٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
149
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن أول ما في هذه الآية من البحث أن الله تعالى قال قبل هذه الآيات: {أية : قَد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أن الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون } تفسير : [البقرة: 144] ثم ذكر ههنا ثانياً قوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } وذكر ثالثاً قوله: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } فهل في هذا التكرار فائدة أم لا؟ وللعلماء فيه أقوال. أحدها: أن الأحوال ثلاثة، أولها: أن يكون الإنسان في المسجد الحرام. وثانيها: أن يخرج عن المسجد الحرام ويكون في البلد. وثالثها: أن يخرج عن البلد إلى أقطار الأرض، فالآية الأولى محمولة على الحالة الأولى، والثانية على الثانية، والثالثة على الثالثة، لأنه قد كان يتوهم أن للقرب حرمة لا تثبت فيها للعبد، فلأجل إزالة هذا الوهم كرر الله تعالى هذه الآيات. والجواب الثاني: أنه سبحانه إنما أعاد ذلك ثلاث مرات لأنه علق بها كل مرة فائدة زائدة أما / في المرة الأولى فبين أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأمر هذه القبلة حق، لأنهم شاهدوا ذلك في التوراة والإنجيل، وأما في المرة الثانية فبين أنه تعالى يشهد أن ذلك حق، وشهادة الله بكونه حقاً مغايرة لعلم أهل الكتاب بكونه حقاً، وأما في المرة الثالثة فبين أنه إنما فعل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة، فلما اختلفت هذه الفوائد حسنت إعادتها لأجل أن يترتب في كل واحدة من المرات واحدة من هذه الفوائد، ونظيره قوله تعالى: {أية : فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أيديهم وويل لهم مما يكسبون} تفسير : [البقرة: 79]. والجواب الثالث: أنه تعالى قال في الآية الأولى: {فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } فكان ربما يخطر ببال جاهل أنه تعالى إنما فعل ذلك طلباً لرضا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه قال: {فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا } فأزال الله تعالى هذا الوهم الفاسد بقوله: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } أي نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك، بل لأجل أن هذا التحويل هو الحق الذي لا محيد عنه فاستقبالها ليس لأجل الهوى والميل كقبلة اليهود المنسوخة التي إنما يقيمون عليها بمجرد الهوى والميل، ثم أنه تعالى قال ثالثاً: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } والمراد دوموا على هذه القبلة في جميع الأزمنة والأوقات، ولا تولوا فيصير ذلك التولي سبباً للطعن في دينكم، والحاصل أن الآية السالفة أمر بالدوام في جميع الأمكنة والثانية أمر بالدوام في جميع الأزمنة والأمكنة، والثالثة أمر بالدوام في جميع الأزمنة وإشعار بأن هذا لا يصير منسوخاً ألبتة. والجواب الرابع: أن الأمر الأول مقرون بإكرامه إياهم بالقبلة التي كانوا يحبونها وهي قبلة أبيهم إبراهيم عليه السلام والثاني مقرون بقوله تعالى: {أية : وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا } تفسير : [البقرة: 148] أي لكل صاحب دعوة وملة قبلة يتوجه إليها فتوجهوا أنتم إلى أشرف الجهات التي يعلم الله تعالى أنها حق وذلك هو قوله: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُ للْحَقُّ مِن رَّبّكَ }. والثالث مقرون بقطع الله تعالى حجة من خاصمه من اليهود في أمرالقبلة فكانت هذه عللاً ثلاثاً قرن بكل واحدة منها أمر بالتزام القبلة نظيره أن يقال: ألزم هذه القبلة فإنها القبلة التي كنت تهواها، ثم يقال: ألزم هذه القبلة فإنها قبلة الحق لا قبلة الهوى، وهو قوله: {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } ثم يقال: إلزم هذه القبلة فإن في لزومك إياها انقطاع حجج اليهود عنك، وهذا التكرار في هذا الموضع كالتكرار في قوله تعالى: {أية : فَبِأَىّ ءَالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } تفسير : [الرحمن: 12] وكذلك ما كرر في قوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } تفسير : [الشعراء: 174]. والجواب الخامس: أن هذه الواقعة أول الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا فدعت الحاجة إلى التكرار لأجل التأكيد والتقرير وإزالة الشبهة وإيضاح البينات. أما قوله تعالى: {أية : وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } تفسير : [البقرة: 74] يعني ما يعمله هؤلاء المعاندون الذين يكتمون الحق وهم يعرفونه ويدخلون الشبهة على العامة بقولهم: {أية : مَا وَلَّـٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا } تفسير : [البقرة: 142] وبأنه قد اشتاق إلى مولده ودين آبائه فإن الله عالم بهذا فأنزل ما أبطله وكشف عن وهنه وضعفه. أما قوله: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا الكلام يوهم حجاجاً وكلاماً تقدم من قبل في باب القبلة عن القوم فأراد الله تعالى أن يبين أن تلك الحجة تزول الآن باستقبال الكعبة، وفي كيفية تلك الحجة روايات. أحدها: أن اليهود قالوا: تخالفنا في ديننا وتتبع قبلتنا. وثانيها: قالوا: ألم يدر محمد أين يتوجه في صلاته حتى هديناه. وثالثها: أن العرب قالوا: إنه كان يقول: أنا على دين إبراهيم والآن ترك التوجه إلى الكعبة، ومن ترك التوجه إلى الكعبة فقد ترك دين إبراهيم عليه السلام فصارت هذه الوجوه وسائل لهم إلى الطعن في شرعه عليه الصلاة والسلام، إلا أن الله تعالى لما علم أن الصلاح في ذلك أوجب عليهم التوجه إلى بيت المقدس لما فيه من المصلحة في الدين، لأن قولهم لا يؤثر في المصالح، وقد بينا من قبل تلك المصلحة، وهي تميز من اتبعه بمكة ممن أقام على تكذيبه، فإن ذلك الامتياز ما كان يظهر إلا بهذا الجنس ولما انتقل عليه الصلاة والسلام إلى المدينة تغيرت المصلحة فاقتضت الحكمة تحويل القبلة إلى الكعبة، فلهذا قال الله تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } يعني تلك الشبهة التي ذكروها تزول بسبب هذا التحويل، ولما كان فيهم من المعلوم من حاله أنه يتعلق عند هذا التحويل بشبهة أخرى، وهو قول بعض العرب: إن محمداً عليه الصلاة والسلام عاد إلى ديننا في الكعبة وسيعود إلى ديننا بالكلية وكان التمسك بهذه الشبهة والاستمرار عليها سبباً للبقاء على الجهل والكفر، وذلك ظلم على النفس على ما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] فلا جرم قال الله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ }. المسألة الثانية: قرأ نافع: {لَيْلاً } يترك الهمزة وكل همزة مفتوحة قبلها كسرة فإنه يقلبها ياء والباقون بالهمزة وهو الأصل. المسألة الثالثة: (لئلا) موضعه نصب، والعامل فيه (ولوا) أي ولوا لئلا، وقال الزجاج التقدير: عرفتكم ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة. المسألة الرابعة: قيل: الناس هم أهل الكتاب عن قتادة والربيع وقيل: هو على العموم. المسألة الخامسة: ههنا سؤال، وهو أن شبهة هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ليست بحجة، فكيف يجوز استثناؤها عن الحجة وقد اختلف الناس فيه على أقوال. الأول: أنه استثناء متصل ثم على هذا القول يمكن دفع السؤال من وجوه: الوجه الأول: أن الحجة كما أنها قد تكون صحيحة، قد تكون أيضاً باطلة، قال الله تعالى / {أية : حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبّهِمْ } تفسير : [الشورى: 16] وقال تعالى: {أية : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } تفسير : [آل عمران: 61] والمحاجة هي أن يورد كل واحد منهم على صاحبه حجة وهذا يقتضي أن يكون الذي يورد المبطل يسمى بالحجة ولأن الحجة اشتقاقها من حجة إذا علا عليه فكل كلام يقصد به غلبة الغير فهو حجة، وقال بعضهم: إنها مأخوذة من محجة الطريق، فكل كلام يتخذه الإنسان مسلكاً لنفسه في إثبات أو إبطال فهو حجة، وإذا ثبت أن الشبهة قد تسمى حجة كان الاستثناء متصلاً. الوجه الثاني: في تقرير أنه استثناء متصل: أن المراد بالناس أهل الكتاب فإنهم وجدوه في كتابهم أنه عليه الصلاة والسلام يحول القبلة فلما حولت، بطلت حجتهم إلا الذين ظلموا بسبب أنهم كتموا ما عرفوا عن أبي روق. الوجه الثالث: أنهم لما أوردوا تلك الشبهة على اعتقاد أنها حجة سماها الله. (حجة) بناء على معتقدهم أو لعله تعالى سماها (حجة) تهكماً بهم. الوجه الرابع: أراد بالحجة المحاجة والمجادلة فقال: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } فإنهم يحاجونكم بالباطل. القول الثاني: أنه استثناء منقطع، ومعناه لكن الذين ظلموا منهم يتعلقون بالشبهة ويضعونها موضع الحجة، وهو كقوله تعالى: {أية : مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنّ } تفسير : [النساء: 157] وقال النابغة:شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : ومعناه: لكن بسيوفهم فلول وليس بعيب ويقال ما له على حق إلا التعدي يعني لكنه يتعدى ويظلم، ونظيره أيضاً قوله تعالى: {أية : إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ * إَلاَّ مَن ظَلَمَ } تفسير : [النمل: 10، 11] وقال: {لأية : اَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ } تفسير : [هود: 43] وهذا النوع من الكلام عادة مشهورة للعرب. القول الثالث: زعم أبو عبيدة أن (إلا) بمعنى الواو كأنه تعالى قال: لئلا يكون للناس عليكم حجة وللذين ظلموا وأنشد:شعر : وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان تفسير : يعني: والفرقدان. القول الرابع: قال قطرب: موضع {ٱلَّذِينَ } خفض لأنه بدل من الكاف والميم في عليكم كأنه قيل: لئلا يكون عليكم حجة إلا الذين ظلموا فإنه يكون حجة عليهم وهم الكفار، قال علي ابن عيسى: هذان الوجهان بعيدان. أما قوله تعالى: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى } فالمعنى لا تخشوا من تقدم ذكره ممن يتعنت ويجادل ويحاج، ولا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضررنكم واخشوني، يعني احذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم، وهذه الآية يدل على أن الواجب على المرء في كل أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه: خشية عقاب الله، وأن يعلم أنه ليس في يد الخلق شيء ألبتة، وأن لا يكون مشتغل القلب بهم، ولا ملتفت الخاطر إليهم. أما قوله تعالى: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } فقد اختلفوا في متعلق اللام على وجوه. أحدها: أنه راجع إلى قوله تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ولأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } فبين الله تعالى أنه حولهم إلى هذه الكعبة لهاتين الحكمتين. إحداهما: لانقطاع حجتهم عنه. والثانية: لتمام النعمة، وقد بين أبو مسلم بن بحر الأصفهاني ما في ذلك من النعمة، وهو أن القوم كانوا يفتخرون باتباع إبراهيم في جميع ما كانوا يفعلون فلما حول صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس لحقهم ضعف قلب، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التحول إلى الكعبة لما فيه من شرف البقعة فهذا موضع النعمة. وثانيها: أن متعلق اللام محذوف، معناه: ولإتمام النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك. وثالثها: أن يعطف على علة مقدرة، كأنه قيل: واحشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم، والقول الأول أقرب إلى الصواب فإن قيل: إنه تعالى أنزل عند قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } تفسير : [المائدة: 3] فبين أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم، فكيف قال قبل ذلك اليوم بسنين كثيرة في هذه الآية: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } قلنا: تمام النعمة اللائقة في كل وقت هو الذي خصه به، وفي الحديث: «حديث : تمام النعمة دخول الجنة»تفسير : وعن علي رضي الله عنه: تمام النعمة الموت على الإسلام. واعلم أن الذي حكيناه عن أبي مسلم رحمه الله من التشكك في صلاة الرسول وصلاة أمته إلى بيت المقدس، فإن كان مراده أن ألفاظ القرآن لا تدل على ذلك فقد أصاب، لأن شيئاً من ألفاظ القرآن لا دلالة فيه على ذلك البتة على ما بيناه، وإن أراد به إنكاره أصلاً، فبعيد، لأن الأخبار في ذلك قريبة من المتواتر، ولأبي مسلم رحمه الله أن يمنع التواتر، وعند ذلك يقول: لا يصح التعويل في القطع بوقوع النسخ في شرعنا على خبر الواحد والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} قيل: هذا تأكيد للأمر بٱستقبال الكعبة وٱهتمام بها؛ لأن موقع التحويل كان صعباً في نفوسهم جداًّ؛ فأكد الأمر ليرى الناس الاهتمام به فيخفّ عليهم وتسكن نفوسهم إليه. وقيل: أراد بالأوّل: ولِّ وجهك شطر الكعبة؛ أي عاينها إذا صلّيت تلقاءها. ثم قال: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} معاشر المسلمين في سائر المساجد بالمدينة وغيرها {فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}. ثم قال: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} يعني وجوب الاستقبال في الأسفار؛ فكان هذا أمراً بالتوجّه إلى الكعبة في جميع المواضع من نواحي الأرض. قلت: هذا القول أحسن من الأوّل، لأن فيه حملَ كلّ آية على فائدة. وقد روى الدَّارَقُطْنِي عن أنس بن مالك قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فأراد أن يصلّي على راحلته ٱستقبل القبلة وكَبّر ثم صلّى حيث توجّهت به. أخرجه أبو داود أيضاً، وبه قال الشافعيّ وأحمد وأبو ثور. وذهب مالك إلى أنه لا يلزمه الاستقبال؛ لحديث ٱبن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي وهو مُقْبل من مكة إلى المدينة على راحلته، قال: وفيه نزل {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 115] وقد تقدّم. قلت: ولا تعارض بين الحديثين؛ لأن هذا من باب المطلق والمقيَّد؛ فقول الشافعيّ أوْلَى، وحديث أنس في ذلك حديث صحيح. ويروى أن جعفر بن محمد سُئل ما معنى تكرير القَصَص في القرآن؟ فقال: عَلم الله أن كلّ الناس لا يحفظ القرآن، فلو لم تكن القصة مكّررة لجاز أن تكون عند بعض الناس ولا تكون عند بعض؛ فكُرِّرت لتكون عند من حفظ البعض. قوله تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} قال مجاهد: هم مشركو العرب. وحجّتهم قولهم: راجعتَ قبلتنا؛ وقد أجيبوا عن هذا بقوله: {أية : قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ}تفسير : [البقرة: 142]. وقيل: معنى {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} لئلاّ يقولوا لكم: قد أُمِرتم باستقبال الكعبة ولستم تَرَوْنها؛ فلما قال عز وجل: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} زال هذا. وقال أبو عبيدة: إنّ «إلا» ها هنا بمعنى الواو، أي والذين ظلموا؛ فهو ٱستثناء بمعنى الواو؛ ومنه قول الشاعر:شعر : ما بالمدينة دارٌ غيرُ واحدة دار الخليفة إلاّ دارُ مَرْوانَا تفسير : كأنه قال: إلاّ دار الخليفة ودارُ مَرْوان؛ وكذا قيل في قوله تعالى: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} تفسير : [التين: 6] أي الذين آمنوا. وأبطل الزجاج هذا القول وقال: هذا خطأ عند الحُذّاق من النحويين، وفيه بُطلان المعاني، وتكون «إلا» وما بعدها مستغنىً عن ذكرهما. والقول عندهم أن هذا ٱستثناء ليس من الأوّل؛ أي لكن الذين ظلموا منهم فإنهم يحتجُّون قال أبو إسحاق الزجاجّ: أي عرّفكم الله أمر الاحتجاج في القِبلة في قوله: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا}، {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} إلاّ مَن ظلم بٱحتجاجه فيما قد وضح له؛ كما تقول: مالك عليّ حُجَّةٌ إلا الظلم أو إلاّ أن تظلمني؛ أي مالك حجةٌ الْبَتَّةَ ولكنك تظلمني؛ فسمّى ظلمه حُجّة لأن المحتجّ به سمَّاه حجة وإن كانت داحضة. وقال قُطْرُب: يجوز أن يكون المعنى لئلا يكون للناس عليكم حجة إلاّ على الذين ظلموا؛ فالذين بدل من الكاف والميم في «عليكم». وقالت فرقة: «إلاَّ الَّذِين» ٱستثناء متَّصل؛ روي معناه عن ٱبن عباس وغيره، وٱختاره الطبري وقال: نَفَى الله أن يكون لأحد حُجّةٌ على النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ٱستقبالهم الكعبة. والمعنى: لا حُجَّةَ لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة. حيث قالوا: ما وَلاّهم، وتحيّر محمد في دينه، وما توجّه إلى قِبلتنا إلاّ أنّا كنا أهدى منه؛ وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلاّ من عابد وثَنٍ أو يهودي أو منافق. والحجَّةُ بمعنى المحاجّة التي هي المخاصمة والمجادلة. وسَمّاها الله حُجّة وحَكم بفسادها حيث كانت من ظَلَمة. وقال ٱبن عطية: وقيل إن الاستثناء منقطع؛ وهذا على أن يكون المراد بالناس اليهود، ثم ٱستثنى كُفّار العرب، كأنه قال: لكن الذين ظلموا يحاجُّونكم؛ وقوله: «مِنْهم» يردّ هذا التأويل. والمعنى لكن الذين ظلموا، يعني كفار قريش في قولهم: رجع محمد إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا كله. ويدخل في ذلك كلّ من تكلّم في النازلة من غير اليهود. وقرأ ٱبن عباس وزيد بن عليّ وٱبن زيد «ألا الذين ظَلَمُوا» بفتح الهمزة وتخفيف اللام على معنى ٱستفتاح الكلام، فيكون «الذين ظَلَمُوا» ابتداء، أو على معنى الإغراء، فيكون «الذين» منصوباً بفعل مقدّر. قوله تعالى: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} يريد الناس {وَٱخْشَوْنِي} الخَشْيَةُ أصلها طمأنينة في القلب تبعث على التَّوقي. والخوف: فزع القلب تَخِفُ له الأعضاء، ولِخفّة الأعضاء به سُمِّيَ خَوْفاً. ومعنى الآية التّحقير لكل مَن سوى الله تعالى، والأمر بٱطّراح أمرهم ومراعاة أمر الله تعالى. قوله تعالى: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} معطوف على «لِئَلاَّ يَكُونَ» أي ولأن أتِمَّ؛ قاله الأخفش. وقيل: مقطوع في موضع رفع بالابتداء والخبر مضمر، التقدير: ولأُتِمَّ نعمتي عليكم عرّفتكم قِبلتي؛ قاله الزجاج. وإتمام النعمة الهداية إلى القِبْلة، وقيل: دخول الجنة. قال سعيد بن جُبير: ولم تتم نعمة الله على عبد حتى يُدخله الجنة. و {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} تقدّم.
البيضاوي
تفسير : {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} ومن أي مكان خرجت للسفر {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} إذا صليت {وإَِنَّهُ} وإن هذا الأمر {لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وقرأ أبو عمرو بالياء والباقون بالتاء.
ابن كثير
تفسير : هذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جيمع أقطار الأرض، وقد اختلفوا في حكمة هذا التكرار ثلاث مرات، فقيل: تأكيد؛ لأنه أول ناسخ وقع في الإسلام، على ما نص عليه ابن عباس وغيره، وقيل: بل هو منزل على أحوال، فالأمر الأول لمن هو مشاهد الكعبة، والثاني لمن هو في مكة غائباً عنها، والثالث لمن هو في بقية البلدان، هكذا وجهه فخر الدين الرازي. وقال القرطبي: الأول لمن هو بمكة، والثاني لمن هو في بقية الأمصار، والثالث لمن خرج في الأسفار، ورجح هذا الجواب القرطبي، وقيل: إنما ذكر ذلك لتعلقه بما قبله أو بعده من السياق، فقال أولاً: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} إلى قوله: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} فذكر في هذا المقام إجابته إلى طلبته، وأمره بالقبلة التي كان كان يود التوجه إليها ويرضاها، وقال في الأمر الثاني: { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} فذكر أنه الحق من الله، وارتقاءه عن المقام الأول؛ حيث كان موافقاً لرضا الرسول صلى الله عليه وسلم فبين أنه الحق أيضاً من الله، يحبه ويرتضيه، وذكر في الأمر الثالث حكمة قطع حجة المخالف من اليهود الذين كانوا يتحججون باستقبال الرسول إلى قبلتهم، وقد كانوا يعلمون بما في كتبهم أنه سيصرف إلى قبلة إبراهيم عليه السلام إلى الكعبة، وكذلك مشركو العرب انقطعت حجتهم لما صرف الرسول صلى الله عليه وسلم عن قبلة اليهود إلى قبلة إبراهيم التي هي أشرف، وقد كانوا يعظمون الكعبة، وأعجبهم استقبال الرسول إليها، وقيل غير ذلك من الأجوبة عن حكمة التكرار، وقد بسطها الرازي وغيره، والله أعلم. وقوله: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} أي: أهل الكتاب؛ فإنهم يعلمون من صفة هذه الأمة التوجه إلى الكعبة، فإذا فقدوا ذلك من صفتها ربما احتجوا بها على المسلمين، ولئلا يحتجوا بموافقة المسلمين إياهم في التوجه إلى بيت المقدس، وهذا أظهر، قال أبو العالية: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} يعني به: أهل الكتاب، حين قالوا: صرف محمد إلى الكعبة. وقالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه، وكان حجتهم على النبي صلى الله عليه وسلم انصرافه إلى البيت الحرام، أن قالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعطاء والضحاك والربيع بن أنس وقتادة والسدي نحو هذا، وقال هؤلاء في قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} يعني: مشركي قريش. ووجه بعضهم حجة الظلمة، وهي داحضة، أن قالوا: إن هذا الرجل يزعم أنه على دين إبراهيم، فلم يرجع عنه؟ والجواب أن الله تعالى اختار له التوجه إلى بيت المقدس أولاً؛ لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فأطاع ربه تعالى في ذلك، ثم صرفه إلى قبلة إبراهيم، وهي الكعبة، فامتثل أمر الله في ذلك أيضاً، فهو صلوات الله وسلامه عليه مطيع لله في جميع أحواله، لا يخرج عن أمر الله طرفة عين، وأمته تبع له، وقوله: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى} أي: لا تخشوا شبه الظملة المتعنتين، وأفردوا الخشية لي، فإنه تعالى هو أهل أن يخشى منه، وقوله: {وَلأُِتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ} عطف على {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ}، أي: لأتم نعمتي عليكم فيما شرعت لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي: إلى ما ضلت عنه الأمم، هديناكم إليه، وخصصناكم به، ولهذا كانت هذه الأمة أشرف الأمم وأفضلها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ } لسفر {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } بالتاء والياء تقدم مثله وكرره لبيان تساوي حكم السفر وغيره.
الشوكاني
. تفسير : قوله: {وَلِكُلّ } بحذف المضاف إليه لدلالة التنوين عليه: أي: لكل أهل دين وجهة، والوجهة فعلة من المواجهة، وفي معناها الجهة، والوجه، والمراد القبلة: أي: أنهم لا يتبعون قبلتك، وأنت لا تتبع قبلتهم {وَلِكُلّ وِجْهَةٌ } إما بحق، وإما بباطل، والضمير في قوله: {هُوَ مُوَلّيهَا } راجع إلى لفظ كل. والهاء في قوله: {مُوَلّيهَا } هي: المفعول الأوّل، والمفعول الثاني محذوف أي: موليها وجهه. والمعنى: أن لكل صاحب ملة قبلة صاحب القبلة موليها وجهه، أو لكل منكم يا أمة محمد قبلة يصلي إليها من شرق، أو غرب، أو جنوب، أو شمال إذا كان الخطاب للمسلمين، ويحتمل أن يكون الضمير لله سبحانه، وإن لم يجر له ذكر، إذ هو معلوم أن الله فاعل ذلك، والمعنى: أن لكل صاحب ملة قبلة الله موليها إياه. وحكى الطبري أن قوماً قرءوا: «ولكل وجهة» بالإضافة، ونسب هذه القراءة أبو عمرو الداني إلى ابن عباس. قال في الكشاف: والمعنى: وكل وجهة الله موليها، فزيدت اللام لتقدم المفعول كقولك لزيد ضربت، ولزيد أبوه ضاربه. انتهى. وقرأ ابن عباس، وابن عامر: «مولاها» على ما لم يسمّ فاعله. قال الزجاج: والضمير على هذه القراءة لواحد: أي: ولكل واحد من الناس قبلة الواحد مولاها: أي: مصروف إليها. وقوله: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } أي: إلى الخيرات على الحذف، والإيصال: أي: بادروا إلى ما أمركم الله من استقبال البيت الحرام كما يفيده السياق، وإن كان ظاهره الأمر بالاستباق إلى كل ما يصدق عليه أنه خير كما يفيده العموم المستفاد من تعريف الخيرات، والمراد من الاستباق إلى الاستقبال: الاستباق إلى الصلاة في أول وقتها. ومعنى قوله: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ * يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ } أي: في أيّ: جهة من الجهات المختلفة تكونوا يأت بكم الله للجزاء يوم القيامة، أو يجمعكم جميعاً، ويجعل صلاتكم في الجهات المختلفة كأنها إلى جهة واحدة، وقوله: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ } كرّر سبحانه هذا لتأكيد الأمر باستقبال الكعبة، وللاهتمام به، لأن موقع التحويل كان معتنى به في نفوسهم، وقيل وجه التكرير أن النسخ من مظانّ الفتنة، ومواطن الشبهة، فإذا سمعوه مرّة بعد أخرى ثبتوا، واندفع ما يختلج في صدورهم، وقيل إنه كرّر هذا الحكم لتعدد علله، فإنه سبحانه ذكر للتحويل ثلاث علل: الأول ابتغاء مرضاته، والثانية جرى العادة الإلهية أن يولى كل أهل ملة، وصاحب دعوة جهة يستقلّ بها، والثالثة دفع حجج المخالفين، فقرن بكل علة معلولها، وقيل أراد بالأول: ولّ وجهك شطر الكعبة إذا صليت تلقاءها، ثم قال: وحيثما كنتم معاشر المسلمين في سائر المساجد بالمدينة، وغيرها، فولوا وجوهكم شطره، ثم قال: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ } يعني وجوب الاستقبال في الأسفار، فكان هذا أمر بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواطن من نواحي الأرض. وقوله: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } قيل معناه: لئلا يكون لليهود عليكم حجة إلا للمعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه فعلى هذا المراد بالذين ظلموا: المعاندون من أهل الكتاب، وقيل هم مشركو العرب، وحجتهم قولهم: راجعت قبلتنا، وقيل معناه: لئلا يكون للناس عليكم حجة لئلا يقولوا لكم قد أمرتم باستقبال الكعبة، ولستم ترونها. وقال أبو عبيدة: إنّ إلا ها هنا بمعنى الواو: أي: والذين ظلموا، فهو استثناء بمعنى الواو، ومنه قول الشاعر:شعر : ما بالمدينة دار غير واحدة دار الخليفة إلا دار مروانا تفسير : كأنه قال: إلا دار الخليفة ودار مروان، وأبطل الزجاج هذا القول، وقال: إنه استثناء منقطع: أي: لكن الذين ظلموا منهم، فإنهم يحتجون، ومعناه إلا من ظلم باحتجاجه، فيما قد وضح له كما تقول مالك عليّ حجة إلا أن تظلمني: أي: مالك عليّ حجة البتة، ولكنك تظلمني، وسمي ظلمه حجة؛ لأن المحتجّ بها سماه حجة، وإن كانت داحضة. وقال قطرب: يجوز أن يكون المعنى: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا على الذين ظلموا، فالذين بدل من الكاف، والميم في عليكم. ورجح ابن جرير الطبري أن الاستثناء متصل، وقال: نفى الله أن يكون لأحد حجة على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأصحابه في استقبالهم الكعبة، والمعنى: لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة حيث قالوا ما ولاهم، وقالوا: إن محمداً تحير في دينه، وما توجه إلى قبلتنا إلا أنا أهدى منه. وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن، أو من يهوديّ، أو منافق. قال: والحجة بمعنى المحاجة التي هي المخاصمة، والمجادلة، وسماها تعالى حجة، وحكم بفسادها حيث كانت من ظالم. ورجح ابن عطية أن الاستثناء منقطع، كما قال الزجاج. قال القرطبي: وهذا على أن يكون المراد بالناس اليهود، ثم استثنى كفار العرب كأنه قال: لكن الذين ظلموا في قولهم رجع محمد إلى قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا كله. وقوله: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } يريد الناس: أي: لا تخافوا مطاعنهم، فإنها داحضة باطلة لا تضركم. وقوله: {وَلاِتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } معطوف على: {لِئَلاَّ يَكُونَ } أي: ولأن أتمّ قاله الأخفش، وقيل هو مقطوع عما قبله في موضع رفع بالابتداء، والخبر مضمر، والتقدير: ولأتمّ نعمتي عليكم عرّفتكم قبلتي قاله الزجاج، وقيل معطوف على علة مقدرة كأنه قيل: واخشوني لأوفقكم، ولأتمّ نعمتي عليكم. وإتمام النعمة الهداية إلى القبلة، وقيل دخول الجنة. وقوله: {كَمَا أَرْسَلْنَا } الكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف. والمعنى: ولأتم نعمتي عليكم إتماماً مثل ما أرسلنا قاله الفراء، ورجحه ابن عطية. وقيل: الكاف في موضع نصب على الحال، والمعنى: ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال، والتشبيه واقع على أن النعمة في القبلة كالنعمة في الرسالة. وقيل معنى الكلام على التقديم والتأخير: أي: فاذكروني كما أرسلنا قاله الزجاج. وقوله: {فَٱذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ } أمر وجوابه، وفيه معنى المجازاة. قال سعيد بن جبير: ومعنى: الآية اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب، والمغفرة حكاه عنه القرطبي في تفسيره، وأخرجه عنه عبد بن حميد، وابن جرير، وقد روى نحوه مرفوعاً كما سيأتي. وقوله: {وَٱشْكُرُواْ لِي } قال الفراء: شكر لك وشكرت لك. والشكر: معرفة الإحسان، والتحدّث به، وأصله في اللغة: الطهور. وقد تقدّم الكلام فيه. وقوله: {وَلاَ تَكْفُرُونِ } نهى، ولذلك حذفت نون الجماعة، وهذه الموجودة في الفعل هي: نون المتكلم، وحذفت الياء؛ لأنها رأس آية، وإثباتها حسن في غير القرآن. والكفر هنا: ستر النعمة لا التكذيب، وقد تقدّم الكلام فيه. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا } قال: يعني بذلك أهل الأديان، يقول: لكل قبلة يرضونها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال في تفسير هذه الآية: صلوا نحو بيت المقدس مرة، ونحو الكعبة مرة أخرى. وأخرج أبو داود في ناسخه، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } يقول: لا تغلبنّ على قبلتكم. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في قوله: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } قال: الأعمال الصالحة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } يقول: فسارعوا في الخيرات: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ * يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا } قال: يوم القيامة. وأخرج ابن جرير، من طريق السدّي، عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من الصحابة قال: لما صرف النبي صلى الله عليه وسلم نحو الكعبة بعد صلاته إلى بيت المقدس قال المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه، فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى } وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } قال: يعني بذلك أهل الكتاب حين صرف نبي الله إلى الكعبة قالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه، ودين قومه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد قال: حجتهم قولهم قد أحبّ قبلتنا، وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة، ومجاهد في قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } قال: الذين ظلموا منهم مشركو قريش أنهم سيحتجون بذلك عليكم، واحتجوا على نبيّ الله بانصرافه إلى البيت الحرام، وقالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأنزل الله في ذلك كله: {أية : تَكْفُرُونِ يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } تفسير : [البقرة: 153]. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ } يقول: كما فعلت فاذكروني. وأخرج أبو الشيخ، والديلمي من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {حديث : فَٱذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ } يقول: اذكروني يا معشر العباد بطاعتي أذكركم بمغفرتي.تفسير : وأخرج الديلمي، وابن عساكر مثله مرفوعاً من حديث أبي هند الداري وزاد: حديث : فمن ذكرني، وهو مطيع، فحق عليّ أن أذكره بمغفرتي، ومن ذكرني، وهو لي عاص، فحق عليّ أن أذكره بمقت. تفسير : وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس: يقول الله: ذكرى لكم خير من ذكركم لي. وقد ورد في فضل ذكر الله على الإطلاق، وفضل الشكر أحاديث كثيرة.
الماوردي
تفسير : ثم أكد الله أمره في استقبال الكعبة، لما جرى من خوض المشركين ومساعدة المنافقين، بإعادته فقال: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تبييناً لِنَبِيِّهِ وصرفاً له عن الاغترار بقول اليهود: أنهم يتبعونه إن عاد. {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يقول ذلك ترغيباً لهم في الخير. والثاني: تحذيراً من المخالفة. ثم أعاد الله تعالى تأكيد أمره، ليخرج من قلوبهم ما استعظموه من تحويلهم إلى غير ما أَلِفُوه، فقال: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} فأفاد كل واحد من الأوامر الثلاثة مع استوائها في التزام الحكم فائدة مستجده: أما الأمر الأول فمفيد لنسخ غيره، وأما الأمر الثاني فمفيد لأجل قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} أنه لا يتعقبه نسخ. وأما الأمر الثالث فمفيد أن لا حجة عليهم فيه، لقوله: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ}. ثم قال تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمُ} ليس يريد أن لهم عليكم حجة. وفيه قولان: أحدهما: أن المعنى، ولكن الذين ظلموا قد يحتجون عليكم بأباطيل الحجج، وقد ينطلق اسم الحجة على ما بطل منها، لإقامتها في التعلق بها مقام الصحيح حتى يظهر فسادها لمن علم، مع خفائها على من جهل، كما قال تعالى {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ} فَسَمَّاهَا حجة، وجعلها عند الله دَاحِضَةْ. والقول الثاني: أن المعنى لِئَلاَّ يكون للناس عليكم حُجَّةٌ بعد الذين ظلموا، فتكون (إلاّ) بمعنى (بعد)] كما قيل في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنكَحُوا مَا نَكَحَ ءَابَاءُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} تفسير : [النساء: 22] أي بعدما قد سلف. وكما قيل في قوله تعالى: {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا المَوتَ إِلاَّ المَوتَةَ الأولى} تفسير : [الدخان: 56] أي بعد الموتة الأولى. وأراد بالذين ظلموا قريشاً واليهود، لقول قريش حين استقبل الكعبة: قد علم أننا على هُدًى، ولقول اليهود: إن رَجَعَ عنها تابعناه. {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَونِي} في المخالفة {وَلأُتِمَّ نِعْمَتي عَلَيْكُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: فيما هديناكم إليه من القبلة. والثاني: ما أعددته لكم من ثواب الطاعة.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمِن حَيْثُ} لما حرضت اليهود وقالوا: "ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتابعك، أكد الله ـ تعالى ـ الأمر باستقبالها بقوله: ثانياً {وَمِن حَيْثُ خَرَجتَ}، ثم أكده ـ ثالثاً ـ ليخرج من قلوبهم ما أنكروه من التحويل فالأوامر الثلاثة ملزمة للتوجه إلى الكعبة إلا أن الأول: أفاد النسخ، والثاني: أفاد التحويل إلى الكعبة لا ينسخ بقوله: {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} والثالث: أفاد أنه لا حجة لأحد عليهم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ومن حيث خرجت فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام} أي من أي موضع خرجت في سفر وغيره فول وجهك يا محمد قبل المسجد الحرام ونحوه {وإنه} يعني التوجه إليه {للحق من ربك} أي الحق الذي لا شك فيه فحافظ عليه {وما الله بغافل عما تعملون} أي ليس هو بساه عن أعمالكم، ولكنه محصها لكم، وعليكم فيجازيكم بها يوم القيامة {ومن حيث خرجت فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} فإن قلت: هل في هذا التكرار فائدة. قلت: فيه فائدة عظيمة جليلة وهي أن هذه الواقعة أول الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا، فدعت الحاجة إلى التكرار لأجل التأكيد والتقرير وإزالة الشبهة، وإيضاح البيان فحسن التكرار فيهم لنقلهم من جهة إلى جهة {لئلا يكون للناس عليكم حجة} قيل: أراد بالناس أهل الكتاب: وقيل: هو على العموم وقيل هم قريش واليهود فأما قريش فقالوا: رجع محمد إلى الكعبة لأنه علم أنها الحق وأنها قبلة أبيه وسيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا وقالت اليهود: لم ينصرف محمد عن بيت المقدس مع علمه أنه حق إلاّ أنه يعمل برأيه فعلى هذا يكون الاستثناء في قوله: إلاّ الذين ظلموا منهم متصلاً صحيحاً والمعنى، لا حجة لأحد عليكم إلاّ مشركو قريش واليهود فإنهم يجادلونك الباطل والظلم، وإنما سمي الاحتجاج بالباطل حجة، لأن اشتقاقها من حجه إذا غلبه فكما تكون صحيحة فكذلك تسمى حجة وتكون باطلة قال الله تعالى: {أية : حجتهم داحضة عند ربهم} تفسير : [الشورىٰ: 16] وقيل: هذا الاستثناء منقطع عن الكلام الأول، ومعناه لكن الذين ظلموا منهم يجادلونك بالباطل كما قال النابغة: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : أي لكن سيوفهم بهن فلول، وليس بعيب وقيل: في معنى الآية إن اليهود عرفوا أن الكعبة قبلة إبراهيم ووجدوا في التوراة أن محمداً سيحول إليها فتكون حجتهم أنهم يقولون إن النبي الذي نجده في كتابنا سيحول إلى الكعبة ولم تحول أنت فلما حول الكعبة ذهبت حجتهم {إلاّ الذين ظلموا منهم} أي إلاّ أن يظلموا فيكتموا ما عرفوا من الحق. {فلا تخشوهم} أي فلا تخافوهم في انصرافكم إلى الكعبة في تظاهرهم عليكم بالمجادلة الباطلة فإني وليكم وناصركم، أظهركم عليهم بالحجة والنصرة {واخشوني} أي احذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم به وفرضته عليكم {ولأتم نعمتي عليكم} ولكي أتم نعمتي عليكم بهدايتي إلى قبلة إبراهيم لتتم لكم الملة الحنيفية. وقيل: تمام النعمة الموت على الإسلام ثم دخول الجنة ثم رؤية الله تعالى: {ولعلكم تهتدون} أي لكي تهتدوا من الضلالة. ولعل وعسى من الله واجب.
ابن عادل
تفسير : "مِنْ حَيْثُ" متعلق بقوله: "فولّ وَجْهَكَ" و"خرجت" في محلّ جر بإضافة "حيث" إليها، وقرأ عبد الله بالفتح، وقد تقدم أنها إحدى اللغات، ولا تكون هنا شرطية، لعدم زيادة "ما"، والهاء في قوله: {وَإِنَّهُ للحَقُّ} الكلام فيها كالكلام عليها فيما تقدّم. وقرئ "تعلمون" بالياء والتاء، وهما واضحتان كما تقدم. فصل في الكلام على الآية أعلم أنه - تبارك وتعالى - قال أولاً: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}تفسير : [البقرة: 144] وذكر هاهنا ثانياً قوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. ثم ذكر ثالثاً قوله: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} فما فائدة هذا التكرار؟ فيه أقوال: أحدها: أن الأحوال ثلاثة: أولها أن يكون الإنسان في المسجد الحرام. وثانيها: أن يخرج عن المسجد الحرام ويكون في البلد. وثالثها: أن يخرج عن البلد إلى أقطار الأرض. فالآية الأولى محمولة على الحالة الأولى، والثانية على الثانية، والثالثة على الثالثة؛ لأنه قد يتوهّم أن للقرب حرمة لا تثبت فيها للبعد، فلأجل إزالة هذا الوهم كرر الله - تعالى - هذه الآيات. والجواب: أنه علق بها كل مرة فائدة زائدة، ففي الأولى بين أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأمر هذه القبلة حقّ؛ لأنهم شاهدوا ذلك في التوراة والإنجيل. وفي الثانية بين أنه - تعالى - يشهد أن ذلك حقّ، وشهادة الله بكونه حقّاً مغايرة لعلم أهل الكتاب [حقّاً]. وفي الثالثة بين [فعل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجّة]، فلما اختلفت هذه الفوائد حسنت إعادتها لأجل أن يترتب في كل واحدة في المرات واحدة من هذه الفوائد، ونظيره قوله تعالى: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ}تفسير : [البقرة: 79]. وثالثها: لما قال في الأولى:{أية : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}تفسير : [البقرة: 144] فربما توهم متوهم أن هذا التحويل لمجرد رضاه فأزال هذا الوهم الفاسد بقوله عز وجل ثانياً: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} {وَإنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} أي: إن التحويل ليس لمجرد رضاك، بل لأجل أنه الحق الذي لا محيد عنه، فاستقبالها ليس لمجرد الهوى والميل كقبلة اليهود المنسوخة التي يقيمون عليها بمجرّد الهوى والميل. ثم قال تعالى ثالثاً: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] والمراد منه الدوام على هذه القبلة في جميع الأزمنة والأوقات، وإشعار بأن هذا لا يصير منسوخاً. ورابعها: أنه قرن كل آية بمعنى، فقرن الأولى وهي القبلة التي يرضاها ويحبّها بالقبلة التي كانوا يحبونها، وهي قبلة إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - وقرن الآية الثانية بقوله: {أية : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا}تفسير : [البقرة: 148] أي: لكل صاحب ملّة قبلة يتوجّه إليها، فتوجهوا أنتم إلى أشرف الجهات التي يعلم الله انها حقٌّ، وقرن الثالثة بقطع الله - تعالى - حجّة من خاض من اليهود في أمر القِبْلَةِ، فكانت هذه عللاً ثلاثاً قرن بكل واحدة منها أمراً بالتزام القبلة. نظيره أن يقال: الزم هذه القبلة كأنها القبلة التي كنت تهواها، ثم يقال: الزم هذه القبلة، فإنها قبلة الحق لا قبلة الهوى، وهو قوله: {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} ثم يقال: الزم هذه القبلة، فإن في لزومك إياها انقطاع حجج اليهود عنك، وهذا التكرار في هذا الموضع كالتكرار في قوله تعالى: {أية : فَبِأَيِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : [الرحمن: 16] وكذلك ما كرر في قوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 8]. وخامسها: أن هذه الواقعة أوّل الوقائع التي ظهر النَّسخ فيها في شرعنا، فدعت الحاجة إلى التكرار لأجل التأكيد والتقرير، وإزالة الشبهة، وإيضاح البينات. أما قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} يعني: ما يعمله هؤلاء المعاندون الذين يكتمون الحق، وهم يعرفونه، ويدخلون الشبهة على العامة بقولهم: {أية : مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا}تفسير : [البقرة: 142] وبأنه قد اشتاق إلى مولده، ودين آبائه، فإن الله عالم بهذا فأنزل ما أبطله. [وقد تقدم الكلام على نفي الغَفْلة وعدم ذكر العلم]. قوله تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ} هذه لام "كي" بعدها "أن" المصدرية الناصبة للمضارع، و"لا" نافية واقعة بين الناصب ومنصوبه، كما تقع بين الجازم ومجزومه نحو: {أية : إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ}تفسير : [الأنفال: 73] و "أن" هنا واجبة الإظهار، إذ لو أضمرت لثقل اللَّفظ بتوالي لامين، ولام الجر متعلقة بقوله سبحانه وتعالى: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ}. وقال أبو البقاء: متعلّقة بمحذوف تقديره: فعلنا ذلك لئلا، ولا حاجة إلى ذلك، و"للناس" خبر لـ"يكون" مقدّم على اسمها، وهو "حجّة"، و"عليكم" في محل نصب على الحال؛ لأنه في الأصل صفة النكرة، فلما تقدم عليها انتصب حالاً، ولا يتعلق بـ"حجة" لئلاّ يلزم تقديم معمول المصدر عليه، وهو ممتنع؛ لأنه في تأويل صلة وموصول، وقد قال بعضهم: يتعلّق بـ"حجة" وهو ضعيف، ويجوز أن يكون "عليكم" خبراً لـ"يكون" ويتعلق "للناس" بـ"يكون" على رأي من يرى أن "كان" الناقصة تعمل في الظرف وشبهه، وذكر الفعل في قوله "يكون"؛ لأن تأنيث الحجّة غير حقيقي، وحسن ذلك الفصل أيضاً. [وقال أبو روق: المراد بـ"النَّاس": أهل الكتاب. ونقل عن قتادة والربيع: أنهم وجدوا في كتابهم أنه - عليه الصلاة والسلام - تحوّل إلى القبلة، فلما حوّلت بطلت حجّتهم. "إلا الذين ظلموا"؛ بسبب أنهم كتموا ما عرفوا. وقيل: لام أوردوا تلك الشبهة معتقدين أنها حجّة سماها تعالى حجّة، بناءً على معتقدهم، أو لعله - تعالى - سمّاها حجّة تهكُّماً بهم. وقيل: أراد بالحجة المحاجّة، فقال: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} فإنهم يحاجونكم بالباطل]. قوله تعالى: "إلاَّ الَّذِينَ" قرأ الجمهور "إلاَّ" بكسر "الهمزة" وتشديد "اللام". وقرأ ابن عباس، وزيد بن علي، وابن زيد بفتحها، وتخفيف "اللام" على أنها للاستفتاح. فأما قراءة الجمهور فاختلف النحويون في تأويلها على أربعة أقوال: أظهرها: وهو اختيار الطبري، وبدأ به ابن عطية، ولم يذكر الزمخشري غيره أنه استثناء متصل. قال الزمخشري: معناه لئلا يكون حجّة لأحد من اليهود إلا للمعاندين منهم القائلين: ما ترك قِبْلَتنا إلى الكعبة إلا ميلاً لدين قومه، وحبّاً لهم، وأطلق على قولهم: "حجّة"؛ لأنهم ساقوه مساق الحجة. والحجّة كما أنها تكون صحيحة، فقد تكون أيضاً باطلة، قال الله تعالى: {أية : حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ}تفسير : [الشوى: 16]. وقال تعالى: {أية : فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ}تفسير : [آل عمران: 61] والمحاجّة هي أن يورد كل واحد من المحق والمبطل على صاحبه حجّة، وهذا يقتضي أن الذي يورده المبطل يسمى بالحجّة، ولأن الحجّة اشتقاقها من حَجَّه إذا علا عليه، فكل كلام يقصد به غلبة الغير فهو حجّة. وقال بعضهم: إنها مأخوذة من محجّة الطريق، فكل كلام يتّخذه الإنسان مسلكاً لنفسه في إثبات أو إبطال فهو حجّة. وقال ابن عطية: المعنى أنه لا حجّة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة للذين ظلموا من اليهود وغيرهم الذين تكلموا في النازلة، وسماها حجّة وحكم بفسادها حين كانت من ظالم. الثاني: أنه استثناء منقطع، فيقدر بـ"لكن" عند البصريين، وبـ"بل" عند الكوفيين؛ لأنه استثناء من غير الأول، والتقدير: لكن الذين ظلموا، فإنهم يتعلقون عليكم بالشبهة يضعونها موضع الحجة [نظيره قوله: {أية : إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ إَلاَّ مَن ظَلَمَ}تفسير : النمل: 10 - 11]. وقال: {أية : لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ}تفسير : [هود: 43]. ويقال: ما له عليّ مِنْ حقَ إلاّ التعدي، أي: لكنه يتعدى]. ومثار الخلاف هو: هل الحجّة هي الدليل الصحيح، أو الاحتجاج صحيحاً كان أو فاسداً؟ فعلى الأولى يكون منقطعاً، وعلى الثاني يكون متصلاً. الثالث: وهو قول أبي عبيدة أن "إلا" بمعنى "الواو" العاطفة وجعل من ذلك قوله: [الوافر] شعر : 843 - وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخْوهُ لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلاَّ الفَرْقَدانِ تفسير : يَعْني: والفرقدان. وقول الآخر: [البسيط] شعر : 844 - مَا بِالمَدِينَةِ دَارٌ غَيرُ وَاحِدَةٍ دَارُ الخَلِيفَةِ إِلاَّ دَارُ مَرْوَانَا تفسير : تقدير ذلك عنده: "ولا الذين ظلموا، والفرقدان، ودار مروان" وقد خطأه النحاة في ذلك كالزجاج وغيره. الرابع: أن "إلا بمعنى بعد، أي: بعد الذين ظلموا، وجعل منه قول الله تعالى: {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ}تفسير : [الدخان: 56]. وقوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}تفسير : [النساء: 22] تقديره: بعد الموتة، وبعد ما قد سلف، هذا من أَفْسَد الأقوال، وأنكرها، وإنما ذكرته لغرض التنبيه على ضعفه. و"الذين" في محل نصب على الاستثناء على القولين اتّصالاً وانقطاعاً، وأجاز قطرب أن يكون في موضع جَرّ بدلاً من ضمير الخطاب في "عليكم"، والتقدير: لئلا تثبت حجّة للناس على غير الظالمين منهم، وهم أنتم أيها المخاطبون بتولية وجوهكم إلى القِبْلة. ونقل عنه أنه كان يقرأ: "إلاَّ على الذين" كأنه يكرر العامل في البدل على حَدّ قوله: {أية : لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ}تفسير : [الأعراف: 75]. وهذا عند جمهور البصريين ممتنع؛ لأنه يؤدي إلى بدل ظاهر من ضمير حاضر بدل كلّ من كل، ولم يجزه من البصريين إلا الأخفش، وتأول غيره ما ورد من ذلك. وأما قراءة ابن عباس بـ"ألا" للاستفتاح، ففي محل "الذين" حينئذ ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه مبتدأ، وخبره قوله: "فَلاَ تَخْشَوْهُمْ"، وإنما دخلت "الفاء" في الخبر؛ لأن الموصول تضمن معنى الشرط، والماضي الواقع صلة مستقبل معنى كأنه قيل: من يظلم الناس فلا تخشوهمن ولولا دخول الفاء لترجّح النصب على الاشتغال، أي: لا تخشوا الذين ظلموا لا تخشوهم. الثاني: أن يكون منصوباً بإضمار فعل على الاشتغال، وذلك على قول الأخفش، فإنه يجيز زيادة الفاء. الثالث: نقله ابن عطية أن يكون منصوباً على الإغراء. ونقل عن ابن مجاهد أنه قرأ: "إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا" وجعل "إلى" حرف جر متأولاً لذلك بأنها بمعنى "مع"، والتقدير: لئلا يكون للناس عليكم حجة مع الذين، والظاهر أن هذا الراوي وقع في سمعه "إلا الذين" بتخفيف "إلاَ" فاعتقد ذلك فيها، وله نظائر مذكورة عندهم. و"فهم" في محل نصب على الحال فيتعلّق بمحذوف، ويحتمل أن تكون "من" للتبعيض، وأن تكون للبيان. فصل في الكلام على هذه الحجة اعلم ان هذا الكلام يوهم حِجَاجاً وكلاماً تقدم من قبل في باب القِبْلَةِ عن القوم فأراد الله تعالى أن يبين أن تلك الحجّة تزول الآن باستقبال الكعبة. وفي كيفية تلك الحجة روايات: إحداها: أن اليهود قالوا: تخالفنا في ديننا وتتبع قبلتنا. وثانيها: قالوا: ألم يدر محمد أين يتوجه في صلاته حتى هديناه؟ وثالثها: أن العرب قالوا: إنه كان يقول: أنا على دين إبراهيم، والآن ترك التوجه إلى الكعبة، ومن ترك التوجّه إلى الكعبة، فقد ترك دين إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - فصارت هذه الوجوه وَسَائِلَ لهم إلى الطعن في شرعه عليه الصلاة والسلام، إلاّ أن الله - تعالى - لما علم أن الصلاح في ذلك أوجب عليهم التوجه إلى بيت المقدس لما فيه من المصلحة في الدين؛ لأن قولهم لا يؤثر في المصالح، وقد بينا من قبل تلك المصلحة، وهي تمييز من اتبعه بـ"مكة" ممن أقام على تكذيبه فإن ذلك الامتياز ما كان يظهر إلا بهذا الجنس ولما انتقل عليه الصلاة والسلام إلى المدينة تغيرت المصلحة، فاقتضت الحكمة تحويل القبلة إلى الكعبة، فلهذا قال الله تعالى: "لئلا يكون للناس عليكم حجة يعني أنّ تلك الشبهة التي ذكروها تزول بسبب هذا التحويل، ولما كان فيهم من المعلوم من حاله أن يتعلق عند هذا التحويل بشبهة أخرى، وهو قول بعض العرب: إن محمداً عليه الصلاة والسلام - عاد إلى ديننا في الكَعْبة وسيعود إلى ديننا بالكلية، وكان التمسك بهذه الشبهة، والاستمرار عليها سبباً للبقاء على الجهل والكفر، وذلك ظلم [للنفس] على ما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13] فلا جرم، قال الله تعالى {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ [فَلاَ تَخْشَوهُمْ وَاخْشَوْنِ}. أي: لا تخشوا من يتعنّت ويجادل، ولا تخافوا طعنهم في قبلتكم، فإنهم يضرونكم، واخشوني، واحذروا عقابي إن عدلتم عما ألزمتكم، وفرضت عليكم. و"الخَشْية": أصلها: طمأنينة في القلب تبعث على التوقي والخوف، و"الخوف": فزع في القلب تخف له الأعضاء، ولخفّة الأعضاء به يسمى خوفاً، ومعنى التحقير لك من سوى الله تعالى، والأمر باطّراح أمرهم ومراعاة أمر الله تعالى. قال بعضهم: الخوف أوّل المراتب، وهو الفزع، ثم بعده الوَجَل، ثم الخَشْية، ثم الرَّهْبة]. قوله: "وَلأُتِمَّ" فيه أربعة أوجه: أظهرها: أنه معطوف على قوله: "لِئَلاَّ يَكُونَ" كأن المعنى: عرفناكم وجه الصواب في قبلتكم، والحجة لكم لانتفاء حجج الناس عليكم، ولإتمام النعمة، فيكون التعريف معلّلاً بهاتين العلّتين: [إحداهما: لانقطاع حجّتهم عنه. والثانية: لإتمام النعمة. وقد بَيَّن مسلم الأصفهاني ما في ذلك من النعمة، وهو القوم كانوا يفتخرون باتباع إبراهيم في جميع ما يفعلون، فلما حُوِّل - عليه الصلاة والسلام - إلى "بيت المقدس" لحقهم ضعف قلب، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يحب التحوّل إلى الكعبة، لما فيها من شرف البُقْعة، فهذا موضع النعمة]، والفصل بالاستثناء وما بعده كَلاَ فَصْلٍ إذ هو من متعلق العلة الأولى. الثاني: أنه معطوف على علّة محذوفة، وكلاهما [معلولها] الخشية السابقة، فكأنه قيل: واخشوني [لأوفقكم] ولأتم نعمتي عليكم. الثالث: أنه متعلّق بفعل محذوف مقدر بعده تقديره: وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ عرفتكم أمر قبلتكم". الرابع: وهو أضعفها أن تكون متعلقة بالفعل قبلها، و"الواو" زائدة، تقديره: واخشوني لأتم نعمتي. وهذه لام "كي" و"أن" مضمرة بعدها ناصبة للمضارع، فينسبك منهما مصدر مجرور باللام وتقدم تحقيقه، و"عليكم" فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بـ"أتمّ". الثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من "نعمتي"، أي: كائنة عليكم. فإن قيل: إنه - تعالى - أنزل عند قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}تفسير : [المائدة: 3] فبين أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم، فكيف قال قبل ذلك اليوم بسنين كثيرة في هذه الآية {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ}؟! فالجواب: أنا قلنا تمام النعمة اللاَّئقة في كل وقت هو الذي خصه به. وعن عليّ رضي الله عنه: تمام النعمة الموت على الإسلام. وقوله: "لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" فيه سؤال، وهو أن لَفْظَه التَّرَجِّي، وهو في حق الله - تعالى - مُحَال؛ لأنه يعلم الأشياء على ما هي عليه. وأجيب عن ذلك بوجهين: الأول: أن الترجي في الآية الكريمة بالنسبة إلى المخاطبين أي: بإتمام النعمة ترجون الثَّواب والاهتداء إلى دلائل التوحيد. الثاني: قال بعض المفسرين: كل لفظ "لعلّ" في القرآن الكريم المراد به التحقيق كقول الملك لمن طلب منه حاجة وأراد ذلك قضاها، فنقول لطالب الحاجة: لعلّ حاجتك تقضى. والاهتداء يطلق، ويراد به بيان الأدلة كقوله تعالى: {أية : وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}تفسير : [النحل: 16] الآية، ويطلق ويراد به الاهتداء إلى الحق.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير من طريق السدي عن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا: لما صرف النبي صلى الله عليه وسلم نحو الكعبة بعد صلاته إلى بيت المقدس قال المشركون من أهل مكة: تحير محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم اهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم. فأنزل الله {لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {لئلا يكون للناس عليكم حجة} قال: يعني بذلك أهل الكتاب، قالوا حين صرف نبي الله إلى الكعبة البيت الحرام: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {لئلا يكون للناس عليكم حجة} قال: حجتهم قولهم: قد راجعت قبلتنا. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ومجاهد في قوله {إلا الذين ظلموا منهم} قال: هم مشركو العرب، قالوا حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم فيوشك أن يرجع إلى دينكم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {إلا الذين ظلموا منهم} قال: الذين ظلموا منهم مشركو قريش، إنهم سيحتجون بذلك عليكم، واحتجوا على نبي الله بانصرافه إلى البيت الحرام، وقالوا: سيرجع محمد إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأنزل الله في ذلك كله {أية : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} تفسير : [البقرة: 153]. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {لئلا يكون للناس عليكم حجة} قال: يعني بذلك أهل الكتاب {إلا الذين ظلموا منهم} بمعنى مشركي قريش.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}. كما تستقبلون أينما كنتم القِبْلَة - قَرُبتُم منها أم بَعُدْتُم - فكذلك أَقْبَلُوا علينا بقلوبكم كيفما كنتم،؛ حَظَيتم منا أو مُنِيتُم. قوله جلّ ذكره: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ}. إذا أردت ألا يكون لأحد عليك سبيلٌ، ولا يقع لمخلوق عليك ظِلٌّ، ولا تصل إليك بالسوءِ يَدٌ، فحيثما كنتَ وأينما كنتَ وكيفما كنت كن لَنَا وكُن مِنّا، فإِنَّ من انقطع إلينا لا يتطرق إليه حدثان. قوله جلّ ذكره: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي}. إذا كانوا محوا عن كونهم رسوماً تجري عليهم أحكامنا - فأنَّى بالخشية منهم!؟ قوله جلّ ذكره: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}. إتمام النعمة إضافة الكشف إلى اللطف، فإن من كفاه بمقتضى جوده دون من أغناه بحق وجوده، وفي معناه أنشدوا: شعر : نحن في أكمل السرورِ ولكنْ ليس إلا بكم يَتمُّ السرور عيبُ ما نحن فيه - يا أهلَ وُدِّي - أنّكم غُيَّبٌ ونحن الحُضُور
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن حيث خرجت} اى من أى مكان وبلد خرجت اليه للسفر {فول وجهك} عند صلاتك {شطر المسجد الحرام} تلقاءه فان وجوب التوجه الى الكعبة لا يتغير بالسفر والحضر حالة الاختيار بل الحكم بالاسفار مثله حالة الاقامة بالمدينة {وإنه} اى هذا المأمور به وهو تحويل القبلة الى الكعبة {للحق من ربك} اى الثابت الموافق للحكمة {وما الله بغافل عما تعملون} فيجازيكم بذلك احسن جزاء فهو وعد للمؤمنين.
الطوسي
تفسير : قيل في تكرار قوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} قولان: احدهما - أنه لما كان فرضاً، نسخ ما قبله، كان من مواضع التأكيد لينصرف الى الحال الثانية بعد الحال الاولى على يقين. والثاني - أنه مقدم لما يأتي بعده ويتصل به، فاشبه الاسم الذي تكرره لتخبر عنه باخبار كثيرة كقولك: زيد كريم، وزيد عالم، وزيد حليم، وما اشبه ذلك مما تذكره لتعلق الفائدة به وإن كانت في نفسها معلومة عند السامع، ومعنى قوله {وإنه للحق} الدلالة على وحوب المحافظة - من حيث كان حقاً لله فيه طاعة -، ومعنى قوله {وما الله بغافل عما تعملون} ها هنا التهديد كما يقول الملك لعبيده ليس يخفى علي ما أنتم فيه، ومثله قوله: {أية : إن ربك لبالمرصاد }.تفسير : والوجه الجارحة المخصوصة وقد حده الرماني بانه صفيحة فيها محاسن تعرف بها الجملة، وحيث مبنية على الضمّ، لانها كالغاية تمامها الاضافة إلى المفرد، دون الجملة، لها بمنزلة الصلة، فجرت لذلك مجرى قوله {أية : من قبل ومن بعد }.
الجنابذي
تفسير : {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} للسّفر فى البلاد وللحركة فى الشّؤن والتّقلّب فى الاحوال {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُ} اى شطر المسجد او المسجد من حيث التّوجّه اليه او التّوجّه الى شطر المسجد {لَلْحَقُّ} اىّ الثّابت {مِن رَّبِّكَ} او الحقّ الّذى هو غير الباطل حال كونه من ربّك على ان لا يعتبر فيه معنى الوصفيّة والجملة حاليّة، او معطوفة على مقدّرٍ، او باعتبار المعنى والتّقدير فانّه فرضك وانّه للحقّ من ربّك وهذا المعنى مستفادٌ من السّابق {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} قرئ بالياء وبالتّاء.
اطفيش
تفسير : {ومِنْ حَيثُ خَرَجْت}: من أى مكان خرجت للسفر أو لغيره. {فَولِّ وجْهَك شَطْر المسْجِد الحَرَام}: إذا صليت، أى ولّ وجهك جهته، أى موضع أنت، من موضع خروجك إلى حيث تنهى، وإلى أى موضع رجعت تستقبل جهة الكعبة للصلاة فى ذلك كله، سافرت أو خرجت للشرق أو للغرب، ويجوز أن يكون حيث خرجت مراداً به مكة، لأنهُ خرج منه، أى ول وجهك شطر المسجد الحرام حال كونه من حيث خرجت، ولا بأس من مجئ الحال من المضاف إليهِ وهو المسجد، لأنهُ يغنى عن المضاف، أو من معنى إلى أى ول وجهك إلى حيث خرجت شطر المسجد الحرام، فيتعلق شطر ومن معا بول لاختلافهما، أو يعلق به من وشطر بدل من مجموع الجار والمجرور، لا من المجرور وحده بدليل عدم جره وحيث مضمنة معنى الشرط، وليست شرطية لعدم زيارة ما متعلقة بولِّ، والفاء صلة لتأكيد الربط، وقيل تكون شرطية جازمة ولو لم نزد بعدها ما. {وإنّه}: أى إن شطر المسجد الحرام، فالضمير عائد إلى شطر، أو أن المسجد الحرام يعود الضمير إلى المسجد الحرام، ويقدر مضاف، أى أن استقبال شطر المسجد الحرام، وأن استقبال المسجد الحرام، ويجوز عود الضمير إلى تحويل الوجه المفهوم من ول وجهك، أو إلى هذا الأمر أو إلى المذكور من التولية. {لَلْحقُّ مِنْ ربِّك}: فحافظ عليه. {ومَا اللهُ بغافِل عما تَعْملون}: وهو يجازيكم بها، والخطاب للمؤمنين، أو لهم وللكفار من اليهود والنصارى وغيرهم، وقرأ أبو عمر: {عما يعملون} بالمثناة التحتية.
اطفيش
تفسير : {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} متعلق بولّ بعده، ومن للابتداء، أو بعض فى، كأنه قيل {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} من حيث خرجت للسفر إلى أن ترجع، وفى موضع خروجك للسفر، فيفهم منه أن حكم ما بعد الموضع من مواضع السفر كذلك، أو خرجت بمعنى سافرت، أى ولّ وجهك فى مواضع سفرك، ولا يعترض على ذلك بأنه يلزم اتصال الواو بالفاء، إذا علقناه بول، لأن الفاء صلة للتأكيد، أساغها شبه حيث بالشرطية المتصلة بما فى العموم، كما أجاز الفراء كونها شرطية ولو بدون ما، ولأنه لا يكون الثقل فى التقدير مثل الثقل اللفظى كما فى أنواع كثيرة، بل يسوغ فى التقدير، وكرره لبيان أنك تستقبل القبلة فى السفر كالحضر {وَإِنَّهُ} أى التولى المطاوع للتولية المذكورة، أو شطر المسجد الحرام، أى استقباله، أو أن التولية، فذكر للتذكير الخبر، أو أن الصرف أو الاستقابل {لَلْحَقُّ مِنْ رَّبِّكَ، وَمَا اللهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.
الالوسي
تفسير : {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} عطف على {أية : فَاسْتَبِقُوا } تفسير : [البقرة: 148] و {حَيْثُ} ظرف لازم الإضافة إلى الجمل غالباً، والعامل فيها ما هو في محل الجزاء لا الشرط فهي هنا متعلقة ـ بولّ ـ والفاء صلة للتنبيه على أن ما بعدها لازم لما قبلها لزوم الجزاء للشرط لأن ـ حيث ـ وإن لم تكن شرطية لكنها لدلالتها على العموم أشبهت كلمات الشرط ففيها رائحة الشرط، ولا يجوز تعلقها ـ بخرجت ـ لفظاً وإن كانت ظرفاً له معنى لئلا يلزم عدم الإضافة والمعنى من أي موضع خرجت فولّ وجهك من ذلك الموضع شطر الخ، و(من) ابتدائية لأن الخروج أصل لفعل ممتد وهو المشي وكذا التولية أصل للاستقبال وقت الصلاة الذي هو ممتد، وقيل: إن ـ حيث ـ متعلقة ـ بولّ ـ والفاء ليست زائدة، وما بعدها يعمل فيما قبلها كما بين في محله إلا أنه لا وجه لاجتماع الفاء والواو فالوجه أن يكون التقدير افعل ما أمرت به من حيث خرجت فول فيكون {فَوَلّ} عطفاً على المقدر، ويجوز أن يجعل ـ من حيث خرجت ـ بمعنى أينما كنت وتوجهت فيكون ـ فول ـ جزاءاً له على أنها شرطية العامل فيها الشرط ـ ولا يخفى ما فيه من التكلف ـ والتخريج على قول ضعيف لم يذهب إليه إلا الفراء وهو شرطية ـ حيث ـ بدون ـ ما ـ حتى قالوا: إنه لم يسمع في كلام العرب، ثم الأمر بالتولية مقيد بالقيام إلى الصلاة للإجماع على عدم وجوب استقبال القبلة في غير ذلك. {وإِنَّهُ} أي الاستقبال أو الصرف أو التولية والتذكير باعتبار أنها أمر من الأمور أو لتذكير الخبر أو لعدم الاعتداد بتأنيث المصدر أو بذي التاء الذي لا معنى للمجرد عنه سواء كان مصدراً أو غيره، وإرجاع الضمير للأمر السابق واحد الأوامر على قربه بعيد {لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ} أي الثابت الموافق للحكمة. {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} فيجازيكم بذلك أحسن الجزاء فهو وعيد للمؤمنين، وقرىء (يعملون) على صيغة الغيبة فهو وعيد للكافرين، والجملة عطف على ما قبلها وهما اعتراض للتأكيد.
ابن عاشور
تفسير : عُطف قولُه: {ومن حيث خرجت} على قوله: { أية : فول وجهك شطر المسجد الحرام } تفسير : [البقرة: 144] عَطْف حكم على حكم من جنسِه للإعلام بأن استقبال الكعبة في الصلاة المفروضة لا تَهاوُن في القيام به ولو في حالة العذر كالسفر، فالمراد من {حَيث خرجتَ} من كل مكان خرجتَ مسافراً لأن السفر مظنة المشقة في الاهتداء لجهة الكعبة فربما يتوهم متوهم سقوط الاستقبال عنه، وفي معظم هاته الآية مع قوله: {وإنه للحق من ربك} زيادةُ اهتمام بأمر القبلة يؤكد قوله في الآية السابقة: { أية : الحق من ربك } تفسير : [البقرة: 147]. وقوله: {وما الله بغافل عما تعملون} زيادة تحذير من التساهل في أمر القبلة. وقوله بعده: {ومن حيث خرجت} عطف على الجملة التي قبله، وأعيد لفظ الجملة السالِفة ليبنَى عليه التعليل بقوله: {لئلا يكون للناس عليكم حجةٌ}. وقوله: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} عطف على قوله: {ومن حيث خرجت} الآية. والمقصد التعميم في هذا الحكم في السفر للمسلمين لئلا يتوهم تخصيصه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وحصل من تكرير مُعظم الكلمات تأكيد للحكم ليترتب عليه قوله {لئلا يكون للناس عليكم حجة}. وقد تكرر الأمر باستقبال النبي الكعبة ثلاث مرات، وتكرر الأمر باستقبال المسلمين الكعبةَ مرتين. وتكرر أنَّه الحقُّ ثلاث مرات، وتكرر تعميم الجهات ثلاث مرات، والقصد من ذلك كله التنويه بشأن استقبال الكعبة والتحذير من تطرق التساهل في ذلك تقريراً للحق في نفوس المسلمين، وزيادةً في الرد على المنكرين التأكيد، من زيادة {ومن حيثُ خرجتَ}، ومن جُمَل معترضة، لزيادة التنويه بحكم الاستقبال: وهي جملة وإنّ الذين أوتوا الكتاب ليعلمون الآيات، وجملة: {وإنه للحق من ربك} وجملة: {لئلا يكون للناس عليكم حجة} الآيات، وفيه إظهار أحَقية الكعبة بذلك لأن الذي يكون على الحق لا يزيده إنكار المنكرين إلاّ تصميماً، والتصميم يستدعي إعادة الكلام الدال على ما صمم عليه لأن الإعادة تدل على التحقُّق في معنى الكلام. وقد ذكر في خلال ذلك من بيان فوائد هذا التحويل وما حَفَّ به، ما يدفع قليل السآمة العارضةِ لسماع التكرار، فذُكر قوله: {وإنه للحق من ربك وما الله بغافل} الخ، وذُكر قوله: {لئلا يكون للناس} الخ. والضمير في {وإنه للحَق من ربك} راجع إلى مضمون الجملة وهو حكم التحويل فهو راجع إلى ما يؤخذ من المقام، فالضمير هنا كالضمير في قوله: { أية : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه } تفسير : [البقرة: 146]. وقرأ الجمهور {عما تعملُون} بمثناة فوقية على الخطاب، وقرآه أبو عَمْرو بياء الغيبة. وقوله: {لئلا يكون للناس عليكم حجة} علة لقوله: {فولوا} الدالِ على طلب الفعل وامتثاله، أي شرعت لكم ذلك لندحض حجة الأمم عليكم، وشأن تعليل صيغ الطلب أن يكون التعليل للطلب باعتبار الإتيان بالفعل المطلوب. فإن مدلول صيغة الطلب هو إيجاد الفعل أو الترك لا الإعلامُ بكون الطالب طالباً وإلاّ لما وجب الامتثال للآمر فيكتفى بحصول سماع الطلب لكن ذلك ليس مقصوداً. والتعريف في (الناس) للاستغراق يشمل مشركي مكة فإن من شبهتهم أن يقولوا لا نتبع هذا الدين إذ ليس ملة إبراهيم لأنه استقبَل قبلة اليهود والنصارى، وأهلَ الكتاب، والحجة أن يقولوا إنَّ محمداً اقتدى بنا واستقبل قبلتنا فكيف يدعونا إلى اتباعه. ولجميع الناس ممن عداكم حجة عليكم، أي ليكون هذا الدين مخالفاً في الاستقبال لكل دين سبقه فلا يدعي أهل دين من الأديان أن الإسلام مقتبس منه. ولا شك أن ظهور الاستقبال يكون في أمر مشاهد لكل أحد لأن إدراك المخالفة في الأحكام والمقاصد الشرعية والكمالات النفسانية التي فَضُل بها الإسلام غيرَه لا يدركه كل أحد بل لا يعلمه إلاّ الذين أوتوا العلم، وعلى هذا يكون قوله: {لئلا يكون للناس عليكم حجة} ناظراً إلى قوله: { أية : وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق } تفسير : [البقرة: 144]، وقوله: { أية : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه } تفسير : [البقرة: 146]. وقد قيل في معنى حجة الناس معانِ أُخَرُ أَرَاها بعيدة. والحجة في كلام العرب ما يقصد به إثبات المخالف، بحيث لا يجد منه تفصياً، ولذلك يقال للذي غلَب مخالفه بحجته قد حَجَّه، وأما الاحتجاج فهو إتيان المحتج بما يظنه حجة ولو مغالطة يقال احتج ويقال حَاجَّ إذا أتى بما يظنه حجة قال تعالى: { أية : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه } تفسير : [البقرة: 258]، فالحجة لا تطلق حقيقة إلاّ على البرهان والدليل الناهض المبكت للمخالف، وأما إطلاقها على الشبهة فمجاز لأنها تُورَد في صورة الحجة ومنه قوله تعالى: { أية : حجتهم داحضة عند ربهم } تفسير : [الشورى: 16]، وهذا هو فقه اللغة كما أشار إليه «الكشاف»، وأما ما خالفه من كلام بعض أهل اللغة فهو من تخليط الإطلاق الحقيقي والمجازي، وإنما أرادوا التفصي من ورود الاستثناء وأشكل عليهم الاستثناء لأن المستثنى محكوم عليه بنقيض حكم المستثنى منه عند قاطبة أهل اللسان والعلماء، إلاّ خلافاً لا يلتفت إليه في علم الأصول، فصار هذا الاستثناء مقتضياً أن الذين ظلموا لهم عليكم حجة، فأجاب صاحب «الكشاف» بأنه إنما أطلق عليه حجة لمشابهته للحجة في سياقهم إياه مَساق البرهان أي فاستثناء الذين ظلموا يقتضي أنهم يأتون بحجة أي بما يشبه الحجة، فحرف {إلاَّ} يقتضي تقدير لفظ حجة مستعملاً في معناه المجازي، وإطلاق اللفظ في معنييه الحقيقي والمجازي ليس ببدع لاسيما مع الإتيان بلفظ يخالف الأول على أنه قد يجعل الاستثناء منقطعاً بمعنى لكن الذين ظلموا يشغبون عليكم فلا تخشوهم. وجملة {ولأتم نعمتي} تعليل ثان لقوله: {فولوا وجوهكم شطره} معطوف على قوله: {لئلا يكون للناس عليكم حجة} بذلك الاعتبار الذي بيناه آنفاً وهو أنه تعليل الامتثال فالمعنى أمرتكم بذلك لأتم نعمتي عليكم باستيفاء أسباب ذلك الإتمام ومنها أن تكون قبلتكم إلى أفضل بيت بني لله تعالى، ومعلوم أن تمام النعمة بامتثال ما أمرنا به وجماع ذلك الاستقامة وبها دخول الجنة. وقد روى الترمذي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «حديث : إتمام النعمة دخول الجنة»تفسير : ، أي غاية إتمام النعمة علينا دخول الجنة ولم يكن ذلك في تفسير هذه الآية ولكنه من جملة معناها فالمراد بالإتمام هنا إعطاء الشيء وافراً من أول الأمر لا إتمامه بعد أن كان ناقصاً، فهو قريب من قوله تعالى: { أية : فأتمهن } تفسير : [البقرة: 124] أي امتثلهن امتثالاً تاماً وليس المراد أنه فعل بعضها ثم فعل بعضاً آخر، فمعنى الآية ولتكون نعمتي نعمة وافرة في كل حال. وقوله: {ولعلكم تهتدون} عطف على {ولأتم} أي أمرتكم بذلك رجاء امتثالكم فيحصل الاهتداء منكم إلى الحق. وحرف لعل في قوله: {ولعلكم تهتدون} مجاز في لازم معنى الرجاء وهو قرب ذلك وتوقعه. ومعنى جعل ذلك القرب علة أن استقبالهم الكعبة مؤذن بأنهم يكونون معتدين في سائر أمورهم لأن المبادىء تدل على الغايات فهو كقوله: { أية : وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً } تفسير : [البقرة: 143] كما قدمناه وقال حبيب: شعر : إِنَّ الهلالَ إذا رأيت نماءه أيقنتَ أن سيصيرُ بدراً كاملاً
القطان
تفسير : الى أي جهة توجهت في اسفارك يا محمد فاستقبل المسجد الحرام. هذا هو الحق من ربك، فاحرص عليه انت وأمتك، فان الله ليس بغافل عن أعمالكم. وحيثما كنتم من أقطار الارض، مقيمين أو مسافرين، فصلُّوا متجهين الى المسجد الحرام. وقد كرر سبحانه هذا الأمر ثلاث مرات تأكيدا لأهمية هذا الموضوع حتى تنقطع حجة أهل الكتاب والمشركين ومن تبعهم من المنافقين، الا الذين ظلموا منهم فلن ينقطع جدالهم وضلالهم. سيظل اليهود يقولون: ما تحوّل الى الكعبة الا حباً لبلده، ولو كان على حق للزم قبلة الأنبياء الذي قبله. ويقول المشركون: رجع الى قبلتنا وسيرجع الى ديننا. ويقول المنافقين: انه متردد مضطرب لا يثبت على قبلة. لا تبالوا بمثل هؤلاء، فان مطاعنهم لا تضركم، واخشوني ولا تخالفوا امري. بذلك أتم نعمتي عليكم بأعطائكم قبلة مستقلة لكم، لعلكم تهتدون.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِغَافِلٍ} (149) - وَيَعُودُ اللهُ تَعَالَى لِيُكَرِّرَ هُنَا أَمْرَهُ لِلَْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ فِي التَّوَجُّهِ إِلى البَيْتِ الحَرَامِ، وَيَقُولُ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ التَّوَجُّهَ إِلى البَيْتِ الحَرَامِ هُوَ الحَقُّ مِنَ اللهِ، وَاللهُ لاَ يَغْفُلُ عَنْ أَعمَالِ النَّاسِ وَإِخْلاصِهِمْ، فِي مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ فِي كُلِّ مَا يَجِيءُ بِهِ مِنْ أَمرِ الدِّينِ، وَسَيُجَازِيهِمْ عَلَيهِ أَوْفَى الجَزَاءِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لا بد أن نتأمل كم مرة أكد القرآن الكريم قضية تحويل القبلة .. أكدها ثلاث مرات متقاربة .. لأن تحويل القبلة أحدث هزة عنيفة في نفوس المؤمنين .. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يُذهب هذا الأثر ويؤكد تحويل القبلة تأكيداً إيمانياً. لقد جاء بثلاث آيات التي هي أقل الجمع .. واحدة للمتجه إلى الكعبة وهو داخل المسجد .. والثانية للمتجه وهو خارج المسجد .. والثالثة للمتجه من الجهات جميعاً. قوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [البقرة: 149] .. هو رد على المنافقين واليهود والنصارى الذين حاولوا التشكيك في الإسلام .. بأن واجهوا المسلمين بقضية تغيير القبلة .. على أساس أنها قضية ما كان يجب أن تتم لأنه ليس فيها زيادة في التكليف ولا مشقة زائدة تزيد ثواب المؤمن .. فالجهد الذي يبذله المؤمن في الاتجاه إلى المسجد الأقصى هو نفس الجهد الذي يبذله في الاتجاه إلى البيت الحرام .. فأنت إذا اتجهت في صلاتك يميناً أو شمالاً أو شرقاً أو غرباً فإن ذلك لا يضيف إليك مشقة. فما هو سبب التغيير؟. نقول لهم إن هذه ليست حجة للتشكيك في تحويل القبلة لأن الاتجاه إلى المسجد الحرام هو طاعة لأمر الله .. وما دام الله سبحانه وتعالى قد قال فعلينا أن نطيع طاعة إيمانية .. يقول المولى جل جلاله: {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 149] .. أي أن ما فعلتموه من تحويل القبلة هو حق جاءكم من الله تبارك وتعالى .. والله عز وجل ليس غافلاً عن عملكم بحيث تكونون قد اتجهتم إلى البيت الحرام. بل الله يعلم ما تبدون وما تكتمون .. فاطمئنوا إنكم على الحق وولوا وجوهكم تجاه المسجد الحرام .. واعملوا أن الله سبحانه محيط بكم في كل ما تعملون.
الأندلسي
تفسير : {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} لما أمر باستقبال الكعبة وهو عليه السلام مقيم بالمدينة بين تساوي الحالين في الاقامة والسفر وبين بقوله وحيث ما كنتم تساوي حالهم وحاله عليه السلام في ذلك وختم هذه الآية. بما ختم به تلك الآية السابقة مبالغة في امتثال هذا التكليف العظيم الذي هو تحويل من جهة إلى جهة وهو تعبد محض. {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} توكيد لما قبله وتقرير لهذا النسخ. {لِئَلاَّ} هي لام كي وان في هذا التركيب واجبة الإِظهار. {يَكُونَ لِلنَّاسِ} اليهود أو مشركي العرب ونفى الله تعالى أن يكون لأحد على المؤمنين حجة وخبر كان. {لِلنَّاسِ} و{عَلَيْكُمْ} متعلق بما تعلق به للناس وهو كائن وقد أجيز أن يتعلق بحجة بمعنى الاحتجاج وليس بجائز والحجة أن أريد بها البرهان الصحيح فهو استثناء منقطع أي لكن الذين ظلموا فإِنهم يتعلقون بالشبهة ويضعونها موضع الحجة وان أريد بها الاحتجاج بالخصومة واللدد فهو استثناء متصل أي الا خصومة من ظلم أو الا من ظلم بخصومته فيما قد وضح له. كقولك: ما له حجة إلا الظلم. وقد اقطرى الا على الذين ظلموا. جعله بدلاً من الضمير في عليكم، ولا يجوز إلا على مذهب الكوفيين والأخفش. وقال أبو عبيدة: إلا بمعنى الواو وكان أبو عبيدة يضعّف في النحو. وقرىء: الا حرف استفتاح والذين ظلموا مبتدأ خبره فلا تخشوهم، والضمير في فلا تخشوهم يعود على الناس أو على الذين ظلموا وهو أقرب مذكور. {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي} معطوف على لئلا يكون والمعنى عرفناكم وجه الصواب في قبلتكم لانتفاء حجج الناس عليكم ولإِتمام النعمة، فالتعريف معلل بعلتين والفصل بالاستثناء كلاً فصل إذ هو من متعلق العلة الأولى. {كَمَآ أَرْسَلْنَا} تشبيه متعلقة. ولا تم أي إتماماً مثل إتمام إرسال الرسول إليكم أو تهتدون اهتداء مثل ارسالنا. وتشبيه الهداية بالارسال في التحقق والثبوت، أي اهتداء ثابتاً متحققاً كتحقق إرسال الرسول. ولو قيل: الكاف للتعليل لا للتشبيه لكان سائغاً أي لارسالنا رسولاً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن قبلة أهل هذه المسألة بقوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [البقرة: 149]، إلى {تَهْتَدُونَ} [البقرة: 150] والإشارة فيها أن الخطاب تكرر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الآيتين، ومن حيث خرجت فلا بد لتكرار من فائدة وهي أن الخروج الأول إشارة إلى الخروج من حجب الجهات معناه حين خرجت وتخلصت من حجب الجهات. {أية : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة: 144] أي: إلى جهة المسجد الحرام لئلا يتعلق قلبك بالمسجد وبالجهات فإنه حرام على قلبك التوجه والتعلق بغيري {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} [البقرة: 149] يعني: التوفيق لهذا المعنى لحق من الله فلا سبيل للحق إليه إلا به {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 149]، ليس عنكم غافلاً حتى تعملوا بغير توفيقه والخروج الثاني إشارة إلى الخروج من الوجود لاندفاع الاثنينية وثبوت الوحدة، معناه: إذا خرجت من حجب وجود الأنانية بسطوات تجلي صفة الوحدانية {فَوَلِّ} وهذا أمر التكوين يعني كن مولياً بسطوات التجلي وجه ذاتك شطر الفناء لتبقى بصاحب المسجد الذي وصفه بالحرام لمعنيين: أحدهما حرام لمن دخله الخروج أبداً لقوله تعالى: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}تفسير : [آل عمران: 97]، من الخروج. والثاني حرام على غيرك الوصول إلى هذا المقام لأنه المقام المحمود وهو مخصوص بك والمحمود هو الله، فافهم جدّاً. ثم عمم الخطاب وقال: {أية : وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}تفسير : [البقرة: 144]، وفيه معنيان: أحدهما: وحيثما كنتم أيها المؤمنون يعني أي حال تكونون خرجتم من الحجب أو لم تخرجوا {أية : فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}تفسير : [البقرة: 144]، الهاء كناية عنه. والثاني: {أية : فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}تفسير : [البقرة: 144]، الهاء كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني يكون توجهكم إلى متابعته في الخروج عن حجب الوجود واقتداء به في الوصول إلى عالم الشهود {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} [البقرة: 150]، يعني الأوصاف الإنسانية لا تكون عليكم منازعة في سلوك طريق الحق ولا تمنعكم بحجج الدواعي عن الحق إذا كنتم في حقارة المتابعة. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} [البقرة: 150]، يعني: صفة ظلومية النفس الأمارة والشيطان الظالم يزاحمانكم في أثناء السلوك في بعض الأوقات، وذلك لا يخلو من مصالح وحكمة {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} [البقرة: 150]، فإنهم لا يقدرون على قطع طريقكم بدرقة الإخلاص في ظله راية المتابعة {وَٱخْشَوْنِي} [البقرة: 150] يعني: لا تأمنوا مكري في حالة من الحالات ومقام من المقامات وكونوا واثقين بفضلي وإحساني وإنعامي {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} [البقرة: 150]، نعمة المتابعة وإتمامها بالوصول إلى الحضرة، والإشارة في إضافة النعمة إلى نفسه وإتمامها أي: إخراج السالك عن ظلمات حجب وجوده إلى نور عالم ربوبيته كقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [البقرة: 257] هو الله تعالى. ثم قال تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: 150]، يعني: بعد خروجكم عن حجب الوجود تهتدون إلى شهود صفات جمالي وجلالي في ظل لواء متابعة من لا يصل أحداً إلى هذا المقام إلا في ظل لوائه، كما أخبر بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر ". تفسير : ثم أخبر عن إتمام النعمة أنه يبعث رسول النعمة بقوله: {كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ} [البقرة: 151]، والإشارة فيها أنها متعلقة بما قبلها وبما بعدها أما تعلقها بما قبلها فقوله تعالى: {وَٱخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} [البقرة: 150]، كما مر تقديره وإن إتمام النعمة بتوفيق متابعة النبي صلى الله عليه وسلم لكي تهتدوا في ظل متابعته إلى الوصول إلى حضرة الجلال {كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ} [البقرة: 151]، في أنفسكم، كقوله تعالى: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [الذاريات: 21] {رَسُولاً} [البقرة: 151] أي: واسطة بيني وبينكم منكم أي: من أجزاء وهو السر الإنساني كالرسول يحمل رسالتي بقبول أنوار الفيض الوارد مني ويبلغها إلى أجزائكم، والسر في مشكاة الجسد الإنساني بمثابة الفتيلة في مصباح الزجاجة القلب هو القابل لنور نار الله، إذا تجلى بنور الربوبية عند صفاء زيت الروحانية عن أدناس الصفات الإنسانية والكدورات الجسمانية وخمود نيران آفات الشهوات الحيوانية تنور فتيلة السر بنور نار الإلهية فتصير زجاجة القلب كأنها كوكب دري توقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية الأرواح ولا غربية الأشباح وهي الكلمة الطيبة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار، نور الله على الروحانية يهدي الله لنوره من يشاء وهو السر. {يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 151]، على ظاهر مشكاة الجسد ظاهراً {آيَاتِنَا} [البقرة: 151]، الآيات وباطناً {وَيُزَكِّيكُمْ} [البقرة: 151]، من مذمومات الأوصاف والأخلاق {وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ} [البقرة: 151]، ويعلم كل واحد منكم عقيب استعداده في قبول الأنوار الإلهية وهو كلام الله وصفاته القديمة، يعني: يتخلق بخلق من أخلاق الله تعالى: {وَٱلْحِكْمَةَ} [البقرة: 151]، وهي أسرار الشريعة وأما تعلق الآية بما بعدها وهو {كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} [البقرة: 151]، {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152]، والإشارة فيها أن ذكر العبد لله من نتيجة ذكر الله العبد من وجهين: أحدهما: خطاب الحق مع العبد بقوله: {فَٱذْكُرُونِيۤ} كلام أزلي ذكرهم به قبل وجودهم والخطاب على الحقيقة مع الذاكرين الله في علمه القديم فالآن من ذكر الله هو المخاطبون لا الغافلون فذكره نتيجة ذكر الله في الأزل. والثاني: أن الله تعالى أمرهم بالذكر مع فاء التعقيب بقوله: {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152]، فيه تقديم وتأخير معناه أذكركم فاذكروني كقوله تعالى {أية : رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}تفسير : [المائدة: 119]، فإن رضاهم نتيجة رضاه عنهم وكقوله تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]. واعلم أن للذكر مراتب وللذاكر أيضاً مراتب: ذكر اللسان، وذكر الأركان، وذكر النفس، وذكر القلب، وذكر الروح، وذكر السر. فذكر اللسان: بالإقرار أذكركم بالاختيار، وذكر الأركان: باستعمال الطاعات أذكركم بالكرامات، وذكر النفس: بالاستسلام للأوامر والنواهي، فاذكروني بالاستسلام أذكركم بنور الإسلام، وذكر القلب: بتبديل الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الكريمة فاذكروني بالأخلاق أذكركم بالاستغراق، وذكر الروح: بالتفريد والمحبة فاذكروني بالتفريد والمحبة أذكركم بالتوحيد والقربة وذكر السر: ببذل الوجود والفناء فاذكروني ببذل الوجود والفناء أذكركم بنيل الشهود والبقاء، وهذا حقيقة قوله تعالى الحديث الرباني: "حديث : وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي"تفسير : وهذا هو الذكر الحقيقي أن يجعل الذاكر مذكوراً، والمذكور ذاكراً بل يكون الذاكر والمذكور واحد كما قال تعالى: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16]، وكما قال قائلهم: شعر : رَقَّ الزُّجاجُ وَرَقَّت الخَمرُ فَتشابَها فَتَشاكل الأَمرُ فَكَأَنَّها خَمرٌ وَلا قَدح وَكَأَنَّها قَدحٌ وَلا خَمرُ تفسير : ولا يحل هذا المشكل إلا في صورة مثال مناسب مثل حال الفراش أن يبدل نفسه بشعلة الشمع والاشتعال بشعلة الشمع في نفسه بالحرقة عليها، وذكر للفراش باشتعال في نفسه نفس الفراش في نفسه، فلا يبقى التميز بين الشمع والفراش، فإن طلبت الفراش وجد الشمع، وإن طلبت الشمع وجدت الفراش، كما قيل: شعر : أَنامَن أَهوى وَمَن أَهوى أَنا نَحنُ روحانِ حَلَنا بَدَنا فَإِذا أَبصَرتَني أَبصَرتَهُ وَإِذا أَبصَرتَهُ أَبصَرتَنا تفسير : فلما بذل الفراش للشمع مقصودة، وهي تحقيق قوله تعالى: "حديث : لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً ومؤيداً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش"،تفسير : حديث صحيح رباني، واعلم أن جزاء الذاكر بالذكر فضيلة مخصوصة بهذه الأمة {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي} [البقرة: 152]، أشكر لكم على نوعين: شكر النعمة، وشكر المنعم، وشكر النعمة أيضاً على نوعين: نعمة ظاهرة من صحة البدن وسلامة الحواس والمال فشكرها أن يستعان بها على الطاعة بما يناسب كل واحد منها، ولا يستعان بها على المعصية، ونعمة الباطن بقوله تعالى: {أية : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}تفسير : [لقمان: 20]، وهي المعاني الواردة على القلوب، وشكره بدوام المراقبة والتزام المحافظة للاستزادة. وشكر المنعم أيضاً على نوعين: شكر رؤية نعمة التوفيق من المنعم لمعبودية المنعم، وشكر نعمة وجود المنعم ببذل وجوده لوجدان جود وجود المنعم وثنائه في شهوده، ووجدان جوده لا يزيد في عينكم عنكم وشهودي لكم ولا تكفرون بترك طلب الزيادة، فإن ألطافي مع خواص عبادي غير متناهية {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ}تفسير : [النحل: 18] وأداء شكرها كما قال داود عليه السلام: "حديث : إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك، فأوحى الله إليه الآن قد شكرتني ". تفسير : ثم أخبر عن إقامة الشكر بإدامة الصبر بقوله تعالى: {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ} [البقرة: 153]، والإشارة فيها بأن من ترك الكفران بالقيام بأداء الشكر، وآمن بالعجز عن أداء الشكر استعينوا على أداء الشكر {بِٱلصَّبْرِ} [البقرة: 153]، مع الله وهو من أعمال القلب {وَٱلصَّلاَةِ} [البقرة: 153]، وهي من أعمال البدن؛ لتكونوا عمال الشكر، كما قال تعالى: {أية : ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ}تفسير : [سبأ: 13]، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم صلى حتى تورمت قدماه فقيل: "حديث : يا رسول الله أتعمل هذا، وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبداً شكوراً"تفسير : فبملازمة أعمال القلب والبدن وهي الصبر والصلاة يعينه الله على القيام بحق الشكر {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [البقرة: 153]، بالعون والنصرة. ثم أخبر عن باذل الحياة المجازي لنيل الحياة الحقيقي بقوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154]، والإشارة فيها أن لا تحسبوا أن من يقتل من أهل الجهاد الأكبر نفسه بسيف جلال الله في سبيل الله بالفناء في الله أموات، وإن فنيت أوصاف وجودهم، فإنهم أحياء بشهود موجودهم، ومن كان فناؤه في الله كان بقاؤه بالله، فتارة يفنيهم بسطوات تجلي صفات الجلال، وتارة يحييهم بنفحات ألطاف الجمال، فإنهم بين روضة وبين غدر يسرحون في رياض الجمال ولكن لا تشعرون أحوالهم ولا تطلعون على حالهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ } في أسفارك وغيرها، وهذا للعموم، { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } أي: جهته. ثم خاطب الأمة عموما فقال: { وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } وقال: { وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ } أكده بـ "إن "واللام، لئلا يقع لأحد فيه أدنى شبهة، ولئلا يظن أنه على سبيل التشهي لا الامتثال. { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } بل هو مطلع عليكم في جميع أحوالكم، فتأدبوا معه، وراقبوه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن أعمالكم غير مغفول عنها، بل مجازون عليها أتم الجزاء، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وقال هنا: { لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } أي: شرعنا لكم استقبال الكعبة المشرفة، لينقطع عنكم احتجاج الناس من أهل الكتاب والمشركين، فإنه لو بقي مستقبلا بيت المقدس، لتوجهت عليه الحجة، فإن أهل الكتاب، يجدون في كتابهم أن قبلته المستقرة، هي الكعبة البيت الحرام، والمشركون يرون أن من مفاخرهم، هذا البيت العظيم، وأنه من ملة إبراهيم، وأنه إذا لم يستقبله محمد صلى الله عليه وسلم، توجهت نحوه حججهم، وقالوا: كيف يدعي أنه على ملة إبراهيم، وهو من ذريته، وقد ترك استقبال قبلته؟ فباستقبال الكعبة قامت الحجة على أهل الكتاب والمشركين، وانقطعت حججهم عليه. { إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } أي: من احتج منهم بحجة، هو ظالم فيها، وليس لها مستند إلا اتباع الهوى والظلم، فهذا لا سبيل إلى إقناعه والاحتجاج عليه، وكذلك لا معنى لجعل الشبهة التي يوردونها على سبيل الاحتجاج محلا يؤبه لها، ولا يلقى لها بال، فلهذا قال تعالى: { فَلا تَخْشَوْهُمْ } لأن حجتهم باطلة، والباطل كاسمه مخذول، مخذول صاحبه، وهذا بخلاف صاحب الحق، فإن للحق صولة وعزا، يوجب خشية من هو معه، وأمر تعالى بخشيته، التي هي أصل كل خير، فمن لم يخش الله، لم ينكف عن معصيته، ولم يمتثل أمره. وكان صرف المسلمين إلى الكعبة، مما حصلت فيه فتنة كبيرة، أشاعها أهل الكتاب، والمنافقون، والمشركون، وأكثروا فيها من الكلام والشبه، فلهذا بسطها الله تعالى، وبينها أكمل بيان، وأكدها بأنواع من التأكيدات، التي تضمنتها هذه الآيات. منها: الأمر بها، ثلاث مرات، مع كفاية المرة الواحدة، ومنها: أن المعهود، أن الأمر، إما أن يكون للرسول، فتدخل فيه الأمة تبعا، أو للأمة عموما، وفي هذه الآية أمر فيها الرسول بالخصوص في قوله: { فَوَلِّ وَجْهَكَ } والأمة عموما في قوله: { فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ } . ومنها: أنه رد فيه جميع الاحتجاجات الباطلة، التي أوردها أهل العناد وأبطلها شبهة شبهة، كما تقدم توضيحها، ومنها: أنه قطع الأطماع من اتباع الرسول قبلة أهل الكتاب، ومنها قوله: { وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ } فمجرد إخبار الصادق العظيم كاف شاف، ولكن مع هذا قال: { وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ } . ومنها: أنه أخبر - وهو العالم بالخفيات - أن أهل الكتاب متقرر عندهم، صحة هذا الأمر، ولكنهم يكتمون هذه الشهادة مع العلم. ولما كان توليته لنا إلى استقبال القبلة، نعمة عظيمة، وكان لطفه بهذه الأمة ورحمته، لم يزل يتزايد، وكلما شرع لهم شريعة، فهي نعمة عظيمة قال: { وَلأتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ } . فأصل النعمة، الهداية لدينه، بإرسال رسوله، وإنزال كتابه، ثم بعد ذلك، النعم المتممات لهذا الأصل، لا تعد كثرة، ولا تحصر، منذ بعث الله رسوله إلى أن قرب رحيله من الدنيا، وقد أعطاه الله من الأحوال والنعم، وأعطى أمته، ما أتم به نعمته عليه وعليهم، وأنزل الله عليه: {أية : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا } . تفسير : فلله الحمد على فضله، الذي لا نبلغ له عدا، فضلا عن القيام بشكره، { وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } أي: تعلمون الحق، وتعملون به، فالله تبارك وتعالى - من رحمته - بالعباد، قد يسر لهم أسباب الهداية غاية التيسير، ونبههم على سلوك طرقها، وبينها لهم أتم تبيين، حتى إن من جملة ذلك أنه يقيض للحق، المعاندين له فيجادلون فيه، فيتضح بذلك الحق، وتظهر آياته وأعلامه، ويتضح بطلان الباطل، وأنه لا حقيقة له، ولولا قيامه في مقابلة الحق، لربما لم يتبين حاله لأكثر الخلق، وبضدها تتبين الأشياء، فلولا الليل، ما عرف فضل النهار، ولولا القبيح، ما عرف فضل الحسن، ولولا الظلمة ما عرف منفعة النور، ولولا الباطل ما اتضح الحق اتضاحا ظاهرا، فلله الحمد على ذلك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):