Verse. 159 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

فَاذْكُرُوْنِيْۗ اَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوْا لِيْ وَلَا تَكْفُرُوْنِ۝۱۵۲ۧ
Faothkuroonee athkurkum waoshkuroo lee wala takfurooni

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فاذكروني» بالصلاة والتسبيح ونحوه «أذكركم» قيل معناه أجازيكم وفي الحديث عن الله (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه) «واشكروا لي» نعمتي بالطاعة «ولا تكفرون» بالمعصية.

152

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الله تعالى كلفنا في هذه الآية بأمرين: الذكر، والشكر، أما الذكر فقد يكون باللسان، وقد يكون بالقلب، وقد يكون بالجوارح، فذكرهم إياه باللسان أن يحمدوه ويسبحوه ويمجدوه ويقرؤا كتابه، وذكرهم إياه بقلوبهم على ثلاثة أنواع. أحدها: أن يتفكروا في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته، ويتفكروا في الجواب عن الشبهة القادحة في تلك الدلائل. وثانيها: أن يتفكروا في الدلائل الدالة على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده، فإذا عرفوا كيفية التكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد، وفي الترك من الوعيد سهل فعله عليهم. وثالثها: أن يتفكروا في أسرار مخلوقات الله تعالى حتى تصير كل ذرة من ذرات المخلوقات كالمرآة المجلوة المحاذية لعالم القدس، فإذا نظر العبد إليها انعكس شعاع بصره منها إلى عالم الجلال وهذا المقام مقام لا نهاية له، أما ذكرهم إياه تعالى بجوارحهم، فهو أن تكون جوارحهم مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها، وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها، وعلى هذا الوجه سمى الله تعالى الصلاة ذكراً بقوله: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } فصار الأمر بقوله: {اذكروني} متضمناً جميع الطاعات، فلهذا روي عن سعيد بن جبير أنه قال: اذكروني بطاعتي فأجمله حتى يدخل الكل فيه، أما قوله: { أَذْكُرْكُمْ } فلا بد من حمله على ما يليق بالموضع، والذي له تعلق بذلك الثواب والمدح، وإظهار الرضا والإكرام، وإيجاب المنزلة، وكل ذلك داخل تحت قوله: {أَذْكُرْكُمْ } ثم للناس في هذه الآية عبارات. الأولى: اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي. الثانية: اذكروني بالإجابة والإحسان وهو بمنزلة قوله: {أية : ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60] وهو قول أبي مسلم قال: أمر الخلق بأن يذكروه راغبين راهبين، وراجين خائفين ويخلصوا الذكر له عن الشركاء، فإذا هم ذكروه بالإخلاص في عبادته وربوبيته ذكرهم بالإحسان والرحمة والنعمة في العاجلة والآجلة. الثالثة: اذكروني بالثناء والطاعة أذكركم بالثناء والنعمة. الرابعة: اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة. الخامسة: اذكروني في الخلوات أذكركم في الفلوات. السادسة: اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء. السابعة: اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي. الثامنة: اذكروني بمجاهدتي أذكركم بهدايتي. التاسعة: اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد الاختصاص. العاشرة: اذكروني بالربوبية في الفاتحة أذكركم بالرحمة والعبودية في الخاتمة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} أَمْرٌ وجوابُه، وفيه معنى المجازاة فلذلك جُزم. وأصل الذِّكر التَّنبه بالقلب للمذكور والتيقظ له. وسُمي الذِّكر باللسان ذِكراً لأنه دلالة على الذكر القلبي؛ غير أنه لما كثر إطلاق الذكر على القول اللساني صار هو السابق للفهم. ومعنى الآية: ٱذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة؛ قاله سعيد بن جبير. وقال أيضاً: الذكر طاعة الله؛ فمن لم يطعه لم يذكره وإن أكثر التسبيح والتهليل وقراءة القرآن، وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أطاع الله فقد ذكر الله وإن أقلّ صلاته وصومه وصنيعه للخيرَ ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثّر صلاتَه وصومَه وصنيعَه للخير»تفسير : . ذكره أبو عبد اللَّه محمد بن خُوَيْزِ مَنْداد في «أحكام القرآن» له. وقال أبو عثمان النَّهْدِي: إني لأعلم الساعة التي يذكرنا الله فيها؛ قيل له: ومن أين تعلمها؟ قال يقول الله عز وجل: {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ}. وقال السُّدِّي: ليس من عبدٍ يذكر الله إلا ذكره الله عز وجل، لا يذكره مؤمن إلا ذكره الله برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره الله بعذاب. وسُئل أبو عثمان فقيل له: نذكر الله ولا نجد في قلوبنا حلاوة؟ فقال: ٱحمدوا الله تعالى على أن زَيّن جارحة من جواركم بطاعته. وقال ذو النُّون المصري رحمه الله: من ذكر الله تعالى ذِكراً على الحقيقة نَسِيَ في جنب ذكره كل شيء، وحفظ الله عليه كل شيء، وكان له عوضاً من كل شيء. وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: ما عمل ٱبن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله. والأحاديث في فضل الذكر وثوابه كثيرة خرّجها الأئمة. روى ٱبن ماجه حديث : عن عبد اللَّه بن بُسر: أن أعرابيًّا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ فأنبئني منها بشيء أتشبّث به؛ قال: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله عز وجل»»تفسير : . وخرّج عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله عز وجل يقول أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحرّكت بي شفتاه»تفسير : . وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان عند قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً }تفسير : [الأحزاب: 41] وأن المراد ذكر القلب الذي يجب ٱستدامته في عموم الحالات. قوله تعالى: {وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} قال الفَرّاء يقال: شكرتك وشكرت لك، ونصحتك ونصحت لك؛ والفصيح الأوّل. والشكر معرفة الإحسان والتحدّث به؛ وأصله في اللغة الظهور؛ وقد تقدّم. فشكر العبد لله تعالى ثناؤه عليه بذكر إحسانه إليه، وشكر الحق سبحانه للعبد ثناؤه عليه بطاعته له؛ إلا أن شكر العبد نطقٌ باللسان وإقرارٌ بالقلب بإنعام الربّ مع الطاعات. قوله تعالى: {وَلاَ تَكْفُرُونِ} نَهْيٌ؛ ولذلك حُذفت منه نون الجماعة، وهذه نون المتكلم. وحذفت الياء لأنها رأس آية، وإثباتها أحسن في غير القرآن؛ أي لا تكفروا نعمتي وأيادي. فالكفر هنا ستر النعمة لا التكذيب. وقد مضى القول في الكفر لغة، ومضى القول في معنى الاستعانة بالصبر والصلاة، فلا معنى للإعادة.

البيضاوي

تفسير : {فَٱذْكُرُونِى} بالطاعة. {أَذْكُرْكُمْ} بالثواب. {وَٱشْكُرُواْ لِي} ما أنعمت به عليكم. {وَلاَ تَكْفُرُونِ} بجحد النعم وعصيان الأمر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَٱذْكُرُونِى } بالصلاة والتسبيح ونحوه {أَذْكُرْكُمْ } قيل معناه (أجازيكم) وفي الحديث عن الله «حديث : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه» تفسير : {وَٱشْكُرُواْ لِي } نعمتي بالطاعة {وَلاَ تَكْفُرُونِ } بالمعصية.

ابن عطية

تفسير : قال سعيد بن جبير: معنى الآية اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة. قال القاضي أبو محمد: أي اذكروني عند كل أموركم فيحملكم خوفي على الطاعة فأذكركم حينئذ بالثواب، وقال الربيع والسدي: المعنى اذكروني بالدعاء والتسبيح ونحوه. وفي الحديث: إن الله تعالى يقول: "حديث : ابن آدم اذكرني في الرخاء أذكرك في الشدة"تفسير : ، وفي حديث آخر: إن الله تعالى يقول: "حديث : وإذا ذكرني عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم" تفسير : وروي أن الكافر إذا ذكر الله ذكره الله باللعنة والخلود في النار، وكذلك العصاة يأخذون بحظ من هذا المعنى، وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام "قل للعاصين لا يذكروني". و {اشكروا لي} واشكروني بمعنى واحد، و {لي} أشهر وأفصح مع الشكر، ومعناه نعمي وأياديّ، وكذلك إذا قلت شكرتك فالمعنى شكرت صنيعك وذكرته، فحذف المضاف، إذ معنى الشكر ذكر اليد وذكر مسديها معاً، فما حذف من ذلك فهو اختصار لدلالة ما بقي على ما حذف، و {تكفرون} أي نعمي وأياديّ، وانحذفت نون الجماعة للجزم، وهذه نون المتكلم، وحذفت الياء التي بعدها تخفيفاً لأنها رأس آية، ولو كان نهياً عن الكفر ضد الإيمان لكان: ولا تكفروا، بغير النون. و {يا} حرف نداء و"أيّ" منادى و"ها" تنبيه، وتجلب "أي" فيما فيه الألف واللام لأن في حرف النداء تعريفاً ما، فلو لم تجلب "أي" لاجتمع تعريفان، وقال قوم: {الصبر}: الصوم، ومنه قيل لرمضان: شهر الصبر، وتقدم معنى الاستعانة بالصبر والصلاة، واختصاره أنهما رادعان عن المعاصي. وقوله تعالى: {إن الله مع الصابرين} معناه بمعونته وإنجاده، فهو على حذف مضاف، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: "حديث : اهجُهم وروح القدس معك"تفسير : ، وكما قال: "حديث : ارموا وأنا مع بني فلان"تفسير : ، الحديث. وقوله تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات} الآية، سببها أن الناس قالوا فيمن قتل ببدر وأحد مات فلان ومات فلان، فكره الله أن تحط منزلة الشهداء إلى منزلة غيرهم، فنزلت هذه الآية، وأيضاً: فإن المؤمنين صعب عليهم فراق إخوانهم وقراباتهم فنزلت الآية مسلية لهم، تعظم منزلة الشهداء، وتخبر عن حقيقة حالهم، فصاروا مغبوطين لا محزوناً لهم، ويبين ذلك من حديث أم حارثة في السير، والفرق بين الشهيد وغيره إنما هو الرزق، وذلك أن الله تعالى فضلهم بدوام حالهم التي كانت في الدنيا فرزقهم. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ثمر الجنة، وروي أنهم في قبة خضراء، وروي أنهم في قناديل من ذهب، إلى كثير من هذا، ولا محالة أنها أحوال لطوائف أو للجميع في أوقات متغايرة، وجمهور العلماء على أنهم في الجنة، ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم لأم حارثة: إنه في الفردوس، وقال مجاهد: هم خارج الجنة ويعلقون من شجرها، و {أموات} رفع بإضمار الابتداء والتقدير هم أموات، ولا يجوز إعمال القول فيه لأنه ليس بينه وبينه تناسب كما يصح في قولك قلت كلاماً وحجة. وقوله {ولكن لا تشعرون} أي قبل أن نشعركم. وقوله تعالى: {ولنبلونكم} الآية، أمر تعالى بالاستعانة بالصبر وأخبر أنه مع الصابرين، ثم اقتضت الآية بعدها من فضل الشهداء ما يقوي الصبر عليهم ويخفف المصيبة، ثم جاء بعد ذلك من هذه الأمور التي لا تتلقى إلا بالصبر أشياء تعلم أن الدنيا دار بلاء ومحن، أي فلا تنكروا فراق الإخوان والقرابة، ثم وعد الصابرين أجراً، وقال عطاء والجمهور: إن الخطاب في هذه الآية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: الخطاب لقريش وحل ذلك بهم فهي آية للنبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والأول أظهر، {ولنبلونكم بشيء} معناه لنمتحننكم، وحركت الواو لالتقاء الساكنين، وقيل: الفعل مبني وهو مع النون الثقيلة بمنزلة خمسة عشر، و {الخوف} يعني من الأعداء في الحروب، و {الجوع} الجدب والسنة، وأما الحاجة إلى الأكل فإنما اسمها الغرث، وقد استعمل فيه المحدثون الجوع اتساعاً، ونقص الأموال: بالجوائح والمصائب، {والأنفس}: بالموت والقتل، {والثمرات}: بالعاهات ونزع البركة، فالمراد بشيء من هذا وشيء من هذا فاكتفى بالأول إيجازاً ولذلك وحد، وقرأ الضحاك {بأشياء} على الجمع، والمعنى قريب بعضه من بعض، وقال بعض العلماء: إنما المراد في هذه الآية مؤن الجهاد وكلفه، فالخوف من العدو والجوع به وبالأسفار إليه ونقص الأموال بالنفقات فيه والأنفس بالقتل والثمرات بإصابة العدو لها أو بالغفلة عنها بسبب الجهاد. ثم وصف تعالى الصابرين الذين بشرهم بقوله {الذين إذا أصابتهم مصيبة} الآية، وجعل هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب وعصمة للممتحنين لما جمعت من المعاني المباركة، وذلك توحيد الله والإقرار له بالعبودية والبعث من القبور واليقين بأن رجوع الأمر كله إليه كما هو له، وقال سعيد بن جبير: لم يعط هذه الكلمات نبي قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال يا أسفا على يوسف. وروي أن مصباح رسول الله صلى الله عليه وسلم انطفأ ذات ليلة فقال: {إنا لله وإنا إليه راجعون}، فقيل: أمصيبة هي يا رسول الله؟ فقال: "حديث : نعم كل ما آذى المؤمن فهي مصيبة ". تفسير : وقوله تعالى: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} الآية، نعم من الله على الصابرين المسترجعين، وصلوات الله على عبده: عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة، وكرر الرحمة لما اختلف اللفظ تأكيداً، وهي من أعظم أجزاء الصلاة منه تعالى، وشهد لهم بالاهتداء. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قرأ هذه الآية: "نعم العدلان ونعم العلاوة" أراد بالعدلين الصلاة والرحمة وبالعلاوة الاهتداء.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَاذْكُرُونِى} بالشكر. {أَذكُرْكُمْ} بالنعمة، أو {اذكروني} بالقبول {أَذْكُرْكُمْ} بالجزاء.

النسفي

تفسير : «فاذكروني» بالمعذرة {أَذْكُرْكُمْ } بالمغفرة أو بالثناء والعطاء، أو بالسؤال والنوال، أو بالتوبة وعفو الحوبة، أو بالإخلاص والخلاص، أو بالمناجاة والنجاة. {وَٱشْكُرُواْ لِي } ما أنعمت به عليكم {وَلاَ تَكْفُرُونِ } ولا تجحدوا نعمائي. { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ } فبه تنال كل فضيلة {وٱلصَّلَوٰةِ } فإنها تنهى عن كل رذيلة {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } بالنصر والمعونة {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ ٱللَّهِ } نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلاً. {أَمْوَاتٌ } أي هم أمواتٍ {بَلْ أَحْيَاء } أي هم أحياء {وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } لا تعلمون ذلك لأن حياة الشهيد لا تعلم حساً. عن الحسن رضي الله عنه أن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدواً وعشياً فيصل إليهم الوجع. وعن مجاهد: يرزقون ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها. {وَلَنَبْلُوَنَّكُم } ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم هل تصبرون على ما أنتم عليه من الطاعة أم لا. {بِشَىْءٍ} بقليل من كل واحدة من هذه البلايا وطرف منه. وقلل ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل إليهم، ويريهم أن رحمته معهم في كل حال، وأعلمهم بوقوع البلوى قبل وقوعها ليوطنوا نفوسهم عليها. {مِّنَ ٱلْخَوفِ} خوف الله والعدو {وَٱلْجُوعِ } أي القحط أو صوم شهر رمضان {وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ } بموت المواشي أو الزكاة، وهو عطف على شيء، أو على الخوف أي وشيء من نقص الأموال. {وَٱلأَنفُسِ } بالقتل والموت. أو بالمرض والشيب {وَٱلثَّمَرٰتِ } ثمرات الحرث أو موت الأولاد لأن الولد ثمرة الفؤاد {وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ } على هذه البلايا أو المسترجـعين عند البلايا لأن الاسترجاع تسليم وإذعان وفي الحديث من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه. وطفىء سراج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إنا لله وإنا إليه راجعون»تفسير : فقيل: أمصيبة هي؟ قال. «حديث : نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو مصيبة». تفسير : والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه البشارة. {ٱلَّذِينَ } نصب صفة للصابرين. ولا وقف عليه بل يوقف على «راجعون». ومن ابتدأ بـ «الذين» وجعل الخبر «أولئك» يقف على «الصابرين» لا على «راجـعون». والأول الوجه لأن الذين وما بعده بيان للصابرين. {إِذَا أَصَـٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ } مكروه. اسم فاعل من أصابته شدة أي لحقته. ولا وقف على «مصيبة» لأن {قَالُواْ } جواب «إذا» و«إذا» وجوابها صلة «الذين». {إِنَّا لِلَّهِ } إقرار له بالملك. {وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ } إقرار على نفوسنا بالهلك. {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰتٌ مّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } الصلاة: الحنو والتعطف فوضعت موضع الرأفة، وجمع بينها وبين الرحمة كقوله {أية : رَأْفَةً وَرَحْمَةً } تفسير : [الحديد: 27] {أية : رَءُوفٌ رَّحِيمٌ }تفسير : [التوبة: 117]. والمعنى عليهم رأفة بعد رأفة ورحمة بعد رحمة. {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ } لطريق الصواب حيث استرجعوا وأذعنوا لأمر الله. قال عمر رضي الله عنه: نعم العدلان ونعم العلاوة أي الصلاة والرحمة والاهتداء.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ...}. (لما بين شريطة الذكر وهو التعلم أمرهم بالذكر). قوله تعالى: {وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ}. قيل لابن عرفة: إنه دليل على أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده إذ لو كان نهيا عن الضد لما كان لقوله {وَلاَ تَكْفُرُونِ} فائدة؟ فقال: الأمر بالشكر مطلق (فيصدق) بشكره يوما واحدا ثم يكفر دائما، فلما قال {وَلاَ تَكْفُرُونِ} أفاد النهي عن الكفر دائما. قيل: هل بين الشكر والكفر واسطة؟ فقال: أما في غير هذا فنعم، لأن بينهما حالة الغفلة (والذهول) وأما هنا فلا، لأن الأمر بالشكر وترك الكفر إنما أتى عقب الأمر بالذكر. قال: والكفر هنا (هو) كفر النعمة.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ...} الآية: قال سعيد بن جُبَيْر: معنى الآية: ٱذكرونِي بالطاعةِ، أذكركم بالثواب. * ت *: وفي تفسير أحمد بن نصر الداووديِّ: وعن ابن جُبَيْر: ٱذكروني بطاعتِي، أذكرْكُمْ بمغفرتي، وروي أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ، فَقَدْ ذَكَر اللَّهَ، وإِنْ قلَّت صلاته، وصيامه، وتلاوته القُرآن، ومن عَصَى اللَّه، فقد نَسِيَ اللَّه، وإِن كَثُرَتْ صلاته، وصيامه، وتلاوته القُرآن» تفسير : . انتهى. وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن أنس بن مالك، قال: "حديث : مَا مِنْ بُقْعَةٍ يُذْكَرُ اللَّهُ عَلَيْهَا بصَلاةٍ أو بذكْرٍ إِلاَّ ٱفتخرَتْ علَىٰ ما حَوْلَهَا من البِقَاعِ، واستبشَرَتْ بذكْر اللَّه إِلى منتهاها منْ سبعِ أرَضِينَ، وما مِنْ عَبْدٍ يقومُ يصلِّي إِلا تزخرفَتْ له الأرض"تفسير : . قال ابنُ المُبَارك: وأخبرنا المسعوديُّ عن عَوْنِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: الذاكِرُ في الغافِلِينَ؛ كالمقاتل خَلْف الفارِّين. انتهى. وقال الربيعُ والسِّدّي: المعنى: ٱذكرونِي بالدعاءِ والتسبيحِ ونحوه، وفي صحيح البخاريِّ ومسلمٍ وغيرهما عن أبي هريرة - رضي اللَّه عنه-، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإِ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلإِ خَيْرٍ مِنْهُمْ...»» تفسير : الحديثَ. انتهى. {وَٱشْكُرُواْ لِي }، أي: نعمي وأيادِيَّ، {وَلاَ تَكْفُرُونِ }: أي: نعمي وأياديَّ. * ت *: وعن جابر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«حديث : مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَىٰ عَبْدٍ مِنْ نِعْمَةٍ، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ إِلاَّ وَقَدْ أَدَّىٰ شُكْرَهَا، فَإِنْ قالها الثانيةَ، جدَّد اللَّهُ لها ثوابَهَا، فَإن قالها الثالثةَ، غفر اللَّه له ذُنوبَه»تفسير : رواه الحاكمُ في «المستَدْرَكِ»، وقال: صحيح. انتهى من «السِّلاح». وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ}، أي: بمعونته وإِنجاده.

ابن عادل

تفسير : اعلم أن الله - تعالى - كلفنا في هذه الآي بأمرين: الذكر، والشكر. أما الذكر فقد يكون باللسان، وقد يكون بالقلب، وقد يكون بالجوارح. فذكر اللسان الحمد، والتسبيح، والتمجيد، وقراءة كتابه. وذكر القلب التفكّر في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته، والتفكر في الجواب على الشبهة العارضة في تلك الدلائل، والتفكّر في الدلائل الدالة على كيفية تكاليفه من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده، فإذا عرفوا كيفية التَّكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد وفي الترك من الوعيد سهل فعله عليهم، والتفكر في أسرار مخلوقاته. وأما الذكر بالجوارح، فهو عبارة عن كون الجوارح مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها، وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها، وعلى هذا سمى الله الصلاة ذكراً، بقوله تعالى: {أية : فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الجمعة: 9] فقوله: "اذْكُرُوني" يتضمن الطاعات، ولهذا روي عن سيعد بن جبير أنه قال: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي فأجمله حتى يدخل الكل فيه. فصل في ورود الذكر في القرآن الذكر ورد على ثمانية أوجه: الأول: بمعنى الطاعة كهذه الآية أي: أطيعوني أغفر لكم. الثاني: العمل، قال تعالى: {أية : خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ}تفسير : [البقرة: 63] أي: اعملوا بما فيه. الثالث: العِظَة، قال تعالى: {أية : وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الذاريات: 55] أي العِظَة، ومثله {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ}تفسير : [الأنعام: 44] أي: ما وعظوا به. الرابع: الشَّرف قال تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ}تفسير : [الزخرف: 44] ومثله: {أية : بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ}تفسير : [المؤمنون: 71] أي: بشرفهم، وقوله: {أية : هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي}تفسير : [الأنبياء: 24] أي: شرف. الخامس: القرآن قال تعالى: {أية : أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا}تفسير : [ص: 8] أي: القرءَان، ومثله: {أية : وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ}تفسير : [الأنبياء: 50]. السادس: التوراة قال تعالى: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ}تفسير : [النحل: 43] أي: التوراة. السابع: البيان، قال تعالى: {أية : أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 63]. الثامن: الصلاة، قال تعالى: {أية : فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الجمعة: 9]. قوله: "أَذْكُرْكُمْ" هذا خطاب لأهل "مكة" والعرب. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: اذكروني بطاعتي أذكركم بمعرفتي. وقيل: اذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء. بيانه قوله سبحانه وتعالى:{أية : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}تفسير : [الصافات: 143 - 144]. وقيل: اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة. قال تبارك وتعالى: {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : [غافر: 60] قاله أبو مسلم. وقيل: اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة، وقيل: اذكروني بمَحَامدي أذكركم بهدَايتي. روى الحسن عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: إني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله - تَعَالَى - يقول: يَا ابْنَ آدَمَ إِنْ ذَكَرْتَنِي فِي نَفْسِكَ ذَكَرْتُكَ فِي نَفْسِي، وَإنْ ذَكَرْتَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُكَ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإنْ دَنَوْتَ مِنِّي شِبْراً دَنَوْتُ مِنْكَ ذِرَاعاً، وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي ذِرَاعاً دَنَوْتُ مِنْكَ بَاعاً، وَإِنْ مَشَيْتَ إِلَيَّ هَرْوَلْتُ إِلَيْكَ، وإِنْ هَرْوَلْتَ إِلَيَّ سَعَيْتُ إِلَيْكَ، وإِنْ سَأَلْتَنِي أَعْطَيْتُكَ، وَإِنْ لَمْ تَسْأَلْنِي غَضِبْتُ عَلَيْكَ " تفسير : وقال أبو عثمان النهدي: إني لأعلم الساعة التي يذكرون منها. قيل: ومن أين تعلمها؟ قال: اتقوا الله عز وجل: {فَاذْكُرُونِي أّذْكُرْكُمْ}. قوله: {وَٱشْكُرُواْ لِي}. تقدم أن "شَكَر" يتعدّى تارة بنفسه، وتارة بحرف جر على حد سواء على الصحيح. وقال بعضهم: إذا قلت: شكرت لزيد، فمعناه شكرت لزيد صَنِيْعَهُ، فجعلوه متعدياً لاثنين. أحدهما: بنفسه، والآخر بحرف الجر، ولذلك فسر الزمخشري هذا الموضع بقوله: " واشكروا لي ما أنعمت به عليكم". وقال ابن عطية: "واشكروا لي، واشكروني بمعنى واحد". و"لي" أفصح وأشهر مع الشّكر، ومعناه: نعمتي وَأَيَادِيَّ، وكذلك إذا قلت شكرتك، فالمعنى شكرت لك صنيعك وذكرته، فحذف المضاف؛ إذ معنى الشكر ذكر اليد، وذكر مُسْدِيها معاً، فما حذف من ذلك، فهو اختصار لدلالة ما بقي على ما حذف. وأصل الشكر في اللغة: الظهور، فشكر العبد لله - تعالى - ثناؤه عليه بذكر إحسانه، وشكر الله سبحانه للعبد ثناؤه عليه بطاعته له، إلا أن شكر العبد نُطق باللسان، وإقْرَار بالقلب بإنعام الرب. وقوله تعالى: {وَلاَ تَكْفُرُونِ} نهي ولذلك حذفت منه نون الجماعة، وهذه نون المتكلم، وحذفت الياء؛ لأنها رأس آية وإثباتها أحسن في غير القرآن، أي: لا تكفروا نعمتي، فالكفر هنا سَتْر النعمة لا التكذيب.

البقاعي

تفسير : ولما كان من المعلوم أن هذا الخير الذي يفتر عنه ذو بصيرة ولا يقصر دونه من له أدنى همة إنما كان يذكر الله سبحانه وتعالى للعرب تفضلاً منه عليهم بعد طول الشقا وتمادي الجهل والجهد والعناء رغّبهم فيما يديم ذلك مسبباً له عما تقدم فقال: {فاذكروني} أي لأجل إنعامي عليكم بهذا وبغيره {أذكركم} فأفتح لكم من المعارف وأدفع عنكم من المخاوف ما لا يدخل تحت حد {واشكروا لي} وحدي من غير شريك تشركون معي أزدكم، وأكد هذه الإشارة بقوله {ولا تكفرون} أي أسلبكم. قال الحرالي: ولما كان للعرب ولع بالذكر لآبائهم ولوقائعهم ولأيامهم جعل سبحانه وتعالى ذكره لهم عوض ما كانوا يذكرون، كما جعل كتابه عوضاً من إشعارهم وهز عزائهم لذلك بما يسرهم به من ذكره لهم - انتهى. ولما ختم الآيات الآمرة باستقبال البيت في الصلاة بالأمر بالشكر ومجانبة الكفر وكان ذلك رأس العبادة وفاعله شديد الافتقار إلى المعونة التفت إلى قوله تعالى في أم الكتاب: {أية : إياك نعبد وإياك نستعين} تفسير : [الفاتحة: 5] فأمرهم بما تضمن ذلك من الصبر والصلاة {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} تفسير : [العنكبوت: 45] عالماً بأنهم سيمتثلون حيث عصى بنو إسرائيل حين أمرهم بمثل ذلك في أول قصصهم بقوله: {أية : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين} تفسير : [البقرة: 43] إلى أن قال: {أية : واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} تفسير : [البقرة: 45] فكان في ذلك إشارة إلى أنهم هم الخاشعون وحسن موقع هذه الآية كونها بعد أذى أهل الكتاب بنسبهم لهم إلى بطلان الدين بتغيير الأحكام ونحو ذلك من مُرّ الكلام كما في الآية الأخرى {أية : ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور}تفسير : [آل عمران: 186] وكونها عقب الأمر بالذكر والشكر إيماء إلى أن ملاك كل منهما الصبر والصلاة فكأنه قيل: لا تلتفتوا إلى طعن الطاعنين في أمر القبلة فيشغلكم ذلك عن ذكري وشكري بل اصبروا وصلوا إليّ متوجهين إلى القبلة التي أمرتكم بها عالمين أن الصبر والصلاة نعم العون على كل ما ينوب من دين ودنيا، وأرشق من هذا أن يقال: ولما علم من هذه الآيات إعضال ما بينهم وبين السفهاء وأمرهم بالدواء المنجح من الإعراض عنهم والإقبال على ذكره وشكره أتبع ذلك للإشارة إلى أن الأمر يصل إلى أشد مما توهموه فقال: يا أيها الذين آمنوا} مخاطباً لهم على وجه يشمل الكامل صلى الله عليه وسلم ولعله صرف الخطاب عنه لما في السياق مما يحمي عنه صلى الله عليه وسلم مقامه العالي {استعينوا بالصبر} أي على ما تلقون منهم وعلى الإقبال إليّ لأكفيكم كل مهم {والصلاة} فإنها أكبر معين لأنها أجمع العبادات، فمن أقبل بها على مولاه حاطه وكفاه لإعراضه عن كل ما سواه، لأن ذلك شأن كل كبير فيمن أقبل بكليته عليه. ولما كانت الصلاة لا تقوم إلا بالصبر اقتصر على التعليل به فقال: {إن الله} أي الذي له الكمال كله {مع الصابرين} أي ومعلوم أن من كان الله سبحانه وتعالى معه فاز. قال الحرالي: وأيسر الصبر صبر النفس عن كسلها بأخذها بالنشاط فيما كلفت به {أية : لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها} تفسير : [الطلاق: 7] و {أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} تفسير : [البقرة: 286] فمتى يسر الله سبحانه وتعالى عليها الجد والعزيمة جعل لها فيما كانت تصبر عليه في الابتداء الاستحلاء فيه وخفت عنها وظيفة الصبر، ومتى لم تصبر عن كسلها وعلى جدها تدنست فنالها عقوبات يكون الصبر عليها أشد من الصبر الأول، كما أن من صبر عن حلو الطعام لم يحتج أن يصبر على مر الدواء، فإن تحملت الصبر على عقوبات ضياع الصبر الأول تداركها نجاة من اشتداد العقوبة عليها، وإن لم تتصبر على تلك العقوبات وقعت في مهالك شدائد العذاب فقيل لأهلها {أية : فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم} تفسير : [الطور: 16] ثم قال: فبداية الدين صبر وخاتمته يسر، فإن من كان الله سبحانه وتعالى معه رفع عنه مرارة الصبر بوضع حلاوة الصحبة التي تشعر بها كلمة مع - انتهى. ولما أشار لهم إلى ما يستقبلونه من حال الطاعنين في دينهم ورقاهم في ذلك درجة بعد درجة أتبعه ما دل على أن الأمر يصل إلى القتل وما داناه ليأخذوا لذلك أهبته ويعتدوا له عدته. وقال الحرالي: ولما كان الصبر لله إنما هو حمل النفس على ما تعهد فيه كرهها أنبأهم الحق تعالى أن الصبر له ليس على المعهود وأنه يوجد فيه عند تجشمه حلاوة لذة الحياة وإن كان ذلك مما لا يناله شعور الذين آمنوا لخفائه عن إدراك المعقول فأنبأهم بما يحملهم على تجشم الصبر في الجهاد في سبيل الله فقال: {ولا تقولوا} عطفاً على متجاوز أمور تقتضيها بركة الجهاد - انتهى. أي وجاهدوهم لتقتلوهم ويقتلوكم وتسلبوهم ويسلبوكم ولا تقولوا، أو يقال: ولما كان الصبر واقعاً على أمور أشقها الجهاد ثم الحج ثم الصوم وكان بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم قد سألوا عمن مات منهم على قبلة بيت المقدس فبين لهم ما صاروا إليه بقوله تعالى: {أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم} تفسير : [البقرة: 143] تِلو آية الصبر بتبيين حال الشهداء المقتولين في الجهاد من المؤمنين دفعاً لظن أنهم أموات والتفاتاً إلى ما أشار به إلى صيرورة الأمر إلى الحرب حيث عاب المانعين للمسجد وأخبر بأنه سيحصل لهم خزي في الدنيا بالقتل والأسر وعذاب عظيم في الآخرة بالنار والسخط، وإيماء إلى أنه سيأذن لهم في مقارعة من أمرهم بالصبر على أذاهم من أهل الكتاب حتى يمحقهم السيف ويسكنهم الذل والخوف، فالمعنى: اصبروا على كل ما يقوله أهل الكتاب وغيرهم في أمر القبلة وغيره وعلى كل ما يغير به الشيطان في وجه الإيمان وصلوا إلى البيت الذي وجهتكم إليه وجاهدوا كل من خالفكم حتى يكون الدين لله صابرين على كل ما ينوب في ذلك من القتل والنهب وغيره ولا تقولوا إذا قاتلتم الكفار المناصبين لكم من العرب وغيرهم من أهل الكتاب وغيرهم {لمن يقتل} منكم {في سبيل الله} أي الذي له جميع صفات الكمال بأن يقاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا لا لشيء غير ذلك من دنيا أو عصبية، فإنا سنكتب عليكم الجهاد، ونستشهد منكم شهداء: إنهم {أموات} بل قولوا: إنهم شهداء، فإنهم ليسوا بأموات {بل} هم {أحياء} وسيأتي في آل عمران أن ذلك معنى الشهيد. قال الحرالي: فكأنه تعالى ينفي عن المجاهد مثال المكروه من كل وجه حتى في أن يقال عنه إنه ميت، فحماه من القول الذي هو عندهم من أشد غرض أنفسهم لاعتلاق أنفسهم بجميل الذكر، ثم قال وأبهم أمرهم في هذه السورة ونفى عنهم القول، لأن هذه سورة الكتاب المدعو به الخلق وصرح بتفضيله في آل عمران لأنها سورة قيام الله الذي به تجلى الحق فأظهر غيب أمره في سورة إظهار أمره وأخفاه في سورة ظاهر دعوتهم - انتهى. ولما كان الحس قاصراً عما أخبر به سبحانه وتعالى قال منبهاً على ذلك {ولكن لا تشعرون} أنهم أحياء كما ترون النيام هموداً لا يتحركون ولا شعور لكم بمن فيهم ينظر، أحلاماً من غيره، فلا فخر أعظم من ذلك في الدنيا ولا عيش أرغد منه في الآخرة، وأما المقتول من أعدائكم فليس له في الدنيا إلا الخزي والفضيحة بالقهر والذل والهوان والعذاب الذي لا آخر له في الآخرة. قال الحرالي: قال ذلك نفياً بكلمة لا ومثال الدوام ففيه إعلام بأن الذين آمنوا ليس في رتبتهم الشعور به أصلاً إلا أن يرقيهم الله بنماء سن القلوب وصفاء الأنفس إلى ما فوق ذلك من سن المؤمنين إلى سن المحسنين الذين يشهدون من الغيب ما لا يشهده من في رتبة الذين آمنوا - انتهى. وفي هذا إشارة إلى أن كون الله معهم لا يمنع أن يستشهد منهم شهداء، بل ذلك من ثمرات كون الله معهم حيث يظفر من استشهد منهم بسعادة الأخرى ومن بقي بسعادة الدارين، وتلخيص ذلك أن يقال إنه لما كان حاصل ما تقدم في هذه السورة أن أهل الأرض كلهم قريبهم وبعيدهم وثنيهم وكتابيهم مطبقون على عداوة أهل هذا الدين وكان كثيراً ما يأمرهم بالصبر على أذاهم اشتد تشوّف النفوس إلى أنه هل بعد هذا الكف من فعل، فأشار إلى أنه سيأمر بعد الصبر على أذى اللسان بالصبر على جلاد السيف والسنان أمراً عاماً فقال عاطفاً هذا النهي على الأمر بالصبر، أي اصبروا الآن على هذا الأذى ثم اصبروا إذا أمرتكم بالجهاد على وقع السيوف واقتحام الحتوف وفقد من يقتل منكم ولا تصفوهم بالموت، ولعله فاجأهم بما تضمنته هذه الآية توطيناً لهم على القتل في سبيله وكان استشرافهم إلى الحرب قد كثر وبشرهم بأن القتيل فيه حي وإن رئي ميتاً تسلية لهم عن هذا الحادث العظيم والخطب الجسيم. ولما كان من شأن الطين الذي منه البشر وما تولد منه أن لا يخلص عن الشوائب إلا بعد معاناة شديدة، ألا ترى أن الذهب أصفاه وهو لا يخلو عن الغش ولا يعرى عما خالطه من الدنس إلا بالامتحان بشديد النيران! قال تعالى معلماً لهم بالتربية بما تحصل به التصفية بما تؤدي إليه مناصبة الكفار ومقارعة أهل دار البوار: {ولنبلونكم} عطفاً على ما أرشد إليه التقدير من نحو قوله: فلنأمركم بمقارعة كل من أمرناكم من قبل بمجاملته وليتمالأن عليكم أهل الأرض ولنبلونكم أي يصيبكم بأشياء إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم ليظهر الصابر من الجزع. قال الحرالي: فالصبر الأول أي في {أن الله مع الصابرين} عن الكسل وعلى العمل، والصبر الثاني أي في {وبشر الصابرين} على مصائب الدنيا، فلذلك انتظم بهذه الآيات آية {ولنبونكم} عطفاً وتجاوزاً لأمور يؤخذ بها من لم يجاهد في سبيل الله ضعفاً عن صبر النفس عن كره القتال {أية : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القتال وهو كره لكم} تفسير : [البقرة: 216] فمن لم يحمل الصبر الأول على الجهاد أخذ بأمور هي بلايا في باطنه تجاوزها الخطاب فانعطف عليها {ولنبلونكم بشيء من الخوف} وهو حذر النفس من أمور ظاهرة تضرها {والجوع} وهو غلبة الحاجة إلى الغذاء على النفس حتى تترامى لأجله فيما لا تتأمل عاقبته، فإذا كان على غير غلبة مع حاجة فهو الغرث، فلذلك في الجوع بلاء مّا والغرث عادة جارية. وقال أيضاً: الجوع فراغ الجسم عما به قوامه كفراغ النفس عن الأمنة التي لها قوام مّا، فأفقدها القوامين في ذات نفسها بالخوف وفي بدنها بالجوع لما لم تصبر على كره الجهاد، وقد كان ذلك لأهل الصبر عليه أهون من الصبر على الخوف والجوع، وأيما كان أول نائلهم من هذا الابتلاء الخوف حيث خافوا الأعداء على أنفسهم فجاءهم إلى مواطنهم، من لم يمش إلى طبيبه ليستريح جاء الطبيب لهلاكه، وشتان بين خوف الغازي للعدو في عقره وبين خوف المحصر في أهله، وكذلك شتان بين أرزاق المجاهد وتزويده وخير الزاد التقوى في سبيله لجهاده وبين جوع المتخلف في عيلته - انتهى. ونكر الشيء وما بعده حثاً على الشكر بالإشارة إلى أن كل ما أصاب منها ففي قدرة الله ما هو أعظم منه، فعدم الإصابة به نعمة. ولما كان الجوع قد يكون عن رياضة بين أنه عن حاجة بقوله: {ونقص} وهو التقاصر عن الكفاف {من الأموال} أي النعم التي كانت منها أغذيتهم. قال الحرالي: لأن ذلك عرف استعمالهم في لفظ المال. وقال أيضاً: والمال ما هو للمتمول بمنزلة الجزء منه عنده لماله لذلك منه، فضاعف تعالى مثال البلاء في ذوات أنفسهم وأبدانهم ليقطع عنهم راحة تطلع الكفاية من الأموال في مقابلة ما ينال المجاهد من الغناء والرزق، فالمجاهد آمن في جيشه متزود في رحله غانم من عدوه، والمتخلف خائف في أهله جائع في عيلته ناقص المال من ذات يده - انتهى. ولما كان ذلك قد يكون عن إفراط في الكثرة قال: {والأنفس} قال الحرالي: فيه إشعار بأن من جاهد كثر عدده ونما ولده، وأن من تكاسل قل عدده ودرج خلفه، وفي ضمنه إشعار بمنال المتكاسل حواصد من جوارف الآجال من الوباء والطاعون وغيره - انتهى. وقال: {والثمرات} التي هي نفس الأشجار التي بها قوام أنفس الأبدان تخصيصاً لها بالذكر، لأنها أعظم أموال الأنصار الذين هم من أخص الناس بهذا الذكر لا سيما في وقت نزول هذه الآيات وهو أول زمان الهجرة. ولما كان السياق مرشداً إلى أن التقدير: فأنذر من لم يصبر، ولكنه طوى إشارة إلى إجلال الذين آمنوا عن أن يكون فيهم من لم يصبر عطف عليه إرشاداً إليه وحثاً على الصبر ثم ذكر الموجبين للنصر قوله: {وبشر الصابرين} وقال الحرالي: ولما كان هذا البلاء عن تكاسل من الصبر الأول كما قال تعالى: {أية : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} تفسير : [الرعد: 11] وكان مما يتداركه صبر عليه تدارك تعالى هذه الرتبة ببشرى الصابرين من هلكه ما ينال من لم يصبر على هذه المصيبة وضجر منها وتسخط فيها، فكان للصابر الأول الصحبة بقوله: {إن الله مع الصابرين}. ولما كان للصابر الثاني البشرى بالسلامة من عقوبة الآخرة ومنالهم لما نولهم وشتان بين من كان الله معه وبين من قيل لنبيه بشره بصبره على بلاء التخلف، وما كان للأنفس مدخل في تحمل الصبر شرفاً وحفيظة على الأحساب والرتب الدنيوية خلص تعالى الصابرين له من الصابرين تطبعاً وتحاملاً فقال: {الذين إذا أصابتهم} من الإصابة وهو وقوع المسدد على حد ما سدد له من موافق لغرض النفس أو مخالف لها {مصيبة} خصيصة عرف الاستعمال بما لا يوافق نكرها لخصوص ذكره - انتهى. والمراد أي مصيبة كانت ولو قلّت وضعفت بما أفهمه تأنيثه الفعل {قالوا إنا لله} أي الملك المحيط بكل شيء إسلاماً بأنفسهم لربهم فهو يفعل بنا من هذه المصيبة وغيرها ما يريد فهو المسؤول في أن يكون ذلك أصلح لنا. ولما كان التقدير بياناً لكونهم لله تقريراً للاستسلام به: نحن مبتدئون، عطف عليه {وإنا إليه} أي لا إلى غيره {راجعون} معنى في أن جميع أمورنا لا يكون شيء منها إلا به وحساباً لبعث وظهور ذلك بعده ظهوراً تاماً. قال الحرالي: لتكون ذلك غاية في إسلام ثمراتهم وأموالهم وما نقصوا من أنفسهم، فحين لم يجاهدوا في سبيل الله فأصابتهم المصائب كان تلافيهم أن يسلموا أمرهم لله ويذكروا مرجعهم إليه ويشعروا أن ما أخذ من أنفسهم وما معها ذخيرة عنده، فيكون ذلك شاهد إيمانهم ورجائهم للقائهم فتقع مجاهدتهم لأنفسهم في ذلك بموقع جهادهم في سبيل الله الذي فاتهم وجعلها جامعة مطلقة لكل من أصابته مصيبة فاسترجع بها ثبت أجره بما أصيب وتلاقاه الله بالاهتداء إلى ما تقاصر عنه ذلك قال: {أولئك} خطاباً لنبيه واستحضاراً لهم بمحل بعد عن قربه وغيبة عن إقباله عليهم. قال: {عليهم صلوات} صلاة الله على عباده هي إقباله عليهم بعطفه إخراجاً لهم من حال ظلمة إلى رفعة نور، قال: {أية : هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور}تفسير : [الأحزاب: 43] فبصلاتهم عليهم إخراجهم من جهات ما أوقعهم في وجوه تلك الابتلاءات، فلذلك كان ذلك صلوات بالجمع ولم يكن صلاة ليعدد ما أصابهم منه عدد تلك الابتلاءات، وفي قوله تعالى: {من ربهم} إشعار بتدريجهم في ذلك بحكم تربية وتدارك الأحوال ما أصابهم، قال تعالى: {ورحمة} إفراد لمنالها لهم بعد متقدم الصلوات عليهم، فنالتهم الرحمة جمعاً حين أخرجتهم الصلوات أفراداً. قال تعالى: {وأولئك} إشارة إلى الذين نالتهم الصلوات والرحمة فأبقاهم مع ذلك في محل بعد في الحضرة وغيبة في الخطاب {هم المهتدون} فجاء بلفظ {هم} إشعاراً بصلاح بواطنهم عما جره الابتلاء من أنفسهم - انتهى. والذي يلوح لي أن أداة البعد في {أولئك} إشارة إلى علو مقامهم وعز مرامهم، ولذا عبر عن هدايتهم بالجملة الاسمية على وجه يفهم الحصر؛ والصلاة الإنعام بما يقتضي التشريف، والرحمة الإنعام بما يقتضي العطف والتَحنّن - والله سبحانه وتعالى الموفق؛ وفي ذلك إشارة إلى الأمر بالإعراض عن أهل الكتاب فيما يطعنون عليهم به بألسنتهم والإملاء لهم إلى حين الإذن في مطاعنتهم بالرماح ومصالتتهم ببيض الصفاح، كما في الآية الأخرى {أية : لتبلون في أموالكم وأنفسكم} تفسير : [الأعراف: 186] إلى آخرها ويمكن أن يراد "بالخوف الجهاد". وبالجوع الصوم، وبنقص الأموال زكاة الصامت من المال، وبالأنفس زكاة الحيوان، وبالثمرات زكاتها؛ لكن الأنسب لافتتاح الآية واختتامها وما تقدمها وتلاها أن تكون مقصورة على الجهاد. ولما فرغ مما أراد من أحوال الطاعنين في القبلة التي هي قيام للناس وما استتبع ذلك مما يضطره إليه في إقامة الدين من جدالهم وجلادهم وختم ذلك بالهدى شرع في ذكر ما كان البيت به قياماً للناس من المشاعر القائدة إلى كل خير الحامية عن كل ضير التي جعلت مواقفها أعلاماً على الساعة لا سيما والحج أخو الجهاد في المشقة والنزوح عن الوطن وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم أحد الجهادين مع أنه من أعظم مقاصد البيت المذكورة في هذه الآيات مناقبه المتلوة مآثره المنصوبة شعائره التي هي في الحقيقة دعائمه من الاعتكاف والصلاة والطواف المشار إلى حجه واعتماره بقوله: {أية : مثابة للناس وأمناً} تفسير : [البقرة: 125] فأفصح به بعد تلك الإشارة بعض الإفصاح إذ كان لم يبق من مفاخره العظمى غيره وضم إليه العمرة الحج الأصغر لمشاركتها له في إظهار فخاره وإعلاء مناره فقال: {إن الصفا والمروة} فهو كالتعليل لاستحقاق البيت لأن يكون قبلة، وعرفهما لأنهما جبلان مخصومان معهودان تجاه الكعبة، اسم الصفا من الصفوة وهو ما يخلص من الكدر، واسم المروة من المرو وهو ما تحدد من الحجارة - قاله الحرالي. وخصهما هنا بالذكر إشارة إلى أن بركة الإقبال عليهما على ما شرع الله سبحانه وتعالى مفيدة لحياة القلوب بما أنزل على هذا الرسول صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة الباقيين إلى آخر الدهر شفاء للقلوب وزكاة للنفوس زيادة للنعمة بصفة الشكر وتعليماً بصفة العلم كما كان الإقبال على السعي بينهما تسليماً لأمر الله مفيداً لحياة أبيه إسماعيل عليه الصلاة والسلام ونفع من بعده بما أنبع له من ماء زمزم الباقي إلى قيام الساعة طعام طعم وشفاء سقم، وفي ذلك مع تقديم الصفا إشارة للبصراء من أرباب القلوب إلى أن الصابر لله المبشر فيما قبلها ينبغي أن يكون قلبه جامعاً بين الصلابة والصفا، فيكون بصلابته الحجرية مانعاً من القواطع الشيطانية، وبرقته الزجاجية جامعاً للوامع الرحمانية، بعيداً عن القلب المائي بصلابته، وعن الحجري بصفائه واستنارته. ومن أعظم المناسبات أيضاً كون سبيل الحج إذ ذاك كان ممنوعاً بأهل الحرب، فكأنها علة لما قبلها وكأنه قيل: ولنبلونكم بما ذكر لأن الحج من أعظم شعائر هذا البيت الذي أمرتم باستقباله وهو مما يفرض عليكم وسبيله ممنوع بمن تعلمون، فلنبلونكم بقتالهم لزوال مانع الحج وقتال غيرهم من أهل الكتاب وغيرهم لإتمام النعمة بتمام الدين وظهوره على كل دين. ومن أحسنها أيضاً أنه تعالى لما ذكر البلايا بنقص الأموال بسبب الذنوب {أية : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم}تفسير : [الشورى: 30] أتبعها الدواء الجابر لذلك النقص ديناً ودنيا، "حديث : فإن الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الذهب والفضة" تفسير : رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما عن عبد الله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي أيضاً عن عدة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما بينته في كتابي الاطلاع على حجة الوداع. وقال الحرالي: لما تقدم ذكر جامعة من أمر الحج في قوله سبحانه وتعالى {أية : ولأتم نعمتي عليكم} تفسير : [البقرة: 150] من حيث أن النعمة المضافة إليه أحق بنعمة الدين وفي ضمنها نعمة الدنيا التي لم يتهيأ الحج إلا بها من الفتح والنصر والاستيلاء على كافة العرب كما قال تعالى فيما أنزل يوم تمام الحج الذي هو يوم عرفة {أية : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} تفسير : [المائدة: 3] وذلك بما أتم الله سبحانه وتعالى عليهم من نعمة تمام معالم الدين وتأسيس الفتح بفتح أم القرى التي في فتحها فتح جميع الأرض لأنها قيام الناس نظم تعالى بما تلاه من الخطاب تفصيلاً من تفاصيل أمر الحج انتظم بأمر الذين آمنوا من حيث ما في سبب إنزاله من التحرج للذين أعلموا برفع الجناح عنهم وهم طائفة من الأنصار كانوا يهلون لمناة وكانت مناة حذو قديد فتحرجوا من التطوف بين الصفا والمروة. وطائفة أيضاً خافوا أن يلحقهم في الإسلام بعملهم نحو ما كانوا يعملونه في الجاهلية نقص في عمل الإسلام، فأعلمهم الله سبحانه وتعالى أن ذلك موضوع عنهم لمختلف نياتهم فإن الأعمال بالنيات، فما نوي لله كان لله ولم يُبل فيه بموافقة ما كان من عاداتهم في الجاهلية، وفي فقهه صحة السجود لله سبحانه وتعالى لمن أكره على السجود للصنم، وفي طي ذلك صحة التعبد لله بكلمة الكفر لمن أكره عليها، أذن صلى الله عليه وسلم غير مرة في أن يقول فيه قائل ما يوافق الكفار بحسن نية للقائل فيه ذلك ولقضاء حاجة له من حوائح دنياه عند الكفار، فظهر بذلك كونه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، يقبل الضمائر ولا يبالي بالظواهر في أحوال الضرائر، فرفع الله سبحانه وتعالى عنهم الجناح بحسن نياتهم وإخلاصهم لله سبحانه وتعالى عملهم، فبهذا النحو من التقاصر في هذه الرتبة انتظم افتتاح هذا الخطاب بما قبله من أحوال الذين آمنوا من المبتلين بما ذكر - انتهى. {من شعائر الله} أي أعلام دين الملك الأعلى الذي دان كل شيء لجلاله. وقال الحرالي: وهي أي الشعائر ما أحست به القلوب من حقه، وقال: والشعيرة ما شعرت به القلوب من أمور باطنة {أية : ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} تفسير : [الحج: 32] وإنما ذكرها تعالى بالشعائر وعملها معلم من معالم الإسلام وحرمة من حرم الله لما كان حكم في أمر القلوب التي كان في ضمائرها تحرجهم فمن حيث ذكرها بالشعيرة صححها الإخلاص والنية {فمن حج} من الحج وهو ترداد القصد إلى ما يراد خيره وبره. وقال الأصفهاني: أصله زيادة شيء تعظمه - انتهى. {البيت} ذكر البيت في الحج والمسجد الحرام في التوجه لانتهاء الطواف إلى البيت واتساع المصلى من حد المقام إلى ما وراءه لكون الطائف منتهياً إلى البيت وكون المصلي قائماً بمحل أدب يؤخره عن منتهى الطائف مداناة البيت، وذكره تعالى بكلمة "من" المطلقة المستغرقة لأولي العقل تنكباً بالخطاب عن خصوص المتحرجين، ففي إطلاقه إشعار بأن الحج لا يمنعه شيء مما يعرض في مواطنه من مكروه الدين لاشتغال الحاج بما هو فيه عما سواه، ففي خفي فقهه إعراض الحاج عن مناكر تلك المواطن التي تعرض فيها بحسب الأزمان والأعصار، ويؤكد ذلك أن الحج آية الحشر وأهل الحشر {أية : لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه}تفسير : [عبس: 37] فكذلك حكم ما هو آيته؛ وحج البيت إتيانه في خاتمة السنة من الشهور الذي هو شهر ذي الحجة أنه ختم العمر، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم حيث ختم الله سبحانه وتعالى عمره بعمل الحج؛ قال سبحانه وتعالى {أو اعتمر} فذكر العمرة مع الحج لما كان الطواف بين الصفا والمروة من شعائر العملين {فلا جناح} وهو المؤاخذة على الجنوح، والجنوح الميل عن جادة القصد - انتهى {عليه أن يطوف} أي يدور بهمة وتعمد ونشاط {بهما} بادياً بما بدأ الله. قال الحرالي: رفع الجناح عن لفعل حكم يشترك فيه الجائز والواجب والفرض والمباح حتى يصح أن يقال: لا جناح عليك أن تصلي الظهر، كما يقال: لا جناح عليك أن تطعم إذا جعت؛ وإنما يشعر بالجواز والتخيير نفي الجناح عن الترك لا عن الفعل، كما قال عليه الصلاة والسلام للذين سألوه عن العزل: "حديث : لا جناح عليكم أن لا تفعلوا"تفسير : أي أن لا تُنزلوا، لأن الفعل كناية عن الثبوت لا عن الترك الذي هو معنى العزل "وهو الذي قررته عائشة رضي الله تعالى عنها لما قال عروة: ما أرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما، فقالت: لو كان كما تقول كان: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما الحديث. قلت: ولعل التعبير بالنفي إنما اختير ليدل على نفي ما توهموه بالمطابقة، وتقع الدلالة على الوجوب بإفهام الجزاء لأن من حج أو اعتمر ولم يتطوف بهما كان عليه حرج، وبالسنة التي بينته من قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اسعوا فإن الله قد كتب عليكم السعي"تفسير : ومن فعله صلى الله عليه وسلم مع قوله. "حديث : خذوا عني مناسككم"تفسير : ومن عدهما من الشعائر ونحو ذلك. قال الحرالي: وما روي من قراءة من قرأ {أن لا يطوف بهما} فليست {لا} نافية على حد ما نفت معناه عائشة رضي الله تعالى عنها وإنما هي مؤكدة للإثبات بمنزلة {أية : ما منعك ألا تسجد} تفسير : [الأعراف: 12] و {أية : لئلا يعلم أهل الكتاب} تفسير : [الحديد: 29] لأن من تمام المبهم استعماله في المتقابلين من النفي والإثبات كاستعماله في وجوه من التقابل كما تستعمل {ما} في النفي والإثبات، وكذلك جاءت "لا" في لسان العرب بمنزلتها في الاستعمال وإن كان دون ذلك في الشهرة، فوارد القرآن معتبر بأعلى رتبة لغة العرب وأفصحها، لا يصل إلى تصحيح عربيته من اقتصر من النحو والأدب على ما دون الغاية لعلوه في رتبة العربية {أية : إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون} تفسير : [الزخرف: 2] انتهى. والذين قرؤوا بزيادة "لا" عليّ وابن عباس - بخلاف عنه - وأبي بن كعب وابن مسعود وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وميمون بن مهران، كما نقل ذلك الإمام أبو الفتح عثمان بن جني في كتابه المحتسب في توجيه القراءات - الشواذ؛ ومعنى قول عائشة رضي الله تعالى عنها لكان أن لا يطوف خاصة، ولم ترد قراءة بالإثبات؛ وأما مع قراءة الإثبات فإن المعنى يرشد إلى أن قراءة النفي مثلها، لأن كونهما من الشعائر يقتضي التطوف بهما لا إهمالهما - والله سبحانه وتعالى أعلم. قال الحرالي: وذكره تعالى بالتطوف الذي هو تفعّل أي تشبه بالطواف، ومع البيت بالطواف في قوله تعالى: {أية : أن طهرا بيتي للطائفين} تفسير : [البقرة: 125] لما كان السعي تردداً في طول، والمراد الإحاطة بهما، فكان في المعنى كالطواف لا في الصورة، فجعله لذلك تطوفاً أي تشبهاً بالطواف - انتهى. ولما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يقصدوا بترك الطواف بينهما إلا الطاعة فأعلموا أن الطواف بينهما طاعة، عبر بما يفيد مدحهم فقال تعالى: {ومن تطوع} قَالَ الحرالي: أي كلف نفسه معاهدة البر والخير من غير استدعاء له {خيراً} فيه إعلام بفضيلة النفقة في الحج والعمرة بالهدي ووجوه المرافق للرفقاء بما يفهمه لفظ الخير، لأن عرف استعماله في خير الرزق والنفقة، كما قال تعالى: {أية : وإنه لحب الخير لشديد *} تفسير : [العاديات: 8] و {أية : إن ترك خيراً}تفسير : [البقرة: 180]؛ ولما كان رفع الجناح تركاً عادلها في الخطاب بإثبات عمل خير ليقع في الخطاب إثبات يفيد عملاً حين لم يفد الأول إلا تركاً، فمن تحقق بالإيمان أجزل نفقاته في الوفادة على ربه واختصر في أغراض نفسه، ومن حرم النصف من دنياه اقتصر في نفقاته في وفادته على ربه وأجزل نفقاته في أغراض نفسه وشهوات عياله، فذلك من أعلام المؤمنين وأعلام الجاهلين، من وفد على الملك أجزل ما يقدم بين يديه، وإنما قدمه بالحقيقة لنفسه لا لربه، فمن شكر نعمة الله بإظهارها حين الوفادة، عليه في آية بعثة إليه ولقائه له شكراً لله له ذلك يوم يلقاه، فكانت هدايا الله له يوم القيامة أعظم من هديه إليه يوم الوفادة عليه في حجه وعمرته {فإن الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {شاكر} أي مجاز بالأعمال مع المضاعفة لثوابها؛ قال الحرالي: وقوله: {عليم *} فيه تحذير من مداخل الرياء والسمعة في إجزال النفقات لما يغلب على النفس من التباهي في إظهار الخير - انتهى. ولما تقدم أن بعض أهل الكتاب يكتمون ما يعلمون من هذا لحق وختم ما اتبعه له بصفتي الشكر والعلم ترغيباً وترهيباً بأنه يشكر من فعل ما شرعه له ويعلم من أخفاه وإن دق فعله وبالغ في كتمانه انعطف الكلام إلى تبكيت المنافقين منهم والمصارحين في لعنهم على كتمانهم ما يعلمون من الحق إذ كانت هذه كلها في الحقيقة قصصهم والخروج إلى غيرها إنما هو استطراد على الأسلوب الحكيم المبين لأن هذا الكتاب هدى وكان السياق مرشداً إلى أن التقدير بعد {شاكر عليم} ومن أحدث شراً فإن الله عليم قدير، فوصل به استئنافاً قوله على وجه يعمهم وغيرهم: {إن الذين يكتمون} بياناً لجزائهم {ما أنزلنا} أي بعظمتنا. قال الحرالي: فانتظمت هذه الآية أي في ختمها لهذا الخطاب بما مضى في أوله من قوله: {أية : ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} تفسير : [البقرة: 42] فكانت البداية خاصة وكان الختم عاماً، ليكون ما في كتاب الله أمراً على نحو ما كان أمر محمد صلى الله عليه وسلم ومن تقدمه من الرسل خلقاً لينطبق الأمر على الخلق بدءاً وختماً انطباقاً واحداً، فعم كل كاتم من الأولين والآخرين - انتهى {من البينات} أي التي لا يحتاج سامعها المجرد عن الهوى في فهمها إلى شيء معها. قال الحرالي: ففي إفهامه إذن في كتم ما يخفى من العلم عن عقول لم تصل إليه - انتهى. {والهدى} أي الذي من شأنه أن يقود من أحبه إلى صراط مستقيم. ولما كان المراد الترهيب من الكتمان في وقت ما ولو قل أثبت الجار فقال {من بعد ما بيناه} أي بما لنا من العظمة {للناس} أي الذين هم في أدنى طبقات المخاطبين، وفيه تبكيت عظيم لبني إسرائيل فإنهم من أعظم المقصودين بذلك لكتمانهم ما عندهم. قال الحرالي: لأن المسمين بالناس من أصاغر سن القلوب لما ذكر من نوسهم وأكثر ما يخص به كما تقدم الملوك ورؤساء القبائل وأتباعهم الذين زين لهم حب الشهوات - انتهى. {في الكتاب} أي الجامع لكل خير قال الحرالي: فما بينه الله سبحانه وتعالى في الكتاب لا يحل كتمه، لما ذكر من أن الكتاب هو ما احتوى على الأحكام والحدود بخلاف ما يختص بالفرقان أو يعلو إلى رتبة القرآن انتهى. ولما كان المضارع دالاً على التجديد المستمر وكان الإصرار المتصل بالموت دالاً على سوء الجبلة أسقط فاء السبب إشارة إلى استحقاقهم للخزي في نفس الأمر من غير نظر إلى سبب فقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء {يلعنهم الله} أي يطردهم الملك الأعظم طرد خزي وذل {ويلعنهم اللاعنون *} أي كل من يصح منه لعن؛ أي هم متهيؤن لذلك ثم يقع لهم ذلك بالفعل عند كشف الغطاء، واللعن إسقاط الشيء إلى أردى محاله حتى يكون في الرتبة بمنزلة الفعل من العامة - قاله الحرالي: وأخص من ذلك وأسهل تناولاً أن يقال: لما كان أشق الصبر ما على فقد المحبوب من الألف والأمن والسعة وكان العلم واقعاً بأن عداوة الكفار لهم ستؤول إلى ابتلائهم بذلك أتبع آية الصبر بقوله: {ولا تقولوا} الآيتين فكأنه قيل: ولا تقولوا كذا فليكتبن عليكم الجهاد عموماً {ولنبلونكم} فيه {بشيء من الخوف} الآية لأن الصفا والمروة من شعائر الله ووصولكم إليهما ممنوع بالكفار فلا بد في الفتح من قتالهم وقد جرت العادة في القتال بمثل ذلك البلاء.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏فاذكروني أذكركم‏} ‏ قال‏:‏ اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي‏.‏ وأخرج أبو الشيخ والديلمي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال ‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : {‏فاذكروني أذكركم‏}‏ يقول‏:‏ اذكروني يا معاشر العباد بطاعتي أذكركم بمغفرتي‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن لال والديلمي وابن عساكر عن أبي هند الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : قال الله‏:‏ اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي، فمن ذكرني وهو مطيع فحق علي أن أذكره بمغفرتي، ومن ذكرني وهو لي عاص فحق علي أن أذكره بمقت‏ ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله ‏{‏اذكروني أذكركم‏}‏ قال‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ يقول الله ‏"‏ذكري لكم خير من ذكركم لي‏"‏‏.‏ وأخرج الطبراني في الأوسط وأبو نعيم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله‏"‏حديث : يا ابن آدم إنك إذا ما ذكرتني شكرتني، وإذا ما نسيتني كفرتني‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن زيد بن أسلم‏.‏ أن موسى عليه السلام قال‏:‏ يا رب أخبرني كيف أشكرك‏؟‏ قال ‏"‏تذكرني ولا تنساني، فإن ذكرتني شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني‏"‏‏.‏ وأخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : من أعطى أربعاً أعطي أربعاً، وتفسير ذلك في كتاب الله من أعطي الذكر ذكره الله لأن الله يقول ‏{‏اذكروني أذكركم‏}‏ ، ومن أعطي الدعاء أعطي الإِجابة لأن الله يقول {‏ادعوني أستجب لكم} [‏غافر: 60‏]، ومن أعطي الشكر أعطي الزيادة لأن الله يقول {لئن شكرتم لأزيدنكم} ‏[‏إبراهيم: 7‏]، ومن أعطي الاستغفار أعطي المغفرة لأن الله يقول {‏استغفروا ربكم إنه كان غفاراً}[‏نوح: 10‏] ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله تعالى ‏ {‏فاذكروني أذكركم‏}‏ قال‏:‏ ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمة، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد في الزهد والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال‏:‏ أوحى الله إلى داود ‏"‏قل للظلمة لا يذكروني فإن حقاً عليّ أذكر من ذكرني، وأن ذكري إياهم أن ألعنهم‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عمر‏.‏ أنه قيل له‏:‏ أرأيت قاتل النفس وشارب الخمر والزاني يذكر الله وقد قال الله ‏ {‏فاذكروني أذكركم‏}‏‏؟‏ قال‏:‏ إذا ذكر الله هذا ذكره الله بلعنته حتى يسكت‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن خالد بن أبي عمران قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : من أطاع الله فقد ذكر الله وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن، ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن‏ ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏يقول الله‏:‏ أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة‏‏ ". تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : قال الله عز وجل‏:‏ يا ابن آدم إذا ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ من الملائكة‏.‏ أو قال‏:‏ في ملأ خير منهم، وإن دنوت مني شبراً دنوت منك باعاً، وإن أتيتني تمشي أتيتك بهرولة‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني عن معاذ بن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : قال الله عز وجل ذكره‏:‏ لا يذكرني أحد في نفسه إلا ذكرته في ملأ من ملائكتي، ولا يذكرني في ملأ إلا ذكرته في الرفيق الأعلى‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر والبزار والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : قال الله‏:‏ يا ابن آدم إذا ذكرتني خالياً ذكرتك خالياً، وإذا ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير من الذين تذكرني فيهم وأكثر‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن ماجة وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏إن الله عز وجل يقول‏:‏ أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن عبد الله بن بسر ‏" حديث : أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله إن شرائع الإِسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أستن به، قال‏: "لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبزار وابن حبان والطبراني والبيهقي عن مالك بن يخامر، أن معاذ بن جبل قال لهم‏ "حديث : ‏إن آخر كلام فارقت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قلت‏:‏ أي الأعمال أحب إلى الله‏؟‏ قال‏:‏ أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي المخارق قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : مررت ليلة أسري بي برجل في نور العرش قلت‏:‏ من هذا، ملك‏؟‏‏!‏ قيل‏:‏ لا‏.‏ قلت‏:‏ نبي‏.‏‏.‏‏؟‏ قيل‏:‏ لا‏.‏ قلت‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ هذا رجل كان في الدنيا لسانه رطب من ذكر الله، وقلبه معلق بالمساجد، ولم يستسب لوالديه‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن أبي الدنيا عن سالم بن أبي الجعد قال‏:‏ قيل لأبي الدرداء‏:‏ إن رجلاً اعتق مائة نسمة قال‏:‏ إن مائة نسمة من مال رجل لكثير، وأفضل من ذلك وأفضل إيمان ملزوم بالليل والنهار أن لا يزال لسان أحدكم رطباً من ذكر الله‏.‏ وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن أبي الدنيا والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي الدرداء قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا اعداءكم فتضربوا أعناقهم‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ ذكر الله‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول‏"حديث : ‏إن لكل شيء صقالة وإن صقالة القلوب ذكر الله، وما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله‏.‏ قالوا‏:‏ ولا الجهاد في سبيل الله‏؟‏ قال‏:‏ ولو أن يضرب بسيفه حتى ينقطع‏ ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من عجز منكم عن الليل أن يكابده، وبخل بالمال أن ينفقه، وحين غدر العدوان يجاهده فليكثر ذكر الله‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏ما عمل آدمي عملاً أنجى له من العذاب من ذكر الله‏.‏ قيل‏:‏ ولا الجهاد في سبيل الله‏؟‏ قال‏:‏ ولا الجهاد في سبيل الله إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر والطبراني والبيهقي عن ابن عباس‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : أربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة‏:‏ قلب شاكر، ولسان ذاكر، وبدن على البلاء صابر، وزوجة لا تبغيه خوناً في نفسها وماله‏ ". تفسير : وأخرج ابن حبان عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : ليذكرن الله أقوام في الدنيا على الفرش الممهدة، يدخلهم الله الدرجات العلى‏‏ ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي عن أبي موسى قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : ما من يوم وليلة إلا ولله عز وجل فيه صدقة من بها على من يشاء من عباده، وما من الله على عبد بأفضل من أن يلهمه ذكره‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن خالد بن معدان قال‏:‏ إن الله يتصدق كل يوم بصدقة، فما تصدق على عبده بشيء أفضل من ذكره‏.‏ وأخرج الطبراني عن أبي موسى قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لو أن رجلاً في حجره دراهم يقسمها وآخر يذكر الله لكان الذاكر لله أفضل‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني والبيهقي عن معاذ بن جبل قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم لم يذكر الله تعالى فيها‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها بخير إلا تحسر عليها يوم القيامة‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة وأبي سعيد ‏"حديث : ‏أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : إن لأهل ذكر الله أربعا‏ً.‏ ينزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، وتحف بهم الملائكة، ويذكرهم الرب في ملأ عنده ‏" .تفسير : ‏وأخرج الحاكم وصححه عن أبي الدرداء ‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ "‏حديث : إن الله يقول‏:‏ أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه‏ ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أنس مرفوعاً قال الله"حديث : ‏عبدي أنا عند ظنك بي، وأنا معك إذا ذكرتني‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن عمر قال‏:‏ ذكر الله بالغداة والعشي أعظم من حطم السيوف في سبيل الله، وإعطاء المال سخاء‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل قال‏:‏ لو أن رجلين أحدهما يحمل على الجياد في سبيل الله، والآخر يذكر الله لكان الذاكر أعظم وأفضل أجراً‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن سلمان الفارسي قال‏:‏ لو بات رجل يعطي القناة البيض‏.‏ ولفظ أحمد‏:‏ يطاعن الأقران، وبات آخر يقرأ القرآن أو يذكر الله لرأيت أن ذاكر الله أفضل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمرو لو أن رجلين أقبل أحدهما من المشرق والآخر من المغرب، مع أحدهما ذهب لا يضع منه شيئاً إلا في حق، والآخر يذكر الله حتى يلتقيا في طريق كان الذي يذكر الله أفضلهما‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، فيسألهم ربهم - وهو يعلم - من أين جئتم‏؟‏ فيقولون‏:‏ جئنا من عند عباد لك يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك‏.‏ فيقول‏:‏ هل رأوني؟ فيقولون: لا. فيقول: كيف لو رأوني؟ فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيداً، وأكثر لك تسبيحاً‏.‏ فيقول‏:‏ فما يسألون‏؟‏ فيقولون‏:‏ يسألونك الجنة‏.‏ فيقول‏:‏ وهل رأوها‏؟‏ فيقولون‏:‏ لا‏.‏ فيقول‏:‏ فكيف لو رأوها‏؟‏ فيقولون‏:‏ لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً وأشد لها طلباً وأعظم فيها رغبة‏.‏ قال‏:‏ فمم يتعوّذون؟ فيقولون:‏ يتعوّذون من النار‏.‏ فيقول‏:‏ وهل رأوها‏؟‏ فيقولون‏:‏ لا‏.‏ فيقول‏:‏ فكيف لو رأوها‏؟‏ فيقولون‏:‏ لو أنهم رأوها كانوا أشد منها فراراً وأشد لها مخافة‏.‏ فيقول‏:‏ أشهدكم أني غفرت لهم‏.‏ فيقول ملك من الملائكة‏:‏ فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة‏.‏ قال‏:‏ هم القوم لا يشقى بهم جليسهم‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن معاوية ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال‏:‏ ما أجلسكم‏؟‏ قالوا‏:‏ جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإِسلام ومن به علينا‏.‏ قال آلله ما أجلسكم إلا ذلك‏؟ قالوا‏:‏ آلله ما أجلسنا إلا ذلك‏.‏ قال‏: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكن أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة‏‏ ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والبيهقي عن أبي سعيد الخدري ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يقول الله يوم القيامة‏:‏ سيعلم أهل الجمع اليوم من أهل الكرم‏.‏ فقيل‏:‏ ومن أهل الكرم يا رسول الله‏؟‏ قال‏: أهل مجالس الذكر ". تفسير : وأخرج أحمد عن أنس قال‏:‏ كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ تعال نؤمن بربنا ساعة‏.‏ فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏يرحم الله ابن رواحة أنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة‏‏ ". تفسير : وأخرج أحمد والبزار وأبو يعلى والطبراني عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏ "حديث : ‏ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء أن قوموا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني عن سهل بن الحنظلية قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ما جلس قوم مجلساً يذكرون الله عز وجل فيه فيقومون حتى يقال لهم‏:‏ قوموا قد غفرت لكم وبدلت سيئاتكم حسنات‏ ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عبد الله بن مغفل قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله إلا ناداهم مناد من السماء‏:‏ قوموا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات، وما من قوم اجتمعوا في مجلس فتفرقوا ولم يذكروا الله إلا كان ذلك عليهم حسرة يوم القيامة‏ ". تفسير : وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ما عمل آدمي عملاً قط أنجى له من عذاب القبر من ذكر الله‏تفسير : ‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ حديث : ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من تعاطي الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم‏؟ قالوا‏:‏ بلى يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ ذكر الله‏ ". تفسير : وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل ‏"حديث : ‏أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الإِيمان‏؟‏ قال‏:‏ أن تحب لله وتبغض لله، وتعمل لسانك في ذكر الله‏. قال‏:‏ وماذا‏؟‏ قال‏: وأن تحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك، وأن تقول خيراً أو تصمت‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبي برزة الأسلمي قال‏:‏ لو أن رجلاً في حجره دنانير يعطيها وآخر ذاكر الله عز وجل لكان الذاكر أفضل‏.‏ وأخرج عبد الله بن أحمد عن أبي الدرداء قال‏:‏ اذكر الله عند كل حجيرة وشجيرة ومدرة، واذكره في سرائك تذكر في ضرائك‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال‏:‏ إن الذين لا تزال ألسنتهم رطبة بذكر الله تبارك وتعالى يدخل أحدهم الجنة وهو يضحك‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال‏:‏ لأن أكبر مائة تكبيرة أحب إلي من أن أتصدق بمائة دينار‏.‏ وأخرج عبد الله ابنه عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ ما اجتمع ملأ يذكرون الله إلا ذكرهم الله في ملأ أعز منه وأكرم، وما تفرق قوم لم يذكروا الله في مجلسهم إلا كان حسرة عليهم يوم القيامة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال‏:‏ التكبيرة خير من الدنيا وما فيها‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ما عمل ابن آدم عملاً أنجى له من النار من ذكر الله‏. قالوا‏:‏ يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله‏؟‏ قال‏:‏ ولا الجهاد في سبيل الله إلاَّ أن تضرب بسيفك حتى ينقطع، ثم تضرب بسيفك حتى ينقطع، ثم تضرب حتى ينقطع‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل قال‏:‏ لأن أذكر الله من غدوة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أحمل على الجياد في سبيل الله من غدوة حتى تطلع الشمس‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عبادة بن الصامت قال‏:‏ لأن أكون في قوم يذكرون الله من حين يصلون الغداة إلى حين تطلع الشمس أحب إلي من أن أكون على متون الخيل أجاهد في سبيل الله إلى أن تطلع الشمس، ولأن أكون في قوم يذكرون من حين يصلون العصر حتى تغرب الشمس أحب إلي من أن أكون على متون الخيل أجاهد في سبيل الله حتى تغرب الشمس‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان قال‏:‏ إذا كان العبد يحمد الله في السراء ويحمده في الرخاء فأصابه ضر دعا الله قالت الملائكة‏:‏ صوت معروف من امرىء ضعيف فيشفعون له، فإذا كان العبد لا يذكر الله في السراء ولا يحمده في الرخاء فأصابه ضر فدعا الله قالت الملائكة‏:‏ صوت منكر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن جعفر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : أشد الأعمال ثلاثة، ذكر الله على كل حال، والإنصاف من نفسك، والمواساة في المال‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال‏:‏ إن أهل السماء ليرون بيوت أهل الذكر تضيء لهم كما يضيء الكوكب لأهل الأرض‏.‏ وأخرج البزار عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : إن لله سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر، فإذا أتوا عليهم حفوا بهم، ثم بعثوا رائدهم إلى السماء إلى رب العزة تبارك وتعالى فيقولون‏:‏ ربنا أتينا على عباد من عبادك يعظمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويصلون على نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم‏.‏ فيقول تبارك وتعالى‏:‏ غشوهم برحمتي، فهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم‏‏ ". تفسير : وأخرج أحمد عن‏ حديث : ابن عمر قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله ما غنيمة مجالس الذكر‏؟؟‏ قال‏: غنيمة مجالس الذكر الجنة ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبزار وأبو يعلى والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الدعوات ‏"حديث : عن جابر قال ‏خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا أيها الناس إن لله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر، فارتعوا في رياض الجنة‏. قالوا‏:‏ وأين رياض الجنة‏؟‏ قال‏: مجالس الذكر، فاغدوا وروحوا في ذكر الله وذكروه أنفسكم، من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده، فإن الله ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه‏ ". تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وحسنه عن أنس ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا‏.‏ قال‏:‏ وما رياض الجنة‏؟‏ قال‏:‏ حلق الذكر‏‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني "‏حديث : عن عمرو بن عبسة‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين رجال ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغشي بياض وجوههم نظر الناظرين، يغبطهم النبيون والشهداء بمقعدهم وقربهم من الله‏. قيل‏:‏ يا رسول الله من هم‏؟‏ قال‏:‏ هم جماع من نوازع القبائل، يجتمعون على ذكر الله تعالى فينتقون أطايب الكلام كما ينتقي آكل التمر أطايبه‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء قال ‏"‏حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ليبعثن الله أقواماً يوم القيامة في وجوههم النور على منابر اللؤلؤ يغبطهم الناس، ليسوا بأنبياء ولا شهداء‏. فقال أعرابي‏:‏ يا رسول الله صفهم لنا نعرفهم‏؟‏ قال‏:‏ هم المتحابون في الله من قبائل شتى وبلاد شتى، يجتمعون على ذكر الله يذكرونه‏ ". تفسير : وأخرج الخرائطي في الشكر عن خليد العقري قال‏:‏ إن لكل بيت زينة، وزينة المساجد الرجال على ذكر الله‏.‏ وأخرج البيهقي في الدعوات عن أبي هريرة ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم‏:‏ أتحبون أيها الناس أن تجتهدوا في الدعاء‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏: قولوا‏:‏ اللهم اعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك‏ ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن عمرو بن قيس قال‏:‏ أوحى الله إلى داود أنك إن ذكرتني ذكرتك وإن نسيتني تركتك، واحذر أن أجدك على حال لا أنظر إليك فيه‏.‏ وأخرج عبد الله ابنه في زوائده عن معاوية بن قرة عن أبيه أنه قال له‏:‏ يا بني إذا كنت في قوم يذكرون الله فبدت لك حاجة فسلم عليهم حين تقوم، فإنك لا تزال لهم شريكاً ما داموا جلوساً‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جعفر قال‏:‏ ما من شيء أحب إلى الله من الذكر والشكر‏.‏ أما قوله تعالى {‏واشكروا لي ولا تكفرون‏} ‏. أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن المنكدر قال‏:‏ كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك‏ ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن أبي الدنيا والبيهقي عن معاذ قال‏:‏ قال لي النبي صلى الله عليه وسلم‏"حديث : إني أحبك لا تدعن أن تقول في دبر كل صلاة‏:‏ اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك‏ ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي الجلد قال‏:‏ قرأت في مساءلة موسى عليه السلام‏.‏ أنه قال‏:‏ يا رب كيف لي أن أشكرك وأصغر نعمة وأعتها عندي من نعمك لا يجازي بها عملي كله‏؟‏ فأتاه الوحي‏:‏ أن يا موسى الآن شكرتني‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن سليمان التيمي قال‏:‏ إن الله عز وجل أنعم على العباد على قدره، وكلفهم الشكر على قدرهم‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الملك بن مروان قال‏:‏ ما قال عبد كلمة أحب إليه وأبلغ في الشكر عنده من أن يقول‏:‏ الحمد لله الذي أنعم علينا وهدانا للإِسلام‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الأصبغ بن نباتة قال‏:‏ كان علي رضي الله عنه إذا دخل الخلاء قال‏:‏ بسم الله الحافظ من المؤذي، وإذا خرج مسح بيده على بطنه ثم قال‏:‏ يا لها من نعمة لو يعلم العباد شكرها‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال‏:‏ إن الله ليمنع النعمة ما شاء، فإذا لم يشكر قلبها عذابا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا والخرائطي كلاهما في كتاب الشكر والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏ما أنعم الله على عبد من نعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله له شكرها قبل أن يحمده، وما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر له ذلك قبل أن يستغفره، إن الرجل ليشتري الثوب بالدينار فيلبسه فيحمد الله فما يبلغ ركبتيه حتى يغفر له‏‏ ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ من قال حين يصبح‏:‏ الحمد لله على حسن المساء، والحمد لله على حسن المبيت، والحمد لله على حسن الصباح، فقد أدى شكر ليلته ويومه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والبيهقي عن عبد الله‏:‏ أدى شكر ليلته ويومه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والبيهقي عن عبد الله بن سلام قال‏:‏ قال موسى عليه السلام‏:‏ يا رب ما الشكر الذي ينبغي لك‏؟‏ قال‏:‏ لا يزال لسانك رطباً من ذكري‏.‏ قال‏:‏ فإنا نكون من الحال على حال نجلك إن نذكرك عليها، قال‏:‏ ما هي‏؟‏ قال‏:‏ الغائط، واهراق الماء من الجنابة، وعلى غير وضوء‏.‏ قال‏:‏ كلا‏.‏ قال‏:‏ يا رب كيف أقول‏؟‏ قال‏:‏ تقول سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، فجنبني الأذى سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت فقني الأذى‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة، "‏حديث : أن رجلاً كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم عليه، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم يدعو له، فجاء يوماً فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏ كيف أنت يا فلان‏؟ قال‏:‏ بخير إن شكرت‏.‏ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الرجل‏:‏ يا نبي الله كنت تسألني وتدعو لي، وإنك سألتني اليوم فلم تدع لي‏؟‏ قال‏: إني كنت أسألك فتشكر الله، وإني سألتك اليوم فشككت في الشكر‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي قلابة قال: لا تضركم دنيا إذا شكرتموها. وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. أنه كان يقول في دعائه: أسألك تمام النعمة في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى وبعد الرضا. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي حازم، أن رجلاً قال له‏:‏ ما شكر العينين‏؟‏ قال‏:‏ إن رأيت بهما خيراً أعلنته، وإن رأيت بهما شراً سترته‏.‏ قال‏:‏ فما شكر الأذنين‏؟‏ قال‏:‏ إن سمعت خيراً وعيته، وإن سمعت بهما شراً أخفيته‏.‏ قال‏:‏ فما شكر اليدين‏؟‏ قال‏:‏ لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقاً لله عز وجل هو فيهما‏.‏ قال‏:‏ فما شكر البطن‏؟‏ قال‏:‏ أن يكون أسفله طعاماً، وأعلاه علما‏ً.‏ قال‏:‏ فما شكر الفرج‏؟‏ قال‏:‏ كما قال الله عز وجل ‏{أية : ‏إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم‏}‏ تفسير : ‏[‏المؤمنون: 6‏] إلى قوله ‏ {‏فأولئك هم العادون‏} قال‏:‏ فما شكر الرجلين‏؟‏ قال‏:‏ إن رأيت حياً غبطته بهما عملته، وإن رأيت ميتاً مقته كففتهما عن عمله وأنت شاكر لله عز وجل، فاما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه، فلم ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر‏.‏ وأخرج البيهقي في الشعب عن علي بن المديني قال‏:‏ قيل لسفيان بن عيينة‏:‏ ما حد الزهد‏؟‏ قال‏:‏ أن تكون شاكراً في الرخاء صابراً في البلاء، فإذا كان كذلك فهو زاهد‏.‏ قيل لسفيان‏:‏ ما الشكر‏؟‏ قال‏:‏ إن تجتنب ما نهى الله عنه‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عمر بن عبد العزيز قال‏:‏ قيِّدوا نعم الله بالشكر لله عز وجل، وشكر الله ترك المعصية‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن محمد بن لوط الأنصاري قال‏:‏ كان يقال‏:‏ الشكر ترك المعصية‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن مخلد بن حسين قال‏:‏ كان يقال‏:‏ الشكر ترك المعاصي‏.‏ وأخرج البيهقي عن الجنيد قال‏:‏ قال السري يوما‏ً:‏ ما الشكر‏؟‏ فقلت له‏:‏ الشكرعندي أن لا يستعان على المعاصي بشيء من نعمه‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن سفيان بن عيينة قال‏:‏ قيل للزهري ما الزاهد‏؟‏ قال‏:‏ من لم يغلب الحرام صبره، ولم يمنع الحلال شكره‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال‏:‏ الشكر يأخذ بجرم الحمد وأصله وفرعه، فلينظر في نعم من الله في بدنه وسمعه وبصره ويديه ورجليه وغير ذلك، ليس من هذا شيء إلا وفيه نعمة من الله حق على العبد أن يعمل بالنعم اللاتي هي في يديه لله عز وجل في طاعته ونعم أخرى في الرزق، وحق عليه أن يعمل لله فيما أنعم به عليه من الرزق في طاعته، فمن عمل بهذا كان أخذ بجرم الشكر وأصله وفرعه‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عامر قال‏:‏ الشكر نصف الإِيمان، والصبر نصف الإِيمان، واليقين الإِيمان كله‏.‏ وقال البيهقي‏:‏ أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال‏:‏ سئل الأستاذ أبو سهل محمد بن سليمان الصعلوكي عن الشكر والصبر أيهما أفضل‏؟‏ فقال‏:‏ هما في محل الاستواء، فالشكر وظيفة السراء، والصبر فريضة الضراء‏.‏ وأخرج الترمذي وحسنه وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏للطاعم الشاكر من الأجر مثل ما للصائم الصابر ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء قال‏:‏ من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه، فقد قل عمله وحضر عذابه‏.‏ وأخرج البيهقي عن الفضيل بن عياض قال‏:‏ عليكم بالشكر فإنه قل قوم كانت عليهم من الله نعمة فزالت عنهم ثم عادت إليهم‏.‏ وأخرج البيهقي عن عمارة بن حمزة قال‏:‏ إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر‏.‏ وأخرج البيهقي عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : من نظر في الدين إلى من فوقه وفي الدنيا إلى من تحته كتبه الله صابراً شاكراً، ومن نظر في الدين إلى من تحته ونظر في الدنيا إلى من فوقه لم يكتبه الله صابراً ولا شاكراً‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:‏ "حديث : ‏ خصلتان من كانتا فيه كتبه الله صابراً شاكراً، ومن لم يكونا فيه لم يكتبه الله صابراً ولا شاكراً، من نظر في دينه إلى من فوقه فاقتدى به، ومن نظر في دنياه إلى من هو دونه، ونظر إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته لم يكتبه الله شاكراً ولا صابرا‏ً ". تفسير : وأخرج مسلم والبيهقي عن صهيب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : عجباً لأمر المؤمن كله خير إن أصابته سراء فشكر كان خيراً، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا‏‏ً ". تفسير : وأخرج النسائي والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : عجبت للمؤمن أن أعطي قال‏:‏ الحمد لله فشكر، وإن ابتلي قال‏:‏ الحمد لله فصبر، فالمؤمن يؤجر على كل حال، حتى اللقمة يرفعها إلى فيه‏ ". تفسير : وأخرج البيهقي وضعفه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من كانت فيه ثلاث أدخله الله في رحمته، وأراه محبته، وكان في كنفه‏:‏ من إذا أعطي شكر، وإذا قدر غفر، وإذا غضب فتر‏ ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي وضعفه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : ‏‏ثلاث من كن فيه آواه الله في كنفه، وستر عليه برحمته، وأدخله في محبته‏.‏ قيل‏:‏ وما هن يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ من إذا أعطي شكر، وإذا قدر غفر، وإذا غضب فتر‏ ". تفسير : وأخرج أبو داود والنسائي وابن أبي الدنيا في الشكر والفريابي في الذكر والمعمري في عمل اليوم والليلة والطبراني في الدعاء وابن حبان والبيهقي والمستغفري كلاهما في الدعوات عن عبد الله بن غنام قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من قال حين يصبح‏:‏ اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر فقد أدى شكر يومه، ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن السري بن عبد الله أنه كان على الطائف، فأصابهم مطر، فخطب الناس فقال‏:‏ يا أيها الناس احمدوا الله على ما وضع لكم من رزقه، فإنه بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏"حديث : ‏إذا أنعم الله عز وجل على عبده بنعمة فحمده عندها فقد أدّى شكرها‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والخرائطي كلاهما في كتاب الشكر عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏من رأى صاحب بلاء فقال‏:‏ الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني عليك وعلى جميع خلقه تفضيلاً فقد أدى شكر النعمة‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن كعب قال‏:‏ ما أنعم الله عز وجل على عبد نعمة في الدنيا فشكرها لله عز وجل وتواضع بها لله إلا أعطاه نفعها في الدنيا ورفع له بها درجة في الآخرة، وما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فلم يشكرها لله عز وجل ولم يتواضع بها لله إلا منعه الله عز وجل نفعها في الدنيا وفتح له طبقاً من النار، فعذبه إن شاء أو تجاوز عنه‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ ما من عبد يشرب من ماء القراح فيدخل بغير أذى ويجري بغير أذى إلا وجب عليه الشكر‏.‏ وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن أبي الدنيا والحاكم وصححه عن أبي بكرة ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جاءه أمر يسره خرّ ساجداً لله عز وجل شكراً لله‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن عوف ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏ إني لقيت جبريل عليه السلام فبشرني، وقال‏:‏ إن الله يقول لك‏:‏ من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكراً‏ ". تفسير : وأخرج الخرائطي في الشكر عن جابر ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى صاحب بلاء خرّ ساجداً‏"‏‏.‏ وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والخرائطي في الشكر عن شداد بن أوس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكثروا هؤلاء الكلمات‏:‏ اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب‏ ". تفسير : وأخرج الخرائطي عن جابر بن عبد الله ‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ "حديث : ‏أفضل الذكر لا إلا إله إلا الله، وأفضل الشكر الحمد لله‏ ". تفسير : وأخرج الخرائطي والبيهقي في الدعوات عن منصور بن صفية قال‏:‏ "حديث : مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل وهو يقول‏:‏ الحمد لله الذي هداني للإِسلام وجعلني من أمة محمد‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏لقد شكرت عظيماً‏" ". تفسير : وأخرج الخرائطي عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ يا هؤلاء احفظوا اثنتين، شكر النعمة واخلاص الإِيمان‏.‏ وأخرج الخرائطي عن أبي عمر الشيباني قال‏:‏ قال موسى عليه السلام يوم الطور‏:‏ يا رب إن أنا صليت فمن قبلك، وإن أنا تصدقت فمن قبلك، وإن أنا بلغت رسالاتك فمن قبلك، فكيف أشكرك‏؟‏ قال‏:‏ يا موسى الآن شكرتني‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا والخرائطي والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن قرط الأزدي وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ "حديث : إنما تثبت النعمة بشكر المنعم عليه للمنعم‏ ". تفسير : وأخرج الخرائطي عن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب قال‏:‏ أشكر المنعم عليك، فإنه لا نفاد للنعم إذا شكرت، ولا بقاء لها إذا كفرت، والشكر زيادة في النعم، وأمان من الغير‏.‏ وأخرج الخرائطي عن خالد الربعي قال‏:‏ كان يقال‏:‏ إن من أجدر الأعمال أن تعجل عقوبته‏:‏ الأمانة تخان، والرحم يقطع، والإِحسان يكفر‏.‏ وأخرج الخرائطي عن كعب الأحبار قال‏:‏ شر الحديث التجديف قال أبو عبيد‏:‏ قال الأصمعي‏:‏ التجديف هو الكفر بالنعم، وقال الأموي‏:‏ هو استقلال ما أعطاه الله عز وجل‏.‏

ابو السعود

تفسير : {فَٱذْكُرُونِى} الفاءُ للدلالة على ترتب الأمرِ على ما قبله من موجباته أي فاذكروني بالطاعة {أَذْكُرْكُمْ} بالثواب، وهو تحريضٌ على الذكر مع الإشعار بما يوجبُه {وَٱشْكُرُواْ لِي} ما أنعمتُ به عليكم من النعم {وَلاَ تَكْفُرُونِ} بجَحدها وعِصيان ما أمرتُكم به. {يا أيُّهَا ٱلَّذِينَ آمنوا} وصفَهم بالإيمان إثرَ تعدادِ ما يوجبه ويقتضيه تنشيطاً لهم وحثاً على مراعاة ما يعقُبه من الأمر {ٱسْتَعِينُواْ} في كل ما تأتون وما تذرون {بِٱلصَّبْرِ} على الأمور الشاقةِ على النفس التي من جملتها معاداةُ الكَفَرة ومقابلتُهم المؤديةُ إلى مقاتلتهم {وٱلصَّلَوٰةِ} التي هي أمُّ العبادات ومِعراجُ المؤمنين ومناجاةُ ربِّ العالمين {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} تعليل للأمر بالاستعانة بالصبر خاصة لما أنه المحتاجُ إلى التعليل، وأما الصلاةُ فحيث كانت عند المؤمنين أجلَّ المطالب كما يُنبىء عنه قولُه عليه الصلاة والسلام: «حديث : وجُعلت قُرةُ عيني في الصلاة»تفسير : لم يفتقر الأمرُ بالاستعانة بها إلى التعليل، ومعنى المعية الولايةُ الدائمةُ المستتبِعة للنُصرة وإجابةِ الدعوة، ودخول مع على الصابرين لما أنهم المباشِرون للصبر حقيقةً فهم متبوعون من تلك الحيثية {وَلاَ تَقُولُواْ} عطف على استعينوا الخ مَسوقٌ لبـيان أنْ لا غايةَ للمأمور به وإنما الشهادةُ التي ربما يؤدي إليها الصبرُ حياةٌ أبدية {لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ} أي هم أموات {بَلْ أَحْيَاء} أي بل هم أحياءٌ {وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} بحياتهم وفية رمزٌ إلى أنها ليست مما يُشعِر به بالمشاعر الظاهرةِ من الحياة الجُسمانية وإنما هي أمرٌ روحاني لا يُدرَكُ بالعقل بل بالوحي، وعن الحسن رحمه الله أن الشهداءَ أحياءٌ عند الله تُعرَضُ أرزاقُهم على أرواحِهم فيصلُ إليهم الرَّوْحُ والفَرَحُ، كما تُعرض النارُ على آل فِرعونَ غدُوّاً وعشياً فيصلُ إليهم الألمُ والوجَع. قلت: رأيت في المنام سنة تسعٍ وثلاثين وتسعمائة أني أزور قبورَ شهداءِ أُحدٍ رضي الله تعالى عنهم أجمعين وأنا أتلو هذه الآيةَ وما في سورة آلِ عمرانَ وأردّدهما متفكراً في أمرهم وفي نفسي أن حياتَهم روحانية لا جثمانية، فبـينما أنا على ذلك إذ رأيتُ شاباً منهم قاعداً في قبره تامَّ الجسدِ كامِلَ الخِلْقة في أحسن ما يكونُ من الهيئة والمنظر، ليس عليه شيءٌ من اللباس قد بدا منه ما فوق السُرةِ والباقي في القبر خلا أني أعلم يقيناً أن ذلك أيضاً كما ظهر وإنما لا يظهر لكونه عورةً فنظرت إلى وجهه فرأيته ينظُر إلي متبسّماً كأنه ينبِّهُني على أن الأمر بخلاف رأيـي فسُبحان من عَلَتْ كلمتُه وجلّت حِكمتُه. وقيل: الآية نزلت في شهداءِ بدرٍ وكانوا أربعةَ عشرَ، وفيها دلالة على أن الأرواحَ جواهرُ قائمةٌ بأنفسها مغايرةٌ لما يُحَسُّ به من البدن تبقىٰ بعد الموت دراكة، وعليه جمهورُ الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وبه نطقت السنن، وعلى هذا فتخصيصُ الشهداء بذلك لما يستدعيه مقامُ التحريض على مباشرة مباديَ الشهادةِ ولاختصاصهم بمزيد القُرب من الله عز وعلا.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ}. قال الواسطى: حقيقة الذكر فى الإعراض عن الذكر ونسيانه والقيام بالمذكور. وقال بعض العراقيين فى قوله: {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} قال: لك نسيبة من الحق يتحمل بها الموارد وهو ذكره إياك، فلولا ذكره إياك ما ذكرته. وقيل: اذكرونى بجهدكم وطاقتكم لأقرن ذكركم بذكرى فيتحقق لكم الذكر. قال سمنون: حقيقة الذكر أن ينسى كل شىء سوى مذكوره، لاستغراقه فيه فيكون أوقاته كلها ذكرًا وأنشد: شعر : لا لأنِّى أنساك أكثر ذكراك ولكنى بذاك يجرى لسانى تفسير : وقال بعض البغداديين: الذكر عقوبة لأنه طرد الغفلة ولو لم يكن غفلة فلا معنى للذكر. وقال بعض المتأخرين من أهل خراسان: كيف يذكر الحق بعقول مصنوعة وأوهام مطبوعة؟ وكيف يذكر بالزمان من كان قبل الزمان على ما هو به؟ إذ الحق سبق كُلَّ مذكور. وقيل: اذكرونى على الدوام لتطمئن قلوبكم بى، لأنه يقول: { أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } تفسير : [الرعد: 28]. وقال بعضهم: أتم الذكر أن تشهد ذكرُ المذكور لك بدوام ذكرك له، قال الله جل من قائل: {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ}.

القشيري

تفسير : الذكر استغراق الذاكر في شهود المذكور، ثم استهلاكه في وجود المذكور، حتى لا يبقى منك أثر يذكر، فيقال قد كان مرةً فلان. {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} أي كونوا مستهلكين في وجودنا، نذكركم بعد فنائكم عنكم، قال الله تعالى: {أية : إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} تفسير : [الذاريات: 16] كانوا وقتاً ولكنهم بانوا دائماً: شعر : أناس حديث حسن فكن حديثاً حسناً لمن وعنى تفسير : وطريقة أهل العبارة {فَٱذْكُرُونِيۤ} بالموافقات {أَذْكُرْكُمْ} بالكرامات، وطريقة أهل الإشارة {فَٱذْكُرُونِيۤ} بِتَرْكِ كل حظ {أَذْكُرْكُمْ} بأن أقيمكم بحقي بعد فنائكم عنكم. {فَٱذْكُرُونِيۤ} مكتفين بي عن عطائي وأفضالي {أَذْكُرْكُمْ} راضياً بكم دون أفعالكم. {فَٱذْكُرُونِيۤ} بذكري لكم ما تذكرون، ولولا سابِقُ ذكري لما كان لاحِقُ ذكركم. {فَٱذْكُرُونِيۤ} بقطع العلائق {أَذْكُرْكُمْ} بنعوت الحقائق. ويقال اذكرني لكل مَنْ لَقِيتَه أذكرك لمن خاطَبتُه، "حديث : فمن ذكرني في مَلأٍ ذكرته في ملأ خيرٍ منهم ". تفسير : ويقال {وَٱشْكُرُواْ لِي} على عظيم المِنَّةِ عليكم بأن قُلْتُ: {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ}. ويقال الشكر من قبيل الذكر، وقوله: {وَلاَ تَكْفُرُونِ} النهي عن الكفران أمرٌ بالشكر، والشكر ذكر، فكرر عليك الأمر بالذكر، والثلاث أول حدِّ الكثرة، والأمر بالذكر الكثير أمر بالمحبة لأنَّ في الخبر: "من أحب شيئاً أكثر ذكره" فهذا - في الحقيقة - أمرٌ بالمحبة أي أحْبِبْني أحبك؛ {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} أي أحبوني أحببكم. ويقال: {فَٱذْكُرُونِيۤ} بالتذلل {أَذْكُرْكُمْ} بالتفضُّل. {فَٱذْكُرُونِيۤ} بالانكسار {أَذْكُرْكُمْ} بالمبار. {فَٱذْكُرُونِيۤ} باللسان {أَذْكُرْكُمْ} بالجِنان. {فَٱذْكُرُونِيۤ} بقلوبكم {أَذْكُرْكُمْ} بتحقيق مطلوبكم. {فَٱذْكُرُونِيۤ} على الباب من حيث الخدمة {أَذْكُرْكُمْ} بالإيجاب على بساط القربة بإكمال النعمة. {فَٱذْكُرُونِيۤ} بتصفية السِّر {أَذْكُرْكُمْ} بتوفية البِّر. {فَٱذْكُرُونِيۤ} بالجهد والعناء {أَذْكُرْكُمْ} بالجود والعطاء. {فَٱذْكُرُونِيۤ} بوصف السلامة {أَذْكُرْكُمْ} يومَ القيامة يومَ لا تنفع الندامة. {فَٱذْكُرُونِيۤ} بالرهبة {أَذْكُرْكُمْ} بتحقيق الرغبة.

البقلي

تفسير : اى فاذكرونى بلسان الاسرار ذكركم بكشف الانوار واشكروا بخالص العبوديّة ولا تكفرو في بدراك المعرفة وايضاً فاذكرونى بالاعراض عن الكون اذكركم بارتفاع ----- ببذل الاشباح ولا تكفرو في بتعذيب الارواح وايضاً فاذكرونى في زمان الغفلة اذكركم فانزال الروح وشكروا بقصد القربة ولا تكفونى بمساوى البشرية وايضاً فاذكرونى برؤية ذكرى لكم في الازلة قبل ذكركم لى ذكر نفسى لكم كما ينبغى لى لانكم لا تطيعون ان تذكرونى بحقيقة الذات والصفات وكيف يذكر الحدث صفات القدم والالسنة عن وصف ثنائه خرسة والعيون عن ادراك جماله منظمسة والاسرار عن البلوغ الى كنه عظمته فانية واشكر والى بتعريف العجز عن اداء الشكر ولا تكفرونى برؤية ذكركم لى لان ذكركم لى واجبٌ خفى كمفركم وقال الواسطىُّ حقيقة الذكر الاعراض عن الذكر ونساينه والقيام بالمذكور وقال بعض العراقين في قوله فاذكرونى اذكركم قال سريع الحق يحتمل به الموارد وهو ذكره اياك ولولا ذكره ايك ما ذكرته وقيل اذكرونى يجهدكم وطاقتكم لاقرن ذكركم بذكرى فيتحقق لكم الذكر يسمّون حقيقة الذكران ينسى كل شئ سوى مذكوره لاستغراقه فيه فتكون اوقاته كلها ذكروا نشده لالانى انساك اكثر ذاك ولكن بذاك يجرى لسانى وقال بعض البغديين الذكر عقوبة لانه طرد الغفلة وما لم تكن غفلة فما معنى الذكر وقال بعض المتاخرين من اهل خراسان كيف يذكر احق بعقول مصنوعة اوهام مطبوعة وكيف يذكر بالزمان من كان قبل الزمان على ما هو به اذا لحق سبق كل مذكور وقيل فاذكرونى على الدوام يطمئن قلوبكم لانه يذكر الله تظمئن القلوب وقال بعضهم اتم الذكران تشهد ذكر المكور لك بدوام ذكرك قال الله تعالى فاذكرونى ذكركم قال ابن عطاء اذكرونى من حيث انا اذكركم من حيث انا ولا تذكرونى من حيث انتم فتقطع دونى ذكركم وقال بعضهم اذكرونى بتوحيد اذكركم بلقائى واذكرونى بطاعتى اذكركم بالدرجات واذكرونى بالتوبة اذكرككم بالمحبة واذكرونى بالنعمة اذكركم بالمزيد عندكم اذكرونى في فاراحكم اذكركم في همومكم وقال بعض ان الذاكرين على مراتب قوم ذكروا الله بالنسة ناطقة وقولب عارفة حتى وجدوا حلاوة الذكر وقوم ذكروا الله بافعال مخلصة وطاعات مرضية حتى نسوا انفهسم لوصولهم الى ما طارت اليه قلوبهم وقوم ذكروا الله بحالاتهم حتى وقفوا في بحار اليحاء لانهم نظروا الى ذكر الملى اياهم في الازل وبقاء ذكره عليهم الى الابد فوجدوا ذكرهم بين ذكرين عظمتين فذا ابو حياء فصار الذكر عندهم هباء.

اسماعيل حقي

تفسير : {فاذكرونى} بالطاعة لقوله عليه السلام "حديث : من اطاع الله فقد ذكر الله وان قلت صلاته وصيامه وقراءته القرآن ومن عصى الله فقد نسى الله وان كثرت صلاته وقراءته القرآن" تفسير : {أَذكركم} بالثواب واللطف والاحسان وافاضة الخير وفتح ابواب السعادات واطلق على هذا المعنى الذكر الذى هو ادراك مسبوق بالنسيان والله تعالى منزه عن النسيان بطريق المجاز والمشاكلة لوقوعه فى صحبة ذكر العبد {واشكروا لى} على ما انعمت عليكم من النعم والذكر بالطاعة هو الشكر فقوله واشكروا لى امر بتخصيص شكرهم به تعالى لاجل افضاله وانعامه عليهم وان لا يشكروا غيره. وجعل صاحب التيسير قوله تعالى فاذكرونى امرا بالقول وقوله واشكروا لى امرا بالعمل. قال الراغب ان قيل ما الفرق بين شكرت لزيد وشكرت زيدا قيل شكرت له هو ان تعتبر احسانه الصادر عنه فتثنى عليه بذلك وشكرته اذا لم تلتفت الى فعله بل تجاوزت الى ذكر ذاته دون اعتبار احواله وافعاله فهو ابلغ من شكرت له وانما قال واشكروا لى ولم يقل واشكرونى علما بقصورهم عن ادراكه بل عن ادراك آلائه كما قال تعالى {أية : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} تفسير : [النحل: 18]. فأمرهم ان يعتبروا بعض افعاله فى الشكر لله {ولا تكفرون} بجحد النعم وعصيان الامر. فان قيل لم قال بعد واشكروا لى ولا تكفرون ولم يقتصر على قوله واشكروا لى قلنا لو اقتصر على قوله واشكروا لى لكان يجوز ان يتوهم ان من شكره مرة او على نعمة ما فقد امتثل ولو اقتصر على قوله ولا تكفرون لكان يجوز ان يتوهم ان ذلك نهى عن تعاطى فعل قبيح دون حث على الفعل الجميل فجمع بينهما لازالة هذا التوهم ولان فى قوله ولا تكفرون تنبيها على ان ترك الشكر كفران. فان قيل لم قال ولا تكفرون ولم يقل ولا تكفروا لى قيل خص الكفر به تعالى بالنهى عنه للتنبيه على انه اعظم قباحة بالنسبة الى كفر نعمه فان كفران النعم قد يعفى عنه بخلاف الكفر به تعالى كذا فى تفسير الراغب الاصفهانى. قال بعض العلماء لما خص الله هذه الامة بفضل قوة وكمال بصيرة بالنسبة الى بنى اسرائيل قال لهم {أية : يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم} تفسير : [البقرة: 47]. فامرهم بذكر نعمه المنسية المغفول عنها لينظروا منها الى المنعم وقال لهذه الامة {فاذكرونى} فامرهم ان يذكروه بلا واسطة لقوة بصيرتهم: قال الصائب شعر : درسر هر خام طينت نشئهء نيست هر سفالى را صداى كاسهء فغفور نيست تفسير : قال الامام الغزالى الذكر قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب وقد يكون بالجوارح فذكرهم اياه باللسان ان يحمدوه ويسبحوه ويمجدوه ويقرأوا كتابه وذكرهم اياه بقلوبهم على ثلاثة انواع. احدها ان يتفكروا فى الدلائل الدالة على ذاته وصفاته ويتفكروا فى الجواب عن الشبه العارضة فى ملك الله. وثانيها ان يتفكروا فى الدلائل الدالة على كيفية تكاليفه واحكامه واوامره ونواهيه ووعده ووعيده فاذا عرفوا كيفية التكليف وعرفوا ما فى الفعل من الوعد وفى الترك من الوعيد سهل عليهم الفعل. وثالثها ان يتفكروا فى اسرار مخلوقات الله تعالى حتى يصير كل ذرة من ذرات المخلوقات كالمرآة المجلوة المحاذية لعالم القدس فاذا نظر العبد اليها انعكس شعاع بصره منها الى عالم الجلال وهذا المقام مقام لا نهاية له. واما ذكرهم اياه تعالى بجوارحهم فهو ان تكون جوارحهم مستغرقة فى الاعمال التى امروا بها وخالية عن الاعمال التى نهوا عنها وعلى هذا الوجه سمى الله تعالى الصلاة ذكرا بقوله {أية : فاسعوا إلى ذكر الله} تفسير : [الجمعة: 9]. فصار الامر بقوله {اذكرونى} متضمنا لجميع الطاعات ولهذا ذكر عن سعيد بن جبير انه قال اذكرونى بطاعتى فاجمله حتى يدخل فيه جميع انواع الذكر واقسامه انتهى كلام الامام. قال لقمان لابنه يا بنى اذا رأيت قوما يذكرون الله تعالى فاجلس معهم فانك ان تك عالما ينفعك علمك وان تك جاهلا علموك ولعل الله يطلع عليهم برحمته فيصيبك معهم واذا رأيت قوما لا يذكرون فلا تجلس معهم فانك ان تك عالما لا ينفعك علمك وان تك جاهلا يزيدوك جهلا او غيا ولعل الله يطلع عليهم بسخطه فيصيبك معهم الله اجعلنا من الذاكرين.

الطوسي

تفسير : المعنى: الذّكر المأمور به في الآية، والموعد به، قيل فيه أربعة أقوال: احدهما - قال سعيد بن جبير "اذكروني" بطاعتي "أذكركم" برحمتي. الثاني - "اذكروني" بالشكر "أذكركم" بالثواب. الثالث - "أذكروني" بالدعاء "أذكركم" بالاجابة. الرابع - "اذكروني" بالثناء بالنعمة "أذكركم" بالثناء بالطاعة. اللغة: والذّكر: حضور المعنى للنفس، فقد يكون بالقلب، وقد يكون بالقول، وكلاهما يحضر به المعنى للنفس، وفي اكثر الاستعمال يقال: الذكر بعد النسيان، وليس ذلك بموجب إلا ان يكون إلا بعد نسيان، لان كل من حضره المعنى بالقول أو العقد أو الحضور بالبال: ذاكر له. واصله التنبيه على الشئ. فمن ذكّر ناسياً، فقد نبّهه عليه. وإذا ذكّرناه نحن فقد نبّهنا عليه. والذكر نقيض الانثى {أية : وإنه لذكر لك} تفسير : أي شرف لك من النباهة والجلالة. والفرق بين الذكر، والخاطر. أن الخاطر: مرور المعنى بالقلب، والذكر قد يكون ثابتاً في القلب. وقد يكون بالقول. الاعراب: وقوله تعالى: {واشكروا لي} معناه اشكروا لي نعمتي فحذف، لان حقيقة الشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم. وقوله: {ولا تكفرون} فيه حذف، وتقديره: ولا تكفروا نعمتي، لان الكفر هو ستر النعمة وجحدها. لا ستر المنعم. وقولهم حمدت زيداً، وذممت عمراً، فلا حذف فيه وإن كنت انما تحمد من اجل الفعل الحسن، وتذم من اجل الفعل القبيح. كما أنه ليس في قولك: زيد متحرك حذف، وإن كان إنما تحرك من أجل الحركة. وليس كل كلام دال على معني غير مذكور يكون فيه حذف، لأن قولك زيد ضارب دالّ على مضروب، وليس بمحذوف، وكذلك زيد قاتل دال على مقتول، وليس بمحذوف، فالحمد للشيء دلالة على انه محسن، والذم له دلالة على انه مسيء كقولك: نعم الرجل زيد، وبئس الرجل عمرو، وكذلك قولك: زيد المحسن، وعمرو المسيء، ليس فيه محذوف ويقال: شكرتك، وشكرت لك، وإنما قيل شكرتك، لانه أوقع اسم المنعم موقع النعمة، فعدى الفعل بغير واسطة والاجود: شكرت لك النعمة، لانه الاصل في الكلام، والاكثر في الاستعمال. قال الشاعر: شعر : همُ جمعوا بؤسى ونعمى عليكم فهلاّ شكرت القوم إذ لم تقاتل تفسير : ومثل ذلك نصحتك، ونصحت لك، وإنما حذف (الياء) في الفواصل؛ لانها في نية الوقف، فلذلك قال {ولا تكفرون} بغير (ياء) وهي في ذلك كالقوافي التي يوقف عليها بغير ياء كقول الاعشى: شعر : ومن شانيءٍ كاشف وجهه إذا ما انتسبت له أنكرن تفسير : يعني أنكرني فحذف الياء.

الجنابذي

تفسير : تحقيق الذّكر ومراتبه وفضائله {فَٱذْكُرُونِيۤ} باللّسان جهراً ودون الجهر وبالجنان سرّاً وعند الفعال بتذكّر الامر والنّهى وعند النّعم بالشكر {أَذْكُرْكُمْ} الذّكر بالكسر حفظ الشّيء فى الخاطر ويستعمل فى اجرائه على اللّسان وفى الصّيت والشّرف وقوله {وانّه لذكرٌ لك ولقومك} يحتملهما واطلاقه على المعانى الثّلاثة بمناسبة التذكار فى الخاطر، والآيات والاخبار الدّالّة على فضيلة ذكر الله كثيرة وكفى فى فضله هذه الآية الدّالّة على ايراث ذكر العبد لله ذكر الله له؛ ولا شرف أشرف منه، وما ورد فى عدّة اخبار قدسيّة من قوله تعالى: "حديث : انا جليس من ذكرنى"تفسير : ؛ يدلّ على أنّه لا شرف أشرف منه وروى عن الصّادق (ع) انّه قال: من كان ذاكراً لله على الحقيقة فهو مطيع، ومن كان غافلاً عنه فهو عاصٍ، والطّاعة علامة الهداية والمعصية علامة الضّلالة، وأصلهما من الذّكر والغفلة، وهذا الخبر يدلّ على انّ الطّاعات بذكر الله طاعاتٌ واذا كانت خالية عن ذكر الله بان كان العابد غافلاً عن الله حين العبادة كانت معصية، وروى عن الباقر (ع) انّه قال: لا يزال المؤمن فى صلاة ما كان فى ذكر الله قائماً كان او جالساً او مضطجعا؛ انّ الله سبحانه يقول: {أية : ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} تفسير : [آل عمران:191]، وهذا يدلّ على انّ ذكر الله هو الصّلاة او هو حقيقة الصّلاة وروحها، والصّلاة قالبه ولذا كانت أكبر من الصّلاة، والآيات الدّالّة على النّهى عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه والامر بالأكل او اباحة الأكل ممّا ذكر اسم الله عليه اذا عمّم الأكل والآكل والمأكول تدلّ على انّ ذكر الله هو المحلّل والمبيح للاشياء والافعال وبدونه لا يحلّ شيء منهما فذكر الله حقيقة الطاعات وغايتها ومصحّح العبادات ومحلّل الاشياء ومبيح الافعال، وغاية الذّكر ظهور المذكور فى ملك الذّاكر وفناء الّذاكر بحيث لا يبقى منه ذات وأثر وذكر ويبقى المذكور في ملك الّذاكر قائلاً: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ}تفسير : [غافر: 16]؟ - مجيباً: {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}. وللذّكر بحسب القرب والبعد من تلك الغاية مراتب وامّهاتها اربع ولكلّ منها مراتب ودرجات: واولى المراتب الاربع الذّكر اللّسانىّ وهو اجراء المذكور باسمائه وأوصافه على اللّسان ومراتب هذا الذّكر اذا لم يكن غلافاً للشّيطان بحسب غفلة الذّاكر عن المذكور وتذكّره له بدرجات التّذكّر وحضور المذكور فى قلب الذّاكر وحضور الذّاكر عند المذكور باستيلاء المذكور عليه بحيث يكون المذكور اصلاً والذّاكر تابعاً، وبحسب اتّحاده مع المذكور وفنائه التّامّ فيه وبقاء المذكور وحده وبقاء الذّاكر بعد الفناء ببقاء المذكور، وكذا بحسب اقترانه بالذّكر القلبىّ كثيرة، ودرجات كلّ مرتبة منها ايضاً كثيرة. وثانيتها الذّكر القلبىّ الّذى هو مصطلح الصوفيّة ويسمّونه بالذّكر الخفىّ ويسمّون الذّكر اللّسانىّ بالذّكر الجلىّ وله أيضاً مراتب ودرجات بحسب اقترانه بالذكر اللّسانىّ وعدمه، وتذكّر الذّاكر للمذكور وعدمه، وبحسب الحضور والاتّحاد والفناء فى المذكور والبقاء بعد الفناء وعدمه. وثالثتها الذّكر النّفسىّ وهو تذكّر المذكور فى النّفي وهو ايضاً له مراتب ودرجات بحسب الاقترانات المذكورة وعدمها. ورابعتها تذكّر المذكور عند كلّ فعلٍ ونعمةٍ بتذكّر أمره ونهيه وشكره وله ايضاً مراتب ودرجات. والذكر اللّسانىّ والقلبىّ لمّا كانا من العبادات والعبادات لا بدّ من أخذها من صاحب الاجازة الشّرعية اذا لم يكن العابد مجازاً والاّ لم تكن مقبولة وافقت ام خالفت كما تقرّر فى الفقه اذا لم يؤخذا من صاحب الاجازة لم يكن لهما اثر بل نقول: انّ الشّيطان قد يترصّد العابد والذّاكر الغير الآخذ من صاحب الاجازة فيخلى الاسماء الالهيّة الجارية على لسانه من معناها ويجعل نفسه فيها فيصير الذّاكر ذاكراً للشّيطان وهو يحسب أنّه ذاكر لله ويلوى لسانه بألفاظٍ يظنّها اسماءً لله وما هى بأسماءٍ لله بل هى أسماءٌ للشّيطان فيطرد بالذّكر من باب الرّحمن وهو يحسب انّه يحسن صنعاً، فالّذى ينبغى للعابد الاهتمام بتصحيح تقليده اوّلاً ثمّ الاقبال على العبادة به وامّا الاحتياط فشروط صحّة العمل به كثيرة، وسببيّة ذكر العبد لله لذكر الله للعبد كما يستفاد من الآية ومن الاخبار القدسيّة وغيرها مع أنّه ما لم يذكر الله العبد لا يذكر العبد الله انّما هى باعتبار مرتبةٍ من ذكر الله للعبد نظير ما مضى فى توّابيَّته تعالى فانّ ذكره تعالى للعبد بالتّوفيق سببٌ لذكر العبد لله، وذكر العبد لله سببٌ لذكر الله له بالجزاء، وذكر الله له بالجزاء سبب لاشتداد ذكره لله، واشتداد ذكره لله سبب لذكرٍ آخر من الله، وهكذا، وذكر العبد لله قائم بذكر الله للعبد فهو ذكرٌ من الله للعبد لكن فى مقام العبد وقد ذكر فى الاخبار وفى كلمات الابرار تفاضل فى الاذكار الخفيّة والجليّة فليعلم انّ التفاضل قد يعتبر بحسب اضافة الاذكار الى الاشخاص المختلفة والاحوال المختلفة لشخصٍ واحدٍ، وقد يعتبر بينها بحسب اعتبارها فى أنفسها فقد يكون الذّكر الفاضل فى نفسه غير فاضل بالنّسبة الى شخصٍ ولمّا كان بناء الدّين وبناء السّلوك على التّبرّى والتولّى كان الذّكر المشتمل على النّفى والاثبات أفضل من غيره فى نفسه، وأفضل الاذكار المشتملة على النّفى والايجاب: لا اله الاّ الله؛ فانّه جامع للنّفى والاثبات وحافظ لجميع مراتب الوجود مع نفى الاستقلال عنها واثباتٌ للواحد الاحد بجميع صفاته وليس هذا الاّ شأن النّبىّ الّذى هو خاتم الكلّ كما قال (ص): "حديث : اوتيت جوامع الكلم"تفسير : ؛ ونقل انّ لا اله الاّ الله خاصّة بهذه الامّة { وَٱشْكُرُواْ لِي} الشّكر ملاحظة انعام المنعم فى النّعمة وملاحظة حقّ المنعم فى الانعام، ولذا فسّر بتعظيم المنعم لاجل الانعام ويلزم ملاحظة حقّ المنعم فى الانعام وفى النّعمة صرف النّعمة لما أنعمها لاجله، ولهذا قد يفسّر بصرف النّعمة فيما خلقت لأجله {وَلاَ تَكْفُرُونِ} المراد بالكفر هاهنا كفر النّعم وهو ستر الانعام وحقّ المنعم فى النّعمة، وايراث الشّكر ازدياد النّعم وايجاب الكفر زوالها ممّا كثرت به الآيات والاخبار والحكايات والامثال فليداوم العاقل الشّكر وليحذر الكفران.

اطفيش

تفسير : {فاذكروني}: وفتح ابن كثير الياء. {أذْكُرْكم}: اذكرونى بقلوبكم وألسنتكم أذكركم بما تحبون من ثناء وإنعام ودفع بلاء دنيا وأخرى، فذكر الله جل وعلا باللسان قراءة القرآن، والتسبيح والتهليل والتكبير ونحو ذلك من كلام العبادة المشتملة على ذكره بأى اسم من أسمائه، والذكر بالقلب أن يواطئ القلب اللسان عند الذكر باللسان، وأن يذكر الله فى قلبه ولو سكت لسانه، ويجل الله ويهابُه ويتفكر فى صنائعه، ويحضر ذكره فى قلبه أو فى قلبهِ ولسانهِ معاً عند إرادة المعصية، فيتركها تعظيما له تعالى، وخوفاً من عقابه وسخطه، وعند الطاعة فيرغب فيها، هذا تفسير الآية عندى، ودخل فى ذلك ذكره بالجارحة، فإنهُ إذا كان فى عمل عبادة أو مباح نوى بهِ ثواباً فقد ذكره فى قلبه ولا سيما الصلاة والحج لاشتمالهما على الذكر باللسان، وقيل اذكرونى باللسان والقلب، أذكركم بالثواب والرضا عنكم. وعن ابن عباس: اذكرونى بطاعتى أذكركم بمعونتى وقيل اذكرونى فى النعمة والرخاء، أى بالدعاء وأداء الفرائض واجتناب النهى، أذكركم فى الشدة والبلاء، أى بإجابة دعائكم عندهما، وإزالتهما أو تخفيفهما، وقالت الصوفية اذكرونى بالتوحيد والإيمان، أذكركم بالجنان والرضوان، وقيل اذكرونى بالإخلاص أذكركم بالخلاص، واذكرونى بالقلوب أذكركم بغفران الذنوب، واذكرونى بالدعاء أذكركم بالعطاء، ومعنى ذكر الله عبده هنا مجازاته على ذكره إياه أو الإيحاء إلى الملائكة بأن عبدى فلان كريم حسن أنا عنه راض، أو خلفه ذكره بالخير بين الملائكة والمؤمنين، فيكون مذكوراً عند الملائكة ومحبوبا عندهم وعند غيرهم، روى البخارى ومسلم عن أبى هريرة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدى بى، وأنا معه إذا ذكرنى، فإن ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى، وإن ذكرنى فى ملأ، ذكرته فى ملأ خير منهم، وإن تقرب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلى ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتانى يمشى أتيته هرولة" تفسير : وفى رواية "حديث : أنا عند ظن عبدى فليظن بى ما شاء" تفسير : وفى رواية "حديث : ذكرته فى ملأ خير من ملئه" تفسير : ومعنى قوله: "أنا عند ظن عبدى بى"، وفى رواية إسقاط بى أنى عنده بالغفران إذا استغفر، وبالقبول والإجابة إذا دعى، وبالكفاية إذا طلب الكفاية، وقيل معناه تحقيق الرجاء وتأميل العفو، وصحح هذا ذكره الخازنى وبعض شراح البخارى، وذكرت فى الشامل غير ذلك، ومعنى: "أنه معا إذا ذكرنى" أنى معه بالتوفيق والرحمة، ومعنى: "ذكرنى فى نفسه" ذكرنى خاليا ومعنى: "ذكرته فى نفسى" رحمته أو جازيته أو خلفت كلاما فى الثناء عليهِ بلا إعلام لملائكتى، ومعنى: "ذكرنى فى ملأ" ذكرنى فى جماعة مطلقا، أو فى جماعة تملأ العيون بشرفها، ومعنى: "ذكرته فى ملأ كذلك" لكنهم ملائكة وملأ الذاكر بشر، وهذا يدل على أن الملائكة أفضل من الناس بقوله: "خير منه" ولا دليل فيه على أنه أفضل من الأنبياء، لأن الذكر غالبا فى جماعة لا نبى فيها لقلة الأنبياء فى النسبة إلى الناس لكثرة الغيبة عن الأنبياء فى حياتهم، وظاهر الحديث تفضيل الذكر فى الجماعة على الذكر فى الخلوة، وهو كذلك لكونه ذكر الله فى الجماعة ليذكرهم أو يأمرهم وينهاهم، أو ليذكروا أو ليعظم الله فيعظموه أما إذا ذكره رياءً أو مهملا فليس بذكر، وإن ذكره احتسابا لا مهملا لكن بلا نية تذكير لهم أو أمر لهم أو نهى لهم، وبلا نية أن يذكروه أو يعظموه، فإنما يذكره فى الملائكة ليكون جزاء وفاقاً لكن ثوابه حينئذ أعظم، ومعنى: "إن تقرب إلى شبراً.. إلخ" الكناية من أن الله يعطى العبد أكثر مما عمل، وكنى بالقرب الحسى تأكيدا وإدخالا فى القلب، وإلا فالله منزه عن الحلول والجهات والقرب والبعد الحقيقين الذين بالمماسات والانفصال، وقال سعيد بن جبير: معنى الآية اذكرونى بالطاعة أذكركم بالثواب. وقال الداؤودى عنهُ: اذكرونى بالطاعة أذكركم بمغفرتى، وروى عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أطاع الله فقد ذكر الله وإن قلت صلاتهُ وصيامه وتلاوته القرآن. ومن عصى الله فقد نسى الله وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاتهُ القرآن" تفسير : وعن أبى هريرة عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله عز وجل: أنا مع عبدى ما ذكرنى وتحركت بى شفتاه" تفسير : أى ما دام يذكرنى وتتحرك بى شفتاه رواه البخارى ومسلم، ورويا أيضاً عن أبى موسى الأشعرى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل الذى يذكر ربه والذى لا يذكر كمثل الحى والميت". تفسير : وروى مسلم عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سبق المفردون قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات" تفسير : أى الذين اعتزلوا عن الناس فأكثروا الذكر أو الذين ذهب القرن الذى كانوا فيه وبقوا فيه وهم يذكرون الله تعالى. وروى ابن المبارك فى رقائقه بسنده عن أنس بن مالك: "حديث : ما من بقعة يذكر الله عليها بصلاة أو بذكر إلا افتخرت على ما حولها من البقاع واستبشرت بذكر الله إلى منتهاها من سبع أرضين، وما من عبد يقوم يصلى إلا تزخرفت له الأرض" تفسير : قال ابن المبارك: أخبرنا المسعودى عن عون ابن عبدالله: الذاكر فى الغافلين كالمقاتل خلف الفارين. {واشْكُروا لى}: ما أنعمت به عليكم بأن تعبدونى ولا تخالفونى، وروى الحاكم فى المستدرك عن جابر بن عبدالله، عن رسول الله صلى الله عليهِ وسلم: "حديث : وما أنعم الله على عبد من نعمة فقال الحمد لله إلا قد أدى شكرها وإن قالها الثانية جدد له ثوابها فإن قالها الثالثة غفر الله ذنوبه " تفسير : {ولا تكْفُرونِ}: لا تقابلوا نعمى بالمعصية، فإن الإنسان إذا عصى صار كأنه لا نعمة عليه من الله، لأنه إنما يستحق المعصية عقلا من لم ينعم عليك، فإذا عصيت من أنعم عليك فقد جحدت نعمته وسترتها، إذ صرت كأنه لم ينعم عليك حيث فعلت فى حقه ما تفعل مع من لم ينعم عليك، فمعنى الكفر اللغوى ملاحظ هنا وهو الستر، والآية نص فى أن فاعل الكبيرة يسمى كافراً، ولو كانت دون الشرك، لأن المراد هنا دون ما دون الشرك من الكبائر، أو الشرك وما دونه لا الشرك وحده.

اطفيش

تفسير : {فَاذْكُرُونِي} بالطاغة باللسان، وبالتفكر فى الدلائل والوحدانية، وبالجوارح فى أنواع العبادات، ولكون الصلاة جامعة لذلك سماها ذكراً فى قوله عز وجل"أية : فاسعوا إلى ذكر الله" تفسير : [الجمعة: 9] وحقيقة ذكر الله أن ينسى كل شىء سواه {أَذْكُرْكُمْ} بالثواب أو بالثناء عند ملأ خير من لأ ذكرتمونى عنده، وهم الملائكة، كما فى الحديث، عطف إنشاء على إخبار، أو مهما يك من شىء فاذكرونى أذكركم، أو إن لم تذكرونى بالطاعة لنعمتى عموماً فاذكرونى لنعمة الإرسال، أحوج ما أنتم إليه فى وقت الفترة، وهذا أنسب لفظاً والذى قبله أبلغ، وأساغها حضور النعم فى الحسن خارجا، وفى لفظ الآى، ويجوز أن يراد فاذكرونى أثبكم، وسمى الإثابة ذكراً للجوار {وَاشْكُرُوا لِي} نعمتى بعبادة قلوبكم، ومع ألسنتكم وجوارحكم، وذكر النعم جلب للعبادة، ونفع خلق الله بها وقدم الذكر لأنه اشتغال بالذات، والشكر اشتغال بالنعمة {وَلاَ تَكْفُرُونَ} لا تستروا شأنى بترك الشكر كأنى لم أنعم عليكم، وبالمعصية والاشتغال بحظوظ النفس وما لا يعنى.

الالوسي

تفسير : {فَٱذْكُرُونِى} بالطاعة قلباً وقالباً فيعم الذكر باللسان والقلب والجوارح، فالأول: ـ كما في «المنتخب» ـ الحمد والتسبيح والتحميد وقراءة كتاب الله تعالى والثاني: الفكر في الدلائل الدالة على التكاليف والوعد والوعيد وفي الصفات الإلۤهية والأسرار الربانية. والثالث: استغراق الجوارح في الأعمال المأمور بها خالية عن الأعمال المنهي عنها ولكون الصلاة مشتملة على هذه الثلاثة سماها الله تعالى ذكراً في قوله: {أية : فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ }تفسير : [الجمعة: 9] وقال أهل الحقيقة: حقيقة ذكر الله تعالى أن ينسى كل شيء سواه {أَذْكُرْكُمْ } أي أجازكم بالثواب، وعبر عن ذلك بالذكر للمشاكلة ولأنه نتيجته ومنشؤه، وفي «الصحيحين»: «حديث : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه»تفسير : . {وَٱشْكُرُواْ لِي} ما أنعمت به عليكم وهو ـ واشكروني ـ بمعنى ولي أفصح مع الشكر وإنما قدم الذكر على الشكر لأن في الذكر اشتغالاً بذاته تعالى وفي الشكر اشتغالاً بنعمته والاشتغال بذاته تعالى أولى من الاشتغال بنعمته. {وَلاَ تَكْفُرُونِ} بجحد نعمتي وعصيان أمري وأردف الأمر بهذا النهي ليفيد عموم الأزمان وحذف ياء المتكلم تخفيفاً لتناسب الفواصل وحذفت نون الرفع للجازم.

ابن عاشور

تفسير : الفاء للتفريع عاطفة جملة الأمر بذكر الله وشكره على جمل النعم المتقدمة أي إذ قد أنعمت عليكم بهاته النعم فأنا آمركم بذكري. وقوله: {فاذكروني أذكركم} فعلان مشتقان من الذكر بكسر الذال ومن الذكر بضمها والكل مأمور به لأننا مأمورون بتذكر الله تعالى عند الإقدام على الأفعال لنذكر أوامره ونواهيه قال تعالى: { أية : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } تفسير : [آل عمران: 135] وعن عمر بن الخطاب أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه ـــ، ومأمورون بذكر اسم الله تعالى بألسنتنا في جمل تدل على حمده وتقديسه والدعوة إلى طاعته ونحو ذلك، وفي الحديث القدسي: « حديث : وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ». تفسير : والذكر في قوله: {أذكركم} يجيء على المعنيين، ولا بد من تقدير في قوله: {فاذكروني} على الوجهين لأن الذكر لا يتعلق بذات الله تعالى فالتقدير اذكروا عظمتي وصفاتي وثنائي وما ترتب عليها من الأمر والنهي، أو اذكروا نعمي ومحامدي، وهو تقدير من دلالة الاقتضاء، وأما {أذكركم} فهو مجاز، أي أعاملكم معاملة من ليس بمغفول عنه بزيادة النعم والنصر والعناية في الدنيا، وبالثواب ورفع الدرجات في الآخرة، أو أخلق ما يفهم منه الناس في الملأ الأعلى وفي الأرض فضلكم والرضى عنكم، نحو قوله { أية : كنتم خير أمة } تفسير : [آل عمران: 110]، وحسن مصيركم في الآخرة، لأن الذكر بمعنييه الحقيقيين مستحيل على الله تعالى. ثم إن تعديته للمفعول أيضاً على طريق دلالة الاقتضاء إذ ليس المراد تذكر الذوات ولا ذكر أسمائها بل المراد تذكر ما ينفعهم إذا وصل إليهم وذكر فضائلهم. وقوله: {واشكروا لي} أمر بالشكر الأعم من الذكر من وجه أو مطلقاً، وتعديته للمفعول باللام هو الأفصح وتسمى هذه اللام لام التبليغ ولام التبيين كما قالوا نصح له ونصحه كقوله تعالى: { أية : فتعساً لهم } تفسير : [محمد: 8] وقول النابغة:شعر : شَكَرتُ لك النُّعْمَى وأثنيتُ جاهداً وعطَّلْتُ أَعراض العُبَيْدِ بنِ عَامر تفسير : وقوله: {ولا تكفرون} نهي عن الكفران للنعمة، والكفران مراتب أعلاها جحد النعمة وإنكارها ثم قصد إخفائها، ثم السكوت عن شكرها غفلة وهذا أضعف المراتب وقد يعرض عن غير سوء قصد لكنه تقصير. قال ابن عرقة: «ليس عطف قوله: {ولا تكفرون} بدليل على أن الأمر بالشيء ليس نهياً عن ضده وذلك لأن الأمر بالشكر مطلق (أي لأن الأمر لا يدل على التكرار فلا عموم له) فيصدق بشكره يوماً واحداً فلما قال {ولا تكفرون} أفاد النهي عن الكفر دائماً» اهــــ، يريد لأن الفعل في سياق النهي يعم، مثل الفعل في سياق النفي لأن النهي أخو النفي.

د. أسعد حومد

تفسير : (152) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَذْكُرُوهُ فِيمَا افْتَرَضَهُ عَلَيهِمْ مِنْ طَاعَةٍ وَحَمْدٍ وَتَسْبِيحٍ وَقِرَاءةِ قُرْآنٍ، لِيَذْكُرَهُمْ فِيمَا أُوْجَبَ لَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ الكَرِيْمَةَ مِنْ إِدَامَةِ النِّعَمِ وَالفَضْلِ، وَلِيُجْزِلَ لَهُمُ الثَّوَابَ، وَيُفِيضَ عَلَيهمِ الخَيْرَاتِ (أَيِ اذكُرُونِي بِطَاعَتي، أَذْكُرْكُمْ بِمَغْفِرَتي)، وَأَمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِالشُّكْرِ لَهُ، وَوَعَدَ الشَّاكِرِينَ بِمَزِيدٍ مِنَ الخَيْرِ وَالبَرَكَاتِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الكُفْرِ بِالنِّعْمَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱذْكُرُونِيۤ} [البقرة: 152] أي كل هذه النعم والفضل عليكم يجب ألا تنسوها .. أن تعيشوا دائماً في ذكر من أنعم عليكم .. فالله سبحانه وتعالى يريد من عباده الذكر، وهم كلما ذكروه سبحانه وشكروه شكرهم وزادهم .. والله سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي: [حديث : أنا عند حُسْن ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإنْ تَقرَّبَ إليّ بشبر تَقَرَّبتُ إليه ذراعاً وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ]. تفسير : هذه هي رغبة الكريم في أن يعطي بشرط أن نكون أهلاً للعطاء؛ لأنه يريد أن يعطيك أكثر وأكثر .. فقوله تعالى: "اذكروني" أي اذكروا الله في كل شيء. في نعمه. في عطائه. في ستره. في رحمته. في توبته. يقول بعض الصالحين: سمعت فيمن سمع عن حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنك إذا ما أقبلت على شرب الماء فقسمه ثلاثاً .. أول جرعة قل باسم الله واشربها، ثم قل الحمد لله وابدأ شرب الجرعة الثانية وقل باسم الله وبعد الانتهاء منها قل الحمد لله .. ثم قل باسم الله واشرب الجرعة الثالثة واختمها بقولك الحمد لله. فما دام هذه الماء في جوفك فلن تحدثك ذرة من جسدك بمعصية الله. جربها يوماً في نفسك وقل باسم الله واشرب، وقل الحمد لله وكررها ثلاث مرات فإنك تكون قد استقبلت النعمة بذكر المنعم وأبعدت عن نفسك حولك وقوتك، وأنهيت النعمة بحمد الله. ولكن لماذا الماء؟ لأن الماء في الجوف أشبع من أي شيء آخر. قوله تعالى: {وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152] الشكر على النعمة يجعل الله سبحانه وتعالى يزيدك منها. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ..} تفسير : [إبراهيم: 7]. وشكر الله يذهب الغرور عن نفسك فلا تفتنك الأسباب وتقول أوتيته على علم مني. {وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152] أي لا تستروا نعم الله بل اجعلوها دائماً على ألسنتكم .. فإن كل نعمة من نعم الله لو استقبلت بقولك "ما شاء الله لا قوة إلا بالله" لا ترى في النعمة مكروهاً أبداً لأنك حصنت النعمة بسياج المُنْعِم .. أعطيت لله حقه في نعمته فإن لم تفعل وتركتها كأنها منك وأنت موجدها ونسيت المُنْعِم وهو الله سبحانه وتعالى فإن النعمة تتركك.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: معناهُ اذكروني بطاعتي، أَذْكُرْكُمْ بمَغْفِرتِي.

الأندلسي

تفسير : {فَٱذْكُرُونِيۤ} كما قيل في قوله: واذكروه كما هداكم أي لأجل هدايته إياكم. وقول الشاعر: شعر : * لا تشتم الناس كما لا تشتم * تفسير : أي امتنع من شتم الناس لامتناع الناس من شتمك. لكن يخدش في هذا القول وجود الفاء في فاذكروني والأجود التعلق بقوله: ولا تم فيكون إتمام هذه النعمة الحادثة من الهداية لاستقبال قبلة الصلاة التي هي عمود الاسلام. وأفضل الأعمال وأدل الدلائل على الاستمساك بشريعة الاسلام بإِتمام النعمة السابقة بإِرسال الرسول المتصف بكونه منهم إلى سائر الأوصاف التي وصفه تعالى بها. والذكر يكون باللسان من التحميد والتمجيد والتسبيح وقراءة كتاب الله، ويكون بالقلب كالفكر في الدلائل الدالة على التكاليف والفكر في صفات الاله. وفي سائر مخلوقات الله. وذكره تعالى: إياهم، هو مجازاته على ذكرهم. {وَٱشْكُرُواْ لِي} جاء تعدية بغير اللام. قال: شعر : * فهلا شكرت القوم إذ لم تقاتل * تفسير : {وَلاَ تَكْفُرُونِ} أي ولا تكفروا نعمتي. والصبر: قصر النفس على المكاره والتكاليف الشاقة وهو أمر قلبي. والصلاة من ثمرته وهي من أشق التكاليف لتكررها. {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} بالمعونة والتأييد واندرج المصلون في الصابرين اندراج الفرع تحت الأصل قالوا لمن قتل في سبيل الله من أعظم نتائج الإِيمان والصبر. و{أَمْوَاتٌ} خبر مبتدأ محذوف. و{أَحْيَاءٌ} كذلك والتقدير هم أموات بل هم أحياء. {وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} بأنهم أحياء والمراد بالحياة بقاء أرواحهم وليست فانية كما فنيت أجسادهم فنفي شعور المخاطبين بكيفية حياة المقتولين في سبيل الله. وفي هذه الآية ترغيب في الشهادة وتسلية لأقرباء الشهداء وإخوانهم المؤمنين.