٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
154
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذه الآية نظيرة قوله في آل عمران: {أية : بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } تفسير : [آل عمران:169] ووجه تعلق الآية بما قبلها كأنه قيل: استعينوا بالصبر والصلاة في إقامة ديني، فإن احتجتم في تلك الإقامة إلى مجاهدة عدوي بأموالكم وأبدانكم ففعلتم ذلك فتلفت نفوسكم فلا تحسبوا أنكم ضيعتم أنفسكم بل اعلموا أن قتلاكم أحياء عندي وههنا مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت الآية في قتلى بدر وقتل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلاً، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، فمن المهاجرين: عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب، وعمر بن أبي وقاص، وذو الشمالين، وعمرو بن نفيلة، وعامر بن بكر، ومهجع بن عبد الله. ومن الأنصار: سعيد بن خيثمة، وقيس بن عبد المنذر، وزيد بن الحرث، وتميم بن الهمام، ورافع بن المعلى، وحارثة بن سراقة، ومعوذ بن عفراء، وعوف بن عفراء، وكانوا يقولون: مات فلان ومات فلان فنهى الله تعالى أن يقال فيهم أنهم ماتوا. وعن آخرين أن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم طلباً لمرضاة محمد من غير فائدة فنزلت هذه الآية. المسألة الثانية: {أَمْوَاتٌ } رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: لا تقولوا هم أموات. المسألة الثالثة: في الآية أقوال: القول الأول: أنهم في الوقت أحياء كأن الله تعالى أحياهم لإيصال الثواب إليهم وهذا قول أكثر المفسرين وهذا دليل على أن المطيعين يصل ثوابهم إليهم وهم في القبور، فإن قيل: نحن نشاهد أجسادهم ميتة في القبور، فكيف يصح ما ذهبتم إليه؟ قلنا: أما عندنا فالبنية ليست شرطاً في الحياة ولا امتناع في أن يعيد الله الحياة إلى كل واحد من تلك الذرات والأجزاء الصغيرة من غير حاجة إلى التركيب والتأليف، وأما عند المعتزلة فلا يبعد أن يعيد الله الحياة إلى الأجزاء التي لا بد منها في ماهية الحي ولا يعتبر بالأطراف، ويحتمل أيضاً أن يحييهم إذا لم يشاهدوا. القول الثاني: قال الأصم: يعني لا تسموهم بالموتى وقولوا لهم الشهداء الأحياء ويحتمل أن المشركين قالوا: هم أموات في الدين كما قال الله تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ } تفسير : [الأنعام: 122] فقال: ولا تقولوا للشهداء ما قاله المشركون، ولكن قولوا: هم أحياء في الدين ولكن لا يشعرون، يعني المشركون لا يعلمون أن من قتل على دين محمد عليه الصلاة والسلام حي في الدين، وعلى هدى من ربه ونور كما روي في بعض الحكايات أن رجلاً قال لرجل: ما مات رجل خلف مثلك، وحكى عن بقراط أنه كان يقول لتلامذته: موتوا بالإرادة تحيوا بالطبيعة أي بالروح. القول الثالث: أن المشركين كانوا يقولون: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقتلون أنفسهم ويخسرون حياتهم فيخرجون من الدنيا بلا فائدة ويضيعون أعمارهم إلى غير شيء، وهؤلاء الذين قالوا ذلك، يحتمل أنهم كانوا دهرية ينكرون المعاد، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين بالمعاد إلا أنهم كانوا منكرين لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، فلذلك قالوا هذا الكلام، فقال الله تعالى: ولا تقولوا كما قال المشركون إنهم أموات لا ينشرون ولا ينتفعون بما تحملوا من الشدائد في الدنيا، ولكن اعلموا أنهم أحياء، أي سيحيون فيثابون وينعمون في الجنة وتفسير قوله: {أَحْيَاء } بأنهم سيحيون غير بعيد، قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ } تفسير : [الإنفطار: 13، 14] وقال: {أية : أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } تفسير : [الكهف: 29] وقال: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ } تفسير : [النساء: 145] وقال: {أية : فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ } تفسير : [الحج: 56] على معنى أنهم سيصيرون كذلك وهذا القول اختيار الكعبي وأبي مسلم الأصفهاني واعلم أن أكثر العلماء على ترجيح القول الأول، والذي يدل عليه وجوه. أحدها: الآيات الدالة على عذاب القبر، كقوله تعالى: {أية : قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ } تفسير : [غافر: 11] والموتتان لا تحصل إلا عند حصول الحياة في القبر، وقال الله تعالى: {أية : أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً } تفسير : [نوح: 25] والفاء للتعقيب، وقال: {أية : ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [غافر: 46] وإذا ثبت عذاب القبر وجب القول بثواب القبر أيضاً لأن العذاب حق الله تعالى على العبد والثواب حق للعبد على الله تعالى، فاسقاط العقاب أحسن من إسقاط الثواب فحيثما أسقط العقاب إلى يوم القيامة بل حققه في القبر، كان ذلك في الثواب أولى. وثانيها: أن المعنى لو كان على ما قيل في القول الثاني والثالث لم يكن لقوله: {وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } معنى لأن الخطاب للمؤمنين وقد كانوا لا يعلمون أنهم سيحيون يوم القيامة، وأنهم ماتوا على هدى ونور، فعلم أن الأمر على ما قلنا من أن الله تعالى أحياهم في قبورهم. وثالثها: أن قوله: {أية : وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم } تفسير : [آل عمران: 170] دليل على حصول الحياة في البرزخ قبل البعث. ورابعها: قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران» تفسير : والأخبار في ثواب القبر وعذابه كالمتواترة، وكان عليه الصلاة والسلام يقول في آخر صلاته: «حديث : وأعوذ بك من عذاب القبر»تفسير : . وخامسها: أنه لو كان المراد من قوله: أنهم أحياء أنهم سيحيون، فحينئذ لا يبقى لتخصيصهم بهذا فائدة، أجاب عنه أبو مسلم بأنه تعالى إنما خصهم بالذكر لأن درجتهم في الجنة أرفع ومنزلتهم أعلى وأشرف لقوله تعالى: {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّينَ وَٱلصّدّيقِينَ وَٱلشُّهَدَاء وَٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [النساء: 69] فأرادهم بالذكر تعظيماً. واعلم أن هذا الجواب ضعيف وذلك لأن منزلة النبيين والصديقين أعظم مع أن الله تعالى ما خصهم بالذكر. وسادسها: أن الناس يزورون قبور الشهداء ويعظمونها وذلك يدل من بعض الوجوه على ما ذكرناه، واحتج أبو مسلم على ترجيح قوله بأنه تعالى ذكر هذه الآية في آل عمران فقال: {أية : بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ } تفسير : [آل عمران: 169] وهذه العندية ليست بالمكان، بل بالكون في الجنة، ومعلوم أن أهل الثواب لا يدخلون الجنة إلا بعد القيامة. والجواب: لا نسلم أن هذه العندية ليست إلا بالكون في الجنة بل بإعلاء الدرجات وإيصال البشارات إليه وهو في القبر أو في موضع آخر، واعلم أن في الآية قولاً آخر وهو: أن ثواب القبر وعذابه للروح لا للقالب، وهذا القول بناء على معرفة الروح، ولنشر إلى خلاصة حاصل قول هؤلاء فنقول: إنهم قالوا إن الإنسان لا يجوز أن يكون عبارة عن هذا الهيكل المحسوس، أما إنه لا يجوز أن يكون عبارة عن هذا الهيكل فلوجهين: الوجه الأول: أن أجزاء هذا الهيكل أبداً في النمو والذبول والزيادة والنقصان والاستكمال والذوبان ولا شك أن الإنسان من حيث هو أمر باق من أول عمره، والباقي غير ما هو غير باق، والمشار إليه عند كل أحد بقوله: {أَنَاْ } وجب أن يكون مغايراً لهذا الهيكل. الوجه الثاني: أني أكون عالماً بأني أنا حال ما أكون غافلاً عن جميع أجزائي وأبعاضي، والمعلوم غير ما هو غير معلوم، فالذي أشير إليه بقولي (أنا) مغاير لهذه الأعضاء والأبعاض، وأما أن الإنسان غير محسوس فلأن المحسوس إنما هو السطح واللون، ولا شك أن الإنسان ليس هو مجرد اللون والسطح، ثم اختلفوا عند ذلك في أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله (أنا) أي شيء هو؟ والأقوال فيه كثيرة إلا أن أشدها تلخيصاً وتحصيلاً وجهان. أحدهما: أن أجزاء جسمانية سارية في هذا الهيكل سريان النار في الفحم والدهن في السمسم وماء الورد في الورود والقائلون بهذا القول فريقان. أحدهما: الذين اعتقدوا تماثل الأجسام فقالوا: إن تلك الأجسام مماثلة لسائر الأجزاء التي منها يتألف هذا الهيكل إلا أن القادر المختار سبحانه يبقي بعض الأجزاء من أول العمر إلى آخره فتلك الأجزاء هي التي يشير إليها كل أحد بقوله (أنا) ثم أن تلك الأجزاء حية بحياة يخلقها الله تعالى فيها فإذا زالت الحياة ماتت وهذا قول أكثر المتكلفين. وثانيهما: الذين اعتقدوا اختلاف الأجسام وزعموا أن الأجسام التي هي باقية من أول العمر إلى آخر العمر أجسام مخالفة بالماهية والحقيقة للأجسام التي يتألف منها هذا الهيكل وتلك الأجسام حية لذاتها مدركة لذاتها، فإذا خالطت هذا البدن وصارت سارية في هذا الهيكل، سريان النار في الفحم صار هذا الهيكل مستطيراً بنور ذلك الروح / متحركاً بتحركه، ثم إن هذا الهيكل أبداً في الذوبان والتحلل والتبدل، إلا أن تلك الأجزاء باقية بحالها، وإنما لا يعرض لها التحلل لأنها مخالفة بالماهية لهذه الأجسام البالية، فإذا فسد هذا القالب انفصلت تلك الأجسام اللطيفة النورانية إلى عالم السموات والقدس والطهار إن كانت من جملة السعداء، وإلى الجحيم وعالم الآفات إن كانت من جملة الأشقياء. والقول الثاني: أن الذي يشير إليه كل احد بقوله: (أنا موجود) ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز، وأنه ليس داخل العالم ولا خارج العالم ولا يلزم من كونه كذلك أن يكون مثل الله تعالى لأن الاشتراك في السلوك لا يقتضي الاشتراك في الماهية، واحتجوا على ذلك بأن في المعلومات ما هو فرد حقاً فوجب أن يكون العلم به فرداً حقاً، فوجب أن يكون الموصوف بذلك العلم فرداً حقاً، وكل جسم وكل حال في الجسم فليس بفرد حقاً، فذلك الذي يصدق عليه منا أنه يعلم هذه المفردات، وجب أن لا يكون جسماً ولا جسمانياً أما أن في المعلومات ما هو فرد حقاً فلأنه لا شك في وجود شيء، فهذا الموجود إن كان فرداً حقاً فهو المطلوب، وإن كان مركباً فالمركب مركب على الفرد، فلا بد من الفرد على كل الأحوال، وأما أنه إذا كان في المعلومات ما هو فرد كان في المعلوم ما هو فرد لأن العلم المتعلق بذلك الفرد إن كان منقسماً فكل واحد من أجزائه أو بعض أجزائه إما أن يكون علماً بذلك المعلوم وهو محال، لأنه يلزم أن يكون الجزء مساوياً للكل وهو محال، وإما أن لا يكون شيء من أجزائه علماً بذلك المعلوم، فعند اجتماع تلك الأجزاء إما أن يحدث زائد هو العلم بذلك المعلوم الفرد، فحينئذ يكون العلم بذلك المعلوم هو هذه الكيفية الحادثة لا تلك الأشياء التي فرضناها قبل ذلك ثم هذه الكيفية إن كانت منقسمة عاد الحديث فيه وإن لم تكن منقسمة فهو المطلوب، وأما إنه إذا كان في المعلوم علم لا يقبل القسمة كان الموصوف به أيضاً كذلك، فلأن الموصوف به لو كان قبل القسمة، لكان كل واحد من تلك الأجزاء أو شيء منها إن كان موصوفاً به بتمامه فحينئذ يكون العرض الواحد حالاً في أشياء كثيرة وهو محال، أو يتوزع أجزاء الحال على أجزاء المحل، فيقسم الحال وقد فرضنا أنه غير منقسم أو لا يتصف شيء من أجزاء المحل إلا بتمام الحال ولا شيء من أجزاء ذلك الحال، فحينئذ يكون ذلك المحل خالياً عن ذلك الحال وقد فرضناه موصوفاً به هذا خلف، وأما أن كل متحيز ينقسم فبالدلائل المذكورة في نفي الجوهر الفرد، قالوا: فثبت أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله: (أنا موجود) ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز ثم نقول: هذا الموجود لا بد أن يكون مدركاً للجزئيات لأنه لا يمكنني أن أحكم على هذا الشخص المشار إليه بأنه إنسان وليس بفرس، والحاكم بشيء على شيء لا بد وأن يحضر المقضي عليهما فهذا الشيء مدرك لهذا الجزئي وللإنسان الكلي حتى يمكنه أن يحكم بهذا الكلي على هذا الجزئي والمدرك للكليات هو النفس والمدرك للجزئيات أيضاً هو النفس، فكل من كان مدركاً للجزئيات فإنه لا يمتنع أن يلتذ ويتألم، قالوا: إذا ثبت هذا فنقول: هذه الأرواح بعد المفارقة تتألم وتلتذ إلى أن يردها الله تعالى إلى الأبدان يوم القيامة، فهناك يحصل الإلتذاذ والتألم للأبدان، فهذا قول قال به عالم من الناس قالوا: وهب أنه لم يقم برهان قاهر على القول به ولكن لم يقم دليل على فساده، فإنه مما يؤيد الشرع وينصر ظاهر القرآن ويزيل الشكوك والشبهات عما ورد في كتاب الله من ثواب القبر وعذابه فوجب المصير إليه فهذا هو الإشارة المختصرة في توجيه هذا القول، والله هو العالم بحقائق الأمور. قالوا: ومما يؤكد هذا القول هو أن ثواب القبر وعذابه إما أن يصل إلى هذه البنية أو إلى جزء من أجزائها، والأول مكابرة لأنا نجد هذه البنية متفرقة متمزقة فكيف يمكن القول بوصول الثواب والعقاب إليها؟ فلم يبق إلا أن يقال: إن الله تعالى يحيي بعض تلك الأجزاء الصغيرة ويوصل الثواب والعقاب إليها، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال: الإنسان هو الروح فإنه لا يعرض له التفرق والتمزق فلا جرم يصل إليه الألم واللذة ثم إنه سبحانه وتعالى يرد الروح إلى البدن يوم القيامة الكبرى، حتى تنضم الأحوال الجسمانية إلى الأحوال الروحانية.
القرطبي
تفسير : هذا مِثْل قوله تعالى في الآية الأخرى: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}تفسير : [آل عمران: 169]، وهناك يأتي الكلام في الشهداء وأحكامهم، إن شاء الله تعالى. وإذا كان الله تعالى يحييهم بعد الموت ليرزقهم ـ على ما يأتي ـ فيجوز أن يحيي الكفار ليعذبهم، ويكون فيه دليل على عذاب القبر. والشهداء أحياء كما قال الله تعالى، وليس معناه أنهم سَيَحيوْن؛ إذ لو كان كذلك لم يكن بين الشهداء وبين غيرهم فرق إذ كل أحد سَيَحْيَا. ويدل على هذا قوله تعالى: {وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} والمؤمنون يشعرون أنهم سيحيوْن. وٱرتفع «أموات» على إضمار مبتدأ، وكذلك «بل أحياء» أي هم أموات وهم أحياء، ولا يصح إعمال القول فيه لأنه ليس بينه وبينه تناسب؛ كما يصح في قولك: قلت كلاماً وحجة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ ٱللَّهِ } هم {أَمْوَاتٌ بَلْ } هم {أَحْيَاءٌ } أرواحهم في حواصل طيور خُضْرٍ تسرح في الجنة حيث شاءت لحديث بذلك {وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } تعلمون ما هم فيه.
الشوكاني
تفسير : لما فرغ سبحانه من إرشاد عباده إلى ذكره، وشكره، عقب ذلك بإرشادهم إلى الاستعانة بالصبر، والصلاة، فإنّ من جمع بين ذكر الله، وشكره، واستعان بالصبر، والصلاة على تأدية ما أمر الله به، ودفع ما يرد عليه من المحن، فقد هُدِى إلى الصواب، ووُفِّق إلى الخير، وإن هذه المعية التي أوضحها الله بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } فيها أعظم ترغيب لعباده سبحانه إلى لزوم الصبر على ما ينوب من الخطوب، فمن كان الله معه لم يخش من الأهوال، وإن كانت كالجبال. وأموات، وأحياء مرتفعان على أنهما خبران لمحذوفين، أي: لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله هم أموات، بل هم أحياء، ولكن لا تشعرون بهذه الحياة عند مشاهدتكم لأبدانهم، بعد سلب أرواحهم؛ لأنكم تحكمون عليها بالموت في ظاهر الأمر بحسب ما يبلغ إليه علمكم الذي هو بالنسبة إلى علم الله كما يأخذ الطائر في منقاره من ماء البحر، وليسوا كذلك في الواقع، بل هم أحياء في البرزخ. وفي الآية دليل على ثبوت عذاب القبر، ولا اعتداد بخلاف من خالف في ذلك، فقد تواترت به الأحاديث الصحيحة، ودلت عليه الآيات القرآنية، ومثل هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } تفسير : [آل عمران: 169]. والبلاء أصله المحنة، ومعنى نبلوكم: نمتحنكم لنختبركم، هل تصبرون على القضاء أم لا؟ وتنكير شيء للتقليل، أي: بشيء قليل من هذه الأمور. وقرأ الضحاك: "بأشياء". والمراد بالخوف: ما يحصل لمن يخشى من نزول ضرر به من عدوّ أو غيره، وبالجوع: المجاعة التي تحصل عند الجدب، والقحط، وبنقص الأموال: ما يحصل فيها بسبب الجوائج، وما أوجبه الله فيها من الزكاة، ونحوها. وبنقص الأنفس: الموت والقتل في الجهاد، وبنقص الثمرات: ما يصيبها من الآفات، وهو من عطف الخاص على العام، لشمول الأموال للثمرات وغيرها، وقيل: المراد بنقص الثمرات: موت الأولاد. وقوله: {وَبَشّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ } أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يقدر على التبشير. وقد تقدّم معنى البشارة. والصبر أصله الحبس، ووصفهم بأنهم المسترجعون عند المصيبة؛ لأن ذلك تسليم ورضا. والمصيبة واحدة المصائب، وهي: النكبة التي يتأذّى بها الإنسان، وإن صغرت. وقوله: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ } فيه بيان أن هذه الكلمات ملجأ للمصابين، وعصمة للممتحنين، فإنها جامعة بين الإقرار بالعبودية لله، والاعتراف بالبعث، والنشور. ومعنى الصلوات هنا: المغفرة، والثناء الحسن. قاله الزجاج. وعلى هذا، فذكر الرحمة القصد التأكيد. وقال في الكشاف: "الصلاة الرحمة، والتعطف، فوضعت موضع الرأفة، وجمع بينها، وبين الرحمة كقوله: {أية : رأفة ورحمة}تفسير : [الحديد: 27] {أية : رَءوفٌ رَّحِيمٌ }تفسير : [التوبة: 117، 128، النور: 20، الحشر: 20] والمعنى: عليهم رأفة بعد رأفة، ورحمة بعد رحمة". انتهى. وقيل المراد بالرحمة: كشف الكربة، وقضاء الحاجة. و {ٱلْمُهْتَدُونَ } قد تقدّم معناه. وإنما وصفوا هنا بذلك؛ لكونهم فعلوا ما فيه الوصول إلى طريق الصواب من الاسترجاع، والتسليم. وأخرج الحاكم، والبيهقي في الدلائل، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: غشي على عبد الرحمن بن عوف في وجعه غشية ظنوا أنه قد فاضت نفسه فيها، حتى قاموا من عنده، وجللُوه ثوباً، وخرجت أم كلثوم بنت عقبة امرأته إلى المسجد تستعين بما أمرت به من الصبر، والصلاة، فلبثوا ساعة، وهو في غشيته، ثم أفاق. وأخرج ابن منده في المعرفة، عن ابن عباس قال: قتل عمير بن الحمام ببدر، وفيه وفي غيره نزلت: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } في طاعة الله في قتال المشركين. وقد وردت أحاديث أن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر تأكل من ثمار الجنة. فمنها عن كعب بن مالك مرفوعاً عند أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه. وروي أن أرواح الشهداء تكون على صور طيور بيض، كما أخرجه عبد الرزاق، عن قتادة قال: بلغنا، فذكر ذلك. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير عنه أيضاً بنحوه، وروى أنها على صور طيور خضر، كما أخرجه ابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي العالية. وأخرجه ابن أبي شيبة في البعث، والنشور عن كعب. وأخرجه هناد بن السَرِيِّ عن هذيل. وأخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف عن عبد الله بن كعب بن مالك مرفوعاً، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن عطاء في قوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ } قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم } الآية، قال: أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دار بلاء، وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر، وبشرهم فقال: {وَبَشّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ } وأخبر أن المؤمن إذا سلم لأمر الله ورجع واسترجع عند المصيبة كتب الله له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله، والرحمة، وتخفيف سبيل الهدى. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن رجاء بن حيوة في قوله: {وَنَقْصٍ مّن ٱلثَّمَرَاتِ } قال: يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة فيه إلا تمرة. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعطيت أمتي شيئاً لم يعطه أحد من الأمم، أن يقولوا عند المصيبة: {إنا لله، وإنا إليه راجعون}»تفسير : وقد ورد في فضل الاسترجاع عند المصيبة أحاديث كثيرة.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَآءٌ} النفوس عند الله ـ تعالى ـ منعمو الأجسام وإن كانت أجسامهم كأجسام الموتى أو ليسوا أمواتاً بالضلال بل أحياء بالهدى. نزلت لما قالوا في قتلى بدر وأُحُد مات فلان وفلان.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌ...}. إن قلت: هلا قيل: لمن قتل في سبيل الله بلفظ الماضي؟ قال أجيب عنه بوجهين: - الأول: أن ابن عطية قال: سبب نزولها أن الناس قالوا فيمن قتلوا ببدر وأحد مات فلان وفلان فكره الله تعالى أن يحط منزلة الشهداء إلى منزلة غيرهم فنزلت الآية. وغزوة بدر وأحد هما أعظم الغزوات وما بعدهما من الغزوات دونهما بلا شك فلو كان الفعل ماضيا لتوهم خصوصية هذه الفضيلة بمن قتل في الغزوتين فقط فأتى به مضارعا ليدل على عمومها فيمن بعدهم وفيهم من باب أحرى. - الثاني: لو قال: "قتل" لكان فيه إيحاش ووصم عليهم لأنهم كانوا (متأسفين) على من قتل منهم فيتذكرونهم بهذا ويزداد حزنهم عليهم، ولا يقال: قتل فلان غالبا إلا فيمن يفتجع عليه أو يفرح لموته فيقال: لِمَنْ يُقْتَلُ، ليعم على من يأتي ومن مضى ويسلم من هذا الإيحاش. قوله تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ...}. هذا إما إخبار أو حكم من الله تعالى عليهم بالحياة. والمراد بل قولوا: هم أحياء والأول أظهر (لقوله: {وَلَٰكِن لاَّ تَشْعُرُونَ}).
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ...} الآية: سببها أن الناس قالوا فيمن قتل ببدر وأُحُدٍ من المؤمنين: مَاتَ فلانٌ، ماتَ فلانٌ، فكره اللَّه سبحانه؛ أن تُحَطَّ منزلةُ الشهداءِ إِلى منزلة غيرهم، فنزلَتْ هذه الآية، وأيضاً: فإِن المؤمنين صَعْبٌ عليهم فراقُ إِخوانهم وقراباتِهِمْ، فنزلَتِ الآيةُ مسلِّية لهم، تعظِّم منزلة الشهداءِ، وتخبر عن حقيقةِ حالِهِمْ، فصاروا مغبوطين لا محزوناً لهم؛ ويظهر ذلك من حديث أُمِّ حارثَةَ في السِّيَرِ. * ت *: وخرَّجه البخاريُّ في «صحيحه» عن أنسٍ، قال: «حديث : أُصِيبَ حارثةُ يوم بَدْر أصابه غَرْبُ سَهْمٍ، وهو غلامٌ، فجاءَتْ أُمُّهُ إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالَتْ: يا رسُولَ اللَّهِ، قد عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّي، فَإِنْ يَكُ فِي الجَنَّةِ أَصْبِرْ، وَأَحْتَسِب، وَإِن تَكُن الأُخْرَىٰ، تَرَىٰ مَا أَصْنَعُ، فَقَالَ: وَيْحَكِ، أَوَ هُبِلْتِ، أَو جَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هَيَ؛ إنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ فِي الفِرْدَوْسِ الأَعْلَىٰ...» تفسير : الحديثَ. انتهى. * ع: والفرق بين الشهيدِ وغيرهِ إِنما هو الرِّزْقُ، وذلك أنَّ اللَّه تعالَىٰ فضَّلهم بدوام حالِهِمُ التي كانَتْ في الدنيا فرزَقهُم. * ت *: وللشهيدِ أحوالٌ شريفةٌ منها ما خرَّجه الترمذيُّ وابن ماجة عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : لِلشَّهِيدِ عِنْد اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ؛ يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَىٰ مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَىٰ رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، ومَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ الْعِينِ، وَيَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أقْرِبَائِهِ» تفسير : . قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ، زاد ابن ماجَة: «حديث : وَيُحَلَّىٰ حُلَّةَ الإِيمَانِ»تفسير : ، قال القرطبيُّ في «تذكرته»: هكذا وقع في نسخ الترمذيِّ وابن ماجة: «ستَّ خِصَالٍ» وهي في متن الحديث سَبْعٌ، وعلى ما في ابن ماجة: «وَيُحَلَّىٰ حُلَّةَ الإِيمَانِ» تكون ثمانياً، وكذا ذكره أبو بكر أحمد بن سَلْمَان النَّجَّاد بسنده عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ ثَمَانِ خِصَالٍ» تفسير : انتهى. وخرَّج الترمذيُّ، والنسائِيُّ عنْه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الشَّهِيدُ لاَ يَجِدُ أَلَمَ القَتْلِ إلاَّ كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ أَلَمَ القَرْصَةِ» تفسير : انتهى. * ع *: روي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنَّ أرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تُعَلَّقُ مِنْ ثَمَرِ الجَنَّةِ» تفسير : ، وروي: «حديث : أَنَّهُمْ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ»تفسير : ، ورويَ: «حديث : أنهم في قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ»تفسير : ، إِلى كثير من هذا، ولا محالة أنها أحوالٌ لِطَوَائِفَ، أو للجميع في أوقات متغايرة. * ت *: وكذا ذكر شَبِيبُ بن إِبراهيم في كتاب «الإِفصاح» أنَّ المنعَّمين على جهاتٍ مختلفةٍ؛ بحسب مقاماتهم وتفاوتهم في أعمالهم، قال صاحب «التذكرة»: وهذا قول حَسَنٌ، وبه يجمع بين الأخبار حتى لا تتدافع. انتهى. قال: * ع *: وجمهور العلماء علَىٰ أنهم في الجَنَّة؛ ويؤيِّده قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لأمِّ حَارِثَةَ: «إِنَّهُ فِي الفِرْدَوْسِ الأَعْلَىٰ». وقال مجاهد: هم خارجُ الجَنَّةِ ويعلَّقون من شجرِهَا، وفي «مختصر الطبريِّ»، قال: ونهى عزَّ وجَلَّ أنْ يقال لِمَنْ يقتلُ في سبيلِ اللَّهِ أمْوَاتٌ، وأعْلَمَ سبحانه أنهم أحياءٌ، ولكنْ لا شعورَ لَنَا بذلك؛ إذ لا نُشَاهِدُ باطنَ أمرهم، وخُصُّوا مِنْ بين سائر المُؤمنين، بأنهم في البَرْزَخِ يرزَقُون من مطاعِم الجَنَّة ما يُرْزَقُ المؤمنون من أهْل الجنة علَىٰ أنه قد ورد في الحديثِ: «حديث : إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ يُعَلَّقُ فِي شَجَرِ الجَنَّةِ»تفسير : ، ومعنى: «يُعَلَّق»: يأكل؛ ومنه قوله: ما ذقْتُ عَلاقاً، أي: مأكلاً، فقد عم المؤمنين؛ بأنهم يرزقُونَ في البرزخ من رزق الجنة، ولكن لا يمتنعُ أن يخصَّ الشهداء من ذلك بقَدْر لا يناله غيرهم، واللَّه أعلم. انتهى. وروى النسائيُّ «حديث : أن رجلاً قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ المُؤْمِنِينَ يُفْتَنُون فِي قُبُورِهِمُ إِلاَّ الشَّهِيدَ؟ قَالَ: كَفَىٰ بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَىٰ رَأْسِهِ فِتْنَةً»تفسير : . انتهى. * ت *: وحديثُ: «حديث : إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ»تفسير : خرَّجه مالك رحمه اللَّه. قال الدَّاووديُّ: وحديث مالكٍ، هذا أصحُّ ما جاء في الأرواح، والذي روي أنها تجعل في حواصِلِ طيرٍ لا يصحُّ في النقل. انتهى. قال أبو عُمَرَ بْنُ عبْدِ البَرِّ في «التمهيد»: والأشبه قولُ من قال: كَطَيْرٍ أو كصُوَرِ طيرٍ؛ لموافقته لحديثِ «الموطَّإ»، هذا وأسند أبو عمر هذه الأحاديثَ، ولم يذكر مطعناً في إسنادها. انتهى. ثم أعلمهم تعالَىٰ أن الدنيا دارُ بلاءٍ ومحنةٍ، ثم وعد على الصَّبْر، فقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم } أي: نمتحنكم {بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ }، أي: من الأعداء في الحروبِ، {وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمْوَالِ} أي بالجوانحِ، والمصائبِ، {وَٱلأَنفُسِ } بالموت، والقَتْل، {وَٱلثَّمَرٰتِ} بالعَاهَاتِ، والمرادُ بشيءٍ من هذا وشيءٍ من هذا، واكتفَىٰ بالأول إِيجازاً، ثم وصف سبحانه الصابرين الَّذين بشَّرهم بقوله: {ٱلَّذِينَ إِذَا أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ }، فجعل سبحانه هذه الكلماتِ ملجأً لذوي المصائبِ؛ لما جمعتْ من المعاني المباركةِ من توحِيدِ اللَّهِ سبحانه، والإِقرار له بالعبودية، والبعثِ من القبورِ، واليقينِ بأنَّ رجوع الأمر كلِّه إِليه؛ كما هو له، قال الفَخْرُ: قال أبو بَكْرٍ الوَرَّاق: {إِنَّا لِلَّهِ }: إقرارٌ منَّا له بالمُلْكِ، {وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ } إِقرارٌ على أنفسنا بالهلاكِ. واعلم أن قوله: {إِنَّا لِلَّهِ } يدلُّ علَىٰ كونه راضيًا بكلِّ ما نَزَلَ به، ووردَتْ أخبارٌ كثيرةٌ في هذا البابِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فمنِ ٱسترجَع عند المصيبة، جَبَر اللَّه مصيبته، وأحْسَنَ عقباه، وجعل له خَلَفاً صالحاً يرضَاهُ. انتهى. ورُوِيَ: «حديث : أنَّ مَصْبَاحَ رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم ٱنْطَفَأَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعُونَ }، فَقِيلَ: أَمُصِيبَةٌ هِيَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ كُلُّ مَا آذَى المُؤْمِنَ، فَهُوَ مُصِيبَةٌ»تفسير : . قال النوويُّ: ورُوِّينَا في «كتاب ابن السُّنِّيِّ» عن أبي هريرة، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليسترجعْ أحدُكُمْ في كلِّ شيء، حتَّىٰ في شِسْعِ نَعْلِه؛ فَإِنها من المصائِبِ» تفسير : . انتهى من «الْحِلْيَةِ». وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ...} الآية: نِعَمٌ من اللَّه تعالَىٰ على الصابرين المسترجعين، وصلوات اللَّه علَىٰ عبده: عفْوُهُ، ورحمتُه، وبركته، وتشريفه إِياه في الدنيا والآخرة، وكرَّر الرحْمَة، وهي من أعظم أجزاء الصلاة، لمَّا اختلف اللَّفْظ؛ تأكيداً منه تعالَىٰ وشهد لهم بالٱهتداء. * ت *: وفي «صحيح البخاري»: وقال عُمَرُ: نِعْمَ العدلان، ونَعْمُ العِلاَوة الَّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ، قالوا: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعُونَ...} إلى {ٱلْمُهْتَدُونَ }، قال النوويُّ في «الحلية»: ورُوِّينا في سنن ابن ماجة، والبيهقيِّ بإِسناد حَسَنٍ عن عمرِو بْنِ حَزْمٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إِلاَّ كَسَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْم القِيَامَةِ»تفسير : ، ورُوِّينا في كتاب الترمذيِّ، والسنن الكَبيِرِ للبيهقيِّ عن ابْنِ مسعودٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَنْ عَزَّىٰ مُصَابًا، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» تفسير : إِسناده ضعيف، ورُوِّينا في كتاب الترمذيِّ أيضاً عن أبي هريرة؛ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَنْ عَزَّىٰ ثَكْلَىٰ، كُسِيَ بِرِدَاءٍ فِي الجَنَّةِ» تفسير : . قال الترمذيُّ ليس إِسناده بالقَوِيِّ. انتهى.
ابن عادل
تفسير : قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت الآية في قَتْلى "بدر"، وقتل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلاً: ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار. فمن المهاجرين: عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب، وعمر بن أبي وقاص، وذو الشمالين، وعمرو بن نفيلة، وعامر بن بكر، ومهجع بن عبد الله، ومن الأنصار: سعيد بن خيثمة، وقيس بن عبد المنذر، وزيد بن الحرث، وتميم بن الهمام، ورافع بن المعلى، وحارثة بن سراقة، ومعوذ بن عفراء، وعوف بن عفراء رضوان الله تعالى عليهم وكانوا يقولون: مات فلان ومات فلان، فنهى الله - تعالى - أن يقال فيهم: إنهم ماتوا. وقال بعضهم: إن الكفار والمنافقين قالوا: إنّ الناس يقتلون أنفسهم طلباً لمَرْضَاة محمد من غير فائدة فنزلت هذه الآية. فصل في المراد بحياة الشهداء اختلفوا في هذه الحياة. فقال أكثر المفسرين: إنهم في القبر أحياء كأن الله تعالى أحياهم لإيصال الثواب إليهم، وهذا دليل على أن المطيعين يصل ثوابهم إليهم وهم في القبور. فإن قيل: نحن نشاهد أجسادهم ميتة في القبور، فكيف يصح ما ذهبتم إليه؟ فالجواب: قال ابن الخطيب: أما عندنا فالبنية ليست شرطاً في الحياة، ولا امتناع في أن يعيد الله الحياة إلى كلّ واحد من تلك الذّرات والأجزاء الصغيرة من غير حاجة إلى التركيب والتأليف. وأما عند المعتزلة فلا يبعد أن يعيد الله الحياة إلى الأجزاء التي لا بدّ منها في ماهية الحي، ولا يعتبر بالأطراف. ويحتمل أيضاً أن يحييهم إذا لم يشاهدوا. وقال الأصم: يعني لا تسمّوهم بالموتى، وقولوا لهم: الشهداء الأحياء، ويحتمل أن المشركين قالوا: هم أموات في الدين كما قال تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ}تفسير : [الأنعام: 122] فقال: ولا تقولوا للشهداء ما قاله المشركون، ولكن قولوا: هم أحياء في الدين، ولكن لا يشعرون [يعني المشركين لا يعلمون من قتل على دين محمد صلوات الله وسلامه عليه حيٌّ في الدين] وقال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني: إن المشركين كانوا يقولون: إن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - يقتلون أنفسهم، ويخسرون حياتهم، فيخرجون من الدنيا بلا فائدة، ويضيعون أعمارهم إلى غير شيء. وهؤلاء الذين قالوا ذلك، يحتمل أنهم كانوا دهرية ينكرون المعاد، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين بالمعاد إلا أنهم منكرين لنبوة محمد - عليه الصلاة والسلام - فلذلك قالوا هذا الكلام، فقال الله تعالى ولا تقولوا كما قال المشركون: إنهم أموات لا ينشرون ولا ينتفعون بما تحملوا من الشدائد في الدّنيا، ولكن اعلموا أنهم أحياء، أي: سيحيون فيثابون وينعمون في الجنة، وتفسير قوله: "أحياء" بأنهم سيحيون غير بعيد، قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}تفسير : [الانفطار: 13 - 14]، وقال: {أية : أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}تفسير : [الكهف: 29]. وقال: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [النساء: 145] وقال {أية : ٱفَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ}تفسير : [الحج: 56]. والقول الأول هو المشهور ويدل عليه وجوه: أحدها: الآيات الدالة على عذاب القبر كقوله تعالى: {أية : قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ}تفسير : [غافر: 11]، [والموتتان لا تحصلان إلا عند حصول الحياة في القبر] وقال الله تعالى: {أية : أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً}تفسير : [نوح: 25] و"الفاء" للتعقيب. وقال: {أية : ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ}تفسير : [غافر: 46] وإذا ثبت عذاب القبر وجب القول بثواب القبر أيضاً؛ لأن العذاب حقّ الله - تعالى - على العبد، والثواب حق للعبد على الله تعالى. وثانيها: أن المعنى لو كان على ما قيل في القول الثاني والثالث لم يكن لقوله: وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ" معنى؛ لأن الخطاب للمؤمنين، وقد [كانوا يعلمون أنهم ماتوا على هدى وكون أنهم] كانوا لا يعلمون؛ أي أنهم سيحيون يوم القيامة. وثالثها: أن قوله تعالى: {أية : وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم}تفسير : [آل عمران: 170] دليل على حصول الحياة في البَرْزَخِ قبل البعث. ورابعها: قوله عليه الصلاة والسلام حديث : أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَاب القَبْرِتفسير : وقوله: "حديث : القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النيران " تفسير : وخامسها: أنه لو كان المراد من قوله: "إنهم أحياء" أنهم سيحيون، فحينئذ لا يبقى لتخصيصهم بهذا فائدة. قال القرطبي: والشهداء أحياء كما قال الله تعالى: وليس معناه أنهم سيحيون، إذ لو كان كذلك لم يكن بين الشهداء وبين غيرهم فرق إذ كل أحد سَيَحْيَا. ويدل على هذا قوله تبارك وتعالى: {وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ} والمؤمنون يشعرون أنهم سيحيون. وأجاب عنه أبو مسلم بأنه - تعالى - إنما خصهم بالذكر؛ لأن درجتهم في الجنة أرفع، ومنزلتهم أعلى وأشرف لقوله تعالى: {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [النساء: 69] فأرادهم بالذكر تعظيماً. قال ابن الخطيب: هذا الجواب ضعيف؛ لأن منزلة النبيين والصديقين أعظم مع أن الله - تعالى - ما خصهم بالذكر. وفي هذا الجواب نظر؛ لأن الآية الكريمة ليست في النبيين والصديقين، إنما هي في الشهداء. واحتج أبو مسلم بأنه - تعالى - ذكر هذه الآية في "آل عمران" فقال: {أية : بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}تفسير : [آل عمران: 169] وهذه العندية ليست بالمكان، بل بالكون في الجنة، ومعلوم أن أهل الثواب لا يدخلون الجنة إلا بعد القيامة. وقال ابن الخطيب: لا نسلم أن هذه العندية ليست إلا بالكون في الجنة، بل بإعلاء الدرجات، وإيصال البشارات إليه، وهو في القبر، أو في موضع آخر. وقال بعضهم: ثواب القبر وعذابه للروح لا للقالب، والكلام في هذه المسألة مذكور في غير هذا المكان. [قال الحسن: إن الشهداء هم أحياء عند الله - تعالى - تُعْرض أرزاقهم على أرواحهم، فيصل إليهم الروح والفرج، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوة وعشية، فيصل إليهم الوَجَعُ]. قوله تعالى: {أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ} خبر مبتدأ محذوف أي: لا تقولوا: هم أموات، وكذلك "أحياء" خبر مبتدأ محذوف أي: بل هم أحياء. [وقد راعى لفظ "من" مرة فأفرد في قوله: "يقتل"، ومعناها أخرى، فجمع في قوله: "أموات بل أحياء"] و"اللام" هنا للعلة، ولا تكون للتبليغ؛ لأنهم لم يُبَلِّغُوا الشهداء قوله هذا. والجملة من قوله: "هم أموات" في محلّ نصب بالقول؛ لأنها محكية به. وأما "بل هم أحياء" فيحتمل وجهين: أحدهما: ألا يكون له محل من الإعراب، بل هو إخبار من الله - تعالى - بأنهم أحياء، ويرجحه قوله: {وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ}؛ إذ المعنى لا شعور لكم بحياتهم. والثاني: أن يكون محلّه النصب بقول محذوف تقديره، بل قولوا: هم أحياء، ولا يجوز أن ينتصب بالقول الأول لفساد المعنى، وحذف مفعول "يشعرون" لفهم المعنى: أي بحياتهم، والله أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن منده في المعرفة من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قتل تميم بن الحمام ببدر وفيه وفي غيره نزلت {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات...} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {لمن يقتل في سبيل الله} قال: في طاعة الله، في قتال المشركين. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي العالية في قوله {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء} قال: يقول: هم أحياء في صور طير خضر، يطيرون في الجنة حيث شاؤوا، ويأكلون من حيث شاؤوا. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير عن عكرمة في قوله تعالى {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات...} الآية. قال: أرواح الشهداء طير بيض فقاقيع في الجنة. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في البعث والنشور عن كعب قال: جنة المأوى فيها طير خضر ترتقي فيها أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، وأولاد المؤمنين الذين لم يبلغوا الحنث عصافير من عصافير الجنة ترعى وتسرح. وأخرج عبد الرزاق عن معمرعن قتادة قال "حديث : بلغنا أن أرواح الشهداء في صور طير بيض تأكل من ثمار الجنة، وقال الكلبي عن النبي صلى الله عليه وسلم: في صورة طير بيض تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون} قال: ذكر لنا أن أرواح الشهداء تعارف في طير بيض تأكل من ثمار الجنة، وان مساكنهم السدرة، وان الله أعطى المجاهد ثلاث خصال من الخير: من قتل في سبيل الله كان حياً مرزوقاً، ومن غلب آتاه الله أجراً عظيماً، ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {بل أحياء} قال: كان يقول: من ثمر الجنة، ويجدون ريحها وليسوا فيها. وأخرج مالك وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن كعب بن مالك "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تعلق من ثمر الجنة أو شجر الجنة ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أرواح الشهداء في صور طير خضر معلقة في قناديل الجنة حتى يرجعها الله يوم القيامة ". تفسير : وأخرج النسائي والحاكم وصححه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول الله له: يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أي رب خير منزل. فيقول: سل وتمنّ. فيقول: وما أسألك وأتمنى، أسألك أن تردني إلى الدنيا فاقتل في سبيل الله عشر مرات لما يرى من فضل الشهادة ".
السلمي
تفسير : قيل: لأنهم مقتولون فى الحق، ومن كان مقتولاً فيه كان حياته ولكن لا تشعرون، أى لا يعلمه من نظر إلى الجهاد بعين التدبير ولم ينظر إليه بعين الرضا.
القشيري
تفسير : فاتتهم الحياة في الدنيا ولكن وصلوا إلى الحياة الأبدية في العُقْبَى، فهم في الحقيقة أحياء، يجدون من الله فنون الكرامات. ويقال هم أحياء لأن الخَلَفَ عنهم اللهُ ومَنْ كان الخلفُ عنه الله لا يكون ميتاً، قال قائلهم في مخلوق: شعر : إن يكن عنَّا مضى بسبيله فما مات من يبقى له مثل خالد تفسير : ويقال هم أحياء بذكرِ الله لهم، والذي هو مذكور الحق بالجميل بذكره السرمدي ليس بميت. ويقال إنَّ أشباحهم وإنْ كانت متفرقة، فإنَّ أرواحهم - بالحق سبحانه - متحققة. ولئن فَنِيَتْ بالله أشباحُهم فلقد بَقِيَتْ بالله أرواحهم لأنَّ من كان فناؤه بالله كان بقاؤه بالله. ويقال هم أحياء بشواهد التعظيم، عليهم رداء الهيبة وهُمْ في ظلال الأُنْس، يبسطهم جَمَالُه مرةً، ويستغرقهم جلاله أخرى.
البقلي
تفسير : {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ} اى لا تقولوا ولا تظنوا لمن يقتل في سبيل العشق بسيق الشوق اموات بل احياء بعد فنائه عن حياة الانسانية بحيوة الربانية {وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} لانكم محبوسون بين الوجود والعدم وهم مخلدون في بقاء القدم ومن ذبح نفسه من اربعة مواضع قطع راس حرضها من الدنيا في مذبح التفريد وقطع راس املها من ارداة حيوتها وجودها في مصرع التجريد وقطع رأس رياستها من الخلق في منحر التوحيد وقطع راس مليها الى الاخرة في مقتل التحقيق البس الله تعالى روحه اربعة لباس في اربع مقام البسها لباس سناء المعرفة في مقام المكاشفة والبها لباس صفاء المحبة في مقام المشاهدة والبسها لباس ضياء الوصلة في مقام القربة والبسها لباس انوار الانانية بنعت البسط والسلطنة في مقام المخاطبة واذا كان بهذه الصفة فقد فاز من سكرات الممات وصار حيا ببقاء الصفات وقيل لانهم متقولن في الحق ومن كان مقتولا فيه كان حيا بوه ولكن لا تشعرون اى لا يعلمه من نظر الى الجهاد بعين التدبير ولم نظر اليه بعين الرضا.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تقولوا} نزلت فى شهداء بدر وكانوا اربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الانصار وكان الناس يقولون {لمن يقتل} فى سبيل الله مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها فانزل الله تعالى ولا تقولوا لمن يقتل القتل نقض البنية الحيوانية {فى سبيل الله} وهو الجهاد لانه طريق الى ثواب الله ورحمته {أموات} اى هم اموات {بل أحياء} اى كالاحياء فى الحكم لا ينقطع ثواب اعمالهم لانهم قتلوا لنصرة دين الله فما دام الدين ظاهرا فى الدنيا وأحد يقاتل فى سبيل الله فلهم ثواب ذلك لانهم سنوا هذه السنة {ولكن لا تشعرون} كيف حالهم فى حياتهم وفيه رمز الى انها ليست مما يشعر به بالمشاعر الظاهرة من الحياة الجسمانية وانما هى امر روحانى لا يدرك بالعقل بل بالوحى. وفى الآية دلالة على ان الارواح جواهر قائمة بأنفسها مغايرة لما يحس به من البدن تبقى بعد الموت دراكة وعليه الجمهور. فان قلت الحياة الروحانية المستتبعة لادراك اللذة والالم مشتركة فى الجميع فما وجه تخصيص الشهداء بها قلت لاختصاصهم بالقرب من الله تعالى ومزيد البهجة والكرامة ومن لم يبلغ منزلتهم لا تكون حياته معتدا بها فكأنه ليس بحى قال تعالى فى حق اهل النار {أية : لا يموت فيها ولا يحيى }تفسير : [طه: 74]. واعلم ان نفس الانسان وذاته الذى هو مخاطب مكلف مأمور منهى بأوامر الله ونواهيه جسمانى لطيف سار فى هذا البدن المحسوس سريان النار فى الفحم وماء الورد فى الورد وهو الذى يشير اليه كل احد بقوله انا وهو الانسان حقيقة وهو الولى والنبى والمثاب والمعاقب على اعماله وهو كان فى صلب آدم حين سجد له الملائكة وهو الذى سأله الله بقوله {أية : ألست بربكم قالوا بلى} تفسير : [الأعراف: 172]. وهو الذى يتوفى فى المنام ويخرج ويسرح ويرى الرؤيا فيسر بما يرى او يحزن فان امسكه الله ولم يرجع الى جسده تبعه الروح والجسد الكثيف المعبر عنه بالبدن والروح السلطانى محل تعينه هو القلب الصنوبرى والروح الحيوانى محل تعينه هو الدماغ ويقال له القلب والعقل والنفس ايضا سرى فى جميع اعضاء البدن الا ان سلطانه قوى فى الدماغ فهو اقوى مظاهره وهو اى الروح الحيوانى انما حدث بعد تعلق الروح السلطانى بهذا الهيكل فهو من انعكاس انوار الروح السلطانى ليكون مبدأ الافعال لان الحياة امر مغيب مستور فى الحى لا يعلم الا بآثارها كالحس والحركة والعلم والارادة وغيرها وهذا يدور على الروح الحيوانى فما دام هذا البخار باقيا على الوجه الذى يصلح ان يكون علاقة بينهما فالحياة قائمة وعند انتفائه وخروجه عن الصلاحية له تزول الحياة ويخرج الروح من البدن خروجا اضطراريا وهو الموت الحقيقى وكما يخرج الروح من البدن خروجا اضطراريا كذلك قد يخرج منه خروجا اختياريا ويعود اليه متى شاء وهو الذى سماه الصوفية بالانسلاخ فقد عرفت من هذا ان مذهب اهل السنة والجماعة ان الروح جسم لطيف مغاير لهذا الهيكل المحسوس وانكشف لك حال الروح ووقف على اسرار البرزخ واحوال القبر وما فيه من الالم واللذة الجسمانيين وانحل عندك وجه كونه روضة من رياض الجنة او حفرة من حفر النيران فالشهداء احياء بالحياة البرزخية متنعمون لانهم اجسام لطيفة كالملائكة فانهم موجودون احياء قال المولى الفنارى فى تفسير الفاتحة كل نعيم يتنعم به الصديقون والشهداء والصالحون فى البرزخ خيالى وكذا كل عذاب يتألم به الجهنميون ومصداق ذلك انه اذا نفخ فى الصور وبعث الخلق ينسى كل واحد منهم حاله فى البرزخ ويتخيل ان ذلك الذى كان فيه منام كما تخليه المستيقظ وقد كان حين مات وانتقل الى البرزخ كالمستيقظ هناك وان الحياة الدنيا كانت له كالمنام وفى الآخرة يعتقد فى امر الدنيا والبرزخ انه منام فى منام وان اليقظة الصيححة هى التى هو عليها فى الدار الآخرة حيث لا نوم فيها ولا نوم بعدها انتهى كلامه. قال فى اسئلة الحكم ان امور البرزخ والآخرة على النمط الغير المألوف فى الدنيا والارواح بعد الموت ليس لها نعيم ولا عذاب حسى جسمانى لكن ذلك نعيم او عذاب معنوى حتى تبعث اجسادها فترد اليها فتتنعم عند ذلك حسا ومعنى ألا ترى الى بشر الحافى قدس سره لما رؤى فى المنام قيل له ما فعل الله بك قال غفر لى واباح لى نصف الجنة يعنى روحه متنعمة بالجنة بما يليق بها فى مقامه والنصف الآخر هو الجنة التى يدخلها ببدنه اذا حشر فيكمل النعيم بالنصف الآخر اذا حشر فيكمل النعيم بالنصف الآخر والاكل الذى راه الميت بعد موته فى البرزخ هو كالاكل الذى يراه النائم فى النوم والنعيم به مثل النعيم به سواء كما قال عليه السلام "حديث : انى ابيت عند ربى يطعمنى ويسقينىbr>". تفسير : وكذلك كل شخص غير ان الفرق بين الرسول وغيره فى هذه الصورة ان جسم النبى يبيت جائعا ويستيقظ وهو شبعان وغير النبى يأكل فى منامه وهو جيعان ويستيقظ وهو كذلك واذا رأى الولى الوارث ذلك وقد وجد أثر الشبع او الرى فذلك من اجزاء النبوة التى وردت فى الميراث اذ الرؤيا جزء من ستة واربعين جزأ من النبوة وقد رأى ذلك كثير من الاولياء واصبحوا وعليهم رائحة الطعام الذى اكلوه وشبعوه فهذه وراثة نبوبة فقوله عليه السلام "حديث : انى لست كهيئتكمbr>". تفسير : باعتبار الغالب لا باعتبار الكل فتنعم الشهداء فى البرزخ بمرتبة تنعم الولى الوارث فى المنام فافهم هذا المقام فان الجسم المبحوث عنه ههنا هو الجسم اللطيف وتنعم بما يليق بمرتبته فى البرزخ سواء عبرت عنه بالخيالى او بالمعنوى او بالجسمانى اى المنسوب الى الجسم اللطيف لا الكثيف فان اللذة الجسمانية المتعلقة بالجسد الكثيف حال الدنيا لا غير. قيل يا رسول الله هل يحشر مع الشهداء أحد؟ قال: "حديث : نعم من يذكر الموت فى اليوم والليلة عشرين"تفسير : مرة. وفى التأويلات النجمية الاشارة لا تحسبوا من قتل من اهل الجهاد الاكبر بسيف جلال الله فى سبيل الله بالفناء فى الله امواتا وان فنيت اوصاف وجودهم فانهم احياء بشهود موجدهم ومن كان فناؤه فى الله كان بقاؤه بالله فتارة يفنيهم بسطوات تجلى صفات الجلال وتارة يحييهم بنفحات ألطاف الجمال فانهم يسرحون فى رياض الجمال ولكن لا تشعرون باحوالهم ولا تطلعون عليها. قال القشيرى لئن فنيت فى الله اشباحهم لقد بقيت بالله اراواحهم. وقال الجنيد من كانت حياته بنفسه يكون مماته بذهاب روحه ومن كانت حياته بربه فانه ينتقل من حياة الطبع الى حياة الاصل وهو الحياة الحقيقية: وفى المثنوى شعر : مى كند دندان بدرا آن طبيب تارهد ازدرد وبيمارى حبيب بس زيادتها درون نقصهاست مر شهيدا نراحيات اندرفناست كريكى سررا ببرد از بدن صد هزاران سربر آرد درزمن حلق ببريده خورد شربت ولى خلق ازلارسته مرده دربلى
الطوسي
تفسير : المعنى: فان قيل: هل الشهداء أحياء على الحقيقة، أم معناه أنهم سيحيون وليسوا أحياء؟ قلنا: الصحيح أنهم أحياء إلى أن تقوم الساعة، ثم يحيبهم الله في الجنة, لا خلاف بين أهل العلم فيه إلا قولا شاذاً من بعض المتأخرين. والأول قول الحسن، ومجاهد، وقتادة، والجبائى، وابن الاخشاد، والرمانى، وجميع المفسرين. والقول الثاني حكاه البلخي. يقال: ان المشركين كانوا يقولون: إن أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) يقتلون نفوسهم في الحرب لا لمعنى، فأنزل الله تعالى الآية. وأعلمهم أنه ليس الأمر على ما قالوه، وأنهم سيحيون يوم القيامة ويثابون، ولم يذكر ذلك غيره. وقيل: ليس هم أمواتاً بالضلالة بل هم أحياء بالطاعة، والهدى، كما قال:{أية : أومن كان ميتاً فأحييناه}تفسير : فجعل الضلالة موتاً، والهداية حياة. وقيل: معناه ليس هم أمواتاً بانقطاع الذكر، بل هم احياء ببقاء الذكر عند الله، وثبوت الاجر عنده. واستدل ابو علي الجبائي على أنهم أحياء في الحقيقة بقوله: {ولكن لا تشعرون} فقال: لو كان المعنى سيحيون في الآخرة، لم يقل للمؤمنين المقرين بالبعث، والنشور {ولكن لا تشعرون} لأنهم يعلمون ذلك، ويشعرون به. فان قيل: ولم خصّ الشهداء بأنهم احياء, والمؤمنون كلهم في البرزخ أحياء؟ قيل يجوز أن يكونوا ذكروا اختصاصاً، تشريفاً لهم. وقد يكون على جهة التقديم للبشارة بذكر حالهم في البيان لما يختصون به من أنهم يرزقون، كما قال تعالى {أية : بل أحياء عند ربهم يرزقون}. تفسير : وإنما قيل للجهاد سبيل الله، لأنه طريق الى ثواب الله تعالى. اللغة: والموت: نقص بنية الحياة. والموت - عند من قال إنه معنى عرضي - ينافي الحياة منافاة التعاقب. ومن قال: ليس بمعنى قال: هو عبارة عن فساد بنية الحياة. فأما الحياة، فهي معنى بلا خلاف. الاعراب: وقوله: {أموات} رفع بانه خبر ابتداء محذوف، كأنه قال: لا تقولوا هم أموات. ولا يجوز فيه النصب على قولك: قلت خيراً، لأن الخير في موضع المصدر كأنه قال: قلت قولا حسناً. فاما قوله {أية : ويقولون طاعة} تفسير : فيجوز فيه الرفع والنصب في العربية: ألرفع على منا طاعة: والنصب على نطيع طاعة والفرق بين {بل} و {لكن} ان {لكن} نفي لأحد الشيئين، وإثبات للآخر، كقولك: ما قام زيد لكن عمرو، وليس كذلك {بل}، لانها للأضراب عن الأول، والاثبات للثاني، ولذلك وقعت في الايجاب كقولك: قام زيد بل عمرو. فاما اذا قصد المتكلم، فانما هو ليدل على أن الثاني أحق بالاخبار عنه من الاول، كقولك: قام زيد بل عمرو، كأنه لم يعتد بقيام الأول. اللغة: والشعور: هو ابتداء العلم بالشيء من جهة المشاعر، وهي الحواس، ولذلك لايوصف تعالى بأنه شاعر، ولا أنه يشعر، وإنما يوصف بأنه عالم ويعلم. وقد قيل: إن الشعور إدراك مادقّ للطف الحسن مأخوذ من الشعر لدقته، ومنه شاعر، لانه يفطن من إقامة الوزن وحسن النظم بالطبع لما لا يفطن له غيره. المعنى: فان قيل: هل كون عقولهم إذا كانوا أحياء، وكيف يجوز أن يصل اليهم ثوابهم مع نقصان عقولهم؟ قيل الثواب لم يصل اليهم على كنهه وانما يصل اليهم طرف منه. ومثلهم في ذلك مثل النائم على حال جميلة في روضة طيبة يصل اليهم طيب ريحها ولذيذ نسيمها على نحو ما جاء في الحديث من انه يفسح له مد بصره، ويقال له نومة العروس. وأما الذين قتلوا في سبيل الله، فعلى ما ذكرناه من الاختصاص بالفضيلة. فان قيل: كيف يجوز أن يكونوا أحياء - ونحن نرى جثتهم على خلاف ما كانت عليه في الدنيا.؟ قيل: إن النعيم انما يصل الى الروح وهي الحية، وهي الانسان، دون الجثة - والجثة كالجنة واللباس لصيانة الأرواح. ومن زعم ان الانسان هذه الجملة المعروفة وجعل الجثة جزء منها فانه يقول: يلطف أجزاء من الانسان توصل اليه النعيم، وإن لم يكن الانسان بكماله على نحو ما ذكرنا أن النعيم لا يصل اليه نفسه.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ} كلّ عمل ينتهى به الانسان الى الله تعالى فهو سبيل الله، وكلّما ينتهى به الى الشّيطان فهو سبيل الشّيطان وسبيل الشّيطان سبيل الله بوجهٍ وبحسب التّنزيل فالمراد بالظّرف ظرفيّة مجازيّة او ظرفيّة حقيقيّة بتقدير مضاف اى فى زمان سبيل الله او مكانه؛ نقل أنّ الآية نزلت فى شهداء بدر وكانوا اربعة عشر؛ ستّة من المهاجرين وثمانية من الانصار وكانوا يقولون: مات فلانٌ وفلانٌ فأنزل الله الآية وبحسب التّأويل فالسبيل الى الله هو الولاية وطريق القلب والمعنى على هذا: ولا تقولوا لمن يقتل عن الحياة الحيوانيّة حال كونه فى سبيل الله او لا تقولوا لمن يقتل عن الانانيّة والحياة الشّيطانيّة فى سبيل الله على ان يكون ظرفاً لهذا القتل {أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} لانّ حياتهم حياة أخرويّة وشعوركم شعور دنيوىّ ولا سنخيّة بين المدارك الدّنيويّة والمدركات الاخرويّة.
اطفيش
تفسير : {ولا تَقُولوا لمَنْ يُقتلُ فى سَبيل الله}: أى لا تقولوا فى شأن من يقتل فى سبيل الله، فاللام بمعنى فى أول للتعليل لا للتبليغ، لأنهم لم يخاطبوا من قتل فى سبيل الله بقولهم: أنتم أموات، بل كانوا يقولون: إنهم ماتوا وزالت عنهم نعم الدنيا، فكان هذا خطأ من رتبة الشهداء، وإهانة لأمر الجهاد، وترغيبا عنه ونظيريه للحياة الدنيا، واختياراً لها على الآخرة، فنزل: {ولا تقُولوا لمن يُقتلُ فى سبيل الله}. {أمْواتاً}: أى هم أموات إلى قوله: {ولكِن لا تشْعُرون}، وقيل إن الناس قالوا فيمن قتل ببدر وأحد من المؤمنين مات فلان مات فلان، فكره الله سبحانه أن تحط منزلة الشهداء إلى منزلة غيرهم، فنزلت الآية، ويحتمل أن تكون نزلت لذلك ولتسلية المؤمنين بتعظيم درجة الشهداء والإخباء عن حالهم، لأنهم قد صعب عنهم فراق إخوانهم وقرابتهم بالموت. ولما نزلت الآية صار الشهداء مغبوطين لا محزونا عليهم. روى البخارى عن أنس: حديث : أنه أصيب حارثة يوم بدر، أصابه سهم غرب وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة منى، فإن يك فى الجنة أصبر وأحتسب، وإن يك الأخرى ترى ما أصنع؟ فقال: "ويحك ـ أو قال وهبلت ـ أو جنة واحدة، إنما هى أجنة كثيرة، وأنه فى الفردوس الأعلى" تفسير : وذكروا أنها نزلت فى من قتل ببدر من المسلمين وهم أربعة عشر، ستة من المهاجرين وهم: عبيدة ابن الحارث بن عبدالمطلب، وعمير بن أبى وقاص بن وهيب بن عبد مناف ابن زهرة الزهرى أخو سعد بن أبى وقاص، وذو الشمالين واسمه عمير بن عمر ابن تفنة بن عمر بن خزانة، وعاقل بن البكير من بنى سعيد بن ليث بن كنانة، ومهجع مولى لعمر بن الخطاب رضى الله عنه، وصفوان بن بيضاء من بنى الحارث بن فهر. وثمانية من الأنصار: سعد بن خثيمة، ومبشر بن عبدالمنذر، ويزيد بن الحارث بن فحم بن قيس، وعمير بن الحمام، ورافع بن المعلى، وحارثة بن سراقة، وعوذ ومعوذ ابنا الحارث بن رفاعة ابن سوداء وهما ابنا عفراء وهى أمهما. قلت: الذى حفظت أن ابنى عفراء هما قتلا أبا جهل وحييا بعد ذلك، وطلبهما مع غيرهما رسول الله، صلى الله عليهِ وسلم، البينة على قتله، إلا أن يقال جرى ذلك كله قبل انقطاع القتال، ثم قتلا. وكان الناس يقولون مات فلان مات فلان، وذهب عنهم نعيم الدنيا ولذاتها، فأنزل الله هذه الآية، وقيل: إن الكفار والمنافقين قالوا إن الناس يقتلون أنفسهم ظلما لمرضات محمد صلى الله عليه وسلم من غير فائدة، فنزلت هذه الآية. {بَلْ أحْياءٌ}: أى بل هم أحياء، وهذا إضراب انتقالى عن النهى أن يقولوا هم أموات، وقال: إنهم أحياء فى نعيم دائم، أحبوا ليصلهم الثواب، وهذا كلام مستأنف منقطع عن النهى وعن المحكى بالقول، نقض الله عز وجل قولهم أموات وليس أحياء معطوف على أموات، ولا هو بتقدير المبتدأ معطوفاً على هم أموات، لأن المعنى حينئذ لا تقولوا أموات بل أحياء، وليس ذلك صحيحاً، نعم يجوز تقدير القول أمراً، أى بل قالوا هم أحياء. {ولكن لا تَشْعُرون}: لا تعلمون كيف حياتهم، لأنكم ترونهم لا يتحركون ولا يتنفسون ولا يتكلمون، فهى حياة لا تدرك بالعقل ولا بالمشاهدة، بل علمها عند الله وتدرك بالوحى، وقيل إن الحياة حلت أجسادهم ولو لم تتبين بالحس والمشاهدة، إلى أن يبعثوا وسائر الأموات تحيا أجسادهم بعد الموت برجوع الروح إليها، وتمكث فيها ما شاء الله، ثم تخرج وقد تعود، وليس ذلك تكرير موت، بل كنوم ولا مشقة فى خروجها حينئذ، وقيل: حياتهم بالروح لا فى الأجساد، فامتيازهم عن سائر الأموات بأكل الأرواح من الجنة أو فيها، أو التنعيم فيها أو منها، وبتصييرها بصور طير بيض وخضر أو فى أجواف طير بيض أو صفر، هذا ما ظهر لى فى الرد على من خالف الجمهور فى قولهم: إن حياتهم بالروح لا فى الجسد، وقال: إنها الجسد، وإنها لو كانت بالروح فقط، لاستتوا بجميع الأموات. الذين ليسوا شهداء، ولم تكن لهم مزية، ويجوز أن يكون المعنى: ولكن لا تشعرون ما هم فيه من النعيم، وعن الحسن: أن الشهداء عند الله تعالى تعرض أرزاقهم على أروحهم، ويصل إليهم الروح والريحان والفرح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوة وعشيّاً، فيصلهم الألم والوجع، ويدل ذلك على ثبوت عذاب القبر وتنعيمه، وأن الروح جوهر قائم بنفسه باق بعد الموت مدرك كما هو قول جمهور الصحابة والتابعين، وعليه تدل الآيات والسنن، وروى مسلم أن أرواح الشهداء عند الله فى حواصل طير خضر تسرح فى أنهار الجنة حيث شاءت، ثم تأوى إلى قناديل تحت العرش. وعن مجاهد: يرزقون تمر الجنة، ويجدون ريحها وليسوا فيها. وهو كلام يحتمل ظاهره وهو الأكل منها فى قبورهم، ويحتمل أنهم يأكلون منها بأرواحهم وليسوا فيها بأجسادهم. قال الزمخشرى: وقالوا يجوز أن يجمع الله من أجزاء الشهيد جملة فيحييها ويوصل إليها النعيم، وإن كانت فى حجم الذرة، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن أرواح الشهداء فى حواصل طير خضر تعلق من ثمر الجنة"،تفسير : وروى فى قبة خضراء، وروى فى قناديل من ذهب، ويجمع بين ذلك بأن بعض الشهداء على حال، وبعضا على حال، أو كلهم فى وقت على حال، وفى وقت على حال، وبعضا فى حواصل طير، وبعضا يصور طائراً، ثم رأيت القرطبى أشار إلى ذلك وقال: إنه حسن يجمع به بين الأخبار حتى لا تدافع، وكذا ورد فى الحديث: إنما نسمة المؤمن من طائر يعلق فى الجنة، ومعنى يعلق يأكل، ومنه قولهم: ما ذقت علاقا أى مأكلا، فأما أن يراد المؤمنون كلهم، فيختص الشهداء بقدر لا يناله غيرهم، وأما أن يراد المؤمن الشهيد ونكتة الإطلاق كثرة شهداء الآخرة لحصول الشهادة الأخروية بغير القتل أيضا، وحديث: إنما نسمة المؤمن طائر يعلق فى الجنة. رواه مالك فى الموطأ، قال الداودى: هو أصح ما جاء فى الأرواح. قال والذى روى أنها تجعل فى حواصل طير لا يصح فى النقل، قلت: لا مانع من صحته عندنا، وأمر الآخرة خلاف أمر الدنيا، ولكن الأولى أنها نفس طير، وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر هذه الأحاديث بسندها ولم يذكر مطعنا فيه، بل قال فى تمهيده الأشبه قول من قال كطير أو صور طير لموافقته حديث الموطأ، إنما تسمة المؤمن طائر يعلق فى الجنة والنسمة والروح، وكذا روى الربيع ابن حبيب عن أبى عبيدة رحمهما الله قال: بلغنى عن كعب بن مالك، عن النبى، صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما نسمة المؤمن طائر يعلق فى شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه"،تفسير : وذكروا عن عبدالله بن مسعود أنه قال: إن أرواح الشهدءا فى حواصل طير خضر ترعى فى الجنة، ثم تأوى إلى قناديل معلقة بالعرش. رواه الشيخ هود رحمه الله، وروى بعضهم أنه قال: كنا نحدث أن أرواح الشهداء فى طير بيض وخضر يأكلن من ثمار الجنة، وأن مساكنهم السدرة، وأن للمجاهد فى سبيل الله ثلاث خصال من قتل منهم فى سبيل الله كان حيا مرزوقا، ومن غلب آتاه الله أجراً عظيما، ومن مات آتاه الله رزقا حسنا، وروى الترمذى وابن ماجه عن النبى، صلى الله عليهِ وسلم: "حديث : للشهيد عند الله ست خصال يغفر له فى أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويؤمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع فى سبعين من قرابته".تفسير : قال الترمذى هذا حديث حسن غريب، زاد ابن ماجه: ويحلى حلة الإيمان لكن عد سبعا فى رواية الترمذى، وثمانيا فى رواية ابن ماجه، ولعله عد الأولين فى رواية الترمذى واحدة، والثلاث الأولى فى رواية ابن ماجه واحدة، وروى أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد بسنده، عن النبى صلى الله عليهِ وسلم: "حديث : للشهيد عند الله ثمان خصال... إلخ" تفسير : وهى أولى، قال الشيخ هود رحمه الله: ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم القرصة"، تفسير : قلت، وبهذا اللفظ رواه الترمذى والنسائى، وقال أيضاً ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما بين حياة الشهيد فى الدينا، وبين حياته فى الآخرة إلا كمضغ تمرة" تفسير : وروى النسائى حديث : أن رجلا قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون فى قبورهم إلا الشهيد؟ قال: "كفى ببراقة السيوف على رأسه فتنة "
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ} أى فى شأن من يقتل {فِي سَبِيلِ اللهِ} فى الجهاد {أَمْوَاتٌ} أى هم أموات ألبتة كالجماد {بَلْ أَحْيَاءٌ} وهذا قطع عن القول ورد له، ولكن لا مانع من الوصل به، إلا أن المراد بالذات للرد له، وتقديره، بل قولوا، هم أحياء، وأرواحهم فى حواصل طير خضر، تسرح فى الجنة حيث شاءت. وأما السعداء غير الشهداء فيجاء لأرواحهم بنعيم الجينة إلى باب الجنة. وقيل ينعم غير الشهيد فى قبره بروائح وغيرها مما ليس طعاما ولا شرابا، كما أن الشقى يصل روحه فى قبره، أو فى النار، عذاب، وتارة يرجع الروح للجسد فيحيا الجسد، مسلماً أو كافرا، وذلك كما تعرض النار على أرواح آل فرعون، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أرواح الشهداء فى أجواف طير خضر ترى أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوى إلى قناديل، أى صور قناديل معلقة تحت العرش ". تفسير : وعن ابن عباس: أرواح آل فرعون فى أجواف طير سود، وتعرض على النار بكرة وعشيا إلى يوم القيامة، فنقول: الأرواح أجسام لطيفة، وأجساد تلك الطير على صور الموتى، لو رآهم أحد لقال: رأيت فلانا، وقيل: أجساد أخر على صور الطير، ويدل له رواية عن النبى صلى الله عليه وسلم فى صور الطير، ولا ينافى ذلك رواية فى أجواف طير، ورواية، فى حواصل طير {وَلَكِن لاَ تَشْعُرُونَ} ما هم فيه، من أنه تنعم أرواحهم فى أجواف طير خضر على حد ما مر، تكون الطير لها كالهوادج، وأرواح أهل النار تعذب فى أجواف طير سود، تكون لها كالتابوت فى النار، وقد يحيى أجسام هؤلاء وهؤلاء. ونزلت الآية لما قيل فى شهداء بدر، وهم ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، أو سبعة عشر، أو ستة عشر، بينت أسماءهم فى شرح نونية المديح، أنهم ماتوا وذهبت عنهم النعم واللذات، ولقول المشركين والمنافقين، قتلوا فى مرضاة محمد بلا فائدة.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَقُولُواْ} عطف على {أية : وَٱسْتَعِينُواْ }تفسير : [البقرة: 153] الخ مسوق لبيان/ إنه لا غائلة للمأمور به وإن الشهادة التي ربما يؤدي إليها الصبر حياة أبدية {لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ ٱللَّهِ} أي في طاعته وإعلاء كلمته وهم الشهداء واللام للتعليل لا للتبليغ لأنهم لم يبلغوا الشهداء قولهم: {أَمْوٰتٌ} أي هم أموات. {بَلْ أَحْيَاء} أي بل هم أحياء، والجملة معطوفة على {لاَ تَقُولُواْ} إضراب عنه، وليس من عطف المفرد على المفرد ليكون في حيز القول ويصير المعنى بل ـ قولوا أحياء ـ لأن المقصود إثبات الحياة لهم لا أمرهم بأن يقولوا في شأنهم أنهم أحياء وإن كان ذلك أيضاً صحيحاً. {وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} أي لا تحسون ولا تدركون ما حالهم بالمشاعر لأنها من أحوال البرزخ التي لا يطلع عليها ولا طريق للعلم بها إلا بالوحي ـ واختلف في هذه الحياة. فذهب كثير من السلف إلى أنها حقيقة بالروح والجسد ولكنا لا ندركها في هذه النشأة، واستدلوا بسياق قوله تعالى: {أية : عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ }تفسير : [آل عمران: 169] وبأن الحياة الروحانية التي ليست بالجسد ليست من خواصهم فلا يكون لهم امتياز بذلك على من عداهم، وذهب البعض إلى أنها روحانية وكونهم يرزقون لا ينافي ذلك ـ فقد روي عن الحسن ـ أن الشهداء أحياء عند الله تعالى تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض الناس على أرواح آل فرعون غدواً وعشياً فيصل إليهم الوجع، فوصول هذا الروح إلى الروح هو الرزق، والامتياز ليس بمجرد الحياة بل مع ما ينضم إليها من اختصاصهم بمزيد القرب من الله عز شأنه ومزيد البهجة والكرامة، وذهب البلخي إلى نفي الحياة بالفعل عنهم مطلقاً ـ وأخرج الجملة الاسمية الدالة على الاستمرار المستوعب للأزمنة من وقت القتل إلا ما لا آخر له عن ظاهرها ـ وقال: معنى {بَلْ أَحْيَاءٌ} إنهم يحيون يوم القيامة فيجزون أحسن الجزاء، فالآية على حد {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ } تفسير : [الإنفطار: 13ـ14] وفائدة الإخبار بذلك الرد على المشركين حيث قالوا: إن أصحاب محمد يقتلون أنفسهم ويخرجون من الدنيا بلا فائدة ويضيعون أعمارهم فكأنه قيل: ليس الأمر كما زعمتم بل يحيون ويخرجون، وذهب بعضهم إلى إثبات الحياة الحكمية لهم بما نالوا من الذكر الجميل والثناء الجليل كما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه هلك خزان الأموال والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة، وحكى عن الأصم أن المراد بالموت والحياة الضلال والهدى أي لا تقولوا هم أموات في الدين ضالون عن الصراط المستقيم بل هم أحياء بالطاعة قائمون بأعبائها، ولا يخفى أن هذه الأقوال ـ ما عدا الأولين ـ في غاية الضعف بل نهاية البطلان، والمشهور ترجيح القول الأول، ونسب إلى ابن عباس، وقتادة ومجاهد والحسن وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء والجبائي والرماني، وجماعة من المفسرين لكنهم اختلفوا في المراد بالجسد، فقيل: هو هذا الجسد الذي هدمت بنيته بالقتل ولا يعجز الله تعالى أن يحل به حياة تكون سبب الحس والإدراك وإن كنا نراه رمة مطروحة على الأرض لا يتصرف ولا يرى فيه شيء من علامات الأحياء، فقد جاء في الحديث: «حديث : إن المؤمن يفسح له مد بصره ويقال له نم نومة العروس»تفسير : مع أنا لا نشاهد ذلك إذ البرزخ برزخ آخر بمعزل عن أذهاننا وإدراك قوانا. وقيل: جسد آخر على صورة الطير تتعلق الروح فيه، واستدل بما أخرجه عبد الرزاق عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أرواح الشهداء في صور طير خضر معلقة في قناديل الجنة حتى يرجعها الله تعالى يوم القيامة»تفسير : ولا يعارض هذا ما أخرجه مالك، وأحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه عن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن/ أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تعلق من ثمر الجنة ـ أو ـ شجر الجنة» تفسير : ولا ما أخرجه مسلم في «صحيحه» عن ابن مسعود مرفوعاً «حديث : إن أرواح الشهداء عند الله في حواصل طيور خضر تسرح في أنهار الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش»تفسير : لأن كونها في الأجواف أو في الحواصل يجامع كونها في تلك الصور إذ الرائي لا يرى سواها، وقيل: جسد آخر على صور أبدانهم في الدنيا بحيث لو رأى الرائي أحدهم لقال: رأيت فلاناً ـ وإلى ذلك ذهب بعض الإمامية ـ واستدلوا بما أخرجه أبو جعفر مسنداً إلى يونس بن ظبيان قال: كنت عند أبـي عبد الله جالساً فقال: ما تقول الناس في أرواح المؤمنين؟ قلت: يقولون: في حواصل طير خضر في قناديل تحت العرش، فقال أبو عبد الله: سبحان الله! المؤمن أكرم على الله تعالى من أن يجعل روحه في حوصلة طائر أخضر يؤنس المؤمن إذا قبضه الله تعالى صير روحه في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون، فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا. ووجه الاستدلال إذا كان المراد ـ بالمؤمنين ـ الشهداء ظاهر، وأما إذا كان المراد بهم سائر من آمن فيعلم منه حال الشهداء وأن أرواحهم ليست في الحواصل بطريق الأولى، وعندي أن الحياة في البرزخ ثابتة لكل من يموت من شهيد وغيره، وأن الأرواح ـ وإن كانت جواهر قائمة بأنفسها ـ مغايرة لما يحس به من البدن لكن لا مانع من تعلقها ببدن برزخي مغاير لهذا البدن الكثيف، وليس ذلك من التناسخ الذي ذهب إليه أهل الضلال، وإنما يكون منه لو لم تعد إلى جسم نفسها الذي كانت فيه ـ والعود حاصل في النشأة الجنانية ـ بل لو قلنا بعدم عودها إليه والتزمنا العود إلى جسم مشابه لما كان في الدنيا مشتمل على الأجزاء النطقية الأصلية أو غير مشتمل لا يلزم ذلك التناسخ أيضاً لأنهم قالوه على وجه نفوا به الحشر والمعاد، وأثبتوا فيه سرمدية عالم الكون والفساد، وأن أرواح الشهداء يثبت لها هذا التعلق على وجه يمتازون به عمن عداهم إما في أصل التعلق أو في نفس الحياة بناءاً على أنها من المشكك لا المتواطىء، أو في نفس المتعلق به مع ما ينضم إلى ذلك من البهجة والسرور والنعيم اللائق بهم، والذي يميل القلب إليه أن لهاتيك الأبدان شبهاً تاماً صورياً بهذه الأبدان، وأن المواد مختلفة والأجزاء متفاوتة ـ إذ فرق بين العالمين، وشتان ما بين البرزخين ـ ويمكن حمل أحاديث الطير على تشبيه هذه الأبدان الغضة الطرية بسرعة حركتها وذهابها حيث شاءت بالطير الخضر، وتحمل الصورة على الصفة كما حملت على ذلك في حديث: «حديث : خلق آدم على صورة الرحمن»تفسير : واستبعاد أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه ما تقدم محمول على ما يفهمه العامة من ظاهر اللفظ، ولمزيد الإيضاح اللائق بعوام وقته عدل عنه إلى عبارة لا يتراءى منها شائبة استبعاد كما يتراءى من ظاهر الحديث حتى إن بعض العلماء لذلك حملوا (في) فيه على ـ على ـ وهو إما تجاهل أو جهل بأن صغر المتعلق أو ضيقه لو كان موجوداً فيما نحن فيه لا يضر الروح شيئاً ولا ينافي نعيمها، أو ظن بأن لتلك الصورة روحاً غير روح ـ الشهيد ـ فلا يمكن أن تتعلق بها روحان، والأمر على خلاف ما يظنون، وإن شئت قلت بتمثل الروح نفسها صورة لأن الأرواح في غاية اللطافة وفيها قوة التجسد كما يشعر به ظهور الروح الأمين عليه السلام بصورة دحية الكلبـي رضي الله تعالى عنه. وأما القول بحياة هذا الجسد الرميم مع هدم بنيته وتفرق أجزائه وذهاب هيئته ـ وإن لم يكن ذلك بعيداً عن قدرة من يبدأ الخلق ثم يعيده ـ لكن ليس إليه كثير حاجة، ولا فيه مزيد فضل، ولا عظيم مِنة، بل ليس فيه سوى إيقاع ضعفة المؤمنين بالشكوك والأوهام وتكليفهم من غير حاجة بالإيمان بما يعدون قائله من سفهة الأحلام، وما يحكى من/ مشاهدة بعض الشهداء الذين قتلوا منذ مآت سنين، وأنهم إلى اليوم تشخب جروحهم دماً إذا رفعت العصابة عنها؛ فذلك مما رواه ـ هيان بن بيان ـ وما هو إلا حديث خرافة وكلام يشهد على مصدقيه تقديم السخافة. هذا ثم إن نهي المؤمنين عن أن يقولوا في شأن الشهداء أموات، إما أن يكون دفعاً لإيهام مساواتهم لغيرهم في ذلك البرزخ ـ وتلك خصوصية لهم وإن شاركهم في النعيم ـ بل وزاد عليهم بعض عباد الله تعالى المقربين ممن يقال في حقهم ذلك، وإما أن يكون صيانة لهم عن النطق بكلمة قالها أعداء الدين والمنافقون في شأن أولئك الكرام قاصدين بها أنهم حرموا من النعيم ولم يروه أبداً، وليس في الآية نهي عن نسبة الموت إليهم بالكلية بحيث إنهم ما ذاقوه أصلاً ولا طرفة عين، وإلا لقال تعالى: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله ماتوا، فحيث عدل عنه إلى ما ترى علم أنهم امتازوا بعد أن قتلوا بحياة لائقة بهم مانعة عن أن يقال في شأنهم أموات وعدل سبحانه عن ـ {قُـتِلُواْ} ـ المعبر عنه في آل عمران [169] إلى {يُقْتَلُ} روماً للمبالغة في النهي، وتأكيد الفعل في تلك السورة يقوم مقام هذا العدول هنا كما قرره بعض أحبابنا من الفضلاء المعاصرين، والآية نزلت ـ كما أخرجه ابن منده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ـ في شهداء بدر وكانوا عدة لياليه ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
الواحدي
تفسير : {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات} نزلت في قتلى بدر من المسلمين، وذلك أنَّهم كانوا يقولون لمَنْ يُقتل في سبيل الله: مات فلانٌ وذهب عنه نعيم الدُّنيا، فقال الله تعالى: ولا تقولوا للمقتولين في سبيلي هم أمواتٌ {بل} هم {أحياء} لأنَّ أرواح الشُّهداء في أجواف طيرٍ خضرٍ تسرح في الجنَّة. {ولكن لا تشعرون} بما هم فيه من النَّعيم والكرامة. {ولنبلونكم} ولنعاملنَّكم مُعاملة المبتلي {بشيء من الخوف} يعني: خوف العدوِّ {والجوع} يعني: القحط {ونقص من الأموال} يعني: الخسران والنُّقصان في المال وهلاك المواشي {والأنفس} يعني: الموت والقتل في الجهاد والمرض والشَّيب {والثمرات} يعني: الجوائح وموت الأولاد، فمَنْ صبر على هذه الأشياء استحقَّ الثَّواب، ومَنْ لم يصبر لم يستحق. يدلُّ على هذا قوله تعالى: {وبشر الصابرين}. {الذين إذا أصابتهم مصيبة} ممَّا ذُكر {قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} أَيْ: أموالنا لله، ونحن عبيدة يصنع بنا ما يشاء، ثمَّ وعدهم على هذا القول المغفرة. {أولئك عليهم صلوات من ربهم} أَيْ: مغفرةٌ {ورحمة} ونعمةٌ {وأولئك هم المهتدون} إلى الجنَّة والثَّواب، والحقِّ والصَّواب. وقيل: زيادة الهدى، وقيل: هم المنتفعون بالهداية. {إنَّ الصفا والمروة} [وهما جبلان معروفان بمكَّة] {من شعائر الله} أَيْ: مُتعبَّداته {فمن حجَّ البيت} زاره معظِّماً له {أو اعتمر} قصد البيت للزِّيارة {فلا جناح عليه} فلا إثم عليه {إن يطوَّف بهما} بالجبلين، وذلك أنَّ أهل الجاهليَّة كانوا يطوفون بينهما وعليهما صنمان يمسحونهما، فكره المسلمون الطَّواف بينهما، فأنزل الله تعالى هذه الآية. {ومن تطوَّع خيراً} فعل غير المفترض عليه من طوافٍ، وصلاةٍ، وزكاةٍ، وطاعةٍ {فإنَّ الله شاكر} مجازٍ له بعمله {عليم} بنيَّته. {إنَّ الذين يكتمون ما أنزلنا} يعني: علماء اليهود {من البينات} من الرَّجم والحدود والأحكام {والهدى} أمر محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ونعته {من بعد ما بيناه للناس} لبني إسرائيل {في الكتاب} في التَّوراة {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} كلُّ شيءٍ إلاَّ الجنَّ والإِنس. {إلاَّ الذين تابوا} رجعوا من بعد الكتمان {وأصلحوا} السَّريرة {وبيَّنوا} صفة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم {فأولئك أتوب عليهم} أعود عليهم بالمغفرة. {إنَّ الذين كفروا وماتوا وهم كفَّار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} يعني: المؤمنين. {خالدين فيها لا يخففُ عنهم العذاب ولا هم ينظرون} أَيْ: ولا هم يُمهلون للرَّجعة والتَّوبة والمعذرة، إذ قد زال التَّكليف.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 154- ولن يؤدى الصبر إلا إلى الخير والسعادة فى الدارين، فلا تقعدوا عن الجهاد فى سبيل الله، ولا ترهبوا الموت فيه، فمن مات فى الجهاد فليس بميت بل هو حى حياة عالية وإن كان الأحياء لا يحسون بها. 155- والصبر درع المؤمن وسلاحه الذى يتغلب به على الشدائد والمشاق، وسيصادفكم كثير من الشدائد فسنمتحنكم بكثير من خوف الأعداء والجوع وقلة الزاد والنقص فى الأموال والأنفس والثمرات، ولن يعصمكم فى هذا الامتحان القاسى إلا الصبر، فبشر - يا أيها النبى - (الصابرين) بالقلب وباللسان. 156- الذين إذا نزل بهم ما يؤملهم يؤمنون أن الخير والشر من الله، وأن الأمر كله لله فيقولون: إنّا مِلْكٌ لله - تعالى - وراجعون إليه، فليس لنا من أمرنا شئ، وله الشكر على العطاء وعلينا الصبر عند البلاء، وعنده المثوبة والجزاء. 157- فهؤلاء الصابرون المؤمنون بالله لهم البشارة الحسنة بغفران الله وإحسانه، وهم المهتدون إلى طريق الخير والرشاد. 158- وكما أن الله رفع شأن الكعبة بجعلها قبلة الصلاة، رفع أمر الجبلين اللذين يُشَارِفانِهَا وهما "الصفا" "والمروة" فجعلهما من مناسك الحج، فيجب بعد الطواف السعى بينهما سبع مرات، وقد كان منكم من يرى فى ذلك حرجاً لأنه من عمل الجاهلية، ولكن الحق أنه من معالم الإسلام، فلا حرج على من ينوى الحج أو العمرة أن يسعى بين هذين الجبلين، وليأت المؤمن من الخير ما استطاع فإن الله عليم بعمله ومثيبه عليه.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَمْوَاتٌ} (154) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِفَضْلِ الشَّهَادَةِ وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ الشُهَدَاء الذِينَ يُقْتَلُونَ في سَبيلِ اللهِ هُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ بِغَيرِ حِسَابٍ، وَلكِنَّ الأَحيَاءَ لاَ يَشْعُرُونَ بِذلِكَ، لأَنَّ حَيَاتَهُمْ لَيْسَتْ فِي عَالَمِ الحِسِّ الذِي يُدْرَكُ بِالمَشَاعِرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق جل جلاله يعلم أن أحداث الإيمان وخصوم الإيمان سيواجهون المسلمين بمشقة عنيفة .. لا تهددهم في أموالهم فقط ولكن تهددهم في نفوسهم، فأراد الله عز وجل أن يعطي المؤمنين مناعة ضد هذه الأحداث .. وأوصاهم بالصبر والصلاة يواجهون بها كل حدث يهزهم بعنف .. قال لهم إن المسألة قد تصل إلى القتل .. إلى الاستشهاد في سبيل الله. وأراد أن يطمئنهم بأن الشهادة هي أعلى مرتبة إيمانية يستطيع الإنسان المؤمن أن يصل إليها في الدنيا فقال سبحانه: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ} [البقرة: 154]. إن القتل هو أشد ما يمكن أن يقع على الإنسان .. فأنت تصاب في مالك أو في ولدك أو في رزقك أو في صحتك، أما أن تصاب في نفسك فتُقْتل فهذه هي المصيبة الكبرى .. والله سبحانه سَمَّى الموتَ مصيبة واقرأ قوله تعالى: {أية : إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ ..} تفسير : [المائدة: 106]. الله تبارك وتعالى أراد أن يفهم المؤمنون أن الذي يُقْتل في سبيل الله لا يموت .. وإنما يعطيه الله لوناً جديداً من الحياة فيه من النعم ما لا يعد ولا يحصى. يقول جل جلاله: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154]. ما هو مظهر الحياة التي يعيشونها؟ الحياة عندنا مظهرها الحركة، والذي قُتِل في سبيل الله ما هي حركته؟ حركته بالنسبة لغير المؤمنين خصوم الإسلام والإيمان بأنه لن يسلب منه الحياة .. لأنه سيذهب إلى حياة أسعد، والموت ينقله إلى خير مما هو يعيش فيه .. فإذا كان الكفار قد قتلوه فهم لم يسلبوه شيئاً وإنما نقلوه إلى نعمة أكبر مما كان يعيش فيها .. أما بالنسبة للمؤمنين فإنه سيحمي لهم منهج الله ليصل إليهم إلى أن تقوم الساعة. إن كل المعارك التي يستشهد فيها المؤمنون إنما هي سلسلة متصلة لحماية حركة الإيمان في الوجود .. وعظمة الحياة ليست في أن أتحرك أنا ولكن أن اجعل مَن بعدي يتحرك .. والمؤمن حين يستشهد يبقى أثره في الوجود لكل حركة من متحرك بعده .. فكل حركة لحماية الإيمان تستشهد به وبما فعله وتأخذ من سلوكه الإيماني دافعاً لتقاتل وتستشهد. فكأن الحركة متصلة والعملية متصلة .. أما الكافر فإن الحياة تنتهي عنده بالموت، ولكن تنتظره حياة أخرى حينما يبعث الله الناس جميعاً ثم يأتي بالموت فيموت .. وحين يموت الموت تصبح الحياة بلا موت إما في الجنة وإما في النار. الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نعلم أن من يُقْتَل في سبيل الله هو حي عند ربه ينتقل من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة مباشرة .. ولا يُكْتب عليه الموت في حياة البرزخ حتى يوم القيامة مثل من يموت ميتة طبيعية ولا يموت شهيداً .. ولأن هذه الحياة حياة الشهداء أخفى الله سبحانه عنا تفاصيلها لأنها من حياة الآخرة .. وهي غيب عنا قال تبارك وتعالى: {وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154] .. وما دمنا لا نشعر بها فلابد أن تكون حياة أعلى من حياتنا الدنيوية. الذي استشهد في عرف الناس سلب نفسه الحياة ولكنه في عرف الله أخذ حياة جديدة .. ونحن حين نفتح قبر أحد الشهداء نجد جسده كما هو فنقول إنه ميت أمامنا .. لابد أن تتنبه أنك لحظة فتحت عليه انتقل من عالم الغيب إلى عالم الشهادة والله سبحانه قال: {أية : أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ} تفسير : [آل عمران: 169] ولم يقل أحياء في عالم الشهادة .. فهو حي مادام في عالم الغيب، ولكن أن تفتح وتكشف تجده جسداً في قبره لأنه انتقل من عالم الغيب إلى عالم الشهادة .. أما كيف؟ قلنا إن الغيب ليس فيه كيف .. لذلك لن تعرف وليس مطلوباً منك أن تعرف. إننا حين نجري عملية جراحية لمريض يعطيه الطبيب (البنج) لكي يفقده الوعي والحس، ولكن لا يعطيه له ليموت ثم يبدأ يجري العملية فلا يشعر المريض بشيء من الألم. فالمادة لا تحس لأنها هي التي أجريت عليها العملية والجسد لا زال فيه الحياة من نبض وتنفس ولكنه لا يحس .. ولكن النفس الواعية التي غابت هي التي تحس بالألم. أنت عندما يكون هناك ألم في جسدك وتنام ينقطع الإحساس بالألم، فكأن الألم ليس مسألة عضوية ولكنه مرتبط بالوعي .. فعند النوم تنتقل إلى عالم آخر قوانينه مختلفة .. والعلماء فحصوا مخ الإنسان وهو نائم فوجدوا أنه لا يستطيع أن يعمل أكثر من سبع ثوان يرى فيها رؤيا يظل يحكيها ساعات .. فإذا قال الحق تبارك وتعالى: "إنهم أحياء عند ربهم" .. فلابد أن نأخذ هذه الحياة على أنها بقدرات الله ومن عنده .. والله عز وجل أراد أن يقرب لنا مسألة البعث والقيامة مثل مسألة النوم. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ..} تفسير : [الزمر: 42]. فكأن الحق جل جلاله يعطي الشهداء حياة دائمة خالدة لأنهم ماتوا في سبيله .. وما دام تعالى قال: "لا تشعرون" فلا تحاول أن تدركها بشعورك وحسك لأنك لن تدركها على أن الشهيد لابد أن يُقْتَل في سبيل الله وليس لأي غرض دنيوي .. وإنما لتكون كلمة الله هي العليا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تبارك وتعالى، الأمر بالاستعانة بالصبر على جميع الأمور ذكر نموذجا مما يستعان بالصبر عليه، وهو الجهاد في سبيله، وهو أفضل الطاعات البدنية، وأشقها على النفوس، لمشقته في نفسه، ولكونه مؤديا للقتل، وعدم الحياة، التي إنما يرغب الراغبون في هذه الدنيا لحصول الحياة ولوازمها، فكل ما يتصرفون به، فإنه سعى لها، ودفع لما يضادها. ومن المعلوم أن المحبوب لا يتركه العاقل إلا لمحبوب أعلى منه وأعظم، فأخبر تعالى: أن من قتل في سبيله، بأن قاتل في سبيل الله، لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه الظاهر، لا لغير ذلك من الأغراض، فإنه لم تفته الحياة المحبوبة، بل حصل له حياة أعظم وأكمل، مما تظنون وتحسبون. فالشهداء {أية : أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ } . تفسير : فهل أعظم من هذه الحياة المتضمنة للقرب من الله تعالى، وتمتعهم برزقه البدني في المأكولات والمشروبات اللذيذة، والرزق الروحي، وهو الفرح، والاستبشار وزوال كل خوف وحزن، وهذه حياة برزخية أكمل من الحياة الدنيا، بل قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش. وفي هذه الآية، أعظم حث على الجهاد في سبيل الله، وملازمة الصبر عليه، فلو شعر العباد بما للمقتولين في سبيل الله من الثواب لم يتخلف عنه أحد، ولكن عدم العلم اليقيني التام، هو الذي فتر العزائم، وزاد نوم النائم، وأفات الأجور العظيمة والغنائم، لم لا يكون كذلك والله تعالى قد: {أية : اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } . تفسير : فوالله لو كان للإنسان ألف نفس، تذهب نفسا فنفسا في سبيل الله، لم يكن عظيما في جانب هذا الأجر العظيم، ولهذا لا يتمنى الشهداء بعدما عاينوا من ثواب الله وحسن جزائه إلا أن يردوا إلى الدنيا، حتى يقتلوا في سبيله مرة بعد مرة. وفي الآية، دليل على نعيم البرزخ وعذابه، كما تكاثرت بذلك النصوص.
همام الصنعاني
تفسير : 147- عبد ل الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ}: [الآية: 154]، قال: إنَّ أرْواحَ الشهداء في صُوَر طير بيضٍ. 148- عبد الرزاق، قال معمر، وقال الكلبي، في صور طيرٍ خُضْر تأكُلُ مِنْ ثمارِ الجنَّةِ وتأْوي إلى قناديل تحت العرش. 149- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن كعْب بن مالك أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّ نسمَةَ المؤمن طيرٌ تعلق في شجَر الجنَّة حتى يرجعها الله إلى جسده ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):