِلا في السفرِ الطويلِ للرَّاكب، والقدرةُ على اليقينِ في مصادفتها تَمْنَعُ من الاِجتهادِ، وعلى الاِجتهادِ تَمْنَعُ من التقليد. وقوله سبحانه: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ } عطْفٌ على قوله: «لَئِلاَّ» وقيل: هو في موضع رفع بالاِبتداء، والخبرُ مضمرٌ، تقديره: ولأتمَّ نعمتي عليكم، عرَّفتكم قبلتي، ونحوهُ، {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ترجٍّ في حقِّ البشر، والكافُ في قوله: «كَمَا» ردٌّ على قوله: «وَلأُتِمَّ»، أي: إِتماماً كما، وهذا أحسنُ الأقوال، أي: لأتم نعمتي عليكم في بيان سُنَّة إِبراهيم عليه السلام؛ {كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ} إِجابة لدعوته في قوله: {أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ } تفسير : [البقرة:129]. وقيل: الكاف من «كمَا» رَدٌّ على «تَهْتَدُونَ»، أي: اهتداء كما. قال الفَخْر: وهنا تأويلٌ ثالثٌ، وهو أن الكاف متعلِّقة بما بعدها، أي: كما أرسلنا فيكم رسولاً، وأوليتكم هذه النعم، {فَٱذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي..} الآيةَ: انتهى. * ت *: وهذا التأويل نقله الدَّاوُودِيُّ عن الفراء. انتهى، وهذه الآيةُ خطابٌ لأمة محمَّد صلى الله عليه وسلم و {ءايَـٰتِنَا } يعني: القُرآن، وَ {يُزَكِّيكُمْ}، أي: يطهركم من الكفر، وينمِّيكم بالطاعة، و {ٱلْكِتَـٰبَ }: القُرآن، و {ٱلْحِكْمَةَ }: ما يتلقَّىٰ عنه صلى الله عليه وسلم من سنَّةٍ، وفقْهٍ، ودينٍ، وما لم تكونوا تعلمون قصص من سلف، وقصص ما يأتي من الغيوب.

ابن عادل

تفسير : جمهور القراء على تنوين "كلّ"، وتنوينهُ للعوض من المضاف إليه، والجار خبر مقدم، و"وِجْهَة" مبتدأ مؤخر. واختلف في المضاف إليه "كل" المحذوف. فقيل: تقديره: ولكل طائفة من أهل الأديان [يعني: أن الله يفعل ما يعلمه صلاحاً، فالجهات من الله تعالى وهو الذي ولَّى وجوه عباده إليها فانقادوا لأمر الله تعالى، فإن انقيادكم خيرات لكم، ولا تلتفتوا إلى طعن هؤلاء، وقولهم: "ما ولاّهم عن قبلتهم أي التي كانوا عليها" فإن الله يجمعهم وإياكم في القيامة]. وقيل: ولكل أهل موضع من المسلمين وِجْهَتُه إلى جهة الكعبة يميناً وشمالاً ووراء وقدّام [فهي كجهة واحدة، ولا يخفى على الله نيّاتهم؛ فهو يحشرهم جميعاً ويثيبهم على أعمالهم]. وفي "وجهة" قولان: أحدهما: ويعزى للمبرد، والفارسي، والمازني في أحد قوليه: أنها اسم المكان المتوجه إليه، وعلى هذا يكون إثبات "الواو" قياساً إذ هي غير مصدر. قال سيبويه ولو بنيت "فِعْلَة" من الوعد لقلت: وعدة، ولو بنيت مصدراً لقلت: عدة. والثاني: أنه مصدر، ويعزى للمازني، وهو ظاهر كلام سيبويه، فإنه قال بعد ذكر حذف "الواو" من المصادر: "وقد أثبتوا فقالوا: وجهة في الجهة" وعلى هذا يكون إثبات "الواو" شاذَاً مَنْبَهَةٌ على ذلك الأصل المتروك في "عدة" ونحوها، والظاهر أن الذي سوغ إثبات "الواو" وإن كانت مصدراً أنها مصدر جاءت على حذف الزوائد؛ إذ الفعل المسموع من هذه المادة تَوَجَّه واتَّجَهَ، ومصدرهما التوجه والاتجاه، ولم يسمع في فعله: "وَجَهَ يَجِهُ" كـ"وعد يَعِدُ"، وكان الموجب لحذف "الواو" من عدة وزنة الحمل على المضارع لوقوع الواو بين ياء وكسرة، وهنا لم يسمع فيه مضارع يحمل مصدره عليه، فلذلك قلت: إن "وِجْهَة" مصدر على حذف الزوائد لــ"توجه" أو "اتجه"، وقد ألم أبو البقاء بشيء من هذا. قال القرطبي: الوِجْهَة وزنها فِعْلَة من المُوَاجهة. والوجهة والجهة والوجه بمعنى واحد، والمراد القِبْلة، أي: أنهم لا يتبعون قبلتك، وأنت لا تتبع قبلتهم، ولكل وجهة: إما بحق، وإما بهوى. فصل في لفظ الوجه قال أبو العباس المقرئ: ورد لفظ الوجه في القرآن الكريم على أربعة أضرب: الأول: بمعنى الملّة، قال تبارك وتعالى: { وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} أي: ملّة. الثاني: بمعنى الإخلاص في العمل، قال تعالى: {أية : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ}تفسير : [الأنعام: 79] أي: أخلصت عملي، ومثله: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ}تفسير : [النساء: 122] أي: أخلص عمله لله. الثالث: بمعنى الرِّضَا، قال تعالى: {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}تفسير : [الأنعام: 52] أي: رضاه، ومثله: {أية : وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ}تفسير : [الكهف: 28] الآية الكريمة، ومثله: {أية : وَمَآ ءَاتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ ٱللَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَٰوةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ}تفسير : [الروم: 39] أي: رضاه. الرابع: الوجه هو الله تعالى كقوله تعالى: {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 115]، ومثله: {أية : إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ}تفسير : [الإنسان: 9]، وقوله: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88] أي: إلاّ إياه. قوله تعالى: "هُوَ مُوَلِّيهَا" جملة مبتدأ وخبر في محلّ رفع؛ لأنها صفة{ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ } لـ"وجهة" [وهي قراءة الجمهور] واختلف في "هو" على قولين: أحدهما: أنه يعود على لفظ "كلّ" لا على معناها، ولذلك أفرد [قال القرطبي: ولو كان على المعنى لقال: هم مولوها وجوههم فالهاء والألف مفعول أول]. والمفعول الثاني محذوف لفهم المعنى تقديره: هو موليها وجهه أو نفسه، ويؤيد هذا قراءة ابن عامر: "مُوَلاَّها" على ما لم يسم فاعله. والثاني: أنه يعود على الله - تعالى - أي: الله مولّي القبلة إياه، أي ذلك الفريق. وقرأ الجمهور: "مُوَليها" على اسم فاعل، وقد تقدم أنه حذف أحد مفعوليه، وقرأ ابن عامر - ويعزى لابن عباس - "مُوَلاَّها" على اسم المفعول، وفيه ضمير مرفوع قائم مقام الفاعل والثاني: هو الضمير المتصل به وهو "ها" العائد على الوجهة. وقيل: على التولية ذكره أبو البقاء، وعلى هذه القراءة يتعيّن عود "هو" إلى الفريق؛ إذ يستحيل في المعنى عوده على الله تعالى. [ولقراءة ابن عامر معنيان: أحدهما: ما وليته فقد ولاّك؛ لأن معنى وليته أي: جعلته بحيث يليه، وإذا صار بحيث يلي ذاك، فذاك أيضاً يلي هذا، فإذاً قد يفيد كل واحد منهما الآخر. فهو كقوله تعالى: {أية : فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ}تفسير : [البقرة: 37] فهذا قول الفراء. الثاني: "هُوَ مُوَلِّيها" أي: قد زينت لك تلك الجهة أي صارت بحيث تتبعها وترضاها]. وقرأ بعضهم: "وَلَكُلِّ وجهة" بالإضافة، ويعزى لابن عامر، واختلفوا فيها على ثلاثة أقوال: أحدها، وهو قول الطبري: أنها خطأ، وهذا ليس بشيء؛ إذ الإقدام على تخطئة ما ثبت عن الأئمة لا يسهل. [قال ابن عطية: وخطأها الطبري وهي متّجهة أي: فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاكموها، ولا تعترضوا فيما أمركم من هذه وهذه أي: إنما عليكم الطاعة في الجميع وقدم قوله: "ولكلٍّ وجهةٌ" على الأمر في قوله: "فَاسْتَبقوا الخيرات" للاهتمام بالوجهة كما يقدم المفعول. وذكر أبو عمرو الدَّاني هذه القراءة عن ابن عَبَّاس]. والثاني: وهو قول الزمخشري وأبي البقاء أن "اللام" زائدة في الأصل. قال الزمخشري: المعنى وكلّ وجهة اللَّهُ مولّيها، فزيدت "اللام" لتقدم المفعول، كقولك: لزيد ضربت، ولزيد أبوه ضاربه. قال أبو حيان: وهذا فاسد؛ لأن العامل إذا تعدَّى لضمير الاسم لم يتعد إلى ظاهره المجرور بــ"اللام" لا تقول: لزيد ضربته، ولا: لزيد أنا ضاربه، لئلا يلزم أحد محذورين، وهما: إما لأنه يكون العامل قوياً ضعيفاً. [وذلك أنه من حيث تعدّى للضمير بنفسه يكون قويّاً ومن حيثُ تعدى للظاهر بـ"اللام" يكون ضعيفاً]، وإما لأنه يصير المتعدي لواحد متعدياً لاثنين، ولذلك تأول النحويون ما يوهم ذلك وهو قوله: [البسيط]. شعر : 840 - هَذَا سُرَاقَةُ لِلْقُرآنِ يَدْرُسُهُ وَالْمَرْءُ عِنْدَ الرُّشَا إِنْ يَلْقَهَا ذِيْبُ تفسير : على أن الضمير في "يدرسه" للمصدر أي: يدرس الدرس لا للقرآن؛ لأن الفعل قد تعدى إليه. وأما تمثيله بقوله: "لزيد ضربت"، فليس نظير الآية؛ لأنه لم يتعدّ في هذا المثال إلى ضميره، ولا يجوز أن تكون المسألة من باب الاشتغال، فتقدر عاملاً في: "لكل وجهة" يفسره "موليها"؛ لأن الاسم المشتغل عنه إذا كان ضميره مجروراً بحرف ينتصب ذلك الاسم بفعل يوافق العامل الظاهر في المعنى، ولا يجوز جر المشتغل عنه إذا كان ضميره مجروراً بحرف تقول: زيداً مررت به، أي: لابست زيداً مررت به، ولا يجوز: لزيد مررت به. قال تعالى: {أية : وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ}تفسير : [الإنسان: 31]، وقال: [الوافر] شعر : 841 - أَثَعْلَبَةَ الْفَوارِسِ أَمْ رِيَاحاً عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ وَالْخِشَابَا تفسير : فأتى بالمشتغل عنه منصوباً، وأما تمثيله بقوله: لزيد أبوه ضاربه، فتركيب غير عربي. الثالث: أن "لكلّ وجهة" متعلق بقوله: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي: فاستبقوا الخيرات لكل وجهة، وإنما قدم على العامل للاهتمام به، كما تقدم المفعول، كا ذكره ابن عطية. ولا يجوز أن توجه هذه القراءة على أن "لكل وجهة" في موضع المفعول الثاني لـ"مولّيها"، والمفعول الأول هو المضاف إليه اسم الفاعل الذي هو "مولّ"، وهو "ها"، وتكون عائدة على الطوائف، ويكون التقدير: وكلَّ وجهة اللَّهُ مولِّي الطوائف أصحاب القِبْلاَت، وزيدت "اللام" في المفعول لتقدمه، ويكون العامل فرعاً؛ لأن النحويين نصُّوا على أنه لا يجوز زيادة "اللام" للتقوية إلا في المتعدي لواحد فقط، و"مولّ" مما يتعدّى لاثنين، فامتنع ذلك فيه، وهذا المانع هو الذي منع من الجواب عن الزمخشري فيما اعترض به أبو حيان عليه من كون الفعل إذا تعدى للظاهر، فلا يتعدى لضميره، وهو أنه كان يمكن أن يجاب عنه بأن الضمير المتصل بـ"مول" ليس بضمير المفعول، بل ضمير المصدر وهو التَّولية، يكون المفعول الأول محذوفاً والتقدير: الله مولي التولية كلَّ وجهةٍ أَصْحَابَها، فلما قدم المفعول على العامل قوي بـ"اللام" لولا أنهم نصوا على المنع من زيادتها في المتعدي لاثنين وثلاثة. قوله تعالى: "فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ""الخيرات" منصوبة على إسقاط حرف الجر، التقدير: إلى الخيرات، كقول الراعي: [الطويل] شعر : 842 - ثَنَائِي عَلَيْكُمْ آلَ حَرْبٍ وَمَنْ يَمِلْ سِوَاكُمْ فَإِنِّي مُهْتَدٍ غَيرُ مَائلِ تفسير : أي: إلى سواكم، وذلك لأن "استبق": إما بمعنى سبق المجرد، أو بمعنى: تسابق [لا جائز أن يكون بمعنى: سبق؛ لأن المعنى ليس على اسبقوا الخيرات، فبقي أن يكون بمعنى: تسابق] ولا يتعدى بنفسه. و"الخيرات" جمع: خيرة، وفيها احتمالان. أحدهما: أن تكون مخففة من "خَيِّرة" بالتشديد بوزن "فَيْعِلة" نحو: مَيْت في مَيِّت. والثاني: أن تكون غير مخففة، بل تثبت على "فَعْلَة" بوزن "جَفْنَة"، يقال: رجل خير وامرأة خير، وعلى كلا التقديرين فليسا للتفضيل. والسبق: الوصول إلى الشيء أولاً، وأصله التقدم في السير، ثم تجوز به في كل ما تقدم. فصل في المسابقة إلى الصلاة من قال: إنَّ الصلاة في أول الوقت أفضل استدل بقوله: "فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ"؛ قال: لأن الصلاة خير لقوله عليه الصلاة والسلام "حديث : خَيْرُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلاَةُ"تفسير : وظاهر الأمر بالسبق للوجوب، فإذا لم يتحقق فلا أقل من الندب. وأيضاً قوله تعالى: {أية : سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}تفسير : [الحديد: 21] ومعناه: إلى ما يوجب المغفرة، والصلاة مما يوجب المغفرة، فوجب أن تكون المسابقة إليها مندوبة. وأيضاً قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ}تفسير : [الواقعة: 10 - 11]. والمراد منه: السابقون في الطاعات، والصلاة من الطاعات، وأيضاً أنه مدح الأنبياء المقدمين بقوله تعالى: {أية : إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ}تفسير : [الأنبياء: 90]، والصلاة من الخيرات، كما بَيّنا. وأيضاً أنه تعالى ذم إبْليس في ترك المُسَارعة فقال: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ}تفسير : [الأعراف: 12]. وأيضاً قوله تعالى: {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ}تفسير : [البقرة: 238] والمحافظة لا تحصل إلا بالتَّعْجيل، ليأمن الفوت بالنسيان. وأيضاً قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: {أية : وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ}تفسير : [طه: 84] فثبت أن الاستعجال أولى. وأيضاً قوله تعالى: {أية : لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً} تفسير : [الحديد: 10] فبين أن المسابقة سبب لمزيد الفضيلة، وأيضاً ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : الصَّلاَةُ في أَوَّلِ الوَقْتِ رَضْوَانُ اللَّهِ وَفِي آخِرِهِ عَفْوُ اللَّهِ ". تفسير : قال الصديق رضي الله عنه: رضوان الله أحب إلينا من عَفْوه. قال الشافعي رضي الله عنه: رضوان الله إنما يكون للمحسنين، والعفو يوشك أن يكون عن المقصرين. فإن قيل: هذا احتجاج يقتضي أن يأثم بالتأخير، وأجمعنا على أنه لا يأثم، فلم يبق إلا أن يكون معناه: أن الفعل في آخر الوقت يوجب العفو عن السيئات السابقة، وما كان كذلك فلا شك أنه يوجب رضوان الله، فكان التأخير موجباً للعفو والرضوان، فكان التأخير أوْلى. فالجواب: أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون تأخير المغرب أفضل، وذلك لم يقله أحد، وأيضاً عدم المُسَارعة إلى الامتثال يشبه عدم الالتفات، وذلك يقتضي العقاب، إلاّ أنه لما أتى بالفعل بعد ذلك سقط ذلك الاقتضاء، وأيضاً أن تفسير أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - يبطل هذا التأويل، [وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم - أي الأعمال أفضل؟ قال: "حديث : الصَّلاَةُ لِمِيقَاتِهَا الأَوَّلِ " تفسير : وأيضاً قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلاَةَ وَقَدْ فَاتَهُ مِنْ أَوَّلِ الوَقْتِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ " تفسير : وأيضاً إنا توافقنا على أن أحد أسباب الفضيلة فيما بين الصَّحابه المسابقة إلى الإسلام حتى وقع الخلاف الشَّديد بين أهل السُّنة وغيرهم أن أبا بكر أسبق إسلاماً أم عليّاً رضي الله عنهما، وما ذاك إلا لاتفاقهم على ان المُسَابقة في الطاعة توجب مزيد الفضل. [وقال عليه الصلاة والسلام في خطبة له: "حديث : بَادِرُوا بِالأعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تَشْتَغِلُوا"تفسير : والصَّلاة من الأعمال الصالحة]. وأيضاً تعجيل حقوق الآدميين أفضل من تأخيرها، فوجب أن يكون [الحال في أداء] حقوق الله - تعالى - كذلك لرعاية التعظيم. وأيضاً المبادرة والمسارعة إلى الصلاة إظهار للحرص على الطاعة، والولوع بها، والرغبة فيها وفي التأخير كَسَلٌ عنها، فيكون الأول أَوْلى. [وأيضاً فإن المبادرة احتياط، لأنه إذا أدَّاها في أوّل الوقت تفرغت ذمته، وإذا أخّرها ربما حصل له شغل، فمنعه من أدائها، فالوجه الذي يحصل به الاحتياط أولى. فإن قيل: تنتقض هذه الدلائل بالظّهر في شدة الحر، وبما إذا حصل له إدْرَاك الجماعة، أو وجود الماء. قلنا: التأخير في هذه المواضع لأمور عارضة، والكلام إنما هو في مقتضى الأصل]. فصل في التغليس في صلاة الفجر قال الشافعي - رضي الله تعالى عنه - التَّغْليس في صلاة الفجر أفضل، وهو مذهب أبي بكر وعمر، وقول مالك وأحمد رضي الله عنهم. وقال أبو محمد: يستحب أن يدخل فيها بالتّغليس. واحتج الأولون بما تقدم من الآية، وبما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم يصلي الصبح، فينصرف والنساء متلفّعات بِمُرُوطِهِنّ ما يعرفهنّ أحد من الغَلَس. فإن قيل: كان هذا في ابتداء الإسلام حين كان النساء يحضرون الجماعات، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالغَلًس كيلا يعرفن. وهكذا كان عمر رضي الله عنه يصلي بالغَلَس، ثم لما نُهِين عن الحضور في الجماعات ترك ذلك. قلنا: الأصل عدم النسخ، وإن سلم النسخ فالمنسوخ إنما هو حضور النساء لا الصلاة. وروى أنس عن زيد بن ثابت قال: تسحَّرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم - ثم قمنا إلى الصلاة، قال أنس: قلت لزيد كم كان قدر ذلك؟ قال: قدر خمسين آية، وهذا يدلّ أيضاً على التَّغْليس، وروي عن أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غَلَّسَ بالصبح، ثم أسفر مرة، ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله تعالى. وأيضاً فإن النوم في ذلك الوقت أَطْيب، فيكون تركه أشقّ، فوجب أن يكون ثوابه أكثر، لقوله عليه السلام: "حديث : أَفْضَلُ العِبَادَاتِ أَحْمَزُهَا"تفسير : أي: أشقّها. واحتج أبو حنيفة بوجوه: أحدها: قوله عليه السلام: "حديث : أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ " تفسير : وروى عبد الله بن مسعود أنه صلى الفجر بــ"المزدلفة" فغلس، ثم قال ابن مسعود: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة إلا لميقاتها إلا صلاة الفجر. ويروى عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه صلى الفجر، فقرأ "آل عمران"، فقالوا: كادت الشمس أن تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين. وعن عمر أنه قرأ البقرة فاستشرقوا الشمس، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين. وأيضاً فإن تأخير الصلاة يشتمل على فضيلة الانتظار. وقال عليه السلام: "حديث : المُنْتَظِرُ لِلصَّلاةِ كَمَنْ هُوَ في الصَّلاَةِ"تفسير : ، فمن [أخر الصلاة عن أول وقتها فقد انتظر الصلاة أولاً، ثم بها ثانياً]، ومن صلاّها في أول الوقت فقد فاته فضل الانتظار. وأيضاً: فإن التنوير يفضي إلى كثرة الجماعة فيكون أَوْلى. والجواب عن الأول أن الفجر اسم للنور الذي [يتفجر به ظلام] المشرق، فالفجر إنما يكون فجْراً لوكانت الظلمة باقية في الهواء. فأما إذا زالت الظلمة بالكلية واستنار الهواء لم يكن ذلك فجراً. وأما الإسفار فهو عبارة عن الظهور، يقال: أسفرت المرأة عن وجهها إذا [كشفت عنه]، إذا ثبت هذا فنقول: ظهور الفَجْر إنما يكون عند بقاء الظلام في الهواء، فإن الظلام كلما كان أشد كان النور الذي يظهر فيما بين ذلك الظلام أشد. فقوله: "حديث : أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ"تفسير : يجب أن يكون محمولاً على التَّغْليس، أي: كلما وقعت صلاتكم حين كان الفجر [أظهر كان] أكثر ثواباً. وقد بينا أن ذلك لا يكون إلا في أول الفجر، وهذا معنى قول الشافعي رضي الله عنه: إن الإسفار المذكور في الحديث مَحْمُول على تيقُّن طلوع الفجر، وزوال الشك عنه، والذي يدل على ما قلنا: أن الصلاة في ذلك الوقت أشق، فوجب أن يكون أكثر ثواباً. وأما تأخير الصلاة إلى وقت التنوير، فهو عادة أهل الكسل، وهذا جواب عن قول ابن مسعود أيضاً وأما باقي الوجوه فمعارض لبعض ما قدمناه. قوله: "أَيْنَمَا تَكُونُوا" "أين" اسم شرط تجزم فعلين كـ"إن"، و"ما" مزيدة عليها على سبيل الجواز، وهي ظرف مكان، وهي هنا في محلّ نصب خبراً لــ"كان"، وتقديمها واجب لتضمنها معنى ما له صدر الكلام. و"تكونوا" أيضاً مجزوم بها على الشرط، وهو الناصب لها، و"يأت" جوابها، وتكون أيضاً استفهاماً فلا تعمل شيئاً، وهي مبنية على الفتح لتضمن معنى حرف الشرط أو الاستفهام. [ودلت الآية على أنه قادر على جميع الممكنات، فوجب أن يكون قادراً على الإعادة؛ لأنها ممكنة، وهذا وَعْدٌ لأهل الطاعة، ووعيد] لأهل المعصية.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏ولكل وجهة‏}‏ يعني بذلك أهل الأديان‏.‏ يقول‏:‏ لكل قبلة يرضونها ووجه الله حيث توجه المؤمنون‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قرأ ‏{‏ولكل وجهة هو موليها‏} ‏ مضاف قال‏:‏ مواجهها قال‏:‏ صلوا نحو بيت المقدس مرة ونحو الكعبة قبله‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه عن قتادة ‏{‏ولكل وجهة هو موليها‏}‏ قال‏:‏ هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي داود في المصاحف عن منصور قال‏:‏ نحن نقرأها ‏(‏ولكل جعلنا قبلة يرضونها)‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏ولكل وجهة هو موليها‏} ‏ قال‏:‏ لكل صاحب ملة قبلة وهو مستقبلها‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخة عن أبي العالية ‏ {‏ولكل وجهة هو موليها‏} ‏ قال‏:‏ لليهود وجهة هو موليها، وللنصارى وجهة هو موليها فهداكم الله أنتم ايتها الأمة القبلة التي هي القبلة‏.‏ وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس أنه كان يقرأ ‏{‏ولكل وجهة هو مولاها‏}‏ ‏.‏ وأما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏فاستبقوا الخيرات‏}‏ الآية. أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏فاستبقوا الخيرات‏}‏ يقول‏:‏ لا تغلبن على قبلتكم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي زيد في قوله ‏ {‏فاستبقوا الخيرات‏} ‏ قال‏:‏ فسارعوا في الخيرات {‏أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً‏} ‏ قال‏:‏ يوم القيامة‏.‏ وأخرج البخاري والنسائي والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته‏‏ ".

ابو السعود

تفسير : {وَلِكُلّ} أي ولكل أمةٍ من الأمم، على أن التنوين عوضٌ من المضاف إليه {وِجْهَةٌ} أي قِبلة وقد قرىء كذلك أو لكل قومٍ من المسلمين جانبٌ من جوانب الكعبة {هُوَ مُوَلّيهَا} أحدُ المفعولين محذوفٌ أي موليها وجهَه أو الله موليها إياه وقرىء ولكلِّ وِجهةٍ بالإضافة والمعنى ولكلَ وجهةٌ الله مولِّيها أهلَها واللام مزيدة للتأكيد وجبرِ ضعفِ العامل، وقرىء مولاها أي مَوْلىٰ تلك الجهةِ قد وَلِيهَا {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي تسابقوا إليها بنزع الجار كما في قوله: شعر : ثنائي عليكم آلَ حربٍ ومنْ يمِل سواكم فإني مهتدٍ غيرُ مائلِ تفسير : وهو أبلغَ من الأمر بالمسارعة لما فيه من الحث على إحراز قصَبِ السبْقِ والمرادُ بالخيرات جميعُ أنواعِها من أمر القِبلة وغيرِه مما يُنال به سعادةُ الدارين أو الفاضلاتُ من الجهات وهي المسامتة للكعبة {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا} أي في أيّ موضعٍ تكونوا من موافِقٍ أو مخالفٍ مجتمعِ الأجزاء أو متفرقِها يحشُرُكم الله تعالى إلى المَحْشَر للجزاء، أو أينما تكونوا من أعماق الأرضِ وقُلل الجبال يقبضُ أرواحَكم، أو أينما تكونوا من الجهات المختلفةِ المتقابلةِ يجعلُ صلواتِكم كأنها صلاةٌ إلى جهة واحدة {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ} فيقدِر على الإماتة والإحياء والجمعِ، فهو تعليل للحكم السابق {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} تأكيدٌ لحكم التحويل وتصريحٌ بعدم تفاوت الأمرِ في حالتي السفر والحضَر ومنْ متعلقة بقوله تعالى: {فَوَلّ} أو بمحذوفٍ عُطف هو عليه أي من أيِّ مكان خرجت إليه للسفر فولِّ {وَجْهَكَ} عند صلاتك {شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أو افعل ما أُمرت به من أي مكانٍ خرجت إليه فول الخ {وَأَنَّهُ} أي هذا الأمرَ {لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ} أي الثابتُ الموافق للحِكمة {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} فيجازيكم بذلك أحسنَ جزاءٍ فهو وعدٌ للمؤمنين وقرىء يعملون على صيغة الغيبة فهو وعيد للكافرين {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} إليه في أسفارك ومغازيك من المنازل القريبةِ والبعيدةِ {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} الكلام فيه كما مر آنفاً {وحيثما كُنتُمْ} من أقطار الأرضِ مقيمين أو مسافرين حسبما يُعربُ عنه إيثارُ (كنتم) على خرجتم فإن الخطابَ عامٌ لكافة المؤمنين المنتشرين في الآفاق من الحاضرين والمسافرين، فلو قيل: وحيثما خرجتم لما تناول الخطابُ المقيمين في الأماكن المختلفة من حيث إقامتُهم فيها {فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ} من مَحالِّكم {شَطْرَهُ} والتكريرُ لما أن القِبلةَ لها شأنٌ خطير، والنسخُ من مظانِّ الشبهةِ والفتنة فبالحَريِّ أن يؤكَّد أمرُها مرة بعد أخرى مع أنه قد ذُكر في كل مرة حِكمةٌ مستقلة {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} متعلقٌ بقوله تعالى: {فَوَلُّواْ} [البقرة، الآيتان 144 - 150] وقيل: بمحذوفٍ يدل عليه الكلامُ كأنه قيل: فعلنا ذلك لئلا الخ والمعنى أن التوليةَ عن الصخرة تدفع احتجاجَ اليهود بأن المنعوتَ في التوراة من أوصافه أنه يحوِّلُ إلى الكعبة، واحتجاجُ المشركين بأنه يدَّعي ملةَ إبراهيمَ ويخالف قِبلتَه {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} وهم أهلُ مكةَ، أي لئلا يكونَ لأحد من الناس حجةٌ إلا المعاندين منهم الذين يقولون ما تحوَّلَ إلى الكعبة إلا مَيْلاً إلى دين قومِه وحباً لبلده أو بَدا لَهُ فرجَع إلى قِبلةِ آبائِه، ويوشك أن يرجِعَ إلى دينهم. وتسميةُ هذه الكلمةِ الشنعاءِ حجةً مع أنها أفحشُ الأباطيل من قبـيل ما في قوله تعالى: {أية : حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ } تفسير : [الشورى، الآية 16] حيث كانوا يسوقونها مَساقَ الحُجة، وقيل: الحجةُ بمعنى مطلقِ الاحتجاجِ، وقيل: الاستثناءُ للمبالغة في نفي الحُجة رأساً كالذي في قوله: [الطويل] شعر : ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهم بهنَّ فُلولٌ من قراعِ الكتائبِ تفسير : ضرورةَ أن لا حجةَ للظالم، وقرىء (أَلا الذين) بحرف التنبـيه على استئنافِ {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} فإن مطاعنَهم لا تضرُكم شيئاً {وَٱخْشَوْنِى} فلا تخالفوا أمري {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} علةُ محذوفٍ يدل عليه النظمُ الكريم أي أمرتُكم بما مرَّ لإتمامي للنعمةِ عليكم لما أنه نعمةٌ جليلة ولإرادتي لما أنه صراطٌ مستقيم مؤدٍّ إلى سعادة الدارين، كما أشير إليه في قوله عز وجل: {أية : يَهْدِى مَن يَشَآء إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [البقرة، الآية 142، 213. وسورة يونس، الآية 25. وسورة النور، الآية 46] وفي التعبـير عن الإرادة بكلمةِ لعل الموضوعةِ للترجّي على طريقة الاستعارةِ التبعية - من الدلالة على كمال العنايةِ بالهداية - ما لا يخفىٰ، أو عطفٌ على علةٍ مقدرة، أي واخشوني لأحفظَكم عنهم وأتم الخ أو على قوله تعالى: لئلا يكونَ الخ وتوسيطُ قوله تعالى: فلا تخشَوْهم الخ بـينهما للمسارعة إلى التسلية والتثبـيت، وفي الخبر: "تمامُ النعمةِ دُخولُ الجنة" وعن عليٍّ رضي الله عنه: "تمامُ النعمةِ الموتُ على الإسلام"

التستري

تفسير : {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا}[148] أراد أن الله تعالى يولي أهل كل ملة إلى الجهة التي يشاء.

القشيري

تفسير : الإشارة منه: أنَّ كل قوم اشتغلوا عنَّا بشيءٍ حَالَ بينهم وبيننا، فكونوا أنتم أيها المؤمنون لنا وبنا، وأنشد بعضهم: شعر : إذا الأشغالُ أَلْهَوْني عنك بشُغْلِهم جعلتك أشغالي فأَنْسَيْتَني شُغْلي

البقلي

تفسير : {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً} اى ولكل روح منهاج وقبله معارج في وجود الذات وحقيقة الصفات فعين العيان قبله الارواح البقائية وانوار المشاهدة هى قبلة الارواح الشائقة وحسن الصفات هو قبله ارواح الموانسة ونفخات بساتين الغيب هى قبله الارواح الروحانية هوموليها اى تلك الروح الرحمانية هى قاصدة اياها بجناح الشوق مجذوبة بجيال العشق الى معدن الالويهة الصمدية ولكم واحدة منها مطلبع ومنبع فبعضها والهات وبعضها عاشقات وبعضها مونسات وبعضها فانيات وبعضها باقيات وبعضها صاحيات وبعضها ساكرات من هول المقامات وكشف المشاهدات وبروز المعائنات وادراك المغيبات فاستبقوا الخيرات خاطب بهذا اهل الاستقامة اى سارعوا صرف الانانية فانه اعلى الدرجات لانهن اعنى ارواح اهل الوسائط في حلى الارادات وانتم اهل النهايات اينما تكونوا نوايات بكم الله جميعا اى ارواح خواص اهل المعرفة ورواح السائرة فى ميادين الازلية ياتى بهن الله جميعاً بعد محوالاردات واضمحلال الرسومات في سرادق البقاء ويسقى كل روح من الارواح بكاس اصفاء شراب الوصال ويكشف لها جمال الحق حتى يكونوا هناك جميعاً في عميم العطاء {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قادر على ان ينشق ارواح السابقين والمتصدين روائح غير الانانية ونسيم ورد الوحدانية في مقلم الاستقامة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولكل} اى لكل امة من الامم اعنى المسلمين واليهود والنصارى {وجهة} اى قبلة وجهة {هو} راجع الى كل {موليها} اى محول وموجه الى تلك الجهة وجهه فقبلة كل امة من اهل الاديان المختلفة مغايرة لقبلة الامة الاخرى {فاستبقوا الخيرات} اى الى الخيرات بنزع الجار والمراد جميع انواع الخيرات من امر القبلة وغيره مما ينال به سعادة الدارين والمعنى لكل امه قبلة يتصلبون فى التوجه اليها بحيث لا ينصرفون عنها الى القبلة الحق وان اتيتهم بكل آية دالة على ان القبلة هى الكعبة واذا كان الامر كذلك فاستبقوا انتم وبادروا الى الفعلات الخيرات وهى ما ثبت انه من الله تعالى ولا تقتفوا اثر المكابرين المستكبرين الذين يتبعون اهواءهم ويلقون الحق وراء ظهورهم فانهم يستبقون الى الشر والفساد اذ ليس بعد الحق الا الضلال. قال بعض اهل الحقيقة معناه كل قوم اشتغلوا بغيرنا عنا واقبلوا على غيرنا فكونوا معاشر العارفين لنا واشتغلوا بنا عن غيرنا فان مرجعكم الينا كما قال تعالى {أينما} اى فى أى موضع {تكونوا} انتم واعداؤكم {يأت بكم الله جميعا} يحشركم الله الى المحشر للجزاء ويفصل بين المحق والمبطل فهو وعد لاهل الطاعة ووعيد لاهل المعصية {إن الله على كل شىء قدير} فيقدر على الامانة والاحياء والجمع.

ابن عجيبة

تفسير : {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ...} قلت: التنوين {لكل} تنوين العوض، أي ولكل أمة قبلة، أو لكل قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة، و {وجهة} مبتدأ، والخبر: المجرور قبله. و {هو} مبتدأ، و {موليها} خبر مقصور، و (ولّى) يتعدى إلى مفعلوين، وهو هنا محذوف، أي: موليها وجهه إن كان الضمير يعود على المضاف المحذوف، وهو هنا محذوف، أي: موليها وجهه إن كان الضمير يعود على المضاف المحذوف، ويحتمل أن يعود على الله تعالى، أي: الله تعالى موليها إياه، أي: يجعلها موالية له إن استقبل جهتها. وقرأ ابن عامر: {هو مُوَلاَّها} بالبناء للمفعول، فالنائب ضمير يعود على {هو}، وهو المفعول الأول، والثاني: المضاف إليه تخفيفاً، وأصله: مُلي إياها، أي مصروفاً إليها. يقول الحقّ جلّ جلاله: ولكل فريق من المسلمين جهة من الكعبة يستقبلها ويوليها وجهه، أينما كان وحيثما حل، فأكثروا من الصلوات، واستقبلوا الخيرات قبل هجوم هادم اللذات، {أينما تكونوا} في مشارق الأرض ومغاربها، يأتكم الممات، ويأت بكم إلى المحشر حُفاة عراة، ولا ينفعكم حنيئذٍ إلا صالح عمل قدمتوه، أو فعل خير أسلفتموه، {إن الله على كل شيء قدير}، فلا يعجزه بعث العباد، ولا جمعهم من أعماق الأرض وأقطار البلاد. وإذاعلمت أن لكل قوم جهة يستقبلونها، فمن {حيث خرجت} وفي أي مكان حللت {فولّ وجهك شكر المسجد الحرام}، والله {إنه للحق من ربك} فبادر إلى امثاله، {وما الله بغافل عما تعملون} من خير أو شر، فيجازي كل واحد على ما أسلف. ثم كرّر الحق تعالى الأمر بالتوجه إلى الكعبة لعلة أخرى سيذكرها، فقال: {ومن حيث خرجت فوّل وجهك شطر المسجد الحرام} وحيثما حللتم {فولّوا وجوهكم شطره}. قال البيضاوي: كرر هذا الحكم لتعدد علله، فإنه تعالى ذكر للتحول ثلاث علل: تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بابتغاء مرضاته، وَجَرت العادة الإلهية على أن يُولِّي أهل كل ملة وصاحب دعوة وجهة يستقبلها ويتميز بها، ودفع حجج المخالفين على ما بينه، وقرن كل علة بمعلولها، مع أن القبلة لها شأن، والنسخ من مظان الفتنة والشبهة، فبالحَرِيِّ أن يُؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى. هـ. ثم ذكر العلّة الثالثة وهي دفع الحجج المخالفين، فقال: {... لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} قلت: الاستثناء من {الناس} أي: لئلا يكون لأحد من الناس حجة عليكم إلا المعاندين منهم، و {لأتم} متعلق بمحذوف، أي: ولإتمام نعمتي عليكم وإرادة اهتدائكم أمرتكم بالتحول، أو معطوف على محذوف؛ أي: واخشوني لأحفظكم ولأتم نعمتي عليكم. يقول الحقّ جلّ جلاله: وإنما أمرتكم بالتوجه إلى الكعبة دون الخصرة لتدفع حجج الناس، فإن اليهود ربما قالوا: المنعوت في التوراة قبلته الكعبة، وهذا يستقبل الصخرة، أو إن محمداً يخالف ديننا ويستقبل قبلتنا. والمشركون ربما قالوا: يدعي ملّة إبراهيم ويخالف قبلته، فأمرتكم باستقبال القبلة دفعاً لحجج الناس، إلا المعاندين منهم فلا ينقطع شغبهم، فإنهم يقولون: ما تحول إلى الكعبة إلا مَيلاً إلى دين قومه، وحبّاً لبلده، أو بَدَا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم. فلا تخافوهم ولا تلتفتوا إلى مَطاعنهم، فإنها لا تضركم، {واخشوني} أكْفكم شرهم، فإن مَن خافني خاف منه كل شيء، ومَن لم يخشني خاف من كل شيء، وأمرتكم أيضاً بالتوجه إلى قبلة جدكم {لأتم نعمتي عليكم} بإقرار عين نبيكم، وإرادة اهتدائكم، فاشروا ما أوليتكم، واذكروا ما به أنعمت عليكم أزدكم من فضلي وإحساني، وأسبغ عليكم إنعامي وامتناني. الإشارة: من حكمة المدبر الحكيم أن دبر ملكه العظيم، ووجه كل فرقة بوجهه من مصالح عباده، أفناه فيها وولاه إياها. فقوم اختصهم لمحبته واصطفاهم لحضرته؛ وهم العارفون، وقوم أقامهم لخدمته وأفناهم في عبادته؛ وهم العباد والزهاد، وقوم أقامهم حمل شريعته وتمهيد دينه؛ وهم العلماء العاملون، وقم أقامهم لحفظ كتابه رسماً وتلاوة وتفهماً؛ وهم القرّاء والمفسرون، قال تعالى:{أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحِجر: 9]، وقوم أقامهم لتسكين الفتن ودفع المظالم والمحن؛ وهم الحكام ومَن يستعان بهم في تلك الوجهة، وقوم أقامهم لحفظ نظام الحكمة؛ وهم القائمون بالأسباب الشرعية على اختلاف أنواعها وتعدد فروعها، وقوم أعدهم لظهور حلمه وعفوه فيهم؛ وهم أهل المعاصي والذنوب، وقم أعدم للانتقام وظهور اسمه القهار؛ وهم أنواع الكفار. فكل وجهة من هؤلاء توجهت لحق شرعي أقامتها القدرة فيه، وحَكم بها القضاء والقدر، إلا أن القسمين الأخيرين لا تقررهما الشريعة. فلو حسنت المقاصد لكان الكل عُمالاً لله، فيقال لهم: {استبقوا الخيرات} بتحسين المقاصد والنيات، وبادروا إلى الطاعات قبل هجوم هادم اللذات، أينما تكونوا يجمعكم للحساب، وتُعاينوا جزاء ما أسلفتم من عذاب أو ثواب،ومن حيث خرجت أيها العارف فولِّ جهتك وكليتك لمسجد الحضرة باستعمال الفكرة والنظرة، فإنها حق وما سواها باطل، كما قال الشاعر: شعر : ألا كُلُّ شيء مَا خَلاَ اللّهَ باطلُ وكُلُّ نَعِيمٍ لاَ مَحَالَةَ زائلُ تفسير : وحيثما كنتم أيها العارفون فولّوا وجوهكم إلى قبلة تلك الحضرة، واعبدوا ربكم بعبادة الفكرة، فإنها صلاة القلوب، ومفتاح ميادين الغيوب، وفي ذلك يقول القائل: شعر : يَا قِبْلَتِي في صَلاَتِي إذَا وقَفْتُ أصَلِّي جَمَالُكم نُصْبَ عَيْنِي إليهِ وَجَّهْتُ كُلِّي تفسير : فإذا تحققتم بهذه الحضرة، وتحصنتم بحصن الشهود والنظرة، انقطع عنكم حجج خصيم النفس والجنس، وتنزهتم في رياض القرب والأنس، إلا الخواطر التي تحوم على القلوب، فلا تقدح في مشاهدة الغيوب، فلا تخافوا غيري، ولا تتوجه همتكم إلا لإحساني وبرَّي؛ فإني أتم عليكم نعمتي، وأرشدكم إلى كمال معرفتي، وأتحفكم بنصري ومعونتي.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ ابن عامر وابو بكر عن عاصم (مولاها). وروي ذلك عن ابن عباس ومحمد بن علي، فجعلا الفعل واقعاً عليه. والمعنى واحد، كذا قال الفراء. المعنى: وفي قوله: {ولكل وجهة هو موليها} أقوال: أحدهما - قال مجاهد، والربيع، وابن زيد، وابن عباس، والسدي: أن لكل أهل ملة من اليهود والنصارى. الثاني - قال الحسن: إن لكل نبي وجهة واحدة: وهي الاسلام وان اختلف الاحكام كما قال: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} اي في شرائع الانبياء. الثالث - قال قتادة: هو صلاتهم الى بيت المقدس، وصلاتهم الى الكعبة. الرابع - ان لكل قوم من المسلمين وجهة، من كان منهم وراء الكعبة وقدامها أو عن يمينها أو عن شمالها، وهو الذي اختاره الجبائي. والوجهة قيل فيه قولان: احدهما - انه قبلة. ذهب اليه مجاهد، وابن زيد. الثاني قال الحسن: هو ما شرعه الله لهم من اسلام. وفي (جهة) ثلاث لغات: وجهة، وجهة، ووجه. وإنما أتم لانه اسم لم يجيء على الفعل. ومن قال: جهة. قال المبرد: جاء به على قولهم وجهني، ووجهته. ومعنى {موليها} مستقبلها - في قول مجاهد وغيره. كأنه قال: مول إليها، لان ولى اليه نقيض ولى عنه. كقولك: انصرف اليه: وانصرف عنه. وقوله {هو} عائد - على قول اكثر المفسرين - إلى كل. وقال قوم يعود على اسم الله حكاهما الزجاج. و {الخيرات} هي الطاعات لله - على قول ابن زيد وغيره - وقوله: {يأت بكم الله جميعاً} يعني يوم القيامة - من حيث ما متم من بلاد الله - وهو قول السدي، والربيع وقد روي {ولكل وجهة} مضاف غير منون - وذلك لا يجوز، لانه يكون الكلام ناقصاً، لا معنى له ولا فائدة فيه. وقوله: {استبقوا} يحتمل معنيين: احدهما - بادروا إلى ما أمرتم به مبادرة من يطلب السبق اليه. الثاني - قال الربيع: سارعوا الى الخيرات. وهو الاولى، لانه أعم. اللغة: والاستباق، والابتدار، والاسراع نظائر. قال صاحب العين: السبق: القدمة في الجري وفي كل أمر. تقول: له في هذا الامر سبقة، وسابقة وسبق: أي سبق الناس اليه. والسبق الخطر الذي يوضع بين اهل السباق، وجمعه اسباق. والسباقان في رجل الطائر الجارح قيداه من خيط أو سير. واصل الباب السبق: التقدم في الامر.

اطفيش

تفسير : {ولِكل وجِْهةٌ}: أى ولكل أمة أو فريق قضى الله أن تخالف الأخرى قبلة تتوجه إليها فى صلاتها ونحوها، وأنتم يا معشر اليهود والنصارى، الذين أدركتم بعثة محمد رسول الله، صلى الله عليهِ وسلم، من أمته، فالواجب عليكم استقبال الكعبة، فإن كل من أدركته بعثته، صلى الله عليه وسلم، فهو من أمته، كما أن قبلة اليهود قبلها صخرة بيت المقدس، وقبلة النصارى مشرق الشمس، وقبلة الأنبياء من قبل ذلك الكعبة، وكذلك أقوامهم فيعدون أمة واحدة، تقابل الكعبة، ولو قبل بناء إبراهيم لها، لأن قبلة واحدة جمعتهم واليهود أمة قبلتهم الصخرة، والنصارى أمة قبلتهم المشرق، ومن أدرك بعثة سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، من الناس كلهم أمة قبلتهم الكعبة، وافقوا أو عاندوا، ولك أن تقول: لكل أمة نبى قبلة وافقت قبلة غيرها أو خالفت، وقيل المعنى ولكل أهل جهة من الآفاق من المسلمين وجهة من الكعبة يصلون إليها، وظهر لى وجه آخر أن المعنى لكل أهل جهة أسلموا أو كفروا وجهة من الكعبة يجب عليهم استقبالها، فإن الواجب على جميع الكفار أن يؤمنوا به صلى الله عليه وسلم بعد البعثة، ويستقبل الكعبة، والوجه الأول ما حام أحد حوله غيرى. والثالث مأخوذ من القول قبله، وفيه الوجهة المنهاج والشرع، قال جل جلاله: {أية : لِكلٍّ جَعلْنا مِنْكم شِرعةً ومِنْهاجاً} تفسير : فالمعنى لكل أمة دين، ومن توافقت من الأمم فهى أمة واحدة، باعتبار الوفاق، فالواجب على من أدركته البعثة من اليهود والنصارى وغيرهم أن يكونوا على دين الإسلام، ومنه استقبال الكعبة، أو لكل أمة دين وافق دين الأخرى أو خالفه، والجمهور على تفسير الوجهة بالقبلة وهو الصحيح المناسب لما بعده وما قبله، فإن بعد ذلك {أية : ومِنْ حيث خَرجْتَ فَولِّ وَجْهك شطر المسجد الحرام}،تفسير : وهو قول مجاهد كابن عباس، وعليه فالوجهة فعلة بمعنى مفعول، أى جهة متوجه إليها، ولك وجه آخر هو أن الوجهة فعلة للهيئة كالجلسة (بالكسر) أى حالة يتوجه بها إلى الكعبة، ويدل لمذهب الجمهور قراءة أبى ولكل قبلة. {هُوَ مُولِّيها}: لفظ هو عائد إلى الفريق المحذوف بعد كل المعوض عنه تنوين كل، باعتبار لفظه، أو باعتبار آحاده، أو إلى الأمة باعتبار آحادها، أو إلى لفظ كل، و (ها) مفعول ثان، والأول محذوف مؤخر، أى هو موليها نفسه، وهو مروى عن ابن عباس وغيره، أو هو موليها نفسه، وإنما قلت الأول النفس أو الوجه، لأنهُ فاعل معنى، لأنه قال، و (ها) عائدة للوجهة وهى متلوة، ويجوز عود لفظ هو إلى الله، جل وعلا، أى الله موليها كل أمة، أو كل فريق أو كل واحد، فالمحذوف ثان أيضا، وجملة هو موليها نعت وجهة، وقرئ ولكل وجهة بإضافة كل إلى وجهة، فلكل وجهة بالإضافة خبر، والمبتدأ محذوف أى لكل جهة أهل أو ناس أو أمة أو فريق أو نحو ذلك. ويجوز كون اللام زائدة فى هذه القراءة، وكل مبتدأ، وجملة هو موليها خبر فيكون على هذا عائدة إلى كل لوقوعه على الوجهة، والابتداء عامل ضعيف، فقوى بالحرف المأتى به للتأكيد، أو اللام زائدة للتأكيد وتقوية العامل الضعيف، لكونه وصفا على الاشتغال، أى هو مول لكل وجهة موليها، أو لكونه وصفا ومتأخراً، أى هو لكل وجهة مول هو موليها، أو اللام غير زائدة، بل متعلقة باستبقوا، فيكون المزيد على هذا الاحتمال فاء فاستبقوا. وقرأ ابن عامر: هو مولاها (بفتح اللام مشددة) كذلك، على أن لفظ هو عائد إلى الفريق أو غيره مما ذكر غير الله سبحانه وتعالى، فيكون الضمير المستتر فى مولى النائب عن الفاعل هو المفعول الأول عائد إلى ما عاد إليه لفظ هو، فى هذه القراءة، و (ها) مفعول ثان لكن مضاف إليها، كقولك الخير أنت معطاه، والتولية الجعل تالياً. {فاسْتَبقُوا الخَيْرات}: بادروا يا معشر المؤمنين واليهود والنصارى وغيرهم الخصال الحسنة الدينية والدنيوية، كاستقبال القبلة والصلاة أول الوقت وغير ذلك من العبادات الواجبة والندبية، والآية ونحوها دليل على أن أول الوقت أفضل إلا الفجر مطلقا والعشاء شتاء، وإلا أربع ركعات تصلى من السنة قبل الظهر، فإن من صلاهن أول الوقت، ثم الظهر أفضل ممن يصلى الظهر أول الوقت، ومن تأخر عن أول الوقت فالأولى البدءُ بالظهر، وفى القواعد للشيخ إسماعيل الجيطالى رحمة الله: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يصلى أربعا بعد الزوال، فيطيل فيهن، ويروى عنه أنه قال: "حديث : من صلاهن تماما يلى معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى الليل". تفسير : وروى ابن المبارك فى رقائقه بسند، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من فتح له باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدرى متى يغلق عليه" تفسير : ويجوز أن يكون المراد بالخيرات الجهات الفاضلات، وهى التى على سمة الكعبة، ويجوز أن يكون المعنى لكل أمة قبلة شرقية أو غربية جنوبية أو شمالية، أضلوا فيها أو أصابوا، فاستبقوا أنتم معشر المؤمنين الجهات المقابلة للكعبة من كل أفق، ودعوا اليهود والنصارى على زيغهم، إذ أمروا بالإيمان واستقبال القبلة فلم يقبلوا. {أيْنَ ما تكُونُوا يَأتِ بِكُم الله}: أين اسم شرط لتعميم الأمكنة متعلق بمحذوف خبر تكون، أو متعلق بتكونوا على أنها لا خبر لها، وما لتأكيد العموم، أى أينما تكونوا بعد الموت يأت بكم الله إلى المحشر للجزاء يوم تبعثون. {جَميعاً}: لا يبقى منكم واحد موافق للحق أو مخالف له، ولا بعض واحد متفرق الأجزاء أو مجتمعها، فيعاقب اليهود والنصارى على مخالفة الحق وإنكار القبلة وغيرهم من كل مخالف للحق، ويثيب المطيع فى أمر القبلة وغيرها، ويجوز أن يكون المعنى أين ما تكونوا من المواضع المتسفلة والمرتفعة من الأرض والجبال، ومن السهلة والحزنة، يقبضكم الله جميعاً بالإماتة إلى دار الجزاء والعقاب، المؤمنين والمشركين من اليهود والنصارى وغيرهم، ويجوز أن يكون المعنى أينما تكونوا معشر المؤمنين من المواضع المسامنة للكعبة، يجعل صلاتكم كأنها إلى جهة واحدة، لأن الكعبة تشملها. {إنَّ اللهَ عَلَى كلِّ شَئٍ قَديرٌ}: فهو قادر على الإماتة والإحياء والبعث والثواب والعقاب.

اطفيش

تفسير : {وَلِكُلٍّ} من الأمم {وِجْهَةٌ} جهة، أو لكل أهل ملة، أو لكل جماعة من المسلمين واليهود والنصارى، أو لكل قوم من المسلمين جهة من الكعبة، جنوبية، أو شمالية، أو شرقية، أو غربية، يتوجه إليها بالاستقبال فى الصلاة ونحوها، أو لكل من الأمم، توجه مصدر شاذ، إذ هو فلعة بكسر الفاء، ثبتت فاؤه واو، أو وجهة ملة تقصد {هُوَ} أى للكل، أو الله {مُوَلِّيهَا} وجهة، فالمفعول الثانى محذوف، أى يجعل وجهه تاليا لها، أو يوليها ملتها، والمعنى، أنهم لا يتركون قبلتهم، ولا ملتهم، فذلك كالفذلكة لقوله: ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم، وما بعضهم بتابع قبلة بعض، وليس المراد أن الله أباح لهم ذلك، بل الله يعاقب كل أمة خالفت نبيها، فيعاقب الله اليهود والنصارى وغيرهم الذين أدركتهم بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالفوه فى القبلة وغيرها، إلا من لم يبلغه الخبر فيعذر، إن كان على دين غير منسوخ، أو لم يبلغه نسخه {فَاسْتَبِقُواْ} أيها المؤمنون، أو أيها المكلفون، وهو من الافتعال بمعنى التفاعل، أى ليعالج كل منكم أن يسبق الآخر لرضى الله وثوابه، كالصلاة فى أول الوقت، واستقبال عني القبلة لا عناداً للآخر، أو حسداً أو كبر، وهو متعد ولازم، فتقدر إلى {الْخَيْرَٰتِ} الأمور الحسنة، اعتقاداً وقولا وفعلاً من أمر القبلة وغيرها، أو الخيرات الكعبة، جمعا لجمعها كل خير، أو للتعظيم، أو الجهات الفاضلة لكونها على سمت الكعبة، فيكون الخطاب للمؤمنين، أو للمكلفين من أهل الآفاق لتعذر مقابلة الكعبة جزما، والخيرات جمع خير، أو خيرة بشد الياء، أو بالتخفيف، تقول، أمر خير، وخصلة خيرة، أو جمع خير اسم تفضيل خارجاً عن بابه، أو باقياً لأن الأفقى يجيز فى استقبال وجهين أو أكثر، فيختار أقواها عنده، ولأن المخطىء يدعى أن ما هو عليه حسن، وعلى دعواه هذا الذى عليه محمداً حسن {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ} فى موضع خفى أو ظاهر، فى بر أو بحر {يَأْتِ بِكُمُ اللهُ} يصيركم الله آتين {جَمِيعاً} يوم القيامة للجزاء بأعمالكم، وذلك حث على الاستباق، كقوله تعالى: "أية : يَا بُنَيَّ إِنها إن تك مثقالَ حبة من خردل فتكن فى صخرة أو فى السمٰوٰت أو في الأرض يأت بها الله" تفسير : [لقمان: 16] أو يمتكم، كقوله تعالى: "أية : أينما تكونوا يدرككم الموت" تفسير : [النساء: 78] أو يأتى بكم إماتة وحشرا، أو يجمع صلواتكم فى الآفاق من جهات الكعبة، كصلاة واحدة إلى جهة فى القبول، كأنها إلى عين القبلة، أو فى المسجد الحرام، فيأت بكم مجاز عن جعل الصلاة متحدة الجهة {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ} من الإماتة والإحياء والحشر وغير ذلك {قَدِيرٌ}.

الالوسي

تفسير : {وَلِكُلّ وِجْهَةٌ} أي لكل أهل ملة أو جماعة من المسلمين واليهود والنصارى، أو لكل قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية، وتنوين ـ كل ـ عوض عن المضاف إليه و ـ وجهة ـ جاء على الأصل والقياس جهة مثل عدة وزنة وهي مصدر بمعنى المتوجه إليه كالخلق بمعنى المخلوق وهو محذوف الزوائد لأن الفعل توجه أو اتجه، والمصدر التوجه أو الاتجاه، ولم يستعمل منه وجه كوعد، وقيل: إنها اسم للمكان المتوجه إليه فثبوت الواو ليس بشاذ. وقرأ أبـيّ ـ ولكلّ قبلة ـ {هُوَ مُوَلّيهَا} الضمير المرفوع عائد إلى ـ كل ـ باعتبار لفظه، والمفعول الثاني للوصف محذوف أي وجهه أو نفسه أي مستقبلها، ويحتمل أن يكون الضمير لله تعالى أي ـ الله موليها ـ إياه، وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ {وَلِكُلّ وِجْهَةٌ} بالإضافة، وقد صعب تخريجها حتى تجرأ بعضهم على ردها وهو خطأ عظيم، وخرجها البعض أن ـ كل ـ كان في الأصل منصوباً على أنه مفعول به لعامل محذوف يفسره {مُوَلّيهَا} وضمير {هُوَ} عائد إلى الله تعالى قطعاً ثم زيدت اللام في المفعول به صريحاً لضعف العامل المقدر من جهتين، كونه اسم فاعل وتقديم المعمول عليه والمفعول الآخر محذوف ـ أي لكل وجهة الله مولى موليها ـ وردّ بأن لام التقوية لا تزاد في أحد مفعولي المتعدي لاثنين، لأنه إما أن تزاد في الآخر ولا نظير له، أو لا فيلزم الترجيح بلا مرجح، وإن أجيب بإطلاق النحاة يقتضي جوازه، والترجيح بلا مرجح مدفوع هنا بأنه ترجح بتقديمه. وقيل: إن المجرور معمول للوصف المذكور على أنه مفعول به له واللام مزيدة، أو أن الكلام من باب الاشتغال بالضمير، ولا يخفى أن هذين التخريجين يحوج أولهما: إلى إرجاع الضمير المجرور بالوصف إلى التولية، وجعله مفعولاً مطلقاً كقوله:شعر : هذا سراقة للقرآن يدرسه تفسير : لئلا يقال: كيف يعمل الوصف مع اشتغاله بالضمير، وثانيهما: إلى القول: بأنه قد يجىء المجرور من باب الاشتغال على قراءة من قرأ {أية : وَٱلظَّـٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ }تفسير : [الانسان: 31] والقول: بأن اللام أصلية، والجار متعلق ـ بصلوا ـ محذوفاً أو باستبقوا والفاء زائدة بعيد بل لا أكاد أجيزه، وقرأ ابن عامر، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ مولاها ـ على صيغة اسم المفعول ـ أي هو قد ولى تلك الجهة ـ فالضمير المرفوع حينئذٍ عائد/ إلى كل البتة، ولا يجوز رجوعه إلى الله تعالى لفساد المعنى، وأخرج ابن جرير وابن أبـي داود في «المصاحف» عن منصور قال: نحن نقرأ ـ ولكل جعلنا قبلة يرضونها ـ. {فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرٰتِ} جمع خيرة بالتخفيف وهي الفاضلة من كل شيء، والتأنيث باعتبار الخصلة، واللام للاستغراق فيعم المحلى أمر القبلة وغيره، والخطاب للمؤمنين، والاستباق متعد كما في «التاج»، وقيل: لازم، و (إلى) بعده مقدرة أي إذا كان كذلك فبادروا أيها المؤمنون ما به يحصل السعادة في الدارين من استقبال القبلة وغيره ولا تنازعوا من خالفكم إذ لا سبيل إلى الاجتماع على قبلة واحدة لجرى العادة على تولية كل قوم قبلة يستقبلها، وفي أمر المؤمنين بطلب التسابق فيما بينهم كما قال السعد: دلالة على طلب سبق غيرهم بطريق الأولى، وقيل: الاقتصار على سبق بعضهم إشارة إلى أن غيرهم ليس في طريق الخير حتى يتصور أمر أحد بالسبق إلى الخير عليه، ويجوز أن تكون (اللام) للعهد فالمراد بالخيرات الفاضلات من الجهات التي تسامت الكعبة، وفيه إشارة إلى أن الصلاة إلى عين الكعبة أكثر ثواباً من الصلاة التي جهتها، وقيل: يحتمل أن يراد بها الصلوات الفاضلات، والمراد ـ بالاستباق ـ السرعة فيها والقيام بها في أول أوقاتها، وفيه بعد، وأبعد منه ما قيل: إن المعنى ـ فاستبقوا قبلتكم ـ وعبر عنها بالخيرات إشارة إلى اشتمالها على كل خير. واستدل الشافعية بالآية على أن الصلاة في أول الوقت بعد تحققه أفضل وهي مسألة فرغ منها في الفروع، ولبعض العارفين في الآية وجه آخر وهو أنه تعالى جعل الناس في أمور دنياهم وأخراهم على أحوال متفاوتة، فجعل بعضهم أعوان بعض فواحد يزرع وآخر يطحن وآخر يخبز، وكذلك في أمر الدين، واحد يجمع الحديث وآخر يحصل الفقه وآخر يطلب الأصول، وهم في الظاهر مختارون، وفي الباطن مسخرون، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل ميسر لما خلق له»تفسير : ولهذا قال بعض الصالحين لما سئل عن تفاوت الناس في أفعالهم: كل ذلك طرق إلى الله تعالى أراد أن يعمرها بعباده ومن تحرى وجه الله تعالى في كل طريق يسلكه وصل إليه لكن ينبغي تحري الأحسن من تلك الطرق إذ المراتب متفاوتة والشؤون مختلفة ومظاهر الأسماء شتى، وقيل: المراد بها أن لكل أحد قبلة فقبلة المقربين العرش. والروحانيين الكرسي والكروبيين البيت المعمور. والأنبياء قبلك بيت المقدس وقبلتك الكعبة، وهي قبلة جسدك، وأما قبلة روحك فأنا، وقبلتي أنت كما يشير إليه «حديث : أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي»تفسير : . {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا} (أين) ظرف مكان تضمن معنى الشرط، و {مَا} مزيدة، و {يَأْتِ} جوابها والمعنى في أي موضع تكونوا من المواضع الموافقة لطبعكم كالأرض أو المخالفة كالسماء أو المجتمعة الأجزاء كالصخرة أو المتفرقة التي يختلط بها ما فيها كالرمل يحشركم الله تعالى إليه لجزاء أعمالكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر، والجملة معللة لما قبلها، وفيها حث على الاستباق بالترغيب والترهيب وهي على حد قوله تعالى: {أية : يٰبُنَىَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ أَوْ فِى ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ }تفسير : [لقمان: 16] أو في أي موضع تكونوا من أعماق الأرض وقلل الجبال يقبض الله تعالى أرواحكم إليه فهي على حد قوله تعالى: {أية : أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ }تفسير : [النساء: 78] ففيها حث على الاستباق باغتنام الفرصة فإن الموت لا يختص بمكان دون مكان، أو أينما تكونوا من الجهات المتقابلات يمنة ويسرة وشرقاً وغرباً يجعل الله تعالى صلاتكم مع اختلاف جهاتها في حكم صلاة متحدة الجهة كأنها إلى عين الكعبة أو في المسجد الحرام ـ فيأت بكم ـ مجاز عن جعل الصلاة متحدة الجهة وفائدة الجملة المعللة حينئذٍ بيان حكم الأمر بالاستباق، ومنهم من قال: الخطاب/ في استبقوا إما عام للمؤمنين والكافرين، وإما خاص بالمؤمنين فعلى الأول: يراد هنا العموم أي في أي موضع تكونوا من المواضع الموافقة للحق أو المخالفة له، وعلى الثاني: الخصوص ـ أي أينما تكونوا في الصلاة أيها المؤمنون من الجهات المتقابلة شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً بعد أن تولوا جهة الكعبة يجعل الله تعالى صلاتكم كأنها إلى جهة واحدة لاتحادكم في الجهة التي أمرتم بالاتجاه إليها ـ وليس بشيء كما لا يخفى {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ} ومن ذلك إماتتكم وإحياؤكم، وجمعكم والجملة تذييل وتأكيد لما تقدم.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: { أية : الذين أتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } تفسير : [البقرة: 146]، فهو من تمام الاعتراض، أو عطف على جملة: { أية : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك } تفسير : [البقرة: 145] مع اعتبار ما استؤنف عنه من الجُمل، ذلك أنه بعد أن لُقِّن الرسول - عليه الصلاة والسلام - ما يجيب به عن قولهم {مَا وَلاَّهُم عن قبلتهم}، وبعد أن بين للمسلمين فضيلة قبلتهم وأنهم على الحق وأَيْأَسَهم من ترقب اعتراف اليهود بصحة استقبال الكعبة، ذيل ذلك بهذا التذييل الجامع لمعان سامية، طَيَّاً لبساط المجادلة مع اليهود في أمر القبلة، كما يقال في المخاطبات «دَعْ هذا» أو «عَدِّ عن هذا»، والمعنى أن لكل فريق اتجاهاً من الفهم والخشية عند طلب الوصول إلى الحق. وهذا الكلام موجه إلى المسلمين أي اتركوا مجادلة أهل الكتاب في أمر القبلة ولا يهمنكم خلافهم فإن خلاف المخالف لا يناكد حق المحق. وفيه صرف للمسلمين بأن يهتموا بالمقاصد ويعتنوا بإصلاح مجتمعهم، وفي معناه قوله تعالى: { أية : ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر } تفسير : [البقرة: 177] الآية، ولذلك أعقبه بقوله: {فاستبقوا الخيرات}، فقوله: {أين ما تكونوا} في معنى التعليل للأمر باستباق الخيرات. فهكذا ترتيب الآية على هذا الأسلوب كترتيب الخُطب بذكر مقدِّمة ومقْصَد وبياننٍ لَه وتَعْلِيل وتَذْيِيل. و(كل) اسم دال على الإحاطة والشمول، وهو مبهم يتعين بما يضاف هو إليه فإذا حذف المضاف إليه عوض عنه تنوين كل وهو التنوين المسمى تنوين العوض لأنه يدل على المضاف إليه فهو عوض عنه. وحذف ما أضيف إليه (كل) هنا لدلالة المقام عليه وتقدير هذا المحذوف (أُمَّة) لأن الكلام كله في اختلاف الأمم في أمر القبلة، وهذا المضاف إليه المحذوف يقدر بما يدل عليه الكلام من لفظه كما في قوله تعالى: { أية : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله } تفسير : [البقرة: 285] أو يقدر بما يدل عليه معنى الكلام المتقدم دون لفظ تقدمه كما في قوله تعالى: { أية : ولكل جعلنا موالي } تفسير : [النساء: 33] في سورة النساء، ومنه ما في هذه الآية لأن الكلام على تخالف اليهود والنصارى والمسلمين في قبلة الصلاة، فالتقدير ولكل من المسلمين واليهود والنصارى وجهة، وقد تقدم نظيره عند قوله تعالى: { أية : كل له قانتون } تفسير : [البقرة: 116]. والوجهة حقيقتها البقعة التي يتوجه إليها فهي وزن فِعلة مؤنث فعل الذي هو بمعنى مفعول مثل ذبح، ولكونها اسم مكان لم تحذف الواو التي هي فاء الكلمة عند اقتران الاسم بهاء التأنيث لأن حذف الواو في مثله إنما يكون في فعلة بمعنى المصدر. وتستعار الوجهة لما يهتم به المرء من الأمور تشبيهاً بالمكان الموجه إليه تشبيه معقول بمحسوس، ولفظ {وجهة} في الآية صالح للمعنيين الحقيقي والمجازي فالتعبير به كلام موجه وهو من المحاسن، وقريب منه قوله: { أية : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً } تفسير : [المائدة: 48]. وضمير {هو} عائد للمضاف إليه (كُل) المحذوف. والمفعول الأول لموليها محذوف إذ التقدير هو موليها نفسه أو وجهه على نحو ما بيناه في قوله تعالى: { أية : ما ولاهم عن قبلتهم } تفسير : [البقرة: 142] والمعنى هو مقبل عليها وملازم لها. وقراءة الجمهور «موليها» بياء بعد اللام وقرأه ابن عامر «هو مُوَلاَّها» بألف بعد اللام بصيغة ما لم يسم فاعله أي يوليه إياها مول وهو دينه ونظره، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد من الوجهة القبلة فاستبقوا أنتم إلى الخير وهو استقبال الكعبة، وقيل المراد لكل أمة قبلة فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة فالزموا قبلتكم التي هي قبلة إبراهيم فإنكم على الخيرات، وقيل المراد هيكل قبلة فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة فالزموا قبلتكم التي هي قبلة إبراهيم، فإنكم على الخيرات، وقيل المراد لكل قوم قبلة فلا يضركم خلافهم واتركوهم واستبقوا إلى الخيرات إلى الكعبة، وقيل المراد لكل طائفة من المسلمين جهة من الكعبة سيستقبلونها. ومعاني القرآن تحمل على أجمع الوجوه وأشملها. وقوله: {فاستبقوا الخيرات} تفريع للأمر على ما تقدم أي لما تعددت المقاصد. فالمنافسة تكون في مصادفة الحق. والاستباق افتعال والمراد به السبق وحقه التعدية باللام إلاّ أنه توسع فيه فعدي بنفسه كقوله تعالى: { أية : واستبقا الباب } تفسير : [يوسف: 25] أو على تضمين استبقوا معنى اغتنموا. فالمراد من الاستباق هنا المعنى المجازي وهو الحرص على مصادفة الخير والإكثار منه والخيرات جمع خير على غير قياس كما قالوا سرادقات وحمامات. والمراد عموم الخيرات كلها فإن المبادرة إلى الخير محمودة ومن ذلك المبادرة بالتوبة خشية هاذم اللذات وفجأة الفوات قال تعالى: { أية : وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } تفسير : [آل عمران: 133]، { أية : والسابقون السابقون، أولئك المقربون، في جنات النعيم } تفسير : [الواقعة: 10 ــــ 12] ومن ذلك فضيلة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار قال تعالى: { أية : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } تفسير : [الحديد: 10] وقال موسى: { أية : وعجلت إليك رب لترضى } تفسير : [طه: 84]. وقوله: {أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعاً} جملة في معنى العلة للأمر باستباق الخيرات ولذلك فصلت لأن العلة لا تعطف إذ هي بمنزلة المفعول لأجله، والمعنى فاستبقوا إلى الخير لتكونوا مع الذين يأتي بهم الله للرفيق الحسن لأن الله يأتي بالناس جميعاً خيرهم وشرهم و(كان) تامة أي في أي موضع توجدون من مواقع الخير ومواقع السوء. والإتيان بالشيء جلبه وهو مجاز في لازم حقيقته فمن ذلك استعماله في القرب والطاعة. قال حميد بن ثور يمدح عبد الملك بن مروان: شعر : أَتَاكَ بيَ اللَّهُ الذي نَوَّر الهُدَى ونُورٌ وإِسْلاَم علَيك دَليل تفسير : أراد سخرني إليك، وفي الحديث: « حديث : اللهم اهْدِ دَوْساً وأْت بها » تفسير : أي اهدها وقربها للإِسلام ويستعمل في القدرة على الشيء وفي العلم به كما في قوله تعالى: { أية : إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السمٰوات أو في الأرض يأت بها الله } تفسير : [لقمان: 16]. وتجيء أقوال في تفسير {أينما تكونوا} على حسب الأقوال في تفسير {ولكلِّ وجهة} بأن يكون المعنى تقبل الله أعمالكم في استباق الخيرات فإنه المهم، لا استقبال الجهات أو المعنى إنكم إنما تستقبلون ما يُذَكِّركم بالله فاسعوا في مرضاته بالخيرات يَعْلم الله ذلك من كل مكان، أو هو ترهيب أي في أيَّة جهة يأتِ الله بكم فيثيت ويعاقِب، أوْ هو تحريض على المبادرة بالعمل الصالح أي فأنتم صائرون إلى الله من كل مكان فبادروا بالطاعة قبل الفوت بالموت، إلى غير ذلك من الوجوه. وقوله: {إن الله على كل شيء قدير} تذييل يناسب جميع المعاني المذكورة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ولكلٍ وجهة هو موليها: التنوين في (كلٍ) دال على محذوف، هو لكل أهل ملة كالإِسلام، واليهودية والنصرانية قبلة يولون وجوههم لها في صلاتهم. الخيرات: البر والطاعة لله ورسوله. الحجة: الدليل القوي الذي يظهر به صاحبه على من يخاصمه. نعمتي: نعم الله كثيرة وأعظمها نعمة الاسلام وإتمامها بمواصلة التشريع والعمل به إلى نهاية الكمال، وكان ذلك في حجة الوداع بعرفات حيث نزلت آية: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً} تفسير : [المائدة: 3]. رسولاً: هو محمد صلى الله عليه وسلم والتنكير فيه للتعظيم. يزكيكم: يطهركم من الذنوب والأخلاق السيئة والملكات الرديئة. الحكمة: السنة وهي كل قول صالح لا ينتهي صلاحه ونفعه بمرور الزمن. الشكر: إظهار النعمة بصرفها فيما من أجله وهبها الله تعالى لعباده. والكفر: جحد النعم وإخفاؤها وصرفها في غير ما يحب الله تعالى. معنى الآيات: بعد تقرير تلك الحقيقة التي تضمنتها آية { أية : وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [البقرة: 145] إلخ... وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أتى أهل الكتاب بكل آية تدل على صدقه في أمر القبلة ما تبعوا قبلته، وما هو بتابع قبلتهم، وما بعضهم بتابع قبلة بعض فلا اليهود يستقبلون مطلع الشمس ولا النصارى يستقبلون بيت المقدس. أخبر تعالى أن لكل أمة قبلة مولية وجهها إليها في صلاتها، فاتركوا أيها المسلمون أهل تلك الملل الضالة وسابقوا في الخيرات ونافسوا في الصالحات شكراً لربكم على نعمة هدايته لكم لقبلة أبيكم إبراهيم فإنه تعالى جامعكم ليوم القيامة وسائلكم ومجازيكم بأعمالكم إنه على كل شيء قدير، هذا ثم أمر الله رسوله أن يولي وجهه شطر المسجد الحرام حيثما كان في الحضر كان أو في السفر وأعلمه أن تحوله إلى الكعبة حقٌ ثابت من ربه تعالى فلا يتردد فيه. هذا ما تضمنته الآيتان [148] و [149] وأما الآية [150] فإنه تعالى أمر رسوله والمؤمنين بأن يولوا وجوههم شطر المسجد الحرام حيثما كانوا وأينما وجدوا ويثبتوا على ذلك حتى لا يكون لأعدائهم من اليهود والمشركين حجة، إذ يقول اليهود: ينكرون ديننا ويستقبلون قبلتنا، ويقول المشركون: يدعون أنهم على ملة إبراهيم ويخالفون قبلته. هذا بالنسبة للمعتدلين منهم أما الظالمون والمكابرون فإنهم لا سبيل إلى إقناعهم إذ قالوا بالفعل: ما تحول إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين آبائه ويوشك أن يرجع إليه، فمثل هؤلاء لا يبالي بهم ولا يلتفت إليهم كما قال تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي}. فاثبتوا على قبلتكم الحق لأتم نعمتي عليكم بهدايتكم إلى أحسن الشرائع وأقومها، ولأهيئكم لكل خير وكمال مثل ما أنعمت عليكم بإرسال رسولي، يزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمونه من أمور الدين والدنيا معاً وفي الآية الأخيرة [152] أمر تعالى المؤمنين بذكره وشكره، ونهاهم عن نسيانه كفره، فقال تعالى: {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} لما في ذكره بأسمائه وصفاته ووعده ووعيده من موجبات محبته ورضاه ولما في شكره بإقامة الصلاة وأداء سائر العبادات من مقتضيات رحمته وفضله ولما في نسيانه وكفرانه من التعرض لغضبه وشديد عقابه وأليم عذابه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- الإعراض عن جدل المعاندين، والإقبال على الطاعات تنافساً فيها وتسابقاً إليها إذ هو أنفع وأجدى من الجدل والخصومات مع من لا يرجى رجوعه إلى الحق. 2- وجوب استقبال القبلة في الصلاة وسواء كان في السفر أو في الحضر إلا أن المسافر يجوز أن يصلي النافلة حيث توجهت دابته أو طيارته أو سيارته إلى القبلة وإلى غيرها. 3- حرمة خشية الناس ووجوب خشية الله تعالى. 4- وجوب شكر الله تعالى على نعمه الظاهرة والباطنة. 5- وجوب تعلم العلم الضروري ليتمكن العبد من عبادة الله عبادة تزكي نفسه. 6- وجوب ذكر الله بالتهليل والتكبير والتسبيح ووجوب شكره بطاعته. 7- حرمة نسيان ذكر الله، وكفران نعمه بترك شكرها.

القطان

تفسير : بعد ان اقام الحجة على أهل الكتاب وبين أنهم يعلمون من كُتبهم ان محمداً نبي، وان جحودهم لتحويل القبلة عناد ومكابرة ـ بيّن الله تعالى هنا ان كل أمة لها قبلة خاصة تتوجه اليها حسب شريعتها، ليس في ذلك شيء من التفاضل، وإنما التفاضل في عمل الخير، فسارعوا ايها المؤمنون الى الخيرات وتنافسوا فيها. ان الله سبحانه سيجمعكم يوم القيامة ويأتي بكم من كل مكان تكونون فيه، ثم يحاسبكم على ما قمتم به من أعمال، فيوفّي المحسن جزاءه والمسيء عقابه، أو يتفضل فيصفح. وهو على جمعكم من قبوركم وعلى غير ذلك مما يشاء قدير.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْخَيْرَاتِ} (148) - لِكُلِّ أَمَّةٍ جِهَةٌ تَتَّجِهُ إِليهَا فِي صَلاَتِها، فَإِبرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ كَانَا يُوَلِّيَانِ جِهَةَ الكَعْبَةِ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ كَانُوا يَسْتَقْبِلُونَ صَخْرَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ، والنَّصَارَى كَانُوا يَسْتَقْبِلُونَ المَشْرِقَ، فَالقِبْلَةُ مِنَ المَسَائِلِ التِي اختَلَفَتْ بِاخْتِلاَفِ الأُمَمِ، وَلَيْسَتْ أُسّاً مِنْ أُسُسِ الدِّينِ كَتَوحِيدِ اللهِ، وَالإِيمَانِ بِالبَعْثِ ... فَالوَاجِبُ فِيها التَّسلِيمُ لأمرِ الوَحيِ. فَبَادِرُوا إِلى فِعْلِ الخَيرَاتِ، وَليحرِصْ كُلٌّ مِنْكُمْ عَلَى أَنْ يَكُونَ سَبَّاقاً إِلَيهِ. وَفِي أَيِّ مََكَانٍ تَكُونُونَ فَإِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يأتيَ بِكُمْ جَمِيعاً، وَيَجْمَعَكُمْ لِلْحِسَابِ، فَعَلَيكُمْ أَنْ تَسْتَبِقُوا لِفِعْلِ الخَيراتِ، فَالبِلادُ وَالجِهَاتُ لاَ شَأْنَ لَهَا فِي أمرِ الدِّينِ. وَاللهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَلا يُعْجِزهُ أَنْ يَحْشُرَ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَهْمَا بَعُدَتْ بَيْنَهُمُ المَسَافَاتُ.

الثعلبي

تفسير : {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ} أي ولكلّ أهل ملّة قبلة. {هُوَ مُوَلِّيهَا} مستقبلها ومقبل إليها يُقال: ولّيته، وولّيت إليه إذا أقبلت إليه وولّيت عنه إذا أدبرت عنه. وأصل التولية: الإنصراف، وقرأ ابن عبّاس وابن عامر وأبو رجاء وسليمان بن عبدالملك: هو مولاها: أي مصروف إليها. وفي حرف أُبي: ولكّ قبلة هو مولّيها، وفي حرف عبدالله: ولكلّ جعلنا قبلة هو موليها. {فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ} وبادروا فعل الخيرات، ومجازه فاستبقوا إلى الخيرات: أي يسبق بعضكم بعضاً؛ فحذف حرف الخبر. كقول الشاعر: شعر : وهو الداعي (......) عليكم بالحرب ومن يمل سواكم فإني منه غير مائلِ تفسير : اراد من يمل إلى سواكم. {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ} يريد أهل الكتاب. {يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً} يوم القيامة؛ فيجزيكم بأعمالكم. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} حيث حرف بدل على الموضع، وفيه ثلاث لغات: بالياء وحرف الثاء وهي لغة قريش، وقراءة العامّة، واختلفوا في وضع رفعها فقيل: هو مبني على الضم مثل: منذ وقط، وقيل: رفع على الغاية كقوله {أية : لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} تفسير : [الروم: 4]. وحيث: بالياء ونصب الثاء وهي قراءة عبيد بن عمير. قال الكسائي: إنّما نُصب بسبب الياء لأنّها ساكنة وإذا اجتمع ساكنان في حرف حركوا الثاني إلى الفتح؛ لأنّه أخف الحركات مثل: ليت وكيف. وحوثُ: بالواو والضم وهي لغة ابن عمر. يروى إنّهُ سئل أين يضع المصلّى يده في الصلاة، فقال: ارم بهما حوثُ وقعتا. {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} إلى {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} أيّها المؤمنون. {فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} هي لام كي دخلت على أن فكتبت بالكسرة ما قبلها، وترك بعضهم همزها تخفيفاً، والحجة فعلة من الحج وهو الفصل، ومنه المحجة وهي الطريق الواضح المسلوك؛ لأنّه مقصود، ويُقال : للمخاصمة محاجة لقصد كلّ واحد من الخصمين إلى إقامة بينته، وإبطال ما في يد صاحبه. واختلفوا في تأويل هذه الآية ووجه قوله {إِلاَّ} فقال بعض أهل التأويل: ومعنى الآية حوّلت القبلة إلى الكعبة لئلاّ يكون للنّاس عليكم حجّة إذا صلّيتم إليها فيحتجّون عليكم ويقولون: لم تركتم التوجه إلى الكعبة وتوجهتم إلى غيرها لولا إنّه ليست لكم قبلة؟ {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} وهم قريش واليهود وأمّا قريش فتقول إنّما رجع إلى الكعبة لأنّه علم أنّها قبلة آبائه وهي الحقّ وكذا يرجع إلى ديننا ويعلم أنّه الحقّ، وأمّا اليهود فإنّهم يقولون لم ينصرف عن بيت المقدس مع علمه بأنّه حق إلاّ إنّه إنّما يفعل برأيه فيزعم إنّه أَمر به، وهذا القول اختيار المفضّل بن سلمة الضبي وهو قول صحيح مرضي. وقال قوم: معنى الآية {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ} يعني لأهل الكتاب عليكم حجّة وكانت حجّتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في صلاتهم نحو بيت المقدّس إنّهم كانوا يقولون : ما درى محمّد وأصحابه أين قبلتهم حتّى هديناهم نحن، وقولهم: يخالفنا محمّد في ديننا ويتّبع قبلتنا فهذه الحُجّة التي كانوا يحتجوّن بها على المؤمنين على وجه الخصومة والتموية بها على الجّهال من المشركين ثمّ قال {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} وهم مشركوا مكّة وحجّتهم إنّهم قالوا: لمّا صرفت القبلة إلى الكعبة أنّ محمّداً قد تحيّر في دينه فتوجّه إلى قبلتنا وعلم إنّا أهدى سبيلاً منه وانّه لا يستغني عنّا ويوشك أن يرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والربيع والسّدي واختيار محمد بن جرير. وعلى هذين القولين إلاّ استثناء صحيح على وجه نحو قولك: ما سافر أحد من النّاس إلاّ أخوك فهو إثبات للأخ من السفر، وما هو منفي عن كلّ أحد من النّاس، وكذلك قوله تعالى {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} من قريش نفي عن أن يكون لأحد حجة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بسبب تحولهم إلى الكعبة {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} من قريش فإن لهم قبلهم حجة لما ذكرنا. ومعنى الحجة في هذين القولين: الخصومة والجدل، والدعوى بالباطل كقوله {أية : لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} تفسير : [الشورى: 15] : أي لا خصومة، وقوله {أية : أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ} تفسير : [البقرة: 139] وليحاجوكم وتحاجون وحاججتم كلّها بمعنى المجادلة والمخاصمة لا بمعنى الدليل والبرهان، وموضع الّذين خفض كأنه قال: إلاّ للذين ظلموا. فلما سقطت اللام حلّت (الّذين) محلها قاله الكسائي. قال الفراء: موضعه نصب بالاستثناء، وإنّما (......) منهم ردّ إلى لفظ الناس؛ لأنّه عام، وإن كان كلّ واحد منهم غير الآخر والله أعلم، وقال بعضهم: هو استثناء منقطع من الكلام الأول ومعناه إلاّ يكون للنّاس كلّهم عليكم حجة اللّهمّ إلاّ الّذين ظلموا فإنّهم يحاجونكم في الباطل ويجادلونكم بالظلم، وهذا كما يقول للرجل: النّاس كلّهم لك سامرون إلاّ الظالم لك: يعني لا (......) ذلك بتركه حمدك لعداوته لك، وكقولك للرجل: مالك عندي حق إلاّ أن تظلم، ومالك حجة إلاّ الباطل، والباطل لا يكون حجّة، وهذا استثناء من غير الحسن. كقول القائل: ليس في الدّار أحد إلاّ الوحش. كقول النابغة: شعر : وما بالرّبع من أحد إلاّ وأرى لأياماً أمنّها وننوي كالحوض بالمظلومة الجلد تفسير : وهذا قول الفراء والمؤرخ. وقال أبو روق : {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ} يعني اليهود عليكم حجة؛ وذلك إنّهم كانوا قد عرفوا إنّ الكعبة قبلة إبراهيم وقد كانوا وجدوا في التوراة أنّ محمّداً سيحوّل إليها. فحوّلهُ الله إليها لئلا يكون لهم حجة فيحتجون. بأن هذا النبيّ الّذي نجده في كتابنا سيحوّل إليها ولم تحوّل أنت فلمّا حوّل النبيّ صلى الله عليه وسلم ذهبت حجّتهم ثمّ قال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} منهم يعني إلاّ أن يظلموكم فيكتموا ما عرفوا. وقال الأخفش: معناه لكفى الّذي ظلموا مالهم به من علم إلاّ إتّباع الظن يعني: لكن يتبعون الظّن، قوله: {أية : وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الليل: 19-20] يعني لكن تبتغى وجه ربّك فيكون منفرداً من الكلام الأوّل. وروى أبو عبيد عن أبي عبيدة إنّه قال: ليس موضع إلاّ هاهنا موضع الاستثناء لأنّه لا يكون للظالم حجّة إنّما هو في موضع واو العطف كأنّه قال: ولا الّذين ظلموا يعني والّذين ظلموا لا يكون لهم أيضاً حجّة. وأنشد المفضل: شعر : ما بالمدينة دار غير واحدة دار الخليفة إلاّ دار مروانا تفسير : وأنشد أيضاً: شعر : وكلّ أخ مفارقة أخوه لعمر أبيك إلاّ الفرقدان تفسير : يعني والفرقدان أيضاً متفرقان وأنشد الأخفش: شعر : وارى لها داراً بأغدرة السيـ ـدان لم يدرس لها رسم إلاّ رماداً هامداً دفعت عنه الرياح خوالد سحم تفسير : أي: وأرى داراً ورماداً، يؤيّد هذا القول ما روى أبو بكر بن مجاهد عن بعضهم إنّه قرأ بعضهم: (إلى الّذين ظلموا) مخفّفا يعني مع الّذين ظلموا. ومعنى الآية: لئلاً يكون للنّاس، يعني اليهود عليكم حجّة في أمر الكعبة حيث لا يستقبلونها وهي قبلة إبراهيم فيقولون لكم تزعمون إنّكم على دين إبراهيم ولم تستقبلوا قبلته ولا للذين ظلموا وهم مشركوا مكّة لأنّهم قالوا: إنّ الكعبة قبلة جدّنا إبراهيم فما بال محمّد تحوّل عنها فلا يصلّي إليها ويصلّي إلى قبلة اليهود. وقال قطرب: معناها إلاّ على الّذين ظلموا فيكون ردّه على الكاف والميم أي إلاّ على الّذين ظلموا فإنّ عليهم الحجّة فحذف حرف الجر وهذا إختيار أبي منصور الأزهري. قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم الحبيبي يحكيها عنه وحكى محمّد بن جرير عن بعضهم إنّه قال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} هاهنا ناس من العرب كانوا يهوداً ونصارى وكانوا يحتجّون على النبيّ صلى الله عليه وسلم فأمّا سائر العرب فلم يكن لهم حجّة وكانت حجّة من إحتجّ أيضاً داحضة باطلة لأنّك تقول لمن تريد أن تكسر حُجّته عليه : أنّ لك عليّ حجّة ولكن منكسرة إنك لتحتجّ بلا حجّة وحجّتك ضعيفة، فمعنى الآية: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} من أهل الكتاب فإنّ لهم عليكم حجّة واهية. {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} في انصرافكم إلى الكعبة وفي تظاهرهم عليكم في المحاجة والمجاوبة فانّي وليّكم أظهركم عليهم بالحجّة والنصرة. {وَٱخْشَوْنِي} في تركها ومخالفتها. {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} عليكم عطف على قوله {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} ولكن أتمّ نعمتي بهدايتي ايّاكم إلى قبلة إبراهيم فتتمّ لكم الملّة الحنيفيّة وقال علي (كرّم الله وجهه): تمام النعمة: الموت على الإسلام، وروي عنه أيضاً إنّه قال: النّعم ستة: الإسلام والقرآن ومحمّد والستر والعافية والغنى ممّا في أيدي النّاس. {وَلَعَلَّكُمْ} في لعلّ ست لغات: علّ ولعلّ ولعنّ وعنّ ولعّا. ولها ستة أوجه هي من الله عزّ وجلّ واجب، ومن النّاس على معاني قد تكون بمعنى الاستفهام كقول القائل: لعلّك فعلت ذلك مستفهماً. وتكون بمعنى الظّن كقول القائل: قدم فلان فردّ عليه الرّاد: لعلّ ذلك. بمعنى أظنّ وأرى ذلك. وتكون بمعنى الإيجاب بمنزلة ما أخلقه كقوله: قد وجبت الصّلاة فيرد الرّاد: لعلّ ذلك أي ما أخلقه. وأنشد الفرّاء: شعر : لعلّ المنايا مرّة ستعود وآخر عهد الزائرين جديد تفسير : وتكون بمعنى الترجّي والتمنّي كقولك: لعلّ الله أن يرزقني مالاً، ولعلّني أحجّ. وأنشد الفرّاء: شعر : لعلّي في هدى أفي وجودي وتقطيعي التنوقة واختيالي سيوشك أن يتيح إلى كريم ينالك بالذّرى قبل السؤال تفسير : ويكون بمعنى عسى تكون ما يراد ولا يكون كقوله: {أية : يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ} تفسير : [غافر: 36]. أي عسى أبلغ. وقال أبو داود: شعر : فأبلوني بليتكم لعلّي أُصالحكم واستدرج نويا تفسير : أي نواي ويكون بمعنى كي على الجزاء كقوله: {أية : ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} تفسير : [الأنعام: 65] بمعنى لكي يفقهوا ونظائرها كثيرة وقوله: {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي لكي تهتدوا من الضّلالة. قال الربيع: خاصم يهودي أبا العالية فقال: إنّ موسى كان يصلّي إلى صخرة بيت المقدس، فقال أبو العالية: كان يصلّي عند الصخرة إلى البيت الحرام فقال لي: بيني وبينك مسجد صالح فإنه نحته من الجبل فقال أبو العالية: قد صلّيت فيه وقبلته إلى البيت الحرام. قال: فأخبر أبو العالية إنّه مرّ على مسجد ذي القرنين وقبلته الكعبة. {كَمَآ أَرْسَلْنَا} هنا الكاف للتشبيه ويحتاج إلى شيء يرجع إليه واختلفوا فيه فقال بعضهم: هو راجع إلى ما قبلها والكاف من ما قبلها تقديره: فلا تخشوهم واخشوني ولأتمّ نعمتي كما أرسلت فيكم رسولاً فيكون إرسال الرّسول شرطاً للخشية مزدّياً باتمام النّعمة. وقيل: معناه ولعلّكم تهتدون كما أرسلنا. وقال محمّد بن جرير: إنّ إبراهيم دعا بدعوتين فقال {أية : رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} تفسير : [البقرة: 128] فهذه الدعوة الأولى. والثانية قوله {أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ} تفسير : [البقرة: 129] فبعث الله الرسول وهو محمّد صلى الله عليه وسلم ووعد في هذه الآية أن يجيب الدّعوة الثانية أن يجعل من ذرّيته أمّة مسلمة لك فمعنى الآية: ولأتِم نعمتي عليكم: ببيان شرائع ملّتكم الحنيفية وأهديكم لدين خليلي إبراهيم. {كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ} يعني فكما أجبت دعوته بانبعاث الرّسول كذلك أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين وهذا على قول من يجعله متصلاً بما قبلها وجواباً للآية الأولى وهو إختيار الفرّاء. وقال بعضهم: إنّها متعلّقة بما بعدها وهو قوله {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تقديرها: كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم فاذكروني اذكركم فيكون جزأً له جوابان مقدّم ومؤخّر كما تقول: إذا جاءك فلان فآته ترضه. فقوله: فآته وترضه جوابان لقوله إذا جاءك وكقولك: إنّ تأتني أحسن إليك أكرمك وهذا قول مجاهد وعطاء والكلبي ومقاتل والأخفش وابن كيسان واختيار الزجّاج، وهذه الآية خطاب للعرب وأهل مكّة يعني: كما أرسلنا فيكم يا معشر العرب رسولاً منكم محمّد صلى الله عليه وسلم {يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} يعني القرآن. {وَيُزَكِّيكُمْ} أي يعلّمون من الأحكام وشرائع الإسلام. {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} قال ابن عبّاس: أذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي بيانه قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا} تفسير : [العنكبوت: 69] الآية. سعيد بن جبير: {فَٱذْكُرُونِيۤ} بطاعتي أذكركم بمغفرتي بيانه {أية : وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} تفسير : [آل عمران: 132]. فضيل بن عيّاض: فاذكروني بطاعتي أذكركم بثوابي بيانه {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} تفسير : [الكهف: 30 - 31] وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أطاع الله فقد ذكر الله وإنّ قلّت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن ". تفسير : وقيل: اذكروني بالتوحيد والإيمان أذكركم بالجنّات والدرجات بيانه: {أية : وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ ... جَنَّاتٍ} تفسير : [البقرة: 25]. وقال ابو بكر الصدّيق رضي الله عنه: كفى بالتوحيد عبادة وكفى بالجنّة ثواباً. ابن كيسان: اذكروني بالشكر أذكركم بالزّيادة: بيانه قوله {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 7]. وقيل: اذكروني على ظهر الأرض أذكركم في بطنها. قال الأصفي: رأيت أعرابياً واقفاً يوم عرفة بالموقف وهو يقول: ضجّت إليك الأصوات بضروب اللّغات يسئلونك الحاجات وحاجتي إليك أن تذكرني عند البلى إذا نسيني أهل الدّنيا. وقيل: أذكروني بالطّاعات أذكركم بالمعافاة ودليله {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} تفسير : [النحل: 97]. وقيل: أُذكروني في الخلاء والملاء أذكركم في الجلاء والملأ بيانه ما روي في بعض الكتب إنّ الله قال: أنا عند من عبدني، فليظن بي ما شاء، وأنا معه إذا ذكرني، فمن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في الملأ ذكرته في ملأ خير منه، ومن تقربّ إليّ شبراً تقرّبت له ذراعاً، ومن تقرّب إليّ ذراعاً، تقرّبت إليه باعاً ومن أتاني مشياً أتيته هرولة، ومن أتاني بقراب الأرض فضّة أتيته بمثلها مغفرة بعد أن لا يُشرك بي شيئاً. وقيل: أُذكروني في النّعمة والرّخاء أذكركم في الشّدة والبلاء بيانه قوله {أية : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} تفسير : [الصافات: 143 - 144]. قال سلمان الفارسي: إنّ العبد إذا كان له دُعاء في السّر؛ فإذا انزل به البلاء قالت الملائكة: عبدك نزل به البلاء فيشفعون له فينجيه الله، فإذا لم يكن له دُعاء قالوا: الآن فلا تشفعون له. بيانه لفظة فرعون {أية : آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ} تفسير : [يونس: 91]. وقيل: أُذكروني بالتسليم والتفويض أذكركم بأصلح الأختبار. بيانه {أية : وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} تفسير : [الطلاق: 3]. وقيل: أُذكروني بالشوق والمحبّة أذكركم بالوصل والقربة. وقيل: أُذكروني بالحمد والثناء أذكركم بالجزاء، وقيل: أُذكروني بالأوبة أذكركم بغفران الحوبة، وقيل: أُذكروني بالدُّعاء أذكركم بالعطاء، أُذكروني بالسؤال أذكركم بالنوّال، أُذكروني بلا غفلة أذكركم بلا مهلة، أُذكروني بالندّم أذكركم بالكرم، أُذكروني بالمعذرة أذكركم بالمغفرة، أُذكروني بالإرادة أذكركم بالأفادة، أُذكروني بالتنصّل أذكركم بالتفضل أُذكروني الإخلاص أذكركم بالخلاص، أُذكروني بالقلوب أذكركم بكشف الكروب، أُذكروني بلا نسيان أذكركم بالأمان، أُذكروني بالأفتقار أذكركم بالاقتدار، أُذكروني بالأعدام والاستغفار أذكركم بالرّحمة والإغتفار، أُذكروني بالأيمان أذكركم بالجنان، أُذكروني بالأسلام أذكركم بالأكرام، أُذكروني بالقلب أذكركم برفع التعجب، أُذكروني ذكراً فانياً أذكركم ذكراً باقياً، أُذكروني بالإبتهال أذكركم بالأفضال، أُذكروني بالظل أذكركم بعفو الزلل، أُذكروني بالأعتراف أذكركم بمحو الاقتراف، أُذكروني بصفاء السّر أذكركم بخالص البّر، أُذكروني بالصّدق أذكركم بالرّفق، أُذكروني بالصفَو أذكركم بالعفو، أُذكروني بالتعظيم أذكركم بالتكريم، أُذكروني بالتكبير أذكركم بالتطهير، أُذكروني بالتمجيد أذكركم بالمزيد، أُذكروني بالمناجاة أذكركم بالنجاة، أُذكروني بترك الجفاء اذكركم بحفظ الوفاء، أُذكروني بترك الخطأ أذكركم بحفظ الوفاء، أُذكروني بالجهد بالخلقة أذكركم بأتمام النعمة، أُذكروني من حيث أنتم أذكركم من حيث أنا ولذكر الله أكبر. الربيع في هذه الآية: إنّ الله ذاكر من ذكره، وزائداً من شكره، ومعذّبُ من كفره. وقال السّدي: فيها ليس من عبد يذكر الله إلاّ ذكره الله. لا يذكره مؤمن إلاّ ذكره بالرّحمة، ولا يذكره كافر إلاّ يذكره بعذاب. وقال سفيان بن عيينة: بلغنا إنّ الله عزّ وجلّ قال: أعطيت عبادي مالوا أعطيته جبرئيل وميكائيل كنت قد اجزلت لهما قلت: أُذكروني أذكركم، وقلت لموسى : قل للظلمة لا يذكروني فإني أذكر من ذكرني، فإنّ ذكري إياهم أن إلعنهم. وقال أبو عثمان النهدي: إنّي لأعلم حين يذكرني ربّي عزّ وجلّ، قيل : كيف ذلك؟ قال: إنّ الله عزّ وجلّ قال: {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} وإذا ذكرت الله تعالى ذكرني. {وَٱشْكُرُواْ لِي} نعمتي. {وَلاَ تَكْفُرُونِ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : شاء الله سبحانه أن يجعل الإنسان مختاراً .. ومن هنا فإن له الاختيار في أن يؤمن أو لا يؤمن .. أن ينصر الحق أو ينصر الباطل .. أن يفعل الخير أو يفعل الشر .. كل هذه اختبارات شاء الله أن يعطيها للإنسان في الدنيا بحيث يستطيع أن يفعل أو لا يفعل .. ولكن هذا لن يبقى إلى الأبد. إن هذا الاختيار موجود في الحياة الدنيا. ولكن بشرية الإنسان تنتهي ساعة الاحتضار، فعند مواجهة الموت ونهاية العمر يصبح الإنسان مقهوراً وليس مختاراً .. فهو لا يملك شيئاً لنفسه، ولا يستطيع أن يقول لن أموت الآن .. انتهت بشريته وسيطرته على نفسه حتى أعضاؤه تشهد عليه .. ففي الحياة الدنيا كل واحد يختار الوجهة التي يتجه إليها، هذا يختار الكفر وهذا يختار الإيمان .. هذا يختار الطاعة وهذا يختار المعصية، فما دام للإنسان اختيار فكل واحد له وجهة مختلفة عن الآخر .. والذي يهديه الله يتجه إلى الخيرات وكأنه يتسابق إليها .. لماذا؟ لأنه لا يعرف متى يموت ولذلك كلما تسابق إلى خير كان ذلك حسنة أضافها لرصيده. إن المطلوب من المؤمنين في الحياة الدنيا أن يتسابقوا إلى الخيرات قبل أن يأتيهم الأجل ولا يحسب واحد منهم أنه سيفلت من الله .. لأنه كما يقول عز وجل: {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً} [البقرة: 148] .. أي أنه ليس هناك مكان تستطيعون أن تختفوا فيه عن علم الله تبارك وتعالى، بل هو يعرف أماكنكم جميعاً واحداً واحداً وسيأتي بكم جميعاً مصداقاً لقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 47]. وقوله سبحانه: {أية : فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} تفسير : [الذاريات: 50]. أي أن الحق جل جلاله يريدنا أن نعرف يقينا أننا لا نستطيع أن نفر من علمه. ولا من قدره ولا من عذابه .. وأن الطريق الوحيد المفتوح أمامنا هو أن نفر إلى الله .. وأنه لا منجاة من الله إلا إليه .. ولذلك لا يظن كافر أو عاص أنه سيفلت من الله .. ولا يظن أنه لن يكون موجوداً يوم القيامة، أو أنه لن يحاسب أو أنه يستطيع أن يختفي. إن غرور الدنيا قد يركب بعض الناس فيظنون أنهم في منعة من الله، وأنهم لن يلاقوه .. نقول لهم إنكم ستفاجأون في الآخرة حين تعرفون أن الحساب حق والجنة حق والنار حق. ستفاجأون بما سيحدث لكم .. ومن لم يؤمن ولم يسارع إلى الخير سيلقى الخزي والعذاب الأليم .. إن الله ينصحنا أن نؤمن وأن نسارع في الخيرات لننجوا من عذابه، ويقول لنا لن يفلت واحد منكم ولا ذرة من ذرات جسده من الوقوف بين يدي الله للحساب .. ولذلك ختم الله هذه الآية الكريمة بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 148] .. أي أن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء ولا يخرج عن طاعته شيء .. إنه سبحانه على كل شيء قدير.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ} معناهُ قِبلةٌ. {هُوَ مُوَلِّيهَا} معناهُ هو مُوجِهُهَا. صلواتهم إِلى بيتِِ المَقْدسِ، وصَلواتُهُم إِلى الكَعبةِ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} اعلموا أن {لِكُلٍّ} أي: لكل من أفراد الأمم {وِجْهَةٌ} مقصد وقبلة معينة من الأوصاف والأسماء الإلهية {هُوَ مُوَلِّيهَا} بحسب اقتضائها وغلبتها {فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ} أي: بادروا أيها المحمديون إلى منشأ جميع الخيرات، ومنبع جميع المبرات الناشئة من الأسماء والصفات، وهو الذات المستجمع لجميعها {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ} من مقتضيات الأوصاف {يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ} الجامع لها {جَمِيعاً} مجتمعين بعد رفع التعينات الناشئة من الصفات {إِنَّ ٱللَّهَ} المتجلي بالأوصاف {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من المظاهر المتعينة المتكثرة بحسب المبدأ والمظاهر {قَدِيرٌ} [البقرة: 148] على رفع التعينات المسقطة لجميع الكثرات بحسب المعاد والباطن. {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} يا أكمل الرسل من مقتضى كعبة الذات يغلبه حكم بعض الصفات {فَوَلِّ وَجْهَكَ} منها متذكراً {شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} المحرم للتوجيه إلى السوى والغير {وَإِنَّهُ} أي: شأن التوجه نحوه {لَلْحَقُّ} الثابت النالز {مِن رَّبِّكَ} الذي رباك بمقتضى جميع أوصافه وأسمائه {وَ} اعلم أنه {مَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 149] أنت ومن تبعك، وعلى مقتضى علمه تثابون. {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} عن مقتضى توحيد الذات بتكثير بعض المظان وترك ما يستقبلونه {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} الجامع لجميع المظاهر {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} أيها المؤمنون {فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} اقتداء لرسولكم {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ} المعرضين {عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} غلبة بادعائكم التوحيد الذاتي، وإخراجكم بعض المظاهر {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} ينفي ذات الله وصفاته، وهم الدهريون القائلون بوجود الطبائع بلا فاعل خارجي، فإنهم لا يفحمون ولا يلزمون بأمثاله {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} أي: فلا تخافوا منهم في التوجه إلى الكعبة الحقيقية {وَٱخْشَوْنِي} في عدم التوجه حتى لا تحرموا عن مقتضيات بعض الأوصاف {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي} الواصلة بحسب أوصافي وأسمائي {عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: 150] إلى ذاتي بسببها. ومن إتمام نعمنا إياكم أنا هديناكم إلى جهة الكعبة الحقيقية، وأمرناكم بالتوجه نحوها {كَمَآ أَرْسَلْنَا} من مقام جودنا {فِيكُمْ رَسُولاً} هادياً لكم نائشاً {مِّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ} أولاً {آيَاتِنَا} آثار صفاتنا الدالة على وحدة ذاتنا {وَ} ثانياً: {يُزَكِّيكُمْ} {وَ} ثالثاً: {يُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ} الموضح للدلائل والآيات المبين للآراء والمعتقدات {وَ} رابعاً: يظهر لكم {ٱلْحِكْمَةَ} الموصلة إلى توحيد الذات {وَ} بعد ذلك {يُعَلِّمُكُم} من الحقائق والمعارف {مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151] لولا إرشاده وإرساله. وإذا أنعمنا عليكم بهذه النعم العظام وأتممناها لكم {فَٱذْكُرُونِيۤ} أيها المؤمنون بالميل الدائم والتوجه الصادق {أَذْكُرْكُمْ} بنفساتٍ رحمانيةٍ ونسماتٍ روحانيةٍ {وَٱشْكُرُواْ لِي} بإسناد النعم إلي {وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152] بإسنادها إلى الوسائط والأسباب.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: كل أهل دين وملة، له وجهة يتوجه إليها في عبادته، وليس الشأن في استقبال القبلة، فإنه من الشرائع التي تتغير بها الأزمنة والأحوال، ويدخلها النسخ والنقل، من جهة إلى جهة، ولكن الشأن كل الشأن، في امتثال طاعة الله، والتقرب إليه، وطلب الزلفى عنده، فهذا هو عنوان السعادة ومنشور الولاية، وهو الذي إذا لم تتصف به النفوس، حصلت لها خسارة الدنيا والآخرة، كما أنها إذا اتصفت به فهي الرابحة على الحقيقة، وهذا أمر متفق عليه في جميع الشرائع، وهو الذي خلق الله له الخلق، وأمرهم به. والأمر بالاستباق إلى الخيرات قدر زائد على الأمر بفعل الخيرات، فإن الاستباق إليها، يتضمن فعلها، وتكميلها، وإيقاعها على أكمل الأحوال، والمبادرة إليها، ومن سبق في الدنيا إلى الخيرات، فهو السابق في الآخرة إلى الجنات، فالسابقون أعلى الخلق درجة، والخيرات تشمل جميع الفرائض والنوافل، من صلاة، وصيام، وزكوات وحج، عمرة، وجهاد، ونفع متعد وقاصر. ولما كان أقوى ما يحث النفوس على المسارعة إلى الخير، وينشطها، ما رتب الله عليها من الثواب قال: { أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فيجمعكم ليوم القيامة بقدرته، فيجازي كل عامل بعمله {أية : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } . تفسير : ويستدل بهذه الآية الشريفة على الإتيان بكل فضيلة يتصف بها العمل، كالصلاة في أول وقتها، والمبادرة إلى إبراء الذمة، من الصيام، والحج، والعمرة، وإخراج الزكاة، والإتيان بسنن العبادات وآدابها، فلله ما أجمعها وأنفعها من آية".

همام الصنعاني

تفسير : 144- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا}: [الآية: 148]، قال: هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة.