Verse. 160 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوا اسْتَعِيْنُوْا بِالصَّبْرِ وَالصَّلٰوۃِ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ مَعَ الصّٰبِرِيْنَ۝۱۵ ۳
Ya ayyuha allatheena amanoo istaAAeenoo bialssabri waalssalati inna Allaha maAAa alssabireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا استعينوا» على الآخرة «بالصبر» على الطاعة والبلاء «والصلاة» خصها بالذكر لتكررها وعظمها «إن الله مع الصابرين» بالعون.

153

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أوجب بقوله: {فَٱذْكُرُونِى } جميع العبادات، وبقوله: {وَٱشْكُرُواْ لِي } ما يتصل بالشكر أردفه ببيان ما يعين عليهما فقال: {ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ } وإنما خصهما بذلك لما فيهما من المعونة على العبادات، أما الصبر فهو قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله تعالى وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع، ومن حمل نفسه وقلبه على هذا التذليل سهل عليه فعل الطاعات وتحمل مشاق العبادات، وتجنب المحظورات ومن الناس من حمل الصبر على الصوم، ومنهم من حمله على الجهاد لأنه تعالى ذكر بعده: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 154] وأيضاً فلأنه تعالى أمر بالتثبت في الجهاد فقال: {أية : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ } تفسير : [الأنفال: 45] وبالتثبت في الصلاة أي في الدعاء فقال: {أية : وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [آل عمران: 147]. إلا أن القول الذي اخترناه أولى لعموم اللفظ وعدم تقييده، والاستعانة بالصلاة لأنها يجب أن تفعل على طريق الخضوع والتذلل للمعبود والإخلاص له، ويجب أن يوفر همه وقلبه عليها وعلى ما يأتي فيها من قراءة فيتدبر الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ومن سلك هذه الطريقة في الصلاة فقد ذلل نفسه لاحتمال المشقة فيما عداها من العبادات ولذلك قال: {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } تفسير : [العنكبوت: 45] ولذلك نرى أهل الخير عند النوائب متفقين على الفزع إلى الصلاة، وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } يعني في النصر لهم كما قال: {أية : فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } تفسير : [البقرة: 137] فكأنه تعالى ضمن لهم إذا هم استعانوا على طاعاته بالصبر والصلاة أن يزيدهم توفيقاً وتسديداً وألطافاً كما قال: {أية : وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى } تفسير : [مريم: 76].

البيضاوي

تفسير : {يَا أَيُّهَاٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ} عن المعاصي وحظوظ النفس، {وٱلصَّلَوٰةِ} التي هي أم العبادات ومعراج المؤمنين، ومناجاة رب العالمين. {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} بالنصر وإجابة الدعوة {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ} أي هم أموات {بَلْ أَحْيَاءٌ} أي بل هم أحياء. {وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} ما حالهم، وهو تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد ولا من جنس ما يحس به من الحيوانات، وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل بل وبالوحي، وعن الحسن: (إن الشهداء أحياء عند ربهم تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدواً وعشياً فيصل إليهم الألم والوجع). والآية نزلت في شهداء بدر، وكانوا أربعة عشر، وفيها دلالة على أن الأرواح جواهر قائمة بأنفسها مغايرة لما يحس به من البدن تبقى بعد الموت داركة، وعليه جمهور الصحابة والتابعين، وبه نطقت الآيات والسنن، وعلى هذا فتخصيص الشهداء لاختصاصهم بالقرب من الله تعالى، ومزيدة البهجة والكرامة.

ابن كثير

تفسير : لما فرع تعالى من بيان الأمر بالشكر، شرع في بيان الصبر والإرشاد والاستعانة بالصبر والصلاة، فإن العبد إما أن يكون في نعمة، فيشكر عليها، أو في نقمة، فيصبر عليها؛ كما جاء في الحديث: «حديث : عجباً للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيراً له: إن أصابته سراء فشكر، كان خيراً له، وإن أصابته ضراء فصبر، كان خيراً له»تفسير : ، وبين تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل المصائب الصبر والصلاة كما تقدم في قوله: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ}تفسير : [البقرة: 45]، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر صلى، والصبر صبران، فصبر على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات والقربات، والثاني أكثر ثواباً؛ لأنه المقصود. وأما الصبر الثالث، وهو الصبر على المصائب والنوائب، فذلك أيضاً واجب كالاستغفار من المعايب، كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الصبر في بابين: الصبر لله بما أحب، وإن ثقل على الأنفس والأبدان، والصبر لله عما كره، وإن نازعت إليه الأهواء، فمن كان هكذا، فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم إن شاء الله، وقال علي بن الحسين زين العابدين: إذا جمع الله الأولين والآخرين، ينادي مناد: أين الصابرون ليدخلوا الجنة قبل الحساب؟ قال: فيقوم عنق من الناس، فتتلقاهم الملائكة، فيقولون: إلى أين يا بني آدم؟ فيقولون: إلى الجنة، فيقولون: قبل الحساب؟ قالوا: نعم، قالوا: ومن أنتم؟ قالوا: نحن الصابرون، قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا على طاعة الله، وصبرنا عن معصية الله حتى توفانا الله، قالوا: أنتم كما قلتم، ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين (قلت): ويشهد لهذا قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِحِسَابٍ} تفسير : [الزمر: 10] وقال سعيد بن جبير: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا يرى منه إلا الصبر. وقوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ}، يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون، كما جاء في صحيح مسلم: «حديث : إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك اطلاعة، فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا وأي شيء نبغي، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ ثم عاد عليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا، فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى؛ لما يرون من ثواب الشهادة، فيقول الرب جل جلاله: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون»تفسير : . وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن الإمام الشافعي عن الإمام مالك عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه»تفسير : ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضاً وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر في القرآن تشريفاً وتكريماً وتعظيماً.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ } على الآخرة {بِٱلصَّبْرِ } على الطاعة والبلاء {وٱلصَّلَوٰةِ } خصها بالذكر لتكرُّرها وعظمها {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ } بالعون.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاَةِ} أما الصبر ها هنا ففيه قولان: أحدهما: الثبات على أوامر الله تعالى. والثاني: الصيام المقصود به وجه الله تعالى. وأما الاستعانة بالصلاة فتحتمل وجهين: أحدهما: الاستعانة بثوابها. والثاني: الاستعانة بما يُتلى في الصلاة ليعرف به فضل الطاعة فيكون عوناً على امتثال الأوامر. قوله تعالى: { وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللهِ أَمْوَتٌ بَلْ أَحْيَآءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ}وسبب ذلك أنهم كانوا يقولون لقتلى بدر وأُحُد: مات فلان، ومات فلان، فنزلت الآية وفيها تأويلان: أحدهما: أنهم ليسوا أمواتاً وإن كانت أجسامهم أجسام الموتى بل هم عند الله أحياء النفوس منعّمو الأجسام. والثاني: أنهم ليسوا بالضلال أمواتاً بل هم بالطاعة والهدى أحياء، كما قال تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ في النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ في الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} تفسير : [الأنعام: 122] فجعل الضالَّ ميتاً، والمُهْتَدي حياً. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أنهم ليسوا أمواتاً بانقطاع الذكر عند الله وثبوت الأجر.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالصَّبْرِ} على أوامر الله تعالى "أو الصوم".

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة} إنما خصهما بذلك لما فيهما من المعونة على العبادات؛ أما الصبر فهو حبس النفس على احتمال المكاره في ذات الله وتوطينها على تحمل المشاق في العبادات، وسائر الطاعات وتجنب الجزع وتجنب المحظورات ومن الناس من حمل الصبر على الصوم وفسره به، ومنهم من حمله على الجهاد وأما الاستعانة بالصلاة فلأنها تجب أن تفعل على طريق الخضوع والتذلل للمعبود والإخلاص له. وقيلك استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض، وبالصلوات الخمس في مواقيتها على تحميص الذنوب {إن الله مع الصابرين} أي بالعون والنصر {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات} نزلت فيمن قتل ببدر من المسلمين وكانوا أربعة عشر رجلاً ستة من المهاجرين وهم: عبيدة بن الحارث بن عبدالمطلب وعمير بن أبي وقاص بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري أخو سعد بن أبي وقاص وذو الشمالين واسمه عمير بن عبد عمرو بن العاص بن نضلة بن عمرو بن خزاعة ثم بني غبشان وعاقل بن البكير من بني سعد بن ليث بن كنانة ومهجع مولى لعمر بن الخطاب، وصفوان بن بيضاء من بني الحارث بن فهر ومن الأنصار ثمانية، وهم سعد بن خيثمة ومبشر بن عبد بن المنذر، ويزيد بن الحارث بن قيس بن فسحم وعمير بن الحمام ورافع بن المعلى وحارثة بن سراقة، وعوف ومعوذ ابنا الحارث بن رفاعة بن سواد وهما ابنا عفراء وهي أمهما، كان الناس يقولون لمن قتل في سبيل الله مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذاتها فأنزل الله تعالى هذا الآية، وقيل: إن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم ظلماً لمرضاة محمد من غير فائدة فنزلت هذا الاية وأخبر أن من قتل في سبيل الله فإنه حي بقوله تعالى: {بل أحياء} وإنما أحياهم الله عز وجل في الوقت لإيصال الثواب إليهم. وعن الحسن أن الشهداء أحياء عند الله تعالى تعرض أرزاقهم على أرواحهم، ويصل إليهم الروح والريحان والفرح كما تعرض النار عى أرواح آل فرعون غدوة وعشياً فيصل إليهم، الألم والوجع ففيه دليل على أن المطيعين لله يصل إليهم ثوابهم وهم في قبورهم في البرزخ وكذا العصاة يعذبون في قبورهم. فإن قلت: نحن نراهم موتى فما معنى قوله بل أحياء وما وجه النهي، في قوله ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات. قلت: معناه لا تقولوا أموات بمنزلة غيرهم من الأموات بل هم أحياء تصل أرواحهم إلى الجنان كما ورد، "حديث : إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة" تفسير : فهم أحياء من هذه الجهة، وإن كانوا أمواتاً من جهة خروج الروح من أجسادهم، وجواب آخر وهو أنهم أحياء عند الله تعالى في عالم الغيب، لأنهم صاروا إلى الآخرة فنحن لا نشاهدهم كذلك ويدل على ذلك قوله تعالى: {ولكن لا تشعرون} أي لا ترونهم أحياء فتعلموا ذلك حقيقة، وإنما تعلمون ذلك بإخباري إياكم به. فإن قلت: ليس سائر المطيعين من المسلمين لله يصل إليهم من نعيم الجنة في قبورهم فلم خصص الشهداء بالذكر؟. قلت: إنما خصهم لأن الشهداء فضلوا على غيرهم بمزيد النعيم وهو أنهم يرزقون من مطاعم الجنة ومآكلها وغيرهم ينعمون بما دون ذلك. وجواب آخر أنه رد لقول من قال: إن من قتل في سبيل الله قد مات وذهب عنه نعيم الدنيا ولذاتها فأخبر الله تعالى بقوله: {بل أحياء} بأنهم في نعيم دائم.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلوٰةِ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}. (استعينوا) بالصبر على المشاق كلّها ومنها الصلاة {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} أي مع المصلين، ولما كان الصبر مستلزما (لتحصيل) جميع العبادات ومنها الصلاة استغنى به عنها.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {إنا لله} بالإمالة فيهما: قتيبة ونصير. وإنما جازت مع امتناعها في الحروف لكثرة استعمال كلمة الاسترجاع. الوقوف: {والصلاة} ط {الصابرين} لا {أموات} ط {لا تشعرون} ه {والثمرات} ط {الصابرين} لا لأن صفتهم {مصيبة} لا لأن "قالوا" جواب "إذا" {راجعون} ط لأن "أولئك" مبتدأ على الأصح ومن ابتداء بالذين فخبره "أولئك" مع ما يتلوه ووقف على الصابرين ولم يقف على {راجعون} {المهتدون} ه. التفسير: أنه تعالى لما أوجب بقوله {فاذكروني أذكركم واشكروا لي} جميع الطاعات ورغب بقوله {ولا تكفرون} عن جميع المنهيات فإن الشكر بالحقيقة صرف العبد جميع ما أنعم الله تعالى به عليه إلى ما أعطاه لأجله، ندب إلى الاستعانة على تلك الوظائف بالصبر والصلاة. فالصبر قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله تعالى، والصلاة إذا اشتملت على مواجب الخشوع والتذلل للمعبود والتدبر لآيات الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، انجر ذلك إلى أداء حقوق سائر الطاعات والاجتناب عن جميع الفواحش والمنكرات {إن الله مع الصابرين} بالنصر والتأييد ومزيد التوفيق والتسديد {أية : ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} تفسير : [مريم: 76] وقيل: الصبر الصوم. وقيل: الجهاد بدليل قوله {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء} أي هم أموات بل هم أحياء. وعلى الوجه الأول كأنه قيل: استعينوا بالصبر والصلاة في إقامة ديني وسلوك سبيلي، فإن احتجتم في ذلك إلى مجاهدة عدوّي بأموالكم وأنفسكم فتلفت فإن قتلاكم أحياء عندي، من قتله محبته فديته رؤيته. ثم إن أكثر المفسرين على أنهم أحياء في الحال، فمن الجائز أن يجمع الله تعالى من أجزاء الشهيد جملة فيحييها ويوصل إليها النعيم وإن كانت في حجم الذرة فيرى معظم جسد الشهيد ميتاً فلا يحس بحياته وإليه الإشارة بقوله {ولكن لا تشعرون} ومما يؤيد هذا القول الآيات الدالة على إثبات عذاب القبر {النار يعرضون عليها غدواً وعشياً} [غافر: 46] {أية : أغرقوا فأدخلوا ناراً} تفسير : [نوح: 25] والفاء للتعقيب وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفرة النيران"تفسير : . ولم يزل أرباب القلوب يزورون قبور الشهداء ويعظمونها. وقيل: المعنى لا تسموهم بالأموات وقولوا لهم الشهداء الأحياء. أو المراد: قولوا لهم أحياء في الدين وإنهم على هدى ونور من ربهم لا كما يزعم المشركون أنهم ليسوا من الدين في شيء أو لا تقولوا مثل ما يقول منكرو البعث إنهم لا ينشرون وقد ضيعوا أعمارهم، ولكنهم سيحيون فيثابون وينعمون في الجنة. وعلى هذه الوجوه لا يبقى لتخصيص الشهداء بكونهم أحياء فائدة وكذا لقوله مع المؤمنين ولكن لا تشعرون. وقيل: إن الثواب وكذا العقاب للروح لا للقالب، لأنه مدرك للجزئيات أيضاً فلا يمتنع أن يتألم ويلتذ. ثم إنه سبحانه يرد الروح إلى البدن في القيامة الكبرى حتى يضم الأحوال الجسمانية إلى الإدراكات الروحانية. عن ابن عباس أن الآية نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار. وعن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ثمر الجنة"تفسير : أي تأكل {ولنبوكم} ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم هل تصبرون وتثبتون على ما أنتم عليه من أداء حقوق الطاعة وتسلمون لأمر الله وحكمه، أم تنقلبون على أعقابكم وتظهرون الجزع على استرداد ما يدكم فيه يد المستعير؟ أمر أولاً بالشكر على إكمال الشرائع، ثم بالصبر على التكاليف الدينية، ثم حض على التثبت عند طروق النوائب وبروق المصائب، ومعنى {بشيء} بيان من هذه الأشياء وأيضاً لو قال "بأشياء" لأوهم أن من كل واحد من الخوف وغيره ضروباً وليس بمراد. وفيه أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل هو بالنسبة إليه، وفيه أن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم. واعلم أن كل ما يلاقيك من مكروه ومحبوب فإذا خطر ببالك وهو قد مضى سمي ذكراً وتذكراً، وإن كان في الحال سمي ذوقاً ووجداً لأنها حالة تجدها من نفسك، وإن تعلق بالاستقبال وغلب خطوره على قلبك سمي انتظاراً وتوقعاً، فإن كان المنتظر مكروهاً حصل منه ألم في القلب يسمى خوفاً وإشفاقاً، وإن كان محبوباً سمي ذلك ارتياحاً والارتياح رجاء. وأما الجوع فالمراد منه القحط وتعذر تحصيل القوت. عن عطاء والربيع بن أنس: أن المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة وقد حصل لهم عند مكاشفة العرب خوف شديد بسبب الدين، فكانوا لا يأمنون قصدهم إياهم واجتماعهم عليهم وقد كان من الخوف في وقعة الأحزاب ما كان {أية : هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً}تفسير : [الأحزاب: 11] وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجرة النبي إلى المدينة لقلة أموالهم حتى إنه صلى الله عليه وسلم كان يشد الحجر على بطنه. وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم فالتقى مع أبي بكر فقال: ما أخرجك؟ قال: الجوع. قال: أخرجني ما أخرجك وكانوا ينفقون أموالهم في الاستعداد للجهاد ثم يقتلون. فهناك يحصل النقص في المال والنفس، وقد يحصل الجوع في سفر الجهاد عند فناء الزاد {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله} إلى قوله {أية : إلا كتب لهم به عملٌ صالح} تفسير : [التوبة: 120] وقد يكون النقص في النفس بموت الإخوان والأخدان. وإما نقص الثمرات فقد يكون بالجدوب وقد يكون بترك عمارة الضياع للاشتغال بالجهاد. وعن الشافعي: الخوف خوف الله، والجوع صيام شهر رمضان، والنقص من الأموال الزكوات والصدقات، ومن الأنفس الأمراض، ومن الثمرات موت الأولاد. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم. فيقول الله تعالى: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع فيقول الله: "ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد" تفسير : {ونقص} عطف على {شيء} ويحتمل أن يعطف على الخوف بمعنى وشيء من نقص الأموال. و الخطاب في {وبشر} لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يتأتى منه البشارة. قال الإمام الغزالي رحمه الله: الصبر من خواص الإنسان ولا يتصور ذلك في البهائم لنقصانها، فليس لشهواتها عقل يعارضها حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبراً، ولا في الملائكة فليس لعقلهم شهوة تصرفهم عن الاشتغال بخدمة الكبير المتعال وتمنعهم عن الاستغراق في مطالعة حضرة ذي الجلال. وأما الإنسان فإنه في الصبا بمنزلة البهيمة ليس له إلا شهوة الغذاء، ثم شهوة اللعب بعد حين، ثم شهوة النكاح لكنه إذا بلغ انضم له مع الشهوة الباعثة على اللذات العاجلة عقل يدعوه إلى الإعراض عنها والإقبال على تحصيل السعادات الباقية، فيقع بين داعيتي العقل والشهوة تضاد قصد العقل إياها هو المعنى بالصبر. وإنه ضربان: بدني فعلاً كتعاطي الأعمال الشاقة، أو انفعالاً كالثبات على الآلام، ونفساني وهو منع النفس عن مقتضيات الطبع، فإن كان حبساً عن شهوة البطن والفرج سمي عفة، وإن كان احتمال مكروه، فإن كان من مصيبة خص باسم الصبر ويضاده حالة هي الجزع وهي إطلاق داعي الهوى في رفع الصوت وضرب الخد وشق الجيب ونحوها، وإن كان في حال الغنى سمي ضبط النفس، ويضاده حالة البطر. وإن كان في حال مبارزة الأقران سمي شجاعة ويضاده الجبن، وإن كان في كظم الغيظ والغضب يسمى حلماً ويضاده النزق، وإن كان في نائبة من النوائب سمي سعة الصدر ويضاده الضجر وضيق الصدر، وإن كان في إخفاء كلام يسمى كتمان النفس، وإن كان عن فضول العيش سمي زهداً وضده الحرص، وإن كان على قدر يسير من المال سمي قناعه ويضاده الشره. وليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه ولا أن لا يكره ذلك فإنه غير ممكن، وإنما الصبر على المصيبة هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع. ولا بأس بظهور الدمع وتغير اللون فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى على إبراهيم ابنه فقيل له في ذلك فقال: إنها رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء. ثم قال: العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. ثم الصبر عند الصدمة الأولى وإلا سمي سلواً وهو مما لا بد منه ولهذا قيل: لو كلف الناس إدامة الجزع لم يقدروا عليه. وقد وصف الله تعالى الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعاً وأضاف أكثر الخيرات إليه فقال {أية : وجعلنا منهم أئمةً يهدون بأمرنا لما صبروا} تفسير : [السجدة: 27] {أية : وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} تفسير : [الأعراف: 137] {أية : ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} تفسير : [النحل: 96] {أية : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} تفسير : [الزمر: 10] فما من طاعةٍ إلا وأجرها مقدر إلا الصبر، ولأن الصوم من الصبر قال تعالى في الحديث القدسي "حديث : الصوم لي"تفسير : فأضافه إلى نفسه ووعد الصابرين بأنه معهم فقال {أية : واصبروا إن الله مع الصابرين} تفسير : [الأنفال: 46] وعلق النصرة بالصبر فقال {أية : إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة} تفسير : [آل عمران: 125] وجمع للصابرين أموراً لم يجمعها لغيرهم {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : الصبر نصف الإيمان" تفسير : لأن الإيمان لا يتم إلا بترك ما لا ينبغي، والإتيان بما ينبغي والاستمرار على كل منهما إنما يتأتى بالصبر. فكل الإيمان صبر إلا أن كل واحدٍ منهما قد يكون مطابقاً لمقتضى الشهوة فلا يحتاج فيه إلى الصبر، فلهذا عاد إلى النصف. وقد جاء "الإيمان هو الصبر" وذلك كقوله "حديث : الحج عرفة"تفسير : وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر"تفسير : وقال: "حديث : يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه الله جزاء الشاكرين ويؤتى بأصبر أهل الأرض فيقال له أترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر فيقول نعم يا رب فيقول تعالى لقد أنعمت عليه فشكر وابتليتك فصبرت لأضعفنّ لك الأجر فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين"تفسير : ومن فضيلة الصبر أن قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر"تفسير : فإن المشبه به يجب أن يكون أقوى كما قال "حديث : شارب الخمر كعابد الوثن"تفسير : وروي أن سليمان يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفاً لمكان ملكه، وآخر أصحابي دخولاً الجنة عبد الرحمن بن عوف لمكان غناه. وفي الخبر: أبواب الجنة كلها مصراعان إلا باب الصبر فإنه مصراع واحد. وأول من يدخله أهل البلاء إمامهم أيوب. ثم إن الله تعالى بيّن أن الإنسان كيف يكون صابراً وأنه متى يستحق البشارة فقال {الذين إذا أصابتهم مصيبة} هي من الصفات الغالية التي لا تكاد تستعمل موصوفاتها وتختص من بين ما يصيب الإنسان بحالة مكروهة كالنازلة والواقعة والملمة، وإنما نكرت لتشمل كل مضرة تناله من قبل الأسباب السماوية والأرضية المنتهية إلى مسبب الأسباب بواسطة ظاهرة أو خفية {قالوا: إنا لله} إقرار بالعبودية {وإنا إليه راجعون} تفويض للأمر إليه كما يقال: إن الملك والدولة رجع إلى فلان لا يراد الانتقال بل القدرة وترك المنازعة {إنا لله} اعتراف منا له بالملك {وإنا إليه راجعون} إقرار على أنفسنا بالهلك {إنا لله} إشارة إلى المبدأ {وإنا إليه راجعون} تصريح بالمعاد. {إنا لله} إعلام بالفناء فيه {وإنا إليه راجعون} إشعار بالبقاء به. {إنا لله} إيمان بقضائه {وإنا إليه راجعون} إيمان بقدره. واعلم أن الرضا بالقضاء إنما يحصل للعبد من الله تعالى بطريقين: الصرف أو الجذب أما الصرف فمتى مال قلبه إلى شيء والتفت خاطره إليه جعله تعالى منشأ للآفات لينصرف وجه قلبه من عالم الحدوث إلى جانب القدس، كما أن آدم لما تعلق قلبه بالجنة جعلها محنة عليه حتى زالت الجنة فبقي آدم مع ذكر الله. ولما استأنس يعقوب بيوسف أوقع الفراق بينهما فبقي يعقوب مع ذكر الحق. ولما طمع محمد صلى الله عليه وسلم من أهل مكة في النصرة والإعانة صاروا من أشد الناس بغضاً له فأخرجوه. وقد لا يجعل ذلك الشيء بلاء ولكن يرفعه من البين حتى لا يبقى لا البلاء ولا الرحمة، فحينئذ يرجع العبد إلى الله. وقد يتوقع العبد من جانب خيراً فيعطيه الله تعالى ذلك بلا واسطة فيستحي العبد فيرجع إلى الله. وأما الجذب فجذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين. ومن جذبه الحق إلى نفسه صار مغلوباً لأن الحق غالب فتصير الربوبية غالبة على العبودية، والحقيقة مستعلية على المجاز، كالعبد الداخل على السلطان المهيب ينصرف فكره إليه ويشتغل بالكلية عمن سواه ويصير فانياً عن نفسه وعن حظوظها فيحصل له مرتبة الرضا بأقضية الحق سبحانه من غير أن يبقى في طاعته شبهة المنازعة. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه" تفسير : وروي أنه طفئ سراج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال {إنا لله وإنا إليه راجعون} فقيل: أمصيبة هي؟ قال: نعم. كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة. وعن أم سلمة أن أبا سلمة حدثها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما من مسلم يصاب بمصيبة فيفزع إلى ما أمر الله به"تفسير : من قوله: حديث : {إنا لله وإنا إليه راجعون} اللهم عندك احتسبت مصيبتي فأجرني منها وعوّضني خيراً منها ألا أجره الله عليها وعوضه خيراً منها"تفسير : . قالت: فلما توفي أبو سلمة ذكرت هذا الحديث وقلت: هذا القول فعوّضني الله محمداً صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عباس: أخبر الله تعالى أن المؤمن إذا سلم لأمر الله ورجع واسترجع عند مصيبته كتب الله تعالى له ثلاث خصال: الصلاة من الله والرحمة وتحقيق سبيل الهدى. وعن عمر قال: نعم العدلان {إنا لله وإنا إليه راجعون} {أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمة} ونعم العلاوة {وأولئك هم المهتدون}. قيل: الصلوات من الله الثناء والمدح والتعظيم، والرحمة النعم العاجلة والآجلة. وقيل: الصلاة الحنو والتعطف وضعت موضع الرأفة كقوله {رأفة ورحمة} {رؤف رحيم} والمعنى عليهم رأفة بعد رأفة ورحمة أيّ رحمة {وأولئك هم المهتدون} لطريق الصواب والفائزون بالكرامة والثواب، أو هم المستمسكون بآدابه المستنون بما ألزم وأمر وفي الآية حكمان: فرض ونفل. فالفرض هو التسليم لأمر الله تعالى والرضا بقضائه والصبر على أداء فرائضه لا يصرفه عنها مصائب الدنيا، والنفل قوله {إنا لله وإنا إليه راجعون} فإن في إظهاره فوائد منها: أن غيره يقتدي به إذا سمعه، ومنها غيظ الكفار وعلمهم بجده واجتهاده في دين الله تعالى والثبات على طاعته. وأما الحكمة في تقديم تعريف الابتلاء فهي أن يوطنوا نفوسهم لهذه المصائب إذا وردت فتكون أبعد من الجزع. وأيضاً إذا علموا أنه سيصل إليهم تلك المحن اشتد حزنهم فيكون ذلك الحزن تعجيلاً للابتلاء فيستحقون بذلك مزيد الثواب. وأيضاً إذا أخبروا بوقوع هذا الابتلاء ثم وقع كان ذلك إخباراً بالغيب فيكون معجزةً. وأيضاً فيه تنفير وتمييز له عن الموافق. كما أن الحكمة في نفس الابتلاء أيضاً ذلك. شعر : دعوى الإخاء علـى الإخاء كثيـرة بـل فـي الشـدائد تعـرف الإخــوان إذا قلت أهدى الهجر إن خلل البلى يقولون لولا الهجر لم يطب الحب وإن قلت كربـي دائـمُ قالـت إنمــا يعدّ محبــاً مــن يــدوم لــه الكــرب وإن قلت ما أذنبت قالـت مجيبــةً حيــاتـك ذنـب لا يقـــاس بــه ذنـب

ابن عادل

تفسير : أعلم أنه - تعالى - لما أوجب بقوله "فاذكروني" جميع العبادات، وبقوله: {أية : وَٱشْكُرُواْ لِي}تفسير : ما يتصل بالشكر أردفه ببيان ما يعين عليهما، فقال: {ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ} وإنما خصّهما بذلك لما فيهما من المعونة على العبادات. أما الصبر فهو قَهْر النفس على احتمال المَكَاره في ذات الله - تعالى - وتوطينها على تحمُّل المشاقّ، ومن كان كذلك سهل عليه فعل الطاعات، وتحمل مشاق العبادات، وتجنّب المحظورات. وأما الصلاة فلقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ}تفسير : [النعكبوت: 45]. ومن الناس من حمل الصبر على الصوم. ومنهم من حمله على الجهاد، لقوله تعالى بعده: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ}تفسير : [البقرة: 154] ولأنه - تعالى - أمره بالتثبت في الجهاد، فقال تعالى: {أية : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ}تفسير : [الأنفال: 45] وبالتثبُّت في الصلاة وفي الدعاء، فقال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 147]. فصل في أقسام الصبر وذكر الاستعانة والقول الأول أولى لعموم اللفظ وعدم تقيّده الاستعانة، ذكر الاستعانة بالصلاة ولم يذكر فيماذا يُسْتعان. فظاهره يدل على أن الاستعانة في كل الأمور، وذكر الصبر، وهو ينقسم إلى قسمين: أحدهما: الصبر على الطاعات. والثاني: الصبر على الشدائد فهو يشملها وتقدم الكلام على المراد بالصلاة. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}. فالمعيّة على قسمين: أحدهما: معيّة عامة، وهي المعيّة بالعلم والقدرة، وهذه عامة في حق كل أحد. والثاني: معيّة خاصة وهي المعيّة بالعَوْن والنصر، وهذه خاصة بالمتقين والمحسنين والصابرين، ولهذا قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}تفسير : [النحل: 128] وقال هاهنا: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} أي: بالعون والصبر.

السيوطي

تفسير : أخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال‏:‏ غشي على عبد الرحمن بن عوف في وجعه غشية ظنوا أنه قد فاضت نفسه فيها حتى قاموا من عنده وجللوه ثوباً، وخرجت أم كلثوم بنت عقبة امرأته إلى المسجد تستعين بما أمرت به من الصبر والصلاة، فلبثوا ساعة وهو في غشيته ثم أفاق‏.‏

القشيري

تفسير : استعينوا بالصبر على الصلاة أي بصبركم - عند جريان أحكام الحق عليكم - استحقاقكم صلاة ربكم عليكم، ولذا فإنه تعالى بعد {وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ} يقول: {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ}. ويقال استوجب الصابرون نهاية الذخر، وعلو القدر حيث نالوا معَيَّة الله قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا استعينوا} فى كل ما تأتون وما تذرون {بالصبر} على الامور الشاقة على النفس كالصبر عن المعاصى وحظوظ النفس {والصلوة} التى هى ام العبادات ومعراج المؤمنين ومثاب رب العالمين ـ روى ـ انه صلى الله تعالىعليه وسلم كان اذا حزبه امر فزع الى الصلاة وتلا هذه الآية. وانما خص الصبر والصلاة بالذكر لان الصبر اشد الاعمال الباطنة على البدن والصلاة اشد الاعمال الظاهرة عليه لانها مجمع انواع الطاعات من الاركان والسنن والآداب والحضور والخضوع والتوجه والسكون وغير ذلك مما لا يتيسر حفظه الا بتوفيق الله تعالى. قال عصام الدين قدم الترك على الفعل لان التخلية قبل التحلية ولهذا قدم النفى فى كلمة التوحيد واكتفى بذكر الصلاة لان الخطاب لكل من المؤمنين والمشترك بين الجميع بعد الايمان الصبر عن المعاصى والصلاة واما الزكاة فمختصة باصحاب النصاب واما الحج فباصحاب الاستطاعة والصوم صبر عن معصية الاكل والشرب وغيرهما {ان الله مع الصابرين} بالنصرة واجابة الدعوة فمعنى المعية الولاية الدائمة المستتبعة لهما ودخول مع على الصابرين لما انهم المباشرون للصبر حقيقة فهم متبوعون من تلك الحيثية. قال عصام الدين فى التفسير الاجل ان الله مع الصابرين لان الصابرين لا يذهلون عن ذكره بخلاف المجتنبين عن الصبر فان قلوبهم لاهية عن ذكر الله والقلب اللاهى عنه ممتلئ من هموم الدنيا وان كانت الدنيا بأسرها له انتهى كلامه. ان قيل لم قال {ان الله مع الصابرين} ولم يقل مع المصلين وقال فى الآية الاخرى {أية : واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة} تفسير : [البقرة: 45] فاعتبر الصلاة دون الصبر. قيل لما كان فعل الصلاة اشرف واعلى من الصبر اذ قد ينفك الصبر عن الصلاة ولا تنفك الصلاة عن الصبر ذكر ههنا الصابرين فمعلوم انه تعالى اذا كان مع الصابرين فهو لا محالة يكون مع المصلين بطريق الاولى وقال هناك لكبيرة فذكر الصلاة دون الصبر تنبيها على انها اشرف منزلة من الصبر. واعلم ان الصبر الذى هو تحمل المشاق من غير جزع واضطراب ذريعة الى فعل كل خير ومبدأ كل فضل فان اول التوبة الصبر عن المعاصى واول الزهد الصبر عن المباحات واول الارادة الصبر وطلب ترك ما سوى الله تعالى ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسدbr>". تفسير : وقال "حديث : الصبر خير كلهbr>". تفسير : فمن تحلى بحلية الصبر سهل عليه ملابسة الطاعات والاجتناب عن المنكرات وكذا الصلاة قال تعالى {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} تفسير : [العنكبوت: 45]. شعر : صبر كن حافظ بسختى روز وشب عاقبت روزى بيابى كام را تفسير : وفى الحديث "حديث : اذا جمع الله الخلائق نادى مناد اين اهل الفضل قال فيقوم ناس وهم يسيرون سراعا الى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون انا نراكم سراعا الى الجنة فمن انتم قالوا نحن اهل الفضل فيقولون ما كان فضلكم قالوا كنا اذا ظلمنا صبرنا واذا اسيئ الينا عفونا فيقال لهم ادخلوا الجنة فنعم اجر العاملين ثم ينادى مناد اين اهل الصبر فيقوم ناس يسيرون سراعا الى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون انا نراكم سراعا الى الجنة فمن انتم فيقولون نحن اهل الصبر فيقولون ما كان صبركم قالوا كنا نصبر على طاعة الله ونصبر عن معاصى الله فيقال لهم ادخلوا الجنة ثم ينادى مناد اين المتحابون فى الله فيقوم ناس يسيرون سراعا الى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون من انتم فيقولون نحن المتحابون فى الله فيقولون وما كان تحابكم فى الله قالوا كنا نتحاب فى الله والجنةbr>". تفسير : كذا فى نزهة القلوب.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أحياء} و {أموات} خبران عن مبتدأ مضمر، والابتلاء هو الاختبار، حيثما ورد في القرآن، ومعناه في حقه تعالى: أنه يظهر في الوجود ما في علمه لتقوم الحجة على العبد، وليس كاختبار الناس بعضهم بعضاً؛ لأن الله علم ما كان وما يكون، والصلاة هنا المغفرة والتطهير، والرحمة: اللطف والإحسان. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا} على نيل رضواني وبرِّي وإحساني {بالصبر} على مشاق الطاعات وترك المعاصي والهفوات، وبالصلاة التي هي أم العبادات، ومحل المناجاة ومعدن المصافاة، فيها تشرق شوارق الأنوار، وتتسع ميادين الأسرار، وهي معراج أرواح المؤمنين ومناجاة رب العالمين، فإن تجرعتم مرارة الصبر فإن {الله مع الصابرين}، وأعظم مواطن الصبر عند مفارقة الأحباب، وذهاب العشائر والأصحاب، فإن كان موتهم في الجهاد فلا ينبغي لأجلهم أسف ولا نكاد؛ لأنهم {أحياء عند ربهم يرزقون}، وكذلك من ألحق بهم من ذي هَدْم وغَرَق وحرق ونفاسٍ وطاعون، فلا تقولوا لمن يقتل {في سبيل الله} من هؤلاء: هم {أموات}، {بل} هم {أحياء} حياة روحانية لا بشرية، {ولكن لا تشعرون} بحياتهم لأنهم مجرد أرواح، وأنتم لبستم طلسم الأشباح، فاختفى عنكم مقام الأرواح، وكذلك أرواح المؤمنين كلهم أحياء. وإنما خصّ الشهداء لمزيد بهجة وكرامة. وإجراء رزقهم عليهم دون غيرهم، ففي الحديث:"حديث : أرْواحُ الشُّهَداءِ في حَواصِل طَيرٍ خضرٍ تَعَلقُ مِنْ وَرَقِ الجَنة"تفسير : . أي: تأكل، وفي حديث آخر:"حديث : يَخْلُقُ اللهُ الشهداءَ جُسوماً على صُورةٍ طيرٍ خُضرٍ، فتكونُ في حَواصِلهَا، فَتسْرحُ بِها في الجَنة، وتأكلُ مِنْ ثمارِها، وتنالُ مِنْ خَيراتِها ونَعِيمها، حتى تُحشرَ مِنها يومَ القِيامَةِ ". تفسير : ولا يدخل الجنة أحد غيرهم إلى ميقاتها إلا الصدِّيقون، وهم العارفون، فهم أعظم من الجميع؛ لمزيد تصرف وإدراك وسعة روح وريحان، وتحقق شهود وعيان، فهم في نعيم الجنان كالشهداء، لكن الصديقين غير محصورين في حواصل الطيور، بل لهم هياكل وصور سرحوا بها حيث شاءوا. وكذلك من فوقهم من الأنبياء والرسل، والله تعالى أعلم. ثم قال الحق جلّ جلاله: ولنختبركم يا معشر المسلمين {بشيء} قليل {من الخوف} لهيجان العدو وصولة الكفار، {والجوع} لغلاء الأسعار وقلة الثمار، {ونقص من الأموال} بموت الحيوان وتعذر التجارة أو الخسران، {والأنفس} بالموت في الجهاد، {والثمرات} بذهابها بالجوائح. وعن الشافعي رضي الله عنه: (الخوفُ خوفُ الله، والجوعُ صومُ رمضان، والنقصُ من الأموال بالزكوات والصدقات، ومن الأنفسُ بالأمراض، ومن الثمرات مَوتُ الأولاد). وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا ماتَ ولَدُ العبد قال اللّهَ للملائكةِ: أقَبَضْتُمْ ولَدَ عَبدي؟ فيقولون: نَعَم. فيقولُ اللّهُ تعالى: أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم. فيقول اللّهُ تعالى: ماذا قال؟ فيقولون: حَمِدَك واستَرْجَع، فيقول الله تعالى: ابْنُوا لعَبْدِي بَيْتاً في الجَنَّةِ وسَمُّوه بَيْتَ الحمدِ". تفسير : {وبشر الصابرين} يا من تتأتَّى منه البشارة؛ {الذين إذا أصباتهم مصيبة} في بدن أو أهل أو مال أو صاحب {قالوا إنا لله} ملكاً وعبيداً يحكم فينا بما يريد {وإنا إليه راجعون} فيجازينا بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فتغيب مصائب الدنيا في جانبه. وفي الحديث:"حديث : من أصابته مُصيبةٌ فقال: إنَّا لله وإنا إليه راجعُون. اللهم أجُرْنِي في مُصيبَتِي واخْلُفْ لي خَيْراً منها، إلا أَخْلَفَ الله له خيراً مما أصابه"تفسير : . قالت أم سَلَمَة: فلما ماتَ زوجي أبو سَلَمَة قلتَ ذلك، فأبدلني الله برسوله صلى الله عليه وسلم. {أولئك} الصابرون الراجعون إلى الله {عليهم صلوات} أي: مغفرة وتطهير {من ربهم ورحمة} أي: عطف ولطف {وأولئك هم المهتدون} لكل خير في الدنيا والآخرة. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا بطريق الخصوص استعينوا على سلوك طريق حضرتنا ومشاهدة أنوار قدسنا بالصبر على ما تكره النفوس؛ من ترك الحظوظ والشهوات، والميل إلى العادات والمألوفات، وبالصلاة الدائمة، وهي صلاة القلوب بالعكوف في حضرة الغيوب. {إن الله مع الصابرين} بالمعونة والتأييد، وإشراق أنوار التوحيد، ولا تقولوا لمن ترونه قتل نفسه بالذل والافتقار، وخرق العوائد وخلع العذار: إنه قد مات، بل هو حي لا يموت، قال الله تعالى: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} فإذا ماتت نفس المريد. واستوى عنده الذل والعز والمدح والذم، والغنى والفقر، والموت والحياة، فقد حييت روحه واتسع عليها فضاء الشهود، وتمتعت بالنظرة إلى الملك المعبود، فلا يزيدها الموت الحسيّ إلا اتصالاً وتمتعاً وشهوداً، فهي في الترقي أبداً سرمداً، ولكن لا تشعرون بما هم فيه في هذه الدار وفي تلك الدار. ويقال لهم عند إرادة سلوكهم الطريق إلى عين التحقيق: والله لنبلونكم يا معشر المريدين بشيء من إذاية الخلق وتضييق الرزق، وذهاب الأموال، وضعف الأبدان بالمجاهدة، وتأخير الفتح بظهور ثمرة المشاهدة؛ ليظهر الصادق في الطلب الثبوت في أحكام العبودية، حتى تشرق عليها أنوار الربوبية، ومن الكاذب بالرجوع إلى العوائد والشهوات، والركون إلى الرخص والتأويلات، {وبشر الصابرين} الثابتين في الطلب، بالظفر بكل ما أمَّلُوا، وبالوصول إلى ما إليه رحلوا، الذين إذا أصابتهم نكبة أو وقفة تحققوا بضعف العبودية، وتعلقوا بقوة الربوبية، فرجعوا إلى الله في كل شيء، فآواهم إليه من كل شيء، أولئك عليهم تَحنُّنٌ من ربهم وتقريب، وهم المهتدون إلى جوار الحبيب. قال ابن جزي: فائدة: وَرَدَ ذكر الصبر في القرآن في أكثر من سبعين موضعاً؛ وذلك لعظم موقعه في الدين، قال بعض العلماء: كل الحسنات لها أجر معلوم إلا الصبر، فإنه لا يحصر أجره؛ لقوله تعالى:{أية : إِنَمَّا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [الزمر: 10]. وذكر الله للصابرين ثمانياً من الكرامات. أولها: المحبة، قال:{أية : وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}تفسير : [آل عِمرَان: 146]، والثاني: النصر، قال:{أية : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}تفسير : [البَقَرَة: 153]، والثالث: غرفات الجنة، قال: {أية : يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ}تفسير : [الفرقان: 75] والرابع: الأجر الجزيل، قال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} والأربعة الأخرى المذكورة في هذه الآية، فمنها البشارة قال: {وبشر الصابرين}، والصلاة والرحمة والهداية قال: {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}. والصبر على أربعة أوجه: صبر على البلاء، وهو منع النفس عن التسخط والهلع والجزع، وصبر على النعم، وهو تقييدها بالشكر وعدم الطغيان والتكبّر بها، وصبر على الطاعة بالمحافظة والدوام عليها، وصبر على المعاصي بكف النفس عنها. وفوق الصبر التسليم، وهو ترك الاعتراض والتسخط ظاهراً، وترك الكراهية باطناً، وفوق التسليم الرضا بالقضاء، وهو سرور النفس بفعل الله، وهو صادر على المحبة، وكل ما يفعل المحبوب. هـ. ولمّا ذكر الحقّ تعالى الكعبة، وأمر بالتوجهة إليها، ناسب أن يذكر الصفا والمروة؛ لقربهما منها ومشاركتهما لها في أمر الدين، وذلك أن الصحابة تحرجوا أن يطوفوا بهما؛ لأن الصفا كان عليه صنم يقال له إِسَاف، وعلى المروة صنم يقال له نائلة، فخافوا أن يكون الطواف بينهما تعظيماً لهما، فرفع الله ذلك.

الطوسي

تفسير : اللغة والمعنى: الصبر هو حبس النفس عما تدعوا اليه من الامور، والصابر هو الحابس نفسه عما تدعوا اليه مما لا يجوز له. وهو صفة مدح. ووجه الاستعانة بالصبر أن في توطين النفس على الأمور تسهيلا لها. واستشعار الصبر إنما هو توطين النفس. ووجه الاستعانة بالصلاة ما فيها من الذكر لله، واستشعار الخشوع له، وتلاوة القرآن وما فيه من الوعظ، والتخويف، والوعد، والوعيد، والجنة، والنار، وما فيه من البيان الذي يوجب الهدى ويكشف العمى وكل ذلك داع الى طاعة الله، وزاجر عن معاصيه، فمن ها هنا كان فيه المعونة على ما فيه المشقة من الطاعة. وأمَّا الاستعانة فهي الأزدياد في القوة مثل من يريد أن يحمل مئة رطل فلا يتهيأ له ذلك فاذا استعان بزيادة قوة تأتي ذلك، وكذلك إن عاونه عليه غيره وعلى ذلك السبب والآلة، لانه بمنزلة الزيادة في القوة. وقوله تعالى: {إن الله مع الصابرين} أي معهم بالمعونة، والنصرة، كما تقول: إذا كان السلطان معك، فلا تنال من لقيت. وقد تكون {مع} في الكلام على معنى الاجتماع في المكان. وذلك لا يجوز عليه تعالى. وفي الآية دلالة على أن الصلاة فيها لطف، لان الله تعالى أمرنا بالاستعانة بها، وتوضيحه قوله: {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}تفسير : ولولا هذا النص، لجوزنا أن يكون في غير ذلك. والذي يستعان عليه بالصبر والصلاة. قيل فيه قولان: احدهما - طاعة الله، كأنه قال استعينوا بهذا الضرب من الطاعة على غيره فيها. والثاني - على الجهاد في سبيل الله، لأعدائه. الاعراب: وموضع الذين رفع لا يجوز غير ذلك عند جميع النحويين إلا المازني، فانه أجاز يا أيها الرجل اقبل، والعامل فيه ما يعمل في صفة المنادي - عند جميع النحويين - إلا الأخفش، فانه يجعله صلة لأي ويرفعه بأنه خبر ابتداء محذوف، كأنه قيل: يامن هم الذين آمنوا. إلا أنه لا يظهر المحذوف مع أي، وإنما حمله على ذلك لزوم البيان له، فقال: الصلة تلزم، والصفة لا تلزم. قال الرماني والوجه عندي أن تكون صفة بمنزلة الصلة في اللزوم، وإنما لزمت أي ها هنا في النداء، لان العرض بحرف التنبيه وقع في موضع التنبيه، فلزم، فلا يجوز أن تقول: نعم الذين في الدار، لان نعم إنما تعمل في الجنس الذي يكره إذا أضمر فسر بها.

الجنابذي

تفسير : {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تشريفٌ للمؤمنين بالخطاب لهم بعد اظهار الامتنان عليهم بنعمة الرّسول واستتباعه للنّعم الجليلة {ٱسْتَعِينُواْ} فى ذكرى وشكرى او فى جملة ما ذكر من ترك القبلة المعتادة والانصراف الى غير المعتادة والثّبات على الحقّ واستباق الخيرات وعدم الخشية من النّاس والخشية من الله والاهتداء والذّكر والشّكر، او فى جملة ما يهمّكم من معاشكم ومعادكم وجملة ما يحزنكم ويجزعكم {بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ} وقد مضى بيانٌ للآية عند قوله: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ} تفسير : [البقرة: 45] ؛ الآية {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} معيّةً رحيميّةً خاصّةً بخواصّ المؤمنين لا معيّةً رحمانيّةً قيّوميّةً حاصلة لكلّ موجود ولا معيّة رحيميّة عامّة لكلّ مؤمنٍ بايع ولىّ أمره ولكلّ مسلمٍ بايع نبىّ وقته فانّ الانسان كلّما ازداد قربه من الله حصل لله معه معيّه أخرى غير معيّته الاولى وما قيل فى الفارسيّة: شعر : بيزارم ازآن كهنه خدائى كه تو دارى هو روز مرا تازه خداى دكَر استى تفسير : اشارة الى تجدّد معيّته وتعدّدها وليس المراد تجدّد الآلهة روى عن الصّادق (ع) انّه قال فى كلام له: فمن صبر كُرهاً ولم يشك الى الخلق ولم يجزع بهتك ستره فهو من العامّ؛ ونصيبه ما قال الله تعالى: {أية : وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [البقرة: 155] اى بالجنّة، ومن استقبل البلايا بالرّحب وصبر على سكينةٍ ووقارٍ فهو من الخاصّ؛ ونصيبه ما قال الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}.

اطفيش

تفسير : {يأيُّها الَّذينَ آمنُوا اسْتَعينُوا}: على دخول الجنة والنجاة من النار، أو على محو الذنوب، أو على العبادات فإن الصبر والصلاة معونة على سائر العبادات مجملة لها وحفظ عن تضييعها. {بالصَّبْر}: عن المعاصى واللذات المباحات، وعلى العبادات والمصائب فالصبر حبس النفس على حال يشق عليها. {والصَّلاة}: الفريضة بأن تبالغوا جهدكم فى تصحيحها وتصحيح وظائفها وخشوعها، والإتيان بها على وجه أكمل، ككونها أول الوقت، والنافلة بأن ترغبوا فيها، فإن الصلاة أم العبادات، ومعراج المؤمنين، ومنجاة رب العالمين، وقوام الدين، فإنما خصها بالذكر من سائر العبادات لذلك ولتكررها، وقيل: الصبر هنا الصوم لأنه مقرون بالصلاة، وحملهُ بعضهم على الجهاد، والتحقيق ما فسرته به ووجه الاستعانة بالصلاة أنها تفعل على طريق الخضوع والتذلل للمعبود والإخلاص لهُ. {إنَّ اللهَ معَ الصَّابِرين}: بالنصر على الأعداء والشياطين والنفس والهوى، وبإجابة الدعاء والعوْن، وهذا عندى دليل على أن رتبة الصبر فوق رتبة الصلاة، إذ ذكرهما معاً، وأفرد الصبر هنا، وقال: {إن الله مع الصابرين} ولم يقل إن الله مع المصلين، وذلك لأن الصبر يدخل فى العبادات كلها الصلاة وغيرها.

اطفيش

تفسير : {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَعِينُواْ} على الشكر والذكر وسائر العبادات وترك المبالاة بعناد المعاندين، أو على نيل درجات الآخرة، والنقص من هول الموت، وما بعده من القبر والحشر وهول الدنيا {بِالصَّبْرِ} على البلاء ومشقة العبادة، وعن المعاصى وحظوظ النفس {وَالصَّلَٰوةِ} خصها من سائر الطاعات لعظم شأنها، لأنها أفضل العبادات بعد التوحيد، وأمها، ومعراج المؤمنين، ومناجاة الرب، ولتكررها، وهى الأصل الموجب لكمال التقرب {إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّٰبِرِينَ} بالعون والنصر، وذلك تعليل جملى، متعلق بالاستعانة بالصبر، لأنه المحتاج للتعليل، وأما الصلاة فحيث كانت أجل المطالب لم يفتقر الأمر بالاستعانة بها إلى العليل، كذا قيل مستأنسا له بقوله صلى الله عليه وسلم: حديث : جعلت قرة عيني في الصلاةتفسير : ، ويجوز أن يكون تعليلا للاستعانة بهما على الحذف، أى أن الله مع الصابرين والمصلين، قيل: أو للاستعانة بالصلاة فهما، وبالصبر تصريحا، فإنه إذا كان مع الصابرين فأولى أن يكون مع المصلين، لاشتمالها على الصبر، وفيه، أن الصبر أشد، وشامل للصبر على الصلاة وغيرها.

الالوسي

تفسير : {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ} على الذكر والشكر وسائر الطاعات من الصوم والجهاد وترك المبالاة بطعن المعاندين في أمر القبلة {وٱلصَّلَٰوةِ} التي هي الأصل والموجب لكمال التقرب إليه تعالى. {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} معية خاصة بالعون والنصر ولم يقل مع المصلين لأنه إذا كان مع الصابرين كان مع المصلين من باب أولى لاشتمال الصلاة على الصبر.

سيد قطب

تفسير : بعد تقرير القبلة، وإفراد الأمة المسلمة بشخصيتها المميزة، التي تتفق مع حقيقة تصورها المميزة كذلك.. كان أول توجيه لهذه الأمة ذات الشخصية الخاصة والكيان الخاص، هذه الأمة الوسط الشهيدة على الناس.. كان أول توجيه لهذه الأمة هو الاستعانة بالصبر والصلاة على تكاليف هذا الدور العظيم. والاستعداد لبذل التضحيات التي يتطلبها هذا الدور من استشهاد الشهداء، ونقص الأموال والأنفس والثمرات، والخوف والجوع، ومكابدة أهوال الجهاد لإقرار منهج الله في الأنفس، وإقراره في الأرض بين الناس. وربط قلوب هذه الأمة بالله، وتجردها له، ورد الأمور كلها إليه.. كل أولئك في مقابل رضى الله ورحمته وهدايته، وهي وحدها جزاء ضخم للقلب المؤمن، الذي يدرك قيمة هذا الجزاء.. {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة. إن الله مع الصابرين}.. يتكرر ذكر الصبر في القرآن كثيراً؛ ذلك أن الله سبحانه يعلم ضخامة الجهد الذي تقتضيه الاستقامة على الطريق بين شتى النوازع والدوافع؛ والذي يقتضيه القيام على دعوة الله في الأرض بين شتى الصراعات والعقبات؛ والذي يتطلب أن تبقى النفس مشدودة الأعصاب، مجندة القوى، يقظة للمداخل والمخارج.. ولا بد من الصبر في هذا كله.. لا بد من الصبر على الطاعات، والصبر عن المعاصي، والصبر على جهاد المشاقين لله، والصبر على الكيد بشتى صنوفه، والصبر على بطء النصر، والصبر على بعد الشقة، والصبر على انتفاش الباطل، والصبر على قلة الناصر، والصبر على طول الطريق الشائك، والصبر على التواء النفوس، وضلال القلوب، وثقلة العناد، ومضاضة الإعراض.. وحين يطول الأمد، ويشق الجهد، قد يضعف الصبر، أو ينفد، إذا لم يكن هناك زاد ومدد. ومن ثم يقرن الصلاة إلى الصبر؛ فهي المعين الذي لا ينضب، والزاد الذي لا ينفد. المعين الذي يجدد الطاقة، والزاد الذي يزود القلب، فيمتد حبل الصبر ولا ينقطع. ثم يضيف إلى الصبر، الرضى والبشاشة، والطمأنينة، والثقة، واليقين. إنه لا بد للإنسان الفاني الضعيف المحدود أن يتصل بالقوة الكبرى، يستمد منها العون حين يتجاوز الجهد قواه المحدودة. حينما تواجهه قوى الشر الباطنة والظاهرة. حينما يثقل عليه جهد الاستقامة على الطريق بين دفع الشهوات وإغراء المطامع، وحينما تثقل عليه مجاهدة الطغيان والفساد وهي عنيفة. حينما يطول به الطريق وتبعد به الشقة في عمره المحدود، ثم ينظر فإذا هو لم يبلغ شيئاً وقد أوشك المغيب، ولم ينل شيئاً وشمس العمر تميل للغروب. حينما يجد الشر نافشاً والخير ضاوياً ولا شعاع في الأفق ولا معلم في الطريق.. هنا تبدو قيمة الصلاة.. إنها الصلة المباشرة بين الإنسان الفاني والقوة الباقية. إنها الموعد المختار لالتقاء القطرة المنعزلة بالنبع الذي لا يغيض. إنها مفتاح الكنز الذي يغني ويقني ويفيض. إنها الانطلاقة من حدود الواقع الأرضي الصغير إلى مجال الواقع الكوني الكبير. إنها الروح والندى والظلال في الهاجرة، إنها اللمسة الحانية للقلب المتعب المكدود.. ومن هنا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان في الشدة قال: "حديث : أرحنا بها يا بلال" تفسير : ويكثر من الصلاة إذا حزبه أمر ليكثر من اللقاء بالله. إن هذا المنهج الإسلامي منهج عبادة. والعبادة فيه ذات أسرار. ومن أسرارها أنها زاد الطريق. وأنها مدد الروح. وأنها جلاء القلب. وأنه حيثما كان تكليف كانت العبادة هي مفتاح القلب لتذوق هذا التكليف في حلاوة وبشاشة ويسر.. إن الله سبحانه حينما انتدب محمداً - صلى الله عليه وسلم - للدور الكبير الشاق الثقيل، قال له: {أية : يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً. نصفه أو انقص منه قليلاً. أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً.. إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً}.. تفسير : فكان الإعداد للقول الثقيل، والتكليف الشاق، والدور العظيم هو قيام الليل وترتيل القرآن.. إنها العبادة التي تفتح القلب، وتوثق الصلة، وتيسر الأمر، وتشرق بالنور، وتفيض بالعزاء والسلوى والراحة والاطمئنان. ومن ثم يوجه الله المؤمنين هنا وهم على أبواب المشقات العظام.. إلى الصبر وإلى الصلاة.. ثم يجيء التعقيب بعد هذا التوجيه:{إن الله مع الصابرين}.. معهم، يؤيدهم، ويثبتهم، ويقويهم، ويؤنسهم، ولا يدعهم يقطعون الطريق وحدهم، ولا يتركهم لطاقتهم المحدودة، وقوتهم الضعيفة، إنما يمدهم حين ينفد زادهم، ويجدد عزيمتهم حين تطول بهم الطريق.. وهو يناديهم في أول الآية ذلك النداء الحبيب: {يا أيها الذين آمنوا}.. ويختم النداء بذلك التشجيع العجيب: {إن الله مع الصابرين}. والأحاديث في الصبر كثيرة نذكر بعضها لمناسبته للسياق القرآني هنا في إعداد الجماعة المسلمة لحمل عبئها والقيام بدورها: عن خباب بن الأرثّ - رضي الله عنه - "حديث : قال شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة في ظل الكعبة. فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار، فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه.. والله ليتمن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"تفسير : .. وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "حديث : كأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحكي نبياً من الأنبياء عليهم السلام، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه، وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"تفسير : . وعن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: حديث : المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم"تفسير : . والآن والجماعة المسلمة في المدينة مقبلة على جهاد شاق لإقرار منهج الله في الأرض، ولأداء دورها المقسوم لها في قدر الله، ولتسلم الراية والسير بها في الطريق الشاق الطويل.. الآن يأخذ القرآن في تعبئتها تعبئة روحية، وفي تقويم تصورها لما يجري في أثناء هذا الجهاد من جذب ودفع، ومن تضحيات وآلام، وفي إعطائها الموازين الصحيحة التي تقدر بها القيم في هذه المعركة الطويلة تقديراً صحيحاً: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله: أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون}.. إن هنالك قتلى سيخرون شهداء في معركة الحق. شهداء في سبيل الله. قتلى أعزاء أحباء. قتلى كراماً أزكياء - فالذين يخرجون في سبيل الله، والذين يضحون بأرواحهم في معركة الحق، هم عادة أكرم القلوب وأزكى الأرواح وأطهر النفوس - هؤلاء الذين يقتلون في سبيل الله ليسوا أمواتاً. إنهم أحياء. فلا يجوز أن يقال عنهم: أموات. لا يجوز أن يعتبروا أمواتاً في الحس والشعور، ولا أن يقال عنهم أموات بالشفة واللسان. إنهم أحياء بشهادة الله سبحانه. فهم لا بد أحياء. إنهم قتلوا في ظاهر الأمر، وحسبما ترى العين. ولكن حقيقة الموت وحقيقة الحياة لا تقررهما هذه النظرة السطحية الظاهرة.. إن سمة الحياة الأولى هي الفاعلية والنمو والامتداد. وسمة الموت الأولى هي السلبية والخمود والانقطاع.. وهؤلاء الذين يقتلون في سبيل الله فاعليتهم في نصرة الحق الذي قتلوا من أجله فاعلية مؤثرة، والفكرة التي من أجلها قتلوا ترتوي بدمائهم وتمتد، وتأثر الباقين وراءهم باستشهادهم يقوى ويمتد. فهم ما يزالون عنصراً فعالاً دافعاً مؤثراً في تكييف الحياة وتوجيهها، وهذه هي صفة الحياة الأولى. فهم أحياء أولاً بهذا الاعتبار الواقعي في دنيا الناس. ثم هم أحياء عند ربهم - إما بهذا الاعتبار، وإما باعتبار آخر لا ندري نحن كنهه. وحسبنا إخبار الله تعالى به: {أحياء ولكن لا تشعرون} لأن كنه هذه الحياة فوق إدراكنا البشري القاصر المحدود. ولكنهم أحياء. أحياء. ومن ثم لا يغسلون كما يغسل الموتى، ويكفنون في ثيابهم التي استشهدوا فيها. فالغسل تطهير للجسد الميت وهم أطهار بما فيهم من حياة. وثيابهم في الأرض ثيابهم في القبر لأنهم بعد أحياء. أحياء. فلا يشق قتلهم على الأهل والأحباء والأصدقاء. أحياء يشاركون في حياة الأهل والأحباء والأصدقاء. أحياء فلا يصعب فراقهم على القلوب الباقية خلفهم، ولا يتعاظمها الأمر، ولا يهولنها عظم الفداء. ثم هم بعد كونهم أحياء مكرمون عند الله، مأجورون أكرم الأجر وأوفاه: في صحيح مسلم: "حديث : إن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك إطلاعة. فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا. وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ ثم عاد عليهم بمثل هذا. فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى - لما يرون من ثواب الشهادة - فيقول الرب جل جلاله: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون ".. تفسير : وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: حديث : ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا، وله ما على الأرض من شيء. إلا الشهيد، ويتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة. تفسير : (أخرجه مالك والشيخان). ولكن من هم هؤلاء الشهداء الأحياء؟ إنهم أولئك الذين يقتلون {في سبيل الله}.. في سبيل الله وحده، دون شركة في شارة ولا هدف ولا غاية إلا الله. في سبيل هذا الحق الذي أنزله. في سبيل هذا المنهج الذي شرعه. في سبيل هذا الدين الذي اختاره.. في هذا السبيل وحده، لا في أي سبيل آخر، ولا تحت أي شعار آخر، ولا شركة مع هدف أو شعار، وفي هذا شدد القرآن وشدد الحديث، حتى ما تبقى في النفس شبهة أو خاطر.. غير الله.. عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: "حديث : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء. أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" تفسير : (أخرجه مالك والشيخان) وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - "حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله: رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضاً من الدنيا؟ فقال: "لا أجر له". فأعاد عليه ثلاثاً كل ذلك يقول: لا أجر له"تفسير : (أخرجه أبو داود). وعنه - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: حديث : تضمن الله تعالى لمن خرج في سبيل الله. لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي.. فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة. والذي نفس محمد بيده، ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم، لونه لون دم وريحه ريح مسك. والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله عز وجل أبداً ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة فيتبعوني ويشق عليهم أن يتخلفوا عني. والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل" تفسير : (أخرجه مالك والشيخان). فهؤلاء هم الشهداء. هؤلاء الذي يخرجون في سبيل الله، لا يخرجهم إلا جهاد في سبيله، وإيمان به، وتصديق برسله. ولقد كره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفتى فارسي يجاهد أن يذكر فارسيته ويعتز بجنسيته في مجال الجهاد: عن عبد الرحمن بن أبي عقبة عن أبيه (وكان مولى من أهل فارس) قال: "حديث : شهدت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أحداً. فضربت رجلاً من المشركين، فقلت: خذها وأنا الغلام الفارسي: فالتفت إليّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: هلا قلت وأنا الغلام الأنصاري؟ إن ابن أخت القوم منهم، وإن مولى القوم منهم"تفسير : (أخرجه أبو داود). فقد كره له صلى الله عليه وسلم أن يفخر بصفة غير صفة النصر للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن يحارب تحت شارة إلا شارة النصر لهذا الدين.. وهذا هو الجهاد. وفيه وحده تكون الشهادة، وتكون الحياة للشهداء. ثم يمضي السياق في التعبئة لمواجهة الأحداث، وفي تقويم التصور لحقيقة الأحداث: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات. وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون}.. ولا بد من تربية النفوس بالبلاء، ومن امتحان التصميم على معركة الحق بالمخاوف والشدائد، وبالجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات.. لا بد من هذا البلاء ليؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة، كي تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف. والعقائد الرخيصة التي لا يؤدي أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى. فالتكاليف هنا هي الثمن النفسي الذي تعز به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعز في نفوس الآخرين. وكلما تألموا في سبيلها، وكلما بذلوا من أجلها.. كانت أعز عليهم وكانوا أضن بها. كذلك لن يدرك الآخرون قيمتها إلا حين يرون ابتلاء أهلها بها وصبرهم على بلائها.. إنهم عندئذ سيقولون في أنفسهم: لو لم يكن ما عند هؤلاء من العقيدة خيراً مما يبتلون به وأكبر ما قبلوا هذا البلاء، ولا صبروا عليه.. وعندئذ ينقلب المعارضون للعقيدة باحثين عنها، مقدرين لها، مندفعين إليها.. وعندئذ يجيء نصر الله والفتح ويدخل الناس في دين الله أفواجاً.. ولا بد من البلاء كذلك ليصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى. فالشدائد تستجيش مكنون القوى ومذخور الطاقة؛ وتفتح في القلب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلا تحت مطارق الشدائد. والقيم والموازين والتصورات ما كانت لتصح وتدق وتستقيم إلا في جو المحنة التي تزيل الغبش عن العيون، والران عن القلوب. وأهم من هذا كله، أو القاعدة لهذا كله.. الالتجاء إلى الله وحده حين تهتز الأسناد كلها، وتتوارى الأوهام وهي شتى، ويخلو القلب إلى الله وحده. لا يجد سنداً إلا سنده. وفي هذه اللحظة فقط تنجلي الغشاوات، وتتفتح البصيرة، وينجلي الأفق على مد البصر.. لا شيء إلا الله.. لا قوة إلا قوته.. لا حول إلا حوله.. لا إرادة إلا إرادته.. لا ملجأ إلا إليه.. وعندئذ تلتقي الروح بالحقيقة الواحدة التي يقوم عليها تصور صحيح.. والنص القرآني هنا يصل بالنفس إلى هذه النقطة على الأفق: {وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون}.. إنا لله.. كلنا.. كل ما فينا.. كل كياننا وذاتيتنا.. لله.. وإليه المرجع والمآب في كل أمر وفي كل مصير.. التسليم.. التسليم المطلق.. تسليم الالتجاء الأخير المنبثق من الالتقاء وجهاً لوجه بالحقيقة الوحيدة، وبالتصور الصحيح. هؤلاء هم الصابرون.. الذين يبلغهم الرسول الكريم بالبشرى من المنعم الجليل.. وهؤلاء هم الذين يعلن المنعم الجليل مكانهم عنده جزاء الصبر الجميل: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون}.. صلوات من ربهم.. يرفعهم بها إلى المشاركة في نصيب نبيه الذي يصلي عليه هو وملائكته سبحانه.. وهو مقام كريم.. ورحمة.. وشهادة من الله بأنهم هم المهتدون.. وكل أمر من هذه هائل عظيم.. وبعد.. فلا بد من وقفة أمام هذه الخاتمة في تلك التعبئة للصف الإسلامي. التعبئة في مواجهة المشقة والجهد، والاستشهاد والقتل، والجوع والخوف، ونقص الأموال والأنفس والثمرات. التعبئة في هذه المعركة الطويلة الشاقة العظيمة التكاليف. إن الله يضع هذا كله في كفة. ويضع في الكفة الأخرى أمراً واحداً.. صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون.. إنه لا يعدهم هنا نصراً، ولا يعدهم هنا تمكيناً ولا يعدهم هنا مغانم، ولا يعدهم هنا شيئاً إلا صلوات الله ورحمته وشهادته.. لقد كان الله يعد هذه الجماعة لأمر أكبر من ذواتها وأكبر من حياتها. فكان من ثم يجردها من كل غاية، ومن كل هدف ومن كل رغبة من الرغبات البشرية - حتى الرغبة في انتصار العقيدة - كان يجردها من كل شائبة تشوب التجرد المطلق له ولطاعته ولدعوته.. كان عليهم أن يمضوا في طريقهم لا يتطلعون إلى شيء إلا رضى الله وصلواته ورحمته وشهادته لهم بأنهم مهتدون.. هذا هو الهدف، وهذه هي الغاية، وهذه هي الثمرة الحلوة التي تهفو إليها قلوبهم وحدها.. فأما ما يكتبه الله لهم بعد ذلك من النصر والتمكين فليس لهم، إنما هو لدعوة الله التي يحملونها. إن لهم في صلوات الله ورحمته وشهادته جزاء. جزاء على التضحية بالأموال والأنفس والثمرات. وجزاء على الخوف والجوع والشدة وجزاء على القتل والشهادة.. إن الكفة ترجح بهذا العطاء فهو أثقل في الميزان من كل عطاء. أرجح من النصر وأرجح من التمكين وأرجح من شفاء غيظ الصدور.. هذه هي التربية التي أخذ الله بها الصف المسلم ليعده ذلك الإعداد العجيب، وهذا هو المنهج الإلهي في التربية لمن يريد استخلاصهم لنفسه ودعوته ودينه من بين البشر أجمعين.

ابن عاشور

تفسير : هذه جمل معترضة بين قوله تعالى: { أية : وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } تفسير : [البقرة: 150] وما اتصل به من تعليله بقوله: { أية : لئلا يكون للناس عليكم حجة } تفسير : [البقرة: 150] وما عطف عليه من قوله { أية : ولأتم نعمتي عليكم } تفسير : [البقرة: 150] إلى قوله: { أية : واشكروا لي ولا تكفرون } تفسير : [البقرة: 152] وبين قوله: { أية : ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } تفسير : [البقرة: 177] لأن ذلك وقع تكملة لدفع المطاعن في شأن تحويل القبلة فله أشد اتصال بقوله: {لئلا يكون للناس عليكم حجةً} المتصل بقوله: { أية : وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره } تفسير : [البقرة: 150]. وهو اعتراض مُطْنِبٌ ابتُدىء به إعداد المسلمين لما هم أهله من نصر دين الله شكراً له على خَولهم من النعم المعدودة في الآيات السالفة من جعلهم أمة وسطاً وشهداء على الناس، وتفضيلِهم بالتوجه إلى استقبال أفضل بقعة، وتأييدهم بأنهم على الحق في ذلك، وأمْرِهم بالاستخفافِ بالظالمين وأَنْ لا يخشوهم، وتبْشيرهم بأنه أتم نعمته عليهم وهداهم، وامتن عليهم بأنه أرسل فيهم رسولاً منهم، وهداهم إلى الامتثال للأحكام العظيمة كالشكر والذكر، فإن الشكر والذكر بهما تهيئة النفوس إلى عظيم الأعمال، من أجل ذلك كله أَمرهم هنا بالصبر والصلاة، ونبههم إلى أنهما عون للنفس على عظيم الأعمال، فناسب تعقيبها بها، وأيضاً فإن ما ذكر من قوله: {لئلا يكون للناس عليكم حجةً} مشعر بأن أناساً متصدُّون لشغبهم وتشكيكهم والكيد لهم، فأُمروا بالاستعانة عليهم بالصبر والصلاة. وكلها متماسكة متناسبة الانتقال عدا آية: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} إلى قوله: { أية : شاكر عليم } تفسير : [البقرة: 158] فسيأتي تبييننا لموقعها. وافتُتح الكلام بالنداء لأن فيه إشعاراً بخبرٍ مهم عظيم، فإن شأن الأَخبار العظيمة التي تَهُول المخاطبَ أن يقدَّم قبلَها ما يهيءُ النفس لقبولها لتستأنس بها قبل أن تفْجَأَها. وفي افتتاح هذا الخطاب بالاستعانة بالصبر إيذان بأنه سيُعقب بالنَّدْب إلى عمل عظيم وبلْوى شديدة، وذلك تهيئةٌ للجهاد، ولعله إعداد لغزوة بدر الكبرى، فإن ابتداء المغازي كان قُبيل زمن تحويل القبلة إذ كان تحويل القبلة في رجب أو شعبان من السنة الثانية للهجرة وكانت غزوة بُوَاطَ والعُشَيْرَةِ وبدْرٍ الأولى في ربيع وجمادى من السنة الثانية ولم يكن فيهما قتال، وكانت بَدْرٌ الكبرى في رمضان من السنة الثانية فكانت بعد تحويل القبلة بنحو شهرين. وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: { أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم } تفسير : [البقرة: 143] أن ما وقع في حديث البراء بن عازب من قول الراوي أن ناساً قُتلوا قبل تحويل القبلة، أنه توهم من أحد الرواة عن البراء، فإن أَوَّلَ قَتْل في سبيل الله وقع في غزوة بدر وهي بعد تحويل القبلة بنحو شهرين، والأصح ما في حديث الترمذي عن ابن عباس قال « حديث : لما وُجِّه النبي إلى الكعبة قالوا يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس » تفسير : الحديث فلم يقل: (الذين قتلوا). فالوجه في تفسير هذه الآية أنها تهيئة للمسلمين للصبر على شدائد الحرب، وتحبيبٌ للشهادة إليهم. ولذلك وقع التعبير بالمضارع في قوله: {لمن يقتل في سبيل الله المشعر بأنه أمرٌ مستقبل وهم الذين قتلوا في وقعة بدر بُعَيد نزول هذه الآية. وقد تقدم القول في نظير هذه الآية عند قوله تعالى: { أية : واستعينوا بالصبر والصلوات وإنها لكبيرة } تفسير : [البقرة: 45] الآية إلاَّ أنا نقول هنا إن الله تعالى قال لبني إسرائيل: {إنها لكبيرة} علماً منه بضعف عزائمهم عن عظائم الأعمال وقال هنالك {إلاَّ على الخاشعين} ولم يذكر مثل هذا هنا، وفي هذا إيماء إلى أن المسلمين قد يُسر لهم ما يصعب على غيرهم، وأنهم الخاشعون الذين استثناهم الله هنالك، وزاد هنا فقال: {إن الله مع الصابرين} فبشرهم بأنهم ممن يمتثل هذا الأمر ويعد لذلك في زمرة الصابرين. وقوله {إن الله مع الصابرين} تذييل في معنى التعليل أي اصبروا ليكون الله معكم لأنه مع الصابرين. وقوله: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء} عطف النهي على الأمر قبله لمناسبة التعرض للغزو مما يتوقع معه القتل في سبيل الله، فلما أمروا بالصبر عرفوا أن الموت في سبيل الله أقوى ما يصبرون عليه، ولكن نبه مع ذلك على أن هذا الصبر ينقلب شكراً عندما يَرى الشهيد كرامته بعد الشهادة، وعندما يوقن ذووه بمصيره من الحياة الأبدية، فقوله: {ولا تقولوا} نهي عن القول الناشىء عن اعتقاد، ذلك لأن الإنسان لا يقول إلاّ ما يَعتقد فالمعنى ولا تعتقدوا، والظاهر أن هذا تكميل لقوله: { أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم } تفسير : [البقرة: 143] كما تقدَّم من حديث البراء فإنه قال: "قتل أناس قبل تحويل القبلة" فأعقب قوله: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} بأن فضيلة شهادتهم غير منقوصة. وارتفع {أمواتٌ} على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي لا تقولوا هم أموات. و{بل} للإضراب الإبطالي إبطالاً لمضمون المنهي عن قوله، والتقدير بل هم أحياء، وليس المعنى بل قُولوا هم أحياء لأن المراد إخبار المخاطبين هذا الخبرَ العظيمَ، فقوله: «أحْيَآء» هو خبر مبتدأ محذوف وهو كلام مستأنف بعد {بل} الإضرابية. وإنما قال: {ولكن لا تشعرون} للإشارة إلى أنها حياةٌ غير جسمية ولا مادِّيَّة بل حياة روحية، لكنها زائدة على مطلق حياة الأرواح، فإن للأرواح كلها حياة وهي عدم الاضمحلال وقبول التجسد في الحَشْر مع إحساس ما بكونها آيلة إلى نعيم أو جحيم، وأما حياة الذين قتلوا في سبيل الله فهي حياة مشتملة على إدراكات التنعم بلذات الجنة والعوالم العلوية والانكشافات الكاملة، ولذلك ورد في الحديث « حديث : إن أرواح الشهداء تجعل في حواصل طيور خضر ترعى من ثمر الجنة وتشرب من مائها » تفسير : . والحكمة في ذلك أن اتصال اللذات بالأرواح متوقف على توسط الحواس الجسمانية، فلما انفصلت الروح عن الجسد عُوِّضت جسداً مناسباً للجنة ليكون وسيلة لنعميها.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الاستعانة: طلب المعونة والقدرة على القول أو العمل. الصبر: حمل النفس على المكروه وتوطينها على احتمال المكاره. الشعور: الإحساس بالشيء المفضي إلى العلم به. الابتلاء: الاختبار والامتحان لإِظهار ما عليه الممتحن من قوة أو ضعف. الأموال: جمع مال وقد يكون ناطقاً وهو المواشي ويكون صامتاً وهو النقدان وغيرهما. المصيبة: ما يصيب العبد من ضرر في نفسه أو أهله أو ماله. الصلوات: جمع صلاة وهي من الله تعالى هنا المغفرة لعطف الرحمة عليها. ورحمة: الرحمة الإِنعام وهو جلب ما يسر ودفع ما يضر، وأعظم ذلك دخول الجنة بعد النجاة من النار. المهتدون: إلى طريق السعادة والكمال بإيمانهم وابتلاء الله تعالى لهم وصبرهم على ذلك. معنى الآيات: نادى الرب تعالى عباده المؤمنين وهم أهل ملة الإِسلام المسلمون ليرشدهم إلى ما يكون عوناً لهم على الثبات على قبلتهم التي اختارها لهم، وعلى ذكر ربهم وشكره وعدم نسيانه وكفره فقال: {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ} أي على ما طلب منكم من الثبات والذكر والشكر، وترك النسيان والكفر بالصبر الذي هو توطين النفس وحملها على أمر الله تعالى به وبإقام الصلاة، وأعلمهم أنه مع الصابرين يمدهم بالعون والقوة، فإذا صبروا نالهم عون الله تعالى وتقويته وهذا ما تضمنته الآية الأولى [153] أما الآية الثانية [154] فقد تضمنت نهيه تعالى لهم أن يقولوا معتقدين إن من قتل في سبيل الله ميت إذ هو حي في البرزخ وليس بميت بل هو حي يرزق في الجنة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش"تفسير : . (رواه مسلم). فلذا لا يقال لمن قتل في سبيل الله مات ولكن استشهد وهو شهيد وحيّ عند ربه حياة لا نحسها ولا نشعر بها لمفارقتها للحياة في هذه الدار. وأما الآية الثالثة [155] فإنه يقسم تعالى لعباده المؤمنين على أنه يبتليهم بشيء من الخوف بواسطة أعدائه وأعدائهم وهم الكفار عندما يشنون الحروب عليهم وبالجوع لحصار العدو ولغيره من الأسباب، وبنقص الأموال كموت الماشية للحرب والقحط، وبالأنفس كموت الرجال، وبفساد الثمار بالجوائح، كل ذلك لإِظهار من يصبر على إيمانه وطاعة ربه بامتثال أمره واجتناب نهيه ومن لا يصبر فيحرم ولاية الله وأجره، ثم أمر رسوله بأن يبشر الصابرين، وبين في الآية الرابعة [156] حال الصابرين وهي أنهم إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله، فله أن يصيبنا بما شاء لأنَّا ملكه وعبيده، وإنا إليه راجعون بالموت فلا جزع إذاً ولكن تسليم لحكمه ورضاً بقضائه وقدره، وفي الآية الخامسة [157] أخبر تعالى مبشراً أولئك الصابرين بمغفرة ذنوبهم وبرحمة من ربهم، وإنهم المهتدون إلى سعادتهم وكمالهم. فقال: {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فضيلة الصبر والأمر به والاستعانة بالصبر والصلاة على المصائب والتكاليف وفي الحديث كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. 2- فضل الشهداء على غيرهم بحياتهم عند ربهم حياة أكمل من حياة غيرهم في الجنة. 3- قد يبتلى المؤمن بالمصائب في النفس والأهل والمال ليصبر فترتفع درجته ويعلو مقامه عند ربه. 4- فضيلة الاسترجاع عند المصيبة وهو قول: إن لله وإنا إليه راجعون، وفي الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم، "حديث : ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها"تفسير : . (رواه مسلم)

القطان

تفسير : بعد ان تم تقرير القبلة، وما واكبه من امتحان كبير للمؤمنين، وما لا قوه من اليهود والمنافقين والمشركين، وبعد بيان نعم الله على المؤمنين ـ شرع سبحانه في توجيه هذه الأمة توجيها عظيما، وتوطينها على احتمال الشدائد، وتعويد النفوس على التضحية. وأعظم شيء يواجه الانسان به كل هذه المكاره هو الصبر. ولذلك قال تعالى: يا أيها المؤمنون، استعينوا في كل تأتون وما تذرون بالصبر. فانه أمر عظيم، ومزية كبرى, وليس الصبر مجرد الاستسلام والخنوع امام الحوادث، إن ذلك عجز وصغار لا يرضى بهما الله لعباده المؤمنين، وإنما هو تحمُّل مع عمل دائب مدروس. وكذلك بالصلاة، وهي الوقوف بين يدي الله تعالى ومناجاته بخشوع وتدبر، وطلب المعونة والهداية منه. بذلك يطهُر جسد المؤمن، كما تطهر روحه. وقد خص الصبر والصلاة معاً لأن الصبر أشد الأعمال الباطنية على البدن، والصلاة أشد الأعمال الظاهرة عليه. وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا حَزَبه أمر صلّى"تفسير : . فالصبر والصلاة من أقوى عُدد المؤمن في هذه الحياة، ان الله مع الصابرين. {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ...} نزلت هذه الآية في شهداء بدر وهي تعم كل من استشهد في سبيل الله. ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله هو ميت، فإنه حي عندي في حياة نعيم، وعيش هنيء. فالشهداء احياء في عالم غير عالمنا، ونحن لا نشعر بحياتهم، لأنها ليست في عالم الحس الذي يدرَك بالمشاعر. وقد صوّرها رسول الله أجمل تصوير رمزي فيما رواه مسلم في صحيحه عن عبدالله بن مسعود: "حديث : ان أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي الى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك اطلاعةً، فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا. وأي شيء نبغي وقد اعطيتنا ما لم تعطِ أحداً من خلقك؟ ثم عاد عليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يُتركون من أن يُسألوا قالوا: نريد ان تردنا الى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نُقتل فيك مرة أخرى، لما رأوا من ثواب الشهادة، فيقول الرب جل جلاله: اني كتبت انهم اليها لا يرجعون ". تفسير : وقد وردت احاديث كثيرة تشيد بالجهاد في سبيل الله، وفضل الشهداء والشهادة. وهل هناك أعظم من التضيحة في سبيل الله والوطن!!

د. أسعد حومد

تفسير : {يَآأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {ٱلصَّلاَةِ} {ٱلصَّابِرِينَ} (153) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ أَنَّ خَيْرَ مَا يَسْتَعِينَُونَ بهِ عَلَى إِقَامَةِ دِينِهِمْ، وَالدِّفَاعِ عَنْهُ، وَعَلَى سَائِرِ مَا يَشُقُّ عَلَيهِمْ مِنْ مَصَائِبِ الحَيَاةِ هُوَ التَّحَلِّي بِالصَّبْرِ، وَتَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى احتِمَالِ المَكَارِهِ، وَأَدَاءِ الصَّلاَةِ وَإِقَامَتِهَا حَقَّ إِقَامَتِهَا. فَالصَّبْرُ أَشَدُّ الأَعْمَالِ البَاطِنَةِ عَلَى النَّفْسِ، وَالصَّلاَةُ أَشَدُّ الأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ عََلَى البَدَنِ، وَاللهُ نَاصِرُ الصَّابِرِينَ، وَمُجِيبٌ لِدُعَائِهِمْ.

الثعلبي

تفسير : {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} بالعون والنصرة. {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ} نزلت في قتلى بدر مع المسلمين، وكانوا أربعة عشر رجلاً منهم ثمانية من الأنصار وستّة من المهاجرين؛ وذلك إنّ النّاس كانوا يقولون: الرّجل يقتل في سبيل الله: مات فلان، وذهب منه نعيم الدُّنيا ولذّتها، فأنزل الله تعالى {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ} أي هم أموات بل إنهم أحياء. {بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} إنّهم كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ ارواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح في ثمار الجنَّة، وتشرب من أنهارها، وتأوي بالليل إلى قناديل من نور معلقة تحت العرش ". تفسير : وقال الحسن: إن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الرّوح والفرح، كما تعرض النّار على أرواح آل فرعون غداة وعشياً فيصل إليهم الوجع. وقال أبو سنان السّلمي: أرواح الشهداء في قباب بيض من باب الجنّة في كلّ قبّة زوجتان، رزقهم في كلّ يوم طلعت فيه الشمس نور وحوت، فأما النور: ففيه طعم كلّ ثمرة في الجنة وامّا الحوت: ففيه طعم كلّ شراب في الجنّة. قال قتادة في هذه الآية: كنّا نحّدث إنّ أرواح الشهداء تعارف في طير بيض يأكلن من ثمار الجنّة وإنّ مساكنهم السدرة المنتهى، وإنّ للمجاهد في سبيل الله عزّ وجلّ ثلاث خصال: من قتل في سبيل الله منهم صار حيّاً مرزوقاً، ومن غلب أتاه الله أجراً عظيماً، ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً. عن النبّي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمهِ يكفّر عنه كل خطيئة ويرى مقعده من الجنّة ويزوّج من الحور العين ويؤمن من الفزع الأكبر ومن عذاب القبر ويحلّى بحلية الإيمان ". تفسير : {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} ولنختبرنّكم يا أمّة محمّد. {بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ} الآية، قال ابن عبّاس: الخوف يعني خوف العدو، والجوع يعني المجاعة والقحط. {وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ} يعني الخسران والنّقصان في المال، وهلاك المواشي {وَٱلأَنفُسِ} يعني الموت والقتل، وقيل: المرض وقيل: الشيب. {وَٱلثَّمَرَاتِ} يعني [الحوائج]، وأن لا تخرج الثمرة كما كانت تخرج، وقال الشافعي: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ} يعني خوف الله عزّ وجلّ {وَٱلْجُوعِ} صيام شهر رمضان، {وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ} أداء الزّكاة والصدّقات، {وَٱلأَنفُسِ} الأمراض، {وَٱلثَّمَرَاتِ} موت الأولاد؛ لأن ولد الرجل ثمرة قلبه يدلّ عليه ما روى عبد الله بن المبارك عن حماد بن سلمه عن أبي سنان قال: دفنت إبني سناناً، وأبو طلحه الخولاني على شفير القبر جالس، فلمّا أردت الخروج أخذ بيدي فانشطني وقال: ألا أُبشّرك يا أبا سنان؟ قلت: بلى. قال: حدّثنا الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب عن أبي موسى الأشعري: إنّ رسول صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا مات ولد العبد قال الله عزّ وجلّ للملائكة أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم فيقول: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله عزّ وجلّ: إبنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمّوه بيت الحمد ". تفسير : {وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ} على البلايا والرّزايا ثمّ نعتهم فقال: {ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ} عبيداً تجمع وملكاً. {وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} في الاْخرة أمال نصير النّون في قوله {إِنَّا للَّهِ}، فأمال قتيبة النون واللام جميعاً فخمها الباقون، وقال أبو بكر الورّاق: إنّا لله: اقرار منّا له بالملك وإنّا إليه راجعون: في الآخرة إقرار على أنفسنا بالهلاك. قال عكرمة: حديث : طفى سراج النبّي صلى الله عليه وسلم فقال: {إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} فقيل: يا رسول الله أمصيبة هي؟ قال: نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة . تفسير : قال سعيد بن جبير: ما أُعطي أحد في المصيبة ما أُعطي هذه الأمة يعني الاسترجاع ولو أعطي لأحد لأعطي يعقوب عليه السلام ألاّ تسمع إلى قوله في فقد يوسف {أية : يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ} تفسير : [يوسف: 84]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه ". تفسير : وعن فاطمة بنت الحسين عن أمّها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أصيب بمصيبة فأحدث استرجاعاً وان تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثل يوم أُصيب ". تفسير : {أُولَـٰئِكَ} أي أهل هذه الصفة. {عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ} قال ابن عبّاس: مغفرة {مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} ونعمة. ابن كيسان: الصلوات هاهنا الثناء والرّحمة والتزكية وإنّما ذكر الصلاة والرحمة ومعناهما واحد لاختلاف اللفظين كقول الحطيئة: شعر : ألا حبّذا هند وأرض بها هند وهند أتى من دونها النأي والبعد تفسير : وجمع الصلوات لأنّه عنى بها إنها رحمة بعد رحمة. { وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ} إلى الاسترجاع، وقيل: إلى الجنّة والثواب. وقيل: إلى الحقّ والصّواب وكان عمر بن الخطاب إذا قرأ هذه الآية قال: نعم العدلان ونعم العلاوة.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الله سبحانه وتعالى يطالبنا أن نستعين بالصبر والصلاة .. على ماذا؟ على كل ما يطلبه منا الله .. على تكليفاته ومنهجه نستعين على ذلك بالصبر والصلاة .. ولكن لماذا الصبر؟ لأن الصبر هو منع النفس من الجزع من أي شيء يحدث وهو يأخذ ألواناً شتى حسب تسامي الناس في العبادة. فمثلاً سئل الإمام علي رضي الله عنه عن حق الجار؟ قال: تعلمون أنك لا تؤذيه؟ قالوا نعم .. قال وأن تصبر على أذاه .. فكأنه ليس مطلوباً منك فقط ألا تؤذي جارك بل تصبر على أذاه .. والصبر هو الذي يعينك على أن تفعل ما أمرك الله به ولا تفعل ما نهاك الله عنه. إن الله منعك من أشياء هي من شهوات النفس وأمرك بأشياء فيها مشقة وهذه محتاجة إلى الصبر .. وأنت إن أخذت منهج الله تعبداً ستأخذه فيما بعد عادة، يقول أحد الصالحين في دعائه: اللهم إني أسألك ألا تكلني إلى نفسي، فإني أخشى يا رب ألا تثيبني على الطاعة لأنني أصبحت أشتهيها فسبحانك أمرتنا أن نحارب شهواتنا .. انظر إلى الطاعة من كثرة حب الله أصبحت مرغوبة محببة إلى النفس .. رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لبلال ساعة الآذان: (حديث : أرحنا بها يا بلال ). تفسير : ولم يقل كما يقول بعض الناس - والعياذ بالله - أرحنا منها؛ ذلك أن هناك من يقول لك: إن الصلاة تكون على كتفي مثل الجبل وأرتاح، نقول له أنت ترتاح بها ولا ترتاح منها .. لأنك وقفت بين يدي الله المُكَلِّف، وما دام الإنسان واقفاً أمام ربه فكل أمر شاق يصبح سهلاً. يقول أحد العابدين: أنا لا أواجه الله بعبوديتي، ولكن أواجهه بربوبيته فأرتاح لأنه ربي ورب العالمين .. الذي له أب يعينه لا يحمل هما، فما بالك بالذي له رب يعينه وينصره. قول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] أي أنه يطلب منك أن تواجه الحياة في معية الله؛ فأنت لو واجهت المشكلات في معية من تثق في قوته تواجه الأمور بشجاعة، فما بالك إذا كنت في معية الله وكل شيء في الوجود خاضع لله، أيجرؤ شيء أن يقف أمامك وأنت مع الله؟ إن الأحداث لا تملأ الخلق بالفزع والهلع إلا ساعة الانفلات من حضانة ربهم .. وإنما من يعيش في حضانة ربه لا يجرؤ عليه الشيطان فالشيطان خناس .. ما معنى خناس؟ إذا سهوت عن الله اجترأ عليك، وإذا ذكرت الله خنس وضعف؛ فهو لا قوة له .. وهو لا يدخل مع الله سبحانه وتعالى في معركة، وإنما يدخل مع خلق الله الذين ينسون الله ويبتعدون عنه .. يقول القرآن الكريم: {أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 82-83]. وما دام الله سبحانه وتعالى مع الصابرين فلابد أن نعشق الصبر .. وكيف لا نعشق ما يجعل الله معنا؟ يقول الحق جل جلاله في الحديث القدسي: [حديث : يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده] تفسير : يقول بعض الصالحين: اللهم إني استحي أن أسألك الشفاء والعافية حتى لا يكون ذلك زهداً في معيتي لك .. إذن لابد أن نعشق الصبر لأنه يجعلنا دائماً في معية الله. الله سبحانه وتعالى يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] .. ونحن نريد أن يكون الله سبحانه معنا دائماً .. إن هذه الآية لا تجعل الإنسان ييأس مهما لقى في حركة حياته من المشقة.

الجيلاني

تفسير : ثم إنه لما بالغ سبحانه في التنبيه والإرشاد، وناداهم رجاء أن يتنبهوا مع أن فطرتهم الأصلية على التوحيد الذاتي، فقال: {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بتوحيد الذات {ٱسْتَعِينُواْ} لتحققه وانكشافه {بِٱلصَّبْرِ} على ما جرى عليكم من الحوادث المنفرة لنفوسكم {وَٱلصَّلاَةِ} أي: الميل والتوجه إلى جنابه لجميع الأعضاء والجوارح {إِنَّ ٱللَّهَ} المعبر به عن الذات الأحدية {مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] المتحملين للبلاء لو كوشفوا. رب اجعلنا منه بفضلك وكرمك. {وَ} مما يستعان فيه بالصبر إلى أن ينشكف سترة: الجهاد لذلك {لاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ} طالباً الوصول إلى بابه {أَمْوَاتٌ} كالأموات الأخر {بَلْ أَحْيَاءٌ} بحية الله الأزلي السرمدي {وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154] بحياتهم بحياتكم المستعارة المستهلكة في الحياة الأزلية، بل هي عكس منها موت في نفسها. {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} والله لنختبرن ولنجربن تمكنكم ورسوخكم في توحيد الذات {بِشَيْءٍ} قليلٍ مما يشعر بالكثرة والاثنينية {مِّنَ ٱلْخَوْفِ} الحاصل من المنفرات الخارجية: مثل الحرق والغرق والعدو وغير ذلك {وَٱلْجُوعِ} الحاصل من المنفرات الداخلية، كالحرص والأمل والبخل وغيرها {وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ} التي يميل قلوبكم إليها بالطبع {وَٱلأَنفُسِ} التي تظاهرون وتفتخرون بها من الأولاد والإخوان والأقارب والعشائر {وَٱلثَّمَرَاتِ} المرتبة على الأموال والأولاد من الجاه، والمظاهرة في الغلبة على الخصماء {وَبَشِّرِ} يأ اكمل الرسل {ٱلصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] من أهل التوحيد وهم: {ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ} بلسان الجمع: {إِنَّا} ظلال {للَّهِ} الواحد الأحد المتجلي بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا في النشأة الأولى {وَإِنَّـآ} بعد رجوعنا في النشأة الأخرى {إِلَيْهِ} لا إلى غيره من الأظلال {رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] عائدون صائرون رجوع الظل إلى ذل ظل. {أُولَـٰئِكَ} السعداء المتمكنون في مقر التوحيد المنزهون عن الإطلاق والتقييد {عَلَيْهِمْ} لا على غيرهم من أصحاب المراتب {صَلَوَاتٌ} ميول وتوجيهات متشبعة من بحر الذات، جارية من جداول الأوصاف والأسماء إلى فضاء الظهرو؛ لإنبات المعارف والحقائق الموصلة إلى النعيم الدائم السرمدي واللذة المستمرة الأبدية، نازلة لهم دائماً {مِّن رَّبِّهِمْ} الذي أوصلهم إلى مقر عزه {وَرَحْمَةٌ} شاملة لهم ولغيرهم من سعتها {وَأُولَـٰئِكَ} الواصلون {هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 157] إلى المبدأ الحقيقي والمنزل الأصلي.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أمر الله تعالى المؤمنين، بالاستعانة على أمورهم الدينية والدنيوية { بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ } فالصبر هو: حبس النفس وكفها عما تكره، فهو ثلاثة أقسام: صبرها على طاعة الله حتى تؤديها، وعن معصية الله حتى تتركها، وعلى أقدار الله المؤلمة فلا تتسخطها، فالصبر هو المعونة العظيمة على كل أمر، فلا سبيل لغير الصابر، أن يدرك مطلوبه، خصوصا الطاعات الشاقة المستمرة، فإنها مفتقرة أشد الافتقار، إلى تحمل الصبر، وتجرع المرارة الشاقة، فإذا لازم صاحبها الصبر، فاز بالنجاح، وإن رده المكروه والمشقة عن الصبر والملازمة عليها، لم يدرك شيئا، وحصل على الحرمان، وكذلك المعصية التي تشتد دواعي النفس ونوازعها إليها وهي في محل قدرة العبد، فهذه لا يمكن تركها إلا بصبر عظيم، وكف لدواعي قلبه ونوازعها لله تعالى، واستعانة بالله على العصمة منها، فإنها من الفتن الكبار. وكذلك البلاء الشاق، خصوصا إن استمر، فهذا تضعف معه القوى النفسانية والجسدية، ويوجد مقتضاها، وهو التسخط، إن لم يقاومها صاحبها بالصبر لله، والتوكل عليه، واللجأ إليه، والافتقار على الدوام. فعلمت أن الصبر محتاج إليه العبد، بل مضطر إليه في كل حالة من أحواله، فلهذا أمر الله تعالى به، وأخبر أنه { مَعَ الصَّابِرِينَ } أي: مع من كان الصبر لهم خلقا، وصفة، وملكة بمعونته وتوفيقه، وتسديده، فهانت عليهم بذلك، المشاق والمكاره، وسهل عليهم كل عظيم، وزالت عنهم كل صعوبة، وهذه معية خاصة، تقتضي محبته ومعونته، ونصره وقربه، وهذه [منقبة عظيمة] للصابرين، فلو لم يكن للصابرين فضيلة إلا أنهم فازوا بهذه المعية من الله، لكفى بها فضلا وشرفا، وأما المعية العامة، فهي معية العلم والقدرة، كما في قوله تعالى: {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ } تفسير : وهذه عامة للخلق. وأمر تعالى بالاستعانة بالصلاة لأن الصلاة هي عماد الدين، ونور المؤمنين، وهي الصلة بين العبد وبين ربه، فإذا كانت صلاة العبد صلاة كاملة، مجتمعا فيها ما يلزم فيها، وما يسن، وحصل فيها حضور القلب، الذي هو لبها فصار العبد إذا دخل فيها، استشعر دخوله على ربه، ووقوفه بين يديه، موقف العبد الخادم المتأدب، مستحضرا لكل ما يقوله وما يفعله، مستغرقا بمناجاة ربه ودعائه لا جرم أن هذه الصلاة، من أكبر المعونة على جميع الأمور فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولأن هذا الحضور الذي يكون في الصلاة، يوجب للعبد في قلبه، وصفا، وداعيا يدعوه إلى امتثال أوامر ربه، واجتناب نواهيه، هذه هي الصلاة التي أمر الله أن نستعين بها على كل شيء.

همام الصنعاني

تفسير : 146- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت من المهاجرات الأُول، في قوله تعالى: {ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ}: [الآية: 153]، قالت: عشي على عبد الرحمن بن عوفق غشيةً ظنّوا أن نفقسه فيها فخرجت امرأته أم كلثوم إلى المسجد لِتَسْتَعِين بما أُمرت أن تستعين مِنَ الصَّبرِ والصَّلاةِ، قال: فلما أفاق، قال: غشي عليَّ؟ قالوا: نعم، قال: صدقتم إنه أتاني ملكان في غشيتي هذه، فقالا: انطلق نُحاكمكك إلى العزيز الأمين، قال: فانطلقا بي، قال: فلقيهما ملَك آخر، فقال: أين تُريدان؟ قالا: نُحاكِمُه إلى العزيز الأمين، قال: فأرْجَعاه، فإنَّ هذا ممن كتبت لهم السعادة وهم في بطون أمَّهاتهم، وسيمتع الله به بنيه ما شاء الله، قال: فعاش شهراً ثم مات.