٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
151
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنا قد بينا أن الله تعالى استدل على صحة دين محمد عليه الصلاة والسلام بوجوه، بعضها إلزامية، وهو أن هذا الدين دين إبراهيم فوجب قبوله، وهو المراد بقوله: {أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} تفسير : [البقرة: 130] وبعضها برهانية وهو قوله: {أية : قُولُواْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ } تفسير : [البقرة: 136] ثم إنه سبحانه وتعالى عقب هذا الإستدلال بحكاية شبهتين لهم. إحداهما: قوله: {أية : وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُواْ } تفسير : [البقرة: 135]. والثانية: استدلالهم بإنكار النسخ على القدح في هذه الشريعة، وهو قول: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَاءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّـٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا } تفسير : [البقرة: 142] وأطنب الله تعالى في الجواب عن الشبهة وبالحق فعل ذلك، لأن أعظم الشبهة لليهود في إنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام النسخ، فلا جرم أطنب الله تعالى في الجواب عن هذه الشبهة، وختم ذلك الجواب بقوله: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } فصار هذا الكلام مع ما فيه من الجواب عن الشبهة تنبيهاً على عظيم نعم الله تعالى، ولا شك أن ذلك أشد استمالة لحصول العز والشرف في الدنيا، والتخلص في الذل والمهانة يكون مرغوباً فيه، وعند اجتماع الأمرين فقد بلغ النهاية في هذا الباب. أما قوله: {كَمَا أَرْسَلْنَا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: هذا الكاف إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده، فإن قلنا: إنه متعلق بما قبله ففيه وجوه. الأول: أنه راجع إلى قوله: {أية : وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 150] أي ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف، وفي الآخرة بالفوز بالثواب، كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول. الثاني: أن إبراهيم عليه السلام قال: {أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَـٰتِكَ وَيُزَكّيهِمْ } تفسير : [البقرة: 129] وقال أيضاً: {أية : وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } تفسير : [البقرة: 128] فكأنه تعالى قال: ولأتم نعمتي عليكم ببيان الشرائع، وأهديكم إلى الدين إجابة لدعوة إبراهيم، كما أرسلنا فيكم رسولاً إجابة لدعوته عن ابن جرير. الثالث: قول أبي مسلم الأصفهاني، وهو أن التقدير: وكذلك جعلناكم أمة وسطاً كما أرسلنا فيكم رسولاً، أي كما أرسلنا فيكم رسولاً من شأنه وصفته كذا وكذا، فكذلك جعلناكم أمة وسطاً، وأما إن قلنا: أنّه متعلق بما بعده، فالتقدير: كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يعلمكم الدين والشرع، فاذكروني أذكركم وهو اختيار الأصم وتقريره إنكم كنتم على صورة لا تتلون كتاباً، ولا تعلمون رسولاً، ومحمد صلى الله عليه وسلم رجل منكم ليس بصاحب كتاب، ثم أتاكم بأعجب الآيات يتلوه عليكم بلسانكم وفيه ما في كتب الأنبياء، وفيه الخبر عن أحوالهم، وفيه التنبيه على دلائل التوحيد والمعاد وفيه التنبيه على الأخلاق الشريفة، والنهي عن أخلاق السفهاء، وفي ذلك أعظم البرهان على صدقه فقال: كما أوليتكم هذه النعمة وجعلتها لكم دليلاً، فاذكروني بالشكر عليها، أذكركم برحمتي وثوابي، والذي يؤكده قوله تعالى: {أية : لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ } تفسير : [آل عمران: 164] فلما ذكرهم هذه النعمة والمنة، أمرهم في مقابلتها بالذكر والشكر فإن قيل: {كما} هل يجوز أن يكون جواباً؟ قلنا: جوزه الفراء وجعل لأذكروني جوابين. أحدهما: {كَمَا }. والثاني: {أَذْكُرْكُمْ } ووجه ذلك لأنه أوجب عليهم الذكر ليذكرهم الله برحمته، ولما سلف من نعمته، قال القاضي: والوجه الأول أولى لأنه قبل الكلام إذا وجد ما يتم به الكلام من غير فصل فتعلقه به أولى. المسألة الثانية: في وجه التشبيه قولان: إن قلنا لكاف متعلق بقوله ولأتم نعمتي كان المعنى أن النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة لأنه تعالى يفعل الأصلح، وإن قلنا إنه متعلق بقوله تعالى: {اذكروني} دل ذلك على أن النعمة بالذكر جارية مجرى النعمة بالرسالة. المسألة الثالثة: { مَا } في قوله: {كَمَا أَرْسَلْنَا } مصدرية كأنه قيل: كإرسالنا فيكم، ويحتمل أن تكون كافة. أما قوله تعالى: {فيكُمْ } فالمراد به العرب وكذلك قوله: {مّنكُمْ } وفي إرساله فيهم ومنهم، نعم عظيمة عليهم لما لهم فيه الشرف، ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الإنقياد للغير فبعثه الله تعالى من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب. أما قوله تعالى: {يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِنَا } فاعلم أنه من أعظم النعم لأنه معجزة باقية، ولأنه يتلى فيتأدى به العبادات، ولأنه يتلى فيستفاد منه جميع العلوم، ولأنه يتلى فيستفاد منه مجامع الأخلاق الحميدة، فكأنه يحصل من تلاوته كل خيرات الدنيا والآخرة. أما قوله: {وَيُزَكِيكُمْ } ففيه أقوال. أحدها: أنه عليه الصلاة والسلام يعلمهم ما إذا تمسكوا به صاروا أزكياء عن الحسن. وثانيها: يزكيهم بالثناء والمدح، أي يعلم ما أنتم عليه من محاسن الأخلاق فيصفكم به، كما يقال: إن المزكي زكي الشاهد، أي وصفه بالزكاء. وثالثها: أن التزكية عبارة عن التنمية، كأنه قال يكثركم، كما قال: {أية : إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ } تفسير : [الأعراف: 86] وذلك بأن يجمعهم على الحق فيتواصلوا ويكثروا، عن أبي مسلم، قال القاضي: وهذه الوجوه غير متنافية فلعله تعالى يفعل بالمطيع كل ذلك. أما قوله تعالى: {وَيُعَلّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } فليس بتكرار لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم، وأما {الحكمة} فهي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه {الحكمة} هي سنة الرسول عليه السلام. أما قوله: {وَيُعَلّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } فهذا تنبيه على أنه تعالى أرسله على حين فترة من الرسل وجهالة من الأمم، فالخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم فبعث الله تعالى محمداً بالحق حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم وذلك من أعظم أنواع النعم.
القرطبي
تفسير : . قوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا} الكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف؛ المعنى: ولأُتِمّ نعمتي عليكم إتماماً مثل ما أرسلنا؛ قاله الفرّاء. قال ٱبن عطية: وهذا أحسن الأقوال؛ أي ولأتم نعمتي عليكم في بيان سُنّة إبراهيم عليه السلام مثل ما أرسلنا. وقيل: المعنى ولعلكم تهتدون ٱهتداء مثل ما أرسلنا. وقيل: هي في موضع نصب على الحال، والمعنى: ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال. والتشبيه واقع على أن النعمة في القِبلة كالنعمة في الرسالة، وأن الذِّكر المأمور به في عِظمه كعِظم النعمة. وقيل: معنى الكلام على التقديم والتأخير؛ أي فٱذكروني كما أرسلنا. روي عن عليّ رضي الله عنه وٱختاره الزجاج. أي كما أرسلنا فيكم رسولاً تعرفونه بالصدق فٱذكروني بالتوحيد والتصديق به. والوقف على «تَهْتَدُونَ» على هذا القول جائز. قلت: وهذا ٱختيار الترمذيّ الحكيم في كتابه؛ أي كما فعلتُ بكم هذا من المنن التي عددتها عليكم فاذكروني بالشكر أذكركم بالمزيد؛ لأن في ذكركم ذلك شكراً لي، وقد وعدتكم بالمزيد على الشكر، وهو قوله: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}تفسير : [إبراهيم: 7]؛ فالكاف في قوله «كما» هنا، وفي الأنفال {أية : كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ}تفسير : [الأنفال: 5] وفي آخر الحِجر {أية : كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ} تفسير : [الحجر: 90] متعلّقة بما بعده؛ على ما يأتي بيانه.
البيضاوي
تفسير : {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ} متصل بما قبله، أي ولأتم نعمتي عليكم في أمر القبلة، أو في الآخرة كما أتممتها بإرسال رسول منكم، أو بما بعده أي كما ذكرتكم بالإِرسال فاذكروني. {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَـٰتِنَا وَيُزَكِيكُمْ} يحملكم على ما تصيرون به أزكياء، قدمه باعتبار القصد وأخره في دعوة إبراهيم عليه السلام باعتبار الفعل {وَيُعَلّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} بالفكر والنظر، إذ لا طريق إلى معرفته سوى الوحي، وكرر الفعل ليدل على أنه جنس آخر.
ابن كثير
تفسير : يذكر تعالى عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إليهم يتلو عليهم آيات الله مبينات، ويزكيهم، أي: يطهرهم من رذائل الأخلاق ودنس النفوس وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعلمهم الكتاب، وهو القرآن، والحكمة، وهي السنة، ويعلمهم مالم يكونوا يعلمون، فكانوا في الجاهلية الجهلاء يسفهون بالقول الفرا، فانتقلوا ببركة رسالته، ويمن سفارته، إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء. فصاروا أعمق الناس علماً، وأبرهم قلوباً، وأقلهم تكلفاً، وأصدقهم لهجة. وقال تعالى: {أية : لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ}تفسير : [آل عمران: 164] الآية، وذمَّ من لم يعرف قدر هذه النعمة، فقال تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ}تفسير : [إبراهيم: 28] قال ابن عباس: يعني بنعمة الله: محمداً صلى الله عليه وسلم ولهذا ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة، ومقابلتها بذكره وشكره، وقال: {فَٱذْكُرُونِىۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} قال مجاهد، في قوله: {كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ} يقول: كما فعلت، فاذكروني، قال عبد الله بن وهب: عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام قال: يا رب كيف أشكرك؟ قال له ربه: «تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني» قال الحسن البصري وأبو العالية والسدي والربيع بن أنس: إن الله يذكر من ذكره، ويزيد من شكره، ويعذب من كفره، وقال بعض السلف في قوله تعالى: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} تفسير : [آل عمران: 102] قال: هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وقال ابن أبي حاتم، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا عمارة الصيدلاني، أخبرنا مكحول الأزدي، قال: قلت لابن عمر: أرأيت قاتل النفس وشارب الخمر والسارق والزاني يذكر الله، وقد قال الله تعالى: {فَٱذْكُرُونِىۤ أَذْكُرْكُمْ}؟ قال: إذا ذكر الله هذا، ذكره الله بلعنته حتى يسكت، وقال الحسن البصري في قوله: {فَٱذْكُرُونِىۤ أَذْكُرْكُمْ} قال: اذكروني فيما افترضت عليكم، أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي، وعن سعيد بن جبير: اذكروني بطاعتي، أذكركم بمغفرتي، وفي رواية: برحمتي. وعن ابن عباس في قوله: {فَٱذْكُرُونِىۤ أَذْكُرْكُمْ} قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه. وفي الحديث الصحيح: «حديث : يقول الله تعالى: من ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منه»تفسير : . قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال الله عز وجل: يا بن آدم، إن ذكرتني في نفسك، ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ، ذكرتك في ملأ من الملائكة ـ أو قال: في ملأ خير منه ـ وإن دنوت مني شبراً، دنوت منك ذراعاً، وإن دنوت مني ذراعاً، دنوت منك باعاً، وإن أتيتني تمشي، أتيتك هرولة»تفسير : ، صحيح الإسناد، أخرجه البخاري من حديث قتادة، وعنده قال قتادة: الله أقرب بالرحمة؛ وقوله: {وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} أمر الله تعالى بشكره، ووعد على شكره بمزيد الخير فقال: {أية : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ}تفسير : [إبراهيم: 7] وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا شعبة عن الفضيل بن فضالة ـ رجل من قيس ـ حدثنا أبو رجاء العطاردي، قال: خرج علينا عمران بن حصين، وعليه مطرف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أنعم الله عليه نعمة، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه»تفسير : ، وقال روح مرة: «حديث : على عبده».
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَمَا أَرْسَلْنَا } متعلق (بأتم)، أي إتماما كإتمامها بإرسالنا {فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ } محمداً صلى الله عليه وسلم {يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءايَٰتِنَا } القرآن {وَيُزَكِيكُمْ } يطهركم من الشرك {وَيُعَلّمُكُمُ ٱلْكِتَٰبَ } القرآن {وَٱلْحِكْمَةِ } ما فيه من الأحكام {وَيُعَلّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ} يعني من العرب {رَسُولاً مِّنكُمْ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم { يَتْلُوا عَلَيْكُمْ ءَآيَاتِنَا} يعني القرآن. { وَيُزَكِّيكُمْ} فيه تأويلان: أحدهما: يعني يطهركم من الشرك. والثاني: أن يأمركم بما تصيرون به عند الله أزكياء. {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكَتَابَ} فيه تأويلان: أحدهما: القرآن. والثاني: الإخبار بما في الكتب السالفة من أخبار القرون الخالية. {وَالحِكْمَةَ} فيها تأويلان: أحدهما: السنّة. والثاني: مواعظ القرآن. {وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} يعني من أحكام الدين وأمور الدنيا. {فَاذْكُرُوني أَذْكُرْكُمْ} فيه تأويلان: أحدهما: اذكروني بالشكر أذكركم بالنعمة. والثاني: اذكروني بالقبول أذكركم بالجزاء.
ابن عبد السلام
تفسير : {ءَايَاتِنَا} القرآن. {وَيُزَكِّيكُمْ} يطهركم من الشرك، أو يأمركم بما تصيرون به عند الله ـ تعالى ـ أزكياء. {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ} القرآن، أو ما في الكتب السالفة من أخبار القرون. {وَالْحِكْمَةَ} السنة، أو مواعظ القرآن. {مَّا لَمْ تَكُونُوا} تعلمون من أمر الدين والدنيا.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {كما أرسلنا فيكم} كاف التشبيه تحتاج إلى شيء ترجع إليه فقيل ترجع إلى ما قبلها ومعناه ولأتم نعمتي عليكم كما أرسلنا فيكم وقيل إن إبراهيم قال: ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم وقال: ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، فبعث الله فيهم رسولاً منهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم ووعده إجابة الدعوة الثانية بأن يجعل في ذريته أمة مسلمة، والمعنى كما أجبت دعوته ببعثة الرسول كذلك أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه، وأجعلكم مسلمين، وأتم نعمتي عليكم ببيان شرائع الملة الحنيفية. وقيل: إن الكاف متعلقة بما بعدها وهو قوله: {فاذكروني أذكركم} والمعنى كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم فاذكروني، ووجه التشبيه أن النعمة بالذكر جارية مجرى النعمة بإرسال الرسول، وإن قلنا: إنها متعلقة بما قبلها كان وجه التشبيه أن النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة، وفيكم خطاب لأهل مكة والعرب وكذا قوله منكم، وفي إرساله رسولاً منهم نعمة عظيمة عليه لما فيه من الشرف لهم ولأن المعروف من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد للغير فكان بعثة الرسول منهم وفيهم أقرب إلى قبول قوله والانقياد له، والمعنى كما أرسلنا فيكم يا معشر العرب {رسولاً منكم} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {يتلو عليكم آياتنا} يعني القرآن وذلك من أعظم النعم لأنه معجزة باقية على الدهر {ويزكيكم} أي ويطهركم من دنس الشرك والذنوب وقيل يعلمكم ما إذا فعلتموه صرتم أزكياء مثل محاسن الأخلاق ومكارم الأفعال {ويعلمكم الكتاب} يعني أحكام الكتاب وهو القرآن وقيل إن التعليم غير التلاوة فليس بتكرار {والحكمة} يعني السنة والفقه في الدين {ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} يعني يعلمكم من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية وقصص الأنبياء والخبر عن الحوادث المستقبلية مما لم تكونوا تعلمون وذلك قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم {فاذكروني} قيل الذكر يكون باللسان، وهو أن يسبحه ويحمده ويمجده ونحو ذلك من الأذكار، ويكون بالقلب وهو أن يتفكر في عظمة الله تعالى، وفي الدلائل الدالة على وحدانيته، ويكون بالجوارح وهو أن تكون مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها، مثل الصلاة وسائر الطاعات التي للجوارح فيها فعل {أذكركم} أي بالثواب والرضا عنكم قال ابن عباس: اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي وقيل: اذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء، وقال أهل المعاني: اذكروني بالتوحيد والإيمان: أذكركم بالجنان والرضوان. وقيل: اذكروني بالإخلاص أذكركم بالخلاص اذكروني بالقلوب، أذكركم بغفران الذنوب. اذكروني بالدعاء أذكركم بالعطاء (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إليَّ ذراعاً، تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" تفسير : قوله عز وجل: "أنا عند ظن عبدي بي" قيل: معناه بالغفران إذا استغفر وبالقبول والإجابة، إذا دعا، وبالكفاية إذا طلب الكفاية. وقيل: المراد منه تحقيق الرجاء وتأميل العفو وهذا أصح قوله: وأنا معه إذا ذكرني يعني بالرحمة والتوفيق والهداية والإعانة. وقوله: "فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي". النفس في اللغة لها معان: منها ذات الشيء والله تعالى له ذات حقيقة. ومنها الغيب فعلى هذا يكون المعنى فإن ذكرني خالياً ذكرته بالإثابة والمجازاة مما لا يطلع عليه أحد. قوله: "وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه". الملأ أشراف الناس وعظماؤهم الذين يرجع إلى رأيهم وهذا مما استدلت به المعتزلة ومن وافقهم على تفضيل الملائكة على الأنبياء. وأجيب عنه بأن الذكر غالباً يكون في جماعة لا نبي فيهم. قوله: "وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً إلخ" وهذا من أحاديث الصفات ويستحيل إرادة ظاهره فلا بد من التأويل فعلى هذا يكون ذكر الشبر والذراع والباع والمشي والهرولة استعارة، ومجازاً فيكون المراد بقرب العبد من الله تعالى القرب بالذكر والطاعة والعمل الصالح والمراد بقرب الله من العبد قرب نعمه وألطافه وبره وكرمه وإحسانه إليه، وفيض مواهبه ورحمته عليه والمعنى كلما زاد بالطاعة والذكر زدت بالبر والإحسان وإن أتاني في طاعتي أتيته هرولة أي صببت عليه الرحمة صباً وسبقته بها (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: "حديث : أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه" تفسير : (ق) عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت" تفسير : (م) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله قال الذاكرون الله كثيراً والذاكرات" تفسير : المفردون الذين ذهب القرن الذي كانوا فيه، وبقوا وهم يذكرون الله تعالى. ويقال: تفرد الرجل إذا تفقه واعتزل. وقوله تعالى: {واشكروا لي} يعني بالطاعة {ولا تكفرون} أي بالمعصية فمن أطاع الله فقد شكره ومن عصاه فقد كفره.
ابن عرفة
تفسير : / قوله تعالى: {كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً..}. قال ابن عطية: الكاف إما متعلقة بقوله {لأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} أو بـ {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أو بـ {أية : ٱذْكُرُونِي }. تفسير : قال ابن عرفة: على الأول فهي للتشبيه فقط، وعلى الأخير للتعليل فقط. وعلى الثاني يحتمل الأمرين، أي يهتدون لما أرسلنا أي لأجل إرسالنا. قلت: وعلى التعلق بـ {أية : ٱذْكُرُونِي}تفسير : حملها أبو حيان على الوجهين فانظره. قوله تعالى: {مِّنكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا..}. دليل على أن الخاصية التي اختصّ الرسل بها حكمية وليست خلقية بوجه، وفيه التنبيه على حكمة إرساله منهم وهو تبرئته صلى الله عليه وسلم عن أن يكون ساحرا أو مجنونا، فيقال إليهم: لم نرسل إليكم أحدا تجهلونه بل أرسلنا واحدا منكم نشأ بين أظهركم وعرفتم براءته من كل (آفة تنسب) إليه. قوله تعالى: {وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ}. (قال بعضهم): حيث يقدم التزكية يكون معظم المخاطبين عواما مقلدين ليسوا أهلا (لتعلم) الحكمة والكتاب فتكون التزكية أهم، وحيث يقدم التعليم يكون المخاطبون خواص فيكون الأهم التعليم مع أن كِلاَ الأمرين مطلوب. والكتاب هو الكلام المعجز، والحكمة القول غير المعجزة. قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}. قيل: إن هذا تكرار، ففصل في أولها ثم (أجمل) بـ {ما لم تكونوا تعلمون} شمل الكتاب والحكمة. ومنهم من قال: إنّ العلم قسمان: علم يكون (الإنسان) بحيث لو (شحذ) (قريحته) وفكر فيه لأدركه من تلقاء نفسه بعقله (وفطرته)، وعلم لايمكن للإنسان التوصل إليه من ذاته ولا يقبل أن يتعلمه وحده بعقله بوجه. وهذا هو المراد بقوله {وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} أي ما لم تكونوا قابلين لمعرفته بعقولكم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: "كَمَآ أَرْسَلْنَا": الكاف من قوله: "كما" فيها قولان: أظهرهما: أنها للتشبيه. والثاني: أنها للتعليل، فعلى القول الأول تكون نعت مصدر محذوف. واختلفوا في متعلقها حينئذ على خمسة أوجه: أحدها: أنها متعلقة بقوله: "ولأتم" تقديره: ولأتم نعمتي عليكم إتماماً مثل إتمام الرسول فيكم، ومتعلّق الإتمامين مختلف، فالأول بالثواب في الآخرة، والثاني بإرسال الرسول في الدنيا، أو الأول بإيجاب الدعوة الأولى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أَمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ}تفسير : [البقرة: 138] والثاني بإجابة الدعوى الثانية في قوله:{أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ}تفسير : [البقرة: 129] [قاله ابن جرير]، ورجحه مكي؛ لأن سياق اللفظ يدلّ على أن المعنى: ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم، كما أجبنا دعوته فيكم، فأرسلنا إليكم رسولاً منكم. والثاني: أنها متعلّقة بـ"تهتدون"، تقديره: يهتدون اهتداء مثل إرسالنا فيكم رسولاً، ويكون تشبيه الهداية بالإرسال في التحقيق والثبوت أي: اهتداء متحققاً كتحقيق إرسالنا. الثالث: وهو قول أبي مسلم: أنها متعلقة بقوله: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}تفسير : [البقرة: 143]، أي: جعلاً مثل إرسالنا. وهذا بعيد جداً؛ لطول الفصل المؤذن بالانقطاع. الرابع: أنها متعلقة بما بعدها وهو "اذكروني" [قال مجاهد وعطاء والكلبي: وروي عن علي رضي الله عنه، واختاره الزَّجاج: كما أرسلنا فيكم رسولاً تعرفونه بالصدق فاكروني بالتوحيد والتصديق به، وعلى هذا فالوقف على "تهتدون" جائز]. قال الزمخشري: كما ذكرتكم بإرسال الرسل، فاذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب، فيكون على تقدير مصدر محذوف، وعلى تقدير مضاف أي: اذكروني ذكراً من ذكرنا لكم بالإرسال، ثم صار: مثل ذكر إرسالنا، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا كما تقول: كما أتاك فلان فإنه يكرمك، و"الفاء" غير مانعة من ذلك. قال أبو البقاء: "كما" لم تمنع في باب الشرط يعني أن ما بعد فاء الجزاء يعمل فيما قبلها. وقد ردّ مكي هذا بأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله بجوابه و"اذكروني" قد أجيب بقوله: "أذكركم" فلا يتعلق به ما قبله. قال: ولا يجوز ذلك إلا في التشبيه بالشرط الذي يجاب بجوابين، نحو: إذا أتاك فلان فأكرمه تَرْضَهْ، فيكون "كما"، و"فأذكركم" جوابين للأمر، والاول أفصح وأشهر، وتقول: "كما أحسنت إليك فأكرمني" فيصح أن تجعل الكاف متعلقة بـ"أكرمني" إذ لا جواب له. وهذا الشرط منعه مكّي قال أبو حيان: "لا نعلم خلافاً في جوازه". وأما قوله: إلا أن يشبه بالشرط، وجعله "كما" جواباً للأمر، فليس بتشبيه صحيح، ولا يتعقل، وللاحتجاج عليه موضع غير هذا الكتاب. قال أبو حيان: وإنما يخدش هذا عندي وجود الفاء، فإنها لا يعمل ما بعدها فيما قبلها وتبعد زيادتها. انتهى. وقد تقدم [قول] أبي البقاء في أنها غير مانعة من ذلك. الخامس: أنها متعلقة بمحذوف على أنها حال من "نعمتي" والتقدير: ولأتم نعمتي مُشبِهَةً إرسالنا فيكم رسولاً، أي: مشبهة نعمة الإرْسَال، فيكون على حذف مضاف. [وقال مكي: في "إعراب المشكل": فإن شئت جعلت "الكاف" في موضع نصب على الحال من الكاف والميم في "عليكم"]. وأما على القول بأنها للتعليل، فتتعلّق بما بعدها وهو قوله: "فاذكروني" أي: اذكروني لأجل إرسالنا فيكم رسولاً، وكون "الكاف" للتعليل واضح، وجعل بعضهم منه: {أية : وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ}تفسير : [البقرة: 198]، وقول الآخر: [الرجز] شعر : 845 - لاَ تَشْتُمِ النَّاس كَمَا لاَ تُشْتَم تفسير : أي: لا تَشتم لامتناع النَّاس من شَتمك. وفي "ما" المتّصلة بهذه "الكاف" ثلاثة أوجه: أظهرها: أنها مصدرية، وقد تقدم تحريره. والثاني: أنها بمعنى الذي، والعائد محذوف، و"رسولاً" بدل منه، والتقدير: كالذي أرسلناه رسولاً، وهذا بعيد جداً. وأيضاً فإن فيه قوع "ما" على آحاد العقلاء، وهو قول مرجوح. الثالث: أنها كافة "للكاف" كهي في قوله: [الوافر] شعر : 846 - لَعَمْرُكَ إِنَّنِي وَأَبَا حُمَيْدِ كَمَا النَّشْوَانُ وَالرَّجُلُ الحَلِيمُ تفسير : ولا حاجة إلى هذا، فإنه لا يُصَار إلى ذلك إلاّ حيث تعذّر أن ينسبك منها ومما بعدها مصدر، كما إذا اتصلت بجملة اسمية كالبيت المتقدم. و"منكم" في محلّ نصب؛ لأنه صفة لـ"رسولاً"، وكذلك ما بعده من الجمل، ويحتمل أن تكون الجمل بعده حالاً لتخصيص النكرة بوصفها بقوله: "منكم"، وأتي بهذه الصفات بصيغة المضارع؛ لأنه يدل على التجدد والحدوث، وهو مقصود هاهنا، بخلاف كون "منهم"، فإنه وصف ثابت له، [وقوله: "فيكم"و "منكم"، أي: من العرب، وفي إرساله فيهم رسولاً، ومنهم نِعَمٌ عليهم عظيمة؛ لما لهم فيه من الشَّرَفِ، وأن المشهور من حال العرب الأَنَفَةُ الشديدة من الانقياد إلى الغير، فبعثه الله - تعالى - من واسطتهم ليقرب قبولهم. وقوله: "يَتْلُو عَلَيْكُمْ" فيه نِعَمٌ عليكم عظيمة؛ لأنه معجزة باقية تتأدّى به العبادات ومستفاد منه مجامع الأخلاق الحميدة. واعلم أنه إن كان المراد بالآيات القرآن، فالتلاوة فيه ظاهرة. وإن كان المراد بالآيات المعجزات، فمعنى التلاوة لها تتابعها؛ لأنَّ الأصل في التلاوة التتابع، يقال: جاء القوم يتلو بعضهم بعضاً أي بعضهم إثْرَ بعض]، وهنا قدم التزكية على التعليم، وفي دعاء إبراهيم بالعكس. والفرق أن المراد بالتزكية هنا التطهير من الكفر، وكذلك فسروه. وهناك المراد بها الشهادة بأنهم خيار أزكياء، وذلك متأخر عن تعلم الشرائع والعمل بها. [وقال الحسن: "يزكّيكم" يعلّمكم ما إذا تمسّكتم به صرتم أزكياء. وقال أبو مسلم: "التزكية" عبارة عن التَّنمية، كأنه قال: يكثركم؛ كقوله تعالى {أية : إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ}تفسير : [الأعراف: 86]، وذلك بأن يجمعهم على الحق فيتواصلوا ويكثروا]. وقوله: {يُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} بعد قوله: {وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} من باب ذكر العام بعد الخاص، وهو قليل بخلاف عكسه. [وقوله عز وجل: {وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ} بعد قوله: {يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} ليس بتكرار؛ لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم. وأما الحكمة فهي العلم بسائر الشرائع التي لم يشتمل القرآن على تفصيلها. وقال الشافعي رضي الله عنه: الحكمة هي سُنّة الرسول صلوات الله وسلامه عليه. وفي قوله تعالى: {وَيَعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} تَنْبِيهٌ على انه - تعالى - أرسله على حين فَتْرَةٍ من الرسل، وجهالة الأمم].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم} يقول: كما فعلت فاذكروني.
ابو السعود
تفسير : {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ} متصلٌ بما قبله، والظرفُ الأول متعلقٌ بالفعل قُدِّم على مفعوله الصريحِ لما في صفاته من الطول، والظرفُ الثاني متعلق بمُضمرٍ وقع صفةً لرسولاً مبـينةً لتمام النعمةِ، أي ولأتمَّ نعمتي عليكم في أمر القِبلة أو في الآخرة إتماماً كائناً كإتمامي لها بإرسال رسولٍ كائنٍ منكم، فإن إرسالَ الرسول لا سيما المجانسُ لهم نعمةٌ لا يكافئُها نعمة قطُّ، وقيل: متصلٌ بما بعده أي كما ذُكِّرْتم بالإرسال فاذكروني الخ وإيثارُ صيغةِ المتكلم مع الغير بعد التوجيه فيما قبله افتنانٌ وجَرَيانٌ على سَنن الكبرياء {يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءايَـٰتِنَا} صفة ثانيةٌ لرسول كاشفةٌ لكمال النعمة {وَيُزَكِيكُمْ} عطفٌ على يتلو أي يحمِلُكم على ما تصيرون به أزكياءَ {وَيُعَلّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ} صفةٌ أخرى مترتبةٌ في الوجود على التلاوة وإنما وسَّطَ بـينهما التزكية التي هي عبارةٌ عن تكميل النفسِ بحسَبِ القوةِ العملية وتهذيبِها المتفرِّعِ على تكميلها بحسَب القوة النظرية الحاصلِ بالتعليم المترتب على التلاوة للإيذان بأن كلاً من الأمور المترتبة نعمةٌ جليلةٌ على حِيالها مستوجبةٌ للشكر، فلو رُوعيَ ترتيبُ الوجود كما في قوله تعالى: {أية : وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَـٰتِكَ وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ }تفسير : [البقرة، الآية 129] لتبادَر إلى الفهم كونُ الكلِّ نعمةً واحدةً كما مر نظيرُه في قصة البقرة، وهو السرُّ في التعبـير عن القرآن تارة بالآيات وأخرى بالكتابِ والحِكمة رمزاً إلى أنه باعتبار كلِّ عنوانٍ نعمةٌ على حِدةٍ، ولا يقدح فيه شمولُ الحكمةِ لما في تضاعيف الأحاديثِ الشريفةِ من الشرائع، وقولُه عز وجل: {وَيُعَلّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} صريحٌ في ذلك فإن الموصولَ مع كونه عبارةً عن الكتاب والحِكمة قطعاً قد عُطف تعليمُه على تعليمها، وما ذلك إلا لتفصيل فنونِ النعم في مقامٍ يقتضيه كما في قوله تعالى: {أية : وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } تفسير : [هود، الآية 58] عقيب قوله تعالى: {أية : نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا} تفسير : [هود، الآية 58] والمراد بعدم علمِهم أنه ليس من شأنهم أن يعلموه بالكفر والنظر وغيرِ ذلك من طرق العلم لانحصار الطريقِ في الوحي.
القشيري
تفسير : إرسال الرسول مفاتحة لأبواب الوصول، فكان في سابق علمه - سبحانه - أن قلوب أوليائه متعطشة إلى لقائه. ولا سبيل لأحد إليه إلا بواسطة الرسل؛ فأقوام ألزمهم - بإرسال الرسل إليهم - الكُلَف، وآخرون أكرمهم - بإرسال الرسل إليهم - بفنون القُرَب والزُّلَف، وشَتّان بين قوم وقوم!
اسماعيل حقي
تفسير : {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم} متصل بما قبله اى ولاتم نعمتى عليكم فى امر القبلة اتماما كائنا كاتمامى لها بارسال رسول كائن منكم وهو محمد صلى الله عليه وسلم فان ارسال الرسول لا سيما المجانس لهم نعمة لم تكافئها نعمة قط {يتلو عليكم آياتنا} وهو القرآن العظيم {ويزكيكم} اى يحملكم على ما تصيرون به ازكياء طاهرين من دنس الذنوب المكدرة لجوهر النفس لان شأن الرسل الدعوة والحث على اعمال يحصل بها طهارة نفوس الامة من الشرك والمعاصى لا تطهيرهم اياهم بمباشرتهم من اول الامر {ويعلمكم الكتاب} اى ما فى القرآن من المعانى والاسرار والشرائع والاحكام التى باعتبارها وصف القرآن بكونه هدى ونورا فانه عليه السلام كان يتلوه عليهم ليحفظوا نظمه ولفظه فيبقى على ألسنة اهل التواتر مصونا من التحريف والتصحيف ويكون معجزة باقية الى يوم القيامة وتكون تلاوته فى الصلاة وخارجها نوعا من العبادة والقربة ومع ذلك كان يعلم ما فيه من الحقائق والاسرار ليهتدوا بهداه وانواره {والحكمة} هى الاصابة فى القول والعمل ولا يسمى حكيما الا من اجتمع له الامران كذا قال الامام من احكمت الشئ اى رددته عمالا يعنيه وكأن الحكمة هى التى ترد عن الجهل والخطأ. واعلم ان العمل بالقرآن متفرع على معرفة معناه وهو متفرع على معرفة الفاظه والتزكية غاية اخيرة لانها متفرعة على العمل لكنها قدمت فى الذكر نظرا الى تقدمها فى التصور {ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} قال الراغب ان قيل ما معنى ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون وهل ذلك الا الكتاب والحكمة قيل عنى بذلك العلوم التى لا طريق الى تحصيلها الا من جهة الوحى على ألسنة الانبياء ولا سبيل الى ادراك جزئياتها وكلياتها الا به وعنى بالحكمة والكتاب ما كان للعقل فيه مجال فى معرفة شىء منه واعاد ذكر ويعلمكم مع قوله ما لم تكونوا تعلمون تنبيها على انه مفرد عن العلم المتقدم ذكره.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {كما} متعلق بأتم، أي: ولأتم نعمتي عليكم في شأن القبلة كما أتممتها عليكم بإرسال الرسول. أو باذكروني، أي: كما ذكرناكم بالإرسال، فاذكروني بالمقال والحال. وقدم هنا التزكية على التعليم، باعتبار القصد؛ لأن القصد من الإرسال والتعليم هو التطهير، وأخره في دعوة إبراهيم باعتبار الفعل، لأن الإرسال والتعليم مقدم على التطهير، وأعاد العامل في قوله: {ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} إيذاناً بأنه جنس آخر شرفاً له. يقول الحقّ جلّ جلاله يا عبادي اذكروا برّي وإحساني، فقد أتممت عليكم نعمتي وآلائي بإسعافكم في تحويل القبلة، كما أتممتها عليكم بأعظم النعم وأجلها، وهو إرسال من يعلمكم {رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا} الموصلة إلى حضرتنا، ويطهركم من المساوئ والعيوب، {ويعلمكم الكتاب} المشتمل على علم الغيوب ودواء القلوب، ويعلمكم {الحكمة} وهي الشريعة المطهرة والسنّة النبوية، {ويعلمكم} علوماً غيبية لم يكن لكم بها علم ولا معرفة، {فاذكروني} بالطاعة والإحسان {أذكركم} بالثواب ونعيم الجنان. قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : مَن أطَاعَ الله فقدْ ذكَرَ الله، وإنْ قَلَّتْ صَلاتُه وصيَامُهُ وتِلاوتُه القرآن. ومَنْ عَصيَ اللّهَ فَقَدْ نَسِيَ الله، وإنْ كَثُرتْ صَلاتُهُ وصَيَامُهُ وتِلاوَتُه ". تفسير : أو فاذكروني بالجَنَانِ أذكركم بنعمة الشهود والعيان، أو فاذكروني بالقلوب أذكركم بكشف الحجب، أو فاذكروني بالتوحيد والإيمان أذكركم بالدرجات في الجنان. قال الصِّديق رضي الله عنه: (كفَى بالتوحيدِ عبَادةً، وكَفَى بالجنةِ ثَواباً). أو فاذكروني بالشكر أذكركم بالزيادة، أو فاذكروني على ظهر الأرض أذكركم في بطنها: قال الأصمعي: (رأيت أعرابيّاً واقفاً يوم عرفة بعرفات، وهو يقول: إلهي عَجَّتْ لكَ الأصْواتُ بضُروب اللغات يسألونك الحَاجَات، وحاجَتي إليكَ أنْ تَذْكُرني عندَ البلاَءِ إذا نَسِيَني أهلُ الدنيا). أو: فاذكروني في الدنيا أذكركم في العقبى، أو: فاذكروني بالطاعات أذكركم بالمعافاة، يعني يحييه حياة طيبة. أو: فاذكروني في الخلاء والملأ أذكركم في أفضل الملأ، دليله الحديث:"حديث : أنا عِندَ ظنِّ عبدي بي فليُظنَّ بي مَا شاء، وأنا معه إذا ذكَرني، فمن ذَكَرَنيِ في نَفْسِه ذَكَرْتُه في نَفْسِي. ومن ذَكَرَنِي في مَلأ ذَكرْتُه في مَلأ خير من مَلَئِهِ..."تفسير : الحديث. أو: فاذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء، أو: فاذكروني بالتسليم والرضا أذكركم بحسن التدبير ولطف القضاء،{أية : وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}تفسير : [الطّلاَق: 3] أو: فاذكروني بالشوق والمحبة أذكركم بالوصال والقربة. أو: فاذكروني بالتوبة أذكركم بغفران الحوبة، أو: فاذكروني بالدعاء أذكركم بالعطاء، أو: فاذكروني بالسؤال أذكركم بالنوال، إلى غير ذلك مما لا ينحصر. واعلم أن الذكر ثلاثة أنواع: ذكر اللسان فقط وهو ذكر الغافلين، وذكر اللسان والقلب وهو ذكر السائرين، وذكر القلب فقط، وهو ذكر الواصلين، والذكر هو أفضل الأعمال كما تقتضيه الأحاديث النبوية والآيات القرآنية، وهو أقرب الطرق الموصلة إلى الله تعالى، إذا كان بشيخ كامل، واعلم أن الذكر على أنواع كثيرة من تهليل وتكبير وتسبيح وحَمْدَلَةٍ وحَسْبَلَةٍ وحوقلة وصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكلِّ خاصيةٌ وثمرة، وتجتمع في ذكر المفرد، وهو: الله، الله.فإن ثمرته الفناء في الذات، وهي الغاية والمنتهى. انظر ابن جزي. قال الحقّ تعالى: واشكروا لي ما أوليتكم من إحساني وبرّي بأن تنسبوها لي لا لغيري، ولا تجحدوا إحساني فأسلبكم ما خولتكم من إنعامي. الإشارة: كما أنعم الله على الأمة المحمدية بأن بعث فيهم رسولاً منهم يعلمهم الشرعية النبوية، ويطهرهم من شهود الغيرية، ويعلمهم العلوم اللدنية، كذلك منَّ الله تعالى على عباده من هذه الأمة في كل زمان، ببعث شيوخ التربية يطهرون الناس من العيوب، ويدخلونهم حضرة الغيوب، ويطلعونهم على شهود القدرة الأزلية والحكمة الإلهية، ويعلمهم من غرائب العلوم، ويفتح لهم مخازن الفهوم، فَيَطَّلعون على السر المصون، ويعلمون ما لم يكونوا يعلمون، فيقول لهم الحقّ جلّ جلاله: اذكروني بأرواحكم وأسراركم، أذكركم بالغيبة عن رؤية أشباحكم، اذكروني بالفكرة والنظرة أمتعكم بدوام شهود الحضرة، واشكروا لي آلائي وبرّي، ولا تكفروا بالركون إلى غيري فإني أسلبكم من مزيد معوني ونصري. ولمّا أمر عباده بالشكر أمرهم بمقام الصبر لأنه أخوه في ضده؛ إذ الشكر في النعمة والصبر في البلية.
الطوسي
تفسير : المعنى: التشبيه بقوله {كما أرسلنا} يحتمل أمرين: احدهما - ان النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة، لان الله لطف بعباده بها على ما يعلم من المصلحة، ومحمود العاقبة. الثاني - الذكر الذي أمر الله به كالنعمة بالرسالة فيما ينبغي ان يكون عليه من المنزلة في العظم والاخلاص لله، كعظم النعمة. وهو على نحو قوله: {أية : كما أحسن الله إليك}تفسير : والعرب تقول: الجزاء بالجزاء، فسمي الاول باسم الثاني للمقابلة، والتشبيه لكل واحد منهما بالآخر. الاعراب: و (ما) في قوله: {كما} مصدرية. كأنه قال: كارسالنا فيكم ويحتمل أن تكون كافة قال الشاعر: شعر : أعلاقة أم الوليد بعدما أفنان رأسك كالثغام المخلس تفسير : لانه لا يجوز كما زيد يحسن اليك, فأحسن الى أبنائه. والعامل في قوله {كما} يجوز أن يكون أحد أمرين: أحدهما - الفعل الذي قبله: وهو قوله: {ولأتم نعمتي عليكم} {كما أرسلنا فيكم} والقول الثاني - الفعل الذي بعده: وهو فاذكروني {كما أرسلنا}. والأول أحد قولي الفراء، والزجاج واختاره الجبائي. والثاني قول مجاهد والحسن، وابن ابي يحتج بأحد قولي الفراء، والزجاج، واختيار الزجاج. وقال الفراء: لا ذكروني جوابان: احدهما - {كما}. والآخر - أذكركم، لانه لما كان يجب عليهم الذكر ليذكرهم الله برحمته، ولما سلف من نعمته، أشبه - من هذا الوجه - الجواب، لانه يجب للثاني فيه بوجوب الأول. المعنى: وقوله: {يزكيكم} معناه يعرضكم لما تكونوا به أزكياء من الأمر بطاعة الله واتباع مرضاته. ويحتمل أيضاً أن يكون المراد: ينسبكم إلى أنكم أزكياء شهادة لكم بذلك، ليعرفكم الناس به، وإنما قال: {الكتاب والحكمة} لاختلاف الفائدة في الصفتين وإن كانتا لموصوف واحد. كقولك: هو العالم بالأمور القادر عليها. ويحتمل أن يكون أراد بالكتاب: القرآن، وبالحكمة: الوحي من السنة. والكاف في قوله: {فيكم} خطاب للعرب - على قول جميع أهل التأويل. وقوله: {ويعلمكم} معناه ما لا سبيل لكم إلى علمه إلا من جهة السمع، فذكرهم الله بالنعمة فيه. ويكون التعليم لما عليه دليل من جهه العقل تابعاً للنعمة فيه. ولا سيما اذا أوقع موقع اللطف. ومعنى الارسال: هو التوجه بالرسالة والتحميل لها ليؤدي الى من قصد، فالدّلالة والرّسالة جملة مضمنة بمن يصل اليه ممن قصد بالمخاطبة. والتلاوة: ذكر الكلمة بعد الكلمة على نظام متسق في الرتبة. والتزكية: النسبة الى الازدياد من الأفعال الحسنة التي ليست بمشوبة. ويقال أيضاً على معنى التعريض لذلك بالأستدعاء اليه واللطف فيه. والحكمة: هي العلم الذي يمكن به الافعال المستقيمة.
الجنابذي
تفسير : {كَمَآ أَرْسَلْنَا} يعنى اُتمّ نعمتى اتماماً مثل ارسال الرّسول، او تهتدون اهتداءً مثل الأهتداء بارسال الرّسول، او هو متعلّق بقوله: {فاذكرونى}، او {أَذْكُرْكُمْ}، والفاء زائدة، او متعلّق بمحذوفٍ يفسّره المذكور والمعنى اذكرونى ذكراً يوازى نعمة ارسال الرّسول المستتبع لجميع الخيرات، او {أَذْكُرْكُمْ} مثل ذكركم بارسالنا {فِيكُمْ} لا فى غيركم {رَسُولاً مِّنْكُمْ} يشابهكم فى الجسد والبشريّة لا من غيركم من أصناف الملائكة وغيرهم حتّى تستوحشوا منه يستتبع نعماً جليلة فانّه {يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} التّدوينيّة فينبّهكم بها ويعلّمكم بها آياتنا الآفاقيّة والانفسيّة او يتلو عليكم آياتنا التّدوينيّة والاحكام الشّرعيّة ويتلو عليكم ويذكّر لكم آياتنا الآفاقيّة والانفسيّة {وَيُزَكِّيكُمْ} يطهّركم من الاخلاق الرّذيلة والنّقائص البشريّة او يحملكم على الطّهارة عن النّجاسات الشّرعيّة والادناس العرفيّة بتأسيس آداب النّظافة او ينميكم فى ذاتكم وصفاتكم او يحملكم على تأدية زكاة أموالكم وأبدانكم، او يصلحكم ويجعلكم متنعّمين او يعطشكم لامور الآخرة {وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} قد سبق بيان الكتاب والحكمة {وَيُعَلِّمُكُم} من الامور الغيبيّة {مَّا لَمْ تَكُونُواْ} بقوّتكم البشريّة {تَعْلَمُونَ} بالفكر والنّظر والتعلّم البشرىّ ممّا ذكر من اوصاف الجنّات الصّوريّة الّتى أنكرها أكثر الفلاسفة ومن دقائق الحكم المودعة فى الأحكام الشّرعيّة من العبادات والمعاملات ومن كيفيّة ارتباط الأعمال البدنيّة بالامور الغيبيّة والاخلاق النفسيّة فانّه لا طريق للبشر الى ادراك هذه الاّ بطريق الوحى ولذا أنكر الفلاسفة الّذين يعدّون أنفسهم من العلماء أكثر العوالم الغيبيّة وأكثر الاحكام الشّرعيّة وأنكر الدّهريّة والطبيعيّة كلّ الامور الشّرعيّة والعوالم الغيبيّة. وقدّم التّزكيّة على تعليم الكتاب والحكمة هاهنا وفى سورة آل عمران فى قوله تعالى: {أية : لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ} تفسير : [آل عمران:164]؛ الآية، وفى سورة الجمعة فى قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ} تفسير : [الجمعة:2]؛ الآية بخلاف دعوة ابراهيم (ع) الّتى سبقت للاشعار باجابة دعاء ابراهيم (ع) والتفضّل عليه (ع) بالزيادة على مسؤله فانّ التعليم الّذى هو قبل التزكية ليس الاّ بالعلم التّقليدىّ الّذى يكون عاديّة للعالم به بخلاف التّعليم الّذى هو بعد التّزكية فانّه يكون بالعلم التحقيقىّ بمراتبه من علم اليقين وعين اليقين وحقّ اليقين ولهذا أضاف على دعائه قوله تعالى: {مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}.
الأعقم
تفسير : {كما أرسلنا} امَّا ان يتعلق بما قبله اي ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بارسال الرسل وبما بعده اي كما ذكرتكم بارسال الرسل {ويعلمكم الكتاب} القرآن {والحكمة} الشرائع والاحكام {فاذكروني} بالطاعة {اذكركم} بالثواب، وقيل: اذكروني بطاعتي اذكركم بمغفرتي، وقيل: اذكروني بالشكر اذكركم بالزيادة، وقيل: اذكروني في النعمة والرخاء اذكركم في الشدة والبلاء {يأيها الذين آمنوا استعينوا} اطلبوا المعونة {بالصبر والصلاة} وانما خصهما لما فيهما من المعونة والصبر وحبس النفس عما تدعو اليه وكذلك الصبر على مشاق الطاعات {إن الله مع الصابرين} يعني بالمعونة والنصر، وقيل: بالتوفيق بالتسديد {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله} قيل: الآية نزلت في شهداء بدر وكانوا اربعة عشر رجلا وكانوا يقولون مات فلان وانقطع عنه نعيم الدنيا، قيل: هم احياء في قبورهم، وقيل: احياء في الجنة، وقيل: احياء في السماء عند سدرة المنتهى {ولنبلونكم} اي لنختبرنكم ومعناه نعاملكم معاملة المختبر ليظهر المعلوم منكم بشيء قليل من كل واحد من هذه البلايا {من الخوف} خوف العدوّ {ونقص من الأموال} هلاك المواشي ونقصان الاموال {والأنفس} قيل: بالموت، وقيل: بالقتل، وقيل: بالامراض، وقيل: بالشيب، وقال الشافعي (رحمه الله): الخوف خوف الله والجوع صوم رمضان ونقصان الاموال الزكاة {وبشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا اليه راجعون} المسترجعين عند البلاء، حديث : وروي انه طُفِئ سراج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: "انا لله وانا اليه راجعون" فقيل: أمصيبة هي؟ قال: "نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو مصيبة" تفسير : {أولئك عليهم صلوات من ربهم} يعني ثناء ومدح وتعظيم {ورحمة} يعني عليهم رأفة بعد رحمة أو رحمة بعد رحمة {وأولئك هم المهتدون} قيل: بهذه الطريقة، وقيل: الى الجنة والثواب {إن الصفا والمروة} روي عن ابن عباس انه كان على الصفا والمروة صنمان وكان اهل الجاهلية يطوفون بينهما فكره المسلمون الطواف بينهما، وقيل: كانت اصناماً يعبدونها منصوبة فكره المسلمون الطواف بينهما فنزلت الآية {من شعائر الله} قيل: المناسك، وقيل: من دين الله.
الهواري
تفسير : قوله: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ} أي: ويطهركم من الشرك {وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ} الكتاب: القرآن. والحكمة: السنة. {وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [يقول: كما فعلت ذلك بكم فاذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي] {وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} أي ولا تكفروني النعمة. وهذا الكفر في هذا الموضع كفر النعم. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. قال بعض المفسّرين: ليعلم أنهما عون على طاعة الله. وقال بعضهم: الصبر ها هنا الصوم. وقال بعضهم: الصبر على ما أمروا به وعما نهوا عنه؛ وهو حقيقة التأويل. قوله: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} أنتم كيف تلك الحياة التي هي حياة الشهداء. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر ترعى في الجنة، ثم تأوى إلى قناديل معلقة بالعرش. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما بين حياة الشهيد في الدنيا وبين حياته في الآخرة إلا كمضغ تمرة ". تفسير : وقال بعضهم: كنا نُحدَّث أن أرواح الشهداء تعارف في طير بيض وخضر يأكلن من ثمار الجنة، وأن مساكنهم السدرة، وأن للمجاهد في سبيل الله ثلاث خصال: من قتل في سبيل الله صار حيّاً مرزوقاً، ومن غُلِب آتاه الله أجراً عظيماً، ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" حديث : إن الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد ألم القرصة ".
اطفيش
تفسير : {كَمَا أرْسَلْنا}: متعلق بقوله: {أتم}، أى ولأتم نعمتى عليكم، كما أرسلنا فيكم رسولا منكم أى كما بدأتكم بإرسال الرسول فيكم منكم أتم نعمتى عليكم، غير أنه لما قدم أتم صح قرنه بلام التعليل، كأنه قيل ولأتم نعمتى عليكم كما بدأتها بإرساله، وهذا أولى من أن يقال كما أتممتها بإرسال رسول منكم، أو متعلق بقوله: {اذكرونى} على أن الفاصلة أى اذكرونى بالعبادة، كما أرسلنا فيكم رسولا منكم، وقيل متعلقا بتهتدون، وتعليقه باذكرونى هو قول الفراء، قال: {كما أرسلنا فيكم رسولا} وأوليتكم هذه النعمة فاذكرونى، ويجوز تعليقه بأذكركم، ووجه التعليق باذكرونى أن المعنى افعلوا خيرا يعود عليكم وهو ذكركم إياى كما فعلت خيراً هو إرسالى رسولا منكم، بل ذكركم إياى نعمة منى، كما أن الإرسال نعمة منى، ووجه التعليق بأذكركم أن المعنى أنعم عليكم بذكرى إياكم، كما أنعمت عليكم بالإرسال منكم، ووجه التعليق بتهتدون: أن الاهتداء نعمة من الله، كما أن الإرسال نعمة منه تعالى، أو أن الاهتداء هو الذى طلبه إبراهيم عليهِ السلام بقوله: {أية : ومِنْ ذُرِّيتنا أمة مُسلمةً لك} تفسير : وإرسال الرسول من العرب هو الذى طلبه بقوله: {أية : وابْعَث فِيهِم رسولاً مِنْهم} تفسير : أى لعلى أجيب دعوة إبراهيم باهتدائكم، كما أجبت دعوته بإرسال محمد، صلى الله عليهِ وسلم، منكم، والكاف للتشبيه فى الأوجه كلها، ويجوز فى تعليقها باذكرونى، أو بأذكركم أن تكون للتشبيه وأن تكون للتعليل. {فِيكُم}: يا معشر العرب. {رسُولاً منْكُم}: وهو رسول الله محمد، صلى الله عليه وسلم، فإنه من العرب والعرب أفضل الناس، لأن أفضل الرسل منهم، وهذا شرف فى نفس العرب، وتفضيل بنى إسرائيل على عالمى زمانهم حتى عرب زمانهم إنما هو باعتبار ما تفضل عليهم لا فى نفسهم فافهم، ويدل أيضاً على ذلك وعلى فضل لغتهم على سائر اللغات، أن القرآن جاء عليها وهو أفضل كتب الله ـ جل وعلا ـ وفى إرسال الرسول منهم نعمة عظيمة عليهم لما فيه من الشرف لهم، لأن المعروف من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد لغيرهم، فكان بعثه منهم أقرب إلى قبول قوله والانقياد إليه. {يتْلُو عليْكُم آياتنا}: هى آيات القرآن الكريم المعجز إلى يوم القيامة، وجملة (يتلو) نعت رسولا، ويجوز أن تكون حالا منه إن علقنا منكم بإرسلنا ولم نجعله نعتا له. {ويُزكِّيكُم}: يطهركم من الشرك والمعاصى، لأن يعلمكم أمر الدين ويأمركم وينهاكم، وشئ زكى بمعنى غير خبيث بالنجس، وفى إطلاق التزكية على الانقياد من السر والمعاصى إشارة إلى أن الشرك والمعاصى كالنجس، ويجوز أن يكون المعنى ينميكم بالطاعة والإيمان، فإن الإنسان فى المعصية والشرك على نقص ورذالة، وفى الطاعة والإيمان على الزيادة والبركة، وأن يكون معنى يزكيكم بصيركم أزكيا بأن تكون أخلاقكم محاسن وأفعالكم مكارم. {ويُعلِّمكم الكِتابَ}: القرآن بألفاظه ومعانيه. {والحِكْمة}: السنة والفقه فى الدين، أو الكتاب ألفاظ القرآن، والحكمة معانية، أو خصوص أحكامه، وتقدم كلام على ذلك فى قصة إبراهيم عليه السلام، وإنما أخر التزكية فيها عن تعليم الكتاب والحكمة، وقدمها هنا، لأن التزكية مذكورة هنا على رسم أن يكون فيهم، ويعلمها بهم فيقبلوها فيتزكوا فهى المقصود بالذا من بعث الرسول فيهم، ومذكورة فى قصته على رسم أن يؤول أمرهم إلى إرسال الرسول فيهم يؤول أمره إلى أن يزكيهم فهى فيها ثانيا، وبالتبع وهنا أولى، وبالفعل وإن شئت فقل التزكية علة تكون غاية لبعث الرسول، والعلة التى هى غاية الشئ متأخرة عملا متقدمة علماً، فنظر إلى تقدمها علما فقدمت هنا وإلى تأخرها عملاً فأخرت هنالك: {ويُعَلمكُم مَا لَم تكُونوا تعْلَمونَ}: يعلمكم بالتوفيق إلى استنباط الأحكام والمعانى من القرآن والسنة، بتدقيق الفكر والنظر بعد أن لم تعلموها فهم يفهمون منها ما لم يذكره لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون المعنى بالكتاب ألفاظه، وبالحكمة أحكامه، والسنة والفقه فى الدين، وبما لم تكونوا تعلمون أخبار الأمم الماضية وأنبياءهم والحوادث المستقبلة، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: {ويُعلِّمكم ما لم تكُونُوا تعْلَمون} هو المراد بقوله: ويعلمكم الكتاب والحكمة، فأعاده ليبين ويصرح بأنه يعلمهم ما لا يدركونه بمجرد الفكر والنظر، بل بالوحى وهو جنس آخر غير ما كانوا يعرفونه بالنظر والفكر.
اطفيش
تفسير : {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ} معشر العرب، شرفاً لكم، إذ لم يكن من غيركم، ولا تقدرون أن تأخذوا الأحكام والوحتى عن الملَك، يعنى محمداً صلى الله عليه وسلم، ولأتم نعمتى عليكم إتماماً شبيهاً بإرساله فى الإتمام به للنعمة، ويجوز أن يعود إلى قوله "أية : فاذكروني" تفسير : [البقرة: 152] أى اذكرونى ذكراً مثل ذكرى لكم بالإرسال، أو اذكرونى بدل إرسالنا فيكم رسولا، فالكاف للمقابلة، وذكر الإرسال وإرادة الإتمام من إقامة السبب مقام المسبب {يَتْلُوْا عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِنَا} أى القرآن الذى هو معجزة دائماً لا يمل {وَيُزَكِّيكُمْ} يطهركم من الشرك والمعاصى، أو يعلمكم ما تكونون به أزكياء {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَٰبَ} أى القرآن، ذكره أولا بلفظ الآيات باعتبار معانيه التى هى مدلولها، وثانياً بالكتاب باعتبار ألفاظه {وَالْحِكْمَةَ} ما فيه من الأحكام، تخصيص بعد تعميم، أو السنة {وَيُعَلِّمُكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} من أخبار الأمم وأنبيائهم والحوادث، ولم يقل ويعلمكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون بلا إعادة ذكر يعلمكم ليدل على أن هذا التعليم نوع آخر، ولو قلنا ما لم تكونوا تعلمون هو الكتاب والحكمة وعطف، لأن تغاير الصفة كتغاير الذات، فإن مفهوم ما لم تكونوا تعلمون غير مفهوم الكتاب والحكمة، ولو اتحدت ما صدقاً، وقدم التزكية لأنها تخلية عن التعليم لأنه تحلية، ولأنها غاية التعليم متقدمة فى القصد، كما قالوا فى الغاية المقصودة من الفعل هى أول الفكر وآخر العمل، كالماء غاية يقصد بالحفر ويحصل بعده وقد قصد قبل الحفر، وقدم التعليم فى دعاء إبراهيم: ربنا وابعث فيهم... الخ باعتبار أن التزكية تحصل بعد العلم، وهو بعد التعليم: وقيل: التزكية عبارة عن تكميل النفس بالقوة العملية، وتهذيبها المتفرع عن تكميلها بالقوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة، ووسطت بين التلاوة والتعليم إيذاناً بأن كلا من الأمور المترتبة نعمة على حدة توجب الشكر، ولو روعى ترتيب الوجود كما فى دعوة إبراهيم لتوهم أن كلا نعمة واحدة.
الالوسي
تفسير : {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ} متصل بما قبله، فالكاف للتشبيه وهي في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، والتقدير ـ لأتم نعمتي عليكم ـ في أمر القبلة أو في الآخرة إتماماً مثل إتمام إرسال الرسول، وذكر الإرسال وإرادة الإتمام من إقامة السبب مقام المسبب، و {فيكُمْ} متعلق ـ بأرسلنا ـ وقدم على المفعول الصريح تعجيلاً بإدخال السرور ولما في صفاته من الطول، وقيل: متصل بما بعده أي اذكروني ذكراً مثل ذكري لكم بالإرسال، أو اذكروني بدل إرسالنا فيكم رسولاً فالكاف للمقابلة متعلق باذكروني، ومنها يستفاد التشبيه لأن المتقابلين متشابهان ومتبادلان، وإيثار صيغة المتكلم مع الغير بعد التوحيد افتنان وجريان على سنن الكبرياء وإشارة إلى عظمة نعمة هذا الإرسال، وهذا الرسول صلى الله عليه وسلم {يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتِنَا} صفة (رسولاً) وفيه إشارة إلى طريق إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام لأن تلاوة الأمي الآيات الخارجة عن طوق البشر باعتبار بلاغتها واشتمالها على الإخبار بالمغيبات والمصالح التي ينتظم بها أمر المعاد والمعاش أقوى دليل على نبوته {وَيُزَكِيكُمْ} أي يطهركم من الشرك وهي صفة أخرى للرسول وأتى بها عقب التلاوة لأن التطهير عن ذلك ناشىء عن إظهار المعجزة لمن أراد الله تعالى توفيقه {وَيُعَلّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ} صفة إثر صفة وأخرت لأن تعليم الكتاب وتفهيم ما انطوى عليه من الحكمة الإلهية والأسرار الربانية إنما يكون بعد التخلي عن دنس الشرك ونجس الشك بالاتباع، وأما قبل ذلك فالكفر حجاب، وقدم التزكية على التعليم في هذه الآية وأخرها عنه في دعوة إبراهيم/ [البقرة: 129] لاختلاف المراد بها في الموضعين، ولكل مقام مقال، وقيل: التزكية عبارة عن تكميل النفس بحسب القوة العملية وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة إلا أنها وسطت بين التلاوة والتعليم المترتب عليها للإيذان بأن كلاً من الأمور المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر ولو روعي ترتيب الوجود كما في دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لتبادر إلى الفهم كون الكل نعمة واحدة، وقيل: قدمت التزكية تارة وأخرت أخرى لأنها علة غائية لتعليم الكتاب والحكمة، وهي مقدمة في القصد والتصور مؤخرة في الوجود والعمل فقدمت وأخرت رعاية لكل منهما، واعترض بأن غاية التعليم صيرورتهم أزكياء عن الجهل لا تزكية الرسول عليه الصلاة والسلام إياها المفسرة بالحمل على ما يصيرون به أزكياء لأن ذلك إما بتعليمه إياهم أو بأمرهم بالعمل به فهي إما نفس التعليم أو أمر لا تعلق له به، وغاية ما يمكن أن يقال: إن التعليم باعتبار أنه يترتب عليه زوال الشك وسائر الرذائل تزكيته إياهم فهو باعتبار غاية وباعتبار مغيا ـ كالرمي. والقتل ـ في قولهم: رماه فقتله فافهم {وَيُعَلّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} مما لا طريق إلى معرفته سوى الوحي وكان الظاهر و {مَّا لَمْ تَكُونُواْ} ليكون من عطف المفرد على المفرد إلا أنه تعالى كرر الفعل للدلالة على أنه جنس آخر غير مشارك لما قبله أصلاً فهو تخصيص بعد التعميم مبين لكون إرساله صلى الله عليه وسلم نعمة عظيمة ولولاه لكان الخلق متحيرين في أمر دينهم لا يدرون ماذا يصنعون.
ابن عاشور
تفسير : تشبيهن للعلتين من قوله: { أية : ولأتم } تفسير : [البقرة: 150] وقوله: { أية : ولعلكم تهتدون } تفسير : [البقرة: 150] أي ذلك من نعمتي عليكم كنعمة إرسال محمد - صلى الله عليه وسلم - وجعل الإرسال مشبهاً به لأنه أسبق وأظهر تحقيقاً للمشبه أي إن المبادىء دلت على الغايات وهذا كقوله في الحديث « حديث : كما صليت على إبراهيم » تفسير : ونكر (رسول) للتعظيم ولتجري عليه الصفات التي كل واحدة منها نعمة خاصة، فالخطاب في قوله: {فيكم} وما بعده للمؤمنين من المهاجرين والأنصار تذكيراً لهم بنعمة الله عليهم بأن بعث إليهم رسولاً بين ظهرانيهم ومن قومهم لأن ذلك أقوى تيسيراً لهدايتهم، وهذا على نحو دعوة إبراهيم: { أية : ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم } تفسير : [البقرة: 129] وقد امتن الله على عموم المؤمنين من العرب وغيرهم بقوله: { أية : لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم } تفسير : [آل عمران: 164] أي جنسهم الإنساني لأن ذلك آنس لهم مما لو كان رسولهم من الملائكة قال تعالى: {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً} ولذلك علق بفعل {أرسلنا} حرفُ فِي ولم يعلَّق به حرف إلى كما في قوله: { أية : إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم } تفسير : [المزمل: 15]، لأن ذلك مقام احتجاج وهذا مقام امتنان فناسب أن يذكر ما به تمام المنة وهي أن جعل رسولهم فيهم ومنهم، أي هو موجود في قومهم وهو عربي مثلهم، والمسلمون يومئذٍ هم العرب أي الذين يتكلمون باللغة العربية فالأمة العربية يومئذٍ تتكلم بلسان واحد سواء في ذلك العدنانيون والقحطانيون ومن تبعهم من الأحلاف والموالي مثل سلمانَ الفارسي وبلال الحبشي وعبدِ الله بن سَلاَم الإسرائيلي، إذ نعمة الرسالة في الإبلاغ والإفهام، فالرسول يكلمهم بلسانهم فيفهمون جميع مقاصده، ويدركون إعجاز القرآن، ويفوزون بمزية نقل هذا الدين إلى الأمم، وهذه المزية ينالها كل من تعلَّم اللسان العربي كغالب الأمم الإسلامية، وبذلك كان تبليغ الإسلام بواسطة أمة كاملة فيكون نقله متواتراً، ويسهل انتشاره سريعاً. والرسول المُرسَل فهو فَعُول بمعنى المفعول مثل ذَلول، وسيأتي الكلام عليه من جهة مطابقة موصوفة عند قوله تعالى: { أية : فقولا إنا رسول رب العالمين } تفسير : [الشعراء: 16] في سورة الشعراء. وقوله: {يتلوا عليكم أياتنا} أي يقرأ عليكم القرآن وسماه أولاً آيات باعتبار كون كل كلام منه معجزة، وسماه ثانياً كتاباً باعتبار كونه كتاب شريعة، وقد تقدم نظيره آنفاً عند قوله تعالى: { أية : ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة } تفسير : [البقرة: 129]. وعبر بيتلو لأن نزول القرآن مستمر وقراءة النبي له متوالية وفي كل قراءة يحصل علم بالمعجزة للسامعين. وقوله: {ويزكيكم} الخ التزكية تطهير النفس مشتقة من الزكاة وهي النماء، وذلك لأن في أصل خلقة النفوس كمالاتٍ وطهاراتٍ تعترضُها أرجاس ناشئة عن ضلال أو تضليل، فتهذيب النفوس وتقويمها يزيدها من ذلك الخير المودع فيها، قال تعالى: { أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين، إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات } تفسير : [التين: 4 ــــ 6]، وفي الحديث: « حديث : بُعثت لأُتمم حُسْن الأخلاق »، تفسير : ففي الإرشاد إلى الصلاح والكمال نماء لما أودع الله في النفوس من الخير في الفطرة. وقوله: {ويعلمكم الكتاب والحكمة} أي يعلمكم الشريعة فالكتاب هنا هو القرآن باعتبار كونه كتاب تشريع لا باعتبار كونه معجزاً ويعلمكم أصولَ الفضائل، فالحكمة هي التعاليم المانعة من الوقوع في الخطأ والفساد، وتقدم نظيره في دعوة إبراهيم وسيأتي أيضاً عند قوله تعالى: { أية : يؤتي الحكمة من يشاء } تفسير : [البقرة: 269] في هذه السورة. وقدمت جملة: {ويزكيكم} على جملة: {ويعلمكم الكتاب والحكمة} هنا عكس ما في الآية السابقة في حكاية قول إبراهيم: { أية : يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم } تفسير : [البقرة: 129]، لأن المقام هنا للامتنان على المسلمين فقدم فيها ما يفيد معنى المنفعة الحاصلة من تلاوة الآيات عليهم وهي منفعة تزكية نفوسهم اهتماماً بها وبعثاً لها بالحرص على تحصيل وسائلها وتعجيلاً للبشارة بها. فأما في دعوة إبراهيم فقد رتبت الجمل على حسب ترتيب حصول ما تضمنته في الخارج، مع ما في ذلك التخالف من التفنن. وقوله: {ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} تعميم لكل ما كان غير شريعة ولا حكمة من معرفة أحوال الأمم وأحوال سياسة الدول وأحوال الآخرة وغير ذلك. وإنما أعاد قوله: {ويعلمكم} مع صحة الاستغناء عنه بالعطف تنصيصاً على المغايرة لئلا يظن أن: {ما لم تكونوا تعلمون} هو الكتاب والحكمة، وتنصيصاً على أن: {ما لم تكونوا} مفعولاً لا مبتدأ حتى لا يترقب السامع خبراً له فيضل فهمه في ذلك الترقب، واعلم أن حرف العطف إذا جيء معه بإعادة عامل كان عاطفه عاملاً على مثله فصار من عطف الجمل لكن العاطف حينئذٍ أشبه بالمؤكد لمدلول العامل.
القطان
تفسير : يعدد الله سبحانه نعمه الكثيرة على هذه الأمة فيقول: ان من تمام نعمتي عليكم توجيهكم الى المسجد الحرام. بعد أن أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا التي ترشدكم الى الحق، ويطهر نفوسكم من دنس الشرك وسيء الاخلاق والعادات، التي كانت فاشية في العرب من وأد البنات، وسفك الدماء لأتفه الأسباب. ويعلمكم القرآن، ويبين لكم ما فيه من تشريع واسرار آلهية، كما يعلمكم أشياء كثيرة كانت مغيَّبة عنكم. فاذكروني بالطاعة والعبادة وبأعمالكم الطيبة واشكروا لي هذه النعم بالعمل بها، ولا تكفروا هذه المنن ولا تجحدوها.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَتْلُواْ} {آيَاتِنَا} {ٱلْكِتَابَ} (151) - كَانَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلاَمُ قَدْ دَعَا رَبَّهُ، وَهُوَ يَرْفَعُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ، أَنْ يَبْعَثَ اللهُ فِي أَهْلِ البَيْتِ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِم آيَاتِ اللهِ، وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ، وَيُزَكِّيهم. فاستجَابَ اللهُ تَعَالَى لِدُعَائِهِ وَأَرْسَلَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم رَسُولاً مِنْ نَسْلِ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ عَلَيهِ السَّلاَمُ، وَأنزَلَ عَلَيهِ القُرْآنَ لِيَتْلُوَهُ عَلَى النَّاسِ، وَجَعَلَ رَسُولَهُ عَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وَمَنْهَجٍ قَويمٍ، لِيَقْتَدِيَ بِهِ المُؤْمِنُونَ في أَعمَالِهِمْ، يُعَلِّمُهُمْ أَحْكَامَ دِينِهِمْ، وَيُزَكِّي نُفُوسَهُمْ وَيُطَهِّرُهَا مِن رَذَائِلِ الأخْلاَقِ وَانْحِرَافاتِ الجَاهِلِيّةِ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ ظُُلُمَاتِ الجَهْلِ وَفَسَادِ الأَخْلاَقِ إِلى نُورِ الإِيمانِ وَالعِلْمِ وَسُمُوِّ الأَخْلاَقِ، وَهُوَ مَا صَارُوا إِليهِ فِي الإِسْلاَمِ. وَقَدْ كَانَتْ سُنَّةُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم العَمَلِيَّةُ، وَسِيرَتُهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَمَعَ أَصْحَابِهِ مُفَصِّلَةً لِمُجْمَلِ القُرآنِ، مُبَيِّنَةً لِمُبْهَمِهِ، كَاشِفَةً عَنِ المَنَافِعِ وَالأَسْرَارِ التِي تَنْطَوي عَلَيهَا الأَحْكَامُ، وَيُعَلِّمُهُمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَهُ مِنْ قَبْلُ، مِمَّا جَاءَ بِهِ الوَحْيُ. يُزَكِّيكُمْ - يُطَهِّرُكُم مِنَ الشِّرْكِ وَالمَعَاصِي. الكِتَابَ - القُرآنَ. الحِكْمَةَ - السُنَّنَ وَالفِقْهَ فِي الدِّينِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الله جل جلاله بعد أن حدثنا عن الهداية إلى منهجه وإلى طريقه. حدثنا عن نعمته علينا بإرسال رسول يتلو علينا آيات الله. ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي ستأتي على يديه قمة النعم وهو القرآن والدين الخاتم. قوله تعالى: {رَسُولاً مِّنْكُمْ} [البقرة: 151] أي ليس من جنس آخر. ولكنه صلى الله عليه وسلم رسول منكم تعرفونه قبل أن يكلف بالرسالة وقبل أن يأتي بالحجة .. لماذا؟ لأنه معروف بالخلق العظيم وبالقول الكريم والأمانة وبكل ما يزيد الإنسان رفعة وعلواً واحتراماً .. إن أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم هم أولئك الذين يعرفونه أكثر من غيرهم .. كأبي بكر الصديق وزجته صلى الله عليه وسلم السيدة خديجة وابن عمه علي بن أبي طالب .. هؤلاء آمنوا دون أن يطلبوا دليلاً لأنهم أخذوا الإيمان من معرفتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكلف بالرسالة .. فهم لم يعرفوا عنه كذباً قط فقالوا إن الذي لا يكذب على الناس لا يمكن أن يكذب على الله فآمنوا .. فالله سبحانه وتعالى من رحمته أنه أرسل إليهم رسولاً منهم أمياً ليعلمه ربه .. ولذلك قال الحق تبارك وتعالى: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128]. الحق سبحانه يقول: {يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ} [البقرة: 151] .. الآيات هي القرآن الكريم والتزكية هي التطهير ولابد أن يكون هناك دنس ليطهرهم منه .. فيطهرهم من عبادة الأصنام ومن وأد البنات والخمر والميسر والربا .. ومعنى التزكية أيضاً سلب الضار فكأنه جاءهم بالنفع وسلب منهم الضر. وقوله تعالى: {وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ..} [البقرة: 151] .. الكتاب على إطلاقه ينصرف إلى القرآن الكريم. والحكمة هي وضع الشيء في موضعه .. والكتاب يعطيك التكليف، إما أن يأمرك بشيء وإما أن ينهاك عن شيء. إذن فهي دائرة بين الفعل والترك .. والحكمة أن تفعل الفعل الذي يحقق لك خيراً ويمنع عنك الشر. وهي مأخوذة من الحكمة أو الحديدة التي توضع في فم الجواد لتحكم حركته في السير والوقوف، وتصبح كل حركة تؤدي الغرض منها والحكمة أيضاً هي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقاً لقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ ..} تفسير : [الأحزاب: 34]. وقوله سبحانه: {وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151] لأنكم أمة أمية. فإن بهرتكم الدنيا بحضارتها فستبهرونهم بالإشعاعات الإيمانية التي تجعلكم متفوقين عليهم .. فكل ما يأتيكم من السماء هو فوق كل حضارات الأرض .. لذلك يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما عمر لولا الإسلام.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ووقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ} [الآية: 151]، يقول: كما فعلت بكم {فَٱذْكُرُونِيۤ} [الآية: 152]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: يقول: هم{أية : أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}تفسير : [آل عمران: 169] من ثمرة الجنة، ويجدون ريحها وليسوا فيها. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت الأَنصار: أَن السعي بين هذين الحجرين من عمل الجاهلية. يعنون الصفا والمروة. فأَنزل الله عز وجل انه{أية : فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ}تفسير : [البقرة: 184]. فتطوع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فطاف بينهما فكانت سنة، قال ورقاءُ: قال ابن أَبي نجيح: قال عطاءُ بن أَبي رباح: يبذل مكانه أَسبوعين بالكعبة إن شاءَ.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: بدأت الآيات الكريمة بمخاطبة المؤمنين، وتذكيرهم بنعمة الله العظمى عليهم، ببعثة خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم، بعد أن تحدثت الآيات السابقة عن بني إِسرائيل، وذكرت بالتفصيل نعم الله عليهم التي قابلوها بالجحود والكفران فيما يزيد على ثلث السورة الكريمة، وقد عدّد القرآن الكريم جرائمهم ليعتبر ويتعظ بها المؤمنون، ولما انتهى الحديث عن اليهود بعد ذلك البيان الواضح جاء دور التذكير للمؤمنين بالنعم الجليلة والتشريعات الحكيمة التي بها سعادتهم في الدارين. اللغَة: {ٱلْكِتَابَ} القرآن العظيم {ٱلْحِكْمَةَ} السنّة النبوية {فَٱذْكُرُونِيۤ} أصل الذكر التنبه بالقلب للمذكور، وسُمّي الذكر باللسان ذكراً لأنه علامة على الذكر القلبي {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} أصل البلاء المحنة، ثم قد يكون بالخير أو بالشر {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْر فِتْنَةً} تفسير : [الأنبياء: 35] {مُّصِيبَةٌ} المصيبة: كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه في نفسه أو ماله أو ولده {صَلَوَاتٌ} الأصل في الصلاة الدعاء وهي من الله بمعنى الرحمة ومن الملائكة بمعنى الاستغفار. التفسِير: {كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ} الكلام متعلق بما سبق في قوله {أية : وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي} تفسير : [البقرة: 150] والمعنى كما أتممت عليكم نعمتي كذلك أرسلت فيكم رسولاً منكم {يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} أي يقرأ عليكم القرآن {وَيُزَكِّيكُمْ} أي يطهركم من الشرك وقبيح الفعال {وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} أي يعلمكم أحكام الكتاب المجيد، والسنة النبوية المطهرة {وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} أي يعلمكم من أمور الدنيا والدين الشيء الكثير الذي لم تكونوا تعلمونه {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} أي اذكروني بالعبادة والطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة {وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} أي اشكروا نعمتي عليكم ولا تكفروها بالجحود والعصيان، روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب كيف أشكرك؟ قال له ربه: "تذكرني ولا تنساني، فإِذا ذكرتني فقد شكرتني، وإِذا نسيتني فقد كفرتني" ثم نادى تبارك وتعالى عباده المؤمنين بلفظ الإِيمان ليستنهض هممهم إِلى امتثال الأوامر الإِلهية، وهو النداء الثاني الذي جاء في هذه السورة الكريمة فقال {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ} أي استعينوا على أمور دنياكم وآخرتكم بالصبر والصلاة، فبالصبر تنالون كل فضيلة، وبالصلاة تنتهون عن كل رذيلة {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} أي معهم بالنصر والمعونة والحفظ والتأييد {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ} أي لا تقولوا للشهداء إنهم أموات {بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} أي بل هم أحياءٌ عند ربهم يرزقون ولكن لا تشعرون بذلك لأنهم في حياةٍ برزخية أسمى من هذه الحياة {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ} أي ولنختبرنكم بشيءٍ يسير من ألوان البلاء مثل الخوف والجوع، وذهاب بعض الأموال، وموت بعض الأحباب، وضياع بعض الزروع والثمار {وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ} أي بشر الصابرين على المصائب والبلايا بجنات النعيم ثم بيّن تعالى تعريف الصابرين بقوله {ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ} أي نزل بهم كرب أو بلاء أو مكروه {قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} أي استرجعوا وأقروا بأنهم عبيد لله يفعل بهم ما يشاء {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ} أي أولئك الموصوفون بما ذكر لهم ثناء وتمجيد ورحمة من الله، وهم المهتدون إِلى طريق السعادة. البَلاَغَة: 1- بين كلمتي {أَرْسَلْنَا} و {رَسُولاً} جناس الاشتقاق وهو من المحسنات البديعية. 2- قوله {وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} بعد قوله {وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} هو من باب ذكر العام بعد الخاص لإِفادة الشمول ويسمى هذا في البلاغة بـ (الإِطناب). 3- {أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ} فيه إِيجاز بالحذف أي لا تقولوا هم أموات بل هم أحياء (وبينهما طباق). 4- التنكير في قوله {بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ} للتقليل أي بشيء قليل. 5- {صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} التنوين فيهما للتفخيم، والتعرض بعنوان الربوبية مع الإِضافة إِلى ضميرهم {رَّبِّهِمْ} لإِظهار مزيد العناية بهم. 6- {هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ} صيغة قصر وهو من نوع قصر الصفة على الموصوف. الفوَائِد: الأولى: روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "ما أصابتني مصيبة إِلا وجدتُ فيها ثلاث نعم: الأولى: أنها لم تكن في ديني، الثانية: أنها لم تكن أعظم مما كانت، الثالثة: أن الله يجازي عليها الجزاء الكبير ثم تلا قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ}". الثانية: قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إِذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون حَمِدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمُّوه بيتَ الحمد ".
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: إن إنعامنا عليكم باستقبال الكعبة وإتمامها بالشرائع والنعم المتممة، ليس ذلك ببدع من إحساننا، ولا بأوله، بل أنعمنا عليكم بأصول النعم ومتمماتها، فأبلغها إرسالنا إليكم هذا الرسول الكريم منكم، تعرفون نسبه وصدقه، وأمانته وكماله ونصحه. { يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا } وهذا يعم الآيات القرآنية وغيرها، فهو يتلو عليكم الآيات المبينة للحق من الباطل، والهدى من الضلال، التي دلتكم أولا على توحيد الله وكماله، ثم على صدق رسوله، ووجوب الإيمان به، ثم على جميع ما أخبر به من المعاد والغيوب، حتى حصل لكم الهداية التامة، والعلم اليقيني. { وَيُزَكِّيكُمْ } أي: يطهر أخلاقكم ونفوسكم، بتربيتها على الأخلاق الجميلة، وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة، وذلك كتزكيتكم من الشرك، إلى التوحيد ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الخيانة إلى الأمانة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق، ومن التباغض والتهاجر والتقاطع، إلى التحاب والتواصل والتوادد، وغير ذلك من أنواع التزكية. { وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ } أي: القرآن، ألفاظه ومعانيه، { وَالْحِكْمَةَ } قيل: هي السنة، وقيل: الحكمة، معرفة أسرار الشريعة والفقه فيها، وتنزيل الأمور منازلها. فيكون - على هذا - تعليم السنة داخلا في تعليم الكتاب، لأن السنة، تبين القرآن وتفسره، وتعبر عنه، { وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } لأنهم كانوا قبل بعثته، في ضلال مبين، لا علم ولا عمل، فكل علم أو عمل، نالته هذه الأمة فعلى يده صلى الله عليه وسلم، وبسببه كان، فهذه النعم هي أصول النعم على الإطلاق، ولهي أكبر نعم ينعم بها على عباده، فوظيفتهم شكر الله عليها والقيام بها؛ فلهذا قال تعالى: { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ } فأمر تعالى بذكره، ووعد عليه أفضل جزاء، وهو ذكره لمن ذكره، كما قال تعالى على لسان رسوله: { من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم } . وذكر الله تعالى، أفضله، ما تواطأ عليه القلب واللسان، وهو الذكر الذي يثمر معرفة الله ومحبته، وكثرة ثوابه، والذكر هو رأس الشكر، فلهذا أمر به خصوصا، ثم من بعده أمر بالشكر عموما فقال: { وَاشْكُرُوا لِي } أي: على ما أنعمت عليكم بهذه النعم، ودفعت عنكم صنوف النقم، والشكر يكون بالقلب، إقرارا بالنعم، واعترافا، وباللسان، ذكرا وثناء، وبالجوارح، طاعة لله وانقيادا لأمره، واجتنابا لنهيه، فالشكر فيه بقاء النعمة الموجودة، وزيادة في النعم المفقودة، قال تعالى: {أية : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ } تفسير : وفي الإتيان بالأمر بالشكر بعد النعم الدينية، من العلم وتزكية الأخلاق والتوفيق للأعمال، بيان أنها أكبر النعم، بل هي النعم الحقيقية؟ التي تدوم، إذا زال غيرها وأنه ينبغي لمن وفقوا لعلم أو عمل، أن يشكروا الله على ذلك، ليزيدهم من فضله، وليندفع عنهم الإعجاب، فيشتغلوا بالشكر. ولما كان الشكر ضده الكفر، نهى عن ضده فقال: { وَلا تَكْفُرُونِ } المراد بالكفر هاهنا ما يقابل الشكر، فهو كفر النعم وجحدها، وعدم القيام بها، ويحتمل أن يكون المعنى عاما، فيكون الكفر أنواعا كثيرة، أعظمه الكفر بالله، ثم أنواع المعاصي، على اختلاف أنواعها وأجناسها، من الشرك، فما دونه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):