٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
150
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيثُمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} كرر هذا الحكم لتعدد علله، فإنه تعالى ذكر للتحويل ثلاث علل. تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بابتغاء مرضاته، وجري العادة الإِلهية على أن يولي أهل كل ملة وصاحب دعوة وجهة يستقبلها ويتميز بها. ودفع حجج المخالفين على ما نبينه. وقرن بكل علة معلولها كما يقرن المدلول بكل واحد من دلائله تقريباً وتقريراً، مع أن القبلة لها شأن. والنسخ من مظان الفتنة والشبهة فبالحري أن يؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى. {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} علة لقوله {فَوَلُّواْ}، والمعنى أن التولية عن الصخرة إلى الكعبة تدفع احتجاج اليهود بأن المنعوت في التوراة قبلته الكعبة، وأن محمداً يجحد ديننا ويتبعنا في قبلتنا. والمشركين بأنه يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} استثناء من الناس، أي لئلا يكون لأحد من الناس حجة إلا المعاندين منهم بأَنهم يقولون، ما تحول إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه وحباً لبلده، أو بدا له فرجع إلى قبلة آبائه ويوشك أن يرجع إلى دينهم. وسمى هذه حجة كقوله تعالى: {أية : حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبّهِمْ }تفسير : [الشورى: 16] لأنهم يسوقونها مساقها. وقيل الحجة بمعنى الاحتجاج. وقيل الاستثناء للمبالغة في نفي الحجة رأساً كقوله:شعر : وَلاَ عَيْبَ فِيهمْ غَيْرَ أَنَّ سُيوفَهُم بِهِنَّ فُلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتَائِبِ تفسير : للعلم بأن الظالم لا حجة له، وقرىء: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ. على أنه استئناف بحرف التنبيه. {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} فلا تخافوهم، فإن مَطَاعِنِهم لا تضركم. {وَٱخْشَوْنِى} فلا تخالفوا ما أمرتكم به. {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} علة محذوف أي وأمرتكم لإِتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتدائكم، أو عطف على علة مقدرة مثل: واخشوني لأحفظكم منهم ولأُتم نعمتي عليكم، أو لئلا يكون وفي الحديث «تمام النعمة دخول الجنة». وعن علي رضي الله تعالى عنه: «تمام النعمة الموت على الإِسلام».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } كرّره للتأكيد {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ } اليهود أو المشركين {عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } أي مجادلة في التولي إلى غيره أي لتنتفي مجادلتهم لكم من قول اليهود يجحد ديننا ويتبع قبلتنا وقول المشركين يدَّعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } بالعناد فإنهم يقولون ما تحوّل إليها إلا ميلاً إلى دين آبائه والاستثناء متصل والمعنى: لا يكون لأحد عليكم كلام إلا كلام هؤلاء {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } تخافوا جدالهم في التولي إليها {وَٱخْشَوْنِى } بامتثال أمري {وَلأُتِمَّ } عطف على (لئلا يكون) {نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } بالهداية إلى معالم دينكم {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } إلى الحق.
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {فولوا وجوهكم شطره} هو فرض استقبال القبلة على المصلين، وفرض المصلي ما دام يرى الكعبة أن يصادفها باستقباله، فإذا غابت عنه ففرضه الاجتهاد في مصادفتها، فإن اجتهد ثم كشف الغيب أنه أخطأ فلا شيء عليه عند كثير من العلماء، ورأى مالك رحمه الله أن يعيد في الوقت إحرازاً لفضيلة القبلة. وقوله تعالى: {لئلا يكون للناس عليكم حجة} الآية، قرأ نافع وحده بتسهيل الهمزة، وقرأ الباقون {لئلا} بالهمز، والمعنى: عرفتكم وجه الصواب في قبلتكم والحجة في ذلك {لئلا}، وقوله: {للناس} عموم في اليهود والعرب وغيرهم، وقيل: المراد بالناس اليهود ثم استثنى كفار العرب. قال القاضي أبو محمد: وقوله {منهم} يرد هذا التأويل: وقالت فرقة {إلا الذين} استثناء متصل، وهذا مع عموم لفظة الناس، والمعنى أنه لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة للذين ظلموا، يعني اليهود وغيرهم من كل من تكلم في النازلة في قولهم {ما ولاهم} استهزاء، وفي قولهم: تحير محمد في دينه، وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن أو من يهودي أو من منافق، وسماها تعالى حجة وحكم بفسادها حين كانت من ظلمة، وقالت طائفة {إلا الذين} استثناء منقطع وهذا مع كون الناس اليهود فقط، وقد ذكرنا ضعف هذا القول، والمعنى: لكن الذين ظلموا يعني كفار قريش في قولهم رجع محمد إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا كله، ويدخل في ذلك كل من تكلم في النازلة من غير اليهود، وقرأ ابن عباس وزيد بن علي وابن زيد: "ألا" بفتح الهمزة وتخفيف اللام على معنى استفتاح لكلام، فيكون {الذين} ابتداء، أو على معنى الإغراء بهم فيكون {الذين} نصباً بفعل مقدر. وقوله تعالى: {فلا تخشوهم واخشوني} الآية، تحقير لشأنهم وأمر باطراح أمرهم ومراعاة أمره، وقوله {ولأتم} عطف على قوله {لئلا}، وقيل: هو مقطوع في موضع رفع بالابتداء والخبر مضمر بعد ذاك، والتقدير لأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتي ونحوه. و {لعلكم تهتدون} ترجٍّ في حق البشر. والكاف في قوله {كما} رد على قوله {لأتم} أي إتماماً كما، وهذا أحسن الأقوال، أي لأتم نعمتي عليكم في بيان سنة إبراهيم عليه السلام {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم} إجابة لدعوته في قوله {ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم} الآية، وقيل: الكاف من {كما} رد على {تهتدون}، أي اهتداء كما، وقيل، هو في موضع نصب على الحال، وقيل: هو في معنى التأخير متعلق بقوله {فاذكروني}، وهذه الآية خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو المعنيّ بقوله {رسولاً منكم}، و {يتلو} في موضع نصب على الصفة، والآيات: القرآن، و {يزكيكم} يطهركم من الكفر وينميكم بالطاعة، و {الكتاب} القرآن، و {الحكمة} ما يتلقى عنه عليه السلام من سنة وفقه في دين، و {ما لم تكونوا تعلمون} قصص من سلف وقصص ما يأتي من الغيوب.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ} فإنهم يحتجون بحجة باطلة كقوله ـ تعالى ـ {أية : حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ}تفسير : [الشورى: 16] فسماها حجة، أو إلاَّ بمعنى " بعد" كقوله: {أية : إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ}تفسير : [الدخان: 56] وكقوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ }تفسير : [النساء: 22] بمعنى "بَعْد فيهما"، والذين ظلموا: قريش واليهود، قالت قريش بعد التحويل: "قد علم أنا على الهدى"، وقالت اليهود: "إن يرجع عنها تابعناه". {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} في المباينة، {وَاخْشَوْنِى} في المخالفة.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ...}. الاستثناء منفصل، والمعنى: لكنّ الّذين ظلموا فما يكون لهم عليكم حجة، أو متصل، والمعنى (لتنفى) حجة النّاس عليكم إلا الّذين ظلموا فما تنفى حجّتُهم عليكم لما هم عليه من الظلم ولذلك (يقال): فما أضيع البرهان عند المقلد. قلت: وهذا شطر بيت لابن سهل من قصيدة شهيرة. شعر : أقلد وجدي فليبرهن مفندي فما أضيع البرهان عند المقلد هبوا نصحكم شمسا فما عين أرمد بأوضح في مرآه من عين مكمد تفسير : قال أبو حيان: والحجة على هذا الاحتجاج والخصومة وعلى الأول الدليل الصحيح (والمراد بالناس اليهود). قال ابن عرفة: فإن قلت على الاتصال يلزم أن يكون الذين ظلموا عليهم الحجة؟ وأجاب ابن عرفة في الختمة الأخرى بوجهين: الأول: أنه من باب أحرى لأنه إذا لم يكن الحجة للمنصفين العارفين فأحرى أن لايكون للآخرين فإن هؤلاء فهموا وعاندوا (وأنصفوا) في الدليل وأولئك لم (ينصفوا). ـ الثاني: أنّ ابن مالك في هذه الآية جعل إلا بمعنى الواو. قال أبو حيان: فعلى الاتصال التقدير: لئلا يكون لأحد من اليهود حجة عليكم إلا المعاندين منهم القائلين: ما ترك قبلتنا وتوجه (للكعبة) إلا ميلا منه لدين قومه وحبا لبلده. قال ابن عرفة: وعلى الانفصال فالمراد إلاّ الظالمين من المشركين كذا قال في الختمة الأخرى. قال أبو حيان: وعلى الانفصال تقديره: الذين ظلموا منهم فإنهم يتعلقون عليكم بالشبهة. قوله تعالى: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي...}. قال ابن عرفة: كيف ينهى المكلف عن فعل أمر هو فيه بالطبع لأن الخوف من العدو أمر جبلي لا يستطيع الإنسان زواله؟ وأجاب عن ذلك بأن أوائل ذلك حاصل بالطبع والدوام عليه هو المنهي (عنه). قوله تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}. إن قلت: هذا تكرار لأن الهداية من جملة (النعم)؟ قلنا: المراد النعم الآتية من عند الله تعالى لا تسبب فيها للمكلف بخلاف الهداية والضلال فإن له (فيها كسبا وإرادة).
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن حيث خرجت} اليه فى اسفارك ومغازيك من المنازل القريبة والبعيدة {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم} ايها المؤمنون من اقطار الارض مقيمين او مسافرين وصليتم {فولوا وجوهكم} من محالكم {شطره} كرر هذا الحكم وهو التحويل وتولية الوجه شطر المسجد لما ان القبلة لها شأن خطير والنسخ من مظان الشبهة والفتنة وتسويل الشيطان فالبحرى ان يؤكد امرها مرة غب اخرى مع انه قد ذكر فى كل مرة حكمة مستقلة {لئلا يكون للناس عليكم حجة} متعلق بقوله فولوا والمعنى ان التولية عن الصخرة الى الكعبة تدفع احتجاج اليهود بان المنعوت فى التوراة قبلته الكعبة واحتجاج العرب بانه يدعى ملة ابراهيم ويخالف قبلته وقوله عليكم فى الاصل صفة حجة فلما تقدم عليها امتنع الوصفية لامتناع تقدم الصفة على الموصوف فانتصب على الحالية {إلا الذين ظلموا منهم} استثناء من الناس اى لئلا يكون حجة لاحد من اليهود الا للمعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا الى الكعبة الا ميلا الى دين قومه وحبا لبلده ولو كان على الحق للزم قبلة الانبياء ولا لأحد من العرب من اهل مكة الا للمعاندين منهم الذين قالوا بدا له فرجع الى قبلة آبائه ويوشك ان يرجع الى دينهم وتسمية هذه الكلمة الشنعاء حجة مع انها افحش الاباطيل لانهم كانوا يسوقونها مساقها ويوردونها موقعها فسميت حجة مجازا تهكما بهم {فلا تخشوهم} فلا تخافوهم فى توجهكم الى الكعبة ومظاهرهم عليكم لسببه فان مطاعنهم لا تضركم شيأ {واخشونى} بامتثال امرى فلا تخالفوا امرى وما رأيته مصلحة لكم فانى ناصركم {ولأتم نعمتى عليكم} علة لمحذوف اى امرتكم بتولية الوجوه شطره لاتمامى النعمة عليكم لما انه نعمة جليلة وما وقع من اوامر الله تعالى وتكاليفه وائتمار المكلف بالتوجه الى حيث وجهه الله تعالى وان كان نعمة يتوصل به الى الثواب الجزيل الا ان امره تعالى بالتوجه الى قبلة ابراهيم تمام النعمة فى امر القبلة فان القوم كانوا يفتخرون باتباع ابراهيم فى جميع ما كانوا يفعلونه فلما وجهوا الى قبلته بعد ما صرفوا عنها لمصلحة حادثة فقد اصابوا تمام النعمة فى امر القبلة فان نعمة الله تعالى على عباده ضربان موهوب ومكتسب فالموهوب نحو صحة البدن وسلامة الاعضاء وغيرهما والمكتسب نحو الايمان والعمل الصالح بامتثال الاوامر والاجتناب عن المناهى فان ذلك كله يؤدى الى سعادة الدارين {ولعلكم تهتدون} اى ولارادتى اهتداءكم الى شعائر الملة الحنيفية وشرائع الدين القويم.
الطوسي
تفسير : المعنى: قيل في تكرار قوله: {ومن حيث خرجت} ثلاثة اقوال: احدها - لاختلاف المعنى وإن اتفق اللفظ، لأن المراد بالاول: من حيث خرجت منصرفاً عن التوجه الى بيت المقدس. {فول وجهك شطر المسجد الحرام} وأريد بالثاني أين كنت في البلاد، فتوجه نحو المسجد الحرام مستقبلا كنت لظهر الكعبة أو وجهها أو يمينها او شمالها. الثاني - لاختلاف المواطن التي تحتاج الى هذا المعنى فيها. الثالث - لانه مواضع التأكيد بالنسخ الذي نفلوا فيه من جهة الى جهة للتقرير والتثبيت. فان قيل هل في قوله تعالى: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} حذف منه (في الصلاة) أم هو مدلول عليه من غير حذف؟ قيل: هو محذوف، لأنه اجتزء بدلالة الحال عن دلالة الكلام، ولو لم يكن هناك حال دالة لم يكن بدّ من ذكر هذا المحذوف إذا أريد به الافهام لهذا المعنى فأما قوله: عليم وحكيم. فانه يدل على المعلوم من غير حذف. ومعنى قوله: {لئلا يكون للناس عليكم حجة} ها هنا. قيل فيه قولان: احدهما - لا تعدلوا عما أمركم الله في التوجه إلى الكعبة، فيكون لهم عليكم حجة، بأن يقولوا لو كنتم تعلمون أنه من عند الله ما عدلتم عنه. الثاني - لئلا يكون لأهل الكتاب عليكم حجة لو جاء على خلاف ما تقدمت به البشارة في الكتب السالفة من أن المؤمنين سيوجهون الى الكعبة. وموضع اللام من {لئلا} نصب والعامل فيه احد شيئين: فولوا. والآخر ما دخل الكلام من معنى عرّفتكم ذلك. وهو قول الزجاج. وقوله: {إلا الذين ظلموا منهم} قيل فيه اربعة اقوال: احدها - أنه استثناء منقطع، و {إلا} بمنزلة (لكن) كقوله {أية : ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} تفسير : وقوله: ماله علي إلا التعدي، والظلم، كأنك قلت: لكن يتعدى ويظلم، وتضع ذلك موضع الحق اللازم، فكذلك لكن الذين ظلموا منهم، فانهم يتعلقون بالشبهة، ويضعونها موضع الحجة. فلذلك حسن الاستثناء المنقطع قال النابغة: شعر : لاعيب فيهم غير أنّ سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب تفسير : جعل ذلك عيبهم على طريق البلاغة، وان كان ليس بعيب. كأنه يقول: ان كان فيهم عيب فهذا، وليس هذا بعيب، فاذاً ليس فيهم عيب، فكذا إن كان على المؤمنين حجة، فللظالم في احتجاجه، ولا حجة له، فليس اذاً عليهم حجة. القول الثاني - ان تكون الحجة بمعنى المحاجّة، والمجادلة، كأنه قال: لئلا يكون للناس عليكم حجاج إلا الذين ظلموا منهم، فانهم يحاجوكم بالباطل. الثالث - ما قاله ابوعبيدة ان {إلا} ها هنا بمعنى الواو كأنه قال: لئلا يكون للناس عليكم حجة والذين ظلموا منهم. وان ذكر ذلك الفراء والمبرد قال الفراء: لا يجىء إلا بمعنى الواو إلاّ اذا تقدم استثناء كما قال الشاعر: شعر : ما بالمدينة دار غير واحدة دار الخليفة إلا دار مروان تفسير : وانشد الاخفش: شعر : وأرى لها داراً بأغدرة السيـ دان لم يدرس لها رسم إلاّ رماداً هامداً دفعت عنه الرياح خوالد سُحم تفسير : يعني أرى لها داراً ورماداً. وكأنه قال في البيت الاول: ما بالمدينة دار إلا دار الخليفة ودار مروان. وخالفة ابوالعباس فلم يجز ان تكون {إلا} بمعنى الواو أصلا. الرابع - قال قطرب: يجوز الاضمار على معنى لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا على الذين ظلموا. وموضع الذين عنده خفض على هذا الوجه يجعله بدلا من الكاف كأنه قيل في التقدير: لئلا يكون للناس على أحد حجة إلا الظالم. قال الرماني: وهذا وجه بعيد لا ينبغي أن يتأول عليه، ولا على الوجه الذي قاله ابو عبيدة والاختيار القول الاول. وأثبتت (الياء) في قوله {واخشوني} ها هنا، وحذفت فيما عداه، لانه الاصل، وعليه اجماع ها هنا. واما الحذف فللاجتزاء بالكسرة من الياء. وقوله: {واخشوني} معناه واخشوا عقابي بدلالة الكلام عليه في الحال، وإنما ذكرهم فقال {فلا تخشوهم} لانه لما ذكرهم بالظلم، والاستطالة بالخصومة والمنازعه طيب بنفوس المؤمنين أي فلا تلتفتوا إلى ما يكون منهم فان عاقبة السّوء عليهم. وقال قتادة، والربيع: المعني بالناس ها هنا أهل الكتاب. وقال غيرهما: هو على العموم - وهو الاقوى - وقال ابن عباس، والربيع، وقتادة: المعني بقوله {الذين ظلموا} مشركوا العرب. وقال قوم: هو على العموم - وهو الاولى -. وقوله {لئلا} ترك الهمزة نافع. الباقون يهمزون. ويلين كل همزة مفتوحة قبلها كسرة. والحجة هي الدلالة. وهي البرهان.
الجنابذي
تفسير : {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} ولمّا كان المقام مقام السّخط على أهل الكتاب الكاتمين لوصف محمّدٍ (ص) وموطنه ومهاجره وقبلتيه وكان ترك القبلة الّتى كانوا عليها مدّة أربع عشرة سنةً وأشهراً مظنّة الانكار من ضعفاء المسلمين ومورد الحجّة المرضيّة عند ضعفاء العقول من المعاندين والمسلمين ناسبه التّأكيد والتّكرار ووضع الظّاهر موضع المضمر كما فعل تعالى شأنه بتكرار الامر بالتّولية نحو المسجد الحرام وتكرار قوله من {حَيْثُ خَرَجْتَ}، {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ}، {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}، وعلم أهل الكتاب مع كتمانهم وأتى تعالى حين أمر الرّسول (ص) بتولية وجهه شطر المسجد بقوله: من حيث خرجت، وحين أمر الأمّة بقوله: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} للاشعار بأنّ محمّداً (ص) لا مقام له فى مقامٍ وشأنٍ بل هو دائم السّير والحركة وأنّ أمّته (ص) بالنّسبة اليه كأنّه لا حركة لهم من مقامٍ الى مقام آخر، ومن هذا يعلم انّ الخطاب فى قوله: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} خاصّ بأمّته من غير مشاركته لهم {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} تعليل للامر بالتّولية او للتّولية والمعنى أمرناكم بالتّوجّه الى الكعبة لئلاّ يرد عليكم من معانديكم حجّة صحيحة وهى انّ من علامات النّبىّ المبعوث فى آخر الزّمان الصّلاة الى الكعبة او الى القبلتين، وحجّة كاسدة وهى انّه لو كان نبيّاً لما تبع قبلة الغير وانّه لو كان ديننا باطلاً كان قبلتنا باطلة {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} اى وضعوا الشّيء فى غير موضعه فانّهم يوردون عليك حجّة باطلة هى أنّه لو كان الصّلاة الى بيت المقدّس باطلة لكان صلاتهم فى المدّة الماضية باطلة، ولو كان صحيحة لكانت صلاتهم الى الكعبة باطلة {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} فانّ حجّتهم داحضة ومطاعنهم غير ضارّة {وَٱخْشَوْنِي} فانظروا الى أمرى ونهيي ولا تنظروا الى غيرى {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} باقبالكم الى الكعبة الّتى هى ظهور القلب وصورته كما سيأتى ان شاء الله والاقبال الى الكعبة منبّهٌ على الاقبال الى القلب، ومؤدٍّ اليه وتمام النّعمة فى الاقبال الى القلب ولذا قال: {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} الى القلب الّذى هو عرش الرّحمن من الاقبال الى الكعبة الّتى هى صورته.
اطفيش
تفسير : {ومِنْ حَيْث خَرجْت فَولِّ وجْهَك شَطْر المَسْجِد الحَرَام وحَيْث ما كُنْتُم فَولُّوا وجوهَكُم شَطْره}: ذكر الأمر بتولية الوجه شطر المسجد الحرام أربع مرات تأكيداً لعظم شأن القبلة، ولأن النسخ من مظان الفتن والشبهة، ولا سيما أنه أول نسخ ظاهر بعد العمل به بين المؤمنين والكفار، فكان حقيقا بالتكرير، وأيضاً ذكره فى قوله: {أية : فَلَنُولِّينك قِبلَةً تَرْضَاها فولِّ وجْهَك شَطْر المسْجِد الحَرَام}تفسير : مقروناً بعلته وهى تعظيمه الرسول، صلى الله عليه وسلم، بابتغاء مرضاته، ومقرونا مع قوله: {وحيث ما كنتم..} إلخ بفائدة هى أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر محمد وأمر القبلة حق فى التوراة والإنجيل، وذكره فى قوله: {وحَيثُ ما كُنتم فَولُّوا وجُوهَكُم شَطْره} تصريحاً بأن حكم أمته حكمه، ولينبه بعده أن لكل أمة قبلة تبعا لداعيها، وهو نبينا بقوله: {ولكل وجهة} وذكره فى قوله: {ومنْ حَيْث خَرَجْتَ فَولِّ وجْهك شَطر المسجد الحَرَام} لينبه على تساوى السفر وغيره فى أمر القبلة بحسب الإمكان، وليقرنه بشهادة الله أنه حق، وشهادته مغايرة لشهادة أهل الكتاب، وذكره فى قوله: {ومِنْ حَيْث خَرَجْت فَولِّ وجْهَك شَطْر المسْجِد الحَرَام وحَيْث ما كُنْتُم فَوَلُّوا وجُوهَكم شَطْره}، لينبه على أن حكم أمته فى السفر حكمه كالحضر، وأن المراد وحيث ما كنتم من السفر وغيره من الخروج، وليقرنه بدفع حجج الكفار بقوله: {لئِلاَّ يَكُونَ للناس}: اليهود والنصارى والمنافقين، أو جميعهم مع مشركى العرب، أو قريش واليهود، وقال الحسن مشركى العرب، وقال مجاهد مشركى قريش. {عَلَيْكم}: أيها المؤمنون. {حجة}: فقرن كل مرة بعلتها كقرن المدلول بكل واحد من دلائله، للتأكد كما هو شأن ما أريد تقريره وتقريبه للأفهام والقبول، وزعم بعضهم أن قوله: {فَولِّ وجْهَك شَطْر المسْجِد الحَرَام وحَيْث ما كُنْتم فَولُّوا وجُوهَكُم شَطرَه} إشارة إلى حال كون الإنسان فى المسجد الحرام، وقوله: {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرَام} إشارة إلى حال كون الإنسان فى البلد، وقوله: {ومِنْ حَيثُ خرجت فَولِّ وجهَك شَطْر المسْجِد الحَرام وحَيْث ما كُنْتم فَولُّوا وجُوهكم شَطْره}، إشارة إلى حال كون الإنسان خارجاً عن البلد، والحجة المنفية فى قولهِ: {لئلاَّ يَكونَ للنَّاس عَليْكم حُجةٌ} يقول: إن اليهود والمنافقين تبع لهم، والنصارى المنعوت فى التوراة والإنجيل قبلته الكعبة، فلو لم يستقبلها لقالوا ليس المذكور فى التوراة والإنجيل، لأن المذكور فيهما يستقبلها بعد أن يستقبل بيت المقدس، وأن يقول اليهود إن محمداً يجحد ديننا ويتبع قبلتنا، فيأمر باستقبال الكعبة لئلا يقولوا ذلك، وأن يقول المشركون من العرب إنه لو كان نبيا لم يخالف قبلة أبيه إبراهيم، وهى قبلة العرب قبلة حق. {إلاَّ الَّذينَ ظَلمُوا مِنْهم}: استثناء من الناس، أى إلا الذين ازداد ظلمهم للمبالغة فى العناد، لأن الناس المذكورين ظالمون، فإن الذين ازداد ظلمهم لا تنتفى الحجة عليهم بذلك بالنظر إلى عنادهم، فيقول اليهود والنصارى والمنافقون: انصرف عن بيت المقدس إلى الكعبة برأيه، واشتياقاً لبلده، وسيرجع إلى دين آبائه، وتقول قريش، انصرف لقبلة بلده اشتياقاً لبلده، وعلما بأن ديننا حق فسيرجع إليه كما رجع لقبلتنا، فهذه حجة هؤلاء المستثنين، وسماها حجة من حيث إن المراد لا الذين ظلموا فلهم حجة، لأنهم يسوقونها مساق الحجة كقوله: {أية : حجتهم داحضة} تفسير : وقيل الحجة الاحتجاج والمبحث واحد، فإن هذا منهم مسوق مساق الاحتجاج، وليس باحتجاج صحيح، ويحتمل أنها سميت حجة واحتجاجا أخذاً من الحج بمعنى القبلة والقطع والغلبة، وقطع كلام الخصم يكون فى الجملة بالحق والباطل، ويجوز أن يراد بالناس عموم من ذكر، وبالذين ظلموا من يؤمن منهم، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا، أى لكن الذين ظلموا منهم يجادلونكم بالباطل ولا حجة لهم، وهو أبلغ فى نفى الحجة، كأنه قيل لئلا يكون للناس عليكم حجة غير حجة الذين ظلموا، ومعلوم أنها حجة غير معتبرة كقوله: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : فإن كون الفلول فى السيوف من مصادمة العساكر غير عيب، بل مدح أكد به كأنهُ قيل: إن كانت لهم حجة فما هى إلا حجة الظالم، ومعلوم أن حجة الظالم فى ظلمه باطلة، فهذا مدح لهم ومدح لأهل الحق، ويدل على أن الاستثناء منقطع. قراءة زيد بن على: ألا الذين ظلموا، بفتح همزة ألا وتخفيف لامه وهى التى للاستفتاح والتنبيه، فالذين ظلموا مبتدأ خبره محذوف أى لا حجة لهم، أو مفعول لمحذوف على الاشتغال، أى لا تخشو الذين ظلموا منهم، فسره فلا تخشوهم أو خبره لا تخشوهم، والفاء على الوجهين زائدة، وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى أن إلا عاطفة على الناس عطف عام على خاص، قال ابن هشام: ذكر الأخفش والفراء وأبو عبيدة أن إلا تكون عاطفة بمنزلة الواو فى التشريك فى اللفظ. والمعنى وجعلوا منه لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا لا يخاف لدى المرسلون إلا من ظلم ثم بذل حسنا بعد سوء أى ولا الذين ظلموا ولا من ظلم وتأولهما الجمهور على الاستثناء المنقطع انتهى. {فَلاَ تَخْشَوهم}: يا معشر العرب، أو يا معشر المؤمنين، لا تخافوا طعنهم فإنه لا يضركم ولا يزرى بكم، ولا جدالهم فى التولى إلى الكعبة، فإنهم قد علموا أنه جدال باطل وأنى أنصركم عليهم بالحق. {واخْشَوْنى}: عظِّمونى ولا تتركوا أمرى ولا تخالفوه، أو احذروا عقابى على ترك أمرى، فإنى الضار النافع والعالم بمصالحكم. قال الفخر الرازى هذه الآية تدل على أن الواجب على المرء فى كل أفعاله وتركه أن ينصب بين عينيه خشية ربه تعالى، وأن يعلم أنه ليس فى يد الخالق شئ ألبتة، وألا يكون مشتغل القلب بهم، ولا ملتفت الخاطر إليهم. انتهى. {ولأُتِمَّ}: عطف على قوله تعالى: {لئلاَّ يكونَ للنَّاس عليكُم حُجةٌ} أى (فولوا وجوهكم شطره لئلا يكونُ. ولأتم نعمتى عليكم)، بالإرشاد إلى معالم دينكم، كالتحويل إلى الكعبة، أو على محذوف، أى واخشونى لأنصركم عليهم. أو لأحفظنكم عنهم. ولأتم نعمتى عليكم أو لأوفقكم ولأتم، أو متعلق بمحذوف مستأنف أو بإخبار معطوف على إن شاء أمرتكم بذلك لأتم نعمتى عليكم، أو عرفتكم قبلتى لأتم نعمتى عليكم. {نِعمَتى عَليكُم}: وهو دين إبراهيم، فإنهُ نعمة من الله، جل وعلا، لنا، أو هى تبيينية لنا، وفى الحديث: "حديث : تمام النعمة دخول الجنة" تفسير : رواه الترمذى، وعن على: "تمام النعمة الموت على الإسلام" وقيل: تمام النعمة رضا الله سبحانه وتعالى، فيجمع بأن تمام النعم التى فى الدنيا من أمر الدين والدنيا، الثبات على الإسلام عند الموت، وتمام النعمة بعد البعث دخول الجنة، فإن قبل دخولها تبشير الملكين فى قبره وأرته موضعه فى الجنة، وملكه فيها، ورعى روحه فى الجنة بعد موته. وبعثه آمناً وإعطائه كتابه بيمينه، وإلباس الحلة له، والمد فى قامته طولا وعرضا، وتحسينه جداً، والشرب من الحوض وشفاعة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعير ذلك. وأيضاً ذلك كلهُ تمام لما قبله من النعم فى الدنيا، وإذا استقر أهل الجنة فيها أوحى الله إليهم أنى راض عنكم فلا أسخط عليكم أبداً، وهذا تمام النعمة كلها على الإطلاق. {ولَعلكُم تهْتدونَ}: لعل للتعليل، والعطف على لأتم أو على ما عطف عليه لأتم، والمعنى: ولتهتدوا. أو للترجى فى حق البشر مستأنفاً، والمراد الاهتداء إلى الحق.
اطفيش
تفسير : {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} الشطر فى الأصل ما انفصل عن الشىء، إما حسا، كدار شطور أى منفصلة عن الدور، أو معنى، كقولنا الإقرار شطر التوحيد، واستعماله فى الجزء شائع، واستعمل لجانب الشىء ولو لم ينفصل، وبمعنى الجهة فى الآية {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} والعطفان على لكل وجهة، أو على قد نرى تقلب وجهك فى السماء، ذكر ذلك ثلاث مرات، كل لعلة غير علة الأخرى، ذكره المرة الأولى ليريه أنه قد أجاب له فيما يشتاق إليه ورحم تضرعه، وأنه أهل لأن يجاب لعظم شأنه عند الله عز وجل، كما قال الله عز وجل "أية : قد ترى تقلُّب وجهك" تفسير : [البقرة: 144] وذكره المرة الثانية ليبين أنه جعل لكل أمة قبلة تمتاز بها، إذ قال "أية : ولكلٍّ وجهة" تفسير : [البقرة: 148] أى لكل أمة، وذكره المرة الثالثة ليدفع حجة اليهود، إذ يجتمعون بأنه لو كان النبى الموعود به لتحول إلى الكعبة كما فى التوراة، وأنه لو كان لم يتبع قبلنا مع أنه ينكر ديننا، ولدفع حجة مشركى العرب، إذ يتحتجون بأنه لو كان نبيّاً لم يخالف قبلة إبراهيم مع أنه يدعيها، كما قال بعد قوله {لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ} اليهود ومشركى العرب {عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} ولأتم نعمتى، أن عطف على لئلا... الخ، وأما قوله عز وجل "أية : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها" تفسير : [البقرة: 143] أى الكعبة التى كنت عليها، فبان أن الجعل معلل بالعلم، لا بقيد كونه تعظيما للرسول صلى الله عليه وسلم ولا بغيره، وناسب التكرار أن الكعبة لها شأن، والنسخ من مظان الطعن، والمخالفة فى النسخ بدعوى إلزام البداء، وهو غير جائز، وهى مخالفة باطلة، لأن النسخ إزالة حكم قضى فى الأزل أنه يزال، لا ظهور لما خفى، تعالى الله، وقيل: الأولى على أن الإنسان فى المسجد الحرام، والثانية على أن يخرج من المسجد الحرام ويكون فى البلد، والثالثة على أن يخرج عن البلد إلى أقطار الأرض، وفيه أن الخطاب أولا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى المدينة، فكيف تكون الأولى لمن فى المسجد الحرام {إِلاّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ} بالعناد {مِنْهُمْ} من الناس المعهودين، أى إلا المعاندين من اليهود، إذ قالوا: تحول للكعبة ميلاً لدين قومه وحبّاً لبلده، ومشركى العرب إذ قالوا: رجع لقبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم، وأنه فى حيرة من أمر القبلة، ومن لم يعاند قال: يدعى ملة إبراهيم ويوافق قبلته، والحجة ما يستدل به صحيحاً فى نفسه أو فى زعم المستدل، ولا حجة صحيحة لمن خالف كلام الله، لكن تسمى حجة، كأنها صحيحة، لشبهها بها فى إحضارها لإثبات المقصود، أو المراد التحاج أى الخصام، أو الاستثناء منقطع، أى لكن الذين ظلموا، من تأكيد الشىء بضده، أى إن كانت لكم حجة هى فهى الظلم، والظلم لا يكون حجة، فحجتهم غير ممكنة، كقوله: شعر : وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ تفسير : فأخذ منه بعض قوله: شعر : وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَن نَزِيلَهُمْ يُلاَمُ بِنِسْيَانِ الأَحِبَّةِ وَالْوَطَنْ تفسير : فالمعنى المبالغة بأنه إن كانت الحجة فى نفى الحق فهى كلام المعاندي، وكلامهم غير حجة، فلا حجة فى نفى الحق، وهو هنا استقبال الكعبة {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} أى الظالمين، وقيل: الناس عموما، والأول أولى، لاثخافرهم فى الجدال فى التولى إلى الكعبة فإنه يضمحل، وضرره عائد عليهم، وسمي خوفهم خشية مع أنه إن خوفهم المؤمنون لا إجلال فيها، مشاكلة لقوله تعالى {وَاخْشُونِي} أى خافونى مع إجلال {وَلأُتِمَّ} لئلا يكون ولأتم {نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} وفى ذلك عدم المناسبة إلا بتكليف، وأيضاً إرادة الاهتداء علة تصلح للأمر بالتولية، لا الفعل المأمور به، والأولى أن يقدر، وأمرتكم بالتولية للكعبة لأتم نعمتى، لأنها نعمة عظيمة تورث فوزاً عظيما، ونعيما مقيما، أو اخشونى لأحفظكم من شرهم فى الدنيا، ولأتم نعمتى عليكم فى الدنيا والآخرة بكونكم على الحق وبإدخال الجنة. وروى البخارى والترمذى أن تمام النعمة دخول الجنة، وعن علىّ: الموت على الإسلام، قلت: أو الهدى إلى معالم الدين والإقامة عليها إلى الموت، والنعمة فى كل وقت، وتمامها بما يليق به، فلا يعارض بما جاء بعد من قوله تعالى "أية : اليوم أكملت لكم دينكم "تفسير : [المائدة: 103] {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} قد مر، ومن معانيه: ولتهتدوا.
الالوسي
تفسير : {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } معطوف على مجموع قوله تعالى: {أية : وَلِكُلّ وِجْهَةٌ }تفسير : [البقرة: 148] الخ أو على قوله تعالى: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ }تفسير : [البقرة: 144] الخ عطف القصة على القصة وليس معطوفاً على قوله تعالى: {أية : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} تفسير : [البقرة: 149] الداخل تحت فاء السببية الدالة على ترتبه على قوله تعالى: {أية : وَلِكُلّ وِجْهَةٌ }تفسير : [البقرة: 148] لأنه معلل بقوله تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} وهو وإن كان علة ـ لولوا ـ لا لمحذوف ـ أي عرفناكم وجه الصواب في قبلتكم ـ والحجة في ذلك كما قيل به: إلا أنه يفهم منه كونه علة ـ لول ـ لأن انقطاع الحجة بالتولية إذا حصل للأمة كان حصوله بها للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى، ولو جعل الخطاب عاماً للرسول صلى الله عليه وسلم والأمة ولم يلتزم تخصيصه بالأمة على حد خطابات الآية كان علة لهما وإنما كرر هذا الحكم لتعدد علله، والحصر المستفاد من {أية : إِلاَّ لِنَعْلَمَ} تفسير : [البقرة: 143] الخ إضافي/ أو ادعائي فإنه تعالى ذكر للتحويل ثلاث علل، تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بابتغاء مرضاته أولاً. وجري العادة الإلۤهية على أن يؤتي كل أهل ملة وجهة ثانياً. ودفع حجج المخالفين ثالثاً. فإن التولية إلى الكعبة تدفع احتجاج اليهود بأن المنعوت في التوراة قبلته الكعبة لا الصخرة وهذا النبـي يصلي إلى الصخرة فلا يكون النبـي الموعود، وبأنه صلى الله عليه وسلم يدعي أنه صاحب شريعة ويتبع قبلتنا وبينهما تدافع لأن عادته سبحانه وتعالى جارية بتخصيص كل صاحب شريعة بقبلة، وتدفع احتجاج المشركين بأنه عليه الصلاة والسلام يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته وترك سبحانه التعميم بعد التخصيص في المرتبة الثالثة اكتفاءً بالعموم المستفاد من العلة، وزاد {مّنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} دفعاً لتوهم مخالفة حال السفر لحال الحضر بأن يكون حال السفر باقياً على ما كان كما في الصلاة حيث زيد في الحضر ركعتان أو يكون مخيراً بين التوجهين كما في الصوم. وقد يقال فائدة هذا التكرار الاعتناء بشأن الحكم لأنه من مظان الطعن وكثرة المخالفين فيه لعدم الفرق بين النسخ والبداء، وقيل: لا تكرار فإن الأحوال ثلاثة، كونه في المسجد وكونه في البلد خارج المسجد وكونه خارج البلد، فالأول: محمول على الأول، والثاني: على الثاني، والثالث: على الثالث، ولا يخفى أنه مجرد تشه لا يقوم عليه دليل. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} إخراج من الناس، وهو بدل على المختار، والمعنى عند القائلين بأن الاستثناء من النفي إثبات: لئلا يكون لأحد من الناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا بالعناد فإن لهم عليكم حجة فإن اليهود منهم يقولون ما تحول إلى الكعبة إلا ميلاً لدين قومه وحباً لبلده، والمشركين منهم يقولون بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم، وتسمية هذه الشبهة الباطلة حجة مع أنها عبارة عن البرهان المثبت للمقصود لكونها شبيهة بها باعتبار أنهم يسوقونها مساقها، واعترض بأن صدر الكلام لو تناول هذا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وإلا لم يصح الاستثناء لأن الحجة مختصة بالحقيقة، ولا محيص سوى أن يراد بالحجة المتمسك حقاً كان أو باطلاً، وأجيب بأنه لم يستثن شبهتهم عن الحجة بل ذواتهم عن الناس إلا أنه لزم تسمية شبهتهم حجة باعتبار مفهوم المخالفة فلا حاجة إلى تناول الصدر إياها، وأنت تعلم أن مراد المعترض إن الاستثناء وإن كان من الناس إلا أنه يثبت به ما نفي عن المستثنى منه للمستثنى بناءً على أن الاستثناء من النفي إثبات فإن كان الصدر مشتملاً على ما أثبت للمستثنى لزم الجمع وإلا لم يتحقق الاستثناء بمقتضاه إذ الثابت للمستثنى منه شيء وللمستثنى شيء آخر، ولا محيص للتفصي عن ذلك إلا أن يراد بالحجة المتمسك أو ما يطلق عليه الحجة في الجملة فيتحقق حينئذٍ الاستثناء بمقتضاه لأن الشبهة حجة بهذا المعنى كالبرهان، ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، ولك أن تحمل الحجة على الاحتجاج والمنازعة كما في قوله تعالى: {أية : لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ } تفسير : [الشورى: 15] فأمر الاستثناء حينئذٍ واضح إلا أن صوغ الكلام بعيد عن الاستعمال عند إرادة هذا المعنى، وقيل: الاستثناء منقطع، وهو من تأكيد الشيء بضده وإثباته بنفيه، والمعنى إن يكن لهم حجة فهي الظلم والظلم لا يمكن أن يكون حجة فحجتهم غير ممكنة أصلاً فهو إثبات بطريق البرهان على حد قوله:شعر : ولا عيب فيهم غير أن نزيلهم (يلام) بنسيان الأحبة والوطن تفسير : وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما (ألا) بالفتح والتخفيف وهي حرف يستفتح به الكلام لينبه السامع إلى الإصغاء، و {ٱلَّذِينَ } مبتدأ خبره قوله تعالى: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} والفاء زائدة فيه للتأكيد، وقيل: لتضمن المبتدأ/ معنى الشرط، وجوز أن يكون الموصول نصباً على شريطة التفسير، والمشهور أن ـ الخشية ـ مرادفة للخوف أي فلا تخافوا الظالمين لأنهم لا يقدرون على نفع ولا ضر، وجوز عود الضمير إلى الناس وفيه بعد. {وَٱخْشَوْنِى} أي وخافوني فلا تخالفوا أمري فإني القادر على كل شيء، واستدل بعض أهل السنة بالآية على حرمة التقية التي يقول بها الإمامية، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك في محله[أي في آل عمران: 28]. {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} الظاهر من حيث اللفظ أنه عطف على قوله تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ} كأنه قيل: ـ فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة ولأتم ـ الخ فهو علة لمذكور أي أمرتكم بذلك لأجمع لكم خير الدارين، أما دنيا فلظهور سلطانكم على المخالفين، وأما عقبـى فلإثابتكم الثواب الأوفى ولا يرد الفصل بالاستثناء وما بعده لأنه ـ كلا فصل ـ إذ هو من متعلق العلة الأولى، نعم اعترض ببعد المناسبة وبأن إرادة الاهتداء المشعر بها الترجي إنما تصلح علة للأمر بالتولية لا لفعل المأمور به كما هو الظاهر في المعطوف عليه فالظاهر معنى جعله علة لمحذوف أي وأمرتكم بالتولية ـ والخشية ـ لإتمام نعمتي عليكم وإرادتي اهتداءكم ـ والجملة المعللة معطوفة على الجملة المعللة السابقة، أو عطف على علة مقدرة مثل وَٱخشوني لأحفظكم ولأتم الخ، ورجح بعضهم هذا الوجه بما أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» والترمذي من حديث معاذ بن جبل «حديث : تمام النعمة دخول الجنة»تفسير : ولا يخفى أنه على الوجه الأول قد يؤول الكلام إلى معنى ـ فاعبدوا وصلوا متجهين شطر المسجد الحرام لأدخلكم الجنة ـ والحديث لا يأبـى هذا بل يطابقه حذو القذة بالقذة فكونه مرجحاً لذلك بمعزل عن التحقيق فإن قيل: إنه تعالى أنزل عند قرب وفاته صلى الله عليه وسلم: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } تفسير : [المائدة: 3] فبين أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم فكيف قال قبل ذلك بسنين في هذه الآية: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ}؟ أجيب بأن تمام النعمة في كل وقت بما يليق به فتدبر.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 150- والتزم أمر الله فى القبلة واحرص عليه أنت وأمتك، فاجعل وجهك فى ناحية المسجد الحرام من كل مكان خرجت إليه فى أسفارك، واستقبلوه حيثما كنتم من أقطار الأرض مسافرين أو مقيمين، لينقطع ما يحاجّكم به المخالفون ويجادلونكم به، وإذا لم تمتثلوا لأمر هذا التحويل فسيقول اليهود: كيف يصلى محمد إلى بيت المقدس والنبى المنعوت فى كتبنا من أوصافه التحول إلى الكعبة؟ وسيقول المشركون العرب كيف يدعى ملة إبراهيم ويخالف قبلته؟ على أن الظالمين الزائغين عن الحق من الجانبين لن ينقطع جدالهم وضلالهم، بل سيقولون: ما تحوَّل إلى الكعبة إلا مَيْلا إلى دين قومه وحباً لبلده، فلا تبالوا بهم فإن مطاعنهم لا تضركم، وَاخْشَوْنِ فلا تخالفوا أمرى، وقد أردنا بهذا الأمر أن نتم النعمة عليكم وأن تكون هذه القبلة التى وجهناكم إليها أدعى إلى ثباتكم على الهداية والتوفيق. 151- وإن توجيهكم إلى المسجد الحرام بإرسالنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آيات من إتمام نعمتنا عليكم كما أتممنا عليكم النعمة - القرآن - ويطهر نفوسكم عمليا من دنس الشرك وسيئ الأخلاق والعادات ويكملكم علمياً بمعارف القرآن والعلوم النافعة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، فقد كنتم فى جاهلية جهلاء وضلالة عمياء. 152- فاذكرونى - أيها المؤمنون - بالطاعة أذكركم بالثواب، واشكروا لى ما أسبغت عليكم من النعم ولا تجحدوا هذه النعم بعصيان ما أمرتكم به. 153- واستعينوا - أيها المؤمنون - فى كل ما تأتون وما تذرون بالصبر على الأمور الشاقة والصلاة التى هى أمّ العبادات، إن الله بقدرته القاهرة مع الصابرين فهو وليهم وناصرهم.
د. أسعد حومد
تفسير : (150) - وَيُكَرِّرُ اللهُ تَعَالَى أَمْرَهُ لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ وَلِلمُؤْمِنِينَ حَيثُمَا كَانُوا بِالتَّوجُّهِ فَوْراً إِلى المَسْجِدِ الحَرَامِ لِكَيْلا يَكُونَ للنَّاسِ (وَهُمْ هُنَا أَهْلُ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ) حُجَّةٌ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذَا تَرَكُوا قِبْلَتَهُم التِي أَمَرَهُمْ اللهُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيها. وَكَانَ اليَهُودُ قَدْ قَالُوا إِنَّ مُحَمَّداً اشْتَاقَ إِلى بَيْتِ أَبِيهِ، وَدينِ قَوْمِهِ. وَقَالَ بَعْضُ مُشْرِكِي قُرَيش (وَهُمْ الذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ): مَا دَامَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى دِينِ إِبراهِيمَ، وَإِنَّهُ تَوَجَّهَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، فَلِمَ رَجَعَ عَنْهُ؟ فَأَجَابَهُمُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ مُحَمَّداً أَطَاعَ أَمْرَ رَبِّهِ فِي الأُولَى وَالثَّانِيَةِ. وَحَثَّ اللهُ نَبِيَّهُ وَالمُؤْمِنينَ عَلَى عَدَمِ الخَوْفِ وَالخَشْيَةِ مِنْ قَوْلِ الظَّالِمِينَ المُتَعَنِّتِينَ وَفِعْلِهِمْ، وَحَثَّهُمْ تَعَالَى عَلَى إِطاعَةِ أَمرِِهِ وَالخَشْيَةِ مِنْهُ. وَامْتِثَالُ المُؤْمِنينَ لأَمْرِ اللهِ في الاتِّجَاهِ إِلى جِهَةِ البَيْتِ الحَرَامِ، يُبْطِلُ حُجَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ في الطَّعْنِ عَلَى النُبُوَّةِ بِتَحْوِيلِ القِبْلَةِ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إِلَى الكَعْبَةِ، لأَنَّ أَهلَ الكِتَابِ كَانُوا يَعْلَمُونَ مِنْ كُتُبِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ الذِي سَيُبْعَثُ مِنَ ولدِ إِسْمَاعِيلَ يَكُونُ عَلَى قِبْلَتِهِ، وَهِيَ الكَعْبَةُ، فَبَقاءُ بَيْتِ المَقْدِسِ قِبْلةً دَائِمَةً لَهُ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ النَّبِيَّ المُبَشَّرَ بِهِ، فَلَمَّا جَاءَ هذا التَّحوِيلُ عَرَفُوا أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق تبارك وتعالى يؤكد لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يتوجه هو والمسلمون إلى المسجد الحرام .. سواء كانوا في المدينة أو في خارج المدينة أو في أي مكان على الأرض .. وتلك هي قبلتهم في كل صلاة بصرف النظر عن المكان الذي يصلون فيه. وقوله تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} [البقرة: 150] .. الناس هنا المقصود بهم المنافقون واليهود والنصارى .. حجة في ماذا؟ لأن المسلمين كانوا يتجهون إلى بيت المقدس فاتجهوا إلى المسجد الحرام .. وليس لبيت المقدس قدسية في ذاته ولا للمسجد الحرام قدسية في ذاته كما قلنا .. ولكن نحن نطيع الأمر من الآمر الأعلى وهو الله .. إن الله تبارك وتعالى أطلق على المنافقين واليهود والنصارى كلمة (ظلموا) ووصفهم بأنهم الذين ظلموا .. فمن هو الظالم؟ الظالم هو من ينكر الحق أو يغير وجهته. أو ينقل الحق إلى باطل والباطل إلى حق .. والظلم هو تجاوز الحد وكأنه سبحانه وصفهم بأنهم قد تجاوزوا الحق وأنكروه، يقول سبحانه: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} [البقرة: 150] أي لا تخشوا الذين ظلموا: {وَٱخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: 150] .. أي أن الخشية لله وحده والمؤمن لا يخشى بشراً .. لأنه يعلم أن القوة لله جميعاً .. ولذلك فإنه يقدم على كل عمل بقلب لا يهاب أحداً إلا الحق. وقوله سبحانه: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: 150] .. تمام النعمة هو الإيمان. وتمام النعمة هو تنفيذ مطلوبات الإيمان .. فإذا هدانا الله للإيمان فهذا من تمام نعمه علينا. ولكي يكونُ الإيمان صحيحاً ومقبولاً فلابد أن أؤدي مطالبه والمداومة على تنفيذ تكليفات الله لنا، فلا نجعل التكليف ينقطع. لأن التكليف نعمة بغيرها لا تصلح حياتنا ولا تتوالى نعم التكليف من الله سبحانه وتعالى إلا إذا أقبلنا على منهج الله بعشق .. وأنت حينما تأتي إلى المنهج قد يكون شاقاً، ولكن إذا تذكرت ثواب كل طاعة فإنك ستخشع وتعشق التكليف .. لأنك تعرف العمل الصالح بثوابه، والعمل في المعصية بعقابه .. ولذلك قال الله تبارك وتعالى: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ * ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} تفسير : [البقرة: 45-46]. إذن الخاشعون هم الذين يقرنون الطاعة بالثواب والمعصية بالعقاب والعذاب، لأن الذي ينصرف عن الطاعة لمشقتها عزل الطاعة عن الثواب فأصبحت ثقيلة، والذي يذهب إلى المعصية عزل المعصية عن العقاب فأصبحت سهلة .. فمن تمام النعمة أن يديم الله علينا فعل مطلوبات الإيمان .. ولذلك في حجة الوداع نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية الكريمة: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً ..} تفسير : [المائدة: 3]. وكان ذلك إخباراً بتمام رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الأحكام التكليفية قد انتهت .. ولكن الذين يستثقلون التكليف تجدهم يقولون لك لقد عم الفساد والله لا يكلف نفساً إلا وسعها .. كأنه يحكم بأن هذا في وسعه وهذا ليس في وسعه وعلى ضوئه يأخذ التكليف .. نقول له أَكَلَّفَ الله أم لم يُكلِّف، إن كان قد كَلّف فيكون التكليف في وسعك .. لأنه سبحانه حين يجد مشقة يأمر بالتخفيف مثل إباحة قصر الصلاة للمسافر وإباحة الإفطار في رمضان للمريض والمسافر فهو سبحانه قد حدد ما في وسعك. قوله تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: 150] .. الهداية هي الطريق المستقيم الموصل إلى الغاية وهو أقصر الطرق، وغاية هذه الحياة هي أن نصل إلى نعيم الآخرة .. الله أعطاك في الدنيا الأسباب لتحكم حركة حياتك ولكن هذه ليست غاية الحياة .. بل الغاية أن نذهب إلى حياة بلا أسباب وهذه هي عظمة قدرة الله سبحانه وتعالى .. والله جل جلاله يأتي ليعلمنا في الآخرة أنه خلقنا لنعيش في الدنيا بالأسباب وفي الآخرة لنعيش في كنفه بلا أسباب. إذن: قوله تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: 150] .. أي لعلكم تنتبهون وتعرفون الغاية المطلوبة منكم .. ولا يظن أحدكم أن الحياة الدنيا هي الغاية أو هي النهاية أو هي الهدف .. فيعمل من أجل الدنيا فيأخذ منها ما يستطيع حلالاً أو حراماً باعتبارها المتعة الوحيدة المخلوقة له .. نقول لا، إنه في هذه الحالة يكون قد ضل ولم يهتد لأنه لو اهتدى لعرف أن الحياة الحقيقية للإنسان هي في الآخرة. ولعرف أن نعيم الآخرة الذي لا تفوته ولا يفوتك .. يجب أن يكون هدفنا في الحياة الدنيا فنعمل ما نستطيع لنصل إلى النعيم بلا أسباب في الجنة.
همام الصنعاني
تفسير : 145- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، وابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ}: [الآية: 150]، قالا: هم مشركوا العرب، قالوا حين صُرِفتْ القبلة إلى الكَعْبةِ: قَدْ رَجَعَ إلى قِبلتكمْ، فيوشك أن يرجع إلى دِينكُم، قال الله تعالى: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي}: [الآية: 150].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):