١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
77
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ} لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم، وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة فراسخ بصرت بنتا لوط ـ وهما تستقيان ـ بالملائكة ورأتا هيئة حسنة؛ فقالتا: ما شأنكم؟ ومن أين أقبلتم؟ قالوا: من موضع كذا نريد هذه القرية قالتا: فإن أهلها أصحاب الفواحش؛ فقالوا: أَبِها من يضيفنا؟ قالتا: نعم هذا الشيخ وأشارتا إلى لوط؛ فلما رأى لوط هيئتهم خاف قومه عليهم. {سِيۤءَ بِهِمْ} أي ساءه مجيئهم؛ يقال: ساء يسوء فهو لازم، وساءه يسوءه فهو متعدّ أيضاً، وإن شئت ضممت السين؛ لأن أصلها الضمّ، والأصل سُوِىء بهم من السوء؛ قلبت حركة الواو على السين فانقلبت ياء، وإن خففت الهمزة ألقيت حركتها على الياء فقلت: «سِيَ بِهِم» مخففاً، ولغة شاذة بالتشديد. {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} أي ضاق صدره بمجيئهم وكرهه. وقيل: ضاق وسعه وطاقته. وأصله أن يَذْرَعَ البعير بيديه في سيره ذَرْعاً على قدر سعة خَطْوِه؛ فإذا حُمِل على أكثر من طَوْقه ضاق عن ذلك، وضعف ومدّ عنقه؛ فضيق الذّرع عبارة عن ضيق الوُسع. وقيل: هو من ذَرَعه القيء أي غلبه؛ أي ضاق عن حبسه المكروه في نفسه، وإنما ضاق ذرعه بهم لما رأى من جمالهم، وما يعلم من فسق قومه. {وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} أي شديد في الشر. وقال الشاعر:شعر : وإنَّكَ إِلاَّ تُرض بكرَ بن وائلٍ يكنْ لكَ يومٌ بالعراقِ عصِيبُ تفسير : وقال آخر:شعر : يومٌ عصِيبٌ يَعصِبُ الأبطالاَ عَصْبَ القَوِيّ السَّلَمَ الطِّوالاَ تفسير : ويقال: عصِيبٌ وَعَصَبْصَبٌ على التكثير؛ أي مكروه مجتمع الشر وقد عصب؛ أي عصب بالشر عِصابة؛ ومنه قيل: عُصبة وعِصابة أي مجتمعو الكلمة؛ أي مجتمعون في أنفسهم. وعَصَبة الرجل المجتمعون معه في النسب؛ وتعصّبت لفلان صرت كعصبته، ورجل معصوب، أي مجتمع الخَلْق. قوله تعالى: {وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} في موضع الحال. «يَهْرَعُونَ» أي يسرعون. قال الكسائي والفراء وغيرهما من أهل اللغة: لا يكون الإهراع إلا إسراعاً مع رِعدة؛ يقال: أُهْرِع الرجل إهراعاً أي أسرع في رِعدة من بَرْد أو غضب أو حُمَّى، وهو مُهرَع؛ قال مُهلهِل:شعر : فجاؤوا يُهرَعون وهُمْ أسارَى نَقودُهُمُ على رَغْمِ الأُنوفِ تفسير : وقال آخر:شعر : بمعجَـلاتٍ نحوه مهَـارِعِ تفسير : وهذا مثل: أُولِع فلان بالأمر، وأرعِد زيد، وزُهِي فلان. وتجيء ولا تستعمل إلا على هذا الوجه. وقيل: أهرِع أي أهرعه حِرصُه؛ وعلى هذا «يُهْرَعُونَ» أي يُستحثّون عليه. ومن قال بالأول قال: لم يسمع إلا أُهْرِع الرجلُ أي أسرع؛ على لفظ ما لم يسمّ فاعله. قال ابن القوطيّة: هُرِع الإنسان هَرَعا، وأُهرِع: سِيق واستعجِل. وقال الهروي: يقال: هُرِع الرجلُ وأُهْرِع أي ٱستُحِثّ. قال ابن عباس وقتادة والسّديّ: «يُهرعون» يهرولون. الضحاك: يَسعون. ابن عُيينة: كأنهم يدفعون. وقال شِمر بن عطية: هو مشي بين الهرولة والجَمزَى. وقال الحسن: مشيٌ بين مشيين؛ والمعنى متقارب. وكان سبب إسراعهم ما روي أن ٱمرأة لوط الكافرة، لما رأت الأضياف وجمالهم وهيئتهم، خرجت حتى أتت مجالس قومها، فقالت لهم: إن لوطاً قد أضاف الليلة فِتية ما رؤي مثلهم جمالاً؛ وكذا وكذا؛ فحينئذ جاؤوا يُهرعون إليه. ويذكر أن الرسل لما وصلوا إلى بلد لوط وجدوا لوطاً في حرث له. وقيل: وجدوا ابنته تستقي ماء من نهر سَدوم؛ فسألوها الدلالة على من يضيفهم ورأت هيئتهم فخافت عليهم من قوم لوط، وقالت لهم: مكانكم وذهبت إلى أبيها فأخبرته؛ فخرج إليهم؛ فقالوا: نريد أن تضيفنا الليلة؛ فقال لهم: أو ما سمعتم بعمل هؤلاء القوم؟ فقالوا: وما عملهم؟ فقال أشهد بالله إنهم لشر قوم في الأرض ـ وقد كان الله عزّ وجل قال لملائكته لا تعذبوهم حتى يشهد لوط عليهم أربع شهادات ـ فلما قال لوط هذه المقالة، قال جبريل لأصحابه: هذه واحدة، وتردّد القول بينهم حتى كرر لوط الشهادة أربع مرات، ثم دخل بهم المدينة. قوله تعالى: {وَمِن قَبْلُ} أي ومن قبل مجيء الرسل. وقيل: من قبل لوط. {كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي كانت عادتهم إتيان الرجال. فلما جاؤوا إلى لوط وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعاً، وقال: {هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي} ابتداء وخبر. وقد اختلف في قوله: «هَؤُلاءِ بَنَاتِي» فقيل: كان له ثلاث بنات من صُلبه. وقيل: بنتان؛ زيتا وزعوراء؛ فقيل: كان لهم سيّدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ٱبنتيه. وقيل: ندبهم في هذه الحالة إلى النكاح، وكانت سنتهم جواز نكاح الكافر المؤمنة؛ وقد كان هذا في أول الإسلام جائزاً ثم نسخ؛ فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنتاً له من عُتْبَة بن أبي لهب، والأخرى من أبي العاص بن الربيع قبل الوحي، وكانا كافرين. وقالت فرقة ـ منهم مجاهد وسعيد بن جُبير ـ أشار بقوله: «بَنَاتِي» إلى النساء جملة؛ إذ نبيّ القوم أب لهم؛ ويقوّي هذا أن في قراءة ابن مسعود: «ٱلنَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنينَ مِنْ أنفسهم وًّأَزواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وهو أبٌ لهم». وقالت طائفة: إنما كان الكلام مدافعة ولم يرد إمضاءه؛ روي هذا القول عن أبي عبيدة؛ كما يقال لمن يُنهى عن أكل مال الغير: الخنزير أحل لك من هذا. وقال عِكرمة: لم يعرض عليهم بناته ولا بنات أمته، وإنما قال لهم هذا لينصرفوا. قوله تعالى: {هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} ٱبتداء وخبر؛ أي أزوّجكموهنّ؛ فهو أطهر لكم مما تريدون، أي أحلّ. والتطهر التنزّه عما لا يحل. وقال ٱبن عباس: كان رؤساؤهم خطبوا بناته فلم يجبهم، وأراد ذلك اليوم أن يفدي أضيافه ببناته. وليس ألِف «أطهر» للتفضيل حتى يتوهم أن في نكاح (الرجال) طهارة، بل هو كقولك: الله أكبر وأعلى وأجلّ، وإن لم يكن تفضيلاً؛ وهذا جائز شائع في كلام العرب، ولم يكابر الله تعالى أحدٌ حتى يكون الله تعالى أكبر منه. وقد قال أبو سفيان بن حرب يوم أُحد: ٱعْل هُبَلُ ٱعْلُ هُبَلُ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «قل الله أعلى وأجلّ». وهبل لم يكن قط عالياً ولا جليلاً. وقرأ العامة برفع الراء. وقرأ الحسن وعيسى بن عمرو «هُنَّ أطهرَ» بالنصب على الحال. و«هُنّ» عِماد. ولا يجيز الخليل وسيبويه والأخفش أن يكون «هُنّ» هاهنا عماداً، وإنما يكون عماداً فيما لا يتم الكلام إلا بما بعدها، نحو كان زيد هو أخاك، لتدلّ بها على أن الأخ ليس بنعت. قال الزجاج: ويدلّ بها على أَنّ كان تحتاج إلى خبر. وقال غيره: يدلّ بها على أن الخبر معرفة أو ما قارنها. قوله تعالى: {فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} أي لا تهينوني ولا تذلّوني. ومنه قول حسان:شعر : فأخزاك ربي يا عُتيبَ بن مالِك ولقاكَ قبل الموت إحدى الصَّواعِق مددتَ يميناً للنبي تَعمُّداً ودَمَّيْتَ فاهُ قُطِّعتْ بالبَوَارق تفسير : ويجوز أن يكون من الخَزَاية، وهو الحياء، والخجل؛ قال ذو الرُّمة:شعر : خزاية أدركته بعد جولتِهِ من جانبِ الحبلِ مخلوطاً بها الغضب تفسير : وقال آخر:شعر : من البيضِ لا تَخزَى إذا الريحُ ألصقتْ بها مِرْطهَا أو زايلَ الحَلْيُ جِيدَهَا تفسير : وضيف يقع للاثنين والجميع على لفظ الواحد؛ لأنه في الأصل مصدر؛ قال الشاعر:شعر : لا تَعدمي الدهرَ شِفار الجازِر لِلضّيفِ والضيفُ أحقّ زائر تفسير : ويجوز فيه التثنية والجمع؛ والأوّل أكثر كقولك: رجالُ صَوْمٍ وفِطر وزَوْرٍ. وخزي الرجلُ خَزَايَةً؛ أي ٱستحيا مثل ذَلّ وهان. وخَزِي خِزياً إذا افتضح؛ يَخْزَى فيهما جميعاً. ثم وبخهم بقوله: {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ} أي شديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وقيل: «رشيد» أي ذو رَشَد. أو بمعنى راشد أو مرشِد، أي صالح أو مصلِح. ٱبن عباس: مؤمن. أبو مالك: ناه عن المنكر. وقيل: الرشيد بمعنى الرّشَد؛ والرَّشَد والرّشاد الهدى والاستقامة. ويجوز أن يكون بمعنى المرشد؛ كالحكيم بمعنى المحكِم. قوله تعالى: {قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} روي أن قوم لوط خطبوا بناته فردّهم، وكانت سنتهم أن من ردّ في خِطبة ٱمرأة لم تحل له أبداً؛ فذلك قوله تعالى: {قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} وبعد ألاّ تكون هذه الخاصيّة. فوجه الكلام أنه ليس لنا إلى بناتك تعلق، ولا هنّ قصدنا، ولا لنا عادة نطلب ذلك. {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} إشارة إلى الأضياف. قوله تعالى: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} لما رأى استمرارهم في غيهم، وضعف عنهم، ولم يقدر على دفعهم، تمنى لو وجد عوناً على ردهم؛ فقال على جهة التفجع والاستكانة: «لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً» أي أنصاراً وأعواناً. وقال ٱبن عباس: أراد الولد. و«أنّ» في موضع رفع بفعل مضمر، تقديره: لو ٱتفق أو وقع. وهذا يطرد في «أن» التابعة لِـ«ـلو». وجواب «لو» محذوف؛ أي لرددت أهل الفساد، وحلت بينهم وبين ما يريدون. {أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ} أي ألجأ وأنضوي. وقرىء «أو آوِيَ» بالنصب عطفاً على «قوّة» كأنه قال: «لو أن لي بكم قوّة» أو إيواء إلى ركن شديد؛ أي وأن آوى، فهو منصوب بإضمار «أن». ومراد لوط بالركن العشيرة، والمنعة بالكثرة. وبلغ بهم قبيح فعلهم إلى قوله هذا مع علمه بما عند الله تعالى؛ فيروى أن الملائكة وَجَدت عليه حين قال هذه الكلمات، وقالوا: إن ركنك لشديد. وفي البخاري عن أبي هُريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد» تفسير : الحديث؛ وقد تقدّم في «البقرة». وخرجه الترمذيّ وزاد «ما بعث الله بعده نبياً إلا في ثروة من قومه». قال محمد بن عمرو: والثروة الكثرة والمنعة؛ حديث حسن. ويروى أن لوطاً عليه السلام لما غلبه قومه، وهمّوا بكسر الباب وهو يمسكه، قالت له الرسل: تنحّ عن الباب؛ فتنحّى وانفتح الباب؛ فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم، وعَمُوا وانصرفوا على أعقابهم يقولون: النجاء؛ قال الله تعالى: {أية : وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ} تفسير : [القمر: 37]. وقال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسوّر الجدار؛ فلما رأت الملائكة ما لقي من الجهد والكرب والنّصب بسببهم، قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد، وأنهم آتيهم عذاب غير مردود، وإنا رسل ربك؛ فافتح الباب ودعنا وإياهم؛ ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه على ما تقدّم. وقيل: أخذ جبريل قبضة من تراب فأذراها في وجوههم، فأوصل الله إلى عين مَن بَعُد ومَن قَرُب من ذلك التراب فطمس أعينهم، فلم يعرفوا طريقاً، ولا ٱهتدوا إلى بيوتهم، وجعلوا يقولون: النجاء النجاء فإن في بيت لوط قوماً هم أسحر من على وجه الأرض، وقد سحرونا فأعموا أبصارنا. وجعلوا يقولون: يا لوط كما أنت حتى نصبح فسترى؛ يتوعدونه. قوله تعالى: {قَالُواْ يٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ} لما رأت الملائكة حزنه وٱضطرابه ومدافعته عرّفوه بأنفسهم، فلما علم أنهم رسلٌ مكّن قومه من الدخول، فأمرّ جبريل عليه السلام يده على أعينهم فعموا، وعلى أيديهم فجفّت. {لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ} أي بمكروه {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} قرىء «فٱسرِ» بوصل الألف وقطعها؛ لغتان فصيحتان. قال الله تعالى: {أية : وَٱللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} تفسير : [الفجر: 4] وقال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ} تفسير : [الإسراء: 1] وقال النابغة: فجمع بين اللغتين:شعر : أَسْرتْ عليه من الجوزاء ساريةٌ تُزجِي الشمالُ عليهِ جامِدَ البَرَدِ تفسير : وقال آخر:شعر : حَيِّ النَّضيرةَ ربَّةَ الخِدْرِ أَسْرتْ إليكَ ولم تَكنْ تَسْرِي تفسير : وقد قيل: «فَأَسْرِ» بالقطع إذا سار من أوّل الليل، وسرى إذا سار من آخره؛ ولا يقال في النهار إلا سار. وقال لبيد:شعر : إذا المرءُ أَسْرَى ليلةً ظَنَّ أنَّهُ قَضَى عملاً والمرءُ ما عاش عامِلُ تفسير : وقال عبد الله بن رَوَاحَةَ:شعر : عند الصّباحِ يَحْمَدُ القومُ السُّرَى وتَنْجَلِي عنهم غَيَاباتُ الكَرَى تفسير : قوله تعالى: {بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ} قال ٱبن عباس: بطائفة من الليل. الضحّاك: ببقية من الليل. قَتَادة: بعد مضي صدر من الليل. الأخفش: بعد جنح من الليل. ٱبن الأعرابي: بساعة من الليل. وقيل: بظلمة من الليل. وقيل: بعد هدءٍ من الليل. وقيل: هزيع من الليل. وكلها متقاربة؛ وقيل: إنه نصف الليل؛ مأخوذ من قطعه نصفين؛ ومنه قول الشاعر:شعر : ونائحةٍ تَنُوحُ بِقطعِ ليلٍ على رجلٍ بقارعةِ الصّعيدِ تفسير : فإن قيل: السُّرى لا يكون إلا بالليل، فما معنى «بقطع من الليل»؟ فالجواب: أنه لو لم يقل: «بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ» جاز أن يكون أوّله. {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ} أي لا ينظر وراءه منكم أحد؛ قاله مجاهد. ٱبن عباس: لا يتخلف منكم أحد. عليّ بن عيسى: لا يشتغل منكم أحد بما يخلفه من مال أو متاع. {إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ} بالنصب؛ وهي القراءة الواضحة البيّنة المعنى؛ أي فأسر بِأهلِك إلا ٱمرأتك. وكذا في قراءة ٱبن مسعود «فأسرِ بِأهلِك إِلا ٱمرأتك» فهو ٱستثناء من الأهل. وعلى هذا لم يخرج بها معه. وقد قال الله عز وجل: {أية : كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 83] أي من الباقين. وقرأ أبو عمرو وٱبن كثير: «إِلا ٱمرأتُك» بالرفع على البدل من «أحد». وأنكر هذه القراءة جماعة منهم أبو عبيد؛ وقال: لا يصح ذلك إلا برفع «يلتفت» ويكون نعتاً؛ لأن المعنى يصير ـ إذا أبدلت وجزمت ـ أن المرأة أبيح لها الالتفات، وليس المعنى كذلك. قال النحاس: وهذا الحمل من أبي عبيد وغيره على مثل أبي عمرو مع جلالته ومحله من العربية لا يجب أن يكون؛ والرفع على البدل له معنى صحيح، والتأويل له على ما حكى محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد أن يقول الرجل لحاجبه: لا يخرج فلان؛ فلفظ النهي لفلان ومعناه للمخاطب؛ أي لا تدعه يخرج؛ ومثله قولك: لا يقم أحد إلا زيد؛ يكون معناه: ٱنههم عن القيام إلا زيداً؛ وكذلك النهي للوط ولفظه لغيره؛ كأنه قال: ٱنههم لا يلتفت منهم أحد إلا ٱمرأتك. ويجوز أن يكون استثناء من النهي عن الالتفات لأنه كلام تام؛ أي لا يلتفت منكم أحد إلا ٱمرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وأن لوطاً خرج بها، ونهى من معه ممن أسرى بهم ألا يلتفت، فلم يلتفت منهم أحد سوى زوجته؛ فإنها لما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها. {إِنَّهُ مُصِيبُهَا} أي من العذاب. والكناية في «إنه» ترجع إلى الأمر والشأن؛ أي فإن الأمر والشأن والقصة. {مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ} لما قالت الملائكة: {أية : إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} تفسير : [العنكبوت: 31] قال لوط: الآن الآن. ٱستعجلهم بالعذاب لغيظه على قومه؛ فقالوا: {أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} وقرأ عيسى بن عمر «أليس الصُّبُحُ» بضم الباء وهي لغة. ويحتمل أن يكون جعل الصبح ميقاتاً لهلاكهم؛ لأن النفوس فيه أودع، والناس فيه أجمع. وقال بعض أهل التفسير: إن لوطاً خرج بابنتيهِ ليس معه غيرهما عند طلوع الفجر، وأن الملائكة قالت له: إن الله قد وكّل بهذه القرية ملائكة معهم صوت رعد، وخطف برق، وصواعق عظيمة، وقد ذكرنا لهم أن لوطاً سيخرج فلا تؤذوه؛ وأمارته أنه لا يلتفت، ولا تلتفت ٱبنتاه فلا يهولنّك ما ترى. فخرج لوط وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم. قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} أي عذابنا. {جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} وذلك أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط، وهي خمس سدوم ـ وهي القرية العظمى ـ وعامورا، ودادوما، وضعوه، وقتم، فرفعها من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء بما فيها؛ حتى سمع أهل السماء نهيق حمرهم وصياح ديكتهم، لم تنكفىء لهم جرّة، ولم ينكسر لهم إناء، ثم نكسوا على رؤوسهم، وأتبعهم الله بالحجارة. مقاتل: أهلكت أربعة، ونجت ضعوه. وقيل غير هذا؛ والله أعلم. قوله تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} دليل على أن من فعل فعلهم حكمه الرجم؛ وقد تقدّم في «الأعراف». وفي التفسير: أمطرنا في العذاب، ومطرنا في الرحمة. وأما كلام العرب فيقال: مطرت السماء وأمطرت: حكاه الهرويّ. واختلف في «السِّجِّيل» فقال النحاس: السجيل الشديد الكثير؛ وسجيل وسِجِّين اللام والنون أختان. وقال أبو عبيدة: السجيل الشديد؛ وأنشد:شعر : ضَرْبـاً تَوَاصَـى به الأبطالُ سِجِّينَـا تفسير : قال النحاس: وردّ عليه هذا القول عبد الله بن مسلم وقال: هذا سجين وذلك سجيل فكيف يستشهد به؟ٰ قال النحاس: وهذا الرد لا يلزم، لأن أبا عبيدة ذهب إلى أن اللام تبدل من النون لقرب إحداهما من الأخرى؛ وقول أبي عبيدة يردّ من جهة أخرى؛ وهي أنه لو كان على قوله لكان حجارة سجيلاً؛ لأنه لا يقال: حجارة من شديد؛ لأن شديداً نعت. وحكى أبو عبيدة عن الفراء أنه قد يقال لحجارة الأرحاء سجيل. وحكى عنه محمد بن الجهم أن سجيلاً طين يطبخ حتى يصير بمنزلة الأرحاء. وقالت طائفة منهم ٱبن عباس وسعيد بن جبير وابن إسحق: إن سجيلاً لفظة غير عربية عُرِّبت، أصلها سَنْج وجِيلْ. ويقال: سَنْك وكِيلْ؛ بالكاف موضع الجيم، وهما بالفارسية حجر وطين عربتهما العرب فجعلتهما اسماً واحداً. وقيل: هو من لغة العرب. وقال قتادة وعِكرمة: السجيل الطين بدليل قوله: {أية : لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ} تفسير : [الذاريات: 33]. وقال الحسن: كان أصل الحجارة طيناً فشدّدت. والسجيل عند العرب كل شديد صُلْب. وقال الضحاك: يعني الآجر. وقال ٱبن زيد: طين طبخ حتى كان كالآجر؛ وعنه أن سجيلاً ٱسم السماء الدنيا؛ ذكره المهدويّ؛ وحكاه الثعلبيّ عن أبي العالية؛ وقال ٱبن عطية: وهذا ضعيف يرده وصفه بـ«منضود». وعن عكرمة: أنه بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض منه نزلت الحجارة. وقيل: هي جبال في السماء، وهي التي أشار الله تعالى إليها بقوله: {أية : وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} تفسير : [النور: 43]. وقيل: هو مما سجّل لهم أي كتب لهم أن يصيبهم؛ فهو في معنى سِجين؛ قال الله تعالى: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ }تفسير : [المطففين: 8 ـ 9] قاله الزجاج وٱختاره. وقيل: هو فِعِّيل من أسجلته أي أرسلته؛ فكأنها مرسَلة عليهم. وقيل: هو من أسجلته إذا أعطيتَه؛ فكأنه عذاب أُعطوه؛ قال:شعر : مَنْ يُساجِلْني يُساجِلْ ماجِداً يَمْلأ الدَّلْو إلى عَقْدِ الكَرَب تفسير : وقال أهل المعاني: السجّيل والسجّين الشديد من الحَجَر والضَّرب؛ قال ٱبن مُقْبل:شعر : ورَجْلةٍ يضرِبون البَيْضَ ضَاحِيَة ضَرْباً تَواصَى بهِ الأبطالُ سِجِّينَا تفسير : {مَّنْضُودٍ} قال ٱبن عباس: متتابع. وقال قتادة: نُضد بعضها فوق بعض. وقال الرّبيع: نُضد بعضه على بعض حتى صار جسداً واحداً. وقال عِكرمة: مصفوف. وقال بعضهم مرصوص؛ والمعنى متقارب. يقال: نَضَدت المتاع واللّبِن إذا جعلت بعضه على بعض، فهو منضود ونَضِيد ونَضَدٌ؛ قال:شعر : ورفَّعَتْـه إلى السِّجْفَيـن فالنَّضَدِ تفسير : وقال أبو بكر الهُذَليّ: مُعدّ؛ أي هو مما أعدّه الله لأعدائه الظّلمة. {مُّسَوَّمَةً} أي معلمَة، من السِّيما وهي العلامة؛ أي كان عليها أمثال الخواتيم. وقيل: مكتوب على كل حجر ٱسم من رُمي به، وكانت لا تشاكل حجارة الأرض. وقال الفرّاء: زعموا أنها كانت مخططة بحمرة وسواد في بياض، فذلك تسويمها. وقال كعب: كانت معلمة ببياض وحمرة، وقال الشاعر:شعر : غلامٌ رماه اللَّهُ بالحسنِ يافِعاً له سِيمياء لا تَشقُّ على البَصَرْ تفسير : و«مُسَوَّمَةً» من نعت حجارة. و«منضودٍ» من نعت «سِجّيل». وفي قوله: {عِندَ رَبِّكَ} دليل على أنها ليست من حجارة الأرض؛ قاله الحسن. {وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} يعني قوم لوط؛ أي لم تكن تخطئهم. وقال مجاهد: يُرهِب قريشاً؛ المعنى: ما الحجارة من ظالمي قومك يا محمد ببعيد. وقال قتادة وعِكرمة: يعني ظالمي هذه الأمة؛ والله ما أجار الله منها ظالماً بعد. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : سيكون في آخر أمّتي قوم يكتفي رجالهم بالرجال ونساؤهم بالنساء فإذا كان ذلك فارتقبوا عذاب قومِ لوط أن يرسل الله عليهم حجارة من سجيل ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}»تفسير : . وفي رواية عنه عليه السلام: «حديث : لا تذهب الليالي والأيام حتى تستحلّ هذه الأمة أدبار الرجال كما ٱستحلوا أدبار النساء فتصيب طوائف من هذه الأمة حجارة من ربك». تفسير : وقيل: المعنى ما هذه القرى من الظالمين ببعيد؛ وهي بين الشام والمدينة. وجاء «بِبَعِيدٍ» مذكراً على معنى بمكان بعيد. وفي الحجارة التي أمطرت قولان: أحدهما: أنها أمطرت على المدن حين رفعها جبريل. الثاني: أنها أمطرت على من لم يكن في المدن من أهلها وكان خارجاً عنها.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن قدوم رسله من الملائكة بعد ما أعلموا إبراهيم بهلاكهم، وفارقوه، وأخبروه بإهلاك الله قوم لوط هذه الليلة، فانطلقوا من عنده، فأتوا لوطاً عليه السلام، وهو على ما قيل في أرض له، وقيل: في منزله، ووردوا عليه، وهم في أجمل صورة تكون على هيئة شبان حسان الوجوه؛ ابتلاء من الله، وله الحكمة والحجة البالغة، فساءه شأنهم، وضاقت نفسه بسببهم، وخشي إن لم يضيفهم أن يضيفهم أحد من قومه، فينالهم بسوء {وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} قال ابن عباس وغير واحد: شديد بلاؤه، وذلك أنه علم أنه سيدافع عنهم، ويشق عليه ذلك. وذكر قتادة أنهم أتوه وهو في أرض له، فتضيفوه، فاستحيا منهم، فانطلق أمامهم، وقال لهم في أثناء الطريق كالمعرض لهم بأن ينصرفوا عنه: إنه والله يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء، ثم مشى قليلاً، ثم أعاد ذلك عليهم، حتى كرره أربع مرات، قال قتادة: وقد كانوا أمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك. وقال السدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط، فبلغوا نهر سدوم نصف النهار، ولقوا بنت لوط تستقي، فقالوا: يا جارية هل من منزل؟ فقالت: مكانكم حتى آتيكم، وفرقت عليهم من قومها، فأتت أباها فقالت: يا أبتاه أدرك فتياناً على باب المدينة، ما رأيت وجوه قوم أحسن منهم؛ لا يأخذهم قومك، وكان قومه نهوه أن يضيف رجلاً، فقالوا: خل عنا فلنضيف الرجال، فجاء بهم، فلم يعلم بهم أحد إلا أهل بيته، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، فجاؤوا يهرعون إليه. وقوله: {يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} أي: يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك. وقوله: {وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي: لم يزل هذا من سجيتهم حتى أخذوا وهم على ذلك الحال. وقوله: {قَالَ يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} يرشدهم إلى نسائهم، فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة؛ كما قال لهم في الآية الأخرى: {أية : أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَٰجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } تفسير : [الشعراء:165-166] وقوله في الآية الأخرى: {أية : قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [الحجر: 70] أي: ألم ننهك عن ضيافة الرجال؟ {أية : قَالَ هَـٰؤُلآءِ بَنَاتِى إِن كُنْتُمْ فَـٰعِلِينَ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } تفسير : [الحجر:71-72] وقال في هذه الآية الكريمة: {هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} قال مجاهد: لم يكن بناته، ولكن كن من أمته، وكل نبي أبو أمته، وكذا روي عن قتادة وغير واحد. وقال ابن جريج: أمرهم أن يتزوجوا النساء، ولم يعرض عليهم سفاحاً، وقال سعيد بن جبير: يعني: نساءهم، هن بناته، وهو أب لهم. ويقال في بعض القراءات: "النبي أولى المؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم". وكذا روي عن الربيع بن أنس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم. وقوله: {فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِى ضَيْفِى} أي: اقبلوا ما آمركم به من الاقتصار على نسائكم {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ} أي: فيه خير، يقبل ما آمره به، ويترك ما أنهاه عنه {قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} أي: إنك لتعلم أن نساءنا لا أرب لنا فيهن، ولا نشتهيهن، {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} أي: ليس لنا غرض إلا في الذكور، وأنت تعلم ذلك، فأي حاجة في تكرار القول علينا في ذلك؟ قال السدي: {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ}: إنما نريد الرجال.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَمَّا جآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىءَ بِهِمْ } حَزنَ بسببهم {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } صدراً لأنهم حسان الوجوه في صورة أضياف فخاف عليهم قومَهُ {وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ } شديد.
الشوكاني
تفسير : لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم، وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة فراسخ، جاءوا إلى لوط. فلما رآهم لوط، وكانوا في صورة غلمان حسان مرد، {سِىء بِهِمْ } أي: ساءه مجيئهم، يقال: ساءه يسوءه، وأصل سيء بهم. سويء بهم، نقلت حركة الواو إلى السين فقلبت الواو ياء، ولما خففت الهمزة ألقيت حركتها على الياء. وقرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، وأبو عمرو بإشمام السين الضم {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } قال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة، وأصله أن البعير يذرع بيده في سيره على قدر سعة خطوه: أي يبسطها، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته، ضاق ذرعه عن ذلك، فجعل ضيق الذرع كناية عن قلة الوسع والطاقة وشدّة الأمر. وقيل: هو من ذرعه القيء: إذا غلبه وضاق عن حبسه. والمعنى: أنه ضاق صدره لما رأى الملائكة في تلك الصورة خوفاً عليهم من قومه، لما يعلم من فسقهم وارتكابهم لفاحشة اللواط {وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ } أي: شديد. قال الشاعر:شعر : وإنك إن لم ترض بكر بن وائل يكن لك يوم بالعراق عصيب تفسير : يقال عصيب وعصيصب وعصوصب على التكثير، أي: يوم مكروه يجتمع فيه الشر، ومنه قيل: عصبة وعصابة: أي مجتمعو الكلمة، ورجل معصوب: أي مجتمع الخلق {وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } أي: جاءوا لوطاً. الجملة في محل نصب على الحال. ومعنى {يهرعون إليه}: يسرعون إليه. قال الكسائي، والفراء، وغيرهما من أهل اللغة: لا يكون الإهراع إلا إسراعاً مع رعدة، يقال: أهرع الرجل إهراعاً: أي أسرع في رعدة من برد أو غضب أو حمى، قال مهلهل:شعر : فجاؤوا يهرعون وهم أسارى نهودهم على رغم الأنوف تفسير : وقيل: يهرعون: يهرولون. وقيل: هو مشي بين الهرولة والعدو، والمعنى: أن قوم لوط لما بلغهم مجيء الملائكة في تلك الصورة أسرعوا إليه، كأنما يدفعون دفعاً لطلب الفاحشة من أضيافه {وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ } أي: ومن قبل مجيء الرسل في هذا الوقت، كانوا يعملون السيئات. وقيل: ومن قبل لوط كانوا يعملون السيئات، أي: كانت عادتهم إتيان الرجال، فلما جاءوا إلى لوط، وقصدوا أضيافه لذلك العمل، قام إليهم لوط مدافعاً {وَقَالَ ياقَوْمٌ هَـؤُلاء بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } أي: تزوّجوهنّ، ودعوا ما تطلبونه من الفاحشة بأضيافي، وقد كان له ثلاث بنات. وقيل: اثنتان، وكانوا يطلبون منه أن يزوجهم بهنّ، فيمتنع لخبثهم، وكان لهم سيدان مطاعان، فأراد أن يزوجهما بنتيه. وقيل: أراد بقوله: {هَـٰؤُلآء بَنَاتِى } النساء جملة، لأن نبيّ القوم أب لهم، وقالت طائفة: إنما كان هذا القول منه على طريق المدافعة، ولم يرد الحقيقة. ومعنى: {هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } أي: أحلّ وأنزه. والتطهر: التنزه عما لا يحلّ، وليس في صيغة أطهر دلالة على التفضيل، بل هي مثل «الله أكبر». وقرأ الحسن، وعيسى بن عمر بنصب "أطهر"، وقرأ الباقون بالرفع؛ ووجه النصب أن يكون اسم الإشارة مبتدأ، وخبره {بناتي}، و{هنّ} ضمير فصل، و{أطهر} حال. وقد منع الخليل، وسيبويه، والأخفش مثل هذا، لأن ضمير الفصل الذي يسمى عماداً إنما يكون بين كلامين بحيث لا يتمّ الكلام إلا بما بعدها، نحو كان زيد هو أخاك {فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِى ضَيْفِى } أي: اتقوا الله بترك ما تريدون من الفاحشة بهم، ولا تذلوني وتجلبوا عليّ العار في ضيفي، والضيف يطلق على الواحد والاثنين والجماعة، لأنه في الأصل مصدر، ومنه قول الشاعر:شعر : لا تعدمي الدهر شفار الجازر للضيف والضيف أحق زائر تفسير : ويجوز فيه التثنية والجمع، والأوّل: أكثر. يقال: خزي الرجل خزاية، أي استحيا أو ذلّ أو هان، وخزي خزياً: إذا افتضح، ومعنى {في ضيفي}: في حق ضيفي، فخزي الضيف: خزي للمضيف، ثم وبخهم فقال: {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ } يرشدكم إلى ترك هذا العمل القبيح، ويمنعكم منه، فأجابوا عليه معرضين عما نصحهم به، وأرشدهم إليه، بقوله: {مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ } أي: ما لنا فيهم من شهوة ولا حاجة، لأن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق. ومعنى ما نسبوه إليه من العلم أنه قد علم منهم المكالبة على إتيان الذكور، وشدّة الشهوة إليهم، فهم من هذه الحيثية كأنهم لا حاجة لهم إلى النساء؛ ويمكن أن يريدوا: أنه لا حق لنا في نكاحهنّ؛ لأنه لا ينكحهنّ ويتزوج بهن إلا مؤمن، ونحن لا نؤمن أبداً. وقيل: إنهم كانوا قد خطبوا بناته من قبل فردّهم، وكان من سنتهم أن من خطب فردّ، فلا تحل المخطوبة أبداً {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ } من إتيان الذكور. ثم إنه لما علم تصميمهم على الفاحشة، وأنهم لا يتركون ما قد طلبوه {قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً } وجواب "لو" محذوف. والتقدير: لدافعتكم عنهم ومنعتكم منهم، وهذا منه عليه السلام على طريق التمني: أي لو وجدت معيناً وناصراً، فسمي ما يتقوّى به قوّة {أَوْ آوِى إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ } عطف على ما بعد "لو" لما فيه من معنى الفعل، والتقدير: لو قويت على دفعكم، أو آويت إلى ركن شديد. وقرىء «أو آوى» بالنصب عطفاً على قوّة كأنه قال: لو أن لي بكم قوّة، أو إيواء إلى ركن شديد، ومراده بالركن الشديد: العشيرة، وما يمتنع به عنهم هو ومن معه. وقيل: أراد بالقوّة: الولد، وبالركن الشديد: من ينصره من غير ولده. وقيل: أراد بالقوّة: قوته في نفسه. ولما سمعته الملائكة يقول هذه المقالة، ووجدوا قومه قد غلبوه وعجز عن مدافعتهم {قَالُواْ يالُوطٍ إِنَّا رُسُلُ رَبّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ } أخبروه أوّلاً أنهم رسل ربه، ثم بشّروه بقولهم: {لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ } وهذه الجملة موضحة لما قبلها؛ لأنهم إذا كانوا مرسلين من عند الله إليه لم يصل عدوّه إليه ولم يقدروا عليه، ثم أمروه أن يخرج عنهم، فقالوا له: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْل} قرأ نافع وابن كثير بالوصل، وقرأ غيرهما بالقطع، وهما لغتان فصيحتان. قال الله تعالى: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ } تفسير : [الفجر: 4] وقال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ } تفسير : [الإسراء: 1] وقد جمع الشاعر بين اللغتين فقال:شعر : حي النضير وربة الخدر أسرت عليه ولم تكن تسري تفسير : وقيل: إن أسرى للمسير من أول الليل، وسرى للمسير من آخره، والقطع من الليل: الطائفة منه. قال ابن الأعرابي: {بقطع من الليل}: بساعة منه. وقال الأخفش: بجنح من الليل. وقيل: بظلمة من الليل. وقيل: بعد هدوّ من الليل، قيل: إن السرى لا يكون إلا في الليل، فما وجه زيادة بقطع من الليل؟ قيل: لو لم يقل بقطع من الليل لجاز أن يكون في أوّله قبل اجتماع الظلمة، وليس ذلك بمراد {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } أي: لا ينظر إلى ما وراءه، أو يشتغل بما خلفه من مال أو غيره. قيل: وجه النهي عن الالتفات أن لا يروا عذاب قومهم، وهول ما نزل بهم، فيرحموهم ويرقوا لهم، أو لئلا ينقطعوا عن السير المطلوب منهم بما يقع من الالتفات، فإنه لا بدّ للملتفت من فترة في سيره {إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ } بالنصب على قراءة الجمهور، وقرأ أبو عمرو، وابن كثير بالرفع على البدل، فعلى القراءة الأولى امرأته مستثناة من قوله: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } أي: أسر بأهلك جميعاً إلا امرأتك فلا تسر بها، فإنه {مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ } من العذاب، وهو رميهم بالحجارة لكونها كانت كافرة. وأنكر قراءة الرفع جماعة منهم أبو عبيد وقال: لا يصح ذلك إلا برفع {يلتفت} ويكون نعتاً، لأن المعنى يصير إذا أبدلت وجزمت أن المرأة أبيح لها الالتفات وليس المعنى كذلك. قال النحاس: وهذا العمل من أبي عبيد وغيره على مثل أبي عمرو مع جلالته ومحله من العربية لا يجب أن يكون، والرفع على البدل له معنى صحيح، وهو أن يكون استثناء من النهي عن الالتفات، أي لا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، فإنها تلتفت وتهلك. وقيل: إن الرفع على البدل من {أحد}، ويكون الالتفات بمعنى التخلف لا بمعنى النظر إلى الخلف، فكأنه قال: ولا يتخلف منكم أحد إلا امرأتك، فإنها تتخلف، والملجىء إلى هذا التأويل البعيد الفرار من تناقض القراءتين، والضمير في {إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ } للشأن، والجملة خبر إنّ {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ } هذه الجملة تقليل لما تقدّم من الأمر بالإسراء والنهي عن الالتفات، والمعنى: أن موعد عذابهم الصبح المسفر عن تلك الليلة، والاستفهام في {أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ } للإنكار التقريري، والجملة تأكيد للتعليل. وقرأ عيسى بن عمر "أليس الصبح" بضم الباء وهي لغة، ولعلّ جعل الصبح ميقاتاً لهلاكهم لكون النفوس فيه أسكن، والناس فيه مجتمعون لم يتفرّقوا إلى أعمالهم. {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } أي: الوقت المضروب لوقوع العذاب فيه، أو المراد بالأمر: نفس العذاب {جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا } أي: عالي قرى قوم لوط سافلها، والمعنى: أنه قلبها على هذه الهيئة، وهي كون عاليها صار سافلها، وسافلها صار عاليها، وذلك لأن جبريل أدخل جناحه تحتها فرفعها من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء ثم قلبها عليهم {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } قيل: إنه يقال أمطرنا في العذاب ومطرنا في الرحمة. وقيل: هما لغتان، يقال: مطرت السماء وأمطرت حكى ذلك الهروي. والسجيل: الطين المتحجر بطبخ أو غيره. وقيل: هو الشديد الصلب من الحجارة. وقيل: السجيل الكثير. وقيل: إن السجيل لفظة غير عربية، أصله سج وجيل، وهما بالفارسية حجر وطين عرّبتهما العرب فجعلتهما اسماً واحداً. وقيل: هو من لغة العرب. وذكر الهروي: أن السجيل اسم لسماء الدنيا. قال ابن عطية: وهذا ضعيف يردّه وصفه بمنضود. وقيل: هو بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض. وقيل: هي جبال في السماء. وقال الزجاج: هو من التسجيل لهم، أي ما كتب لهم من العذاب فهو في معنى سجين، ومنه قوله تعالى: {أية : وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجّينٌ * كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ } تفسير : [المطففين: 8، 9] وقيل: هو من أسجلته: إذا أعطيته، فكأنه عذاب أعطوه، ومنه قول الشاعر:شعر : من يساجلني يساجل ماجدا يملأ الدلو إلى عقد الكرب تفسير : ومعنى: {مَّنْضُودٍ }: أنه نضد بعضه فوق بعض. وقيل: بعضه في أثر بعض، يقال: نضدت المتاع: إذا جعلت بعضه على بعض، فهو منضود ونضيد، والمسوّمة: المعلمة، أي التي لها علامة: قيل كان عليها أمثال الخواتيم. وقيل: مكتوب على كل حجر اسم من رمى به. وقال الفراء: زعموا أنها كانت مخططة بحمرة وسواد في بياض. فذلك تسويمها، ومعنى: {عِندَ رَبّكَ } في خزائنه {وَمَا هِى مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ } أي: وما هذه الحجارة الموصوفة من الظالمين وهم قوم لوط ببعيد، أو ما هي من كل ظالم من الظلمة ومنهم كفار قريش ومن عاضدهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ببعيد، فهم لظلمهم مستحقون لها. وقيل: {وَمَا هِىَ } أي: قرى {مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ } من كفر بالنبيّ صلى الله عليه وسلم {بِبَعِيدٍ } فإنها بين الشام والمدينة. وفي إمطار الحجارة قولان: أحدهما: أنها أمطرت على المدن حين رفعها جبريل. والثاني: أنها أمطرت على من لم يكن في المدن من أهلها، وكان خارجاً عنها. وتذكير البعيد على تأويل الحجارة بالحجر، أو إجراء له على موصوف مذكر: أي شيء بعيد، أو مكان بعيد، أو لكونه مصدراً كالزفير والصهيل، والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } قال: ساء ظناً بقومه، وضاق ذرعاً بأضيافه {وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ } يقول: شديد. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه، في قوله: {يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } قال: يسرعون {وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ } قال: يأتون الرجال. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، أيضاً قال: {يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } يستمعون إليه. وأخرج أبو الشيخ، عنه، أيضاً في قوله: {هَـٰؤُلآء بَنَاتِى } قال: ما عرض لوط بناته على قومه لا سفاحاً ولا نكاحاً، إنما قال: هؤلاء نساؤكم، لأن النبيّ إذا كان بين ظهراني قوم فهو أبوهم، قال الله تعالى في القرآن: "وأزواجه أمهاتهم وهو أبوهم" في قراءة أبيّ. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، قال: لم تكن بناته ولكن كنّ من أمته، وكل نبيّ أبو أمته. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن عساكر، عن السديّ نحوه. قال: وفي قراءة عبد الله: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم". وأخرج ابن أبي حاتم، عن حذيفة بن اليمان، قال: عرض عليهم بناته تزويجاً، وأراد أن يقي أضيافه بتزويج بناته. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، في قوله: {وَلاَ تُخْزُونِ فِى ضَيْفِى } قال: لا تفضحوني. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ } قال: رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وأخرج أبو الشيخ، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ } قال: واحد يقول لا إلٰه إلا الله. وأخرج أبو الشيخ، عن عكرمة مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ } قال: إنما نريد الرجال {قَالَ } لوط {لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِى إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ } يقول: إلى جند شديد لمقاتلتكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، {أو آوى إلى ركن شديد} قال: عشيرة. وقد ثبت في البخاري وغيره من حديث أبي هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يغفر الله للوط إن كان يأوي إلى ركن شديد»تفسير : وهو مرويّ في غير الصحيح من طريق غيره من الصحابة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس {بِقِطْعٍ مّنَ ٱلَّيْلِ } قال: جوف الليل. وأخرجا عنه قال: بسواد الليل. وأخرج عبد الرزاق، عن قتادة، قال: بطائفة من الليل. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } قال: لا يتخلف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } قال: لا ينظر وراءه أحد {إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ }. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، عن هارون قال: في حرف ابن مسعود: «فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك». وأخرج ابن جرير، عن مجاهد، في قوله: {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا } قال: لما أصبحوا عدا جبريل على قريتهم، فقلعها من أركانها، ثم أدخل جناحه ثم حملها على خوافي جناحه بما فيها، ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم قلبها، فكان أوّل ما سقط منها سرادقها، فلم يصب قوماً ما أصابهم، ثم إن الله طمس على أعينهم، ثم قلبت قريتهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل. وقد ذكر المفسرون روايات وقصصاً في كيفية هلاك قوم لوط طويلة متخالفة، وليس في ذكرها فائدة لا سيما وبين من قال بشيء من ذلك، وبين هلاك قوم لوط دهر طويل لا يتيسر له في مثله إسناد صحيح، وغالب ذلك مأخوذ عن أهل الكتاب، وحالهم في الرواية معروف. وقد أمرنا بأنا لا نصدّقهم ولا نكذبهم، فاعرف هذا، فهو الوجه في حذفنا لكثير من هذه الروايات الكائنة في قصص الأنبياء وقومهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {وَمَا هِى مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ } قال: يرهب بها قريش أن يصيبهم ما أصاب القوم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في الآية قال: من ظلمة العرب إن لم يؤمنوا فيعذبوا بها. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن أبي حاتم، عن قتادة قال: من ظالمي هذه الأمة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ولما جاءَت رُسُلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذراعاً} قال ابن عباس: ساء ظنه بقومه وضاق ذرعاً بأضيافه. ويحتمل وجهاً آخر أنه ساء ظنه برسل ربه، وضاق ذراعاً بخلاص نفسه لأنه نكرهم قبل معرفتهم. {وقال هذا يومٌ عصيب} أي شديد لأنه خاف على الرسل من قومه أن يفضحوهم على قول ابن عباس، وعلى الاحتمال الذي ذكرته خافهم على نفسه فوصف يومه بالعصيب وهو الشديد، قال الشاعر: شعر : وإنك إلاّ ترض بكر بن وائل يكن لك يومٌ بالعراق عصيب. تفسير : قال أبو عبيدة: وإنما قيل له عصيب لأنه يعصب الناس بالشر، قال الكلبي: كان بين قرية إبراهيم وقف لوط أربعة فراسخ. قوله عز وجل: {وجاءه قومُه يهرعون إليه} أي يسرعون، والإهراع بين الهرولة والحجزى. قال الكسائي والفراء: لا يكون الإهراع إلا سراعاً مع رعدة. وكان سبب إسراعهم إليه أن أمرأة لوط أعلمتهم بأضيافه وجَمالهم فأسرعوا إليه طلباً للفاحشة منهم. {ومن قبل كانوا يعملون السيئات} فيه وجهان: أحدهما: من قبل إسراعهم اليه كان ينكحون الذكور، قاله السدي. الثاني: أنه كانت اللوطية في قوم لوط في النساء قبل الرجال بأربعين سنة، قاله عمر بن أبي زائدة. {قال يا قوم هؤلاء بناتي هُنَّ أطهر لكم} قال لهم لوط ذلك ليفتدي أضيافه منهم. {هؤلاء بناتي} فيهن قولان: أحدهما: أنه أراد نساء أمته ولم يرد بنات نفسه. قال مجاهد وكل نبي أبو أمّته وهم أولاده. وقال سعيد بن جبير: كان في بعض القرآن: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزاجه أمهاتهم وهوأب لهم. الثاني: أنه أراد بنات نفسه وأولاد صلبه لأن أمره فيهن أنفذ من أمره في غيرهن، وهو معنى قول حذيفة بن اليمان. فإن قيل: كيف يزوجهم ببناته مع كفر قومه وإيمان بناته؟ قيل عن هذا ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه كان في شريعة لوط يجوز تزويج الكافر بالمؤمنة، وكان هذا في صدر الإسلام جائزاً حتى نسخ، قاله الحسن. الثاني: أنه يزوجهم على شرط الإيمان كما هو مشروط بعقد النكاح. الثالث: أنه قال ذلك ترغيباً في الحلال وتنبيهاً على المباح ودفعاً للبادرة من غير بذل نكاحهن ولا بخطبتهن، قاله ابن أبي نجيح. {هن أطهر لكم} أي أحل لكم بالنكاح الصحيح. {فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا تذلوني بعار الفضيحة، ويكون الخزي بمعنى الذل. الثاني: لا تهلكوني بعواقب فسادكم، ويكون الخزي بمعنى الهلاك. الثالث: أن معنى الخزي ها هنا الاستحياء، يقال خزي الرجل إذا استحى، قال الشاعر: شعر : من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت بها مِرطها أو زايل الحلي جيدها تفسير : والضيف: الزائر المسترقد، ينطلق على الواحد والجماعة، قال الشاعر: شعر : لا تعدمي الدهر شفار الجازر للضيف والضيف أحق زائر تفسير : {أليس منكم رجلٌ رشيد} فيه وجهان: أحدهما: أي مؤمن، قاله ابن عباس. الثاني: آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر، قاله أبو مالك. ويعني: رجل رشيد ليدفع عن أضيافه، وقال ذلك تعجباً من اجتماعهم على المنكر. قوله عز وجل: {قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق} فيه وجهان: أحدهما: ما لنا فيهن حاجة، قاله الكلبي. الثاني: ليس لنا بأزواج، قاله محمد بن إٍسحاق. {وإنك لتعلم ما نريد} فيه وجهان: أحدهما: تعلم أننا لا نتزوج إلا بامرأة واحدة وليس منا رجل إلا له امرأة، قاله الكلبي. الثاني: أننا نريد الرجال.
ابن عطية
تفسير : "الرسل" هنا هم الملائكة الذين كانوا أضياف إبراهيم عليه السلام، وذلك أنهم لما خرجوا إلى بلد لوط - وبينه وبين قرية إبراهيم ثمانية أميال - وصلوه، فقيل: وجدوا لوطاً في حرث له، وقيل: وجدوا ابنته تستقي ماء في نهر سدوم - وهي أكبر حواضر قوم لوط - فسألوها الدلالة على من يضيفهم، ورأت هيئتهم فخافت عليهم من قوم لوط، وقالت لهم: مكانكم؛ وذهبت إلى أبيها فأخبرته، فخرج إليهم، فقالوا له: نريد أن تضيفنا الليلة، فقال لهم: أو ما سمعتم بعمل هؤلاء القوم؟ فقالوا وما عملهم؟ فقال أشهد بالله لهم شر قوم في الأرض وقد كان الله عز وجل قال للملائكة: لا تعذبوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما قال لوط هذه قال جبريل لأصحابه: هذه واحدة وتردد القول بينهم حتى كرر لوط الشهادة أربع مرات، ثم دخل لوط بهم المدينة وحينئذ {سيء بهم} أي أصابه سوء. و {سيء} فعل بني للمفعول، و"الذرع": مصدر مأخوذ من الذراع، ولما كان الذراع موضع قوة الإنسان قيل في الأمر الذي لا طاقة له به: ضاق بهذا الأمر ذراع فلان، وذرع فلان، أي حيلته بذراعه، وتوسعوا في هذا حتى قلبوه فقالوا: فلان رحب الذراع، إذا وصفوه باتساع القدرة ومنه قول الشاعر: شعر : يا سيد ما أنت من سيد موطأ الأكناف رحب الذراع تفسير : وقوله: {هذا يوم عصيب} أشار به إلى ما كان يتخوفه من تعدي قومه على أضيافه واحتياجه إلى المدافعة مع ضعفه عنها، و {عصيب} بناء اسم فاعل معناه: يعصب الناس بالشر كما يعصب الخابط السلمة إذا أراد خبطها ونفض ورقها، ومنه قول الحجاج في خطبته: ولأعصبنكم عصب السلمة، فهو من العصابة ثم كثر وصفهم اليوم بعصيب، ومنه قول الشاعر، وهو عدي بن زيد: [الوافر] شعر : وكنت لزاز خصمك لم أعرد وقد سلكوك في يوم عصيب تفسير : ومنه قول الآخر: [الطويل] شعر : فإنك إلا ترض بكر بن وائل يكنْ لك يوم بالعراق عصيب تفسير : فـ "عصيب" - بالجملة - في موضع شديد وصعب الوطأة، واشتقاقه كما ذكرنا. وقوله تعالى: {وجاءه قومه} الآية، روي أن امرأة لوط الكافرة لما رأت، الأضياف ورأت جمالهم وهيئتهم خرجت حتى أتت مجالس قومها فقالت لهم: إن لوطاً أضاف الليلة فتية ما ريء مثلهم جمالاً وكذا وكذا، فحينئذ جاءوا {يهرعون إليه}، ومعناه يسرعون، والإهراع هو أن يسرع أمر بالإنسان حتى يسير بين الخبب والخَمَر، فهي مشية الأسير الذي يسرع به، والطامع المبادر إلى أمر يخاف فوته، ونحو هذا؛ يقال هرع الرجل وأهرعه طمع أو عدو أو خوف ونحوه. والقراءة المشهورة: "يُهرعون" بضم الياء أي يهرعون الطمع، وقرأت فرقة: "يَهرعون" بفتح الياء، من هرع، ومن هذه اللفظة قول مهلهل: [الوافر] شعر : فجاءوا يَهرعون وهم أسارى تقودُهم على رغم الأنوف تفسير : وقوله: {ومن قبل كانوا يعملون السيئات}، أي كانت عادتهم إتيان الفاحشة في الرجال، فجاءوا إلى الأضياف لذلك فقام إليهم لوط مدافعاً، وقال: {هؤلاء بناتي} فقالت فرقة أشار إلى بنات نفسه وندبهم في هذه المقالة إلى النكاح، وذلك على أن كانت سنتهم جواز نكاح الكافر المؤمنة، أو على أن في ضمن كلامه أن يؤمنوا. وقالت فرقة: إنما كان الكلام مدافعة لم يرد إمضاؤه، روي هذا القول عن أبي عبيدة، وهو ضعيف، وهذا كما يقال لمن ينهى عن مال الغير: الخنزير أحل لك من هذا وهذا التنطع ليس من كلام الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، وقالت فرقة: أشار بقوله: {بناتي} إلى النساء جملة إذ نبي القوم أب لهم، ويقوي هذا أن في قراءة ابن مسعود {أية : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} تفسير : [الأحزاب: 6] وهو أب لهم وأشار أيضاً لوط - في هذا التأويل - إلى النكاح. وقرأت فرقة - هي الجمهور - "هن أطهرُ" برفع الراء على خبر الابتداء، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر ومحمد بن مروان وسعيد بن جبير: "أطهرَ" بالنصب قال سيبويه: هو لحن، قال أبو عمرو بن العلاء: احتبى فيه ابن مروان في لحنه، ووجهه عند من قرأ به النصب على الحال بأن يكون {بناتي} ابتداء و {هن} خبره، والجملة خبر {هؤلاء}. قال القاضي أبو محمد: وهو إعراب مروي عن المبرد، وذكره أبو الفتح وهو خطأ في معنى الآية، وإنما قوم اللفظ فقط والمعنى إنما هو في قوله: {أطهر} وذلك قصد أن يخبر به فهي حال لا يستغنى عنها - كما تقدم في قوله: {أية : وهذا بعلي شيخاً} تفسير : [هود: 72]، والوجه أن يقال: {هؤلاء بناتي} ابتداء وخبر، و {هن} فصل و {أطهر} حال وإن كان شرط الفصل أن يكون بين معرفتين ليفصل الكلام من النعت إلى الخبر، فمن حيث كان الخبر هنا في {أطهر} ساغ القول بالفصل، ولما لم يستسغ ذلك أبو عمرو ولا سيبويه لحنا ابن مروان، وما كانا ليذهب عليهما ما ذكر أبو الفتح، و"الضيف": مصدر يوصف به الواحد والجماعة والمذكر والمؤنث؛ ثم وبخهم بقوله: {أليس منكم رجل رشيد} أي يزعكم ويردكم. وقوله تعالى: {قالوا: لقد علمت مَا لنا في بناتك من حق} الآية، روي أن قوم لوط كانوا قد خطبوا بنات لوط فردهم، وكانت سنتهم أن من رد في خطبة امرأة لم تحل له أبداً، فلذلك قالوا: {لقد علمت ما لنا في بناتك من حق}. قال القاضي أبو محمد: وبعد أن تكون هذه المخاطبة، فوجه الكلام: إنا ليس لنا إلى بناتك تعلق، ولا هم قصدنا ولا لنا عادة نطلبها في ذلك وقولهم: {وإنك لتعلم ما نريد}، إشارة إلى الأضياف؛ فلما رأى استمرارهم في غيهم وغلبتهم وضعفه عنهم قال - على جهة التفجع والاستكانة - {لو أن لي بكم قوة} و {أن} في موضع رفع بفعل مضمر تقديره: لو اتفق أو وقع ونحو هذا، - وهذا مطرد في "أن" التابعة لـ "لو" - وجواب {لو} محذوف وحذف مثل هذا أبلغ، لأنه يدع السامعين ينتهي إلى أبعد تخيلاته، والمعنى لفعلت كذا وكذا. وقرأ جمهور: "أو آوي" بسكون الياء، وقرأ شيبة وأبو جعفر: "أو آويَ" بالنصب، التقدير أو أن آوي، فتكون "أن" مع "آوي" بتأويل المصدر، كما قالت ميسون بنت بحدل: شعر : للبس عباءة وتقر عيني..... تفسير : ويكون ترتيب الكلام لو أن لي بكم قوة أو أوياً، و"أوى" معناه: لجأ وانضوى، ومراد لوط عليه السلام بالـ {ركن} العشيرة والمنعة بالكثرة، وبلغ به قبيح فعلهم إلى هذا - مع علمه بما عند الله تعالى -، فيروى أن الملائكة وجدت عليه حين قال هذه الكلمات، وقالوا: إن ركنك لشديد؛ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي {إلى ركن شديد}، فالعجب منه لما استكان . تفسير : قال القاضي أبو محمد: وهذا نقد لأن لفظ بهذه الألفاظ، وإلا فحالة النبي صلى الله عليه وسلم وقت طرح سلا الجزور ومع أهل الطائف وفي غير ما موطن تقتضي مقالة لوط لكن محمداً صلى الله عليه وسلم لم ينطق بشيء من ذلك عزامة منه ونجدة، وإنما خشي لوط أن يمهل الله أولئك العصابة حتى يعصوه في الأضياف كما أمهلهم فيما قبل ذلك من معاصيهم، فتمنى ركناً من البشر يعاجلهم به، وهو يعلم أن الله تعالى من وراء عقابهم، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لم يبعث الله تعالى بعد لوط نبياً إلا في ثروة من قومه" تفسير : أي في منعة وعزة.
ابن عبد السلام
تفسير : {سِىءَ بِهِمْ} ساء ظنه بقومه وضاق ذرعاً بأضيافه، {عَصِيبٌ} شديد لأنه يعصب الناس بالشر، خاف على الرسل أن يفضحهم قومه.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً }: الرسُل هنا: الملائكة أضيافُ إِبراهيم. قال المهدويُّ: والرسُلُ هنا: جبريلُ وميكائيلُ وإِسرافيلُ، ذكره جماعة من المفسِّرين. انتهى، واللَّه أعلم بتعيينهم، فإِن صحَّ في ذلك حديثٌ، صِيَر إِليه، وإِلا فالواجبُ الوقْفُ، و{سِيءَ بِهِمْ } أي: أصابهُ سُوءٌ، و«الذَّرْع»: مصدرٌ مأخوذٌ من الذِّراع، ولما كان الذراعُ موضعَ قُوَّةِ الإِنسان، قيل في الأمر الذي لا طَاقَةَ له به: ضَاقَ بِهَذَا الأمْرِ ذِرَاعُ فُلاَنٍ، وذَرْعُ فلانٍ، أيْ: حيلته بذراعِهِ، وتوسَّعوا في هذا حتَّى قلبوه، فقالوا: فلانٌ رَحْبُ الذِّرَاع، إِذا وصَفُوه بٱتساع القدرةِ، و{عَصِيبٌ }: بناء اسمِ فاعلٍ، معناه: يعصب النَّاسَ بالشرِّ، فهو من العِصَابة، ثم كَثُر وصفهم لليَوْمِ بعصيبٍ؛ ومنه: [الوافر] شعر : ....................... وَقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ تفسير : وبالجملة فـــ «عصيب»: في موضع شديدٍ وصعبِ الوطأة، و{يُهْرَعُونَ } معناه: يُسْرِعون، {وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ }: أيْ: كَانت عادتهم إِتيان الفاحشة في الرجال. وقوله: {هَـؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ }: يعني: بالتزويجِ، وقولهم: {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ}: إِشارة إِلى الأضيافِ، فلما رأَى لوطٌ ٱستمرارَهُم في غَيِّهم، قال: على جهة التفجُّع وٱلاستكانةِ: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً }. قال * ع *: «لَوْ أنَّ»: جوابها محذوفٌ، أي: لَفَعَلْتُ كذا وكذا، ويروَى أنَّ الملائكةَ وَجَدَتْ عليه؛ حين قال هذه الكلماتِ، وقالوا: إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطاً لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ فَالْعَجَبُ مِنْهُ لما ٱسْتَكَانَ ». تفسير : قال * ع *: وإِنما خشي لوطٌ عليه السلام أنْ يمهل اللَّهُ أولئك العِصَابَةَ حتى يَعْصُوهُ في الأضيافِ، كما أمهلهم فيما قَبْلَ ذلك، ثم إِن جبريل عليه السلام ضَرَبَ القوم بجَنَاحِهِ، فطمس أعينهم، ثم أمروا لوطاً بالسُّرَى، وأعلموه بأنَّ العذاب نازلٌ بالقوم، فقال لهم لوطٌ: فَعَذِّبوهم السَّاعة، فقالوا له: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ }، أي: بهذا أمَرَ اللَّه، ثم آنسُوه في قَلَقِهِ بقولهم: {أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}، و«القِطْع»: القطعة من الليل. قال * ص *: {إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ }: ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو بالرفع، والباقون بالنَّصْبِ، فقيل: كلاهما استثناءٌ من {أَحَدٌ }، وقيل: النصب على ٱلاستثناء من {أَهْلِكَ } انتهى. وقوله سبحانه: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ } ذهبت فرقةٌ، منهم ابن عباس إِلى أَن الحجارة التي رُمُوا بها كَانَتْ كالآجُرِّ المطبوخِ، كانَتْ من طينٍ قد تحجَّر، وأَن سِجِّيلاً معناها: ماءٌ وطينٌ، وهذا القول هو الذي عليه الجمهورُ، وقالت فرقة: «من سِجِّيلٍ»: معناه: مِنْ جهنَّم؛ لأنه يقالُ: سِجّيل وسِجِّين، حَفِظَ فيها بَدَلَ النُّون لاماً، وقيل غير هذا و {مَّنضُودٍ}: معناهُ: بعضه فوق بعض، متتابع، و{مُّسَوَّمَةً }: أي: مُعْلَمةٌ بعلامة. وقوله تعالى: {وَمَا هِيَ }: إِشارةٌ إِلى الحِجَارة، والظالمون: قيل: يعني قريشاً، وقيل: يريد عمومَ كلِّ مَن ٱتَّصف بالظُّلْمِ، وهذا هو الأصَحُّ، وقيل: يعني بهذا الإِعلامَ بأَنَّ هذه البلادَ قريبةٌ من مكَّة، وما تقدَّم أَبْيَن.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً} قال ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: انطلقُوا من عند إبراهيم إلى "لُوطٍ" [و] بين القريتين أربعة فراسخَ، ودخلوا عليه على صورة غلمان مرد حسان الوجوه. قوله: {سِيۤءَ بِهِمْ} فعلٌ مبنيٌّ للمفعول، والقائمُ مقامَ الفاعل ضمير "لُوطٍ" من قولك: "سَاءَنِي كَذا" أي: حصل لي سُوءٌ، و "بِهِمْ" متعلقٌ به، أي: بسببهم، يقال: سؤته فسيء كما يقال: سَرَرْتُه فَسُرَّ، ومعناهُ: سَاءَهُ مَجِيئُهم وسَاءَ يَسُوءُ فعل لازم. قال الزجاجُ: "أصله "سُوىءَ بِهِمْ" إلاَّ أنَّ الواو أسكنت ونقلت كسرتها إلى السين". و "ذَرْعاً" نصبٌ على التَّمييز، وهو في الأصل مصدر ذرع البعير يذرع بيديه في سيره إذا سار على قدر خطوه، اشتقاقاً من الذِّراع، تُوسِّع فيه فوضع موضع الطَّاقة والجهد. فقيل: ضاقَ ذَرْعُه، أي طاقته؛ قال: [البسيط] شعر : 2999-.............................. فاقْدِرْ بِذرْعِكَ وانْظُرْ أيْنَ تَنْسَلِكُ تفسير : وقد يقعُ الذِّراعُ موقعهُ؛ قال: [الوافر] شعر : 3000- إذَا التَّيَّازُ ذُو العضلاتِ قُلْنَا إلَيْكَ إلَيْكَ ضَاقَ بِهَا ذِرَاعا تفسير : قيل: هو كنايةٌ عن ضيق الصَّدْرِ. وقوله: "عَصِيبٌ" العَصِبُ والعَصبْصَبُ والعَصُوب: اليومُ الشَّديدُ الكثيرُ الشَّرِّ، الملتفُّ بعضه ببعض قال: [الوافر] شعر : 3001- وكُنْتَ لِزازَ خَصْمِكَ لَمْ أعَرِّدْ وَقَدْ سَلكُوكَ في يومٍ عَصِيبِ تفسير : وعن أبي عبيدة: "سُمِّي عصيباً؛ لأنَّه يعصبُ النَّاسَ بالشَّرِّ". كأنَّه عصب به الشَّر والبلاء أي: حشدوا والعِصَابةُ: الجماعةُ من النَّاس سُمُّوا بذلك لإحاطتهم إحاطة العصابة. والمعنى: أنَّ لوطاً لمَّا نظر إلى حسن وجوههم، وطيب روائحهم، أشفق عليهم من قومه أن يقصدوهم بالفاحشةِ، وعلم أنَّه سيحتاجُ إلى المدافعة عنهم، فلذلك ضاق بهم ذَرْعاً أي: قَلْباً. يقال: ضَاقَ ذَرْعُ فلان بكذا، إذا وقع في مكروهٍ، ولا يطيقُ الخُروج منه. قوله: {وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ} "يُهْرَعُونَ" في محلِّ نصب على الحال. والعامَّةُ على "يُهْرَعُونَ" مبنياً للمفعول. وقرأت فرقة بفتح الياء مبنيّاً للفاعل من لغة "هَرَع" والإهراعُ: الإسْراعُ. ويقالُ: هو المَشْيُ بين الهرولة والجمز. وقال الهرويُّ: هَرَعَ وأهرع: استحث. وقيل: "الإهراعُ: هو الإسْرَاع مع الرّعدة". قيل: هذا من باب ما جاء بصيغةِ الفاعلِ على لفظِ المفعولِ، ولا يعرف له فاعل نحو: أولع فلان، وأرْعِدَ زَيْدٌ، وزُهي عمرٌو من الزهو. وقيل: لا يجوزُ ورود الفاعل على لفظ المفعول، وهذه الأفعالُ عرف فاعلوها. فتأويلُ أولع فلانٌ أي: أولعهُ حبُّه، وأرْعدَ زيدٌ أي: أرعده غضبه، وزُهي عَمْرٌو أي: جعله ما لهُ زاهياً، وأهرع فلانٌ أي: أهرعه خوفه، أو حرصه. فصل روي أنَّه لمَّا دخلت الملائكةُ دار لوط - عليه السلام - مضت امرأته فقالت لقومه: دخل دارنا قوم ما رأيت أحسن منهم وجوهاً ولا أطيب منهم رائحة فـ "جَاءَهُ قَوْمُهُ" مسرعين {وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي: من قبل مجيئهم إلى لوطٍ كانوا يأتون الرِّجال في أدبارهم، فقال لهم لوطٌ - عليه السلام -: حين قصدوا أضيافه فظنوا أنهم غلمان {يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} يعني: بالتزويج. قوله: {هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي} جملةٌ برأسها، و {هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} جملةٌ أخرى، ويجُوزُ أن يكون "هؤلاءِ" مبتدأ، و "بَنَاتِي" بدلٌ أو عطفُ بيان، وهُنَّ مبتدأ، و "أطْهَرُ" خبره، والجملة خبر الأول. ويجوز أن يكون "هُنَّ" فصلاً، و "أطْهَرُ" خبر: إمَّا لـ "هَؤلاءِ"، وإمَّا لـ "بَنَاتِي" والجملةُ خبر الأوَّلِ. وقرأ الحسنُ وزيدُ بنُ عليّ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وعيسى بن عمر، والسُّدي "أطْهَرَ" بالنَّصْب، وخُرِّجَتْ على الحالِ، فقيل: "هؤلاءِ" مبتدأ، و "بَنَاتِي هُنَّ" جملة في محلِّ خبره، و "أطْهَرَ" حال، والعاملُ: إمَّا التَّنبيهُ وإمَّا الإشارةُ. وقيل: "هُنَّ" فصلٌ بين الحالِ وصاحبها، وجعل من ذلك قولهم: "أكثر أكْلِي التفاحة هي نضيجةً" ومنعه بعضُ النحويين، وخرج الآية على أنَّ "لَكُم" خبر "هُنَّ" فلزمه على ذلك أن تتقدَّم الحالُ على عاملها المعنويِّ، وخرَّج المثل المذكور على أنَّ "نَضِيجَةٌ" منصوبة بـ "كَانَ" مضمرة. فصل قال قتادةُ - رحمه الله -: "المرادُ بناته لصلبه"، وكان في ذلك الوقت تزويج المسلمة من الكافر جائزاً كما زوَّج النبي - صلوات الله البرّ الرحيم وسلامه عليه دائماً أبداً - ابنته من عُتْبة بن أبي لهبٍ، وزوج ابنته الأخرى من أبي العاص بن الربيع قبل الوحي، وكانا كافرين. وقال الحسنُ بن الفضل: عرض بناته عليهم بشرط الإسلام. وقال مجاهدٌ وسعيدُ بن جبير: أراد نساءهم، وأضاف إلى نفسه؛ لأنَّ كُلَّ نبيٍّ أبو أمته وفي قراءة أبي بن كعب "{أية : ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}تفسير : [الأحزاب:6] وهو أب لهم" وهذا القول أولى؛ لأنَّ إقدام الإنسان على عرض بناته على الأوباش والفُجَّار أمر مستعبدٌ لا يليقُ بأهل المروءةِ، فكيف بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -؟ وأيضاً فبناته من صلبه لا تكفي للجمع العظيم، أمَّا بناتُ أمته ففيهن كفاية للكُلِّ، وأيضاً: فلم يكن له إلاَّ بنتان، وإطلاق البنات على البنتين لا يجوز؛ لما ثبت أنَّ أقلَّ الجمع ثلاثة؛ وقال بعضهم ذكر ذلك على سبيل الدفع لا على سبيل التحقيق. فإن قيل: ظاهرُ قوله: {هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} يقتضي كون عملهم طاهراً، ومعلوم أنَّهُ فاسدٌ؛ ولأنه لا طهارة في نكاح الرَّجُل. فالجوابُ: هذا جارٍ مجرى قولنا: الله أكبرُ، والمرادُ: أنَّهُ كبيرٌ، وكقوله: {أية : أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ}تفسير : [الصافات:62] ولا خير فيها، حديث : ولمَّا قال أبو سفيان يوم أحد اعْلُ هُبَلُ اعلُ هُبَلُ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم أعلى وأجلُّ تفسير : ولا مقاربة بين الله والصنم. قوله: {وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} قرأ أبُو عمرو ونافع بإثبات ياء الإضافة في "تُخْزُونِ" على الأصل والباقون بحذفها للتخفيف ودلالة الكسر عليها. والضَّيفُ في الأصل مصدرٌ كقولك: رجالٌ صومٌ، ثم أطلق على الطَّارق لميلانه إلى المُضِيف، ولذلك يقعُ على المفردِ والمذكر وضدَّيهما بلفظٍ واحدٍ، وقد يثنى فيقال: ضيفان، ويجمع فيقال: أضياف وضُيُوف كأبيات وبُيُوت وضيفان كحوض وحِيضان. والضَّيف قائمٌ هنا مقام الأضياف، كما قام الطفل مقام الأطفال في قوله: {أية : أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ}تفسير : [النور:32]. فصل قال ابنُ عباسٍ: المرادُ: خافوا الله، ولا تفضحوني في أضيافي، يريد: أنَّهُم إذا هجمُوا على أضيافه بالمكروه لحقته الفضيحةُ. وقيل: معناه لا تخجلوني فيهم؛ لأنَّ مضيف الضَّيْفِ يلحقهُ الخجلُ من كُلِّ فعل قبيحٍ يتوجه إلى الضَّيف، يقال: خزي الرجل إذا استحيا. ثم قال: {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ} أي: صالح سديدٌ يقول الحق، ويرد هؤلاء الأوباش عن أضيافي. وقال عكرمةُ: رجل يقول: لا إله إلاَّ الله. وقال ابن إسحاق: رجل يأمُرُ بالمعروفِ، وينهى عن المنكر. {قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ} يا لوطُ {مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ}، أي: لسن أزواجاً لنا فنستحقهنّ بالنكاح. وقيل: ما لنا في بناتك من حاجةٍ، ولا شهوةٍ. وقيل: {مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} لأنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان، ونحنُ لا نجيبك إلى ذلك، فلا يكون لنا فيهن حقٌّ. قوله: "مِنْ حقٍّ" يجوز أن يكون مبتدأ، والجارُّ خبره، وأن يكون فاعلاً بالجارِّ قبله لاعتماده على نفي، و "مِنْ" مزيدةٌ على كلا القولين. قوله: "ما نُرِيدُ" يجُوزُ أن تكون "ما" مصدرية، وأن تكون موصولة بمعنى "الَّذي". والعلم عرفانٌ؛ فلذلك يتعدَّى لواحدٍ أي: لتعرف إرادتنا، أو الذي نريده. ويجوزُ أن تكون "ما" استفهامية، وهي معلقة للعلم قبلها. والمعنى: إنك لتعلم ما نريد من إتيان الرِّجال. قوله: "لَوْ أنَّ" جوابها محذوفٌ تقديره: لفعلتُ بكم وصنعتُ كقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ}تفسير : [الرعد:31] قوله: "أَوْ آوِي" يجوز أن يكون معطوفاً على المعنى، تقديره: أو أنِّي آوي، قاله أبُو البقاءِ ويجوزُ أن يكون معطوفاً على "قُوَّةً"؛ لأنه منصوبٌ في الأصل بإضمارِ أن فلمَّا حذفت "أنْ" رفع الفعلُ كقوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ}تفسير : [الروم:24]. واستضعف أبو البقاءِ هذا الوجه بعدم نصبه. وقد تقدَّم جوابه. ويدلُّ على اعتبار ذلك قراءةُ شيبة، وأبي جعفر: "أوْ آوِيَ" بالنصب كقوله: [الطويل] شعر : 3002- ولوْلاَ رجالٌ منْ رِزَامٍ أعِزَّةٍ وآلُ سُبَيْعٍ أو أسُوءكَ عَلْقَمَا تفسير : وقولها: [الوافر] شعر : 3003- للُبْسُ عَبَاءَةٍ وتقرَّ عَيْنِي أحَبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّفُوفِ تفسير : ويجوز أن يكون عطف هذه الجملةِ الفعلية على مثلها إن قدَّرت أنَّ "أنَّ" مرفوعة بفعل مقدرٍ بعد "لَوْ" عند المبرد، والتقدير: لو يستقر - أو يثبت - استقرار القوة أوْ آوي، ويكون هذان الفعلان ماضيي المعنى؛ لأنَّهما تقلب المضارع إلى المُضيِّ. وأمَّا على رأي سيبويه في كون أنَّ "أنَّ" في محلِّ الابتداء، فيكون هذا مستأنفاً. وقيل: "أوْ" بمعنى "بل" وهذا عند الكوفيين. و "بِكُمْ" متعلق بمحذوفٍ؛ لأنه حالٌ من "قُوَّة"، إذ هو في الأصلِ صفةٌ للنكرة، ولا يجوزُ أن يتعلق بـ "قُوَّةً" لأنها مصدرٌ. والرُّكْنُ بسكون الكافِ وضمها الناحية من جبلٍ وغيره، ويجمع على أركان وأرْكُن؛ قال: [الرجز] شعر : 3004- وَزَحْمُ رُكْنَيْكَ شَدِيدُ الأرْكُنِ تفسير : فصل المعنى: لو أنَّ لي قوة البدنِ، أو القوَّة بالأتباع، وتسمية موجب القوة بالقوَّة جائز قال تعالى: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ}تفسير : [الأنفال:60] والمراد السلاح. {أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ} أي: موضع حصين، وقيل: أنضم إلى عشيرةٍ مانعةٍ. فإن قيل: كيف عطف الفعل على الاسم؟. فالجوابُ قد تقدَّم. قال أبُو هريرة - رضي الله عنه -: "ما بعث الله بعده نبيّاً إلاَّ في منعة من عشيرته". حديث : وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يَرْحَمُ اللهُ لُوطاً لقد كَانَ يَأوي إلى رُكْنٍ شديدٍ ". تفسير : قال ابنُ عبَّاسٍ والمفسِّرُون - رضي الله عنهم -: أغلق لوطٌ بابه، والملائكة معه في الدَّار وهو يناظرهم ويناشدهم من وراءِ البابِ، وهم يُعَالجُونَ سور الجدار، فلما رأت الملائكةُ ما يلقى لوطٌ بسببهم: {قَالُواْ يٰلُوطُ} إنَّ ركنك شديدٌ {إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ} بسوءٍ ومكروه فإنا نحولُ بينهم وبين ذلك، فافتح الباب، ودعنا وإيَّاهم؛ ففتح الباب ودخلوا، واستأذن جبريلُ - عليه الصلاة والسلام - ربه - عزَّو جلَّ - في عقوبتهم فأذن لهُ - فقام في الصُّورة التي يكون فيها؛ فنشر جناحيه، وعليه وشاح من دُرٍّ منظوم، وهو براق الثَّنايا، أجلى الجبين، ورأسه مثل المرجان كأنَّه الثلج بياضاً، وقدماه إلى الخضرة، فضرب بجناحيه وجوههم فطمس أعينهم فأعماهم فصاروا لا يعرفون الطَّريق، فانصرفوا وهم يقولون: النَّجاة النَّجاة في بيت لوطٍ أسحرُ قوم في الأرض، سحرونا، وجَعلوا يقولون: يا لوطُ كما أنت حتى تصبح، وسترى ما تلقى منَّا غداً، فقال لوطٌ للملائكةِ: متى موعد هلاكهم؛ فقالوا: الصُّبح، قال: أريدُ أسرع من ذلك فلو أهلكتموهم الآن، فقالوا {أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}. قوله: "فَأَسْرِ" قرأ نافعٌ وابنُ كثيرٍ: (فٱسر بأهلك) هنا وفي الحجر، وفي الدخان (فٱسر بعبادي)، وقوله: (أن ٱسر) في طه والشعراء، جميع ذلك بهمزة الوصل تسقط درجاً وتثبتُ مكسورة ابتداء. والباقُون: "فأسْرِ" بهمزة القطع تَثْبتُ مفتوحةً درجاً وابتداء، والقراءتان مأخوذتان من لغتي هذا الفعل فإنَّهُ يقال: سَرَى، ومنه {أية : وَٱللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}تفسير : [الفجر:4]، وأسْرَى، ومنه: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ}تفسير : [الإسراء:1] وهل هما بمعنى واحدٍ أو بينهما فرقٌ؟ خلافٌ فقيل: هما بمعنى واحدٍ، وهو قولُ أبي عبيدٍ. وقيل: أسْرَى لأولِ الليل، وسرى لآخره، وهو قولُ اللَّيْثِ - رحمه الله - وأمَّا "سَارَ" فمختص بالنَّهار، وليس مقلُوباً من "سَرَى". فإن قيل "السُّرى" لا يكون إلاَّ بالليل، فما الفائدةُ في قوله: {بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ}؟. فالجوابُ: أنَّه لوْ لَمْ يَقُلْ "بِقِطْعٍ من اللَّيْلِ" جاز أن يكون أوَّله. قوله: "بأهْلِكَ" يجوز أن تكون الباءُ للتَّعدية، وأن تكون للحال أي: مصاحباً لهم. وقوله: "بِقِطْعٍ" حال من "أهْلِكَ" أي: مصاحبين لقطعٍ، على أنَّ المراد به الظلمة وقيل: الباء بمعنى "في". والقِطْع: نصفُ اللَّيْل؛ لأنَّهُ قطعةٌ منه مساويةٌ لباقيه؛ وأنشد: [الوافر] شعر : 3005- ونَائِحَةٍ تَنُوحُ بقطْعِ لَيْلٍ عَلَى رَجُلٍ بقَارعةِ الصَّعيدِ تفسير : وقال نافعُ بنُ الأزرق لعبد الله بن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: أخبرني عن قول الله - عزَّ وجلَّ - {بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ} قال: هو آخر الليل سحر وقال قتادةُ: بعد طائفة من اللَّيلِ. وتقدم في سورة يونس. ثم قال: {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ} في الالتفات وجهان: أحدهما: نظر الإنسان إلى ما وراءه، فيكونُ المرادُ أنه كان لهم في البلد أموال نهوا عن الالتفات إليها. والثاني: أنَّ المراد بالالتفات الانصرافُ؛ كقوله تعالى: {أية : أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا}تفسير : [يونس:78] أي: لتصرفنا والمراد نهيهم عن التَّخلُّفِ. قوله: {إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ} قرأ ابنُ كثير، وأبو عمرو برفع "امْرأتُكَ" والباقون بنصبها. وفي هذه الآية كلامٌ كثيرٌ. أمَّا قراءةُ الرَّفع ففيها وجهان: أشهرهما - عند المعربين - أنَّه على البدل من "أحد" وهو أحسنُ من النَّصب، لأنَّ الكلام غيرُ موجب. وهذا الوجهُ ردَّهُ أبو عبيد بأنه يلزمُ منه أنَّهُم نُهُوا عن الالتفاتِ إلاَّ المرأة، فإنَّها لم تُنْه عنه، وهذا لا يجُوزُ، ولوْ كان الكلامُ "ولا يَلْتَفِت" برفع "يَلْتَفتُ" يعني على أن تكون "لا" نافيةً، فيكون الكلامُ خبراً عنهم بأنَّهُم لم يلتفتُوا إلاَّ امرأته فإنَّها تلتفتُ لكان الاستثناء بالبدليَّة واضحاً، لكنَّهُ لم يقرأ برفع "يَلْتَفِتُ" أحد. واستحسن ابنُ عطية هذا الإلزامَ من أبي عبيدٍ. وقال: "إنَّه واردٌ على القول باستثناءِ المرأة من "أحد" سواءً رفعت المرأة أو نصبتها". وهذا صحيحٌ، فإنَّ أبا عبيد لم يُرد الرفع لخصوصِ كونه رفعاً، بل لفسادِ المعنى، وفسادُ المعنى دائر مع الاستثناء من "أحد"، وأبو عبيد يخرِّجُ النصب على الاستثناء من "بِأَهْلِكَ" ولكنَّهُ يلزمُ من ذلك إبطالُ قراءة الرَّفع، ولا سبيل إلى ذلك لتواتُرها. وقد انفصل المبرِّدُ عن هذا الإشكال الذي أورده أبو عبيد بأنَّ النَّهْيَ في اللفظ لـ "أحَد" وهو في المعنى للوط - عليه الصلاة والسلام -، إذ التقدير: لا تدعْ منهم أحداً يلتفتُ، كقولك لخادمك: "لا يَقُمْ أحَدٌ" النَّهْيُ لـ "أحد" وهو في المعنى للخادم، إذ المعنى: لا تدعْ أحداً يقومُ. فآل الجوابُ إلى أنَّ المعنى لا تدعْ أحداً يلتفتُ إلاَّ امرأتك فدعها تلتفتُ، هذا مقتضى الاستثناء كقولك: "لا تدَعْ أحَداً يقوم إلاَّ زيداً معناه: فدعهُ يقوم. وفيه نظرٌ، إذ المحذور الذي قد فرَّ منه أبو عبيد موجودٌ هو أو قريب منه هنا. والثاني: أنَّ الرفع على الاستثناءِ المنقطع. وقال أبو شامة: قراءةُ النَّصب أيضاً من الاستثناء المنقطع، فالقراءتان عنده على حدِّ سواء، ولنسرُدْ كلامه قال: "الذي يظهرُ أنَّ الاستثناء على كلتا القراءتين منقطع، لم يقصدْ به إخراجها من المأمور بالإسراء بهم، ولا من المنهيين عن الالتفات، ولكن استؤنف الإخبار عنها، فالمعنى: لكن امرأتكَ يجري لها كذا وكذا، ويؤيدُ هذا المعنى أنَّ مثل هذه الآية جاءت في سورة الحجرِ، وليس فيها استثناءٌ ألبتَّة، قال تعالى: {أية : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ}تفسير : [الحجر:65] الآية. فلم تقع العنايةُ في ذلك إلاَّ بذكر من أنجاهم الله تعالى، فجاء شرح حالِ امرأته في سورة [هود] تبعاً لا مقصوداً بالإخراج ممَّا تقدَّم، وإذا اتَّضح هذا المعنى عُلم أنَّ القراءتين وردتا على ما تقتضيه العربية في الاستثناء المنقطع، وفيه النصبُ والرفعُ، فالنَّصب لغةُ أهلِ الحجاز، وعليه الأكثر، والرَّفعُ لغةُ تميم، وعليه اثنان من القراء". قال أبُو حيَّان: "هذا الذي طوَّل به لا تحقيق فيه، فإنَّه إذا لم يقصد إخراجها من المأمُور بالإسراء بهم، ولا من المنهيِّين عن الالتفاتِ، وجعل اسثناءً منقطعاً، كان من المنقطع الذي لمْ يتوجَّهْ عليه العاملُ بحالٍ، وهذا النَّوعُ يجبُ فيه النَّصْبُ على كلتا اللغتين وإنَّما تكون اللغتان فيما جاز توجُّهُ العامل عليه، وفي كلا النوعين يكون ما بعد "إلاَّ" من غير الجنس المستثنى، فكونه جاز فيه اللغتان دليل على أنَّهُ يتوجَّه عليه العاملُ وهو أنه قد فرض أنه لم يقصد بالاستثناء إخراجها من المأمور بالإسراء بهم ولا من المنهيِّين عن الالتفاتِ؛ فكان يجبُ فيه إذ ذاك النَّصْبُ قولاً واحداً. قال شهابُ الدِّين: "أمَّا قوله: "إنَّه لم يتوجَّه عليه العامل" ليس بمسلَّم، بل يتوجَّهُ عليه في الجملة، والذي قاله النُّحاة ممَّا لم يتوجَّه عليه العاملُ من حيثُ المعنى نحو: ما زاد إلاَّ ما نقص، وما نفع إلاَّ ما ضرَّ، وهذا ليس من ذاك، فكيف يعترض به على أبي شامة؟". وأمَّا النصب ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّهُ مستثنى من "بأهلكَ"، واستشكلُوا عليه إشكالاً من حيث المعنى: وهو أنه يلزمُ ألاَّ يكون سرى بها، لكن الفرض أنه سرى بها يدلُّ عليه أنَّها التفتت، ولو لم تكن معهم لما حسن الإخبار عنها بالالتفات، فالالتفاتُ يدل على كونها سرت معهم قطعاً. وقد أجيب عنه بأنه لم يَسْرِ هو بها، ولكن لمَّا سرى هو وبنتاه تبعتهم فالتفتت، ويؤيِّد أنَّه استثناء من الأهل ما قرأ به عبد الله وسقط من مصحفه، "فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقطْعٍ من اللَّيْلِ إلاَّ امرأتك" ولم يذكر قوله {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ}. والثاني: أنَّهُ مستثنى منْ "أحد" وإن كان الأحسنُ الرّفع إلاَّ أنَّهُ جاء كقراءة ابن عامرٍ: {مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} [النساء:66]، بالنَّصْبِ مع تقدُّم النفي الصَّريح. وهناك تخريجٌ آخرُ لا يمكن هنا. والثالث: أنه مستثنى منقطعٌ على ما تقدَّم عن أبي شامة. وقال الزمخشري: "وفي إخراجها مع أهله روايتان، روي أنَّه أخرجها معهم، وأمر أن لا يلتفت منهم أحدٌ إلاَّ هي، فلمَّا سمعتْ هدَّة العذاب التفتت وقالت: يا قوماه، فأدركها حجرٌ فقتلها، وروي أنه أمر بأن يخلِّفها مع قومها فإنَّ هواها إليهم ولم يَسْرِ بها، واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين". قال أبُو حيَّان: "وهذا وهمٌ فاحشٌ، إذْ بَنَى القراءتين على اختلاف الروايتين من أنَّه سرى بها أو لم يسر بها وهذا تكاذبٌ في الإخبار، يستحيلُ أن تكون القراءتان - وهما من كلام الله تعالى - يترتبان على التَّكاذُبِ". قال شهابُ الدِّين: "وحاش لله أن تترتب القراءتان على التَّكاذُبِ، ولكن ما قاله الزمخشري صحيحٌ، الفرض أنَّهُ قد جاء القولان في التفسير، ولا يلزم من ذلك التَّكاذبُ؛ لأنَّ من قال إنَّه سرى بها يعني أنَّها سرتْ هي بنفسها مصاحبةً لهم في أوائل الأمر، ثمَّ أخذها العذابُ فانقطع سُراها، ومن قال إنَّه لم يسر بها، أي: لَمْ يأمرها، ولم يأخذها، وأنَّهُ لم يدُم سراها معهم بل انقطع فصحَّ أن يقال: إنَّهُ سرى بها ولم يَسْرِ بها، وقد أجاب النَّاسُ بهذا، وهو حسنٌ". وقال أبو شامة: "ووقع لي في تصحيح ما أعربه النحاةُ معنى حسنٌ، وذلك أن يكون في الكلام اختصار نبَّه عليه اختلاف القراءتين فكأنَّهُ قيل: فأسر بأهلك إلاَّ امرأتك، وكذا روى أبو عبيد وغيره أنها في مصحف عبد الله هكذا، وليس فيها: "ولا يلتفتْ منكمْ أحَدٌ" فهذا دليلٌ على استثنائها من السُّرَى بهم ثم كأنه سبحانه وتعالى قال: فإن خرجتْ معكم وتَبعتْكُم - غير أن تكون أنت سريتَ بها - فانْهَ أهلك عن الالتفات غيرها، فإنَّها ستلتفت فيصيبها ما أصاب قومها، فكانت قراءة النَّصب دالَّة على المعنى المتقدم، وقراءةُ الرَّفعِ دالَّةٌ على المعنى المتأخر، ومجموعهما دالٌّ على جملة المعنى المشروح". وهو كلامٌ حسنٌ شاهدٌ لما ذكرته. قوله: {إِنَّهُ مُصِيبُهَا} الضَّميرُ ضمير الشَّأنِ، "مُصِيبُهَا" خبرٌ مقدَّم، و "مَا أصَابَهُمْ" مبتدأ مؤخَّر وهو موصولٌ بمعنى "الذي"، والجملة خبرُ "إنَّ"؛ لأنَّ ضمير الشَّأنِ يُفسَّر بجملةٍ مصرَّحٍ بجزأيها. وأعرب أبو حيان: "مُصِيبُهَا" مبتدأ، و "مَا أصَابهُمْ" الخبر وفيه نظرٌ من حيثُ الصَّناعة: فإنَّ الموصول معرفة، فينبغي أن يكون المبتدأ: "مُصِيبُهَا" نكرةً؛ لأنه عاملٌ تقديراً فإضافتهُ غير محضةٍ، ومن حيث المعنى: إنَّ المراد الإخبار عن الذي أصابهم أنه مُصيبها من غير عكس ويجوز عند الكوفيين أن يكون "مُصِيبُهَا" مبتدأ، و "ما" الموصولةُ فاعلٌ لأنَّهم يجيزون أن يفسَّر ضميرُ الشَّأن بمفرد عاملٍ فيما بعده نحو: "إنَّهُ قائمٌ أبواك". قوله: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ} أي: موعد إهلاكهم. وقرأ عيسى بن عمر "الصُّبُح" بضمتين فقيل: لغتان، وقيل: بل هي إتباعٌ، وقد تقدَّم البحثُ في ذلك [الأنعام:96]. قوله: {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} قيل: المراد حقيقتهُ، وقيل: المرادُ بالأمر العذابُ، قال بعضهم: لا يمكن حملهُ هنا على العذاب؛ لأن قوله: {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا}، فالجعل هو العذاب فكان الأمر شرطاً، والعذاب الجزاءُ، والشرط غير الجزاء، فالأمر غير العذاب، فدلَّ على أن الأمر هو ضدُّ النهي؛ ويدل على ذلك قول الملائكة: {أية : إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ}تفسير : [هود:70] فدل على أنَّهم أمروا بالذهاب إلى قوم لوط بإيصال العذاب إليهم. فإن قيل: لو كان كذلك، لقال: "فلما جاء أمرنا، جعلوا عاليها سافلها"، لأن الفعل صدر عن المأمور. فالجواب: أن فعل العبد فعل الله تعالى، وأيضاً: فالذي وقع إنَّما وقع بأمْر الله، وبأقداره، فلا يمتنع إضافته إلى الله تعالى؛ فكما يحسُنُ إضافتهُ إلى المباشرين، يحسنُ إضافته إلى المسَبِّب. قوله: {عَالِيَهَا سَافِلَهَا} مفعولا الجعل الذي بمعنى التَّصْيير، و "سِجِّيلٍ" قيل: هو في الأصل مركَّب من "سنك وكل" وهو بالفارسيَّة حجر وطين فعُرِّب، وغُيِّرت حروفهُ، كما عرَّبُوا الدِّيباج والدِّيوان والاستبرق. وقيل: "سِجِّيل" اسمٌ للسَّماء، وهو ضعيفٌ أو غلطٌ، لوصفه بـ "مَنْضُودٍ". وقيل: من أسْجَلَ، أي: أرسل فيكون "فِعِّيلاً"، وقيل: هو من التسجيل، والمعنى: أنه ممَّا كتب الله وأسجل أن يُعذَّب به قوم لوط، وينصرُ الأول تفسيرُ ابن عبَّاسٍ أنَّهُ حجرٌ وطين كالآجر المطبوخ وعن أبي عبيدة هو الحجر الصُّلب. وقيل: "سِجِّيل" موضع الحجارةِ، وهي جبالٌ مخصوصة. قال تعالى: {أية : مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ}تفسير : [النور:43]. قال الحسن: كان أصل الحجر هو الطين فشددت. و "مَنضُودٍ" صفةٌ لـ "سِجِّيلٍ". والنَّضد: جعلُ الشَّيء بعضهُ فوق بعضٍ، ومنه {أية : وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ}تفسير : [الواقعة:29] أي: متراكب، والمراد وصفُ الحجارة بالكثرة. "مُسَوَّمَةً" نعتٌ لـ "حِجَارة"، و حينئذ يلزمُ تقدُّمُ الوصف غير الصَّريح على الصَّريح لأنَّ "مِنْ سِجِّيل" صفةٌ لـ "حِجَارة"، والأولى أن يجعل حالاً من "حِجَارة"، وسوَّغ مجيئها من النكرة تخصُّص النكرة بالوصف. والتَّسْويم: العلامةُ. قيل: عُلِّم على كُلِّ حجرٍ اسمُ من يرمي به وتقدَّم اشتقاقُه في آل عمران [14] في قوله: {أية : وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ}. تفسير : وقال الحسنُ والسديُّ: كان عليها أمثال الخواتيم. قال أبو صالحٍ: رأيتُ منها عند أم هانىء، وهي حجارة فيها خطوط حمرٌ على هيئة الجَزْع. وقال ابنُ جريجٍ: كان عليها سيماء لا تشبه حجارة الأرض. و "عِنْدَ" إمَّا منصوبٌ بـ "مُسَوَّمَةً"، وإمَّا بمحذوفٍ على أنَّها صفةٌ لـ "مُسَوَّمَةً". وقله: "ومَا هِيَ" الظَّاهرُ عودُ هذا الضمير على القرى المهلكة. وقيل: يعودُ على الحِجَارة وهي أقربُ مذكور. وقيل: يعودُ على العُقوبةِ المفهومة من السِّياقِ، ولَمْ يُؤنِّثْ "بِبَعيدٍ" إمَّا لأنَّهُ في الأصل نعتٌ لمكانٍ محذوف تقديره: وما هي بمكانٍ بعيدٍ بل هو قريبٌ، والمرادُ به السَّماء أو القُرَى المهلكة، أي: وما تلك القرى المهلكة من كفَّار مكة - ببعيدٍ؛ لأنَّ تلك القرى في الشَّام، وهي قريب من مكَّة، وإمَّا لأنَّ العقوبة والعقاب واحدٌ، وإمَّا لتأويل الحجارة بعذابٍ أو بشيءٍ بعيدٍ، والمراد بالآية كفار مكة، أي أنه تعالى يرميهم بهذه الحجارة. حديث : قال أنس بن مالك سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عن هذا فقال: "مَا مِنْ ظالمٍ إلاَّ وهو بمعرض حجرِ يسقطُ عليه من ساعةٍ إلى ساعةٍ ". تفسير : وقال قتادةُ وعكرمةُ: يعنى ظالمي هذه الأمة، والله ما أجار اللهُ منها ظالماً. روي: أنَّ الحجر اتَّبع شُذَّاذهم ومسافريهم أين كانوا في البلادِ، ودخل رجلٌ منهم الحرم، فكان الحجرُ معلقاً بين السَّماء والأرض أربعين يوماً حتى خرج؛ فأصابه فأهلكه.
البقاعي
تفسير : ولما انقضى أمر إنبائهم ببشارة الأولياء وهلاك الأعداء، وعلم من ذلك أنهم لا ينزلون إلاّ للأمور الهائلة والأحوال المعجبة، أخذ يقص أمرهم مع لوط عليه السلام، فقال عاطفاً على ما تقديره: فعلوا مع إبراهيم انفصالهم عن إبراهيم عليه السلام ما ذكر، ثم فارقوه نحو لوط، ولم يذكر الحرف المصدري لأن سياقه ومقصود السورة لا يقتضي ذلك كما نشير إليه في العنكبوت: {ولما جآءت رسلنا} على ما قارنهم من عظمتنا {لوطاً} بعد انفصالهم عن إبراهيم عليه السلام، وبين البلدين ثمانية أميال، وقيل: أربعة فراسخ، استضافوه فلم يجد بداً من قبولهم على ما أوصى الله بالضيف مطابقاً لعوائد أهل المكارم، فقبلهم وأزمع المقاتلة عنهم لما رأى من حسن أشكالهم ورونق جمالهم مع ما يعلم من قبح أفعال قومه وخبث سرائرهم، ولما جاؤوه على هذه الصفة {سيء بهم} أي حصلت له المساءة بسبب مجيئهم إلى قريته لما يعلم من لؤم أهلها، والتعبير عن هذا المعنى بالمبني للمفعول أحضر وأوقع في النفس وأرشق {وضاق بهم ذرعاً} أي ذرعه أي اتساعه في كل وقت قوة أوتيها، وهو مثل يقال لمن لم يجد من المكروه مخلصاً، ومادة ذرع - بأيّ ترتيب كان - تدور على الاتساع لأنه لا يذرع إلاّ الكثير، وذرع الرمل: اتسع، وموت ذريع: فاش، والمذرع: الذي أمه عربية وأبوه غير عربي، فهو أكثر أنتشاراً ممن انحصر في أحدهما؛ والذريعة: ما يختلي به الصيد، فهو يوسع له من الأمل ما يحمله على الإقدام، وحلقة يتعلم عليها الرمي، لأنها تسع السهم، أو لأن مصيبها واسع الأمر في صناعة الرمي، والوسيلة لأنها توصل المتوسل؛ والذعر: الخوف، لاتساع الفكر فيه وتجويز أدنى احتمال؛ والعذر: إيساع الحيلة في وجه يزيل ما ظهر من التقصير، من العذوّر - للحمار الواسع الجوف، وهو أيضاً الملك لسعته، والعذار: أوسع ما في الوجه، وأعذرت الغلام: ختنته، أي أوسعت أكرته، والإعذار - لطعام الختان ونحوه منه، وعذرة الجارية موجبة لعذرها في النفرة للخوف على نفسها، والعذرة: وجع في الحلق، وهو سقوطه حتى يغمز، كأنه شبه بعذرة البكر في سده الحلق بما يوجب الغمز، وكذا العذرة - للناصية لبذل الجهد في المدافعة عنها، والعذراء: نجم إذا طلع اشتد الحر فاتسع بساط الأرض، والعذرة - بفتح ثم كسر: فناء الدار، وبه سمي الحدث، والعذراء: شيء من حديد يعذب به الإنسان، كأنه سمي لأنه يوسع الخوف بما يجنب ما يوجب الاعتذار، فلا تزال تلك الحديدة بكراً لا يوجد من يعذب بها، وأما عذر - بالتشديد - إذا قصر فهو للسلب، أي فعل ما لا يوجد له عذر، وكذا تعذر الأمر أي صعب، يعني أنه تحنّب العذر فلم يبق لسهولته وجه، وأعذر - إذا كثرت عيوبه، أي دخل فيما يطلب له العذر كأنجد. ولما ذكر حاله، ذكر قاله بقوله: {وقال} أي لوط {هذا} أي اليوم {يوم عصيب*} أي شديد جداً لما أعلم من جهالة مَن أنا بين ظهرانيهم، وهو مشتق من العصب وهو أطناب المفاصل وروابطها، ومدراه على الشدة {وجاءه قومه} أي الذين فيهم قوة المحاولة {يهرعون} أي كأنهم يحملهم على ذلك حامل لا يستطيعون دفعه {إليه} أي في غاية الإسراع فعل الطامع الخائف فوت ما يطلبه، فهو يضطرب لذلك، أو لأجل الرعب من لوط عليه السلام أو من الملائكة عليهم السلام. ولما كان وجدانهم - فكيف عصيانهم - لم يستغرق زمن القبل، أدخل الجار فقال: {ومن قبل} أي قبل هذا المجيء {كانوا} أي جبلة وطبعاً {يعملون} أي مع الاستمرار {السيئات} أي الفواحش التي تسوء غاية المساءة فضربوا بها ومرنوا عليها حتى زال عندهم استقباحها، فهو يعرف ما يريدون، وكأنهم كانوا لا يدعون مليحاً ولا غيره من الغرباء، فلذلك لم يذكر أن الرسل عليهم السلام كانوا على هيئة المرد الحسان، ولا قيد الذكران في قصتهم في موضع من المواضع بالمرودية. فكأنه قيل: فما قال لهم؟ فقيل: {قال يا قوم} مستعطفاً لهم {هؤلاء بناتي} حادياً لهم إلى الحياء والكرم. ولما كان كأنه قيل: ما نفعل بهن؟ قال: {هن} ولما كان في مقام المدافعة باللين، قال إرخاء للعنان في تسليم طهارة ما يفعلونه على زعمهم مشيراً بلطافة إلى خبث ما يريدونه: {أطهر لكم} وليس المراد من هذا حقيقته، بل تنبيه القوم على أنهم لا يصلون إليهم إلا إن وصلوا إلى بناته لأن الخزي فيهما على حد سواء أو في الضيف أعظم، ومثل هذا أن يشفع الإنسان فيمن يضرب، فإذا عظم الأمر ألقى نفسه عليه فصورته أنه فعله ليقيه الضرب بنفسه، ومعناه احترامه باحترامه، وعلى هذا يدل قوله في الآية الأخرى {إن كنتم فاعلين} وهنا قوله: {فاتقوا الله} أي الملك الأعظم في هذا الأمر الذي تريدونه {ولا تخزون} أي توقعوا بي الفضيحة التي فيها الذل والهوان والعار {في ضيفي} إذ لا يشك ذو مسكة من أمره في أن التقوى إذا حصلت منعت من الأمرين، وأن الخزي على تقدير عدمها في البنات أعظم لأنه عار لازم للزوم البنات للأب، وكل هذا دليل على أنه لا يشك أنهم آدميون ولم يلم بخاطر أنهم ملائكة، فهو تنبيه للكفار على أنه لا ينتفع بإنزال الملائكة إلا البار الراشد التابع للحق؛ ثم أنكر أشد الإنكار حالهم في أنهم لا يكون منهم رشيد حثاً على الإقلاع عن الغي ولزوم سبيل الرشد فقال: {أليس منكم رجل} أي كامل الرجولية {رشيد*} كامل الرشد ليكفكم عن هذا القبيح، فلم يكن منهم ذلك، بل {قالوا لقد علمت} أي يا لوط مجرين الكلام على حقيقته غير معرجين على ما كني به عنه {ما لنا في بناتك} وأغرقوا في النفي فقالوا: {من حق} أي حاجة ثابتة، ولم يريدوا به ضد الباطل لأن البنات والضيف في نفي حقهم عنهم سواء، وأكدوا معلمين بما لهم من الرغبة في الفجور وقاحة وجرأة فقالوا: {وإنك لتعلم} أي علماً لا تشك فيه {ما نريد*} وهو إتيان الذكور للتطرق والتطرف، فحملوا عرضه لبناته على الحقيقة خبثاً منهم وشرعوا يبنون على ذلك بوقاحة وعدم مبالاة بالعظائم، فأخبر تعالى عن قوله لهم على طريق الاستئناف بقوله: {قال} أي متمنياً أن يكون له بهم طاقة ليروا ما يصنع من الإيقاع بهم متفجعاً على فوات ذلك {لو أن لي بكم} أي في دفعكم {قوة} بنفسي {أو} لو أني {آوي} من الأعوان والأنصار {إلى ركن شديد*} أي جماعة هم كالركن الموصوف بالشدة لحلت بينكم وبين ما جئتم له، وحذفه أبلغ لذهاب النفس فيه كل مذهب؛ والسوء: ما يظهر مكروهه لصاحبه؛ والعصيب: الشديد في الشر خاصة كأنه التف شره؛ والقوة خاصة يمكن أن يقع بها الفعل وأن لا يقع؛ والركن: معتمد البناء بعد الأساس، والركن هنا من هو مثله؛ والشدة: مجمع يصعب معه الإمكان، ووصفه الركن بالشدة وهو يتضمنها تأكيد يدل على أن قومه كانوا في غاية القوة والجلادة، وأنه كان يود معاجلتهم لو قدر. وذلك أن مادة (ركن) بكل ترتيب تدور على الرزانة، من ركن - بالضم بمعنى رزن، ويلزمهما القوة، ومنه الركن للجانب الأقوى والأمر العظيم وما يتقوى به من ملك وجند وغيره والعز والمنعة، ومن ذلك النكر بالضم للدهاء والفطنة، والنكر للمنكر والأمر الشديد وما يخرج من الزحير من دم أو قيح، ونكر الأمر: صعب وطريق ينكور: على غير قصد، والمنكر ضد المعروف لأن الشيء إذا جهل صعب أمره، وتناكر القوم: تعادوا، والتنكر: التغير من حال يسر إلى حال يكره، والمكنر - كمحدث: الضخم السمج، ويلزم الرزانة أيضاً الميل والسكون، ومنه ركن إليه - بالفتح: مال وسكن، وركن بالمنزل - بالكسر: أقام؛ والكنارة - بالكسر والتشديد: الشقة من ثياب الكتان، لأنه يمال إليه لبهجته، وكذا الكنارات للعيدان والطبول، والكران ككتاب للعود أو الصنج، أو يكون ذلك من الشدة لقوة أصواتها - والله أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً} قال: ساء ظناً بقومه وضاق ذرعاً باضيافه، وقال {هذا يوم عصيب} يقول: شديد. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: ساء ظناً بقومه يتخوفهم على أضيافه وضاق ذرعاً باضيافه مخافة عليهم. وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والطستي عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {يوم عصيب} قال: يوم شديد. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: شعر : هم ضربوا قوانس خيل حجر بجنب الردء في يوم عصيب تفسير : وقال عدي بن زيد: شعر : فكنت لو أني خصمك لم أعوّد وقد سلكوك في يوم عصيب
القشيري
تفسير : أي أنه حزن بسبب خوفه عليهم أن يَجْريَ عليهم من قومه ما لا يجوز في دِين الله؛ فذلك الحزنُ كان لحقِّ الله لا لنصيبٍ له أو حظَّ لنفسه، ولذلك حُمِدَ عليه لأنَّ مقاساةَ الحزنِ لحقِّ الله محمودةٌ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولما جاءت رسلنا لوطا سيئ بهم} [اندوهكين شد بديشان] وهو فعل مبنى للمفعول والقائم مقام الفاعل ضمير لوط من قولك ساءنى كذا اى حصل لى منه سوء وحزن وغم وبهم متعلق به اى بسببهم. والمعنى ساءه مجيئهم لا لانهم جاؤا مسافرين وهو لا يود الضيف وقراه فحاشى بيت النبوة عن ذلك بل لانهم جاؤا فى صورة غلمان حسان الوجوه فحسب انهم اناس فيخاف عليهم ان يقصدهم قومه فيعجز عن مقاومتهم ومدافعتهم. وفيه اشارة الى عروض الهمّ والحزن له لهلاك قومه بالعذاب فانظر الى التفاوت بين ابراهيم ولوط وبين قومهما حيث كان مجيئهم لابراهيم للمسرة وللوط للمساءة مع تقديم المسرة لان رحمة الله سابقة على غضبه -وروى- ان الله تعالى قال لهم لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط اربع شهادات فلما اتوا اليه قال لهم أما ابلغكم امر هذه القرية قالوا وما امرها قال اشهد بالله انها لشر قرية فى الارض عملا يقول ذلك اربع مرات فدخلوا منزله ولم يعلم بذلك احد فاذاع خبرهم امرأته الكافرة كما ستقف عليه {وضاق بهم ذرعا} [وتنك دل شد بجهت ايشان] وذرعا نصب على التمييز اى ضاق بمكانهم صدره او قلبه او وسعه وطاقته وهو كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه والاحتيال فيه يقال ضاق ذرع فلان بكذا اذا وقع فى مكروه ولا يطيق الخروج منه. وفى الاخترى ضاق به ذرعا اى طاقة وضاق بالامر اى لم يطقه ولم يقو عليه وكان مد اليه يده فلم تنله. قال الازهرى الذرع يوضع موضع الطاقة والاصل فيه البعير يذرع بيديه فى سيره ذرعا على قدر سعة خطوته فاذا حمل عليه اكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فضعف ومد عنقه وجعل ضيق الذرع عبارة عن قلة الوسع والطاقة فيقال مالى به ذرع ولا ذراع اى مالى به طاقة {وقال هذا يوم عصيب} اى شديد علىّ وهو لغة جرهم كما فى ربيع الابرار ثم قال لوط لامرأته ويحك قومى اخبزى ولا تعلمى احدا وكانت امرأته كافرة منافقة فانطلقت لطلب بعض حاجاتها فجعلت لا تدخل على احد الا اخبرته وقالت ان فى بيت لوط رجالا ما رأيت احسن وجوها منهم ولا انظف ثيابا ولا اطيب رائحة فلما علموا بذلك جاؤا الى باب لوط مسرعين
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (سيء): مبني للمفعول، صلة: سَوِئ، نُقلت حركة الواو إلى السين بعد ذهاب حركتها، ثم قلبت الولو ياء. و(ذرعاً): تمييز محول عن الفاعل، أي: ضاق ذرعه، وهو كناية عن شدة الانقباض عن مدافعة الأمر المكروه، وعجزه عن مقاومته. و(لو أن لي بكم قوة): إما للتمني فلا جواب له، أو محذوف، أي: لدفعت. وفي(أَسْرَ) لغتان: قطع الهمزة من الإسراء، ووصلها من السُّرى، وقرئ بهما معاً، و(إلا امرأتك) الرفع؛ بدل من (أحد)، وبالنصب؛ منصوب بالاستثناء من (فأسر بأهلك). ومنشأ القراءتين: هل أخرجها معه، فالتفتت أم لا؟ فمن رفع ذهب إلى أنه أخرجها. ومن نصب ذهب إلى أنه لم يسر بها، وهما روايتان. يقول الحق جلاله: {ولما جاءت رسلُنا}، وهم الملائكة المتقدمون، {لوطاً سِيءَ بهم} ساءه مجيئهم؛ لأنهم أتوه في صورة غلمان حسان الوجوه، فظن أنهم بشر، فخاف عليهم من قومه أن يقصدوهم للفاحشة، ولا يقدر على مدافعتهم، {وضاقَ بهم ذرعاً} أي: ضاق صدره بهم، {وقال هذا يومٌ عصيبٌ}: شديد من عصبه: إذا شده، ورُوي أن الله تعالى قال لهم: لا تهلكوا قومه حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما مشى معهم منطلقاً بهم إلى منزله، قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله أنها شرُّ قرية في الأرض عملاً. قال ذلك أربع مرات. فدخلوا منزله، ولم يعلم بذلك أحد، فخرجت امرأته فأخبرتهم، {وجاءه قومُه يُهرَعُون}؛ يُسرعون {إليه} كأنهم يُدفعون إليه دفعاً، لطلب الفاحشة من أضيافه. {ومن قبل} ذلك الوقت {كانوا يعملون السيئات}؛ الفواحش، كاللواطة، وغيرها، مستمرين عليها مجاهرين بها، حتى لم يستحيوا وجاؤوا يهرعون إليها. {قال يا قوم هؤلاء بناتي} تزوجوهن، وكانوا يطلبونهن قبل، فلا يجيبهم لخبثهم، وعدم كفاءتهم، لا لحرمة المسلمات على الكفار، فإنه شرع طارئ؛ قال ابن جزي: وإنما قال لهم ذلك؛ ليقي أضيافه ببناته. قيل: إن اسم بناته، الواحدة: ريثا، والأخرى: غوثاً. هـ. ولم يذكر الثالثة، فعرضهن عليهم، وقال: {هنَّ أطهرُ لكم}؛ أحل لكم، أو أقل فحشاً، كقولك: الميتة أطيب من المغضوب، {فاتقوا الله} بترك الفواحش، {ولا تُحزون}؛ لا تفضحوني {في ضيفي}؛ في شأنهم، فإن افتضاح ضيف الرجل خزي له. {أليس منكم رجلٌ رشيدٌ}؛ عاقل يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح. {قالوا لقدْ علمتَ ما لنا من بناتك من حقٍّ}؛ من حاجة، {وإنك لتعلم ما نُريد} وهو إتيان الذكران، {قال لو أن لي}؛ ليت لي {بكم قوةً} طاقة على دفعكم بنفسي، {أو آوي إلى ركن شديد}؛ أو ألجأ إلى أصحاب أو عشيرةٍ يحمونَني منكم، شبه ما يتمتع بهم بركن الجبل في شدته، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : رَحِمَ اللَّهُ أَخي لُوطاً لقد كَانَ يأوي إِلى رُكنٍ شَديدٍ"تفسير : يعني: الله تعالى. رُوي أنه أغلق بابه دون أضيافه، وأخذ يجادلهم من وراء الباب، فتسوروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب، {قالوا يا لوطُ إنا رُسلُ ربك لن يصلُوا إليك}: لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارنا، فهون عليك ودَعْنا وإياهم. فخلاهم، فلما دخلوا ضرب. جبريل عليه السلام بجناحيه وجوههم، فطمس أعينهم، وأعمالهم، فخرجوا يقولون: النجاء؛ النجاء في بيت لوط سحرة، فقالت الملائكة للوط عليه السلام: {فأسرٍ بأهلك}؛ سِر بهم {بقطع من الليل}: بطائفة منه، {ولا يلتفت منكم أحدٌ}: لا يتخلف، أو لا ينظر إلى ورائة؛ لئلا يرى ما يهوله. والنهي في المعنى يتوجه إلى لوط، وإن كان في اللفظ مسنداً إلى أحد. {إلا امرأتك}، اسمها: واهلة، أي: فلا تسر بها، أو: ولا ينظر أحد منكم إلى ورائه إلا امرأتك؛ فإنها تنظر. رُوي أنها خرجت معه، فلما سمعت صوات العذاب التفتت وقالت: يا قوماه؛ فأدركها حجر فقتلها، ولذلك قال: {أنه مُصيبُها ما أصابهم} من العذاب، {إن موعدَهُم} وقت {الصُّبحُ} في نزول العذاب بهم، فاستبطأ لوط وقتَ الصبح، وقال: هلا عُذبوا الأن؟ فقالوا: {أليس الصبح بقريب}. {فلما جاء أمرنا}؛ عذابنا، أو أمرنا به، {جعلنا} مدائنهم {عاليَها سافلَها}، رُوي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت مدائنهم، ورفعها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب، وصياح الديكة، ثم قلبها بهم. {وأمطرنا عليهم}؛ على المدائن، أي: أهلها، أو على ما حولها. رُوي أنه من كان منهم خارجَ المدائن أصابته الحجارة من السماء، وأما من كان في المدائن، فهلك لمّا قلبت. فأرسلنا عليهم: {حجارة من سجيل}: من طين طبخ بالنار، أو من طين متحجر كقوله: {أية : حِجَارَةً مِّن طِينٍ}تفسير : [الذاريات: 33]، وأصلها: سنكِين، ثم عرب، وقيل: إنه من أسجله إذا أرسله، أي: من مثل الشيء المرسل، وقيل: أصله من سجين، أي جهنم، ثم أبدلت نونه لاماً، {منضود}: مضموم بعضه فوق بعض، معداً لعذابهم، أو متتابع يتبع بعضه بعضاً في الإرسال، كقطر الأمطار. {مُسَوّمةً} أي: معلمة للعذاب، وقيل: معلمة ببياض وحمرة، أو بسيما تتميز به عن حجارة الأرض، أو باسم من يرمي به؛ فكل حجارة كان فيها اسم من ترمى به، وقوله: {عند ربك}، أي: في خزائن علمه وقدرته، {وما هي من الظالمين ببعيد} بل هي قريبة من كل ظالم. قال ابن جزي: الضمير للحجارة، والمراد بالظالمين: كفار قريش، فهذا تهديد لهم، أي: ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم؛ لأجل كفرهم، وقيل: الضمير للمدائن، أي: ليس مدائنهم ببعيد منهم؛ أفلا يعتبرون بها. كقوله: {أية : وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِيۤ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ}تفسير : [الفرقان: 40]. وقيل: الظالمين على العموم. هـ. وقال البيضاوي: وعنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "أَنَّهُ سَأَلَ جِبريل، فَقَال: حديث : يَعني: ظَالِمي أُمتِكَ، مَا مِنْ ظَالمٍ منهم؛ إِلاَّ هوَ معرض لحَجَرٍ يَسقُط عليه مَنْ سَاعَةٍ إلى ساعة "تفسير : . هـ. الإشارة: الاعتناء بشأن الأضياف، وحفظ حرمتهم: من شأن الكرام، والاستخفاف بحقهم، والتجاسر عليهم، من فعل اللئام. وفي الحديث: "حديث : مَن كَانَ يُؤمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخر فَليُكرمْ ضَيفَهُ"تفسير : . والإسراع إلى الفواحش من علامة الهلاك، لا سيما اللواطَ والسفاح. والإيواء إلى الله والاعتصام به من علامة الفلاح، والبعد عن ساحة أهل الفساد من شيم أهل الصلاح، وكل من اشتغل بالظلم والفساد فالرمي بالحجارة إليه بالمرصاد. ثم ذكر قصة شعيب، فقالِ: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً}.
الطوسي
تفسير : في هذه الآية إخبار من الله تعالى أنه لما جاءت رسله لوطاً سيء بهم، معناه ساءه مجيؤهم، وأصله سوىء بهم فنقلت حركة الواو الى السين، وقلبت همزة، والضمير في "بهم" عائد الى الرسل، ويجوز تخفيف الهمزة بإلقاء الحركة على ما قبلها، ومنهم من يشدد على الشذوذ. وقوله {وضاق بهم ذرعاً} قال ابن عباس ساء بقومه {وضاق بهم ذرعاً} أي باضيافه، وانه لما رأى لهم من جمال الصورة، وقد دعوه إلى الضيافة، وقومه كانوا يسارعون الى امثالهم بالفاحشه، فضاق بهم ذرعاً، لهذه العلة. والمعنى انه ضاق بهم ذرعه: ضاق بأمره ذرعاً اذ لم يجد من المكروه مخلصاً. وقوله {ضاق} بحفظهم من قومه ذرعه. حيث لم يجد سبيلاً الى حفظم من فجّار قومه. والفرق بين السوء والقبيح ان السوء ما يظهر مكروهه لصاحبه، والقبيح ما ليس للقادر عليه ان يفعله. وقوله {وقال هذا يوم عصيب} حكاية ما قاله لوط في ذلك الوقت بأن هذا يوم شديد الشر، لان العصيب الشديد في الشر خاصة، كأنه التف على الناس بالشر او يكون التف شره بعضه على بعض يقال يوم عصيب، قال عدي بن زيد: شعر : وكنت لزاز قومك لم اعرد وقد سلكوك في يوم عصيب تفسير : وقال الراجز: شعر : يوم عصيب يعصب الأبطالا عصب القوي السلم الطوالا تفسير : وقال آخر: شعر : فانك إن لا ترض بكر بن وائل يكن لك يوم بالعراق عصيب تفسير : وقال كعب بن جعيل: شعر : ويلبون بالحضيض قيام عارفات منه بيوم عصيب
الجنابذي
تفسير : {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ} لانّهم اتوه بصور غلمانٍ فخاف تفضيحهم لعلمه بسيرة قومه {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} كناية عن العجز عن الحيل فى دفع الشّدّة كأنّه لا يمكنه مدّ اليد الى شيءٍ فى دفعها {وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} شديد بليّته لعدم حياء قومى وعدم قدرتى على دفعهم وكمال اهتمامى فى محافظة اضيافى.
اطفيش
تفسير : {ولما جَاءتَ رُسُلنا} الإضافة للعهد الذكرى، فهم الملائكة الذين جاءوا إبراهيم {لُوطاً سئ بِهِم} نائب سئ ضمير لوط وبهم فضله، لأن ساء متعدٍ أى أضر الله لوطا إذ قدر عليه الخوف، أو الأصل ساءه مجيئهم، ولما حذف الفاعل ونائب عنه المفعول جئ بضميرهم مجرور بالباء. وذلك أنهم جاءوا فى صورة غلمان مرد حسان الوجوه طيبى الرائحة، فظنهم ناسا فخاف أن يقصدهم قومه بالفاحشة فيعجز عن مدافعتهم، قرأ نافع، وابن عامر، والكسائى سئ بهم وسيئت بإشمام السين الضم هنا، وفى العنكبوت، والملك، والباقون بإخلاص الكسر. {وضَاقَ بِهِم ذَرْعاً} تمييز محول عن الفاعل، أى ضاق بهم ذرعه والذرع الذراع، ومخرج الرأس والعتق من القميص، كنى بضيق يده عن عجزه عن دفع قومه والاحتيال فيه، لأن موضع قوة الإنسان فى ذراعه حتى توسعوا فيه فقالوا فى عدم الطاقة: فلان ضيق الذراع، وفيها فلان رحب الذراع، ولأن البعير يذرع بيديه فى سيره ذرعا على قدر سعة خطوه، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك، فلذا قيل الذرع مصدر مأخوذ من الذراع، أو الذرع من القميص يكون على الصدر أو قريبا منه وكنى بضيقه عن ضيق صدره، أو سمى الصدر باسمه، وظاهر كلام بعض أن الذرع يطق لغة على الصدر حقيقة لا مجازا، ويأتى كلام فى ذلك إن شاء الله، ومر كلام فى القصة، ويأتى آخر إن شاء الله. {وقالَ هَذا يومٌ عَصِيبٌ} شديد، من قولك: عصب رأسه أى شده، كأن الشر قد ألصق وشد به، كما قال امرؤ القيس: شعر : فيالك من ليل كأن نجومه بكل مغار القتل شدت بيذبل
اطفيش
تفسير : {وَلَمَّا جَاءَتْ} لإِهلاك قوم لوط {رُسُلُنَا} أَى الملائِكة الذين بشروا إِبراهيم عليه السلام بالولد وخاطبوا زوجه المسلمة رضى الله عنها، وقيل خاطبوا بنتا له وجدوها تستقى من عين سدوم، فسأَلوها من يضيفهم فخافت عليهم لجمالهم. فقالت: مكانكم فأَخبرته فجاءَهم. {لُوطاً} قيل أَتوه نصف النهار وهو يعمل فى أَرض له، وقيل يحتطب وقيل عشاءً وبين قرية إِبراهيم التى جاءُوا منها وقرية لوط ثمانية أَميال وقيل أَربعة فراسخ، كما روى عن ابن عباس {سِىءَ} من ساءَ المتعدى ففيه ضمير لوط نائِب الفاعل أَى ضر وأَحزن أَى ساءَه الله {بِهِمْ} كما يدل له الإِضمار للوط فى قوله {وَضَاقَ} فلا داعى إِلى جعله من اللازم وجعل بهم نائِبا وهاءُ لهم للملائِكة الرسل ووجه سوئِه بهم أَنهم فى صورة غلمان مرد لهم جمال لم ير مثله، وخاف أَن يفحش بهم قومه ويعجز عن دفعهم كما قال وضاق {بِهِمْ ذَرْعاً} تمييز محول عن الفاعل، أَى ضاق بهم ذرعه أَى ضاق وأَصله من ذرع البعير بيديه على قدر خطوه وطاقته مأْخوذ من الذراع فاستعمل بمعنى الطاقة، فقيل ضاق ذرعه كما إِذا حمل عليه أَكثر من طاقته قصرت خطاه ومد عنقه، والأَصل أَن الذراع الطويل ينال مالا ينال القصير، فضرب ذلك مثلا فى القدرة والعجز، وتفسيره بالقلب مجازا وضيقه كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه. {وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} معصوب عليه بالسوءِ أَى شد عليه السوءُ فهو من الحذف والإِيصال أَو معصوب بالسوءِ والإِسناد إِلى اليوم مجاز، والمراد شدة ما فيه من النوائِب لقوة قومه وشدة خبثهم مع انتهاءِ هؤلاءِ الأَضياف إلى غاية من الجمال، ولمزيد الضر ذكر بهم مرتين وزاد هذا يوم عصيب.
الالوسي
تفسير : {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً} عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: انطلقوا من عند إبراهيم عليه السلام وبين القريتين أربعة فراسخ ودخلوا عليه في صورة غلمان مرد حسان الوجوه فلذلك {سِيۤءَ بِهِمْ} أي أحدث له عليه السلام مجيئهم المساءة لظنه أنهم أناس فخاف أن يقصدهم قومه ويعجز عن مدافعتهم، وقيل: كان بين القريتين ثمانية أميال فأتوها عشاءاً، وقيل نصف النهار ووجدوا لوطاً في حرث له. وقيل: وجدوا بنتاً له تستقي ماءاً من نهر سدوم وهي أكبر محل للقوم فسألوها الدلالة على من يضيفهم ورأت هيأتهم فخافت عليهم من قوم أبيها فقالت لهم: مكانكم وذهبت إلى أبيها فأخبرته فخرج إليهم فقالوا: / إنا نريد أن تضيفنا الليلة، فقال: أو ما سمعتم بعمل هؤلاء القوم؟ فقالوا: وما عملهم؟ فقال: أشهد بالله تعالى أنهم شر قوم في الأرض، وقد كان الله تعالى قال للملائكة لا تعذبوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما قال هذه قال جبريل عليه السلام: هذه واحدة وتكرر القول منهم حتى كرر لوط الشهادة فتمت الأربع ثم دخل المدينة فدخلوا معه منزله. {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} أي طاقة وجهداً، وهو في الأصل مصدر ذرع البعير بيديه يذرع في مسيره إذا سار ماداً خطوه مأخوذ من الذراع وهي العضو المعروف، ثم توسع فيه فوضع موضع الطاقة والجهد، وذلك أن اليد كما تجعل مجازاً عن القوة فالذراع المعروفة كذلك، وفي «الصحاح» ((يقال: ضقت بالأمر ذرعاً إذا لم تطقه ولم تقو عليه، وأصل الذرع بسط اليد فكأنك تريد مددت يدي إليه فلم تنله، وربما قالوا: ضقت به ذراعاً، قال حميد بن ثور يصف ذئباً: شعر : وإن بات وحشاً ليلة لم يضق بها (ذراعاً) ولم يصبح لها وهو خاشع )) تفسير : وفي «الكشاف» ((جعلت العرب ضيق الذراع والذرع عبارة عن فقد الطاقة كما قالوا: رحب الذراع بكذا إذا كان مطيقاً له، والأصل فيه أن الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا يناله القصير الذراع فضرب ذلك مثلاً في العجز والقدرة، ونصبه على أنه تمييز محول عن الفاعل أي ضاق بأمرهم وحالهم ذرعه، وجوز أن يكون الذرع كناية عن الصدر والقلب، وضيقه كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه والاحتيال فيه، وهو على ما قيل: كناية متفرعة على كناية أخرى مشهورة؛ وقيل: إنه مجاز لأن الحقيقة غير مرادة هنا؛ وأبعد بعضهم في تخريج هذا الكلام فخرجه على أن المراد أن بدنه ضاق قدر عن احتمال ما وقع. {وَقَالَ هَـٰذَا} اليوم {يَوْمٌ عَصِيبٌ} أي شديد، وأصله من العصب بمعنى الشد كأنه لشدة شره عصب بعضه ببعض، وقال أبو عبيدة: سمي بذلك لأنه يعصب الناس بالشر، قال الراجز: شعر : يوم عصيب يعصب الأبطالا عصْب القوي السَّلَم الطوالا تفسير : وفي معناه العصبصب والعصوصب.
ابن عاشور
تفسير : قد علم أن الملائكة ذاهبون إلى قوم لوط من قوله: {أية : إنّا أُرسلنا إلى قوم لوط}تفسير : [هود: 70]. فالتقدير: ففارقوا إبراهيم وذهبوا إلى لوط ـ عليهما السّلام ـ فلما جاءوا لوطاً، فحذف ما دل عليه المقام إيجازاً قرآنياً بديعاً. وقد جاءوا لوطاً كما جاءوا إبراهيم ـ عليهما السّلام ـ في صورة البشر، فظنهم ناساً وخشي أن يعتدي عليهم قومه بعادتهم الشنيعة، فلذلك سيء بهم. ومعنى {ضاق بهم ذرعاً} ضاق ذرعه بسببهم، أي بسبب مجيئهم فحوّل الإسناد إلى المضاف إليه وجعل المسند إليه تمييزاً لأن إسناد الضيق إلى صاحب الذرع أنسب بالمعنى المجازي، وهو أشبه بتجريد الاستعارة التمثيلية. والذرع: مدُّ الذراع فإذا أسند إلى الآدمِيّ فهو تقدير المسافة. وإذا أسند إلى البعير فهو مَدّ ذراعيه في السير على قدر سعة خطوتِه، فيجوز أن يكون: ضاق ذرعاً تمثيلاً بحال الإنسان الذي يريد مَدّ ذراعه فلا يستطيع مَدّهَا كما يريد فيكون ذَرعه أضيق من معتاده. ويجوز أن يكون تمثيلاً بحال البعير المثقل بالحمل أكثر من طاقته فلا يستطيع مَدّ ذراعيه كما اعتاده. وأيّاً ما كان فهو استعارة تمثيلية لحال مَنْ لم يجد حيلة في أمر يريدُ علمه؟ بحال الذي لم يستطع مدّ ذراعه كما يشاء. وقوله: {هذا يوم عصيب} قاله في نفسه كما يناجي المرء نفسه إذا اشتد عليه أمر. والعصيب: الشديد فيما لا يرضي. يقال: يوم عصيب إذا حدث فيه أمر عظيم من أحوال الناس أو أحوال الجوّ كشدة البرد وشدة الحرّ. وهو بزنة فعيل بمعنى فاعل ولا يُعرف له فعل مجرد وإنما يقال: اعْصوصب الشرُّ؛ اشتدّ. قالوا: هو مشتق من قولك: عصبتُ الشيء إذا شددته. وأصل هذه المادة يفيد الشدّ والضغط، يقال: عصب الشيء إذا لَواه، ومنه العِصابة. ويقال: عصبتْهم السنون إذا أجَاعتهم. ولم أقف على فعل مجرّد لوصف اليوم بعصيب. وأراد: أنه سيكون عصيباً لِمَا يَعلم من عادة قومه السيئة وهو مقتض أنهم جاءوه نهاراً. ومن بديع ترتيب هذه الجمل أنها جاءت على ترتيب حصولها في الوجود، فإن أول ما يسبق إلى نفس الكاره للأمر أن يُساء به ويتطلب المخلص منه، فإذا عَلم أنه لا مخلص منه ضاق به ذرعاً، ثم يصدر تعبيراً عن المعاني وترتيباً عنه كلاماً يُريح به نفسه. وتصلح هذه الآية لأن تكون مثالاً لإنشاء المنشىء إنشاءه على حسب ترتيب الحصول في نفس الأمر، هذا أصل الإنشاء ما لم تكن في الكلام دواعي التقديم والتأخير ودواعي الحذف والزيادة.
الشنقيطي
تفسير : ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن لوطاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما جاءته رسل ربه من الملائكة حصلت له بسبب مجيئهم مساءة عظيمة ضاق صدره بها، وأشار في مواضع متعددة إلى أن سبب مساءته وكونه ضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب أنه ظن أنهم ضيوف من بني آدم كما ظنه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. وظن أن قومه ينتهكون حرمة ضيوفه فيفعلون بهم فاحشة اللواط، لأنهم إن علموا بقدوم ضيف فرحوا واستبشروا به ليفعلوا به الفاحشة المذكورة – من ذلك قوله هنا {أية : وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ قَالَ يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ}تفسير : [هود: 78 – 79]. وقوله في الحجر: {أية : وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ قَالَ هَؤُلآءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}تفسير : [الحجر: 67 – 72]. وقوله {يُهْرَعُونَ} أي يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك، ومنه قول مهلهل: شعر : فجاؤوا يهرعون وهم أسارى تقودهم على رغم الأنوف تفسير : وقوله: {وَلاَ تُخْزُونِ} أي لا تهينون ولا تذلون بانتهاك حرمة ضيفي. والاسم منه: الخزي – بكسر الخاء وإسكان الزاي-. ومنه قول حسان في عتبة بن أبي وقاص: شعر : فأخزاك ربي يا عتيب بن مالك ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق تفسير : وقال بعض العلماء: قوله {وَلاَ تُخْزُونِ} من الخزاية، وهي الخجل والاستحياء من الفضيحة. أي لا تفعلوا بضيفي ما يكون سبباً في خجلي واستحيائي، ومنه قول ذي الرمة يصف ثوراً وحشياً تطارده الكلاب في جانب حبل من الرمل. شعر : حتى إذا دومت في الأرض راجعة كرّ ولو شاء نجى نفسه الهرب خزاية أدركته بعد جولته من جانب الحبل مخلوطاً بها الغضب تفسير : يعني أن هذا الثور لو شاء نجا من الكلاب بالهرب، ولكنه استحيا وأنف من الهرب فكر راجعاً إليها. ومنه قوله الآخر: شعر : أجاعلة أم الثوير خزاية على فراري أن لقيت بني عبس تفسير : والفعل منه: خزي يخزى، كرضى يرضى. ومنه قول الشاعر: شعر : من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت بها مرطها أو زايل الحلي جيدها تفسير : وقول الآخر: شعر : وإنِّي لا أخزى إذا قيل مملق سخى وأخزى أن يقال بخيل تفسير : وقوله {أية : لَعَمْرُكَ}تفسير : [الحجر: 72] معناه أقسم بحياتك. والله جل وعلا له أن يقسم بما شاء من خلقه، ولم يقسم في القرآن بحياة أحد إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وفي ذلك من التشريف له صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى. ولا يجوز لمخلوق أن يحلف بغير الله، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت ". تفسير : وقوله {لَعَمْرُكَ} مبتدأ خبره محذوف، أي لعمرك قسمى وسمع عن العرب تقديم الراء على اللام في لعمرك فتقول فيها: رعملك، ومنه قول الشاعر: شعر : رعملك إن الطائر الواقع الذي تعرض لي من طائر لصدوق تفسير : وقوله {أية : لَفِي سَكْرَتِهِمْ} تفسير : [الحجر: 72] أي عماهم وجهلهم وضلالهم. والعمه: عمى القلب، فمعنى {أية : يَعْمَهُونَ}تفسير : [الحجر: 72] يترددون متحيرين لا يعرفون حقاً من باطل، ولا نافعاً من ضار، ولا حسناً من قبيح. واختلف العلماء في المراد بقول لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {أية : هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي} تفسير : [هود: 78] في الموضعين على أقوال: أحدها - أنه أراد المدافعة عن ضيفه فقط، ولم يرد إمضاء ما قال، وبهذا قال عكرمة وأبو عبيدة. الثاني - أن المراد بناته لصلبه، وأن المعنى: دعوا فاحشة اللواط وأزوجكم بناتي. وعلى هذا فتزويج الكافر المسلمة كان جائزاً في شرعه، كما كانت بنات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم تحت الكفار في أول الإسلام كما هو معروف. وقد أرسلت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عقدها الذي زفتها به أمها خديجة بنت خويلد رضي الله عنها إلى زوجها أبي العاص بن الربيع، أرسلته إليه في فداء زوجها أبي العاص المذكور لما أسره المسلمون كافراً يوم بدر، والقصة مشهورة، وعقدها الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في مغازية بقوله في غزوة بدر: شعر : وابن الربيع صهر هادي الملة إذ في فداه زينب أرسلت بعقدها الذي به أهدتها له خديجة وزففتها سرحه بعقدها وعهدا إليه أن يردها له غدا الخ تفسير : القول الثالث - أن المراد بالبنات: جميع نساء قومه، لأن نبي القوم أب ديني لهم، كما يدل له قوله تعالى في نبينا صلى الله عليه وسلم: {أية : ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} تفسير : [الأحزاب: 6] وفي قراءة أبي بن كعب: "وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم" وروي نحوها عن ابن عباس. وبهذا القول قال كثير من العلماء. وهذا القول تقربه قرينة وتبعده أخرى. أما القرينة التي تقربه فهي: أن بنات لوط لا تسع جميع رجال قومه كما هو ظاهر، فإذا زوجهن لرجال بقدر عددهم بقي عامة رجال قومه لا أزواج لهم. فيتعين أن المراد عموم نساء قومه، ويدل للعموم قوله: {أية : أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ}تفسير : [الشعراء: 165- 166] وقوله: {أية : لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ}تفسير : [الأعراف: 81] ونحو ذلك من الآيات. وأما القرينة التي تبعده: فهي أن النَّبي ليس أباً للكافرات، بل أبوة الأنبياء الدينية للمؤمنين دون الكافرين، كما يدل عليه قوله: {أية : ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الأحزاب: 6] الآية. وقد صرح تعالى في الذاريات: بأن قوم لوط ليس فيهم مسلم إلا أهل بيت واحد وهو أهل بيت لوط، وذلك في قوله {أية : فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [الذاريات: 36].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 77- ولما جاءت الملائكة - رُسلنا - إلى لوط فى صورة شُبانٍ حِسَان، تألم واستاء، وأحس بضعفه عن حمايتهم، وضيقه بهم، لخوفه عليهم من فساد قومه، وقال: هذا يوم شديد المكاره والآلام. 78- وعلم قومه بهم، فجاءوا مسرعين إليه، ومن قبل ذلك كانوا يرتكبون الفواحش، ويقترفون السيئات، قال لهم لوط: يا قوم هؤلاء بناتى، تزوّجوا بهن، فذلك أطهر لكم من ارتكاب الفواحش مع الذكور، فخافوا الله وصونوا أنفسكم من عقابه، ولا تفضحونى وتهينونى بالاعتداء على ضيفى، أليس فيكم رجل سديد الرأى، رشيد العقل، يردكم عن الغىِّ ويكفكم عن السوء؟. 79- قالوا: لقد علمتَ يا لوط إنه ليس لنا فى بناتك أَىُّ حق فى نكاحهن أو رغبة فيهن، وإنك دون شك تعلم ما نريد من مجيئنا وإسراعنا إليك. 80- قال لوط: لو أن لى قوة أو ركناً قوياً اعتمدت عليه، لكان موقفى منكم غير هذا، ولدفعتكم عن ضيفى ومنعتكم من السيئات. 81- قالت الملائكة، وقد ظهرت على حقيقتها: يا لوط، لا تخف ولا تحزن إنا رسل ربك، لا بَشر كما بدا لك ولقومك، ولن يصل هؤلاء إليك بِشَرٍ يسوءك أو ضر يصيبك، فسر أنت وأهلك فى بعض أوقات الليل، إذا دخل جزء كبير منه، واخْرج بهم من هذه القرية، ولا يلتفت أحد منكم خلفه، لكيلا يرى هول العذاب فيصاب بشر منه، لكن امرأتك التى خانتك فلا تكن من الخارجين معك، إنه لا بد مصيبها ما قُدّر أن يصيب هؤلاء.. إن موعد هلاكهم الصبح، وهو موعد قريب، فلا تخف.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: سيء بهم: أي حصل له غم وهم بمجيئهم إليه. وضاق بهم ذرعا: أي عجزت طاقته عن تحمل الأمر. يوم عصيب: أي شديد لا يحتمل. يهرعون إليه: أي مدفوعين بدافع الشهوة يمشون مسرعين في غير اتزان. السيئات: أي كبائر الذنوب بإِتيان الذكور. ولا تخزون في ضيفي: أي لا تذلوني ولا تهينوني بالتعرض لضيفي. رجل رشيد: أي ذو رشد وعقل ومعرفة بالأمور وعواقبها. أو آوي إلى ركن شديد: أي إلى عشيرة قوية تمنعني منكم. ولم تكن له عشيرة لأنه من غير ديارهم. معنى الآيات: هذه فاتحة حديث لوط عليه السلام مع الملائكة ثم مع قومه قال تعالى {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا} وهم ضيف إبراهيم عليه السلام {لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ} أي تضايق وحصل له هم وغم خوفا عليهم من مجرمي قومه. وقال هذا يوم عصيب أي شديد لما قد يحدث فيه من تعرض ضيفه للمذلة والمهانة وهو بينهم هذا ما دلت عليه الآية الأولى [77] أما الثانية [78] فقد أخبر تعالى عن مجيء قوم لوط إليه وهو في ذلك اليوم الصعب والساعة الحرجة فقال عز وجل {وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} أي مدفوعين بدافع الشهوة البهيمية مسرعين ومن قبل كانوا يعملون السيئات أي من قبل مجيئهم كانوا يأتون الرجال في أدبارهم فأراد أن يصرفهم عن الضيف فقال {يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} أي هؤلاء نساء الأمة هن أطهر لكم فتزوجوهن. واتقوا الله أي خافوا نقمته ولا تخزوني في ضيفي أي لا تهينوني ولا تذلوني فيهم. أليس منك رجل رشيد؟ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ فأجابوه لعنهم الله قائلين: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق أي من رغبة وحاجة، وإنك لتعلم ما نريد أي من إتيان الفاحشة في الرجال. وهنا قال لوط عليه السلام: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} أي أنصاراً ينصرونني وأعواناً يعينوني لحلت بينكم وبين ما تشتهون، أو آوي إلى ركن شديد يريد عشيرة قوية يحتمي بها فتحميه وضيفه من قومه المجرمين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فضيلة إكرام الضيف وحمايته من كل ما يسوءه. 2- فظاعة العادات السيئة وما تحدثه من تغير في الإِنسان. 3- بذل ما يمكن لدفع الشر لوقاية لوط ضيفه ببناته. 4- أسوأ الحياة أن لا يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. 5- إظهار الرغبة في القوة لدفع الشر وإبعاد المكروه ممدوح.
القطان
تفسير : سيء بهم: ساءه مجيئهم. وضاق بهم ذعا: تحير ولم يطق هذه المصيبة. الذرع: منتهى الطاقة، يقال: ضاق الامر ذرعا: اذا صعب عليه احتالُه. عصيب: شديد. يُهرَعون اليه: يسرعون. لا تخزوني: لا تخجلوني. رشيد: عاقل. الى ركن شديد: الى من ينصرني من اصحاب النفوذ. {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ}. كان لوط ابنَ أخِ ابراهيم. آمن بنبوّة عمّه وتَبِعه في رحلاته. فكان معه بِمِصْرَ وأغدق عليه ملكُ مصرَ كما اغدق على ابراهيم. فكثُر ملاه ومواشيه. ثم إنه افترقَ عن ابارهيم لأن المكانَ الذي سكنه عمّه لمي عد يتسع لمواشيهما، ونزل سدوم في جنوب فلسطين، وهو المكان الذي فيه البحر الميت الآن. وقد ذكر لوط في القرآن الكريم سبعا وعشرين مرة في اربع عشرة سورة هي: الانعام، الاعراف، هود، الحجر،الانبياء، الحج، الشعراء، النمل، العنكبوت، الصافات، ص، ق، القمر، التحريم. وكان أهلُ سَدوم، قوم لوط، ذوي أخلاق دنيئة لا يستحون من منكر، ولا يتعفّفون عن معصية، بل يأتونها علناً على رؤس الاشهاد، كما قال تعالى: {أية : وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} تفسير : [العنكبوت: 29]. وقد ذكرت قصة لوط بتمامها في عدة سُوَر، وخلاصتها ان قوم لوطٍ كانوا من الشرّ بمكان.. كانوا يقطعون الطريقَ على السابلة، قد ذهب الحياء من وجوههم فلا يستقبحون قبيحا، ولا يَرْغَبون في حَسَن. وكانوا قد ابتدعوا من المنكَرات مالم يسبقهم اليه أحَد، ومن ذلك أنهم يأتون الذكورَ من دون النساء، ولا يرون في ذلك سوءا. وقد وعظَهم لوط ونصحهم ونهاهم وخوَّفهم بأسَ الله فلم يأبهوا له ولم يرتدعوا. فلما ألحّ عليهم بالعِظات والإنذار هدّدوه: تارةً بالرجم، وتارةً بالإخراج، لأنه غريب، الى أن جاءَ الملائكةُ الذين مرّ ذِكرهم. وقد جاءوا الى لوط بهيئةِ غِلمان مُرْدٍ حسانِ الوجوه، فلّما جاءوا على هذه الهيئة تألَم واستاء، واحسّ بضعفٍ عن احتمالِ ضيافتهم وحمايتهم من فساد قومه، وقال: هذا يومٌ شديد، شرُّه عظيم. {وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ}. ولما علم قومُ لوط جاءوا مسرعين اليه، وكانوا معتادين على ارتكاب الفواحش والفُسوق وعملِ السيئات. {قَالَ يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ}. وحاول لوط ردَّهم فقال: يا قوم، هؤلاء بناتي، تزوجوا بهن، ذلك أظهرُ لكم من ارتكاب الفواحش مع الذكور.. اخشوا الله واحذَروا عقابه، و تفضحوني بالاعتداء على ضيوفي، اليس فيكم رجلٌ عاقل سديدُ الرأي يردّكم عن الغيّ والضلال!! {قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ}. فأجابه قومُه بقولهم: أنت تعلم أننا لا نريد النساء كما تعلمُ ما هي رغبتُنا. وأَجمَعُوا أمرَهم على فعلِ ما يريدون من العملِ الخبيث. عند ذلك تحيرّ لوط، وأَحسّ بضعفه، وهو غريبٌ بينهم، لا عشيرةَ له تحميه، فقال بحزن: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ}. آه لو كان لي قوة تدفعكم عن بيتي هذا، او ركن شديد أعتمدُ عليه في حماية ضيوفي، ومنعكم من ارتكاب السيئات. وفي صحيح البخاري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وهو يقرأ هذه الآيات يقول: "حديث : يغفرُ الله للوط، أنه كان لَيأوي إلى ركن شديد ". تفسير : فلما ضاق الأمر واستحكمت حلقاته، وبلغ الكرب اشده، كشف الرسل عن حقيقة أمرم وأَنهم ملائكة فقالوا: {قَالُواْ يٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ...}.
د. أسعد حومد
تفسير : (77) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ وُصُولِ المَلاَئِكَةِ إِلَى لُوطٍ عَلَيهِ السَّلاَمُ، وَهُمْ عَلَى أَجْمَلِ صُورَةٍ لِشُبّانٍ حِسَانِ الوُجُوهِ، وَكَانَ قَوْمُ لُوطٍ قَدْ نَهَوْهُ عَنْ أَنْ يَسْتَضِيفَ أَحداً لِكَيْلا يُدَافِعَهُمْ عَنْ أَضْيَافِهِ، إِذَا أَرَادُوا الاعْتِدَاءَ عَلَيْهِمْ، كَمَا كَانَتْ عَادَتُهُمْ فِيمَنْ يَمُرُّونَ فِي أَرْضِهِمْ، فَاغْتَمَّ لُوطٌ لِمَجِيءِ هؤلاءِ الضُّيُوفِ، إِذْ خَافَ أَنْ يَعْتَدِيَ قَومُهُ عَلَيهِمْ، وَهُمْ فِي مِثْلِ هذِهِ الصَّبَاحَةِ، فَأَدْخَلَهُمْ بَيْتَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِدُخُلِهِمْ غَيْرُ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ فَأَخْبَرَتْ قَوْمَهَا، فَجَاؤُوا يُهْرعُونَ إِليهِ، وَهُمْ يَحثُّونَ الخُطَا طَمَعاً بِهذا الصَّيْدِ الثَّمِينِ، فَقَالَ لُوطٌ فِي نَفْسِهِ إِنَّ هذا لَيَوْمٌ شَدِيدُ البَلاءِ. سِيءَ بِهِمْ - نَالَتْهُ المَسَاءَةُ مِنْ مَجِيئِهِمْ إِلَيْهِ خَوْفاً عَلَيْهِمْ. ضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً - ضَعُفَتْ طَاقَتُهُ عَنْ تَدْبِيرِ خَلاصِهِمْ. يَوْمٌ عَصِيبٌ - يَوْمٌ شَدِيدُ الشَّرِّ وَالبَلاءِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: أن لوطاً شعر بالسوء، وضاق بهم ذرعاً، والذرع مأخوذ من الذراع التي فيها الكف والأصابع وندفع بها الأشياء، وأي شيء تستطيع أن تمد إليه ذراعك لتدفع به، وإن لم تَطُله ذراعك؛ قلت: "ضقت به ذرعاً" أي: أن يدي لم تطله، وهو أمر فوق قوتي وطاقتي، وفوق ما آتاني الله من الآلات ومن الحيل. وما الذي يسيء لوطاً في مجيء الملائكة؟ قيل: لأن الملائكة قد جاءوا على الشكل المعروف من الجمال، فحين يُقال: "فلان ملاك"، أي: شكله جميل. ولوط - عليه السلام - يعلم أن آفة قومه هي إتيان الذكور، وامرأته تعلم هذه الآفة، لكن موقفها من ذلك غير موقف لوط، فهي ترحب بتلك الآفة. ويُقال: إنها تنبهت لمجيء الرجال الحِسان - ولم تعرف أنهم ملائكة العذاب - وصعدت إلى سطح المنزل، وصفقت لعل القوم ينتبهون لها، فلم يلتفت لها أحد، فأشعلت ناراً فانتبه لها القوم، وأشارت لهم بما يعبر عن مجيء ضيوف يتميزون بالجمال. وهنا قال لوط عليه السلام: {.. هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: 77]. أي: يوم شديد المتاعب. ويقال: "يوم عصيب" و"يوم عصبصب"، ومنه "العُصْبَة" وهم جماعة يتكاتفون على شيء، ويقوى الفرد بمجموعهم، وقد صدق ظن لوط. وفي هذا يقول الحق سبحانه عن ذلك: {وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَوْمٌ عَصِيبٌ} معناهُ شديدٌ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} أذكر يا أكمل الرسل {لَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً} على أشكال مرد ملاح صباح متناسبة الإعضاء، وهم لا يرون أمثالهم في الصباحة واللطافة وكمال الرشاقة {سِيۤءَ بِهِمْ} أي: ساء مجيئهم على هذه الأشكال لوطاً ومن آمن معه {وَضَاقَ} جيئتهم على هذه الصورة البديعة {بِهِمْ ذَرْعاً} أي: شق على لوط والمؤمنين أمر حفظهم وحضانتهم؛ لأنهم علموا قبح صنيع قومهم لو علموا جيئتهم قصدورا لهم مكروهاً، واشتد عليهم أيضاً مدافعتهم وإخراجهم؛ لأنهم نزلوا ضيافاً، فاضطر لوط في أمرهم وشأنهم وتحير {وَقَالَ} متأوهاً متأسفاً متضجراً: {هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: 77] شديد مظلم في غاية الشدة والظلمة. {وَ} بعدما أُخبر القوم بنزولهم {جَآءَهُ قَوْمُهُ} متجسسين {يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} أي: يطوفون حول بيته سريعاً، ويطلبون فرصة الدخول عليهم، ويحتالون لدفع لوط والمؤمنين وهم قوم خقبي {وَمِن قَبْلُ كَانُواْ} من نهاية خباثتهم {يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} الخارجة عن مقتضى العقل والنقل والمروءة، وحين اضطر لوط من ترددهم وتبخترهم، ولم يرَ في نفسه مدافعتهم ومقاوتهم {قَالَ يٰقَوْمِ} لهم من غاية غيرته وحميته في حق أضيافه: {هَـٰؤُلاۤءِ} الإناث {بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} إن أردتم الوقاع {فَاتَّقُواْ اللًّهَ} المنتقم الغيور عن تفضيحي {وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} ولا تخجلوني في ضيفي {أَلَيْسَ مِنْكُمْ} أيها لمجبولون على فطرة الإدراك {رَجُلٌ رَّشِيدٌ} [هود: 78] ذو مروءة وعقل كامل. {قَالُواْ} في جوابه مبالغين مقسمين: والله {لَقَدْ عَلِمْتَ} يقيناً {مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} أي: ميلٍ وحظٍ، بل إنما عرضت بناتك علينا لتترك أضيافك {وَإِنَّكَ} أيضاً {لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} [هود: 79]. ولما اضطر لوط مسارعتهم ومماراتم {قَالَ} مشتكياً إلى الله: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} أدفع بها حزني وخزي أضيافي لأدفعكم بتوفيق الله {أَوْ آوِيۤ} وأرجع حين ظهور عدم مقاومتي ومدافعتي معكم {إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80] هو حفظ الله وكنف جواره وحصن حضانته. ثم لما رأى الرسل اضطرار لوط واضطرابه؛ إذ هو يغل على أضيافه باب بيته فيجاجل مع قومه، يتكلم معهم، وبعدما امتدت مجادلته معهم، قصدوا أن يثقبوا الجدار فاشتغلوا بالثقب والنقب {قَالُواْ} أي: الرسل بعدما بلغ ألم لوط غايته: {يٰلُوطُ} لا تغتم ولا تضطرب في أمرنا ولا تهلك نفسك غيرة وغيضاً {إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ} أبداً؛ أي: لن ينالوا بإضرارنا حتى اضطررت من أجلنا، ذرنا معهم، واخرج من بيننا وبينهم، وخرج لوط مفتحاً باب بيته، فدخلوا على الرسل بالفور، فضرب جبرائيل عليه السلام بجناحه فأعماهم، فانقبلوا صائحين صارخيه: النجاء النجاء فإن في بيت لوط سحرة. وبعدما خرجوا فاقدين أبصارهم، قال الرسل أمراً للوط: {فَأَسْرِ} أي: سر ليلاً {بِأَهْلِكَ} أي: بمن آمن معك {بِقِطْعٍ} أي: بعد مضي طائفة {مِّنَ ٱلْلَّيْلِ وَ} بعدما خرجتم {لاَ يَلْتَفِتْ} ولا ينظر {مِنكُمْ} أيها الخارجون {أَحَدٌ} خلفه حين سمع حنينهم وأنينهم وتشدد العذاب عليهم {إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ} فإنها تلتفت حين سمعت الصيحة، فخرجوا على الوجه المأمور، فنزل عليهم العذاب بعد خروجهم بالفور، فصاحوا صيحةً عظيمةً، ولم يلتفت أحد من الخارجين إلا امرأته، فلما سمعت التفتت، وصاحت: واقوماه! فأصيبت بلا تراخٍ ومهلةٍ {إِنَّهُ} أي: الشأن والأمر في علمنا أنها {مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ} فلما سمع لوط ما سمع، استسرع إلى مقتهم من كمال ضجرته منهم، قالوا له: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ} أي: موعد هلاكهم صبح هذا الليلة {أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ} أيها المستعجل {بِقَرِيبٍ} [هود: 81]. {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} على رسلنا بأهلاكهم {جَعَلْنَا} أي: جعل الرسل بإقدارنا وتمكيننا إياهم قريتهم {عَالِيَهَا سَافِلَهَا} أي: يقلبون عليهم بيوتهم {وَ} مع ذلك {أَمْطَرْنَا} من جانب السماء {عَلَيْهَا} أي: على أماكنهم وقراهم {حِجَارَةً} تنحجر {مِّن سِجِّيلٍ} وهو معرب من سنك كل {مَّنْضُودٍ} [هود: 82] ممتزج منضد بعضها على بعض {مُّسَوَّمَةً} معلمة مقدرة {عِندَ رَبِّكَ} وفي حضرة علمه ولوح قضائه لأمثال هذه البغاة الغواة الهالكين في تيه الغفلة والغرور. {وَمَا هِيَ} أي: أمثال هذه البليات والمعيبات {مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} الخارجين عن مقتضى حدود الله وأوامره ونواهيه {بِبَعِيدٍ} [هود: 83] غريب حتى يستغرب في حقهم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} [هود: 77] اي: أحزنه مجيئهم وضاق قلبه؛ لأنهم جاءوا لإهلاك قومه كان مجيئهم إبراهيم بشارة لنجاة قومه من الهلاك، وللوط هماً وحزناً لهلاك قومه بالعذاب، {وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: 77] لأنه كان فيه قطع الرجاء عن إيمان القوم واليأس عن إصلاح حالهم، {وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} [هود: 78] غافلين عن حالهم جاهلين بما لهم. {وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} [هود: 78] الموجبة للهلاك والعذاب فجاءوا مسرعين مستقبلي العذاب، وطلبواو من بيت النبوة من أهل الطهارة معاملة سوءتهم نجباته نفوسهم؛ ليستحقوا بذلك كمال الصفات وسرعة العذاب. {قَالَ} [هود: 78] لوط عليه السلام حجة عليهم وتأكيداً لاستحقاقهم العذاب، {يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود: 78] كان يفدي أولاده لدفع الهلاك عن قومه، {فَاتَّقُواْ اللًّهَ} [هود: 78] بترك هذه المعاملة السوء، {وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} [هود: 78] بإظهار معاملتكم، {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ} [هود: 78] يقبل نصحي ويتوب إلى الله بالصدق فينجيكم الله من العذاب ببركته. {قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} [هود: 79] يستحق به تزويجهن، {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} [هود: 79] من هذه المعاملة السوء وهو في الحقيقة طلب ما أعد الله لنا في الأزل من قهره؛ يعني: الهلاك بالعذاب. {قَالَ} [هود: 80] يعني: لوط، {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} [هود: 80] واستطاعة لأردكم عن طلب الهلاك وأمنعكم من العذاب، {أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80] وهو الالتجاء إلى الله تعالى؛ ليؤيدني بالنصرة في منعكم من الهلاك لفعلت، ولكن حكم الله وقضائه سابق وأمره نافذ.
همام الصنعاني
تفسير : 1223- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، في قوله تعالى: {هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ}: [الآية: 77]، قال: شديد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):