Verse. 163 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

الَّذِيْنَ اِذَاۗ اَصَابَتْہُمْ مُّصِيْبَۃٌ۝۰ۙ قَالُوْۗا اِنَّا لِلہِ وَاِنَّاۗ اِلَيْہِ رٰجِعُوْنَ۝۱۵۶ۭ
Allatheena itha asabathum museebatun qaloo inna lillahi wainna ilayhi rajiAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

هم «الذين إذا أصابتهم مصيبة» بلاء «قالوا إنا لله» ملكا وعبيدا يفعل بنا ما يشاء «وإنا إليه راجعون» في الآخرة فيجازينا وفي الحديث (من استرجع عند المصيبة أجره الله فيها وأخلف الله عليه خيرا) وفيه أن مصباح النبي صلى الله عليه وسلم طفئ فاسترجع فقالت عائشة: إنما هذا مصباح فقال: (كل ما أساء المؤمن فهو مصيبة) رواه أبو داود في مراسيله.

156

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال: {أية : وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ} تفسير : [البقرة: 155] بين في هذه الآية أن الإنسان كيف يكون صابراً، وأن تلك البشارة كيف هي؟ ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذه المصائب قد تكون من فعل الله تعالى وقد تكون من فعل العبد، أما الخوف الذي يكون من الله فمثل الخوف من الغرق والحرق والصاعقة وغيرها، والذي من فعل العبد، فهو أن العرب كانوا مجتمعين على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الجوع فلأجل الفقر، وقد يكون الفقر من الله بأن يتلف أموالهم، وقد يكون من العبد بأن يغلبوا عليه فيتلفوه، ونقص الأموال من الله تعالى إنما يكون بالجوائح التي تصيب الأموال والثمرات، ومن العدو إنما يكون لأن القوم لاشتغالهم لايتفرغون لعمارة الأراضي، ونقص الأنفس من الله بالإماتة ومن العباد بالقتل. المسألة الثانية:قال القاضي: إنه تعالى لم يضف هذه المصيبة إلى نفسه بل عمم وقال: {ٱلَّذِينَ إِذَا أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ } فالظاهر أنه يدخل تحتها كل مضرة ينالها من قبل الله تعالى، وينالها من قبل العباد، لأن في الوجهين جميعاً عليه تكليفاً، وإن عدل عنه إلى خلافه كان تاركاً للتمسك بأدائه فالذي يناله من قبله تعالى يجب أن يعتقد فيه أنه حكمة وصواب وعدل وخير وصلاح وأن الواجب عليه الرضا به وترك الجزع وكل ذلك داخل تحت قوله: {إِنَّا لِلَّهِ } لأن في إقرارهم بالعبودية تفويض الأمور إليه والرضا بقضائه فيما يبتليهم به، لأنه لا يقضي إلا بالحق كما قال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَىْء } تفسير : [غافر: 20] أما إذا نزلت به المصيبة من غيره فتكليفه أن يرجع إلى الله تعالى في الانتصاف منه وأن يكظم غيظه وغضبه فلا يتعدى إلى ما لا يحل له من شفعاء غيظه، ويدخل أيضاً تحت قوله: {إِنَّا لِلَّهِ } لأنه الذي ألزمه سلوك هذه الطريقة حتى لا يجاوز أمره كأنه يقول في الأول، إنا الله يدبر فينا كيف يشاء، وفي الثاني يقول: إنا لله ينتصف لنا كيف يشاء. المسألة الثالثة: أمال الكسائي في بعض الروايات من {إنا } ولام {لِلَّهِ } والباقون بالتفخيم وإنما جازت الإمالة في هذه الألف للكسرة مع كثرة الاستعمال، حتى صارت بمنزلة الكلمة الواحدة، قال الفراء والكسائي: لا يجوز إمالة {إنا } مع غير اسم الله تعالى، وإنما وجب ذلك لأن الأصل في الحروف وما جرى مجراها امتناع الإمالة وكذلك لا يجوز إمالة {حَتَّى} و {لكن }. أما قوله: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو بكر الوراق {إِنَّا لِلَّهِ } إقرار منا له بالملك: {وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ } إقرار على أنفسنا بالهلاك، واعلم أن الرجوع إليه ليس عبارة عن الإنتقال إلى مكان أو جهة، فإن ذلك على الله محال، بل المراد أنه يصير إلى حيث لا يملك الحكم فيه سواه، وذلك هو الدار الآخرة، لأن عند ذلك لا يملك لهم أحد نفعاً ولا ضراً، وما داموا في الدنيا قد يملك غير الله نفعهم وضرهم بحسب الظاهر، فجعل الله تعالى هذا رجوعاً إليه تعالى، كما يقال: إن الملك والدولة يرجع إليه لا بمعنى الانتقال بل بمعنى القدرة وترك المنازعة. المسألة الثانية: هذا يدل على أن ذلك إقرار بالبعث والنشور، والاعتراف بأنه سبحانه سيجازي الصابرين على قدر استحقاقهم، ولا يضيع عنده أجر المحسنين. المسألة الثالثة: قوله: {إِنَّا لِلَّهِ } يدل على كونه راضياً بكل ما نزل به في الحال من أنواع البلاء وقوله: {وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ } يدل على كونه في الحال راضياً بكل ما سينزل به بعد ذلك، من إثابته على ما كان منه، ومن تفويض الأمر إليه على ما نزل به، ومن الإنتصاف ممن ظلمه، فيكون مذللاً نفسه، راضياً بما وعده الله به من الأجر في الآخرة. المسألة الرابعة: الأخبار في هذا الباب كثيرة. أحدها: عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من استرجع عند المصيبة: جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه». تفسير : وثانيها: روي أنه طفيء سراج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون» فقيل أمصيبة هي؟ قال: نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة. وثالثها: قالت أم سلمة: حدثني أبو سلمة أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : ما من مسلم يصاب بمصيبة فيفزع إلى ما أمر الله به من قوله: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ } اللهم عندك احتسبت مصيبتي فأجرني فيها وعوضني خيراً منها إلا آجره الله عليها وعوضه خيراً منها» تفسير : قالت: فلما توفي أبو سلمة ذكرت هذا الحديث وقلت هذا القول: فعوضني الله تعالى محمداً عليه الصلاة والسلام. ورابعها: قال ابن عباس: أخبر الله أن المؤمن إذا سلم لأمر الله تعالى ورجع واسترجع عند مصيبته كتب الله تعالى له ثلاث خصال: الصلاة من الله، والرحمة وتحقيق سبيل الهدى. وخامسها: عن عمر رضي الله عنه قال: نعم العدلان وهما: {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰتٌ مِّنْ رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } ونعمت العلاوة وهي قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ } وقال ابن مسعود: لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أقول لشيء قضاه الله تعالى: ليته لم يكن. أما قوله: {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } فاعلم أن الصلاة من الله هي: الثناء والمدح والتعظيم، وأما رحمته فهي: النعم التي أنزلها به عاجلاً ثم آجلاً. وأما قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ } ففيه وجوه. أحدها: أنهم المهتدون لهذه الطريقة الموصلة بصاحبها إلى كل خير. وثانيها: المهتدون إلى الجنة، الفائزون بالثواب. وثالثها: المهتدون لسائر ما لزمهم، والأقرب فيه ما يصير داخلاً في الوعد حتى يكون عطفه على ما ذكره من الصلوات والرحمة صحيحاً، ولا يكون كذلك إلا والمراد به أنهم الفائزون بالثواب والجنة، والطريق إليها لأن كل ذلك داخل في الاهتداء، وإن كان لا يمتنع أن يراد بذلك أنهم المتأدبون بآدابه المتمسكون بما ألزم وأمر، قال أبو بكر الرازي: اشتملت الآية على حكمين: فرض ونفل، أما الفرض فهو التسليم لأمر الله تعالى، والرضا بقضائه، والصبر على أداء فرائضه، لا يصرف عنها مصائب الدنيا وأما النفل فإظهاراً لقوله: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ } فإن في إظهاره فوائد جزيلة منها أن غيره يقتدي به إذا سمعه، ومنها غيظ الكفار وعلمهم بجده واجتهاده في دين الله والثبات عليه وعلى طاعته، وحكي عن داود الطائي قال: الزهد في الدنيا أن لا يحب البقاء فيها، وأفضل الأعمال الرضا عن الله ولا ينبغي للمسلم أن يحزن لأنه يعلم أن لكل مصيبه ثواباً. ولنختم تفسير هذه الآية ببيان الرضا بالقضاء فنقول: العبد إنما يصبر راضياً بقضاء الله تعالى بطريقتين: إما بطريق التصرف، أو بطريق الجذب، أما طريق التصرف فمن وجوه. أحدها: أنه متى مال قلبه إلى شيء والتفت خاطره إلى شيء جعل ذلك الشيء منشأ للآفات فحينئذ ينصرف وجه القلب عن عالم الحدوث إلى جانب القدس فإن آدم عليه السلام لما تعلق قلبه بالجنة جعلها محنة عليه حتى زالت الجنة، فبقي آدم مع ذكر الله، ولما استأنس يعقوب بيوسف - عليهما السلام - أوقع الفراق بينهما حتى بقي يعقوب مع ذكر الحق، ولما طمع محمد عليه السلام من أهل مكة في النصرة والإعانة صاروا من أشد الناس عليه حتى قال: «حديث : ما أوذي نبي مثل ما أوذيت»تفسير : . وثانيها: أن لا يجعل ذلك الشيء بلاء ولكن يرفعه من البين حتى لا يبقى لا البلاء ولا الرحمة فحينئذ يرجع العبد إلى الله تعالى. وثالثها: أن العبد متى توقع من جانب شيئاً أعطاه الله تعالى بلا واسطة خيراً من متوقعه فيستحي العبد فيرجع إلى باب رحمة الله. وأما طريق الجذب فهو كما قال عليه السلام: «حديث : جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين»تفسير : . ومن جذبه الحق إلى نفسه صار مغلوباً لأن الحق غالب لا مغلوب، وصفة الرب الربوبية، وصفة العبد العبودية، والربوبية غالبة على العبودية لا بالضد، وصفة الحق حقيقة، وصفة العبد مجاز، والحقيقة غالبة على المجاز لا بالضد، والغالب يقلب المغلوب من صفة إلى صفة تليق به، والعبد إذا دخل على السلطان المهيب نسي نفسه وصار بكل قلبه وفكره وحسه مقبلاً عليه ومشتغلاً به وغافلاً عن غيره، فكيف بمن لحظ نصره حضرة السلطان الذي كان من عداه حقير بالنسبة إليه، فيصير العبد هنالك كالفاني عن نفسه وعن حظوظ نفسه فيصير هنالك راضياً بأقضية الحق سبحانه وتعالى وأحكامه من غير أن يبقى في طاعته شبهة المنازعة.

القرطبي

تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {مُّصِيبَةٌ} المصيبة: كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه، يقال: أصابه إصابة ومُصابة ومُصاباً. والمصيبة واحدة المصائب. والمَصُوبة (بضم الصاد) مثل المصيبة. وأجمعت العرب على همز المصائب، وأصله الواو؛ كأنهم شبّهوا الأصليّ بالزائد، ويجمع على مصاوب، وهو الأصل. والمصابُ الإصابةُ؛ قال الشاعر:شعر : أسُليم إنّ مُصابكم رجلاً أهدَى السلام تحيةً ظُلْمُ تفسير : وصاب السهمُ القرطاسَ يَصيب صَيْباً؛ لغة في أصابه. والمصيبة: النكبة ينكبها الإنسان وإن صغرت؛ وتستعمل في الشر؛ حديث : روى عكرمة: أن مصباح رسول الله صلى الله عليه وسلم ٱنطفأ ذات ليلة فقال: «إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ» فقيل: أمصيبة هي يا رسول الله؟ قال: «نعم كل ما آذى المؤمن فهو مصيبة»».تفسير : قلت: هذا ثابت معناه في الصحيح، خرّج مسلم عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما يصيب المؤمن من وَصَب ولا نَصَب ولا سَقَم ولا حَزَن حتى الهَمِّ يُهَمُّه إلا كُفِّر به من سيئاته».تفسير : الثانية: خرّج ٱبن ماجه في سننه حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدّثنا وكيع بن الجرّاح عن هشام بن زياد عن أمه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث ٱسترجاعاً وإن تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب».تفسير : الثالثة: من أعظم المصائب المصيبة في الدِّين؛ ذكر أبو عمر عن الفِرْيَابيّ قال حدّثنا فِطْر بن خليفة حدّثنا عطاء بن أبي ربَاح قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي فإنها من أعظم المصائب»تفسير : . أخرجه السَّمرقندي أبو محمد في مسنده، أخبرنا أبو نعيم قال: أنبأنا فطر...؛ فذكر مثله سواء. وأسند مثله عن مكحول مرسلاً. قال أبو عمر: وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة؛ انقطع الوَحْي وماتت النبوّة. وكان أوّل ظهور الشر بٱرتداد العرب وغير ذلك، وكان أوّل ٱنقطاع الخير وأوّل نقصانه. قال أبو سعيد: ما نفضنا أيدينا من التراب من قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنكرنا قلوبنا. ولقد أحسن أبو العتاهية في نظمه معنى هذا الحديث حيث يقول:شعر : اصبِرْ لكل مصيبة وتَجلّدِ وٱعلم بأن المرءَ غيرُ مُخَلَّدِ أو مَا ترى أن المصائب جَمّةٌ وترى المنّيةَ للعباد بمَرْصَدِ مَن لم يُصَبْ ممن ترى بمصيبة؟ هذا سبيلٌ لستَ فيه بأوحد فإذا ذكرتَ محمداً ومصابه فٱذكر مصابك بالنبيّ محمد تفسير : الرابعة: قوله تعالى: {قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ} جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتَحنين؛ لما جمعت من المعاني المباركة؛ فإن قوله: «إنَّا لِلَّهِ» توحيد وإقرار بالعبودية والملك. وقوله: {وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ} إقرار بالهلْك على أنفسنا والبعث من قبورنا؛ واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: لم تعط هذه الكلمات نبيًّا قبل نبيّنا، ولو عرفها يعقوب لما قال: يا أسَفي على يوسف. الخامسة: قال أبو سنان: دفنت ٱبني سنانا، وأبو طلحة الخَوْلاني على شفير القبر؛ فلما أردت الخروج أخذ بيدي فأنشطني وقال: ألا أبّشرك يا أبا سنان، حدّثني الضحاك عن أبي موسى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته أقبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول أقبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول فماذا قال عبدي فيقولون حمدك وٱسترجع فيقول الله تعالى ٱبنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمّوه بيت الحمد»تفسير : . وروى مسلم عن أمّ سَلَمَة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله عزّ وجلّ إنا لله وإنا إليه راجعون اللَّهُمَّ أْجُرْني في مصيبتي وَأَخْلِف لي خيراً منها إلا أخلف الله له خيراً منها»تفسير : . فهذا تنبيه على قوله تعالى: {أية : وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [البقرة: 155] إمّا بالخَلَف كما أخلف الله لأمّ سلمة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه تزوّجها لما مات أبو سلمة زوجها. وإمّا بالثواب الجزيل؛ كما في حديث أبي موسى، وقد يكون بهما. السادسة: قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} هذه نِعمٌ من الله عز وجل على الصابرين المسترجعين. وصلاة الله على عبده: عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة. وقال الزجاج: الصلاة من الله عز وجل الغفران والثناء الحسن. ومن هذا الصلاةُ على الميت إنما هو الثناء عليه والدعاء له؛ وكرر الرحمة لما ٱختلف اللفظ تأكيداً وإشباعاً للمعنى؛ كما قال: {أية : مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ} تفسير : [البقرة: 159]، وقوله: {أية : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم}تفسير : [الزخرف: 80]. وقال الشاعر:شعر : صلَّى على يحيى وأشياعِه ربٌّ كريمٌ وشفيعٌ مطاعْ تفسير : وقيل: أراد بالرحمة كشف الكربة وقضاء الحاجة. وفي البخاري وقال عمر رضي الله عنه: نِعم العِدلان ونعم العِلاوة: {ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ}. أراد بالعِدلين الصلاة والرحمة، وبالعِلاوة الاهتداء. قيل: إلى ٱستحقاق الثواب وإجزال الأجر، وقيل: إلى تسهيل المصائب وتخفيف الحزن.

البيضاوي

تفسير : {ٱلَّذِينَ إِذَا أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ} الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لمن تتأتى منه البشارة. والمصيبة تعم ما يصيب الإِنسان من مكروه، لقوله عليه الصلاة والسلام: «كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة». وليس الصبر بالاسترجاع باللسان، بل به وبالقلب بأن يتصور ما خلق لأجله، وأنه راجع إلى ربه، ويتذكر نعم الله عليه ليرى أن ما بقي عليه أضعاف ما استرده منه فيهون على نفسه، ويستسلم له. والمبشر به محذوف دل عليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : هم {ٱلَّذِينَ إِذَا أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ } بلاء {قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ } ملكاً وعبيداً يفعل بنا ما يشاء {وَإِنَّا إِلَيْهِ رٰجِعُونَ } في الآخرة فيجازينا وفي الحديث « حديث : من استرجع عند المصيبة آجره الله فيها وأخلف الله عليه خيراً»تفسير : وفيه: أن مصباح النبي صلى الله عليه وسلم طَفِىءَ فاسترجع فقالت عائشة إنما هذا مصباح فقال «حديث : كل ما ساء المؤمن فهو مصيبة » تفسير : رواه أبو داود في مراسيله.

ابن عبد السلام

تفسير : {إذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ} في نفس، أو أهل، أو مال. {إِنَا لِلَّهِ} ملكه فلا يظلمنا بما يصنع بنا. {رَاجِعُونَ} بالبعث.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}. لأنه إذا علم العبد أنه وجميع أهله وماله ملك لله طابت نفسه وهانت عليه مصيبته (كما) قال صلى الله عليه وسلم للمرأة التى عزاها فى ولدها "حديث : إن لله ما أخذ وله ما أبقى وأعطى ولكل أجل مسمى و كل إليه راجعون فاحتسبي واصبري فإنما الصبر عند أول الصدمة ". تفسير : ومن شرط اللفظ العمل بمقتضاه وهو أنه يصبر ويحتسب، فإن قاله قولا فقط فلا فائدة فيه، وإن صبر ولم يقله فقد قاله بلسان الحال ويحصل له (الأجر)، وإن فعل الأمرين أخلفه الله الخير في الدنيا وأعظم له الأجر في الآخرة. (والصلاة) المراد بها الرحمة، وجمعها (لإرادة) التكرار عليهم (رحمة بعد رحمة) أي عليهم رحمات كثيرة متعددة ورحمة أخرى أعظم من الجميع فلذلك أفردها بالذكر وعطفها عليها وليس فيه تكرار بوجه.

ابن عادل

تفسير : في قوله: "الَّذِينَ" أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ. أحدُها: أَنْ يكُونَ منصوباً على النَّعْتِ للصابرين، وهو الأَصُحّ. الثَّانِي: أن يكون مَنْصُوباً على المدْحِ. الثَّالِثُ: أن يكون مَرْفُوعاً على خبر مبتدأ محذوف، أَيْ هُمُ الذينَ، وحينئذٍ يحتمل أن يكون على القطع، وأَنْ يكونَ على الاستئنافِ. الرَّابُعُ: أَنْ يَكُون مُبْتَدأً، والْجُمْلَةُ الشرطية مِنْ "إِذا" وَجَوابِهَا صلةٌ، وخبرَهُ ما بعده مِنْ قولِه: {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ}. قولُه تعالى: {أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ}. والمصيبةُ: [كُلُّ ما يُؤذي المؤْمِنَ وَيصِيبُهُ]، يقالُ: أَصابَهُ إِصَابَة ومُصَابة ومُصَاباً. والمصيبةُ: وَاحِدُ المَصَائب. والمَصُوبَةُ "بضم الصَّادِ" مِثْلُ المصيبَةِ. وأجمعتِ العربُ على هَمْزِ المَصَائب، وأَصْلُهُ "الواو"، كَأَنَّهم شَبَّهوا الأَصْلي بالزائد ويُجْمَعُ على "مصاوب"، وهو الأصْلُ، والمُصَابُ الإِصَابةُ، قال الشاعر: [الكامل] شعر : 847 - أَسُلَيْمُ إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلاً أَهْدَى السَّلاَم تَحِيَّة طُلْمُ تفسير : وصَابً السَّهْمُ القِرْطاسَ يُصيبه صَيْبًا لغةٌ في أَصَابَهُ. والمُصِيبَةُ: النَّكْبَةُ يُنْكَبُها الإنسانُ وإِنْ صَغُرَتْ، وتستعمل في الشر. قولهُ تعالى: "إِنَّا لِلَّهِ" إِنَّ وَاسْمَها وخَبَرَها في محلِّ نَصْبٍ بالقول، والأصلُ: إِنَّنَا بثلاث نوناتٍ، فحُذِفَتِ الأخيرةُ من "إِنَّ" لا الأُولَى، لأنه قد عُهِدَ حَذْفُها، ولأنها طرفٌ من الأطرافِ الأَوْلَى بالحذْفِ، لا يُقالُ: إنها لو حُذِفَتِ الثانيةُ لكانت مُخَفَّفةً، والمخففةُ لا تعمل على [الأَفْصَح] فكان يَنْبَغِي أَنْ تُلْغَى، فينفصل الضميرُ المرفوعُ حِينَئذٍ، إذْ لاَ عَمَلَ لهَا فيه، فدل عَدَمُ ذلك على أن المَحْذُوف النُّونُ الأُولَى لأن هذا الحذفَ حَذْفٌ لِتَوالِي الأَمْثَالِ لا ذلك الحذفُ المعْهُودُ في "إن" وأصابَتْهُمْ مُصيبةٌ من التَّجانُسِ المغاير؛ إذْ إِحْدَى كَلِمتِي المادَّةِ اسمٌ والأُخْرَى فِعْلٌ، ومثله: {أية : أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ}تفسير : [النجم: 57]{أية : وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ}تفسير : [الواقعة: 1]. فصل في الكلام على الآية. قال بَعْضُهُم: "إِنَّا لِلَّهِ" إقرارٌ مِنَّا له بالمُلْكِ، "وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" إِقْرارٌ على أنفُسنا بالهَلاَك، لا بمعنى الانتِقَال إلى مَكَانٍ أَوْ جِهَةٍ فإن ذلك على اللَّه مُحَال، بل المرادُ أنه يَصيرُ إلى حَيثُ لا يَمْلِكُ الحُكْمَ سواه، وذلك هو الدَّارُ الآخرَةُ؛ لأَنَّ عند ذلك لا يَمْلكُ لهم أحدٌ نفعاً ولا ضرّاً، وما دَامُوا في الدنيا، قَدْ يَمْلِكُ غيرُ اللَّهِ نفعَهُمْ وضرهم بحسب الظاهِر، فجعل اللَّهُ - تعالى - هذا رُجُوعاً إليه تعالى، كما يُقالُ: إن المُلْكَ والدولة ترجعُ إليه لاَ بمعنى الانْتِقَالِ بل بمعنى القُدْرة، وترك المُنَازَعةِ. وقال بعضهم: {إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ} في الآخرة. [رُويَ عَنِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قَالَ:"حديث : مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيْبَةِ جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وأَحْسَنَ عُقْبَاهُ، وَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ خَلَفاً صَالِحاً يَرْضاه " "حديث : وروي أنه طُفِئ سِرَاجُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجُعونَ}. فقال: إنا لله وإنّا إليه راجعون"، فقيل: مُصِيبَةٌ هِيَ؟ قال: "نَعَمْ، كُلّ شَيْءٍ يُؤْذِي المُؤْمِنَ فَهُوَ مُصِيْبَةٌ " تفسير : وقالت أُمُّ سَلَمَةَ: حدثني أَبُو سَلَمَةَ، أنه عليه الصلاةُ والسلامُ قال: "حديث : مَا مِنْ مُسْلِمِ يُصابُ مُصِيْبَةً فَيَفْزَعُ إِلَى مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أُجُرْنِيّ فِي مُصِيْبَتي، وأخْلِفْ لِي خَيْراً مِنْها"تفسير : قالت: فلما توفي أَبُو سَلَمَة ذكرت هذا الحِديثَ، وقلتُ هذا القولَ، فأخلف اللَّهُ لِيَ محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشرف، وكرم، ومجد وبجل، وعظم. وقال ابنُ عَبَّاس: أخبر اللَّهُ - تعالى - أن المُؤْمِنَ إِذَا أَسْلَمَ أَمْرَه لِلَّهِ، واسترجَعَ عند مُصَيبَتِهِ كتب اللَّهُ له ثَلاثَ خِصَالٍ: الصَّلاة من الله، والرحمة، وتحقيق سبيل الهدى. وقال ابنُ مَسْعُودٍ: لأن أَخِرَّ من السماء أحبّ إليّ مِنْ أن أقول لشيءٍ قضاه اللَّهُ: لَيْتَهُ لَمْ يَكُن]. قال أَبُو بَكْرٍ الرازي: اشتملت الآيةُ الكرِيمَةُ على حُكْمين فَرْضٍ ونَفْل. أَمَّا الفَرْضُ فهو التَّسْلِيمُ لأمرِ الله تعالى، والرِّضَا بِقَضَائِهِ، والصبرُ على أداءِ فَرَائِضِه، لا يصرف عنها مصائب الدنيا. وأما النَّفْل فإظهاراً لقولِ: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}. [ذكَرُوا من قولِ هذه الكَلِمةِ فَوائِدَ. منها: الاشتغالُ بهذه الكلمةِ عن كَلاَم لا يليق. ومنها: أنها تُسلّي قلبَ المُصَابِ، وتقلّلُ حُزْنَه. ومنها: تقطَعُ طمع الشَّيْطَانِ في أَنْ يُوَافِقَهُ في كَلاَمٍ لا يَلِيقُ. ومنها أَنَّهُ إذا سمعه غيرُه اقْتَدَى به. ومنها: أنه إذا قال بلسَانِه في قَلْبِه الاعتقادَ الحَسَن، فإنَّ الحِسَابَ عند المُصِيبَةِ، فكان هذا القَوْل مذكراً له التَّسْليم لِقَضَاءِ الله وقدره]. فإن في إظهاره فوائد جزيلة: منها أن غيره يقتدي به إذا سمعه. ومنها غبط الكفار، وعلمهم بجده واجتهاد في دين الله، والثبات عليه وعلى طاعته. وحكي عن بَعْضِهِم أنه قال: الزهدُ في الدنيا ألاّ يُحِبَّ البقاءَ فِيهَا، وأفضَلُ الأعمالِ الرضا عن الله، ولا ينبَغِي لِلْمُسلِم أن يحزن؛ لأنه يَعْلَمُ أَنَّ لكلِّ مصيبة ثواباً. قولهُ تعالى: "أُولَئِكَ" مبتدأٌ، و"صَلَوَاتٌ" مبتدأٌ ثان، و"عَلَيْهِمْ" خبرهُ مُقَدَّمٌ عليه، والجملةُ خبر قوله: "أُولَئِكَ". ويجوز أن تكون "صلوات" فاعلاً بقوله: "عليهم". قال أبو البقاء: لأنه قد قوي بوقوعه خبراً. والجملة من قوله "أولئك" وما بعده خبر "الذين" على أحد الأوجه المتقدمة، أو لا محلّ لها على غيره من الأوجه. و"قالوا" هو العامل في "إذا"؛ لأنه جوابها وتقدم الكلام في ذلك وأنها هل تقتضي التكرار أم لا؟ قولهُ تعالى: "وَرَحْمَةٌ" عطف على الصلاة، وإن كانت بمعناها، فإن الصلاة من الله رحمة؛ لاختلاف اللفظين كقوله: [الوافر] شعر : 848 - وَقَدَّمَتِ الأَدِيمَ لِرَاهِشَيْهِ وَأَلْفَى قَوْلَها كَذِباً وَمَيْنَا تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 849 - أَلاَ حَبَّذَا هِندُ وَأَرْضٌ بِهَا هِنْدٌ وَهِنْدٌ أَتَى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالْبُعْدُ تفسير : قولُه تعالى: "مِنْ رَبِّهِمْ" فيه وَجْهَانِ: أَحدُهما: أنه متعلق بمحذوف؛ لأنه صَفةٌ لـ"صلوات" و "من" للابتداءِ، فهو في مَحَلِّ رفع، أيْ: صلوات كائنة مِنْ رَبِّهم. والثَّانِي: أنه يتعلق بما تضمنه قولُه "عَلَيْهِمْ" من الفعل إذَا جعلناه رَافعاً لـ"صلوات" رفع الفاعل، فعلى الأول، يكون قد حذف الصفة بعد "رَحْمَة" أَيْ: ورحمة منه. وعلى الثَّانِي: لاَ يَحْتَاجُ إلى ذلك. وقولُه: "وأُولَئِكُ هُمْ الْمُهْتَدُونَ" نَظيرُ: {أية : وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}تفسير : [البقرة: 5] وفيه وجوهٌ: أَحَدُهَا: أنهم هم المهتدون لهذه الطَّرِيقَةِ المُوصّلَةِ بصاحبها إلى كل خير. وثَانِيهَا: المُهْتدُونَ إلى الجنَّةِ الفائزون بالثواب. وثَالِثُها: المُهْتدُونَ لسائِر ما لزمهم. فَصْلٌ في الكلام في الآية قال أَبُو الْبَقَاءِ: "هُمُ المُهْتَدُونَ" هُمْ: مُبْتَدأٌ أو توكيد أو فصل. فإن قِيلَ: لِمَ أَفْرَدَ الرحْمَةَ وجَمَعَ الصَّلَواتِ؟ فالجوابُ: قال بعضُهم: إن الرحمَةَ مصدرٌ بمعنى التعطُّف والتحنُّن، ولا يجمعُ و"التَّاءُ" فيها بمنزلتها في الملّة والمحبّةِ والرأْفَةِ، والرحمةُ ليست للتحذيرِ، بل مَنْزِلتُها في مرية وثمرة، فكما لا يُقالُ: رقات ولا خلات ولا رأفات، لا يُقال: رَحَمات، ودخول الجمعُ يُشْعرُ بالتحذِيرِ والتقييد بعده، والإفْرَادُ مُطْلقاً مِنْ غَيْر تَحْدِيدٍ، فالإفْرَادُ - هنا - أَكْملُ وأكثرُ مَعْنًى من الجمع؛ لأنه زيد بمدلول المفرد أكثر مِنْ مدلولِ الجَمْعِ، ولهذا كان قولُه تَعَالى: {أية : فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ}تفسير : [الأنعام: 149] أَعَمَّ وأَتَمَّ مَعْنًى مِنْ أَنْ يُقالَ: لِلَّهِ الحُجَجُ البَوالِغُ، وكذا قولُه: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}تفسير : [إبراهيم: 34] أتمُّ مَعْنًى مِنْ أنْ يُقالَ: وإنْ تَعَدُّوا نِعَمَ الله لا تُحْصُوها، وقولُه سُبْحَانَهُ وتَعَالَى:{أية : رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً}تفسير : [البقرة: 201] أتمُّ مَعْنًى مِنْ قوله: حَسَناتٍ، وقولُه: {أية : بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ}تفسير : [آل عمران: 174]، أتَمُّ معنى من قوله: بنعمٍ، ونظائِرهُ كَثِيرةٌ. وأما الصّلوات فالمراد بها درجات الثَّوَاب، وهي إنما تحصل شيئاً بَعْدَ شَيْءٍ، فكأنه دلّ على الصِّفَةِ المقصوُدَةِ.

السلمي

تفسير : قال القاسم: هذه إشارةٌ تدعو إلى الرضا بالقسمة والصبرِ على المحنةِ. قال: تحت كل محنة نعمةً وتحت كل أنوار النعمة نيران المحبة، ومدح قومًا فقال: إذا أصابتهم مصيبة سبقت الأمور بما جرت به الدهور لا يرد ذلك تقوى متقٍ ولا عصيان عاصٍ. [قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} [الآية: 208]. السلم هو الرضا بالقضاء قاله الجنيد. وقال ابن عطاء: السلم اتباع الأوامر واجتناب النواهى. وقال أبو عثمان: السلام هو المحمود تحت مجدى القدرة لك وعليك].

البقلي

تفسير : { ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ} من هذه المصيبات فروا من قهرى الى حجر لطفى وسلموا انفسهم مالى حتى افعل بهم ما شاء وهذا قوله تعالى حاكيا عن خواص عباده {قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ} قال الشافعى رضي الله عنه الخوف خوف العدو والجوع شهر رمضان ونقص الاموال الزكوة والانفس الامراض والثمرات والصدقات وتبشر الصابري على ادائها.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذين إذا أصابتهم} الاصابة ضد الخطأ {مصيبة} هى ما يصيب الانسان من مكروه لقوله عليه السلام "حديث : كل شىء يؤذى المؤمن فهو له مصيبةbr>". تفسير : واصلها الوصول من صاب السهم المرمى واصابه وصل اليه {قالوا إنا لله} اى نحن عبيد الله والعبد وما فى يده لمولاه فان شاء ابقاه فى ايدينا وان شاء استرده منا فلا نجزع بما هو ملكه بل نصبر فان عشنا فعليه رزقنا وان متنا فانا اليه راجعون واليه مردنا وعنده ثوابنا ونحن راضون بحكمه فما أعطانا ربنا كان فضلا منه ولا يليق بكرمه الارتجاع فى عطاياه وانما اخذه ليكون ذخيرة لنا عنده فقولنا انا لله اقرار منا له تعالى بالملك {وإنا إليه راجعون} اقرار على انفسنا بالهلك وقيل الرجوع اليه تعالى ليس عبارة عن الانتقال الى مكان وجهة فان ذلك على الله محال بل المراد منه ان يصير الى حيث لا يملك الحكم فيه سواه وذلك هو الدار الآخرة اذ لا حاكم فيها حقيقة وبحسب الظاهر الا الله تعالى بخلاف دار الدنيا فان غير الله قد يملك الحكم فيها بحسب الظاهر. وقول المصاب عند مصيبته انا لله وانا اليه راجعون له فوائد. منها الاشتغال بهذه الكلمة عن كلام لا يليق. ومنها انها تسلى قلب المصاب وتقلل حزنه. ومنها انها تقطع طمع الشيطان فى ان يوافقه فى كلام لا يليق. ومنها انه اذا سمعه غيره اقتدى به. ومنها انه اذا قال ذلك بلسانه يتذكر بقلبه الاعتقاد الحسن والتسليم لقضاء الله وقدره فان المصاب يدهش عند المصيبة فيحتاج الى ما يذكر له التسليم المذكور وفى الحديث "حديث : ما من مصيبة تصيب عبدا فيقول انا لله وانا اليه راجعون اللهم أجرنى من مصيبتى وأخلف لى خيرا منها الا آجره الله فى مصيبته وأخلف له خيرا منها ". تفسير : قال سعيد بن جبير ما اعطى احد فى المصيبة ما اعطى هذه الامة يعنى الاسترجاع ولو اعطيه احد لاعطى يعقوب ألا تسمع الى قوله فى قصة فقد يوسف {أية : يا أسفى على يوسف} تفسير : [يوسف: 84] وليس الصبر هو الاسترجاع باللسان بل بالقلب بان يتصور ما خلق لاجله وهو الانقياد لله تعالى فى جميع ما كلفه به من التكاليف والتسليم لقضاء الله وقدره فى جميع ما اخذه واعطاه فان من اختص لله تعالى ملكا وملكا كيف ينازعه فى ملكه ولا يرضى بقضائه وملاحظة ان ما فى عالم الملك كله لله يذكر نعم الله وتذكرها يستلزم العلم بان ما ابقى عليه اضعاف ما استرده منه والمبشر به محذوف دل عليه قوله تعالى.

الطوسي

تفسير : المعنى: في قوله: {إنا لله} إقرار لله بالعبودية {وإنا إليه راجعون} فيه إقرار بالبعث والنشور، وان مآل الامر يصير إليه، وإنما كانت هذه اللفظة تعزية عن المصيبة، لما فيها من الدلالة على أن الله يجزها ان كانت عدلا، وينصف من فاعلها إن كانت ظلماً. وتقديره {إنا لله} تسليماً لامره ورضاً بتدبيره. {وإنا إليه راجعون} ثقة بأنا إلى العدل نصير. اللغة: والمصيبة هي المشقة الداخلة على النفس، لما يلحقها من مضرة، وهي من الاصابة، لأنها يصيبها بالبلية. ومعنى الرجوع إلى الله: الرجوع إلى انفراده بالحكم كما كان أول مرة لانه قد ملّك قوماً في الدنيا شيئاً من الضر، والنفع لم يكونوا يملكونه، ثم يرجع الأمر الى ما كان إذا زال تمليك العباد. وأصل الرجوع هو مصير الشيء إلى ما كان، ولذلك يقال: رجعت الدار الى فلان إذا اشتراها مرة ثانية. والرجوع والعود، والمصير نظائر. وفي الآية معنى الامر لانها مدح عام، لكل من كان على تلك الصفة بتلك الخصلة. وأجاز الكسائي والفراء في {إنا لله} الامالة، ولا يجوز ذلك في غير اسم الله، مثل قولك: إنا لزيد، لا يجوز إمالته، وإنما جاز الامالة مع اسم الله لكثرة الاستعمال حتى صارت بمنزلة الكلمة الواحدة، وإنما يجز الامالة في غير ذلك، لان الحروف كلها وما جرى مجراها لا يجوز فيها الامالة مثل (حتى) و (لكن) و (مما) وما اشبه ذلك، لأن الحروف بمنزلة بعض الكلمة من حيث امتنع فيها التصريف الذي يكون في الأسماء والأفعال.

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ} بشيءٍ يؤذيه وأقلّه ان شاكته الشوكة خرجوا من انانيّتهم واستسلموا لخالقهم و {قَالُواْ} بلسان أبدانهم وأحوالهم {إِنَّا لِلَّهِ} مبدءً وملكاً {وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ} فى المنتهى والاخبار فى فضل الصّبر على المصيبة والاسترجاع عندها كثيرة جدّاً، ولمّا كان المصائب الواردة على الانسان لا مداخله لنفسه واختياره فيها حتّى يجعل مآربه النّفسانيّة غاية لها كان انموذج اجرها مشهوداً له من كسر انانيّته وكبريائه والتضرّع الى ربّه والالتجاء اليه والقرب منه بخلاف العبادات الّتى يعملها الانسان باختياره وينظر فيها الى أغراض نفسه فانّه لا يجد فيها أجراً وقرباً ولّذة.

اطفيش

تفسير : {الَّذينَ إذا أصابتْهُم مُصيبةٌ}: قطعة تصيبهم من مكروه، فأصله صفة ثم تغلبت عليه الاسمية، فصار اسما لكل ما يصيب الإنسان أو غيره روى حديث : أن مصباح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، انطفأ ذات ليلة فقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون" فقيل: أمصيبة هى يا رسول الله؟ قال: "نعم كل ما أذى المؤمن فهو مصيبة" وقال: قال رسول الله صلى الله، صلى الله عليه وسلم: "كل شئ يؤذى المؤمن فهو له مصيبة"، تفسير : وذكر عبدالله بن خليفة: أنى كنت أمشى مع عمر بن الخطاب فانقطع شسع نعله فاسترجع. فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين؟ فقال: انقطع شسع نعلى. فساءنى ذلك، فكل ما أصابك فهو لك مصيبة، وروى ابن السنى عن أبى هريرة فى كتابهِ عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليسترجع أحدكم فى كل شئ حتى فى شسع نعله فإنها من المصائب" تفسير : وذكره أبو نعيم فى الحلية، والنووى، وفى مراسيل أبى داود حديث : انطفأ مصباح النبى، صلى الله عليه وسلم: فاسترجع فقالت عائشة: إنما هذا مصباح: فقال: "كلما أساء المؤمنَ فهو مصيبة" تفسير : وهذا الحديث يدل على أن ما يصيب المؤمن يسمى مصيبة، لا ما يصيب المشرك والمنافق فإنه نقمة، وكذا فى أثر أصحابنا لكن لا على اللزوم، ففى النيل كالتبيين جاز تمنى مصيبة لمن خيف منهُ عصيان إن لم ننزل به والدعاء عليه بها، وليست بالمصيبة التى يكون عليها الثواب. {قالُوا إنَّا لله}: ملكاً وعبيداً فله أن يصيبنا بما يشاء، ويتصرف فينا كما شاء. فقولهم: إنَّا لله يدل على رضاهم بكل ما نزل. {وإنَّا إليْه راجِعُون}: بالموت والبعث، فكيف نكره ما يصيبنا فى هذه الدار التى سنرجع منها إليه، فقولك: إنا لله وإنا إليه راجعون تفويض ورضاً بما أنزل. قال أبو بكر الوراق: إنا لله: إقرار منا لله بالملك، وإنا إليه راجعون: إقرار على أنفسنا بالهلاك، قيل: ما أعطيت هذه الامة من قولهم إنَّا لله وإنا إليه راجعون عند المصيبة، ولو أعطيته أحداً لأعطيته يعقوب عليه السلام، ألا تسمع قوله عند فقد يوسف: {أية : يا أَسَفَى عَلَى يُوسُف} تفسير : وليس الصبر باللسان فى الاسترجاع، بل هو بهِ وبالقلب معا، بدأ بالقلب واللسان مخبر، وذلك أن يتذكر أنه خلق للعبادة والابتلاء، وأنهُ يموت ويرجع إلى ربهِ بالجزاء، ويتذكر ما فيه من النعيم، فيجده أضعاف ما أصابه فيرضى ويستسلم. روى مسلم عن أم سلمة قالت: حديث : سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول إنَّا لله وإنَّا إليهِ راجعون اللهم أجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيراً منها إلا أجاره الله فى مصيبته وأخلف له خيراً منها"،تفسير : وذكر بعض العلماء أن الله سبحانه وتعالى جعل إنا لله وإنا إليه راجعون ملجأ لذوى المصائب لجمعها المعانى المباركة من التوحيد والإقرار بالعبودية والبعث واليقين، بأن رجوع الأمر إليهِ كما هو لهُ. وعنه، صلى الله عليه وسلم: "حديث : من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبتهُ، وأحسن عقباه، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه".تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أصابت أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بى فإنها أعظم المصائب"، تفسير : رواه عطاء، وروى الحسن أن رسول الله صلى الله عليهِ وسلم قال: "حديث : الصبر عند الصدمة الأولى والعبرة لا يملكها أحد، صبابة المرء إلى أخيهِ" تفسير : وروى البخارى عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من يرد الله به خيراً يصب منهُ أن يبتليه فيثبه"تفسير : وعن أبى سعيد، عن أبى هريرة عنه صلى الله عليهِ وسلم: "حديث : ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاك بها إلا كفّر الله عليها بها خطاياه" تفسير : النصب: التعب، والوصب: المرض، وروى البخارى ومسلم، عن ابن مسعود عنهُ صلى الله عليهِ وسلم "حديث : ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به عنه من سيئاته كما تحط الشجرة ورقها". تفسير : وروى البخارى ومسلم عن أبى هريرة عنهُ صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل المؤمن كمثل الزرع لا نزيل الريح تفيئه ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق مثل شجرة الأرزة لا تهتز حتى تستحصد" تفسير : والأرزة شجرة الصنوبر، أو الثابتة فى الأرض. وعن أنس أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : إذا أراد الله بعبد خيراً عجل له العقوبة فى الدنيا، وإذا أراد بعبد (شرا) أمسك عنه حتى يواقى يوم القيامة"، تفسير : وعن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وأن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضى فله الرضا، ومن سخط فله السخط" تفسير : أخرجه الترمذى، أى من رضى من جملة الناس المصابين، ومن سخط منهم، وأما قوم أحبهم فلا يكون منهم السخط، وإن كان تاب. وروى الترمذى أيضاً عن جابر بن عبدالله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت فى الدنيا بالمقاريض". تفسير : وروى الترمذى أيضا عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة فى نفسه وولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة"، تفسير : وقال حديث صحيح. وروى البخارى عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال الله تعالى ما لعبدى المؤمن عندى جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة"،تفسير : وروى الترمذى حديث : عن سعد ابن أبى وقاص، قلت: يارسول الله أى الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان فى دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان فى دينه رقة هون عليه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض وما عليه خطيئة"،تفسير : وقال: حديث حسن. وروى ابن ماجة والبيهقى، عن عمرو بن حزام، عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من مؤمن يعزى أخاه بمصيبة إلا كساه الله عز وجل من حُلل الكرامة يوم القيامة"تفسير : وروى الترمذى والبيهقى، عن ابن مسعود رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : من عزى مصابا فله مثل أجره" تفسير : وإسناده ضعيف، وروى الترمذى، عن أبى هريرة عنه، صلى الله عليه وسلم: "حديث : من عزّى ثكلى كسى برداً فى الجنة" تفسير : قال ليس سنده قويا.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ} ما، فى بدن أو عرض أو مال أو أهل، أو من يعز عليه ولو شوكة، أو بعوضة أو ذبابة. حديث : طفىء مصباح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال، إنا لله وإنا إليه راجعون، فقيل، أمصيبة هى؟ قال: نعم، كل شىء يؤذى المؤمن فهو له مصيبة تفسير : {قَالُواْ} إذعاناً واستسلاماً ورضى وتفويضا بالقلب واللسان أو بالقلب لا باللسان وحده {إِنَّ لِلَّهِ} خلقا وعبودية وملكا، يفعل بنا ما يشاء، إذ لا نملك شيئاً من أنفسنا مع الله، كيف نملك ذلك وقد أوجدنا من العدم، ولا نملك فى العدم شيئاً {وَإِنَّا إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ} فى الآخرة، فيثيبنا، ولا نملك وجوداً ولا عدماً، وما أخذ فعارية مردودة لمالكها، وما أبقى أكثر. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من استرجع عند المصيبة آجره الله فيها وأخلف عليه خيرا"تفسير : ، وقد يسترجع الإنسان بلسان فقط إلا أنه غير ساخط فوالله إن شاء الله لا يخلو من خير، ألا تراه رجع إلى ذكر الله، لا على قول سوء، بل لا يكون ذلك إلا وفى قبله حضور ما، ولو لم يعلم به. وفى الحديث: حديث : ما أعطى الاسترجاعَ أحد قبل أمتى، ألا ترى إلى قول يعقوب: يا أسفى على يوسفتفسير : ، ويسنّ أن يقال بعد المصيبة: اللهم آجرني فى مصيبتى وأخلفنى خيراً منها، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يقول أحدكم ذلك إلا آجره فيها، وأخلفه خيراً منها"تفسير : ، قالته أم سلمة لما مات أبو سلمة زوجها، فأخلفها الله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الالوسي

تفسير : إشارة إلى أن الأجر لمن صبر وقت إصابتها، كما في الخبر «حديث : إنما الصبر عند أول صدمة»تفسير : والمصيبة تعم ما يصيب الإنسان من مكروه في نفس أو مال أو أهل ـ قليلاً كان المكروه أو كثيراً ـ حتى لدغ الشوكة، ولسع البعوضة، وانقطاع الشسع، وانطفاء المصباح، وقد استرجع النبـي صلى الله عليه وسلم من ذلك وقال: «حديث : كل ما يؤذي المؤمن فهو مصيبة له وأجر»تفسير : وليس الصبر بالاسترجاع باللسان، بل الصبر باللسان وبالقلب بأن يخطر بباله ما خلق لأجله من معرفة الله تعالى وتكميل نفسه، وأنه راجع إلى ربه وعائد إليه بالبقاء السرمدي، ومرتحل عن هذه الدنيا الفانية وتارك لها على علاتها، ويتذكر نعم الله تعالى عليه ليرى ما أعطاه أضعاف ما أخذ منه فيهون على نفسه ويستسلم له، والصبر من خواص الإنسان لأنه يتعارض فيه العقل والشهوة، والاسترجاع من خواص هذه الأمة، فقد أخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعطيت أمتي شيئاً لم يعطه أحد من الأمم، أن تقول عند المصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون»تفسير : وفي رواية: حديث : أعطيت هذه الأمة عند المصيبة شيئاً لم تعطه الأنبياء قبلهم، إنا لله وإنا إليه راجعون ولو أعطيها الأنبياء قبلهم لأعطيها يعقوب إذ يقول: {يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ} تفسير : [يوسف: 84] ويسن أن يقول بعد الاسترجاع: "اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها"، فقد أخرج مسلم عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني الخ، إلا أجره الله تعالى في مصيبته وأخلف له خيراً منها»تفسير : قالت فلما توفي أبو مسلم قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخلف الله تعالى لي خيراً منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومفعول {أية : بَشِّرِ} تفسير : [البقرة: 155] محذوف أي برحمة عظيمة وإحسان جزيل - بدليل قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰتٌ...}.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَصَابَتْهُم} {رَاجِعونَ} (156) - أَمَّا الصَّابِرُونَ الذِينَ خَصَّهُمُ اللهُ بِالبُشْرَى فَهُمُ الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الخَيْرَ وَالشَّرَّ مِنَ اللهِ، وَإِذَا نَزَلَتْ بِهِمْ مُصِيبَةٌ صَبَرُوا، وَتَمَسَّكُوا بِقَولِهِمْ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِليهِ رَاجِعُونَ، أَيْ إِنَّهُم عَبيدُ اللهِ وَمُلْكُهُ، وَإِنَّهُمْ رَاجِعُونَ إِليهِ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ. وَفي الحَدِيثِ: "حديث : مَنِ استَرجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ جَبَرَ اللهُ مُصِيبَتَهُ، وَأَحْسَنَ عَاقِبَتَهُ، وَجَعَلَ لَهُ خَلَفاً صَالِحاً يَرْضَاهُ"تفسير : . (أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والمصيبة هي الأمر الذي ينال الإنسان منه المشقة والألم، وهي مأخوذة من إصابة الهدف. والمؤمن يستقبل المصيبة واثقاً أنها على قدر إيلامها يكون الثواب عليها، ولذلك عندما فرح الكفار بما يصيب المسلمين في بعض المعارك، أنزل الله ذلك القول الحق للمؤمنين:{أية : قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ..}تفسير : [التوبة:51]. أي قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء الحمقى من الكافرين: إنه لن يحدث لنا إلا ما كتبه الله. وعندما نتأمل قوله الحق: {أية : إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ..} تفسير : [التوبة: 51] أي أن المسألة ستكون لحسابنا، وسنأخذ عليها حسن الثواب من الله، ولم يقل الحق: كتب الله علينا، لأنها لو كانت كذلك لكان معناها أنها جزاء وعقاب من الله. وأي أمر يصيب الإنسان، إما أن يكون له دخل فيه، وعند ذلك لا يصح أن يجزع لأنه هو الذي جاء بالأمر المؤلم لنفسه، وإما أن تكون مصيبة لا دخل له بها، وحدثت له من غيره مثلاً، وعند ذلك عليه أن يبحث عن سببها: أعدلاً أم ظلماً؟ إن كانت عدلاً فهي قد جبرت الذنب، وإن كانت ظلماً فسوف يقتص الله له ممَّن ظلمه، وعلى هذا فالمؤمن في كلتا الحالتين رابح. إذن فالمؤمن يستقبل كل مصيبة متوقعاً أن يأتي له منها خير. وعلى كل مؤمن أن يُقَيِّم نفسه تقييماً حقيقياً، "هل لي على الله حق؟ أنا مملوك لله وليس لي حق عنده، فما يجريه عليَّ فهو يجريه في ملكه هو". ومَنْ لا يعجبه ذلك فلْيتأَبَّ على أي مصيبة؛ ويقول لها: "لا تصيبيني"، ولن تستطيع درء أي مصيبة - وما دمنا لا نستطيع أن نمنع وقوع المصائب والأحداث، فلنقبلها - كمؤمنين - لأن الحق سبحانه وتعالى يريد بنسبتنا إليه أن يعزنا ويكرمنا. إنه يدعونا أن نقول: {إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156]. إننا بهذا القول ننسب ملكيتنا إلى الله ونقبل ما حدث لنا. ولابد لنا هنا أن نأتي بمثال - ولله المثل الأعلى - هل رأيت إنساناً يفسد ملكه؟ أبداً. إن صاحب الملك يعمل كل ما يؤدي إلى الصلاح في ملكه، وإن رأى الناس في ظاهر الأمر أنه فساد، فما بالنا بالله سبحانه وتعالى ونحن ملك له، وهو سبحانه لا يُعرِّض ملكه أبداً للضرر، وإنما يقيمه على الحكمة والصلاح. {إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] أي نحن مملوكون لله، ونحن راجعون إليه، وحتى إن كان في مصائب الدنيا ظلم لنا وقع علينا من إنسان، فسوف نأخذ ثواب ما ظُلمنا فيه عند الرجوع إلى الله، إذن فنحن لله ابتداء بالملكية، ونحن لله نهاية في المرجع؛ وهو سبحانه ملك القوسين؛ الابتداء والانتهاء، ولذلك علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أي مصيبة تصيب الإنسان أن يسترجع؛ أي أن يقول: {إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156]. وزادنا أيضاً أن نقول: "حديث : اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها"تفسير : إنك إذا ما قلتها عند أي مصيبة تصيبك فلا بد أن تجد فيما يأتي بعدها خيراً منها، وحتى إن نسي الإنسان أن يقول ذلك عند وقوع المصيبة، ثم تذكرها وقالها فله جزاؤها، كأنه قالها ساعة المصيبة. وهناك قصة عن أم سلمة رضي الله عنها؛ حين مات أبو سلمة زوجها - وكان ملء السمع والبصر - وجزعت عليه أم سلمة، فقيل لها قولي: ما علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وما علَّمكم؟ قالوا: "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها" فقالت ما قيل لها، فإذا بها بعد انقضاء عدتها يذهب إليها النبي خاطباً، فقيل لها: أوجد خير من أبي سلمة أم لم يوجد؟ قالت: ما كنت لأتسامى - أي أتوقع - مثل هذا الموقف". فإذن، كل مصيبة يتعرض لها الإنسان يجب أن يقول عندها: "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها". وماذا يكون حال الذين يقولون هذا الدعاء؟. ها هو ذا الحق سبحانه وتعالى يقول: {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ...}.