١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
82
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في الأمر وجهان: الأول: أن المراد من هذا الأمر ما هو ضد النهي ويدل عليه وجوه: الأول: أن لفظ الأمر حقيقة في هذا المعنى مجاز في غيره دفعاً للاشتراك. الثاني: أن الأمر لا يمكن حمله ههنا على العذاب، وذلك لأنه تعالى قال: {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا } وهذا الجعل هو العذاب، فدلت هذه الآية على أن هذا الأمر شرط والعذاب جزاء، والشرط غير الجزاء، فهذا الأمر غير العذاب، وكل من قال بذلك قال إنه هو الأمر الذي هو ضد النهي. والثالث: أنه تعالى قال: قبل هذه الآية { أية : إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ } تفسير : [هود: 70] فدل هذا على أنهم كانوا مأمورين من عند الله تعالى بالذهاب إلى قوم لوط وبإيصال هذا العذاب إليهم. إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى أمر جمعاً من الملائكة بأن يخربوا تلك المدائن في وقت معين، فلما جاء ذلك الوقت أقدموا على ذلك العمل، فكان قوله: {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } إشارة إلى ذلك التكليف. فإن قيل: لو كان الأمر كذلك، لوجب أن يقال: فلما جاء أمرنا جعلوا عاليها سافلها، لأن الفعل صدر عن ذلك المأمور. قلنا: هذا لا يلزم على مذهبنا، لأن فعل العبد فعل الله تعالى عندنا. وأيضاً أن الذي وقع منهم إنما وقع بأمر الله تعالى وبقدرته، فلم يبعد إضافته إلى الله عز وجل، لأن الفعل كما تحسن إضافته إلى المباشر، فقد تحسن أيضاً إضافته إلى السبب. القول الثاني: أن يكون المراد من الأمر ههنا قوله تعالى: { أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [النحل: 40] وقد تقدم تفسير ذلك الأمر. القول الثالث: أن يكون المراد من الأمر العذاب وعلى هذا التقدير فيحتاج إلى الإضمار، والمعنى: ولما جاء وقت عذابنا جعلنا عاليها سافلها. المسألة الثانية: اعلم أن ذلك العذاب قد وصفه الله تعالى في هذه الآية بنوعين من الوصف فالأول: قوله: {جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا } روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير ونباح الكلاب وصياح الديوك، ولم تنكفىء لهم جرة ولم ينكب لهم إناء، ثم قلبها دفعة واحدة وضربها على الأرض. واعلم أن هذا العمل كان معجزة قاهرة من وجهين: أحدهما: أن قلع الأرض وإصعادها إلى قريب من السماء فعل خارق للعادات. والثاني: أن ضربها من ذلك البعد البعيد على الأرض بحيث لم تتحرك سائر القرى المحيطة بها ألبتة، ولم تصل الآفة إلى لوط عليه السلام وأهله مع قرب مكانهم من ذلك الموضع معجزة قاهرة أيضاً. الثاني: قوله: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } واختلفوا في السجيل على وجوه: الأول: أنه فارسي معرب وأصله سنككل وأنه شيء مركب من الحجر والطين بشرط أن يكون في غاية الصلابة، قال الأزهري: لماعربته العرب صار عربياً وقد عربت حروفاً كثيرة كالديباج والديوان والاستبرق. والثاني: سجيل، أي مثل السجل وهو الدلو العظيم. والثالث: سجيل، أي شديد من الحجارة. الرابع: مرسلة عليهم من أسجلته إذا أرسلته وهو فعيل منه. الخامس: من أسجلته، أي أعطيته تقديره مثل العطية في الإدرار، وقيل: كان كتب عليها أسامي المعذبين. السادس: وهو من السجل وهو الكتاب تقديره من مكتوب في الأزل أي كتب الله أن يعذبهم بها، والسجيل أخذ من السجل وهو الدلو العظيمة لأنه يتضمن أحكاماً كثيرة، وقيل: مأخوذ من المساجلة وهي المفاخرة. والسابع: من سجيل أي من جهنم أبدلت النون لاماً، والثامن: من السماء الدنيا، وتسمى سجيلاً عن أبي زيد، والتاسع: السجيل الطين، لقوله تعالى: { أية : حِجَارَةً مّن طِينٍ } تفسير : [الذاريات: 33] وهو قول عكرمة وقتادة. قال الحسن كان أصل الحجر هو من الطين، إلا أنه صلب بمرور الزمان، والعاشر: سجيل موضع الحجارة، وهي جبال مخصوصة، ومنه قوله تعالى: { أية : مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ } تفسير : [النور: 43]. واعلم أنه تعالى وصف تلك الحجارة بصفات: فالصفة الأولى: كونها من سجيل، وقد سبق ذكره. الصفة الثانية: قوله تعالى: {مَّنْضُودٍ } قال الواحدي: هو مفعول من النضد، وهو موضع الشيء بعضه على بعض، وفيه وجوه: الأول: أن تلك الحجارة كان بعضها فوق بعض في النزول فأتى به على سبيل المبالغة. والثاني: أن كل حجر فإن ما فيه من الأجزاء منضود بعضها ببعض، وملتصق بعضها ببعض. والثالث: أنه تعالى كان قد خلقها في معادنها ونضد بعضها فوق بعض، وأعدها لإهلاك الظلمة. واعلم أن قوله: {مَّنْضُودٍ } صفة للسجيل. الصفة الثالثة: مسومة، وهذه الصفة صفة للأحجار ومعناها المعلمة، وقد مضى الكلام فيه في تفسير قوله: { أية : وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ } تفسير : [آل عمران: 14] واختلفوا في كيفية تلك العلامة على وجوه: الأول: قال الحسن والسدي: كان عليها أمثال الخواتيم. الثاني: قال ابن صالح: رأيت منها عند أم هانىء حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع. الثالث: قال ابن جريج: كان عليها سيما لا تشارك حجارة الأرض، وتدل على أنه تعالى إنما خلقها للعذاب. الرابع: قال الربيع: مكتوب على كل حجر اسم من رمى به. ثم قال تعالى: {عِندَ رَبّكَ } أي في خزائنه التي لا يتصرف فيها أحد إلا هو. ثم قال: {وَمَا هِى مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ } يعني به كفار مكة، والمقصود أنه تعالى يرميهم بها. عن أنس أنه قال: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن هذا فقال: يعني عن ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم إلا وهو بمعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة. وقيل: الضمير في قوله: {وَمَا هِىَ } للقرى. أي وما تلك القرى التي وقعت فيها هذه الواقعة من كفار مكة ببعيد، وذلك لأن القرى كانت في الشأم، وهي قريب من مكة.
البيضاوي
تفسير : {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا} عذابنا أو أمرنا به، ويؤيده الأصل وجعل التعذيب مسبباً عنه بقوله: {جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا} فإنه جواب لما وكان حقه: جعلوا عاليها سافلها أي الملائكة المأمورون به، فأسند إلى نفسه من حيث إنه المسبب تعظيماً للأمر فإنه روي: (أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت مدائنهم ورفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة ثم قلبها عليهم). {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا } على المدن أو على شذاذها. {حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } من طين متحجر لقوله: {أية : حِجَارَةً مّن طِينٍ }تفسير : [الذاريات: 33] وأصله سنك كل فعرب. وقيل إنه من أسجله إذا أرسله أو أدر عطيته، والمعنى من مثل الشيء المرسل أو من مثل العطية في الإِدرار، أو من السجل أي مما كتب الله أن يعذبهم به وقيل أصله من سجين أي من جهنم فأبدلت نونه لاماً. {مَّنْضُودٍ } نضد معداً لعذابهم، أو نضد في الإِرسال بتتابع بعضه بعضاً كقطار الأمطار، أو نضد بعضه على بعض وألصق به.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} وكان ذلك عند طلوع الشمس {جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا} وهي سدوم {سَافِلَهَا} كقوله: {أية : فَغَشَّـٰهَا مَا غَشَّىٰ} تفسير : [النجم: 54] أي: أمطرنا عليها حجارة من سجيل، وهي بالفارسية حجارة من طين، قاله ابن عباس وغيره. وقال بعضهم: أي: من «سنك»، وهو الحجر، و«كل»، وهو الطين، وقد قال في الآية الأخرى: حجارة من طين، أي: مستحجرة قوية شديدة، وقال بعضهم: مشوية، وقال البخاري: سجيل: الشديد الكبير، سجيل وسجين، اللام والنون أختان، وقال تميم بن مقبل:شعر : وَرَجْلَةٍ يَضْربونَ البَيْضَ ضاحِيَةً ضَرْباً تواصَتْ به الأبطالُ سِجِّينا تفسير : وقوله: {مَّنْضُودٍ} قال بعضهم: في السماء، أي: معدة لذلك. وقال آخرون: {مَّنْضُودٍ} أي: يتبع بعضها بعضاً في نزولها عليهم. وقوله: {مُّسَوَّمَةً} أي: معلمة مختومة، عليها أسماء أصحابها، كل حجر مكتوب عليه اسم الذي ينزل عليه. وقال قتادة وعكرمة: {مُّسَوَّمَةً} مطوقة، بها نَضْح من حُمْرة. وذكروا أنها نزلت على أهل البلد، وعلى المتفرقين في القرى مما حولها، فبينا أحدهم يكون عند الناس يتحدث، إِذ جاءه حجر من السماء، فسقط عليه من بين الناس، فدمره، فتتبعهم الحجارة من سائر البلاد حتى أهلكتهم عن آخرهم، فلم يبق منهم أحد، وقال مجاهد: أخذ جبريل قوم لوط من سرحهم ودورهم، حملهم بمواشيهم وأمتعتهم، ورفعهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم أكفأهم، وقال: كان حملهم على خوافي جناحه الأيمن. قال: ولما قلبها، كان أول ما سقط منها شُذَّانُها، وقال قتادة: بلغنا أن جبريل أخذ بعروة القرية الوسطى، ثم ألوى بها إِلى جو السماء، حتى سمع أهل السماء ضواغي كلابهم، ثم دمر بعضهم على بعض، ثم أتبع شذاذ القوم صخراً. قال: وذكر لنا أنهم كانوا أربع قرى، في كل قرية مائة ألف، وفي رواية: ثلاث قرى، الكبرى منها سدوم، قال: وبلغنا أن إِبراهيم عليه السلام كان يشرف على سدوم، ويقول: سدوم يوم هالك. وفي رواية عن قتادة وغيره: قال: وبلغنا أن جبريل عليه السلام لما أصبح نشر جناحه، فانتسف به أرضهم بما فيها؛ من قصورها ودوابها وحجارتها وشجرها، وجميع ما فيها، فضمها في جناحه، فحواها وطواها في جوف جناحه، ثم صعد بها إِلى السماء الدنيا، حتى سمع سكان السماء أصوات الناس والكلاب، وكانوا أربعة آلاف، ثم قلبها فأرسلها إِلى الأرض منكوسة، ودمدم بعضها على بعض، فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها حجارة من سجيل، وقال محمد بن كعب القرظي: كانت قرى قوم لوط خمسَ قريات: سدوم، وهي العظمى، وصعبة، وصعوة، وعثرة، ودوما، احتملها جبريل بجناحه، ثم صعد بها، حتى إِن أهل السماء الدنيا ليسمعون نابحة كلابها وأصوات دجاجها، ثم كفأها على وجهها، ثم أتبعها الله بالحجارة، يقول الله تعالى: {جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} فأهلكها الله وما حولها من المؤتفكات، وقال السدي: لما أصبح قوم لوط، نزل جبريل فاقتلع الأرض من سبع أرضين، فحملها حتى بلغ بها السماء، حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح كلابهم وأصوات ديوكهم، ثم قلبها فقتلهم، فذلك قوله: {أية : وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ } تفسير : [النجم: 53] ومن لم يمت حين سقط للأرض أمطر الله عليه وهو تحت الأرض الحجارة، ومن كان منهم شاذاً في الأرض، يتبعهم في القرى، فكان الرجل يتحدث، فيأتيه الحجر فيقتله، فذلك قوله عز وجل: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ} أي: في القرى حجارة من سجيل، هكذا قال السدي. وقوله: {وَمَا هِى مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ} أي: وما هذه النقمة ممن تشبه بهم في ظلمهم ببعيد عنه، وقد ورد في الحديث المروي في السنن عن ابن عباس مرفوعاً: «حديث : من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به»تفسير : وذهب الإمام الشافعي في قول عنه، وجماعة من العلماء، إِلى أن اللائط يقتل، سواء كان محصناً أو غير محصن؛ عملاً بهذا الحديث، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه يلقى من شاهق، ويتبع بالحجارة؛ كما فعل الله بقوم لوط، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا } بإِهلاكهم {جَعَلْنَا عَٰلِيَهَا } أي قُراهم {سَافِلَهَا } أي بأن رفعها جبريل إِلى السماء وأسقطها مقلوبة إِلى الأرض {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ } طين طبخ بالنار {مَّنْضُودٍ } متتابع.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {فلمّا جاء أمرُنا} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه أمر الله تعالى للملائكة. الثاني: أنه وقوع العذاب بهم. الثالث: أنه القضاء بعذابهم. {جعلنا عاليَها سافلَها} قال محمد بن كعب القرظي إن الله تعالى بعث جبريل إلى مؤتفكات قوم لوط فاحتملها بجناحه ثم صعد بها حتى إن أهل السماء يسمعون نباح كلابهم وأصوات دجاجهم، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها وأتبعها بحجارة من سجّيل حتى أهلكها وما حولها، وكن خمساً: صبغة ومقرة وعمرة ودوما وسدوم وهي القرية العظمى. وقال قتادة: كانوا في ثلاث قرى يقال لها سدوم بين المدينة والشام وكان فيها أربعة آلاف ألف. {وأمطرنا عليها حجارة من سجّيل} فيه ثمانية تأويلات: أحدها: أنه فارسي معرب وهو "سنك وكيل" فالسنك: الحجر، والكيل الطين، قاله ابن عباس. الثاني: أنه طين قد طبخ حتى صار كالأرحاء، ذكره ابن عيسى. الثالث: أنه الحجارة الصلبة الشديدة، قاله أبو عبيدة وأنشد قول ابن مقبل: شعر : ورحلة يضربون البيض عن عَرَضٍ ضربا تواصى به الأبطال سجّينا تفسير : إلا أن النون قلبت لاماً. الرابع: من سجيل يعني من سماء اسمها سجيل، قاله ابن زيد. الخامس: من سجيل من جهنم واسمها سجين فقلبت النون لاماً. السادس: أن السجيل من السجل وهو الكتاب وتقديره من مكتوب الحجارة التي كتب الله تعالى أن يعذب بها أو كتب عليها، وفي التنزيل {أية : كلا إن كتاب الفجار لفي سجين. وما أدراك ما سجين. كتاب مرقوم} تفسير : [المطففين: 7-9] السابع: أنه فِعِّيل من السجل وهو الإرسال، يقال أسجلته أي أرسلته، ومنه سمي الدلو سجلاً لإرساله فكان السجل هو المرسل عليهم. الثامن: أنه مأخوذ من السجل الذي هو العطاء، يقال سجلت له سجلاً من العطاء، فكأنه قال سُجلوا البلاء أي أعطوه. {منضود} فيه تأويلان: أحدهما: قد نُضَّد بعضه على بعض، قال الربيع. الثاني: مصفوف، قاله قتادة. قوله عز وجل: {مسومة عند ربك} والمسومة: المعلّمة، مأخوذ من السيماء وهي العلامة، قال الشاعر: شعر : غُلامٌ رماه الله بالحُسْن يافعا له سيمياءٌ لا تشقُ على البصر تفسير : وفي علامنها قولان: أحدهما: أنها كانت مختمة، على كل حجر منها اسم صاحبه. الثاني: معلمة ببياض في حمرة، على قول ابن عباس، وقال قتادة: مطوقة بسواد في حمرة. {عند ربك} فيه وجهان: أحدهما: في علم ربك، قال ابن بحر. الثاني: في خزائن ربك لا يملكها غيره ولا يتصرف فيها أحد إلا بأمره. {وما هي من الظالمين ببعيد} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه ذكر ذلك وعيداً لظالمي قريش، قاله مجاهد. الثاني: وعيد لظالمي العرب، قال عكرمة. الثالث: وعيد لظالمي هذه الأمة، قاله قتادة. الرابع: وعيد لكل ظالم، قاله الربيع. وفي الحجارة التي أمطرت قولان: أحدهما: أنه أمطرت على المدن حين رفعها. الثاني: أنها أمطرت على من لم يكن في المدن من أهلها وكان خارجاً عنها.
ابن عطية
تفسير : روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط واقتلعها ورفعها حتى سمع أهل السماء الدنيا صراخ الديكة ونباح الكلاب، ثم أرسلها معكوسة، وأتبعهم الحجارة من السماء، وروي أن جبريل عليه السلام أخذهم بخوافي جناحه: ويروى أن مدينة منها نجيت كانت مختصة بلوط عليه السلام يقال لها: زغر. و {أمرنا} في هذه الآية يحتمل أن يكون مصدراً من أمر ويكون في الكلام حذف مضاف تقديره مقتضى أمرنا، ويحتمل أن يكون واحد الأمور، والضمير في قوله: {عاليها سافلها} للمدن، وأُجري {أمطرنا} عليها كذلك، والمراد على أهلها، وروي أنها الحجارة استوفت منهم من كانوا خارج مدنهم حتى قتلتهم أجمعين. وروي أنه كان منهم في الحرم رجل فبقي حجره معلقاً في الهواء حتى خرج من الحرم فقتله الحجر، و"أمطر" أبداً إنما يستعمل في المكروه، ومطر يستعمل في المحبوب، هذا قول أبي عبيدة. قال القاضي أبو محمد: وليس كذلك وقوله تعالى: {أية : هذا عارض ممطرنا} تفسير : [الأحقاف: 24] يرد هذا القول لأنهم إنما ظنوه معتاد الرحمة، وقوله {من سجيل} اختلف فيه: فقال ابن زيد: {سجيل}: اسم السماء الدنيا. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، ويرده وصفه بـ {منضود}. وقالت فرقة هو مأخوذ من لفظ السجل، أي هي من أمر كتب عليهم. قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، وقالت فرقة: هو مأخوذ من السجل إذا أرسل الشيء كما يرسل السجل وكما تقول: قالها مسجلة. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقالت فرقة: {من سجيل} معناه: من جهنم لأنه يقال: سجيل وسجين حفظ فيها بدل النون لاماً، كما قالوا: أصيلال وأصيلان. وقالت فرقة: {سجيل} معناه: شديد وأنشد الطبري في ذلك [ابن مقبلٍ]: شعر : ضرباً تواصى به الأبطال سجيلا تفسير : والبيت في قصيدة نونية: سجينا، وقالت فرقة: {سجيل} لفظة أصلها غير عربية عربت أصلها سنج وكل. وقيل غير هذا في أصل اللفظة. ومعنى هذا اللفظ ماء وطين. هذا قول ابن عباس ومجاهد وابن جبير وعكرمة والسدي وغيرهم، وذهبت هذه الفرقة إلى أن الحجارة التي رموا بها كانت كالآجر المطبوخ كانت من طين قد تحجر - نص عليه الحسن -. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول يشبه. وهو الصواب الذي عليه الجمهور. وقالت فرقة: معنى {سجيل} حجر مخلوط بطين أي حجر وطين. قال القاضي أبو محمد: ويمكن أن يرد هذا إلى الذي قبله، لأن الآجر وما جرى مجراه يمكن أن يقال فيه حجر وطين لأنه قد أخذ من كل واحد منهما بحظه. هي طين من حيث هو أصلها. وحجر من حيث صلبت. و {منضود} معناه بعضه فوق بعض. أي تتابع؛ وهي صفة لـ {سجيل} وقال الربيع بن أنس: "نضده": إنه في السماء منضود معد بعضه فوق بعض. و {مسومة} معناه معلمة بعلامة، فقال عكرمة وقتادة: إنه كان فيها بياض وحمرة: ويحكى أنه كان في كل حجر اسم صاحبه، وهذه اللفظة هي من سوم إذا أعلم، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: "حديث : سوموا فقد سومت الملائكة" تفسير : . ويحتمل أن تكون {مسومة} ها هنا بمعنى: مرسلة، وسومها من الهبوط. وقوله {وما هي} إشارة إلى الحجارة. و {الظالمين} قيل: يعني قريشاً. وقيل: يريد عموم كل من اتصف بالظلم، وهذا هو الأصح لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : سيكون في أمتي خسف ومسخ وقذف بالحجارة" تفسير : ، وقد ورد أيضاً حديث: "حديث : إن هذه الأمة بمنجاة من ذلك" تفسير : . وقيل يعني بـ {هي}: المدن، ويكون المعنى: الإعلام بأن هذه البلاد قريبة من مكة - والأول أبين - وروي أن هذه البلاد كانت بين المدينة والشام، وحكى الطبري في تسمية هذه المدن: صيعة، وصعدة وعمزة، ودوما وسدوم وهي القرية العظمى.
ابن عبد السلام
تفسير : {جَآءَ أَمْرُنَا} للملائكة، أو وقوع العذاب بهم، أو القضاء بعذابهم. {عَالِيَهَا} صعد بها جبريل ـ عليه السلام ـ على جناحه حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم وأصوات دجاجهم ثم قلّبها وجعل عاليها سافلها وأتبعها الحجارة حتى أهلكها وما حولها، وكن خمس قرى أعظمهن سدوم، أو ثلاث قرى يقال لها سدوم بين المدينة والشام، وكان فيها أربعة آلاف ألف. {سِجِّيلٍ} حجارة صلبة، أو مطبوخة، حتى صارت كالأرحاء، أو من جهنم واسمها سجين فقلبت النون لاماً، أو من السماء واسمها سجيل، أو من السجل وهو الكتاب كتب الله ـ تعالى ـ عليها أن يعذب بها، أو سجيل مرسل من السجل وهو الإرسال أسجلته أرسلته، والدلو سجيل لإرساله، أو من السجل وهو العطاء سجلت له سجلاً من العطاء كأنهم أعطوا البلاء إذراراً، أو فارسي معرب من سنك وهو الحجر وكل وهو الطين. {مَّنضُودٍ} نضد بعضه على بعض، أو مصفوف.
ابو السعود
تفسير : {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا} أي وقتُ عذابِنا وموعدُه وهو الصبح {جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا} أي عاليَ قُرى قومِ لوطٍ وهي التي عبّر عنها بالمؤتفكات، وهي خمسُ مدائنَ فيها أربعُمائةِ ألفِ ألفٍ {سَافِلَهَا} أي قلبناها على تلك الهيئةِ وجُعل عالِيها مفعولاً أولَ للجعل وسافلَها مفعولاً ثانياً له وإن تحقق القلبُ بالعكس أيضاً لتهويل الأمرِ وتفظيعِ الخطبِ لأن جعلَ عالِيها الذي هو مَقارُّهم ومساكنُهم سافلَها أشدُّ عليهم وأشقُّ من جعل سافِلها عاليَها وإن كان مستلزِماً له. روي أنه جعلَ جبريلُ عليه السلام جناحَه في أسفلها ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهلُ السماء نُباحَ الكلاب وصياحَ الديَكةِ ثم قلبها عليهم، وإسنادُ الجعلِ والإمطار إلى ضميره سبحانه باعتبار أنه المسبّبُ لتفخيم الأمرِ وتهويلِ الخطب {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا} على أهل المدائنِ أو شُذّاذهم {حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ} من طين متحجّر كقوله: {أية : حِجَارَةً مّن طِينٍ } تفسير : وأصله سنك كل فعُرّب وقيل: هو من أسْجله إذا أرسله أو أدرّ عطيتَه والمعنى: منْ مثْلِ الشيءِ المرسَل أو مثلَ العطيةِ في الإدرار أو من السِّجِلّ أي مما كتب الله تعالى أن يعذبهم به، وقيل: أصله من سِجّينٍ أي من جهنم فأبدلت نونه لاماً {مَّنْضُودٍ} نُضِد في السماء نضْداً معدًّا للعذاب، وقيل: يُرسَل بعضُه إثرَ بعضٍ كقِطار الأمطار {مُّسَوَّمَةً} مُعْلمةً للعذاب. وقيل: معلمةً ببـياض وحُمرة أو بسِيما تتميز به عن حجارة الأرض أو باسم مَنْ ترمىٰ به {عِندَ رَبّكَ} في خزائنه التي لا يتصرّف فيها غيرُه عز وجل {وَمَا هِىَ} أي الحجارةُ الموصوفة {مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ} من كل ظالمٍ {بِبَعِيدٍ} فإنهم بسبب ظلمِهم مستحقون لها وملابَسون بها، وفيه وعيدٌ شديد لأهل الظلمِ كافةً. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريلَ عليه السلام فقال: يعني ظالمي أمتِك ما من ظالم منهم إلا وهو بمعرض حجرٍ يسقط عليه من ساعة إلى ساعة. وقيل: الضميرُ للقُرى أي هي قريبةُ من ظالمي مكةَ يمرّون بها في مسايرهم وأسفارِهم إلى الشام، وتذكيرُ البعيدِ على تأويل الحجارة بالحجر أو إجرائه على موصوف مذكّرٍ أي بشي بعيد أو بمكان بعيد فإنها وإن كانت في السماء وهي في غاية البُعد من الأرض إلا أنها حين هَوَت منها فهي أسرعُ شيء لحُوقاً بهم فكأنها بمكان قريبٍ منهم. أو لأنه على زِنة المَصْدرِ كالزفير والصهيل والمصادر يستوي في الوصف بها المذكرُ والمؤنث.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} [الآية: 82]. قال بعضهم: ما أدركتم الحكم السابق الجارى فى الأزل عليهم قلبنا بهم أرضهم، كما حكمنا عليهم بتقليب قلوبهم وصرفهم عن طريق الحق، وسبيل الرشاد.
القشيري
تفسير : سُنَّةُ الله في عباده قلبُ الأحوال عليهم، والانقلابُ مِنْ سِمَاتِ الحدوث، أمّا الذي لا يزول ولا يحول فهو الذي لم يزل ولا يزال بنعوته الصمدية. وإنَّ مَنْ عاش في السرور دهراً ثم تبدل يُسْرُه عُسْراً فَكَمَنْ لم يَرَ قطُّ خيراً، والذي قاسَى طولَ عمره ثم أُعطِي يُسْراً فكمن لم يَرَ عُسْراً. قال تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [الأنعام: 110].
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} اذا طاب عيش العارفين بجمال معروفهم وسكنوا بمواسات لطائف قربه واستانسوا بنرجس مودته وورد وصلته وياسمين نور صحبته واطمانوا فى مكانات كشوف غرائب الملك والملكوت وامنوا من بليات الامتحان هاج غيرة القدم عليهم واقلهم طوارقات القهر والقتهم الى منازل الامتحان وجعلت اعالى قلوبهم واحوالهم اسافل نفوسهم وشهواتها حتى يعرفوا ان ساحة الكبرياء منزهة عن الانس والوحشة والوجود والعدم والمريدون اذ استكبروا على المشائخ يقلب الله مواجيدهم بطر النفوس ومجاهدتهم اتباع شهواتهم الويل لمن كان شانه هكذا امطر عليهم احجار البعد نعوذ بالله منها وسماتها تواتر العصيان والخروج على اطيار بساتين الرحمان وهذا جزاء من خرج على سلوته ومشائخه قال الله {وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} اى ما هذا الحجاب والبعد من التاركين السنة والمتابعة ببعيد قال بعضهم لما ادركهم الحكم السابق الجارى فى الازل عليهم قلبنا عليهم ارضهم كما حكمنا عليهم بتقليب قلوبهم وصرفهم عن طريق الحق وسبل الرشاد وقال محمد بن الفضل ما اصاب قوم لوط ما اصابهم الا بالتهاون بالامر وقلة المبالاة وارتكاب المحارم بالتاويلات قال الله وما هى من الظالمين ببعيد اى ما له بعذاب ممن عملوا ما عملوا من تخطى الشرع والتهاون بالامر وارتكاب المناهى بالتاويلات بعيد.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلما جاء امرنا} اى وقت عذابنا وموعده وهوالصبح {جعلنا} بقدرتنا الكاملة {عاليها} اى عالى قرى قوم لوط وهى التى عبر عنها بالمؤتفكات وهى اربع مدائن فيها اربعمائة الف او اربعة آلاف. قال الكاشفى [درهريكى صد هزار مرد شمشيررن] وهى سدوم وعامورا وكادوما ومذوايم كانت على مسيرة ثلاثة ايام من بيت المقدس {سافلها} اى قلبناها على تلك الهيآت. وبالفارسية [نكون ساختيم] -روى- ان جبريل جعل جناحه فى اسفلها فاقتلعها من الماء الاسود ثم رفعها الى السماء حتى سمع اهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة لم يكفأ اناء ولم ينتبه نائم ثم قلبها عليهم فاقبلت تهوى من السماء الى الارض {وامطرنا عليها} على اهل المدائن من فوقهم [اى بعد از سرنكون شدن] وكان حقه جعلوا وامطروا اى الملائكة المأمورون به فاسند الى نفسه من حيث انه المسبب تعظيما للامر وتهويلا للخطب {حجارة من سجيل} من طين متحجر كقوله حجارة من طين واصله [سنك كل] فعرب {منضود} نضد فى الارسال بتتابع بعضه بعضا كقطار الامطار. والنضد وضع الشيء بعضه على بعض وهو نعت لسجيل
الطوسي
تفسير : آيتان تمام الآية الاولى في المدني قوله {سجيل} وعند الباقين قوله {منضود}. قيل في قوله {فلما جاء أمرنا} ثلاثة أقوال. احدها - جاء امرنا الملائكة باهلاك قوم لوط. الثاني - جاء امرنا يعني العذاب، كأنه قيل (كن) على التعظيم وطريق المجاز، كما قال الشاعر: شعر : فقالت له العينان سمعاً وطاعة وحدرتا كالدر لما يثقب تفسير : والثالث - ان يكون الأمر نفس الاهلاك، كما يقال: لأمر ما، أي لشيء ما وقال الرماني: انما قال أمرنا بالاضافة ولم يجز مثله في شيء، لان في الأمر معنى التعظيم، فمن ذلك الأمر خلاف النهي، ومن ذلك الامارة، والتأمر. وقوله {جعلنا عاليها سافلها} معناه قلبنا القرية أسفلها أعلاها {وأمطرنا عليها} يعني أرسلنا على القرية حجارة بدل المطر حتى أهلكتهم عن آخرهم. والامطار إحدار المطر من السماء. وقوله {من سجيل} قيل في معنى سجيل ثمانية أقوال: احدها - انها حجارة صلبة ليست من جنس حجارة الثلج والبرد. وقيل هو فارسي معرب (سنل، وكل) ذكره ابن عباس وقتادة ومجاهد وسعيد بن جبير. والثاني - قال الفراء من طين قد طبخ حتى صار بمنزلة الآجر، ويقويه قوله {أية : لنرسل عليهم حجارة من طين}.تفسير : وقال ابو عبيدة انها شديدة من الحجارة وانشد لابن مقبل: شعر : ضرباً تواصى به الابطال سجيناً تفسير : إلا ان النون قبلت لاماً. الثالث - من مثل السجيل في الارسال، والسجيل الدلو، وقال الفضل ابن العباس: شعر : من يساجلني يساجل ماجداً يملأ الدلو الى عقد الكرب تفسير : الرابع - من اسجلته أذا أرسلته، فكأنه مثل ما يرسل في سرعة الارسال. الخامس - من اسجلته اذا اعطيته، فتقديره مرسل من العطية في الادرار. السادس - من السجلّ وهو الكتاب، فتقديره من مكتوب الحجارة، ومنه قوله {أية : كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم} تفسير : وهي حجارة كتب الله ان يعذبهم بها، اختاره الزجاج. السابع - من سجين اي من جهنم ثم ابتدلت النون لاماً. الثامن - قال ابن زيد من السماء الدنيا، وهي تسمى سجيلاً. ومعنى {منضود} قيل فيه قولان: احدهما - قال الربيع نضد بعضه على بعض حتى صار حجراً، وقال قتادة مصفوف في تتابع، وهو من صفة سجيل، فلذلك جره. وقوله {مسومة} يعنى معلمة، وذلك انه جعل فيها علامات تدل على انها معدة للعذاب، فاهلكوا بها، قال قتادة: كانوا أربعة آلاف الف. وقيل: كانت مخططة بسواد وحمرة ذكره الفراء فتلك تعليمها، ونصب {مسومة} على الحال من الحجارة. وقوله {عند ربك} معناه في خزائنه التي لا يتصرف في شيء منها إلا باذنه، فاذا أمر الملك ان يمطرها على قوم فعل ذلك باذنه. واصل المسوّمة من السيماء، وهي العلامة، وذلك ان الابل السائمة تختلط في المرعى، فيجعل عليها السيماء لتمييزها. وقوله {وما هي من الظالمين ببعيد} قيل في معناه قولان: احدهما - ان مثل ذلك ليس ببعيد من ظالمي قومك يا محمد اراد به اذهاب قريش، وقال ابو علي ذلك لا يكون إلا في زمان نبي أو عند القيامة، لأنه معجز. والثاني - قال {وما هي من الظالمين ببعيد} يعنى من قوم لوط انها لم تكن تخطيهم. وقال مجاهد: إن جبرائيل (ع) ادخل جناحه تحت الارض السفلى من قوم لوط ثم أخذهم بالجناح الايمن فاخذهم مع سرحهم ومواشيهم. ثم رفعها الى سماء الدنيا حتى سمع اهل السماء نباح كلابهم. ثم قلبها، فكان اول ما سقط منها شرافها، فذلك قول الله تعالى {فجعلنا عاليها سافلها} قال السدي وهو قوله {أية : والمؤتفكة أهوى}تفسير : وإنما أمطر الله عليهم الحجارة بعد أن قبلت قريتهم تغليظاً للعذاب وتعظيماً له، وقيل قتل بها من كان بقي حياً، وقرية قوم لوط يقال لها: سدوم، بين المدينة والشام. وقيل إن إبراهيم (ع) كان يشرف عليها فيقول: سدوم يوم ما لك.
الجنابذي
تفسير : {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} بان جعل جبرئيل جناحه فى اسفلها ثمّ رفعها الى السّماء ثمّ قلّبها عليهم {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} معرّب "سنك كل" اى الطّين المتحجّر {مَّنْضُودٍ} نضد واعدّ لعذابهم او متتابعٍ فى النّزول عليهم والصق بعضه ببعضٍ.
اطفيش
تفسير : {فلمَّا جاءَ أمْرُنا} عذابنا لأنه أمر من الأمور، وأجاب لما بقوله {جَعَلنا عَاليَها سَافِلها} لأنهم حين رفعهم جبريل من تحت مدائنهم إلى السماء، حتى سمع أهلها نباح الكلاب، وصياح الديكة، وبكاء الصبى، ليسوا فى عذاب، ولكنه جاءهم وتوجه إليهم، والعذاب إنما هو من حين قلبها، يجعل العالى سافلا. قال الحسن: خسف بهم فهم يتلجلجون فى الأرض إلى يوم القيامة، ويجوز أن يكون قوله: {أمرنا} بمعنى أمرنا بعذابهم ولا إشكال فى جعل العالى سافلا مسببا عن أمره بعذابهم، وإنما أسند الجعل إلى نفسه تعالى، مع أنه فعل لجبريل لأنه خالق ذلك الفعل، والأمر به، ولتعظيم ذلك الجعل، وروى أن فيهن أربعمائة ألف، ومرّ كلام فيهم، ويأتى آخر، قيل خمس مدن أكبرها سدوم، وقيل: أربع، وقيل: ثلاث. {وأمْطَرْنا عليها} على المدن بعد قلبها، أو على من كان خارجا عنها من أهلها، أو مسافرا {حِجارَةً مِنْ سجِّيلٍ} طين متحجر كالأجر المطبوخ، وسجيل معرب فارسى معناه ماء وطين، وبدل لذلك قوله: {أية : حجارة من طين} تفسير : وذلك قول ابن عباس، وابن جبير، والجمهور، وأصله بالفارسية سنككل، أو سد كل، أو سند وكل. وعن مجاهد معناه بالفارسية: أولها حجر، وآخرها طين، يعنى كل حجر منها كذلك، وقيل: من أسجله بمعنى أطلقه وأرسله، لأنها حجارة مرسلة عليهم، أو من أسجله بمعنى أدر عطيته، أى مثل الشئ المرسل، أو من مثل العطية فى الإدرار، أو من السجل أى الكتابة فالمعنى مما كتب لله أن يعذبهم به، وقيل: من سجين وهى جهنم، قد أبدلت النون لاما، وقيل: اسم لسماء الدنيا، وقيل جبل فى سماء الدنيا، والصحيح الأول. ويرد القول بأنه جهنم، والقول بأنه السماء بقوله: {منْضُودٍ} لأن جهنم والسماء مؤنثان سلمنا أنهما مذكران إذا عبر عنها بسجيل، كما إذا عبر عن المرأة بإنسان، لكنهما ليسا منضودين، إلا إن وصفا بالنضد، باعتبار حجارتهما، فإنها منضودة، ومعنى منضود أنه مهيأ لعذابهم، أو جعل متتابعا، أو مرتكما ملتصقا قبل الإرسال.
اطفيش
تفسير : {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} هو واحد الأُمور أَى شىءٌ من أَشيائِنَا وهو إِهلاكهم أَو أَمرنا للملائِكة بإِهلاكهم وهو ضد النهى مصدر أَمر بأْمر وهو أَولى لأَنه الأَصل الحقيقة، والأَول مجاز أَو حقيقة أَصلها مجاز، وإِسناد المجىءِ للأَمر بالمعنيين مجاز عقلى، أَو المجىءُ مجاز بالاستعارة كذا قيل، ومعنى جاءَ حان أَو استقبل فحضر. وقيل جاءَ وقت أَمرنا أَو أَردنا مجىءَ أَمرنا {جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} قلبناها، والأَصل جعلوا أَى الملائِكة، أَو واحد منهم، عاليها سافلها بإِدخال ريشة واحدة أَو يد جبريل، وقيل جناح من سبع أَرضين أَو من أَسفل أَرضهم، أَو من داخلها فرفعها إِلى أَن سمع أَهل السماءِ نباح الكلاب وصياح الديكة فقلبها، وأَتبعوا بالحجارة، قبل تمام القلب، أَو شقت الأَرض إِليهم وأُسند الجعل إلى الأَمر به والمسبب له وهو الله سبحانه وتعالى تهويلا للأَمر، كما هو بما يتلى ولم يقل جعلنا سافلها عاليها، ولو استلزم ما يتلى لأَن التصريح بجعل العالى الذى هو مستقرهم سافلا أَشق، وكذا إِذا كان الأَمر واحد الأُمور أَسنده لذلك إِلى مالك الأُمور وها للأَرض أَو للمدائِن المعلومة من المقام، وكذا فى قوله {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} والمدائِن خمس ميعة وصعرة وعصره ودوما وسدوم، وقيل سبع وأَعظمها سدوم وفيها لوط وفيها أَربعة آلاف أَلف إِنسان أَو ما شاءَ الله تعالى، وقيل هذا العدد فى المدائِن، وقيل ها فى عليها عائِدة على البيوت الشاذة عن القرى المتتابعة لها الخارجة عنها، وعلى هذا فالمقلوبون غير مرجومين والمرجومون غير المقلوبين، قلبت القرى ورجمت البيوت الخارجة عنها ومن غاب عنهم فى بلاد أُخر حتى أَنه دخل رجل منهم الحرم فانتظره ملك بحجر حتى خرج منه فأَوقعه عليه، والإِمطار مجاز عن الإِرسال استعارى للشبه أَو إِرسالى للإِطلاق والتقييد، والسجيل الطين المتحجر بالإِحراق، كما قال ابن عباس رضى الله عنهما: هو حجر من طين كالآجر المطبوخ، وكما فى آية أُخرى حجارة من طين وأَصله قيل سنكيل بالفارسية، وعرب إِلى سجيل وهو من أَسجله إِذا أَرسله، كأَنه قيل من مثل الشىءِ المرسل، أَو من مثل العطية فى الإِدرار أَو من السجل بمعنى الكناية، أَى مما كتب الله أَن يعذبهم به، أَو مما كتب عليه فإِنه كتب على كل حجر اسم صاحبه أَو أَصله سجين وهو جهنم أَو واد فيها أُبدلت النون لاما {مَّنْضُودٍ} مركب بعضه على بعض ثم فرق على أَصحابه، وجمع لعذابهم أَو أَتبع بعضه بعضاً فى الإِرسال إِليهم به كالمطر فى التتابع والكثرة، أَو كل حجر أَلصق أَجزاءَه بعضها ببعض إِلصاقا عظيماً فهو شديد.
الالوسي
تفسير : {فَلَمَّا جَآء أَمْرُنَا} أي عذابنا أو الأمر به، فالأمر على الأول واحد الأمور، وعلى الثاني واحد الأوامر، قيل: ونسبة المجيء إليه بالمعنيين مجازية، والمراد لما حان وقوعه ولا حاجة إلى تقدير الوقت مع دلالة (لما) عليه. وقيل: إنه يقدر على الثاني أي جاء وقت أمرنا لأن الأمر نفسه ورد قبله، ونحن في غنى عن ادعاء تكراره، ورجح تفسير الأمر بما هو واحد الأوامر ـ أعني ضد النهي ـ بأنه الأصل فيه لأنه مصدر أمره، وأما كونه بمعنى العذاب فيخرجه عن المصدرية الأصلية وعن معناه المشهور الشائع، وبجعل التعذيب مسبباً عنه بقوله سبحانه: {جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا} فإنه جواب {لَّمّاً} والتعذيب نفس إيقاع العذاب فلا يحسن جعله مسبباً عن ذلك بل العكس أولى إلا أن يؤول المجىء بإرادته، وضمير {عَـٰلِيَهَا} و{سَافِلَهَا} لمدائن قوم لوط المعلومة من السياق وهي المؤتفكات، وهي خمس مدائن: ميعة وصعره وعصره ودوما وسدوم وقيل: سبع أعظمها سدوم، وهي القرية التي كان فيها لوط عليه السلام، وكان فيها على ما روي عن قتادة أربعة آلاف ألف إنسان أو ما شاء الله تعالى من ذلك، وقيل: إن هذا العدد إنما كان في المدائن كلها، وقيل: إن ما كان في المدائن أكثر من ذلك بكثر، والله تعالى أعلم. / ونصب {عاليها} و{سافلها} على أنهما مفعولان للجعل، والمراد قلبناها على تلك الهيئة وهو جعل العالي سافلاً، وإنما قلبت كذلك ولم يعكس تهويلاً للأمر وتفظيعاً للخطب لأن جعل عاليها الذي هو مقرهم ومسكنهم سافلها أشق من جعل سافلها عاليها وإن كان مستلزماً له. روي أن لوطاً عليه السلام سرى بمن معه قبل الفجر وطوى الله تعالى له الأرض حتى وصل إلى إبراهيم عليه السلام، ثم إن جبريل عليه السلام اقتلع المدائن بيده، وفي رواية أدخل جناحه تحت المدائن فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب ثم قلبها، وما أعظم حكمة الله تعالى في هذا القلب الذي هو أشبه شيء بما كانوا عليه من إتيان الأعجاز والإعراض عما تقتضيه الطباع السليمة؛ ولا ينبغي أن يجعل الكلام كناية عن إنزال أمر عظيم فيها كما يقول القائل: اليوم قلبت الدنيا على فلان لما فيه من العدول عن الظاهر والانحراف عما نطقت به الآثار من غير داع سوى استبعاد مثل ذلك وما ذلك ببعيد، وإسناد الجعل إلى ضميره تعالى باعتبار أنه المسبب فهو إسناد مجازي باعتبار اللغة وإن كان سبحانه هو الفاعل الحقيقي، والنكتة في ذلك تعظيم الأمر وتهويله فإن ما يتولاه العظيم من الأمور فهو عظيم، ويقوي ذلك ضمير العظمة أيضاً وعلى هذا الطرز قوله سبحانه: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا} أي على المدائن أو شذاذ أهلها {حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ} وكان ذلك زيادة في تفظيع حالهم أو قطعاً لشأفتهم واستئصالاً لهم. روي أن رجلاً منهم كان بالحرم فبقي حجر معلق بالهواء حتى خرج منه فوقع عليه وأهلكه. والسجيل الطين المتحجر لقوله تعالى في الآية الأخرى: {أية : حِجَارَةً مّن طِينٍ}تفسير : [الذاريات: 33] والقرآن يفسر بعضه بعضاً، ويتعين إرجاع بعضه لبعض في قصة واحدة، وهو كما أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ومجاهد معرب سنك كل. وقال أبو عبيدة: السجيل ـ كالسجين ـ الشديد من الحجارة، وقيل: هو من أسجله إذا أرسله أو أدر عطيته، والمعنى حجارة كائنة من مثل الشيء المرسل أو مثل العطية في الإدرار وهو على هذا خارج مخرج التهكم، وقيل: من السجل بتشديد اللام وهو الصك، ومعنى كونه من ذلك أنه مما كتب الله تعالى عليهم أن يعذبهم به، وقيل: أصله من سجين وهو اسم لجهنم أو لواد فيها، فأبدلت نونه لاماً. وقال أبو العالية وابن زيد: السجيل اسم لسماء الدنيا. قال أبو حيان: وهو ضعيف لوصفه بقوله سبحانه: {مَّنْضُودٍ} أي نضد وضع بعضه على بعض معداً لعذابهم، أو نضد في الإرسال يرسل بعضه إثر بعض كقطار الأمطار، ولا يخفى أن هذه المعاني كما تأبـى ما قال أبو العالية وابن زيد تأبـى بحسب الظاهر ما قيل: إن المراد به جهنم، وتكلف بعضهم فقال: يمكن وصف جهنم بذلك باعتبار المعنى الأول بناءاً على أنه دركات بعضها فوق بعض أو أن الأصل منضود فيه فاتسع، وقد يتكلف بنحو هذا لما قاله أبو العالية وابن زيد. وجوز أن يكون {مَّنْضُودٍ} صفة حجارة على تأويل الحجر وجره للجوار، وعليه فالأمر ظاهر إلا أنه من التكلف بمكان.
ابن عاشور
تفسير : تقدّم الكلام على نظير {فلما جاء أمرنا}. وقوله: {جعَلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل} تعود الضّمائر الثلاثة المجرورة بالإضافة وبحرف (على) على القرية المفهومة من السياق. والمعنى أن القرية انقلبت عليهم انقلاب خسفٍ حتى صار عالي البيوت سافلاً، أي وسافلها عالياً، وذلك من انقلاب الأرض بهم. وإنما اقتصر على ذكر جعل العالي سافلاً لأنه أدخل في الإهانة. والسجّيل: فُسّر بواد نارٍ في جهنّم يقال: سجّيل باللاّم، وسجّين بالنون. و{من} تبعيضية، وهو تشبيه بليغ، أي بحجارة كأنّها من سجيل جهنم، كقول كعب بن زهير:شعر : وجلدها مِن أطوم البيت تفسير : وقد جاء في التّوراة: أن الله أرسل عليهم كبريتاً وناراً من السماء. ولعلّ الخسف فجّر من الأرض براكين قذفت عليهم حجارة معادن محرقة كالكبريت، أو لعلّ بركاناً كان قريباً من مدنهم انفجر باضطرابات أرضية ثم زال من ذلك المكان بحوادث تعاقبت في القرون، أو طَمى عليه البحر وبقيَ أثر البحر عليها حتّى الآن، وهو المسمّى بُحيرة لوط أو البحرَ الميت. وقيل: سجّيل معرب (سنك جيل) عن الفارسية أي حجر مخلوط بطين. والمنضود: الموضوع بعضه على بعض. والمعنى هنا أنها متتابعة متتالية في النزول ليس بينها فترة. والمراد وصف الحجارة بذلك إلا أن الحجارة لمّا جعلت من سجّيل، أجري الوصف على سجّيل وهو يفضي إلى وصف الحجارة لأنّها منه. والمسوّمَة: التي لها سِيما، وهي العلامة. والعلامات توضع لأغراض، منها عدم الاشتباه، ومنها سهولة الإحضار، وهو هنا مكنّى به عن المُعدّة المهيّئة لأن الإعداد من لوازم التوسيم بقرينة قوله: {عند ربك} لأن تسويمها عند الله هو تقديره إياها لهم. وضمير {وما هي} يصلح لأن يعود إلى ما عادت إليه الضمائر المجرورة قبله وهي المدينة، فيكون المعنى وما تلك القرية ببعيد من المشركين، أي العرب، فمن شاء فليذهب إليها فينظر مصيرها، فالمراد البعد المكانيّ. ويصلح لأن يعود إلى الحجارة، أي وما تلك الحجارة ببعيد، أي أنّ الله قادر على أن يرمي المشركين بمثلها. والبعد بمعنى تعذّر الحصول ونفيه بإمكان حصوله. وهذا من الكلام الموجّه مع صحة المعنيين وهو بعيد. وجرّد {بعيد} عن تاء التأنيث مع كونه خبراً عن الحجارة وهي مؤنث لفظاً، ومع كون {بعيد} هنا بمعنى فاعل لا بمعنى مفعول، فالشأن أن يطابق موصوفه في تأنيثه، ولكن العرب قد يجرون فعيلاً الذي بمعنى فاعل مجرى الذي بمعنى مفعول إذا جرى على مؤنث غير حقيقي التأنيث زيادة في التخفيف، كقوله تعالى في سورة الأعراف (56) {أية : إنّ رحمت الله قريبٌ من المحسنين}تفسير : وقوله: {أية : وما يدريك لعلّ الساعة تكون قريباً}تفسير : [الأحزاب: 63] وقوله: {أية : قال مَن يُحيي العظام وهي رميم}تفسير : [يس: 78]. وقيل: إن قوله: {أية : وما كانت أمك بغيا}تفسير : [مريم: 28] من هذا القبيل، أي باغية. وقيل: أصله فعول بغوي فوقع إبدال وإدغام. وتأوّل الزمخشري ما هنا على أنه صفة لمحذوف، أي بمكان بعيد، أو بشيء بعيد عن الاحتمالين في معاد ضمير {هي}.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} الآية. اختلف العلماء في المراد بحجارة السجيل اختلافاً كثيراً، والظاهر أنها حجارة من طين في غاية الشدة والقوة. والدليل على أن المراد بالسجيل: الطين. قوله تعالى في الذاريات في القصة بعينها: {أية : لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِين} تفسير : [الذاريات: 33- 34]، وخير ما يفسر به القرآن: القرآن. والدليل على قوتها وشدتها: أن الله ما عذبهم بها في حالة غضبه عليهم إلا لأن النكال بها بالغ شديد. وأيضاً فإن بعض العلماء قالوا: السجيل والسجين: أختان، كلاهما الشديد من الحجارة والضرب. ومنه قول ابن مقبل. شعر : ورجلة يضربون البيض ضاحية ضرباً تواصى به الأبطال سجينا تفسير : وعلى هذا، فمعنى من سجيل: أي من طين شديد القوة. والعلم عند الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 82- فلما جاء وقت العذاب الذى قدرناه وقضينا به، جعلنا عالى القرية التى كان يعيش فيها قوم لوط سافلها، فقلبناها، وأمطرنا عليهم فى أثناء ذلك حجارة من طين حمى بالنار حتى تحجَّر. 83- كانت تقع عليهم متتابعة منتظمة معلنة العذاب من عند ربك - أيها النبى - وليست بعيدة عن الظالمين من قومك. 84- ولقد أرسلنا إلى قوم مدين أخاهم فى النسب والمودة والتراحم شُعيبا، قال لهم: يا قوم اعبدوا الله - وحده - ليس لكم من يستحق العبادة غيره، ولا تنقصوا المكيال والميزان حين تبيعون لغيركم ما يُكال ويُوزن، إنى أراكم يرجى منكم الخير، بالشكر والطاعة لله، وإعطاء الناس حقوقهم كاملة، وإنى أخاف عليكم إذا لم تشكروا خيره وتطيعوا أمره، أن يحل بكم عذاب يوم لا تستطيعون أن تفلتوا من أهواله، لأنها تحيط بالمعذبين فيها فلا يجدون سبيلا إلى الخلاص منها. 85- ويا قوم أدُّوا المكِيل والموزون مما تبيعونه وافياً على وجْه العدل والتسوية، ولا تنقصوا الناس حقهم فى أشيائهم، ولا تجوروا وتفسدوا فى الأرض بسرقة أموالهم، أو الإغارة عليهم، أو قطع الطريق على العابرين منهم، تتخذون الفساد وسيلة للكسب الحرام. 86- ما يبقى لكم من المال الحلال الذى تفضَّل به الله عليكم، خير لكم من المال الذى تجمعونه من حرام، إن كنتم تؤمنون بالله وتجتنبون ما حرمه عليكم فحاسبوا أنفسكم، وراقبوا ربكم، لست عليكم رقيباً أحصى أعمالكم وأحاسبكم عليها.
د. أسعد حومد
تفسير : {عَالِيَهَا} (82) - فَلَمَّا جَاءَ المَوْعِدُ، الذِي قَدَّرَهُ اللهُ لِنُزُولِ العَذَابِ بِهِمْ جَعَلَ عَاليَ قُرَى قَوْمِ لُوطٍ سَافِلَهَا، وَأَمْطَرَ عَلَيهَا حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مَشْوِيٍّ (مِنْ سِجِّيلٍ)، مُصَفَّفَةٍ، بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ، لِتَقَعَ عَلَيْهِمْ بِصُورَةٍ مُتَتَالِيَةٍ (مَنْضُودٍ). سِجِّيلٍ - طِينٍ طُبِخَ بِالنَّارِ كَالفَّخَّارِ أَوِ القِرْمِيدِ. مَنْضُودٍ - مَتَتَابعٍ، أَوْ مَجْمُوعٍ وَمُعَدِّ لِلْعَذابِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والحق سبحانه يبين لنا هنا أن الأمر بالعذاب حين يصدر، فالمأمور يستجيب قهراً، ويقال إن قرى قوم لوط خمس: قرية "سدوم" وقرية "دادوما" وقرية "ضعوه"، وقرية "عامورا" وقرية "قتم". وقوله تعالى: {جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ..} [هود: 82]. أي: انقلبت انقلاباً تامّاً. ويقول القرآن في موضع آخر: {أية : وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ}تفسير : [النجم: 53]. والمؤتفكة من الإفك وهو الكذب المتعمَّد، أي: قول نسبة كلامية تخالف الواقع، ولأن من يقول الإفك إنما يقلب الحقيقة إلى غير الحقيقة زعماً، ويقلب غير الحقيقة إلى ما يشبه الحقيقة. كذلك المؤتفكة، أي: القرى التي جعل عاليها سافلها فانقلبت فيها الأوضاع. ونفذ أمر الله بأن أمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، وهو طين قد تحجَّر. والحق سبحانه يقول في آية أخرى {أية : .. حِجَارَةً مِّن طِينٍ}تفسير : [الذرايات: 33]. وكلمة "حجارة" تعطي الإحساس بالصلابة، أما كلمة "طين" فتعطي إحساساً بالليونة، ولكن الطين الذي نزل قد تحجر بأمر من الله تعالى، وهو قد نزل منضوداً.. أي: يتتابع في نظام، وكأن كل حجر يعرف صاحبه، لأن الحق سبحانه يقول بعد ذلك: {مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} [الآية: 82]. قال: هي بالفارسية أَولها حجر وآخرها طين. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {مُّسَوَّمَةً} [الآية: 83]. قال: معلمة. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [الآية: 83]. يرهب بها قريشاً. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الآية: 88]. يعني: أَرجع. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} [الآية: 92]. يقول: تاركوا ما جاءَ به شعيب وراءَهم ظهرياً. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {بَقِيَّةُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ} [الآية: 86]. يعني: طاعة الله.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} معناه شَديدٌ صَلِبٌ. ويقال إِنَّها بالفَارسيةِ سك وكل، وماءٌ وَطينٌ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 362 : 13 : 7 - سفين في قوله {مِّن سِجِّيلٍ} قال، فيها طين. [الآية 82].
همام الصنعاني
تفسير : 1227- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ وعكرمة، في قوله تعالى: {مِّن سِجِّيلٍ}: [الآية: 82]، قَالاَ: مِنْ طِينٍ {مُّسَوَّمَةً}: [الآية: 83]، قال: مطوقة بها نضح من حمرة {مَّنْضُودٍ}: [الآية: 82]، يقول: مصفوفة، قال: {وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}: [الآية: 83]، يقول: لم يبرأ مِنْهَا ظالم بعدهم. 1228- حدثنا عبد الرزاق، مَعْمَر، عن قَتَادَةَ، قال: مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قوم لوطٍ، رُجِمَ إن كانَ محصناً وإن كَانَ بكراً جُلِدَ مائة. 1229- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري، مثله. قال: يُرْجَمُ إن كَانَ محصناً، ويجلد إن كانَ بكراً، ويغلظ عليه في الحبس والنَّفْي. 1230- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري، عن عُرْوَةَ، عن عائشَةَ، قالت: أول ما اتُّهِمَ بالأمر القبيح يعني عَمَل قومِ لُوطٍ، عَلَى عَهْدِ عمر اتهم به رجل، فَأَمَرَ عُمَرُ بعضَ شباب قريش أن لا يُجَالِسُوه. 1231- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري، في الذي يأتي البهيمة قال: يجلد مائة أحصن أم لم يحصن. 1232- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري، قال: من قذف رجلاً ببهيمة، جُلِدَ حدَّ الفرية.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):