٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
155
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن القفال رحمه الله قال: هذا متعلق بقوله: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ } تفسير : [البقرة: 45] أي استعينوا بالصبر والصلاة فإنا نبلوكم بالخوف وبكذا وفيه مسائل: المسألة الأولى: فإن قيل إنه تعالى قال: {أية : وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } تفسير : [البقرة: 152] والشكر يوجب المزيد على ما قال: {لَئِن شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ } فكيف أردفه بقوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوفِ }. والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى أخبر أن إكمال الشرائع إتمام النعمة، فكان ذلك موجباً للشكر، ثم أخبر أن القيام بتلك الشرائع لا يمكن إلا بتحمل المحن، فلا جرم أمر فيها بالصبر. الثاني: أنه تعالى أنعم أولاً فأمر بالشكر، ثم ابتلى وأمر بالصبر، لينال الرجل درجة الشاكرين والصابرين معاً، فيكمل إيمانه على ما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر» تفسير : . المسألة الثانية؛ روي عن عطاء والربيع بن أنس أن المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة. المسألة الثالثة: أما أن الإبتلاء كيف يصح على الله تبارك وتعالى فقد تقدم في تفسير قوله تعالى: {أية : وَإِذَا ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ } تفسير : [البقرة: 124] وأما الحكمة في تقديم تعريف هذا الإبتلاء ففيها وجوه. أحدها: ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت، فيكون ذلك أبعد لهم عن الجزع، وأسهل عليهم بعد الورود. وثانيها: أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحن، اشتد خوفهم، فيصير ذلك الخوف تعجيلاً للابتلاء، فيستحقون به مزيد الثواب. وثالثها: أن الكفار إذا شاهدوا محمداً وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرين عليه مع ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحنة والجوع، يعلمون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته، فيدعوهم ذلك إلى مزيد التأمل في دلائله، ومن المعلوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع في أعظم المحن بسبب المذهب الذي ينصره، ثم رأوه مع ذلك مصراً على ذلك المذهب كان ذلك أدعى لهم إلى اتباعه مما إذا رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه في ذلك المذهب. ورابعها: أنه تعالى أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه، فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه فكان ذلك إخباراً عن الغيب فكان معجزاً. وخامسها: أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول طمعاً منه في المال وسعة الرزق فإذا اختبره تعالى بنزول هذه المحن فعند ذلك يتميز المنافق عن الموافق لأن المنافق إذا سمع ذلك نفر منه وترك دينه فكان في هذا الإختبار هذه الفائدة. وسادسها: أن إخلاص الإنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله تعالى أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه، فكانت الحكمة في هذا الإبتلاء ذلك. المسألة الرابعة: إنما قال بشيء على الوحدان، ولم يقل بأشياء على الجمع لوجهين. الأول: لئلا يوهم بأشياء من كل واحد، فيدل على ضروب الخوف والتقدير بشيء من كذا وشيء من كذا. الثاني: معناه بشيء قليل من هذه الأشياء. المسألة الخامسة: اعلم أن كل ما يلاقيك من مكروه ومحبوب، فينقسم إلى موجود في الحال وإلى ما كان موجوداً في الماضي وإلى ما سيوجد في المستقبل، فإذا خطر ببالك موجود فيما مضى سمي ذكراً وتذكراً وإن كان موجوداً في الحال: يسمى ذوقاً ووجداً وإنما سمي وجداً لأنها حالة تجدها من نفسك وإن كان قد خطر ببالك وجود شيء في الاستقبال وغلب ذلك على قلبك، سمي انتظاراً وتوقعاً، فإن كان المنتظر مكروهاً حصل منه ألم في القلب يسمى خوفاً وإشفاقا، وإن كان محبوباً سمي ذلك ارتياحاً، والإرتياح رجاء، فالخوف هو تألم القلب لإنتظار ما هو مكروه عنده، والرجاء هو ارتياح القلب لإنتظار ما هو محبوب عنده، وأما الجوع فالمراد منه القحط وتعذر تحصيل القوت: قال القفال رحمه الله: أما الخوف الشديد فقد حصل لهم عند مكاشفتهم العرب بسبب الدين، فكانوا لا يأمنون قصدهم إياهم واجتماعهم عليهم، وقد كان من الخوف في وقعة الأحزاب ما كان، قال الله تعالى: {أية : هُنَالِكَ ٱبْتُلِىَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً } تفسير : [الأحزاب: 11] وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لقلة أموالهم، حتى أنه عليه السلام كان يشد الحجر على بطنه، وروى أبو الهيثم بن التيهان أنه عليه السلام لما خرج التقى مع أبي بكر قال: ما أخرجك؟ قال: الجوع. قال: أخرجني ما أخرجك: وأما النقص في الأموال والأنفس فقد يحصل ذلك عند محاربة العدو بأن ينفق الإنسان ماله في الاستعداد للجهاد وقد يقتل، فهناك يحصل النقص في المال والنفس وقال الله تعالى: {أية : وَجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } تفسير : [التوبة: 41] وقد يحصل الجوع في سفر الجهاد عند فناء الزاد قال الله تعالى: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 120] وقد يكون النقص في النفس بموت بعض الإخوان والأقارب على ما هو التأويل في قوله: {أية : ولا تقتلوا أنفسكم}تفسير : [النساء: 29] وأما نقص الثمرات فقد يكون بالجدب وقد يكون بترك عمارة الضياع للإشتغال بجهاد الأعداء، وقد يكون ذلك بالإنفاق على من كان يرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوفود، هذا آخر كلام القفال رحمه الله، قال الشافعي رضي الله عنه: الخوف: خوف الله، والجوع: صيام شهر رمضان، والنقص من الأموال: الزكوات والصدقات، ومن الأنفس: الأمراض، ومن الثمرات: موت الأولاد ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأشياء بين جملة الصابرين على هذه الأمور بقوله تعالى: {وَبَشّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ } [البقرة: 155] وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الصبر واجب على هذه الأمور إذا كان من قبله تعالى لأنه يعلم أن كل ذلك عدل وحكمة، فأما من لم يكن محققاً في الإيمان كان كمن قال فيه: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدنيا والآخرة } تفسير : [الحج:11]. فأما ما يكون من جانب الظلمة فلا يجب الصبر عليه مثاله: أن المراهق يلزمه أن يصبر على ما يفعله به أبوه من التأديب، ولو فعله به غيره، لكان له أن يمانع بل يحارب، وكذا في العبد مع مولاه فما يدبر تعالى عباده عليه ليس ذلك إلا حكمة وصواباً بخلاف ما يفعل العباد من الظلم. المسألة الثانية: الخطاب في {وَبَشِّرِ } لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه البشارة. المسألة الثالثة: قال الشيخ الغزالي رحمه الله: اعلم أن الصبر من خواص الإنسان ولا يتصور ذلك في البهائم والملائكة، أما في البهائم فلنقصانها، وأما في الملائكة فلكمالها، بيانه أن البهائم سلطت عليها الشهوات، وليس لشهواتها عقل يعارضها، حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبراً، وأما الملائكة فإنهم جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية والإبتهاج بدرجة القرب منها ولم يسلط عليهم شهوة صارفة عنها، حتى تحتاج إلى مصادمة ما يصرفها عن حضرة الجلال بجند آخر، وأما الإنسان فإنه خلق في ابتداء الصبا ناقصاً مثل البهيمة، ولم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه، ثم يظهر فيه شهوة اللعب، ثم شهوة النكاح، وليس له قوة الصبر ألبتة، إذ الصبر عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر، قام القتال بينهما لتضاد مطالبهما أما البالغ فإن فيه شهوة تدعوه إلى طلب اللذات العاجلة، والإعراض عن الدار الآخرة، وعقلاً يدعوه إلى الإعراض عنها، وطلب اللذات الروحانية الباقية، فإذا عرف العقل أن الاشتغال بطلب هذه اللذات العاجلة، عن الوصول إلى تلك اللذات الباقية، صارت داعية العقل صادة ومانعة لداعية الشهوة من العمل، فيسمى ذلك الصد والمنع صبراً، ثم اعلم أن الصبر ضربان. أحدهما: بدني، كتحمل المشاق بالبدن والثبات عليه، وهو إما بالفعل كتعاطي الأعمال الشاقة أو بالاحتمال كالصبر على الضرب الشديد والألم العظيم. والثاني: هو الصبر النفساني وهو منع النفس عن مقتضيات الشهوة ومشتهيات الطبع، ثم هذا الضرب إن كان صبراً عن شهوة البطن والفرج سمي عفة، وإن كان على احتمال مكروه اختلفت أساميه عند الناس باختلاف المكروه الذي عليه الصبر، فإن كان في مصيبة اقتصر عليه باسم الصبر ويضاده حالة تسمى الجزع والهلع، وهو إطلاق داعي الهوى في رفع الصوت وضرب الخد وشق الجيب وغيرها وإن كان في حال الغنى يسمى ضبط النفس ويضاده حالة تسمى: البطر. وإن كان في حرب ومقاتلة يسمى: شجاعة، ويضاده الجبن، وإن كان في كظم الغيظ والغضب يسمى: حلماً، ويضاده النزق، وإن كان في نائبة من نوائب الزمان مضجرة سمي: سعة الصدر، ويضاده الضجر والندم وضيق الصدر وإن كان في إخفاء كلام يسمى: كتمان النفس ويسمى صاحبه: كتوماً، وإن كان عن فضول العيش سمي زهداً، ويضاده الحرص وإن كان على قدر يسير من المال سمي بالقناعة ويضاده الشره وقد جمع الله تعالى أقسام ذلك وسمي الكل صبراً فقال: {ٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَاءِ } أي المصيبة. {وَٱلضَّرَّآءِ } أي الفقر: {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ } أي المحاربة: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ } تفسير : [البقرة: 177] قال القفال رحمه الله ليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه ولا أن لا يكره ذلك لأن ذلك غير ممكن، إنما الصبر هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع، فإذا كظم الحزن وكف النفس عن إبراز آثاره كان صاحبه صابراً، وإن ظهر دمع عين أو تغير لون، قال عليه السلام: «حديث : الصبر عند الصدمة الأولى»تفسير : وهو كذلك، لأن من ظهر منه في الإبتداء ما لا يعد معه من الصابرين ثم صبر، فذلك يسمى سلوا وهو مما لا بد منه قال الحسن: لو كلف الناس إدامة الجزع لم يقدروا عليه والله أعلم. المسألة الرابعة: في فضيلة الصبر قد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف وذكر الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعاً وأضاف أكثر الخيرات إليه فقال: {أية : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ } تفسير : [السجدة: 24] وقال: {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءِيلَ بِمَا صَبَرُواْ } تفسير : [الأعراف: 137] وقال: {أية : وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [النحل: 96] وقال: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } تفسير : [القصص: 54] وقال: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } تفسير : [الزمر: 10] فما من طاعة إلا وأجرها مقدراً إلا الصبر، ولأجل كون الصوم من الصبر قال تعالى: {الصوم لِى } فإضافة إلى نفسه، ووعد الصابرين بأنه معهم فقال: {أية : وَٱصْبِرُواْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } تفسير : [الأنفال: 46] وعلق النصرة على الصبر فقال: {أية : بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ } تفسير : [آل عمران: 125] وجمع للصابرين أموراً لم يجمعها لغيرهم فقال: {أية : أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰتٌ مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ } تفسير : [البقرة: 157]. وأما الأخبار فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : الصبر نصف الإيمان» تفسير : وتقريره أن الإيمان لا يتم إلا بعد ترك ما لا ينبغي من الأقوال والأعمال والعقائد، وبحصول ما ينبغي، فالاستمرار على ترك ما لا ينبغي هو الصبر وهو النصف الآخر، فعلى مقتضى هذا الكلام يجب أن يكون الإيمان كله صبراً إلا أن ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي قد يكون مطابقاً للشهوة، فلا يحتاج فيه إلى الصبر، وقد يكون مخالفاً للشهوة فيحتاج فيه إلى الصبر، فلا جرم جعل الصبر نصف الإيمان، وقال عليه السلام: «حديث : من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار» تفسير : وقال عليه السلام: «حديث : الإيمان هو الصبر» تفسير : وهذا شبه قوله عليه السلام: «حديث : الحج عرفة» تفسير : . المسألة الخامسة: في بيان أن الصبر أفضل أم الشكر؟ قال الشيخ الغزالي رحمه الله: دلالة الأخبار على فضيلة الصبر أشد قال عليه السلام: «حديث : من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر» تفسير : وقال: «حديث : يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه الله جزاء الشاكرين، ويؤتى بأصبر أهل الأرض فيقال له: أترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر؟ فيقول: نعم يا رب فيقول الله تعالى: لقد أنعمت عليك فشكرت، وابتليتك فصبرت، لأضعفن لك الأجر فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين» تفسير : وأما قوله عليه السلام: «حديث : الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر» تفسير : فهو دليل على فضل الصبر، لأن هذا إنما يذكر في معرض المبالغة، وهي لا تحصل إلا إذا كان المشبه به أعظم درجة من المشبه كقوله عليه السلام: «حديث : شارب الخمر كعابد الوثن» تفسير : وأيضاً روي أن سليمان عليه السلام يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفاً لمكان ملكه، وآخر الصحابة دخولاً الجنة عبد الرحمن بن عوف لمكان غناه، وفي الخير أبواب الجنة كلها مصراعان إلا باب الصبر فإنه مصراع واحد وأول من يدخله أهل البلاء وأمامهم أيوب عليه السلام. المسألة السادسة: دلت هذه الآية على أمور. أحدها: أن هذه المحن لا يجب أن تكون عقوبات لأنه تعالى وعد بها المؤمنين من الرسول وأصحابه. وثانيها: أن هذه المحن إذا قارنها الصبر أفادت درجة عالية في الدين. وثالثها: أن كل هذه المحن من الله تعالى خلاف قول الثنوية الذين ينسبون الأمراض وغيرها إلى شيء آخر، وخلاف قول المنجمين الذين ينسبونها إلى سعادة الكواكب ونحوستها. ورابعها: أنها تدل على أن الغذاء لا يفيد الشبع، وشرب الماء لا يفيد الري، بل كل ذلك يحصل بما أجرى الله العادة به عند هذه الأسباب، لأن قوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم } صريح في إضافة هذه الأمور إلى الله تعالى وقول من قال: إنه تعالى لما خلق أسبابها صح منه هذاالقول ضعيف لأنه مجاز والعدول إلى المجاز لا يمكن إلا بعد تعذر الحقيقة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم} هذه الواو مفتوحة عند سيبويه لالتقاء الساكنين. وقال غيره: لما ضُمّت إلى النون الثقيلة بُني الفعل فصار بمنزلة خمسةَ عشر. والبلاء يكون حسنا ويكون سيئاً. وأصله المحنة؛ وقد تقدّم. والمعنى لنمتحننكم لنعلم المجاهد والصابر علم معاينة حتى يقع عليه الجزاء؛ كما تقدّم. وقيل: إنما ٱبْتُلُوا بهذا ليكون آية لمن بعدهم فيعلموا أنهم إنما صبروا على هذا حين وضح لهم الحق. وقيل: أعلمهم بهذا ليكونوا على يقين منه أنه يصيبهم؛ فيوطّنوا أنفسهم عليه فيكونوا أبعد لهم من الجزع؛ وفيه تعجيل ثواب الله تعالى على العزم وتوطين النفس. قوله تعالى: {بِشَيْءٍ} لفظ مفرد ومعناه الجمع. وقرأ الضحاك «بأشياء» على الجمع. وقرأ الجمهور بالتوحيد؛ أي بشيء من هذا وشيء من هذا؛ فاكتفى بالأوّل إيجازاً {مِّنَ ٱلْخَوفْ} أي خوف العدوّ والفزع في القتال؛ قاله ٱبن عباس. وقال الشافعي: هو خوف الله عز وجل. {وَٱلْجُوعِ} يعني المجاعة بالجدب والقحط؛ في قول ابن عباس. وقال الشافعي: هو الجوع في شهر رمضان {وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ} بسبب الاشتغال بقتال الكفار. وقيل: الجوائح المتلفة. وقال الشافعي: بالزكاة المفروضة. {وَٱلأَنفُسِ} قال ٱبن عباس: بالقتل والموت في الجهاد. وقال الشافعي: يعني بالأمراض. {وَٱلثَّمَرَاتِ} قال الشافعي: المراد موت الأولاد، وولد الرجل ثمرة قلبه؛ كما جاء في الخبر، على ما يأتي. وقال ٱبن عباس: المراد قلّة النبات وٱنقطاع البركات. قوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ} أي بالثواب على الصبر. والصبر أصله الحبس، وثوابه غير مقدّر؛ وقد تقدّم. لكن لا يكون ذلك إلا بالصبر عند الصدمة الأولى؛ كما روى البخاري عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنما الصبر عند الصدمة الأولى»تفسير : . وأخرجه مسلم أتمّ منه؛ أي إنما الصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب عليه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها؛ فإنه يدل على قوّة القلب وتثبته في مقام الصبر، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر إذ ذاك؛ ولذلك قيل: يجب على كل عاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بدّ للأحمق منه بعد ثلاث. وقال سهل بن عبد اللَّه التُّسْتَرِيّ: لما قال تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ} صار الصبر عيشاً. والصبر صبران: صبر عن معصية الله، فهذا مجاهد، وصبر على طاعة الله، فهذا عابد. فإذا صبر عن معصية الله وصبر على طاعة الله أورثه الله الرضا بقضائه؛ وعلامة الرضا سكون القلب بما ورد على النفس من المكروهات والمحبوبات. وقال الحوّاص: الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسُّنة. وقال رُوَيم: الصبر ترك الشكوى. وقال ذو النون المصري: الصبر هو الاستعانة بالله تعالى. وقال الأستاذ أبو عليّ: الصبر حدّه ألا تعترض على التقدير؛ فأما إظهار البلوى على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر؛ قال الله تعالى في قصة أيوب: {أية : إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ}تفسير : [ص:44] مع ما أخبر عنه أنه قال: {أية : مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}تفسير : [الأنبياء: 83].
البيضاوي
تفسير : {وَلَنَبْلُوَنَّكُم} ولنصيبنكم إصابة من يختبر لأحوالكم، هلى تصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء؟ {بِشَيْء مّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ } أي بقليل من ذلك، وإنما قلله بالإضافة إلى ما وقاهم منه ليخفف عليهم، ويريهم أن رحمته لا تفارقهم، أو بالنسبة إلى ما يصيب به معانديهم في الآخرة، وإنما أخبرهم به قبل وقوعه ليوطنوا عليه نفوسهم {وَنَقْصٍ مّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرٰتِ} عطف شيء، أو الخوف، وعن الشافعي رضي الله عنه الخوف: خوف الله، والجوع: صوم رمضان، والنقص: من الأموال الصدقات والزكوات، ومن الأنفس: الأمراض، ومن: الثمرات موت الأولاد. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة: أقبضتم روح ولد عبدي؟ فيقولون نعم، فيقول الله: أقبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون نعم، فيقول الله تعالى: ماذا قال عبدي؟ فيقولون حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنو لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد»تفسير : {وَبَشّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ}.
ابن كثير
تفسير : أخبرنا تعالى أنه يبتلي عباده، أي: يختبرهم ويمتحنهم كما قال تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَـٰرَكُمْ }تفسير : [محمد: 31] فتارة بالسراء، وتارة بالضراء من خوف وجوع؛ كما قال تعالى: {أية : فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ}تفسير : [النحل: 112] فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه، ولهذا قال: لباس الجوع والخوف. وقال ههنا: {بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ} أي: بقليل من ذلك {وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ} أي: ذهاب بعضها {وَٱلأَنفُسِ} كموت الأصحاب والأقارب والأحباب {وَٱلثَّمَرَٰتِ} أي: لا تغل الحدائق والمزارع كعادتها. قال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة، وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صبر أثابه، ومن قنط أحل به عقابه، ولهذا قال تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ} وقد حكى بعض المفسرين أن المراد من الخوف ههنا: خوف الله، وبالجوع: صيام رمضان، وبنقص الأموال: الزكاة، والأنفس: الأمراض، والثمرات: الأولاد، وفي هذا نظر، والله أعلم، ثم بين تعالى من الصابرون الذين شكرهم؟ فقال: {ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوۤاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَٰجِعونَ} أي: تسلوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنهم ملك لله، يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة. ولهذا أخبر تعالى عما أعطاهم على ذلك، فقال: {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ} أي: ثناء من الله عليهم. قال سعيد بن جبير: أي: أمنة من العذاب {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ} قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: نعم العدلان ونعمت العلاوة {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ} فهذان العدلان {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ} فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء، أعطوا ثوابهم، وزيدوا أيضاً. وقد ورد في ثواب الاسترجاع وهو قول {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَٰجِعونَ} عند المصائب أحاديث كثيرة. فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا يونس بن محمد حدثنا ليث، يعني ابن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب عن أم سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يوماً من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً سررت به. قال: «حديث : لا يصيب أحداً من المسلمين مصيبة، فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، إلا فعل ذلك به»تفسير : ، قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة، استرجعت، وقلت: اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، ثم رجعت إلى نفسي، فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدتي، استأذن عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أدبغ إهاباً لي، فغسلت يدي من القرظ، وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله ما بي أن لا يكون بك الرغبة، لكني امرأة في غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئاً يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال، فقال: «حديث : أما ما ذكرت من الغيرة، فسوف يذهبها الله عز وجل عنك، وأما ما ذكرت من السن، فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال، فإنما عيالك عيالي»تفسير : . قالت: فقد سلمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيراً منه؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح مسلم عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَٰجِعونَ} اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها»تفسير : قالت: فلما توفي أبو سلمة، قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخلف الله لي خيراً منه؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد وعباد بن عباد قالا: حدثنا هشام بن أبي هشام حدثنا عباد بن زياد عن أمه عن فاطمة بنة الحسين عن أبيها الحسين بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة، فيذكرها وإن طال عهدها ـ وقال عباد: قدم عهدها ـ فيحدث لذلك استرجاعاً، إلا جدد الله له عن ذلك، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب»تفسير : . ورواه ابن ماجه في سننه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن هشام بن زياد عن أمه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها. وقد رواه إسماعيل بن علية ويزيد بن هارون عن هشام بن زياد عن أبيه (كذا) عن فاطمة عن أبيها. وقال الإمام أحمد أنا يحيى بن إسحاق السيلحيني أنا حماد بن سلمة عن أبي سنان قال: دفنت ابناً لي، فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة، يعني الخولاني، فأخرجني وقال لي: ألا أبشرك؟ قلت: بلى. قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال الله: يا ملك الموت قبضت ولد عبدي؟ قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم. قال: فما قال؟ قال: حمدك واسترجع. قال: ابنوا له بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد»تفسير : ثم رواه عن علي بن إسحاق عن عبد الله بن المبارك، فذكره. وهكذا رواه الترمذي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك، به، وقال: حسن غريب. واسم أبي سنان عيسى بن سنان.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ ٱلْخَوفْ } للعدوّ {وَٱلْجُوعِ } القحط {وَنَقْصٍ مّنَ ٱلأَمَوَالِ } بالهلاك {وَٱلأَنفُسِ } بالقتل والموت والأمراض {وَٱلثَّمَرٰتِ } بالحوائج أي لنختبرنكم فننظر أتصبرون أم لا؟ {وَبَشّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ } على البلاء بالجنة.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم} يعني أهل مكة، لما تقدم من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلها عليهم سنين كسني يوسفَ حين قحطوا سبع سنين، فقال الله تعالى مجيباً لدعاء نبيه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالجُوعِ} الخوف يعني الفزع في القتال، والجوع يعني المجاعة بالجدب. {وَنَقْصٍ مِّنَ الأمَوَالِ} يحتمل وجهين: أحدهما: نقصها بالجوائح المتلفة. والثاني: زيادة النفقة في الجدب. {وَالأَنفُسِ} يعني ونقص الأنفس بالقتل والموت. {وَالثَّمَرَاتِ} قلة النبات وارتفاع البركات. {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: وبشر الصابرين على الجهاد بالنصر. والثاني: وبشر الصابرين على الطاعة بالجزاء. والثالث: وبشر الصابرين على المصائب بالثواب، وهو أشبه لقوله من بعد: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} يعني: إذا أصابتهم مصيبة في نفس أو أهل أو مال قالوا: إنا لله: أي نفوسنا وأهلونا وأموالنا لله، لا يظلمنا فيما يصنعه بنا {وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} يعني بالبعث في ثواب المحسن ومعاقبة المسيء. ثم قال تعالى في هؤلاء: {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} الصلاة اسم مشترك المعنى فهي من الله تعالى الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الناس الدعاء، كما قال تعالى: {إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمَاً}. وقال الشاعر: شعر : صلّى على يحيى وأشياعه رَبٌّ كريمٌ وشفيع مطاع تفسير : قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِّن رَّبِّهِمْ} أي رحمة، وذكر ذلك بلفظ الجمع لأن بعضها يتلو بعضاً. ثم قال: {وَرَحْمَةٌ} فأعادها مع اختلافها للفظين لأنه أوكد وأبلغ كما قال: {مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى}. وفي قوله تعالى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} وجهان محتملان: أحدهما: المهتدون إلى تسهيل المصائب وتخفيف الحزن. والثاني: المهتدون إلى استحقاق الثواب وإجزال الأجر.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلَنَبْلُوَنَّكُم} لما دعا عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم بسبع كسبع يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ أجابه بقوله {وَلَنَبْلُوَنَّكُم} يا أهل مكة. {الْخَوْفِ} الفزع في القتال. {وَالْجُوعِ} والجدب، ونقص الأنفس: بالقتل والموت.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ولنبلونكم} أي لنختبرنكم يا أمة محمد واللام جواب القسم تقديره، والله لنبلونكم، والابتلاء لإظهار الطائع من العاصي لا ليعلم شيئاً، لم يكن عالماً به فإنه سبحانه وتعالى عالم بجميع الأشياء قبل كونها وحدوثها {بشيء} إنما قال: بشيء ولم يقل بأشياء لئلا يوهم أن أشياء تدل على ضروب من الخوف. وكذا الباقي فلما قال بشيء كان التقدير بشيء من الخوف، وبشيء من الجوع. وقيل: معناه بشيء قليل من هذه الأشياء {من الخوف} قال ابن عباس: يعني خوف العدو والخوف توقع مكروه يحصل منه ألم في القلب {والجوع} يعني القحط وتعذر حصول القوت {ونقص من الأموال} يعني بالهلاك والخسران {والأنفس} أي ونقص من الأنفس بالموت أو القتل {والثمرات} يعني الجوائح في الثمار وقيل: قد يكون بالجدب أيضاً وبترك العمل والعمارة في الأشجار. وحكي عن الشافعي رضي الله عنه في تفسير هذه الآية قال: الخوف خوف الله تعالى والجوع صيام شهر رمضان ونقص من الأموال يعني إخراج الزكاة والصدقات والأنفس يعني بالأمراض، والثمرات يعني موت الأولاد، لأن الولد ثمرة القلب. عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته أقبضتم ولد عبدي؟ قالوا: نعم. قال: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ قالوا نعم قال فماذا قال؟ قالوا: حمدك واسترجع قال: ابنوا له بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد" تفسير : أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن. فإن قلت ما الحكمة في تقديم تعريف هذا الابتلاء في قوله: ولنبلونكم. قلت فيه حكم: منها أن العبد إذا علم أنه مبتلي بشيء، وطن نفسه على الصبر، فإذا نزل به ذلك البلاء لم يجزع. ومنها أن الكفار إذا شاهدوا المؤمنين مقيمين على دينهم ثابتين عند نزول البلاء صابرين له علموا بذلك صحة الدين فيدعوهم ذلك إلى متابعته والدخول فيه. ومنها أن الله تعالى أخبر بهذا الابتلاء، قبل وقوعه فإذا وقع كان ذلك إخباراً عن غيب فيكون معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم ومنها أن المنافقين إنما أظهروا الإيمان طمعاً في المال وسعة الرزق من الغنائم فلما أخبر الله أنه مبتلي عباده فعند ذلك تميز المؤمن من المنافق والصادق من الكاذب، ومنها أن الإنسان في حال الابتلاء أشد إخلاصاً لله منه في حال الرخاء، فإذا علم أنه مبتلي دام على التضرع والابتهال إلى الله تعالى لينجيه مما عسى أن ينزل به من البلاء ثم قال تعالى: {وبشر الصابرين} يعني عند نزول البلاء والمعنى وبشر يا محمد الصابرين على امتحاني بما أمتحنهم به من الشدائد والمكاره، ثم وصفهم بقوله تعالى: {الذين إذا أصابتهم مصيبة} أي نائبة وابتلاء {قالوا إنا لله} أي عبيداً وملكاً {وإنا إليه راجعون} يعني في الآخرة (م) عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلاّ آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها" تفسير : قيل: ما أعطي أحد ما أعطيت هذه الأمة يعني الاسترجاع عند المصيبة ولو أعطيها أحد لأعطى يعقوب عليه السلام ألا تسمع إلى قوله عند فقد يوسف {أية : يٰأَسفىٰ على يوسف}. تفسير : [يوسف: 84] وقيل: في قول العبد إنا لله وإنا إليه راجعون تفويض منه إلى الله وأنه راض بكل ما نزل به من المصائب.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ}. هذا ترق لأن الجوع أشد من الخوف. فإن قلت: إنه أيضا أشد من النقص من الأموال. قلت: الجواب أن النقص من الأموال أكثر وجودا فى النّاس من الجوع فهو أشد مفسدة والنقص من الأنفس بالمرض أو بالموت أشد من الجميع.
ابن عادل
تفسير : قال القفال [رحمه الله:] هذا متعلق بقوله تعالى: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ}تفسير : [البقرة: 45] فإنما نبلوكم بالخَوْفِ وبكذا، وفيه مسائِلُ. فإن قيل: إنه تعالى قال: {أية : وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ}تفسير : [البقرة: 152] والشكرُ يوجب المزيدَ، لقوله: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}تفسير : [إبراهيم: 7] فكيف أردَفَهُ بقوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوفْ}؟. [قال ابن الخطيب]: والجواب من وَجْهَيْنِ: الأولُ: أنه - تعالى - أخبر أَنَّ إكمَالَ الشرائعِ إتمامُ النعمةِ، فكأنه كذلك موجباً للشُّكْرِ، ثم أَخبر أن القيامَ بتلك الشرائع لا يُمْكِن إِلا بتحمّل المِحَن، فلا جَرَمَ أمر فيها بالصَّبْر. الثاني: أنه - تبارك وتعالى - أَنْعَم أولاً فأَمَر بالشكْر، ثم ابْتَلَى وأمر بالصَّبْرِ، لينال [الرجل] درجةَ الشاكرِين وَالصَّابِرينَ مَعاً، فيكمل إيمانُهُ على ما قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : الإِيْمَانُ نِصْفَانِ نِصْفٌ صَبْرٌ، وَنِصْفٌ شُكْرٌ " تفسير : قال بعضَهم: الخطابُ لجميع أُمَّةِ محمد صلى الله عليه وسلم. وقال عَطاءٌ والرَّبِيعُ بنُ أَنس: المرادُ بهذه المخاطبةِ أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الهِجْرة وهذا الابتلاءُ لإِظْهَارِ المطيع من العاصي لا ليعلم شيئاً، ولم يَكُنْ عَالِماً به، وقد يُطْلق الابتلاءُ على الأَمانةِ؛ كهذه الآية الكريمةِ، والمعنى: وليصيبنكُم اللَّهُ بشيْءٍ من الخوف، وقد تقدَّم الكلامُ فِيه، في قوله تعالى: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}تفسير : [البقرة: 124]. وفي حكمة هذا الابتلاء وجوه: أَحَدُهما: ليوطِّنُوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت، فيكُونُ ذلك أبعدَ لهم من الجَزَعِ، وأَسْهَل عليهم بعد الورُود. وثَانِيهَا: أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المِحَن، اشتَدَّ خَوْفُهم فيصير ذلك الخوفُ تَعْجِيلاً للابتلاءِ،فيستحِقُّون به مزيدَ الثَّوابِ. وثَالِثُها: أن الكفارَ إذا شاهدوا محمداً وأصحَابَهُ مقِيمينَ على دينهم مُسْتقرّين عليه، مع ما كانوا عليه منْ نِهَاية الضر والمِحْنَةِ والجُوعِ، يَعْلَمُونَ أن القومَ إِنَّما اختاروا هذا الدِّينَ لقطْعِهم بصحّته، فيدعُوهم ذلك إِلى مَزِيد التأمّل في دَلاَئِله. ومن المعلُوم الظَّاهِر أَنَّ التَّبَعَ إذا عَرَفُوا أن المتبوعَ في أَعْظَم المِحنَ بسبب المذهب الذي ينصرُه، ثم رأوه مع ذلك مُصِرّاً على ذلك المذهب كان ذلكَ أَدْعَى لهم إلى اتَّباعِه مما إذا رأوه مُرَفّه الحَالِ، لا كُلْفة عليه في ذلك المذهب. ورَابِعُهَا: أنه تعالى أخبر بوقوُع ذلك الابتلاءِ قَبْل وقُوعِه، فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه، فكان ذلك إخْباراً عن الغَيْب، فكان معجزاً. وخَامِسُها: أَنَّ من المُنَافِقِينَ مَنْ أَظْهَر متابعة الرسول صلوات الله وسلامه عليه طمعاً منه في المال، وسعة الرزق، فإذا اختبره تعالى بنزول هذه المحن فعند ذلك يتميز المنافق من الموافق؛ لأنَّ المنافِقَ إِذَا سَمِعَ ذلك، نَفَر منه، وتركَ دِينَه، فكانَ في هَذَا الاختبارِ هَذِهِ الفَائِدَةُ. وسَادِسُها: أن إخلاص الإنسان حالة [البلاء، ورجوعه إلى باب الله تعالى] أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه. قوله تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ" هذا جواب قسم محذوف، ومتى كان جوابه مضارعاً مثبتاً مستقبلاً، وجب تلقيه باللام وإحدى النونين خلافاً للكوفيين حيث يعاقبون بينهما، ولا يُجيز البصريون ذلك إلا في الضرورة، وفتح الفعل المضارع لاتصاله بالنون، وقد تقدم تحقيق ذلك وما فيه من الخلاف. [قال القُرْطِبيُّ: وهذه "الوَاوُ" مفتوحَةٌ عِنْد سِيبَوَيْه؛ لالتِقَاءِ السّاكِنَين. وقال غيرُه: لَمَّا ضُمَّتَا إلى النُّونِ الثَّقِيلَةِ بُنِيَ الفِعْلُ مُضَارِعاً بمنزِلَةِ خَمْسَةَ عَشَر، والبَلاَءُ يَكُون حَسَناً وَيَكُونُ سَيِّئاً، وأَصْلَهُ: المِحْنَةُ، وقدم تقدَّمَ]. قوله تعالى: "بِشَيء" متعلق بقوله: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ" و "الباء" معناها الإلصاق، وقراءة الجمهور على إفراد "شيء"، ومعناها الدلالة على التقليل؛ إذ لو جمعه لاحتمل أن يكون ضرباً من كل واحد. وقرأ الضحاك بن مزاحم: "بأشياء" على الجمع. وقراءة الجمهور لا بد فيها من حذف تقديره: وبشيء من الجوع؛ وبشيء من النقص. وأما قراءة الضحاك فلا تحتاج إلى هذا. وقوله: "مِنَ الْخَوْفِ" في مَحَلّ جَرِّ صفة لشيء، فيتعلّق بمحذوف. فصل في أقسام ما يلاقيه الإنسان من المكاره أعْلَم أَنَّ كلّ ما يلاقي الإنسان من مكروه ومحبوب، فينقسم إلى موجود في الحال، وإلى ما كان موجوداً في الماضي، وإلى ما سَيُوجَدُ في المُسْتَقْبل. فإذا خَطَر بالبالِ [وجود شيء] فيما مضى سمي ذكراً وتذكراً، وإن كان مَوْجُوداً في الحَال يُسَمى ذوقاً ووجداً، وإنما سمي وَجْداً؛ لأنها حالةٌ تجدها مِنْ نَفْسِك. وإن خطر بالبالِ وُجُودُ شَيْءٍ في الاستقبال وغلب ذلك على القَلْبِ سُمِّيَ انتظاراً وتوقّعاً. فإن كان المنتظر مكروهاً يحصل منه ألم في القلب يسمى خوفاً وإشفاقاً، وإن كان محبوباً سمي ذلك ارتياحاً في القلب. فصل في الفرق بين الخوْف والجُوع والنَّقْص قال ابنُ عباسٍ رَضي الله عنهما: الخوفُ خوفُ العَدُوِّ والجُوع القَحْط، والنقصُ مِنَ الأَمْوَالِ بالخُسْرَانِ والهَلاَكِ والأنفس بمعنى القتل. وقيل: بالمرض والسبي. وقال القفال رحمه الله: أما الخوف الشديد فقد حصل لهم عند مكاشفتهم العرب بسبب الدّين، فكانوا لا يؤمنون قصدهم إياهم واجتماعهم عليهم، وقد كان من الخوف وقعة "الأحزاب" ما كان، قال الله تعالى: {أية : هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً}تفسير : [الأحزاب: 11]. وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى "المدينة" لقلّة أموالهم، حتى أنه عليه الصلاة والسلام [كان يشدّ الحجر على بطنه. وروى أبو الهيثم من التّيهان أنه - عليه السلام] - لما خرج التقى بأبي بكر قال مَا أَخْرَجَكَ؟ قال: الجُوعُ، قال: أَخْرَجَنِي مَا أَخْرَجَكَ [وأما نَقْصُ الأَمْوَالِ والأَنْفُسِ، فقد يَحْصُلُ ذلك عند مُحَاربة العَدُوِّ، بأَنْ ينفق مَالَهُ في الاسْتِعْدادِ والجهَادِ، وقد يُقْتَلُ؛ فهناك يحصلُ النَّقْصُ في المال والنفس] وقال اللَّهُ تَعَالَى: {أية : وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ}تفسير : [التوبة: 41] وقد يحصلُ الجُوعُ في سفر الجِهَادِ عند فَنَاءِ الزَّادِ؛ قال الله تعالى: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 120]. وأما نقص الثمرات فقد يكون بالجَدْب، وقد يكون بترك عِمَارة الضِّيَاع للاشتغال بجهاد الأعداء، وقد يكون ذلك بالإنْفَاق على من كان يَرِدُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوفود. قال الشافعي رضي الله عنه: الخوف: خوف الله عز وجل، والجوع: صيام شهر رَمَضان، والنقص من الأموال: بالزكوات والصدقات، ومن الأنفس بالأمراض، ومن الثمرات، موت الأولاد. قولهُ تَعَالى: "وَنَقْصٍ" فِيه وَجْهان: أَحدُهُما: أَنْ يكُونَ معطوفاً على "شَيْءٍ"، والمعنى: بشيءٍ من الخَوْفِ وبنقص. والثَّانِي: أن يكون مَعْطوفاً على الخَوْفِ، أَيْ: شيءٌ من نقص الأموال. والأول أَوْلَى؛ لاشتراكهما في التنكير. قَوْلَهُ: "مِنَ الأَمْوَالِ" فيه خَمْسة أَوْجُه: أَحدها: أَنْ يكونَ مُتعَلقاً بـ"نقص"؛ لأنه مصدر "نقص"، وهو يتعدَّى إلى واحدٍ، وقد حُذِف، أَيْ: ونقص شيء مِنْ كَذا. الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ في محلّ جَرٍّ صفة لذلك المحذوف، فيتعلّق بمحذوف، أي ونقص شيء كائن من كذا. الثَّالِثُ: أَنْ يكونَ في محلِّ نَصْبٍ صفَةً لمفعول مَحْذُوفٍ نصب بهذا المصدر المنون، والتقديرُ: ونقصُ شيء كَائِنٌ من كذا، ذكره أَبُو الْبَقَاء. ويكونُ مَعنى "مِنْ" على هذين الوجهين التَّبْعِيضُ. الرَّابعُ: أَنْ يكون في محل جرِّ صِفَةً لـ"نَقص"، فيتعلق بمحذوف أيضاً، أَيْ: نقص كائن من كذا، وتكونُ "مِنْ" لابتداء الغَايَةِ. الخِامِسُ: أن تكون "مِنْ" زائدةً عن الأَخْفَشِ، وحينئذ لا تعلّق لها بِشَيْءٍ. قوله تعالى: "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ" الخِطَابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمن أتَى بَعْدَهُ من أمته، أي: الصابرين على البَلاَءِ والرَّزَايا، أي بشرهم بالثواب على الصبر، والصبر أصله الحبس وثوابه غير مقدر، ولكن لاَ يكُون ذلك إلا بالصَّبْر عند الصَّدْمَة الأولى [لقوله عليه الصلاةُ والسَّلامُ: "حديث : إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُوْلَى"تفسير : ] أي الشاقة على النفس الذي يَعْظُمُ الثوابُ عليه، إنما هو عند هُجُوم المُصيبة ومَرَارتها. والصَّبْرُ صَبْرانِ؛ صَبْرٌ عن معصية الله تعالى فهذا مُجَاهِدٌ، والصبرُ عَلَى طَاعَةِ الله فهذا عَابِدٌ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله {ولنبلونكم...} الآية. قال: أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دار بلاء، وأنه مبتليهم فيها وأمرهم بالصبر، وبشرهم فقال {وبشر الصابرين}. وأخبر أن المؤمن إذا سلم لأمر الله ورجع واسترجع عند المصيبة كتب الله له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله، والرحمة، وتحقيق سبل الهدى. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء في قوله {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع} قال: هم أصحاب محمد عليه السلام. وأخرج سفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن جويبر قال: كتب رجل إلى الضحاك يسأله عن هذه الآية {إنا لله وإنا إليه راجعون} أخاصة هي أم عامة؟ فقال: هي لمن أخذ بالتقوى، وأدى الفرائض. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {ولنبلونكم} قال: ولنبتلينكم يعني المؤمنين {وبشر الصابرين} قال: على أمر الله في المصائب، يعني بشرهم بالجنة {أولئك عليهم} يعني على من صبر على أمر الله عند المصيبة {صلوات} يعني مغفرة {من ربهم ورحمة} يعني رحمة لهم وأمنة من العذاب {وأولئك هم المهتدون} يعني من المهتدين بالاسترجاع عند المصيبة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن رجاء بن حيوة في قوله: ونقص من الثمرات. قال: يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة فيه إلا تمرة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق رجاء بن حيوة عن كعب. مثله. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : اعطيت أمتي شيئاً لم يعطه أحد من الأمم، أن يقولوا عند المصيبة {إنا لله وإنا إليه راجعون} ". تفسير : وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن سعيد بن جبير قال: لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة شيئاً لم تعطه الأنبياء قبلهم، ولو أعطيها الأنبياء لأعطيها يعقوب إذ يقول: يا أسفى على يوسف {إنا لله وإنا إليه راجعون} لفظ البيهقي قال: لم يعط أحد من الأمم الاسترجاع غير هذه الأمة، أما سمعت قول يعقوب؟: يا أسفي على يوسف. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} قال: من استطاع أن يستوجب لله في مصيبته ثلاثاً الصلاة والرحمة والهدى فليفعل ولا قوة إلا بالله، فإنه من استوجب على الله حقاً بحق أحقه الله له، ووجد الله وفياً. وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب العزاء وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عمر بن الخطاب قال: نعم العدلان ونعم العلاوة {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} نعم العدلان {وأولئك هم المهتدون} نعم العلاوة. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: أربع من كن فيه بنى الله له بيتاً في الجنة: من كان عصمة أمره لا إله إلا الله، وإذا أصابته مصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا أعطي شيئاً قال: الحمد لله، وإذا أذنب ذنباً قال: استغفر الله. وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : من صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلثمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن يونس بن يزيد قال: سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن ما منتهى الصبر؟ قال: يكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الاعتبار عن عمر بن عبد العزيز. أن سليمان بن عبد الملك قال له عند موت ابنه: أيصبر المؤمن حتى لا يجد لمصيبته ألماً؟ قال: يا أمير المؤمنين لا يستوي عندك ما تحب وما تكره، ولكن الصبر معول المؤمن. وأخرج أحمد وابن ماجة والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسين بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما من مسلم يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها، فيحدث لذلك استرجاعاً إلا حدد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور والعقيلي في الضعفاء من حديث عائشة. مثله. وأخرج الحكيم الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : ما من نعمة وإن تقادم عهدها فيجدد لها العبد الحمد إلا جدد الله له ثوابها، وما من مصيبة وإن تقادم عهدها فيجدد لها العبد الاسترجاع إلا جدد الله له ثوابها وأجرها ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن سعيد بن المسيب رفعه "من استرجع بعد أربعين سنة أعطاه الله ثواب مصيبته يوم أصيبها". وأخرج ابن أبي الدنيا عن كعب قال: ما من رجل تصيبه مصيبة فيذكرها بعد أربعين سنة فيسترجع إلا أجرى الله له أجرها تلك الساعة، كما أنه لو استرجع يوم أصيب. وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإِيمان عن أم سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يوماً من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً سررت به قال "حديث : لا يصيب أحداً من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا فعل ذلك به. قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت، فقلت: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها، ثم رجعت إلى نفسي وقلت من أين لي خير من أبي سلمة؟ فأبدلني الله بأبي سلمة خيراً منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ". تفسير : وأخرج مسلم عن أم سلمة قالت "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها. قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخلف الله لي خيراً منه، رسول الله صلى الله عليه وسلم ". تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله، ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إن للموت فزعاً، فإذا أتى أحدكم وفاة أخيه فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون وإنا إلى ربنا لمنقلبون ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن أبي بكر بن أبي مريم سمعت أشياخنا يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن أهل المصيبة لتنزل بهم فيجزعون وتسور عنهم فيمر بها مار من الناس، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فيكون فيها أعظم أجراً من أهلها ". تفسير : وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن أبي أمامة قال "حديث : انقطع قبال النبي صلى الله عليه وسلم فاسترجع فقالوا: مصيبة يا رسول الله؟ فقال: ما أصاب المؤمن مما يكره فهو مصيبة ". تفسير : وأخرج البزار بسند ضعيف والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا انقطع شسع أحدكم فليسترجع فإنها من المصائب ". تفسير : وأخرج البزار بسند ضعيف عن شداد بن أوس مرفوعاً. مثله. وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن شهر بن حوشب رفعه قال "حديث : من انقطع شسعه فليقل إنا لله وإنا إليه راجعون، فإنها مصيبة ".تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن عوف بن عبد الله قال: من انقطع شسعه فليقل إنا لله وإنا إليه راجعون، فإنها مصيبة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن عوف بن عبد الله قال: كان ابن مسعود يمشي فانقطع شسعه فاسترجع فقيل: يسترجع على مثل هذا؟ قال: مصيبة. وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وهناد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن عمر بن الخطاب. إنه انقطع شسعه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقيل له: ما لك؟! فقال: انقطع شسعي فساءني، وما ساءك فهو لك مصيبة. وأخرج ابن أبي الدنيا في الأمل والديلمي عن أنس "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً اتخذ قبالاً من حديد فقال: أما أنت فقد أطلت الأمل، إن أحدكم إذا انقطع شسعه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون كان عليه من ربه الصلاة والهدى والرحمة، وذلك خير له من الدنيا ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في العزاء عن عكرمة قال "حديث : طفىء سراج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقيل: يا رسول الله أمصيبة هي؟ قال: نعم، وكل ما يؤذي المؤمن فهو مصيبة له وأجر ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد العزيز بن أبي رواد قال "حديث : بلغني أن المصباح طفىء فاسترجع النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل ما ساءك مصيبة ".تفسير : وأخرج الطبراني وسمويه في فوائده عن أبي أمامة قال "حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقطع شسع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال له رجل: هذا الشسع؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها مصيبة ". تفسير : وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة عن أبي ادريس الخولاني قال "حديث : بينا النبي صلى الله عليه وسلم يمشي هو وأصحابه إذا انقطع شسعه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال: ومصيبة هذه؟! قال: نعم، كل شيء ساء المؤمن فهو مصيبة ". تفسير : وأخرج الديلمي عن عائشة قالت "حديث : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لدغته شوكة في ابهامه، فجعل يسترجع منها ويمسحها، فلما سمعت استرجاعه دنوت منه فنظرت، فإذا أثر حقير فضحكت!، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أكل هذا الاسترجاع من أجل هذه الشوكة؟! فتبسم ثم ضرب على منكبي فقال: يا عائشة إن الله عز وجل إذا أراد أن يجعل الصغير كبيراً جعله، وإذا أراد أن يجعل الكبير صغيراً جعله ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: إذا فاتتك صلاة في جماعة فاسترجع، فإنها مصيبة. وأخرج عبد بن حميد عن سواد بن داود. أن سعيد بن المسيب جاء وقد فاتته الصلاة في الجماعة، فاسترجع حتى سمع صوته خارجاً من المسجد. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الصبر عند الصدمة الأولى، والعبرة لا يملكها ابن آدم صبابة المرء إلى أخيه ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن خيثمة قال: لما جاء عبد الله بن مسعود نعي أخيه عتبة دمعت عيناه فقال: إن هذه رحمة جعلها الله لا يملكها ابن آدم. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة تبكي على صبي لها فقال لها: اتقي الله واصبري. فقالت: وما تبالي أنت مصيبتي؟ فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله، فأخذها مثل الموت، فأتت بابه فلم تجد عليه بوابين فقالت: لم أعرفك يا رسول الله! فقال: إنما الصبر عند أوّل صدمة ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن ماجة والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أيما مسلمين مضى لهما ثلاثة من أولادهما لم يبلغوا حنثاً كانوا لهما حصناً حصيناً من النار. قال: أبو ذر مضى لي اثنان. قال: واثنان. قال أبو المنذر سيد القراء: مضى لي واحد يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وواحد وذلك في الصدمة الأولى ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن كريب بن حسان قال: توفي رجل منا فوجد به أبوه أشد الوجد، فقال له رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له حوشب: ألا أحدثكم بمثلها شهدتها من النبي صلى الله عليه وسلم، كان رجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابن له توفي، فوجد به أبوه أشد الوجد. قال النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : ما فعل فلان؟ قالوا: يا رسول الله توفي ابنه الذي كان يختلف معه إليك. فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا فلان أيسرك أن ابنك عندك كأجرى الغلمان جرياً، يا فلان أيسرك أن ابنك عندك كأنشط الغلمان نشاطاً، يا فلان أيسرك أن ابنك عندك كأجود الكهول كهلاً، أو يقال لك أدخل الجنة ثواب ما أخذ معك ". تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن معاوية بن قرة عن أبيه قال "حديث : كان رجل يختلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه بني له فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: أتحبه؟ قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبك الله كما أحبه. ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل ابن فلان؟ قالوا: مات. قال: فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أما تحب أن لا تأتي باباً من أبواب الجنة تستفتحه إلا جاء يسعى حتى يفتحه لك؟ قالوا: يا رسول الله أله وحده أم لكلنا؟ قال: بل لكلكم ". تفسير : وأخرج البخاري عن أبي هريرة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة ". تفسير : وأخرج مالك في الموطأ والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما يزال المؤمن يصاب في ولده وحاجته حتى يلقى الله وليست له خطيئة ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أثكل ثلاثة من صلبه فاحتسبهم على الله وجبت له الجنة ". تفسير : وأخرج البزار والحاكم وصححه عن بريدة قال "حديث : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فبلغه أن امرأة من الأنصار مات ابن لها فجزعت عليه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه، فلما دخل عليها قال: أما أنه قد بلغني أنك جزعت؟ فقالت: ما لي لا أجزع وأنا رقوب لا يعيش لي ولد؟! فقال: إنما الرقوب التي يعيش ولدها، إنه لا يموت لامرأة مسلمة ثلاثة من الولد فتحتسبهم إلا وجبت لها الجنة. فقال عمر: واثنين؟ قال: واثنين ". تفسير : وأخرج مالك في الموطأ عن أبي النضر السلمي "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جنة من النار. فقالت امرأة: أو اثنان...؟ قال: أو اثنان ". تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإِيمان عن جابر "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من مات له ثلاثة من الولد فاحتسبهم دخل الجنة. فقالت امرأة: واثنين...؟ قال: واثنين ". تفسير : وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من مسلمين يتوفى لهما ثلاثة إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته إياهم. فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو اثنان...؟ قال: أو اثنان. قالوا: أو واحد...؟ قال أو واحد. ثم قال: والذي نفسي بيده إن السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة إذا احتسبته ". تفسير : وأخرج الطبراني عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : من دفن ثلاثة فصبر عليهم واحتسب وجبت له الجنة. فقالت أم أيمن: واثنين...؟ قال: واثنين. قالت: أو واحد...؟ فسكت ثم قال: وواحد ". تفسير : وأخرج أحمد وابن قانع في معجم الصحابة وابن منده في المعرفة عن حوشب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من مات له ولد فصبر واحتسب قيل له: ادخل الجنة بفضل ما أخذنا منك ". تفسير : وأخرج النسائي وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي سلمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : بخ بخ لخمس ما أثقلهن في الميزان لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفى للمرء فيحتسبه ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء والبيهقي عن أنس قال "حديث : توفي ابن لعثمان بن مظعون فاشتد حزنه عليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن للجنة ثمانية أبواب وللنار سبعة أبواب، أفما يسرك أن لا تأتي باباً منها إلا وجدت ابنك إلى جنبك، آخذاً بحجزتك يشفع لك إلى ربك؟ قال: بلى. قال المسلمون: يا رسول الله ولنا في افراطنا ما لعثمان؟ قال: نعم، لمن صبر منكم واحتسب ". تفسير : وأخرج النسائي عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله لا يرضى لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيه من أهل الأرض فصبر واحتسب بثواب دون الجنة ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي سعيد الخدري "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قسم الله العقل على ثلاثة أجزاء، فمن كن فيه فهو العاقل ومن لم يكن فيه فلا عقل له: حسن المعرفة بالله، وحسن الطاعة لله، وحسن الصبر لله ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن مطرف بن عبد الله بن الشخير. أنه مات ابنه عبد الله فخرج وهو مترجل في ثياب حسنة، فقيل له في ذلك؟ فقال: قد وعدني الله على مصيبتين ثلاث خصال، كل خصلة منها أحب إليّ من الدنيا كلها. قال الله {الذين إذا أصابتهم مصيبة} إلى قوله {المهتدون} أفأستكين لها بعد هذا؟
ابو السعود
تفسير : {وَلَنَبْلُوَنَّكُم} لنُصيبنَّكم إصابةَ من يختبرُ أحوالَكم أتصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء {بِشَيْء مّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ} أي بقليلٍ من ذلك فإن ما وقاهم عنه أكثرُ بالنسبة إلى ما أصابهم بألف مرة وكذا ما يصيبُ به معانديهم، وإنما أَخبرَ به قبل الوقوعِ ليُوطِّنوا عليه نفوسَهم ويزدادَ يقينُهم عند مشاهدتهم له حسبما أَخبرَ به وليعلموا أنه شيءٌ يسير له عاقبةٌ حميدة {وَنَقْصٍ مّنَ ٱلأمَوَالِ وَٱلأنفُسِ وَٱلثَّمَرٰتِ} عطفٌ على شيءٍ وقيل: على الخوف، وعن الشافعيِّ رحمه الله: الخوفُ خوفُ الله والجوعُ صومُ رمضانَ، ونقصٌ من الأموال الزكاةُ والصدقاتُ ومن الأنفس الأمراضُ ومن الثمرات موتُ الأولاد. وعن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا مات ولدُ العبد قال الله تعالى للملائكة: أقبضتم روحَ عبدي؟ فيقولون: نعم فيقول عز وجل: أقبضتم ثمرةَ قلبِه؟ فيقولون: نعم فيقول الله تعالى: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمِدَك واسترجَع فيقول الله عز وعلا: ابنُوا لعبدي بـيتاً في الجنة وسمُّوه بـيتَ الحمد»تفسير : {وَبَشّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَا أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ} الخطابُ للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتىٰ منه البِشارة، والمصيبةُ ما يصيب الإنسانَ من مكروه لقوله عليه السلام: «حديث : كلُّ شيءٍ يؤذي المؤمنَ فهو له مصيبةٌ» تفسير : وليس الصبرُ هو الاسترجاعُ باللسان بل بالقلب بأن يَتصوَّرَ ما خُلق له وأنه راجِعٌ إلى ربه ويتذكرَ نِعمَ الله تعالى عليه ويرى أن ما أبقىٰ عليه أضعافُ ما استردّ منه، فيهونُ ذلك على نفسه ويستسلم، والمبشَّرُ به محذوفٌ دل عليه ما بعده {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى الصابرين باعتبار اتصافِهم بما ذكر من النعوت، ومعنى البعد فيه للإيذان بعلوِّ رُتبتِهم {عَلَيْهِمْ صَلَوٰتٌ مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ} الصلاةُ من الله سبحانه المغفرةُ والرأفةُ، وجمعُها للتنبـيه على كثرتها وتنوُّعِها والجمعُ بـينها وبـين الرحمةِ للمبالغة كما في قوله تعالى: {أية : رَأْفَةً وَرَحْمَةً } تفسير : [الحديد، الآية 10] {أية : لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [البقرة، الآية 117 و128. وسورة النور، الآية 20. وسورة الحشر، الآية 10] والتنوين فيهما للتفخيم، والتعرضُ لعنوان الربوبـية مع الإضافة إلى ضميرهم لإظهارِ مزيدِ العناية بهم أي أولئك الموصوفون بما ذُكر من النعوت الجليلةِ عليهم فنونُ الرأفةِ الفائضةِ من مالك أمورِهم ومبلِّغِهم إلى كمالاتها اللائقةِ بهم. وعن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من استرجعَ عند المصيبةِ جَبر الله مصيبَته وأحسن عُقباه وجعل له خَلَفاً صالحاً يرضاه»تفسير : {وَأُوْلـئِكَ} إشارةٌ إليهم إما بالاعتبار السابقِ، والتكريرُ لإظهارِ كمالِ العناية بهم، وإما باعتبار حيازتِهم لما ذُكر من الصلوات والرحمة المترتبِ على الاعتبار الأول، فعلى الأول المرادُ بالاهتداء في قوله عز وجل: {هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ} هو الاهتداءُ للحق والصواب مطلقاً لا الاهتداءُ لما ذكر من الاسترجاعِ والاستسلامِ خاصة، لما أنه متقدمٌ عليهما فلا بدّ لتأخيره عما هو نتيجةٌ لهما من داعٍ يوجبُه، وليس بظاهر. والجملة اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله كأنه قيل: وأولئك هم المختصون بالاهتداء لكل حقَ وصواب ولذلك استرجعوا واستسلموا لقضاء الله تعالى، وعلى الثاني هو الاهتداءُ والفوزُ بالمطالب، والمعنى أولئك هم الفائزون بمباغيهم الدينيةِ والدنيويةِ فإن مَنْ نال رأفةَ الله تعالى ورحمتَه لم يفُتْه مَطلبٌ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ}[155] قال: هم الذين صار الصبر لهم عيشاً وراحةً ووطناً، يتلذذون بالصبر لله تعالى على كل حال.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ} [الآية: 155]. سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت أبا بكر النيسابورى يقول: سمعت المدينى يقول: سمعت الشافعى يقول: الخوف خوف العدو، والجوع شهرُ رمضان، ونقص من الأموال: الزكاة، والأنفس: الأمراض، والثمرات: الصدقات، وبشر الصابرين على أدائها.
القشيري
تفسير : ابتلاهم بالنعمة لِيُظْهِرَ شكرهم، وابتلاهم بالمحنة ليظهر صبرهم، فلما أدخل المعلوم من حالهم في الوجود، ورسمهم بالرقم الذي قَسَمَه، وأثبتهم على الوصف الذي علمه، (ابتلاهم) بالخوف وفيه تصفية لصدورهم، وبالجوع وفيه تنقية لأبدانهم، وبنقص من الأموال تزكو به نفوسهم، وبمصائب النفوس يعظم بها عند الله أجرهم، وبآفة الثمرات يتضاعف من الله خلفهم. {وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ} يعني الذين لا اعتراض لهم على تقديره فيما أمضاه. ويقال طالبهم بالخوف (ابتعاداً) عن عقوبته ثم بمقاساة الجوع ابتغاء قربته وكرامته، ونقصٍ من الأموال بتصَدُّقِ الأموال والخروج عنها طلباً للخير منه بحصول معرفته. "والأنفس" تسليماً لها إلى عبادته "والثمرات" القول بترك ما يأملونه من الزوائد في نعمته {وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ} على استحسان قضيته، والانقياد لجريان قدرته. ومطالبات الغيب إما أن تكون بالمال أو بالنفس أو بالأقارب؛ فمن أوقف المال لله فله النجاة، ومن بذل لحكمه النَّفْسَ فله الدرجات، ومن صبر عند مصائب الأقارب فله الخلف والقُرُبات، ومن لم يدخر عنه الروح فله دوام المواصلات. قوله جلّ ذكره: {ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ}... الآية. قابلوا الأمر بالصبر لا بل بالشكر لا بل بالفرح والفخر. ومن طالع الأشياء مِلْكاً للحق رأى نفسه أجنبياً بينه وبين حكمه؛ فمِنشِئُ الخَلْقِ أولى بالخَلْق من الخَلْق. ويقال من شهد المصائب شهد نفسه لله وإلى الله، ومن شاهد المُبْلِي عَلِمَ أن ما يكون من الله فهو عبد بالله، وشتان بين من كان لله وبين من كان بالله؛ الذي كان لله فصابرٌ واقفٌ، والذي هو بالله فساقط الاختيار والحكم، إنْ أثبته ثَبَتَ، وإنْ محاه انمحى، وإنْ حرَّكه تحرك، وإن سَكَّنَه سَكَن، فهو عن اختياراته فانٍ، وفي القبضة مُصْرَّفٌ.
البقلي
تفسير : {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ} الخوف ههنا على سبعة اقسام خوف من النفس وخوف من الشيطان وخوف من الكفار وخوف من النار وخوف من الفراق والقطيعة وخوف الحجاب وخوف التعظيم والاجلال امّا خوف النفس فهو جبن الطبيعة بضعف البشرية يهيجه قهر الحق تعالى الامتحان البعد في محل العبودية ليظهر صدق محبته من دعونات بشريته ولا يزول هذا الخوف من العبد اصلاحا في جميع عمره لان هذا صفة نفسه والنفس مطبوعة الجهل ووقلة عرفاتها يصدق مواعيد مولاها الا في اشارق شمس اليقين بنعت التمكين وغالب هذا المقام خطراتٌ وان كان اصله وطناتٌ وتفصيل هذا الخوف من النفس خوف قدان الرزق و نفورها من المجاهدة واضطرابُها في تصديق وعذا الله في الاخرة واما الذى من الشيطان هو تخيف العدُوّ مريدَ الحق في ترك الدنيا بالفقر الدائم والامراضُ والاوجاع وبذل المهجة لتلف النفس وفقدان المقامات وهذا متحان الله تعالى لاوليائيه ليثبت جزاء محاربتهم على عدوهم ويظهر صدق نياتهم في مقاماتهم واما خوف الكفار هو قطع الحيوة وزوال الصورة في القتل والضرب وتعذيب الالوان لان الانسان يحب حيوته ويبغض موضته فتمنوا الموت ان كنتم صادقين واما خوف النار فهو لجام النفس الامارة يلجمها بطش قهر الحق حتى يمنعها من سؤ الادب والافعال والاخلاق المذمومة والعوارض البشيرة ورجس الطبيعة وفرط الشهوات واقتحامها في الكبيرات وايضا امتحنه الله تعالى بخوف النار لان خوف النار من جمله الحجاب بين العبد والربّ تبارك وتعالى واما خوف الفراق وهو خوف دائم في قلوب العباد ما داموا فى الدنيا وهو اعظم الامتحان ليجتهدوا فى طلب المراد ببذل المهج والانفراد عن جميع الكون حتى يصلوا الى مقام الامن بلا صفات النفسانية ورحمة البشرية واما خوف الحجاب وهو تهييج العناية بنعت الرعاية اسرار اهل المحبة حتى يفروا منه اليه لانهم يعلمون انهم مبتلون منه به واما خوف التعظيم والاجلال هو امتحانٌ منه لاهل المكاشفة في مقام المشاهدة لنظر هل يمنعون من الناس مقام الانبساط بصدمة الصمدية وقهر الكبرياء بنعت العزة واما الجوع فهو ابتلاءٌ من الله تعالى لاوليائه ليصقيهم به عن كدورات البشرية وخبث الطبيعة واحتراق حجب النفسانية بين قلوبهم وبين اسرار الاخرة المحجوبة عن رؤية الابصار الظاهرة والزم هذا عليهم ليعلم منهم حقيقة طلبهم مرضاته فى عنوان نياتهم وايضا حقيقة الجوع ههنا عند العراقيين جوع القلب في طلب المشاهدة عن فقدان طعمة الوصلة فجوعهم الى مشاهدته واحرق اكبادهم بعطش شوقه حتى يسرعوا في طلب الوصل الى ابواب سرادق الجبروت ويحترقوا في انوار القدم عن عالم المكوت واما نقص الاموال نقص ما حصل لهم من متاجرتهم مع سيدهم من الدرجات والمقامات والحالات لان هذا اموال رجال المعرفة بالحقيقة واما نقص الانفس نقص الانقس المطمئنة عن حقيقة ايقان الوصول الى مشاهدة القربة بنعت الفترة فى معاملة الاخرة ويجوز ان يكون نقص الانفس الامارة عن ما لوفاتها وغفلاتها برؤية منن مولاها ومقاساة مجاهدة صواحبها واما الثمرت فهى ثمرات اشجار المقامات والحالات السنية والكرامات العالية وهذه كلها بليات اولياء الله في سير اسرارهم في ميادين الوحدانية وبيداء الازلية امتحنهم بهذه الصفات ليظهر صدق ارادتهم في طلب مساهدة الحق عز وجل وينفخ بهذه نيران اشواقهم وبرياح الجذبة ونسيم الوصلة حتى يحترقوا بها في طلب مبتغاهم بنعت الفناء لان من شرط حقيقة القربة احتراق ارواح السابقين والمقتصدين فى انوار جلال المشاهدة {وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ} بحصول قصودهم منى بعد خروجهم عن امتحانى.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولنبلونكم} اللام جواب قسم محذوف اى والله لنعاملنكم معاملة المبتلى هل تصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء اولا اذ البلاء معيار كالمحك يظهر به جوهر النفس وذلك لنظهر لكم منكم المطيع من العاصى لا لنعلم شيأ لم نكن عالمين به {بشئ من الخوف} اى بقليل من خوف الاعداء وانما قلله لان ما وقاهم منه اكثر بالنسبة الى ما اصابهم بالف مرة {و} شىء من {الجوع} اى القحط والسنة وانما اخبرهم به قبل وقوعه ليوطئوا عليه نفوسهم ويسهل لهم الصبر عليه فان مفاجأة المكره اشد على النفس من اصابته مع ترقبه {ونقص من الأموال} عطف على شئ اى وبنقص شيء قليل من ذلك بالسرقة والاغارة واخذ السلطان والهلاك والخسران {والأنفس} اى بالقتل والموت او بالمرض والشيب {والثمرات} اى وذهاب ثمرات الكروم والاشجار بالبرد والسموم والريح والجراد وغيرها من الآفات وقد يكون نقص الثمرات بترك عمارة الضياع للاشتغال بالجهاد. وعن الشافعى رحمه الله الخوف خوف الله والجوع صوم رمضان والنقص من الاموال الزكاة والصدقات ومن الانفس الامراض ومن الثمرات موت الاولاد وفى الحديث "حديث : اذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة قبضتم ولد عبدى فيقولون نعم فيقول أقبضتم ثمرة قلبه فيقولون نعم فيقول ماذا قال عبدى فيقولون حمدك واسترجع فيقول الله ابنوا لعبدى بيتا فى الجنة وسموه بيت الحمد ". تفسير : قال بعض اهل المعرفة مطالبات الغيب اما ان تكون بالمال او بالنفس او بالاقارب او بالقلب او بالروح فمن اجاب بالمال فله النجاة ومن اجاب بالنفس فله الدرجات ومن صبر على فقد الاقارب فله الخلف والقربات ومن لم يؤخر عنه الروح فله دوام المواصلات {وبشر} الخطاب للرسول او لمن يتأتى منه البشارة لتعظيم الصبر وتفخيمه لانه فضيلة عظيمة الثواب وخصلة من خصال الانبياء والاولياء فيستحق صاحبه ان يبشره كل احد {الصابرين} على البلايا.
الطوسي
تفسير : الخطاب بهذه الآية متوجه الى اصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) - على قول عطاء، والربيع وابي علي، والرماني، ولو قيل: أنه خطاب لجميع الخلق، لكان ايضاً صحيحاً، لان ذلك جاز في جميعهم. اللغة: والابتلاء في الاصل: الطلب لظهور ما عند القادرعلى الأمر من خير أوشر. والابتلاء، والاختبار، والامتحان، بمعنى واحد، والابتلاء بهذه الامور المذكورة في الآية بأمور مختلفة. فالخوف هو انزعاج النفس لما يتوقع من الضرر، وكان ذلك لقصد المشركين لهم بالعداوة. والجوع كان لفقرهم وتشاغلهم بالجهاد في سبيل الله عن المعاش. ونقص الأموال للانقطاع بالجهاد عن العمارة. والأنفس بالقتل في الحرب مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم). والجوع ضد الشبع. يقال جاع يجوع جوعاً، وأجاعه إجاعة، وجوّعه تجويعاً، وتجوّع تجوّعاً. قال صاحب العين: الجوع اسم جامع للمخمصة، والمجاعة: عام فيه جوع. والنقص نقيض الزيادة. قال صاحب العين: النقص الخسران في الحظ. تقول نقص نقصاً، وانتقص انتقاصاً، وتناقص تناقصاً، ونقصه تنقيصاً، واستنقص استنقاصاً، وتنقصه تنقصاً. والنقصان يكون مصدراً أو إسماً، كقولك: نقصانه كذا: أي قدر الذاهب. ونقص الشيء، ونقصته، ودخل عليه نقص: في عقله ودينه. ولا يقال: نقصان. والنقيصة: الوقيعة في الناس. والنقيصة انتقاص حق ذي الرحم. وتنقصه تنقصاً: اذا تناول عرضه. واصل الباب النقص الحط من التمام. والمال معروف. وأموال العرب أنعامهم. ورجل مال: أي ذو مال. ونال: أي ذو نوال. وتقول: تمول الرجل، ومول غيره. واصل الباب المال المعروف. والثمرة: أفضل ما تحمله الشجرة. المعنى: ووجه المصلحة في ذلك هو ما في ذلك من الامور المزعجة الى الاستدلال والنظر في الادلة الدالة على النبوة، وليعلم ايضاً انه ليس فيما يصيب الانسان من شدة في الدنيا ما يوجب نقصان منزلته. ففي ذلك ضروب العبرة. فان قيل إذا كان الله قد فعل الابتلاء بهذه الاشياء، والمشركون أوقعوها بالمؤمنين ففي ذلك إيجاب فعل من فاعلين. قلنا: لا يجب ذلك، لان الذي يفعله الله تعالى غير الذي يفعله المشركون، لأن علينا ان نرضى بما فعله الله ونسخط مما فعله المشركون، وليس يقدرون على شيء مما ذكر في الآية، ولكنهم يقدورن على التعريض له بما هو محرم عليهم، وقبيح منهم. الاعراب: وفتحت الواو في لنبلونكم لامرين: احدهما - للعلة التي فتحت الراء في لننصرنكم وهو أنه بني على الفتحة، لانها أخف إذ استحق البناء على الحركة كما استحق (يا) في النداء حكم البناء على الحركة. الثاني - أنه فتح لالتقاء الساكنين إذ كان قبل معتلا لا يدخله الرفع. المعنى: وانما قال: {بشيء} من الخوف ولم يقل: باشياء لامرين: احدهما - لئلا توهم بأشياء من كل واحد، فيدل على ضروب الخوف، ويكون الجمع كجمع الاجناس للاختلاف، فقدر: شيء من كذا، وشيء من كذا، وأغنى المذكور عن المحذوف. والثاني - أنه وضع الواحد في موضع الجمع للابهام الذي فيه كـ {من}. والابتلاء بما ذكر لا بد ان يكون فيه لطف في الدين، وعوض في مقابلته، ولا يحسن فعل ذلك لمجرد العوض - على ما ذهب اليه قوم -. فان قيل: الابتلاء بأمر القبلة وغيره من عبادات الشرع هل يجري مجرى الألم - عند المصيبة؟ قلنا: لا، بلا خلاف ها هنا، فانه لابد ان يكون فيه لطف في الدين فان كان فيه خلاف في الألم، لأن هذه طاعات يستحق بها الثواب. وبالاخلال بها - إذا كانت واجبة - يستحق العقاب، فلا يجري مجرى الألم المحض. والصبر واجب كوجوب العدل الذي لايجوز عليه الانقلاب - في الشرع - إذ الصبر حبس النفس عن القبيح من الأمر، وقد بينا فيما مضى ابتلاء الله تعالى العالم بالعواقب، فان المراد بذلك انه يعامل معاملة المبتلي، لان العدل لا يصح إلا على ذلك، لانه لو أخذهم بما يعلم أنه يكون منهم، قبل ان يفعلوه، لكان ظلماً وجوراً، فبين الله بعد، أنه يعاملهم بالحق دون الظلم. والوقوف على قوله: {وبشر الصابرين} حسن، وقال بعضهم: لا يحسن. وذلك غلط، من حيث كانت صفة مدح، وعامل الصفة في المدح غير عامل الموصوف، وإنما وجب ذلك، لأن صفة صابر صفة كصفة تقي، كما قال الله تعالى: {أية : إن الله مع الصابرين}. تفسير : والجوع: الحاجة إلى الغداء، وتختلف مراتبه في القوة والضعف. وقد يقال: جوع كاذب، لأنه يتخيل به الحاجة إلى الغذاء لبعض الامور العارضة من غير حقيقة. وقوله تعالى: {وبشر الصابرين} فالتبشير في الاصل هو الاخبار بما يسرّ، أو نعمة، يتغير له الشره، غير انه كثر استعماله فيما يسرّ. والصبر المحمود هو حبس النفس عما قبح من الامر.
الجنابذي
تفسير : {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} لنختبرنّكم او لنصيبنّكم {بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ} نسب الى علىٍّ (ع) انّه قال: انّ الله يبتلى عباده عند الاعمال السّيّئةً بنقصٍ من الثّمرات وحبس البركات واغلاق خزائن الخيرات ليتوب تائبٌ ويقلع مقلعٌ ويتذكّر متذكّر ويزدجر مزدجرٌ. وعن الصّادق (ع) انّ هذه علامة قيام القائم (ع) تكون من الله تعالى عزّ وجلّ للمؤمنين قال {بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوفْ} من ملوك بنى اميّة فى آخر سلطانهم {وَٱلْجُوعِ} بغلاء اسعارهم {وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ} فساد التّجارات وقلّة الفضل، ونقصٍ من {ٱلأَنفُسِ} الموت الذّريع ونقصٍ من الثّمرات بقلّة ريع ما يزرع، وبشّر الصّابرين عند ذلك بتعجيل خروج القائم (ع) ثمّ قال: هذا تأويلٌ قال الله تعالى: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ}تفسير : [آل عمران: 7] .
الهواري
تفسير : قوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ}. نقص الأنفس: الموت. ذكروا عن ابن مسعود أنه ذكر الدجال فقال: كيف أنتم والقوم آمنون وأنتم خائفون، والقوم شِباع وأنت جِياع، والقوم رواء وأنتم عطاش، والقوم في الظِل وأنتم في الضِّحّ. [أي حر الشمس]. ذكروا عن رجاء بن حيوة قال: سيأتي على الناس زمان لا تحمل فيه النخلة إلا تمرة واحدة؛ قال: {وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ}. {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ}. وصلاة الله على العباد الرحمة. وقال بعضهم: صلاة الله على العباد الثناء والمدح والتزكية للأعمال {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}، أي هُدوا للاسترجاع عند المصيبة. وقوله: {صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} مثل قوله: (أية : وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ) تفسير : [الأعراف:157] وهو واحد، وهي كلمة عربية وبعضهم يقول: الصلاة هاهنا المغفرة؛ وكل صحيح جائز. ذكر عطاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : إذا أصاب أحدَكم مصيبةٌ فليذكر مصيبته فيَّ فإنها أعظم المصائب . تفسير : ذكر الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : الصبر عند الصدمة الأولى. والعبرة لا يملكها أحد؛ صبابة المرء إلى أخيه . تفسير : ذكر عبد الله بن خليفة قال: كنت أمشي مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فانقطع شسع نعله فاسترجع، فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين؟ فقال: انقطع شسع نعلي، فساءني ذلك، وكل ما ساءك مصيبة.
اطفيش
تفسير : {ولَنبلونَّكُم}: أى والله لنوقعنكم فى البلاء إيقاعاً مثل إيقاع الإنسان أحداً فى شئ مكروه، ليعلم كيف حاله فى ذلك الشئ، ووجه الشبه ظهور حاله خارجاً بذلك الإيقاع، ولو اختلفنا بأن الله، عز وجل، لا يخفى عنه شئ قبل وجوده، فهو عليم بكل شئ بلا أول، فبإيقاع الله الإنسان فى البلاء يظهر فى الخارج صبره واستسلامه للقضاء، وعدهما ومن كان يعصى عند البلاء تحرجا وضيقا به فهو غير صابر ولا مستسلم. {بِشَئ}: التنكير للتحقير، أى بشئ قليل هين، بالنسبة لأن كل ما أصاب الإنسان من الأمور العظام الغلاظ فهى هيئة بالنسبة إلى ما كفى الله عنه مما هو أعظم، وقليلة بالنسبة إلى الأمور الكثيرة التى لا تحصى، وقد كفاها الله عنه، فكل ما أصابه فهو قليل هين بالنسبة إلى عذاب الآخرة الذى يصيب الكافر، وبالنسبة إلى ما أعده الله الرحمن الرحيم له عليه من الثواب، وقليل هين بالنسبة إلى سلامة دينه، ففى التعبير بما يدل على التحقير تخفيف عليهم، ودعاء لهم إلى الصبر، إيذان بأن رحمته لم تفارقهم إذ لم يصبهم بما هو أعظم، وإنما أخبرهم بأنه يبلوهم ليوطنوا أنفسهم على الصبر فيصبروا إذا وقع البلاء، وليدوموا على التضرع والابتهال، لعلمهم بأنهُ سيقع فإن الإنسان فى البلاء أشد إخلاصا وتضرعا، وليكون ذلك إخبار بالغيب إذا وقع على حالة مخصوصة على لسانه، صلى الله عليه وسلم، كان معجزة، وليكون علامة تمييز المؤمن بالصبر من المنافق، وفائدة الابتلاء الثواب، وأن الكفار إذا شاهدوا صبر المؤمنين مع بقائهم على دينهم علموا صحة دينهم فيدعوهم ذلك إلى الدخول فيه، والمراد بشئ قليل من كل واحد من هذه الأشياء المذكورة بعد، ولو قال بأشياء لتوهم أن المراد أصناف من الخوف، وأصناف من الجوع وهكذا. {مِنَ الخَوْف}: للعدو المشرك والمنافق. قال ابن عباس يعنى خوف العدو، وذلك يشمل خوف الحرب وغيرها، وفسره بعض بخوف العدو فى الحرب، وقال الشافعى الخوف خوف الله، والخوف توقع مكروه يحصل منه ألم فى القلب، وقد يعدو إلى الظاهر بالاصفرار بأن ينقبض الدم داخلا. {والجُوعِ}: هو حال تحصل من خلو المعدة مما يغذى. وهى موجعة، وقيل هو فراغ الجسم عما به قوامه، وقيل الألم الذى ينال الحيوان من خلو المعدة عن الطعام، فهو عن الأول والثالث وجودى، وعلى الثانى عدمى، والمراد مطلق الجوع سوى القحط أو غيره، وقيل المراد الجوع للقحط، وقال الشافعى: الجوع جوع صوم رمضان. {ونَقْصٍ مِنَ الأَموال}: العروض والأصول والحيوان والنقد بالحوائج والمصائب، بإذهاب الشئ كلهِ أو بإزالة قوته ونفعه، أو بعض النفع، أو بعض القوة كموت الحيوان وعدم الدور وموت النخل والشجر وقطعها، والسرقة لما يسرق، والغصب ووضع الخراج ونحو ذلك، كالخسارة فى البيع والشراء، وركوب الدين، فيباع ما ملك، وقال الشافعى: نقص من الأموال إخراج الزكاة والصدقات، ولا ينافيهِ حديث: "حديث : ما نقص مال من صدقة" تفسير : لأن المراد عنده فى الآية النقص الحسى بإذهاب جزء للزكاة أو للصدقة. وفى الحديث: إنما أخرج زكاة يعود فى المال بالبركة والخلف، وذكروا عن ابن مسعود أن الخوف والجوع ونقص الأمول هو فى زمان الدجال، ذكروا الدجال فقال: كيف أنتم والقوم آمنون وأنتم خائفون، والقوم شباع وأنتم جياع، والقوم رووا وأنتم عطاش، والقوم فى الظل وأنتم فى الشمس. وعن رجاء بن حيوة: نقص الأموال والثمرات ما يأتى على الناس فى زمان، سيأتى على الناس زمان لا تحمل النخلة إلا ثمرة واحدة. ونقص معطوف على الخوف، أى وشئ من نقص من الأموال، ويجوز عطفه على شئ، أى وينقص من الأموال، فيكون الكلام فى نقص مثله فى شئ، أى وينقص قليل هين. {والأنْفُسِ}: بالموت والأمواض والقتل، وقال الشافعى: بالأمراض {والثّمراتِ}: بأن تغل من أول مرة أو تكثر أو تفسد وتنقص. وقال الشافعى: الثمرات الأولاد، ونقصها موتها. روى البخارى وغيره عن أبى موسى الأشعرى، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة: أقبضتم ولد عبدى؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم. فيقول الله تبارك وتعالى: ماذا قال عبدى؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله: ابنوا لعبدى بيتاً فى الجنة وسموه بيت الحمد".تفسير : قال الترمذى: حديث حسن. {وبشِّر الصابرين}: أى وبشر يا محمد، أو يا من يتأتى منه التبشير الذين صبروا عند البلاء بالثواب العظيم الذى هو الجنة ورضا الله سبحانه وتعالى والجملة مستأنفة أو معطوفة على لنبلونكم عطف المضمون على المضمون، أى الابتلاء حاصل لكم، وكذا البشارة، لكن لمن صبر.
اطفيش
تفسير : {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} عطف على استعينوا، أو على ما عطف عليه استعينوا، والمعنى، لنُصِيبَنَّكُمْ إصابة كإصابة من تختبر حاله، لنعلم أيصبر ويثبت على الطاعة أو لا، والله لا يخفى عليه شىء، فذلك استعارة تمثيلية، والخطاب للمؤمنين عموما، وقيل للصحابة، وقيل لأهل مكة {بِشَيءٍ} قليل، كما يفيده التنكير مع التبعيضية مع العرف فى لفظ شىء، فإن كل ما أصابهم قليل بالنسبة إلى المصائب العظام، وهم عالمون بأن ما لم يصبهم أعظم، فيعلمون أن رحمة الله لم تفارقهم، إذ هم معافون من المصائب التى فوق ذلك، وأيضا يفرج الله عنهم أو يعوضهم، وبالنسبة إلى ما يصيب الكفار فى الآخرة، وذلك داع إلى الشكر، ومن نعمته أنه أخبرهم بما يصيبهم قبل وقوعه ليوطنوا أنفسهم مع معرفتهم أن لهم عليه أجرا، فيخف بما بعد ذلك، ولو أصيبوا بمثله قبل الإخبار {مِّنَ الْخَوْفِ} خوف العدو، وقيل، خوف الله، وفيه، أن خوف الله لا يسميه الله بلاءاً واختباراً، وهو أمر محمود، لا يسعى باسم ينفِّر ويثقل، وأما أن يعترض أنه للحال فلا، لأن المضارع مع لام القسم للاستقبال، وإن صح الحال فالمراد يستقبل من ذلك {وَالجُوعِ} القط والغلاء والفقر، وفسره بعض القحط، إقامة للمسبب، وقيل للصوم، وفيه ما مر من خوف الله، بل دونه، لأنه يقال، يبتليكم الله بما يشق عليكم فتفعلونه، لكن التفسير بغير الظاهر بلا داع بدعة لا تجوز {وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ} بالهلاك للحيوان والشجر والنبات، أو بالسرقة والكساد، وقيل، بالإنفاق نفلا، أو زكاة، وفيه ما مر، من خوف الله، وأيضاً فى تسميتها نقصاً من الأموال تنفير ولو صح أن ما يعطى من المال نقص من عدده. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما نقص مال من صدقة"تفسير : ، أى لها، أى يخلفه الله عدداً، أو كمالا بالبركة، فيقوم الباقى مقام نفسه ومقام ما خرج وأكثر، مع ثواب الآخرة {وَالأَنْفُسِ} أنفس الأحبة ومن يعز على الرجل هلاكه، وذلك بالقتل والموت والأمراض، وذهاب منافع البدن بذهاب قواه، كالصمم والعمى والعرج، فذلك نقص من صحة الأنفس {وَالثَّمَرَٰتِ} من الشجر والنبات والحرث بالحوائج من رحي وحر وبرد، ونقص ماء ونحو ذلكن وخصت مع أنها من الأموال لأنها قد لا تملك كثمار الأرض التى لا يملكها أحد، وقيل، الأولاد لأنهم ثمرة آبائهم وأمهاتهم، بأن يموتوا أو يصابوا فى أبدانهم، ومن الثمرات بمعنى الأولاد الحديث، حديث : إذا مات ولد العبد قال الله للملائكة، أقبضتم ولد عبدى؟ فيقولون، نعم، فيقول: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون، نعم، فيقول الله تعالى: ماذا قال عبدى؟ فيقولون، حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى، ابنوا لعبدى بيتاً فى الجنة، وسموه بيت الحمدتفسير : ، أى لأنه سببه الحمد، لكن ليس كل ما جاء فى الحديث يفسر القرآن به {وَبَشِّرِ} بالصلوات من الله والرحمة والخلف والثواب العظيم، ولا حاجة إلى تقدير بعضهم، أنذر الجازعين، لأنه معلوم بلا تقدير، ولا داعى إلى تقديره {الصَّٰبِرِينَ} من المؤمنين، لأن صبر الكافرين لا ينفعهم فى الآخرة، والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح للتبشير، وهكذا فى مثل الآية، بحسب الإمكان ولو لم أذكره.
الالوسي
تفسير : {وَلَنَبْلُوَنَّكُم} عطف على قوله تعالى: {أية : ٱسْتَعِينُواْ }تفسير : [البقرة: 153] الخ عطف المضمون على المضمون، والجامع أن مضمون الأولى طلب الصبر، ومضمون الثانية بيان مواطنه، والمراد لنعاملنكم معاملة المبتلي والمختبر، ففي الكلام استعارة تمثيلية لأن الابتلاء حقيقة لتحصيل العلم، وهو محال من اللطيف الخبير ـ والخطاب عام لسائر المؤمنين ـ وقيل: للصحابة فقط، وقيل: لأهل مكة فقط. {بِشَيْء مّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ} أي بقليل من ذلك، والقلة بالنسبة لما حفظهم عنه مما لم يقع بهم وأخبرهم سبحانه به قبل وقوعه ليوطنوا عليه نفوسهم فإن مفاجأة المكروه أشد، ويزداد يقينهم عند مشاهدتهم له حسبما أخبر به، وليعلموا أنه شيء يسير له عاقبة محمودة. {وَنَقْصٍ مّنَ ٱلأَمْوٰلِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرٰتِ} عطف إما على (شيء) ويؤيده التوافق في التنكير ومجيء البيان بعد (كل) وإما على (الخوف) ويؤيده قرب المعطوف عليه ودخوله تحت (شيء) والمراد من الخوف خوف العدو، ومن الجوع القحط إقامة للمسبب مقام السبب ـ قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومن نقص الأموال هلاك المواشي، ومن نقص الأنفس ذهاب الأحبة بالقتل والموت، ومن نقص الثمرات تلفها بالجوائح، ونص عليها مع أنها من الأموال لأنها قد لا تكون مملوكة، وقال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: الخوف خوف الله تعالى والجوع صوم رمضان، والنقص من الأموال الزكوات والصدقات، ومن الأنفس الأمراض، ومن الثمرات موت الأولاد، وإطلاق الثمرة على الولد مجاز مشهور لأن الثمرة كل ما يستفاد ويحصل، كما يقال: ثمرة العلم العمل، وأخرج الترمذي من حديث أبـي موسى وحسنه عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم، فيقول الله تعالى: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد » تفسير : واعترض ما قاله الإمام بعد تسلم أن الآية نزلت قبل فرضية الصوم والزكاة بأن خوف الله تعالى لم تزل قلوب المؤمنين مشحونة به قبل/ نزول الآية، وكذا الأمراض وموت الأولاد موجودان قبل، فلا معنى للوعد بالابتلاء بذلك، وكذا لا معنى للتعبير عن الزكاة ـ وهي النمو والزيادة ـ بالنقص، وأجيب بأن كون قلوب المؤمنين مشحونة بالخوف قبل لا ينافي ابتلاءهم في الاستقبال بخوف آخر، فإن الخوف يتضاعف بنزول الآيات، وكذا الأمراض، وموت الأولاد أمور متجددة يصح الابتلاء بها في الآتي من الأزمان، والتعبير عن الزكاة ـ بالنقص ـ لكونها نقصاً صورة ـ وإن كانت زيادة معنى ـ فعند الابتلاء سماها نقصاً، وعند الأمر بالأداء سماها زكاة ليسهل أداؤها. {وَبَشّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ} خطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم أو لكل من تتأتى منه البشارة، والجملة عطف على ما قبلها عطف المضمون على المضمون من غير نظر إلى الخبرية والإنشائية ـ والجامع ظاهر ـ كأنه قيل: الابتلاء حاصل لكم ـ وكذا البشارة ـ ولكن لمن صبر منكم، وقيل: على محذوف أي أنذر الجازعين وبشر وفي توصيف الصابرين بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ...}.
ابن عاشور
تفسير : عطف: {ولنبلونكم} على قوله: { أية : استعينوا بالصبر والصلوة } تفسير : [البقرة: 153] عَطْفَ المقصد على المقدمة كما أشرنا إليه قبل، ولك أن تجعل قوله: {ونبلونكم} عطفاً على قوله: { أية : ولأُتم نعمتي عليكم } تفسير : [البقرة: 150] الآيات ليُعلم المسلمين أن تمام النعمة ومنزلة الكرامة عند الله لا يحول بينهم وبين لحاق المصائب الدنيوية المرتبطة بأسبابها، وأن تلك المصائب مظهر لثباتهم على الإيمان ومحبة الله تعالى والتسليم لقضائه فينالون بذلك بهجة نفوسهم بما أصابهم في مرضاة الله ويزدادون به رفعة وزكاء، ويزدادون يقيناً بأن اتِّباعهم لهذا الدين لم يكن لنوال حُظوظ في الدنيا، وينجر لهم من ذلك ثواب، ولذلك جاء بعده {وبشر الصابرين} وجعل قوله: { أية : يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلٰوة } تفسير : [البقرة: 153] الآية بين هذين المتعاطفين ليكون نصيحة لعلاج الأمرين تمام النعمة والهدى والابتلاء، ثم أعيد عليه ما يصير الجميع خبراً بقوله: {وبشر الصابرين}. وجيءَ بكلمة (شيءٍ) تهويناً للخبر المفجع، وإشارة إلى الفرق بين هذا الابتلاء وبين الجوع والخوف اللذين سلطهما الله على بعض الأمم عقوبة، كما في قوله: { أية : فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } تفسير : [النحل: 112] ولذلك جاء هنا بكلمة (شيءٍ) وجاء هنالك بما يدل على الملابسة والتمكن، وهو أن استعار لها اللباس الملازم لللاَّبس، لأن كلمة (شيء) من أسماء الأجناس العالية العامَّة، فإذا أضيفت إلى اسم جنس أو بينت به علم أن المتكلم ما زاد كلمة (شيء) قبل اسم ذلك الجنس إلاّ لقصد التقليل لأن الاقتصار على اسم الجنس الذي ذكره المتكلم بعدها لو شاء المتكلم لأغنى غَناءَها، فما ذكر كلمة شيء إلاّ والقصد أن يدل على أن تنكير اسم الجنس ليس للتعظيم ولا للتنويع، فبقي له الدلالة على التحقير وهذا كقول السّريّ مخاطباً لأبي إسحاق الصابي: شعر : فشيئاً من دَمِ العُنْقُو دِ أَجعله مكان دَمي تفسير : فقول الله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع} عُدول عن أن يقول بخوف وجوع أما لو ذكر لفظ شيء مع غير اسمِ جنسٍ كما إذا أُتبع بوصف أو لم يتبع أو أضيف لغير اسم جنس فهو حينئذٍ يدل على مطلق التنويع نحو قول قُحَيط العِجْلي: شعر : فلا تَطْمَعْ أَبَيْتَ اللعْنَ فيها ومَنْعُكها بشيء يستطاع تفسير : فقد فسره المرزوقي وغيره بأن معنى بشيء بمَعْنًى من المعاني من غلبة أو معازَّةٍ أو فداء أو نحو ذلك اهــــ. وقد يكون بيان هذه الكلمة محذوفاً لدلالة المقام، كقوله تعالى: { أية : فمن عفى له من أخيه شيء } تفسير : [البقرة: 178] فهو الدية على بعض التفاسير أو هو العفو على تفسير آخر، وقول عمر بن أبي ربيعة: شعر : ومِنْ مالىءٍ عينيه من شيءٍ غيرهِ إذَا راح نحو الجمرَةِ البيضُ كالدمى تفسير : أي من محاسن امرأة غير امرأته. وقول أبي حَيَّة النُّمَيْري: شعر : إذا ما تقاضَى المرءَ يومٌ وليلةٌ تَقاضَاه شيءٌ لا يَمَلُّ التقاضيا تفسير : أي شيء من الزمان، ومن ذلك قوله تعالى: { أية : لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً } تفسير : [آل عمران: 10] أي من الغَنَاء. وكَأَنَّ مراعاة هذين الاستعمالين في كلمة شيء هو الذي دعَا الشيخَ عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» إلى الحكم بحسن وقع كلمة شيء في بيت ابن أبي ربيعة وبيتِ أبي حية النميري، وبِقلَّتها وتضاؤُلها في قول أبي الطيب: شعر : لو الفَلكُ الدوَّار أبْغَضْتَ سَعْيَهُ لعَوَّقَهُ شيءٌ عن الدَّوَرَانِ تفسير : لأنها في بيت أبي الطيب لا يتعلق بها معنى التقليل كما هو ظاهر ولا التنويع لقلة جدوى التنويع هنا إذ لا يجهل أحد أن معوِّقَ الفلك لا بد أن يكون شيئاً. والمراد بالخوف والجوع وما عطف عليهما معانيها المتبادرة وهي ما أصاب المسلمين من القلة وتألب المشركين عليهم بعد الهجرة، كما وقع في يوم الأحزاب إذ جاءوهم من فوقهم ومن أسفل منهم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وأما الجوع فكما أصابهم من قلة الأزواد في بعض الغزوات، ونقص الأموال ما ينشأ عن قلة العناية بنخيلهم في خروجهم إلى الغزو، ونقص الأنفس يكون بقلة الولادة لبعدهم عن نسائهم كما قال النابغة: شعر : شعب العلافيات بين فروجهم والمحصنات عوازب الأطهار تفسير : وكما قال الأعشى يمدح هوذة بن علي صاحب اليمامة بكثرة غزواته: شعر : أفى كل عام أنت جاشم غزوة تَشُد لأقصاها عزيم عزائكا مورِّثةٍ مالاً وفي المَجْدِ رِفْعَةً لما ضاع فيها من قُروء نسائك تفسير : وكذلك نقص الأنفس بالاستشهاد في سبيل الله، وما يصيبهم في خلال ذلك وفيما بعده من مصائب ترجع إلى هاته الأمور. والكلام على الأموال يأتي عند قوله تعالى: { أية : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } تفسير : [البقرة: 188] في هذه السورة وعند قوله: { أية : إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم } تفسير : [آل عمران: 10] في سورة آل عمران. وجملة: {وبشر الصابرين} معطوفة على {ولنبلونكم}، والخطاب للرسول - عليه السلام - بمناسبة أنه ممن شمله قوله: {ولنبلونكم} وهو عطف إنشاء على خبر ولا ضير فيه عند من تحقق أساليب العرب ورأى في كلامهم كثرة عطف الخبر على الإنشاء وعكسه. وأفيد مضمون الجملة الذي هو حصول الصلوات والرحمة والهدى للصابرين بطريقة التبشير على لسان الرسول تكريماً لشأنه، وزيادة في تعلق المؤمنين به بحيث تحصل خيراتهم بواسطته، فلذلك كان من لطائف القرآن إسنادُ البلوى إلى الله بدون واسطة الرسول، وإسنادُ البِشارة بالخير الآتي من قِبَل الله إلى الرسول. والكلام على الصبر وفضائله تقدم في قوله تعالى: { أية : واستعينوا بالصبر والصلٰوة } تفسير : [البقرة: 45]. ووصفُ الصابرين بأنهم: {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا} الخ لإفادة أن صبرهم أكمل الصبر إذ هو صبر مقترن ببصيرة في أمر الله تعالى إذ يعلمون عند المصيبة أنهم مِلْك لله تعالى يتصرف فيهم كيف يشاء فلا يجزعون مما يأتيهم، ويعلمون أنهم صائرون إليه فيثيبهم على ذلك، فالمراد من القول هنا القولُ المطابق للاعتقاد إذ الكلام إنما وُضع للصدق، وإنما يكون ذلك القول معتبراً إذا كان تعبيراً عما في الضمير فليس لمن قال هاته الكلمات بدون اعتقاد لها فضل وإنما هو كالذي ينعق بما لا يَسْمَع، وقد علَّمهم الله هذه الكلمة الجامعة لتكون شعارهم عند المصيبة، لأن الاعتقاد يقوى بالتصريح لأن استحضار النفس للمدرَكات المعنوية ضعيف يحتاج إلى التقوية بشيء من الحِسّ، ولأن في تصريحهم بذلك إعلاناً لهذا الاعتقاد وتعليماً له للناس. والمصيبة يأتي الكلام عليها عند قوله تعالى: { أية : فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي } تفسير : [النساء: 72] في سورة النساء. والتوكيد بإنّ في قولهم: {إنا لله} لأن المقام مقام اهتمام، ولأنه ينزل المصاب فيه منزلة المنكر كونه مِلْكاً لله تعالى وعبداً له إذ تنسيه المصيبة ذلك ويحول هولها بينه وبين رشده، واللام فيه للملك. والإتيان باسم الإشارة في قوله: {أولئك عليهم صلوات من ربهم} للتنبيه على أن المشار إليه هو ذلك الموصوف بجميع الصفات السابقة على اسم الإشارة، وأن الحكم الذي يرد بعد اسم الإشارة مترتب على تلك الأوصاف مثل: { أية : أولئك على هدى من ربهم } تفسير : [البقرة: 5] وهذا بيان لجزاء صبرهم. والصلوات هنا مجاز في التزكيات والمغفرات ولذلك عطفت عليها الرحمة التي هي من معاني الصلاة مجازاً في مثل قوله تعالى: { أية : إن الله وملائكته يصلون على النبي } تفسير : [الأحزاب: 56]. وحقيقة الصلاة في كلام العرب أنها أقوال تنبىء عن محبة الخير لأحد، ولذلك كان أشهر معانيها هو الدعاء وقد تقدم ذلك في قوله تعالى: { أية : ويقيمون الصلٰوة } تفسير : [البقرة: 3] ولأجل ذلك كان إسناد هذا الفعل لمن لا يُطلب الخير إلاّ منه متعيناً للمجاز في لازم المعنى وهو حصول الخير، فكانت الصلاة إذا أسندت إلى الله أو أضيفت إليه دالةً على الرحمة وإيصال ما به النفع من رحمة أو مغفرة أو تزكية. وقوله: {وأولئك هم المهتدون} بيان لفضيلة صفتهم إذا اهتدوا لِمَا هو حقُّ كل عبْد عارف فلم تزعجهم المصائب ولم تكن لهم حاجباً عن التحقق في مقام الصبر، لعلمهم أن الحياة لا تخلو من الأكدار، وأما الذين لم يهتدوا فهم يجعلون المصائب سبباً في اعتراضهم على الله أو كفرهم به أو قول ما لا يليق أو شكهم في صحة ما هم عليه من الإسلام، يقولون لو كان هذا هو الدين المرضيَّ للَّه لما لَحِقَنا عذاب ومصيبة، وهذا شأن أهل الضلال الذين حذَّرنا الله أمْرَهم بقوله: { أية : وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه } تفسير : [الأعراف: 131] وقال في المنافقين: { أية : وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك } تفسير : [النساء: 78]، والقول الفصل أن جزاء الأعمال يظهر في الآخرة، وأما مصائب الدنيا فمسببة عن أسباب دنيوية، تعرض لعروض سببها، وقد يجعل الله سبب المصيبة عقوبة لعبده في الدنيا على سوء أدب أو نحوه للتخفيف عنه من عذاب الآخرة، وقد تكون لرفع درجات النفس، ولها أحوال ودقائق لا يعلمها إلاّ الله تعالى وقد يطلع عليها العبد إذا راقب نفسه وحاسبها، ولله تعالى في الحالين لُطف ونكاية يظهر أثر أحدهما للعارفين.
القطان
تفسير : الابتلاء: الاختبار والامتحان. المصيبة: كل ما يؤذي الانسان في نفسه أو ماله أو أهله. الصلاة من الله للفرد: التعظيم للانسان واعلاء منزلته. والرحمة منه: اللطف بما يكون من حسن العزاء. هذا إخبار من الله تعالى للمسلمين انه مبتليهم بشدائد من الأمور ليُعلم من يتّبع الرسول مما ينقلب على عقبيه، وسيمتحنهم بشيء من الخوف من العدو، والجوع من القحط ليختبرهم أيضاً. يومئذ تنقص أموالكم، وتكون حروب بينكم وبين الكفار، وتقع جدوب تنقص فيها ثماركم، ويومئذ يتبين الصادقون منكم في إيمانهم، من الكاذبين فيه، ويُعرف أهل البصائر في دينهم منكم من أهل النفاق فيه. ولن يعصمكم في هذا الامتحان القاسي الا الصبر. ولذلك بشّر يا محمد الصابرين على امتحاني، والحافظين أنفسهم عن الإقدام على مخالفة أوامري، والذين يؤدون فرائضي مع ابتلائي اياهم والذين اذا نزل بهم ما يؤلمهم يؤمنون بان الخير والشر من الله، وان الأمر كله لله فيقولون: إنا مقرّون لله بالعبودية والملك، واليه راجعون مقرّون بالفناء والبعث من القبور. فليس لنا من أمرنا شيء وانما له الشكر على العطاء وعلينا الصبر عند البلاء. أولئك لهم من ربهم مغفرة ورحمة، يجدون أثرها في برد قلوبهم عند نزول المصيبة. هذه تربية ربانية عالية للمسلمين، ليعدّهم لأمر عظيم، وذلك الامر هو نشر دينه القويم، ودعوته السماوية التي أخرجت الناس من الظلمات الى النور. وقد قاموا بحقها ووفوها بعزم وإيمان. لقد أدوها يومذاك خير أداء، وهو ما يُطلب منا اليوم: ان نأخذ بهذه الآداب الربانية ونلتف حول القرآن الكريم لنستعيد مجدنا وكرامتنا، ونستحق الحياة في هذا الكون، ونكون من المهتدين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلأَمَوَالِ} {َٱلثَّمَرَاتِ} {ٱلصَّابِرِينَ} (155) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِأَنَّهُ سَيَبْلُوهُمْ وَيَخْتَبِرُهُمْ بِقَليلٍ (بِشَيءٍ) مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ، وَبِذَهَابِ بَعْضِ المَالِ، وَبِمَوتِ بَعْضِ الأَصْحَابِ وَالأَقَارِبِ وَالأَحْبَابِ، وَبِنَقْصِ غِلاَلِ المَزَارِعِ ... فَمَنْ صَبَرَ عَلَى قَضَاءِ اللهِ وَحُكْمِهِ أَثَابَهُ، وَمَنْ قَنَطَ وَلَجَّ أَحَلَّ بِهِ عِقَابَهُ. وَيُبَشِّرُ اللهُ الصَّابِرِينَ بِحُسْنِ العَاقِبَةِ فِي أُمُورِهِمْ. لَنَبْلُوَنَّكُمْ - لَنَخْتَبِرَنَّكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نعرف أن مجرد الابتلاء ليس شراً، ولكن الشر هو أن تسقط في الابتلاء، فكل ابتلاء هو اختبار وامتحان، ولم يقل أحد: إن الامتحانات شر، إنها تصير شراً من وجهة نظر الذي لم يتحمل مشاق العمل للوصول إلى النجاح، أما الذي بذل الجهد وفاز بالمركز الأول، فالامتحانات خير بالنسبة له، إذن فقوله الحق: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} [البقرة: 155] أي سنضع لكم امتحاناً يصفي البطولة للعقيدة الجديدة. والحق سبحانه قد ذكر لنا قبل هذه الآية قمة الابتلاءات؛ وهي أن ينال الإنسان الاستشهاد في سبيل الله، وذكر ثواب الشهيد، وهو البقاء على هيئة من الحياة عند ربه، وكان ذلك مقدمة للابتلاءات الأقل، فقمة الابتلاء - في حدود إدراكنا - هي فقد الحياة، وأراد الحق أن يعطي المؤمنين مناعة فيما دون الحياة، مناعة من الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات. وكل ما دون حياة الفرد هو أمر ترفي بالنسبة لفقد الحياة نفسها، فمن لم يفقد حياته، فستأتي له ابتلاءات فيما دون حياته وهي ابتلاءات الخوف والجوع ونقص الأموال، ونقص في عدد الإخوة المؤمنين، وكذلك نقص في الثمرات، وكل هذه أشياء يحبها الإنسان، ويأتي التكليف ليطلب من المؤمن أن يترك بعضاً مما يحب، وتلك الابتلاءات تدخل في نطاق بقاء التكليف. وأول تلك الابتلاءات هو الخوف، والخوف هو انزعاج النفس وعدم اطمئنانها من توقع شيء ضار، فالنفس لها ملكات متعددة، وعندما يصيبها الخوف، فهي تعاني من عدم الانسجام، والخوف خَوَرٌ لا ضرورة له، لأنك إذا كنت تريد أن تؤمِّن نفسك من أمر يُخيفك، فأنت تحتاج إلى أن تجتهد بأسبابك لتعوق هذا الذي يُخيفك، أما إن استسلمت للانزعاج، فلن تستطيع مواجهة الأمر المخيف بكل ملكاتك، لأنك ستواجهه ببعض من الملكات الخائرة المضطربة، بينما أنت تحتاج إلى استقرار الملكات النفسية ساعة الخوف؛ حتى تستطيع أن تمد نفسك بما يؤمنك من هذا الخوف. أما إن زاد انزعاجك عن الحد، فأنت بذلك تكون قد أعنت مصدر الخوف على نفسك؛ لأنك لن تواجه الأمر بجميع قواك، ولا بجميع تفكيرك. إذن فالذي يخاف من الخوف؛ نقول له: أنت مُعين لمصدر الخوف على نفسك، وخوفك وانزعاجك لن يمنع الخوف، ولذلك لابد لك من أن تنشغل بما يمنع الأمر المخوف، ودع الأمر المخوف إلى أن يقع، فلا تعش في فزعه قبل أن يأتيك، فآفة الناس أنهم يعيشون في المصائب قبل وقوعها، وهم بذلك يطيلون على أنفسهم أمد المصائب. إن المصيبة قد تأتي - مثلاً - بعد شهر، فلماذا تطيل من عمر المصيبة بالتوجس منها والرهبة من مواجهتها؟ إنك لو تركتها إلى أن تقع؛ تكون قد قصرت مسافتها. ولك أن تعرف أن الحق سبحانه وتعالى ساعة تأتي المصيبة فهو برحمته يُنزِل معها اللطف، فكأنك إن عشت في المصيبة قبل أن تقع، فأنت تعيش في المصيبة وحدها معزولة عن اللطف المصاحب لها، لكن لو ظللت صابراً محتسباً قادراً على مواجهة أي أمر صعب، فأنت لن تعيش في المصيبة بدون اللطف. لقد كانت الدعوة إلى الله بالإسلام ما زالت وليدة، لذلك كان لابد من إعداد القدوة المؤمنة إعداداً قوياً، وكان الخوف متوقعاً، لأن خصوم الدعوة يكيدون لها ويُبَيتون، وهذا هو الابتلاء. وما المراد من المؤمن حين يواجه ابتلاء الخوف؟ إن عليه أن يجعل من الخوف ذريعة لاستكمال الأسباب التي تمنع وقوع الأمر المخوف، فإن صنع ذلك يكون قد نجح في هذا الابتلاء. ونأتي إلى الابتلاء الثاني في هذه الآية الكريمة، وهو الجوع. إن الجوع شهوة غالبة إلى الطعام، وهو ضروري لاستبقاء الحياة، ومن رحمة الحق سبحانه وتعالى بالإنسان أن ضمن له في ذاته غذاء يدخره من وقت رخائه لينفعه وقت شدته، فالإنسان يحتفظ بالغذاء الزائد على صورة شحم ولحم، وحين يجوع ولا يجد طعاماً، فهو يأخذ من هذا الشحم، فإذا انتهى الشحم، فهو يأخذ من اللحم، وإذا انتهى اللحم، يأخذ الجسم غذاءه من العظم، من أجل أن يستبقي الإنسان الحياة. والإنسان مكون من أجهزة متعددة، وسيد هذه الأجهزة المخ، وما دامت الحياة موجودة في خلايا المخ فإن كل شيء فيك جاهز للعمل، لكن إذا ماتت هذه الخلايا، انتهى كل شيء، وذلك هو السبب في أن يقال: إن فلاناً مات ثم أعطوه دواء معيناً فعادت إليه الحياة. إنهم يتناسون الحقيقة العلمية المؤكدة، وهي أن الحياة لا تغادر الإنسان إلا إذا توقف المخ عن العمل، ولذلك فهناك إنسان قد يتوقف قلبه فيعالجه الأطباء بصدمة كهربية تعيد تشغيل القلب، أو يشقون الصدر لتدليك القلب. لكن إذا ماتت خلايا المخ فهذا هو الموت. فأجهزة الجسم كلها في خدمة ذلك السيد وهو المخ. ومن العجيب أنك تجد سيد الإنسان - وهو المخ - في قمته، والحيوانات كذلك مخها في قمتها، أما النبات فسيده في جذوره، فالورق يذبل أولاً، ثم تجف الأغصان الرفيعة، ثم الجذع، ويجف الجذر في النهاية عندما لا يأتيه بعض الماء، وعندما يأتي بعض الماء إلى الجذور في الوقت المناسب فهي تعود إلى الاخضرار، وتنمو وتعود إليها الحياة، وكذلك المخ في الإنسان، فساعة ينهي الإنسان مخزونه من شحمه ومن لحمه ويتغذى على العظام، فإنقاذه يأتي من إيصال الغذاء إلى المخ. ولذلك قالت المرأة العربية التي لم تكن تعرف التشريح: "نحن مرت علينا سنون، سنة أذابت الشحم، وسنة مَحَقَتْ اللحم، وسنة محت العظم". ويجب أن نفهم أن الجوع يُحسِّن لنا كل رزق في الحياة؛ فإنك إن كنت جوعان صار كل طعام شهياً، والذي يرغم الناس على إعداد ألوان مختلفة من الأطعمة؛ إنما هو عدم الجوع؛ فالإنسان يريد أن يُشهِّي لنفسه ليأكل، لكنه لو كان جوعان لكفاه أي طعام، ولذلك قالوا: "طعام الجائع هنئ وفراش المتعب وطئ". فساعة يكون الإنسان متعباً فهو ينام على أرض خشنة؛ ويستغرق في النوم، وإن لم يكن الإنسان متعباً، فهو يظل يتقلب في الفراش حتى ولو كان من الديباج. إذن فابتلاء الجوع هو أن تصبر على الضروري من الطعام الذي يقيم لك الحياة، وأنت تأكله كوقود لحركة الحياة، ولا تأكله التذاذاً، وحين يقتات الإنسان ليضمن لنفسه وقود الحياة فأي طعام يكفيه. ولذلك شرع الله الصوم لنصبر على أذى الجوع، لأن المؤمنين قد تضطرهم معركة ما لأن يعيشوا فيها ساعات طويلة دون طعام، فإن لم يكونوا مدربين على تحمل قسط من الجوع فيسخورون ويتعبون. إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يعد المؤمن إعداداً كافياً كاملاً، فالمؤمن يواجه الخوف فيستعد، ويواجه الجوع فيأخذ من قوت الحياة بقدر الضرورة. ولذلك تجد أن المجتمعات تواجه متاعب الاقتصاد بالتقشف، ولكن بعض المجتمعات لا تستطيع ذلك، فتجد الناس في تلك المجتمعات لا تتقشف، ولهذا نقول لمن يعيش حياة الترف: أنت لا تعد نفسك الإعداد اللازم لمواجهة تقلبات الزمن. وأقول كما قال إبراهيم بن أدهم: شعر : وإذا غـلا شـيء عليَّ تركته فيـكون أرخـص ما يكـون إذا غلا تفسير : إن أي شيء إذا غلا سعره، لا يشتريه، ويتركه، فيكون أرخص شيء، لأنه لن يدفع فيه مالاً ليشتريه. وأما الابتلاء الثالث وهو نقص الأموال فمصدره أن المؤمنين سينشغلون عن حياتهم بأمر الدعوة، وإذا ما شغلوا عن حركة الحياة لمواجهة العدو فسيضطرون إلى التضحية بحركة الحياة التي تنتج المال ولذلك تنقص الأموال، لأن حركتهم في الحياة توجهت إلى مقاومة خصوم الله. وكذلك سيواجهون العدو مقاتلين؛ وقد يستشهد منهم عدد. وأخيراً يواجهون نقص الثمرات، والثمرات هي الغاية من كل عمل. والحق سبحانه وتعالى حين يعدنا هذا الإعداد، فإذا نجحنا فيه تكون لنا البشرى، لأننا صبرنا على كل هذه المنغصات: صبر على الخوف، وصبر على الجوع، وصبر على نقص الأموال، وصبر على نقص الأنفس، وصبر على نقص الثمرات. إذن فالمهم أن ينجح المؤمن في كل هذه الابتلاءات؛ حتى يواجه الحياة صلباً؛ ويواجه الحياة قوياً؛ ويعلم أن الحياة معبر، ولا يشغله المعبر عن الغاية، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ ...}.
الأندلسي
تفسير : {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} أصل الابتلاء الاختبار. والمعنى هنا: ولأصيبنكم {بِشَيْءٍ} وأفرده ليدل على التقليل وبشيء مقدر في المعاطيف، أي: وبشيء من الجوع وبشيء من نقص. والظاهر أن الخوف هنا هو من العدو. وعبر بالجوع عن القحط إذ هو من أثره. {وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ} بالهلاك والخسران. {وَٱلأَنفُسِ} بالقتل والموت. {وَٱلثَّمَرَاتِ} بالحوائج وقلة النبات وانقطاع البركات. {ٱلَّذِينَ} منصوب نعتاً أو مقطوعاً أو مرفوع قطعاً أو استئنافاً على تقدير سؤال من الصابرون. قيل: هم الذين. و{مُّصِيبَةٌ} اسم فاعل من أصاب. وصار لها اختصاص بالشيء المكروه وأصابتهم مصيبة من التجنيس المغاير. {قَالُواْ إِنَّا للَّهِ} إقرار بالملك والعبودية لله فهو المتصرف فينا بما يريد. {وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} إقرار بالبعث وتنبيه على مصيبة الموت التي هي أهم المصائب. {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ} أي ثناء كثير. {وَرَحْمَةٌ} العطف يشعر بالمغايرة وارتفع صلوات بالفاعلية لأن الجار قد اعتمد وعليهم صلوات تجللهم. كانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة فلما جاء الاسلام سألوا. فنزل: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} والصفا والمروة علمان لهذين الجبلين وألف الصفا منقلبة عن واو والصفا الحجر والمروة الحجارة الصغار التي فيها لين. والواحدة مروة ولزمت الْ فيهما كلزومها في البيت للكعبة والنجم للثريا. والشعائر العلائم التي ندب الله إليها واحدها شعيرة أو شعارة، وهو على حذف أي: ان طواف الصفا والمروة من شعائر الله ولما تقدم الأمر بالصلاة والزكاة في غير ما آية، وذكر الصبر والقتل في سبيل الله وهو الجهاد لإِقامة الدين وكان الحج من الأعمال الشاقة المنهكة للمال والبدن وهو أحد أركان الاسلام ناسب ذكره بعدما تقدم. وقرىء {أَن يَطَّوَّفَ} وقرىء ألا يطوف. فقيل: لا زائدة. ولا نختاره بل إسقاطها يدل على رفع الجناح في فعل الشيء وهو رفع في تركه إذ هو تخيير بين الفعل والترك. نحو: فلا جناح عليهما أن يتراجعا وإثباتها يدل على رفع الجناح في الترك وكلتا القراءتين تدل على التخيير بين الفعل والترك والجناح يراد به الاثم والظاهر أن يكون الطواف بالسعي والمرور فمن سعى بينهما من غير صعود عليهما لم يكن طائفاً. ودلت الآية على مطلق الطواف لا على كمية مخصوصة ولا عدد وسؤال عروة لعائشة أنه لا يرى على أحد شيئاً أن لا يطوّف بهما. وقولها له: يا عُريّة لو كان كذلك لقال: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما كلام لا يخرج اللفظ عما دل عليه من رفع الاثم عمن طاف بهما. ولا يدل ذلك على وجوب الطواف لأن مدلول اللفظ إباحة الفعل وإذا كان مباحاً كنت مخيراً بين فعله وتركه. ومذهب ابن عباس وابن الزبير وأنس وعطاء ومجاهد وأحمد بن حنبل أنه لا شيء على من تركه عمداً كان أو سهواً. {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً} التطوع ما تبرعت به مما لا يجب عليك. وقرىء: تطوع ماضياً، ويطوع مضارعاً مجروماً ويتطوع مضارع، تطوع مجزوماً. وخيراً منصوب على إسقاط حرف الجر أي بخير. وقد قرىء: بخيراً ويكون التقدير تطوعاً خيراً. {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ} أي مثيب أو مغن. {عَلِيمٌ} بما انطوت عليه نية المتطوع.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ} [البقرة: 155]، إلى {هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 157] والإشارة فيها أن البلاء والإبتلاء من الله تعالى لاستخراج جواهر الأخلاق الإنسانية من معادنها؛ لأن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة بيانه قوله تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [الكهف: 7]، والأعمال من نتائج أخلاق النفس، فالسنة في استخراج جواهر الشكر الابتلاء بالنعمة كما كان لسيلمان عليه السلام فأخرج منه بها الشكر وقال تعالى: {أية : إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً}تفسير : [الإسراء: 3]، والسنة في استخراج جواهر الصبر البلاء بالمحبة، كما كان لأيوب عليه السلام فأخرج منه بها الصبر وقال تعالى: {أية : إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ}تفسير : [ص: 44]، فيبتلي الرجل على حسب دينه فمنهم من يبتليهم الله بالخوف، وقال: {بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ} يعني ببعضه والسر فيه أن يكون البلاء لأهل العناية بقدر فوته، واستطاعته في النعمة والمحبة يستخرج منه الشكر والصبر، وهما جوهران من معادن الروحانية ولو زاد على قدرة القوة والاستطاعة في النعمة والمحنة ما يخرج إلا ضد الشكر والصبر، وهما الكفران والجزع وهما جوهران من معادن النفسانيات لأهل الرد. ولهذا قال تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}تفسير : [الحجر: 21] أي: بقدر قدرة أهل القبول والعناية وعدم قوة أهل الرد والسخط، ومنهم من يبتليهم الله بالجوع {وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ} [البقرة: 155]، أو ببعض دون بعض من هذه الجملة أو بمجموعها، ثم قال: {وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ} [البقرة: 155]، بشارة في الحال، أما في الحال فبشر الصابرين على الخوف بالتوكل واليقين والشجاعة، وعلى الجوع بتزكية النفس وتنقية القلب وتصفية الروح وتحلية السر، وعلى نقص الأموال بدفع الحرص والغفلة، وإزالة حب الدنيا فإنه رأس كل خطيئة، وحصول القناعة وهي كنز لا يفنى ومال لا ينفد وشعار الصالحين، وهو العضد وعلى نقصان الأنفس إن كان بالمرض بكفارة الذنوب، وإن كان بموت الأقرباء بقطع التعلقات والتجرد عن العلائق، وعلى آفة الثمرات بالخلف من الله تعالى في الحال، وأما في الحال فبشره بالنجاة من العذاب والدرجات والثواب بغير حساب كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [الزمر: 10]، وفيه معنى آخر في غاية اللطافة وهو بشر الصابرين بأني لهم معهم في كل حال من حالات الصبر وتصبرهم على المصائب وتخلقهم بخلق من أخلاقه، وهو الصبر ولو لم يكن معهم باللطف والعناية لما قدروا على الصبر يدل على هذا قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [البقرة: 249]، وقال تعالى: {أية : وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 127]، والصبر هاهنا محمول على ثلاثة أوجه: صبر بالأمر، وصبر بالاختيار، وصبر الاضطرار. أما الصبر بالأمر: ففي الآية إضمار بقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ} [البقرة: 155] يعني: ولنبلوكم بأوامر هذه الأشياء، فالأمرم بالخوف كقوله تعالى: {أية : وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [آل عمران: 175]، والأمر بالجوع بصيام شهر رمضان، والأمر بنقصان المال بأداء الزكاة، والأنفس بالجهاد في سبيل الله، والثمرات بأداء العشر منها. وأما الصبر بالاختيار: ففي قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ} [البقرة: 155]، إشارة إلى أنا نخبركم هل تختارون {بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ} [البقرة: 155]، الخوف بأن يخافوا من الله ويفروا منه إليه، والجوع فتجوعون تقرباً إلى الله تعالى، كما كان إخبار النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أجوع يوماً وأشبع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك وصبرت، وإذا شبعت ذكرتك وشكرتك"تفسير : ونقص من الأموال فتخرجون عنها بتركها والإنفاق في سبيل الله، والأنفس فبذل الروح في طلب الحق، والثمرات فبالغذاء في طريق الحق كل ثمرة أثمرته شجر الوجود حتى الولد كما كان حال الخليل عليه السلام في صحيح مقام الخلة ببذل المال والنفس والولد. وأما الصبر بالاضطرار: وهو الصبر على المصائب التي تقع من غير الاختيار كما سبق ذكره. ثم نعت الصابرين بقوله: {إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ} [البقرة: 156] يعني: بالأمر أو بالاختيار أو بالاضطرار، كما ذكرنا {قَالُواْ إِنَّا للَّهِ} [البقرة: 156] أي: ليس لنا وجود حقيقي تملكه بل وجودنا مجازي، وله مالك له الوجود الحقيقي {وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156]، ببذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي في مقام العندية، فيخرج من عندنا ببذل ما عندنا؛ ليدخلنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فإن ما عندنا ينفد وما عند الله باق {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ} [البقرة: 157]، جذبات {مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 157]، المفلحون بجذبات الحق إلى مقام العندية والتخلق بخلق من الأخلاق، وهو الصبر وهو الذي يشير به الصابرون بقوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] أعني: صلوات بجذبات الحق والاهتداء بها إلى مقام العندية. ثم أخبر عن شعائر الله بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} [البقرة: 158]، والإشارة فيها أن الله تعالى شعائر الظاهر دالة على شعائر الباطن؛ لتستدل العبد بإقامة مراسم شعائر الله في الظاهر بالصفاء والمروة من شعائر الله في الباطن، فالصفا السر والمروة الروح، وللسالك بينهما سعي فساعة يسعى صفاء السر بقطع التعلقات عن الكونين، والتفرد عن التقلين تبتلاً إلى الله تعالى لقوله تعالى: {أية : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً}تفسير : [المزمل: 8]، وساعة ليسعى في مروة الروح وهي إيصال الخير إلى جميع الأجزاء الإنسانية من الداخلية والخارجية، الباطنية والظاهرية بمراقبة أحوال الباطن ومزاولة أعمال الظاهر في الطاعة، وتقديم الخيرات إلى نفسه وأهله وعياله والعالمين بأسرهم، والإشارة في سبع مراتب أن لظاهر الإنسان سبعة أركان ولباطنه سبعة أطوار، فكذلك العالم سبعة أقاليم {فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ} [البقرة: 158]، بيت القلب في طلب الرب {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ} [البقرة: 158]، خرج {أَن يَطَّوَّفَ} [البقرة: 158]، بصفا السر فإنه تعظيم أمر الله، ويسعى {بِهِمَا} [البقرة: 158]، في مروة الروح فإن الشفقة على خلق الله يكون من شعائر الله، ويصل بركات سعيه إلى سبعة أركانه الظاهرة، وسبعة أطواره الباطنة، وإلى سبعة أقاليمهم كقوله تعالى: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ}تفسير : [النجم: 39]، وأن سعيه سوف يرى، ولهذا قال تعالى: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً} [البقرة: 158] يعني: في حق نفسه أو حق غيره {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ} [البقرة: 158]، يأخذ الواحد من الأعمال الفانية، ويعطي العشر إلى سبع مائة ضعف إلى ما لا يرى من الحسنات الباقية، بل يأخذ الوجود المجازي ويعطي الوجود الحقيقي {عَلِيمٌ} [البقرة: 158]، بنيات العباد في تقربهم إليه، فيقرب إليهم بقدر صفائهم في الطاعات، ومردتهم في الخيرات، كقوله تعالى في الحديث الرباني: "حديث : من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ومتر تقربت إليه ذراعاً تقرب إليه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته أهرول"،تفسير : وهذا في حقيقة صفة الشكورية، ومن كمال رأفته وغاية عاطفته مع أهل محبته وصفوته إن آثار أقدامهم وساعات أيامهم أشرف الأمكنة وأعز الأزمنة، فتلك المشاهد والآثار تعظم وتزار، وإلى تلك المشاهد والأطلال تشد الرواحل والرحال، كما قال قائلهم: شعر : هوى أهوائها لمن قد كان ساكنها وليس في الدارلي هم ولا وطر تفسير : وإن لتراب أقدامهم بل لغبار آثارهم عند الأخيار أقدار عظيمة بل غبرة تبقى على حانات طريقهم عند صديقهم لأعز من المسك الأزفر، كما قيل: وما ذاك إلا أن متت بجنابه أميمة في سرب. ثم أخبر عن خسارة أهل الخسارة في كتمان الأحكام ونعت حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم وبقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ} [البقرة: 159]، الآيتين والإشارة فيهما أن كمال ما كوشف به السالك الواصل من بينات علوم الحقائق، وأسرار القرآن والأنوار وهداية الطريق إلى الله تعالى آداب السلوك، ومعرفة آفات النفس وطريق الخلاص منها بتزكيتها ومعرفة المقامات والأحوال والفرق بينما {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 159]، بينه الحق بتسليكه فيه وعرفه بطريق التسليك فيها عن طلاب الحق، وأهل الإرادة والصدق والمستعدين لقبول النصح والإرشاد مما يوجب المقت في الوقت، ويخشى عليه عذاب ذل الحجاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سئل عن علم علمه الله فكتمه ألجمه بلجام من النار ". تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ} [البقرة: 160]، تداركوا ما سلف من تقصيرهم بحق الرجعة، والقيام للمريدين بحق النصيحة، والدعوة إلى سبيل الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وبينوا لهم تحميل البيان وإقامة البرهان على ما يقولون بحسن قيامهم بمعاملاتهم، فإن أظهر الحج لسان أفعالك وأصدق الشهادة تصحيح ما تدعوا به الخلق إلى الله أن لا تخالف بمعاملتك ما تشير إليه بمقالتك قال الله تعالى: {أية : وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ}تفسير : [هود: 88]، {فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 160] يعني: الذين تابوا وأصلحوا ما كان تؤتيهم من تلقاء أنفسهم إنما أنا أتوب عليهم؛ لأني {وَأَنَا التَّوَّابُ} [البقرة: 160]، ولي التوبة، وليست التوبة للذين يعملون السيئات؛ لأني {الرَّحِيمُ} [البقرة: 160]، أرحم على من أشاء من عبادي بالتوبة، فأتوب عليهم ولولا تهديد هذه الآية، فإن أكثر أهل التحقيق ما خلطوا الخلق وما اشتغلوا بمناصحتهم وتربيتهم وإرشادهم، وما تكلموا على المنبر وما قعدوا على السجادة للشيخوخة فراراً عن خسة الشركاء، واجتناباً عن مزاحمة السفهاء، واحترازاً من معنى، وإن كثيراً من الخلطاء ليبقى بعضهم على بعض اللهم إلا من كان منهم مأموراً، فلا يكون معذوراً فيخالط الناس ويصبر على أذاهم تقرباً إلى مولاهم، وعارضة وصلا تعاظمت؛ إذ دعت وأحبت من دعاء تدعوا فاسمع.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أخبر تعالى أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن، ليتبين الصادق من الكاذب، والجازع من الصابر، وهذه سنته تعالى في عباده؛ لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان، ولم يحصل معها محنة، لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر. هذه فائدة المحن، لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان، ولا ردهم عن دينهم، فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين، فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده { بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ } من الأعداء { وَالْجُوعِ } أي: بشيء يسير منهما؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله، أو الجوع، لهلكوا، والمحن تمحص لا تهلك. { وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ } وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال من جوائح سماوية، وغرق، وضياع، وأخذ الظلمة للأموال من الملوك الظلمة، وقطاع الطريق وغير ذلك. { وَالأنْفُسِ } أي: ذهاب الأحباب من الأولاد، والأقارب، والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد، أو بدن من يحبه، { وَالثَّمَرَاتِ } أي: الحبوب، وثمار النخيل، والأشجار كلها، والخضر ببرد، أو برد، أو حرق، أو آفة سماوية، من جراد ونحوه. فهذه الأمور، لا بد أن تقع، لأن العليم الخبير، أخبر بها، فوقعت كما أخبر، فإذا وقعت انقسم الناس قسمين: جازعين وصابرين، فالجازع، حصلت له المصيبتان، فوات المحبوب، وهو وجود هذه المصيبة، وفوات ما هو أعظم منها، وهو الأجر بامتثال أمر الله بالصبر، ففاز بالخسارة والحرمان، ونقص ما معه من الإيمان، وفاته الصبر والرضا والشكران، وحصل [له] السخط الدال على شدة النقصان. وأما من وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب، فحبس نفسه عن التسخط، قولا وفعلا واحتسب أجرها عند الله، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له، بل المصيبة تكون نعمة في حقه، لأنها صارت طريقا لحصول ما هو خير له وأنفع منها، فقد امتثل أمر الله، وفاز بالثواب، فلهذا قال تعالى: { وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ } أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب. فالصابرين، هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة، ثم وصفهم بقوله: { الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ } وهي كل ما يؤلم القلب أو البدن أو كليهما مما تقدم ذكره. { قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ } أي: مملوكون لله، مدبرون تحت أمره وتصريفه، فليس لنا من أنفسنا وأموالنا شيء، فإذا ابتلانا بشيء منها، فقد تصرف أرحم الراحمين، بمماليكه وأموالهم، فلا اعتراض عليه، بل من كمال عبودية العبد، علمه، بأن وقوع البلية من المالك الحكيم، الذي أرحم بعبده من نفسه، فيوجب له ذلك، الرضا عن الله، والشكر له على تدبيره، لما هو خير لعبده، وإن لم يشعر بذلك، ومع أننا مملوكون لله، فإنا إليه راجعون يوم المعاد، فمجاز كل عامل بعمله، فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفورا عنده، وإن جزعنا وسخطنا، لم يكن حظنا إلا السخط وفوات الأجر، فكون العبد لله، وراجع إليه، من أقوى أسباب الصبر. { أُولَئِكَ } الموصوفون بالصبر المذكور { عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ } أي: ثناء وتنويه بحالهم { وَرَحْمَةٌ } عظيمة، ومن رحمته إياهم، أن وفقهم للصبر الذي ينالون به كمال الأجر، { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } الذين عرفوا الحق، وهو في هذا الموضع، علمهم بأنهم لله، وأنهم إليه راجعون، وعملوا به وهو هنا صبرهم لله. ودلت هذه الآية، على أن من لم يصبر، فله ضد ما لهم، فحصل له الذم من الله، والعقوبة، والضلال والخسار، فما أعظم الفرق بين الفريقين وما أقل تعب الصابرين، وأعظم عناء الجازعين، فقد اشتملت هاتان الآيتان على توطين النفوس على المصائب قبل وقوعها، لتخف وتسهل، إذا وقعت، وبيان ما تقابل به، إذا وقعت، وهو الصبر، وبيان ما يعين على الصبر، وما للصابر من الأجر، ويعلم حال غير الصابر، بضد حال الصابر. وأن هذا الابتلاء والامتحان، سنة الله التي قد خلت، ولن تجد لسنة الله تبديلا وبيان أنواع المصائب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):