Verse. 1556 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

مُّسَوَّمَۃً عِنْدَ رَبِّكَ۝۰ۭ وَمَا ہِيَ مِنَ الظّٰلِـمِيْنَ بِبَعِيْدٍ۝۸۳ۧ
Musawwamatan AAinda rabbika wama hiya mina alththalimeena bibaAAeedin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«مُسوَّمة» معلمة عليها اسم من يرمى بها «عند ربك» ظرف لها «وما هي» الحجارة أو بلادهم «من الظالمين» أي أهل مكة «ببعيد».

83

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {مُّسَوَّمَةً} معلمة للعذاب. وقيل معلمة ببياض وحمرةً. أو بسيما تتميز به عن حجارة الأرض، أو باسم من يرمى بها. {عِندَ رَبّكَ } في خزائنه. {وَمَا هِى مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ } فإنهم بظلمهم حقيق بأن تمطر عليهم، وفيه وعيد لكل ظالم. وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : أنه سأل جبريل عليه السلام فقال: يعني ظالمي أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة»تفسير : وقيل الضمير للقرى أي هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في أسفارهم إلى الشام، وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مُّسَوَّمَةً } معلمة عليها اسم من يُرْمى بها {عِندَ رَبِّكَ } ظرف لها {وَمَا هِىَ } الحجارة أو بلادهم {مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ } أي أهل مكة {بِبَعِيدٍ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {مُّسَوَّمَةً} معلمة ببياض في حمرة "ع"، أو مختمة على كل حجر اسم صاحبه. {عِندَ رَبِّكَ} في علمه، أو في خزائنه لا يتصرف فيها سواه {الظَّالِمِينَ} من قريش، أو العرب، أو ظالمي هذه الأمة، أو كل ظالم. وأمطرت الحجارة على المدن حين رفعها، أو على من كان خارجاً عنها من أهلها.

النسفي

تفسير : {مُّسَوَّمَةً } نعت لـ {حجارة{ أي معلمة للعذاب. قيل: مكتوب على كل واحد اسم من يرمي به {عِندَ رَبّكَ } في خزائنه أو في حكمه {وَمَا هِى مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ } بشيء بعيد، وفيه وعيد لأهل مكة فإن جبريل عليه السلام قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعني ظالمي أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرَض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة، أو الضمير للقرى أي هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في مسايرهم. {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً } هو اسم مدينتهم أو اسم جدهم مدين بن إبراهيم أي وأرسلنا شعيباً إلى ساكني مدين أو إلى بني مدين {قَالَ يَـا قَوْمٌ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ } أي المكيل بالمكيال {وَٱلْمِيزَانَ } والموزون بالميزان {إِنّى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ } بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف، أو أراكم بنعمة من الله حقها أن تقابل بغير ما تفعلون {وَإِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ } مهلك من قوله {أية : وأحيط بثمره}تفسير : [الكهف: 42] وأصله من إحاطة العدو والمراد عذاب الاستئصال في الدنيا أو عذاب الآخرة { وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ } أتموهما {بِٱلْقِسْطِ } بالعدل. نهوا أولاً عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان، ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في العقول لزيادة الترغيب فيه، وجيء به مقيداً بالقسط أي ليكن الإيفاء على وجه العدل والتسوية من غير زيادة ولا نقصان {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ } البخس: النقص، كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء فنهوا عن ذلك {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } العشى والعيث أشد الفساد نحو السرقة والغارة وقطع السبيل، ويجوز أن يجعل البخس والتطفيف عثيا منهم في الأرض {بَقِيَّتُ ٱللَّهِ } ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم {خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } بشرط أن تؤمنوا. نعم بقية الله خير للكفرة أيضاً لأنهم يسلمون معها من تبعة البخس والتطفيف إلا أن فائدتها تظهر مع الإيمان من حصول الثواب مع النجاة من العقاب ولا تظهر مع عدمه لانغماس صاحبها في غمرات الكفر وفي ذلك تعظيم للإيمان وتنبيه على جلالة شأنه، أو المراد إن كنتم مصدقين لي فيما أقول لكم وأنصح به إياكم {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } لنعمه عليكم فاحفظوها بترك البخس.

الخازن

تفسير : {مسومة عند ربك} صفة للحجارة يعني معلمة قال ابن جريج: عليها سيما لا تشاكل حجارة الأرض، وقال قتادة وعكرمة: عليها خطوط حمر على هيئة الجزع وقال الحسن والسدي: كانت مختومة عليها أمثال الخواتيم، وقيل: كان مكتوباً عليها أي على كل حجر اسم صاحبه الذي يرمى به {وما هي} يعني تلك الحجارة {من الظالمين} يعني مشركي مكة {ببعيد} قال قتادة وعكرمة: يعني ظالمي هذه الآمة والله ما أجار الله منها ظالماً بعد وفي بعض الآثار ما من ظالم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة، وقيل: إن الحجارة اتبعت شذاذ قوم لوط حتى إن واحداً منهم دخل الحرم فوجد الحجر معلقاً في السماء أربعين يوماً حتى خرج ذلك الرجل من الحرم فسقط عليه الحجر فأهلكه. قوله عز وجل: {وإلى مدين} يعني وأرسلنا إلى مدين {أخاهم شعيباً} مدين اسم لابن إبراهيم الخليل عليه السلام ثم صار إسماً للقبيلة من أولاده وقيل هو اسم مدينة بناها مدين بن إبراهيم فعلى هذا يكون التقدير وأرسلنا إلى أهل مدين فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه {قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} يعني وحِّدوا الله ولا تعبدوا معه غيره كانت عادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يبدؤون بالأهم فالأهم ولما كانت الدعوة إلى توحيد الله وعبادته أهم الأشياء قال شعيب اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ثم بعد الدعوة إلى التوحيد شرع فيما هم فيه ولما كان المعتاد من أهل مدين البخس في الكيل والوزن دعاهم إلى ترك هذه العادة القبيحة وهي تطفيف الكيل والوزن فقال {ولا تنقصوا المكيال والميزان} النقص في الكيل والوزن على وجهين أحدهما: أن يكون الاستنقاص من قبلهم فيكيلون ويزنون للغير ناقصاً، والوجه الآخر: هو استيفاء الكيل والوزن لأنفسهم زائداً عن حقهم فيكون نقصاً في مال الغير وكلا الوجهين مذموم فلهذا نهاهم شعيب عن ذلك بقوله ولا تنقصوا المكيال والميزان {إني أراكم بخير} قال ابن عباس: كانوا موسرين في نعمة وقال مجاهد: كانوا في خصب وسعة فحذرهم زوال تلك النعمة وغلاء السعر وحصول النقمة إن لم يتوبوا ولم يؤمنوا وهو قوله: {وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط} يعني: يحيط بكم فيهلككم جميعاً وهو عذاب الاستئصال في الدنيا أو حذرهم عذاب الآخرة ومنه قوله سبحانه وتعالى وإن جهنم لمحيطة بالكافرين {ويا قوم أوفوا المكيال والميزان} أي أتموهما ولا تطففوا فيهما {بالقسط} أي بالعدل، وقيل: بتقويم لسان الميزان وتعديل المكيال {ولا تبخسوا الناس} أي: ولا تنقصوا الناس {أشياءهم} يعني أموالهم فإن قلت قد وقع التكرار في هذه القصة من ثلاثة أوجه لأنه قال ولا تنقصوا المكيال والميزان، ثم قال: أوفوا المكيال والميزان وهذا عين الأول ثم قال ولا تبخسوا الناس أشياءهم وهذا عين ما تقدم فما الفائدة في هذا التكرار. قلت: إن القوم لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح وهو تطفيف الكيل والوزن ومنع الناس حقوقهم احتيج في المنع إلى المبالغة في التأكيد والتكرير يفيد شدة الاهتمام والعناية بالتأكيد فلهذا كرر ذلك ليقوى الزجر والمنع من ذلك الفعل لأن قوله ولا تنقصوا المكيال والميزان نهى عن التنقيص وقوله أوفوا المكيال والميزان أمر بإيفاء العدل وهذا غير الأول ومغاير له ولقائل أن يقول النهي ضد الأمر فالتكرار لازم على هذا الوجه قلنا الجواب عن هذا قد يجوز أن ينهى عن التنقيص ولا يأمر بإيفاء الكيل والوزن فلهذا جمع بينهما فهو كقولك صل رحمك ولا تقطعها فتريد المبالغة في الأمر والنهي وأما قوله ثانياً ولا تبخسوا الناس أشياءهم فليس بتكرير أيضاً لأنه سبحانه وتعالى لما خصص النهي عن التنقيص والأمر بإيفاء الحق في الكيل والوزن عمم الحكم في جميع الأشياء التي يجب إيفاء الحق فيها فيدخل فيه الكيل والوزن وغير ذلك فظهر بهذا البيان فائدة التكرار والله أعلم؟ وقوله سبحانه وتعالى: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} يعني بتنقيص الكيل والوزن ومنع الناس حقوقهم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [الآية: 83]. قال محمد بن الفضل: ما أصاب قوم لوط ما أصابهم إلا بالتهاون بالأمر، وقلة المبالاة، وارتكاب المحارم بالتأويلات. قال الله تعالى: {وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} أى ما العذاب ممن عمل ما عملوا من تخطى الشرعِ، والتهاون بالأمر وارتكاب المناهى بالتأويلات ببعيد، والظالم من وضع ما أمر به غير موضعه، إذ ليس كل مترسم بالطاعة مطيعًا حتى يحفظ أوقات الطاعة باتباع الأمر ممن فرط فى ذلك، أو تخطى أوقات الأوامر صار فى درجة العصاة التى قال الله: {وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}.

القشيري

تفسير : ذكر سبحانه ما نالهم من العقوبة على عصيانهم، ثم أخبر أنَّ تلك العقوبةَ لاحقةٌ بمن سَلَكَ سبيلَهم تحذيراً لمن لم يعتبر بهم إذا عرف طريقَهم، كما قيل: شعر : ومَنْ يَرَني ولم يعتبر بَعْدِي فإنَّ لكلِّ معصيةٍ عقابا

اسماعيل حقي

تفسير : {مسومة} نعت حجارة اى معلمة لا تشبه حجارة الدنيا او باسم صاحبها الذى تصيبه ويرمى بها {عند ربك} اى جاءت من عند ربك. قال الكاشفى [آماده كشته درخزائن بروردكار تو يراى عذاب ايشان] -روى- ان الحجر اتبع شذاذهم اينما كانوا فى البلاد ودخل رجل منهم الحرم وكان الحجر معلقا فى السماء اربعين يوما حتى خرج فاصابه فاهلكه [در تفسير زاهدى آورده كه سنك كلان اوبرابرخمى بود وخردى مساوى اسبوى] يقول الفقير لعل الامطار على تلك القرى بعد القلب انما هو لتكميل العقوبة كالرجفة الواقعة بعد الصيحة لقوم صالح ولتحصيل الهلاك لمسافريهم الخارجين من بلادهم لمصالحهم وهو الظاهر والله اعلم {وما هى} اى الحجارة الموصوفة {من الظالمين} من كل ظالم فهو بسبب ظلمهم مستحقون لها ملابسون بها {ببعيد} تذكيره على تأويل الحجارة بالحجر. وفيه وعيد لاهل الظلم كافة وعنه عليه السلام انه سأل جبرائيل فقال يعنى ظالمى امتك ما من ظالم الا وهو بعرضة حجر يسقط من ساعة الى ساعة يقال فلان عرضة للناس لا يزالون يقعون فيه وجعلت فلانا عرضة لكذا اى نصبته فلا تظن الظالمين انهم يتخلصون ويسلمون من هذه الحجارة بل تسقط عليهم وقت وفاتهم وحصولهم الى صباح موتهم ونظيره حديث : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قاعدا مع اصحابه فى المسجد فسمعوا هدّة عظيمة وهى صوت انهدام الحائط فارتاعوا اى خافوا وفزعوا فقال عليه السلام "أتعرفون ما هذه الهدة" قالوا الله ورسوله اعلم قال "حجر القى من اعلى جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل الى قعرها وكان وصوله الى قعرها وسقوطه فيها هذه الهدة" فما فرغ من كلامه الا والصراخ فى دار منافق من المنافقين قد مات وكان عمره سبعين سنة فلما مات حصل فى قعرها قال الله تعالى {ان المنافقين فى الدرك الاسفل من النار} تفسير : فكان سماعهم تلك الهدة التى اسمعهم الله ليعتبروا وفى الخبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليلة اسرى بى الى السماء رأيت فى السماء الثالثة حجارة موضوعة فسألت عن ذلك جبريل فقال لا تسأل عنها فلما انصرفت وقفت على تلك الحجارة وقلت اخبرنى عن الحجارة فقال هذه الحجارة فصلت من حجارة قوم لوط خبئت للظالمين من امتك ثم تلا وما هى من الظالمين ببعيد" تفسير : كذا فى زهرة الرياض شعر : جون عالم ازستمكر ننك دارد عجب نبودكه بروى سنك بارد تفسير : وفى التبيان والبعيد الذى ليس بكائن ولا يتصور وقوعه وكل ما هو كائن فهو قريب. وعن محمد بن مروان قال صرت الى جزيرة النوبة فى آخر ممرنا فامرت بالمضارب فخرج النوب يتعجبون واقبل ملكهم رجل طويل اصلع حاف عليه كساء فسلم وجلس على الارض فقلت له مالك لا تقعد على البساط قال انا ملك وحق لمن رفعه الله ان يتواضع له اذا رفعه شعر : تواضع زكردن فرازان نكوست كدا كرتواضع كند خوى اوست تفسير : ثم قال ما بالكم تطاون الزرع بدوابكم والفساد محرم عليكم فى كتابكم فقلت عبيدنا فعلوه بجهلهم قال مابالكم تشربون الخمر وهى محرمة عليكم فى دينكم قلت أشياعنا فعلوه بجهلهم قال فمابالكم تلبسون الديباج وتتحلون بالذهب والفضة وهى محرمة عليكم على لسان نبيكم قلت فعل ذلك اعاحم من خدمنا كرهنا الخلاف عليهم فجعل ينظر فى وجهى ويكرر معاذرى على وجه الاستهزاء ثم قال ليس كما تقول يا ابن مروان ولكنكم قوم ملكتم فظلمتم وتركتم ما امرتم فاذاقكم الله وبال امركم ولله فيكم نعم لم تحص وانى اخشى ان ينزل بك وانت فى ارضى مصيبة فتصيبنى معك فارتحل عنى. واعلم ان الظلم من نتائج القساوة التى تمطر على كل قلب مقدار ما قدر له فلا يزال يزداد ظلم المرء بحسب ازدياد قساوة قلبه فاذا احاطت بمراءة قلبه قساوته ابعد من ان يكون مرجوا نجاته وكان من المهلكين بحجر القساوة النازلة من سماء القهر والجلال عصمنا الله واياكم من البغى والفساد وارشدنا الى العدل والصلاح انه ولى الارشاد

الجنابذي

تفسير : {مُّسَوَّمَةً} معلّمة بالنّقاط للعذاب {عِندَ رَبِّكَ} متعلّق بمسوّمة او ظرف متسقرّ حال من المستتر فى مسوّمةً {وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} تعريض بأمّة محمّد (ص) والمراد مطلق من ظلم او من ظلم مثل ظلمهم باتيان الذّكور روى انّه من مات مصرّاً على اللّواط لم يمت حتّى يرميه الله بحجر من تلك الاحجار فيكون فيه منيّته ولا يراه احد وقصّة لوط (ع) وقومه وسوء فعلهم وخراب ديارهم مذكورة فى المفصّلات.

اطفيش

تفسير : {مُسوَّمةً عند ربِّك} معلمة بعلامات أصحابها، كتب فى كل منها اسم من يرمى به بعلامة تتميز بها عن حجارة الأرض، وعن الحسن، والسدى، عليها مثل الخواتيم، وعن عكرمة وقتادة عليها خطوط حمر على هيئة الجزع، وقيل عليها خطوط حمر وبيض، وهو مروى عن الحسن، وقال ابن جريج: معلمة بعلامة تتميز بها عن حجارة الأرض، ولا تشاكلها، وقيل معلمة للعذاب. {وما هِىَ} أى الحجارة {مِنَ الظَّالمينَ} ظالمى هذه الأمة، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عنهم فقال: هم ظالموا أمتك، ما من ظالم منهم إلا وهو يعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة، قيل: لا يبعد أن يحصبوا كما حصب قوم لوط، وإن صح الحديث لم يجز العدول عنه، وقيل: المراد بهم من كان خارجا من المدائن المذكورة، وقيل: لضمير لتلك المدائن، فالظالمون كفار قريش. {ببَعِيدٍ} لم يقل بعيدة، لأن فعيلا بمعنى فاعل يجوز تذكيره، ولو كان للمؤنث، أو للتأويل بالحجر، أو المكان، أو لأن المراد بشئ بعيد، والباء صلة للتأكيد، والمعنى ليست تلك الحجارة بعيدة من ظالمى أمتك، أو ليست بعيدة ممن خرج عن تلك المدائن من أهلها. روى أن رجلا دخل مكة وقعد أربعين يوما حتى قضى حاجته، فخرج من الحرم ووقع عليه حجر انتظاره بين السماء والأرض، وتقدم الكلام عليه، أو ليست تلك الحجارة حين إرادة إمطارها بعيدة، لأنها إذا أرسلت فهى أسرع شئ لحوقاً، أو ليست تلك المدائن بعيدة من ظالمى مكة، بل يمرون عليها فى أسفارهم إلى الشام، ويجوز أن تكون الباء ظرفية بمعنى فى، أى ما واقع تلك الحجارة فى مكان بعيد، أو ما تلك المدائن فى مكان بعيد من أهل مكة فى سفرهم، وعن جابر بن عبيد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أخوف ما أخاف على أمتى عمل قوم لوط ".

اطفيش

تفسير : {مُسَوَّمَةٍ} معلمة كل واحد مكتوب عليه اسم صاحبه الذى يرمى به، أَو مميزة بما يعلم به أَنها ليست من حجر الأَرض أَو مخلوطة بخطوط بيض وحمر، أَو معلمة للعذاب، وعن ابن عباس: منها أَبيض فيه نقط سود أَو أَسود فيه نقط بيض، ويقال بعضها كرأْس البعير وبعضها كمبركه، وبعضها كقبضة الرجل. وعن الحسن والسدى كان عليها أَمثال الخواتم كالطين المختوم، قال أَبو صالح: رأَيت منها عند أُم هانىءٍ وكان عليها خطوط حمر على هيئة الجذع، قلت: الذى يقرب أَن يكون عند أُم هانىءٍ حجارة أَصحاب الفيل، وهو نعت لحجارة ولا بأْس بتقديم النعت غير الصريح، وهو من سجل عليه ولك جعله حالا من ضمير الاستقرار فى من سجيل أَو حالا من حجارة لوصفه بمن سجيل {عِنْدَ رَبِّكَ} يا محمد صلى الله عليه وسلم، أَى فى خزائِنه، والعندية عندية ملك، وهو لفظ مستعار للمكان المتخيل للعيوب استعارة مصرحة، وهو متعلق بمسومة أَو بمحذوف نعت لحجارة وقال بعض جاءَت من عند ربك {وَمَا هِىَ} أَى الحجارة {مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} متعسر، والظالمون هم قوم لوط المقلوبون، ذكرهم باسم الظلم تشنيعاً عليهم بموجب هلاكهم وهو ظلمهم باللواط وهذا تأْكيد لما قيل، أَى أَصابهم به ذلك الهلاك وهم أَهل له لابد لهم به، وهذا معنى البعد المنفى، وفى الآية وعيد لكل ظالم لنفسه أَو غيره باللواط أَو غيره، وقد قيل المراد بالظالمين من يعمل عمل قوم لوط بعدهم أَى وما عقوبتها برد الضمير للعقوبة. وقيل إِنه صلى الله عليه وسلم سأَل جبريل عن الظالمين فقال: "حديث : هؤلاءِ كفار أُمتك المكذبين، كل واحد يرقبه حجر إِذا مات أَو كان فى النزع رمى به"تفسير : ، فقد رمى من مات منهم فى بدر وأَحد مثلا على كفره، وقيل من شأْنهم الرمى عند احتضارهم، ولكن لم يقع، وقيل المعنى أَن الحجارة أَصابت من غاب منهم كما أَصابت من حضر كما مر، وقيل الضمير للقرى، والمعنى ما قرى قوم لوط بعيد المشاهدة عن الظالمين من قومك فإِنهم يشاهدون محالها وما بقى مما يليها فى مسيرهم إِلى الشام والباءُ صلة، وذكر بعيد لتأْويل هى بالحجر جنس الحجارة أو تأْويل القرى بالمكان وهذا إِن رجع الضمير للعقوبة يؤُول بالعذاب أَوالعقاب أَو لأَن بعيد المصدر كالصهيل أَو الباءُ بمعنى فى وبعيد نعت لمحذوف أَى وما هى فى مكان بعيد.

الالوسي

تفسير : {مُّسَوَّمَةً} أي عليها سيما يعلم بها أنها ليست من حجارة الأرض قاله ابن جريح، وقيل: معلمة ببياض وحمرة، وروي ذلك عن ابن عباس والحسن، وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس أنه كان بعضها أسود فيه نقطة بيضاء وبعضها أبيض فيه نقطة سوداء. وعن الربيع أنها كانت معلمة باسم من يرمي بها، وكان بعضها كما قيل: مثل رؤوس الإبل وبعضها مثل مباركها وبعضها مثل قبضة الرجل {عِندَ رَبّكَ} أي في خزائنه التي لا يملكها غيره سبحانه ولا يتصرف بها سواه عز وجل، والظرف قيل: منصوب ـ بمسومة ـ أو متعلق بمحذوف وقع صفة له، والمروي عن مقاتل / أن المعنى أنها جاءت من عند ربك، وعن أبـي بكر الهذلي أنها معدة عنده سبحانه. وقال ابن الأنباري: المراد ألزم هذا التسويم للحجارة عنده تعالى إيذاناً بقدرته وشدة عذابه فليفهم. {وَمَا هِيَ} أي الحجارة الموصوفة بما ذكر {مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ} من كل ظالم {بِبَعِيدٍ} فانهم بسبب ظلمهم مستحقون لها، وفيه وعيد لأهل الظلم كافة، وروي هذا عن الربيع. وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أن المراد من الظالمين ظالمو هذه الأمة، وجاء في خبر ذكره الثعلبي، وقال فيه العراقي: لم أقف له على إسناد أنه صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عليه السلام عن ذلك فقال: يعني ظالمي أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة. وقيل: المراد بالظالمين قوم لوط عليه السلام، والمعنى لم تكن الحجارة لتخطئهم. وعن ابن عباس أن المعنى وما عقوبتهم ممن يعمل عملهم ببعيد، وظاهره أن الضمير للعقوبة المفهومة من الكلام، و {ٱلْظَّـٰلِمِينَ} من يشبههم من الناس، ويمكن أن يقال: إن مراده بيان حاصل المعنى لا مرجع الضمير. وذهب أبو حيان إلى أن الظاهر أن يكون ضمير {هِيَ} للقرى التي جعل عاليها سافلها والمراد من {ٱلْظَّـٰلِمِينَ} ظالمو مكة، وقد كانت قريبة إليهم يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام. وتذكير ـ البعيد ـ يحتمل أن يكون على تأويل الحجارة بالحجر المراد به الجنس، أو إجرائه على موصوف مذكر أي بشيء بعيد، أو بمكان بعيد فإنها وإن كانت في السماء وهي في غاية البعد من الأرض إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بهم فكأنها بمكان قريب منهم، أو لأنه على زنة المصدر ـ كالزفير والصهيل ـ والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}. في هذه الآية الكريمة ثلاثة أوجه من التفسير للعلماء: اثنان منها كلاهما يشهد له القرآن، وواحد يظهر أنه ضعيف. أما الذي يظهر أنه ضعيف فهو أن المعنى: أن تلك الحجارة ليست بعيدة من قوم لوط. أي لم تكن تخطئهم. قاله القرطبي وغيره. لأن هذا يكفي عنه قوله تعالى: {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً} تفسير : [هود: 82] ونحوها من الآيات. أما الوجهان اللذان يشهد لكل واحد منهما قرآن فالأول منهما: أن ديار قوم لوط ليست ببعيدة من الكفار المكذبين لنبينا. فكان عليهم أن يعتبروا بما وقع لأهلها إذا مروا عليها في أسفارهم إلى الشام، ويخافوا أن يوقع الله بهم بسبب تكذيب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مثل ما وقع من العذاب بأولئك، بسبب تكذيبهم لوطاً عليه الصلاة والسلام. والآيات الدالة على هذا كثيرة جداً. كقوله: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وَبِٱلْلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [الصافات: 137 - 138]، وقوله: {أية : وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الحجر: 76 - 77]، وقوله {أية : وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}تفسير : [الذاريات: 37] وقوله: {أية : وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}تفسير : [العنكبوت: 35] إلى غير ذلك من الآيات, وعلى هذا القول فالضمير في قوله {وَمَا هِي} راجع إلى ديار قوم لوط المفهومة من المقام. الوجه الثاني - أن المعنى: وما تلك الحجارة التي أمطرت على قوم لوط ببعيد من الظالمين للفاعلين مثل فعلهم، فهو تهديد لمشركي العرب كالذي قبله. ومن الآيات الدالة على هذا الوجه قوله تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا}تفسير : [محمد صلى الله عليه وسلم: 10]فإن قوله: {أية : وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} تفسير : [محمد صلى الله عليه وسلم: 10] ظاهر جداً في ذلك، والآيات بنحو ذلك كثيرة تنبيه اختلف العلماء في عقوبة من ارتكب فاحشة قوم لوط، وسنذكر إن شاء الله أقوال العلماء في ذلك وأدلتهم وما يظهر رجحانه بالدليل من ذلك فنقول وبالله جل وعلا نستعين: قال بعض العلماء: الحكم في ذلك: أن يقتل الفاعل والمفعول به مطلقاً سواء كانا محصنين أو بكرين، أو أحدهما محصناً والآخر بكراً. وممن قال بهذا القول: مالك بن أنس وأصحابه، وهو أحد قولي الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد. وحكى غير واحد إجماع الصحابة على هذا القول، إلا أن القائلين به اختلفوا في كيفية قتل من فعل تلك الفاحشة. قال بعضهم: يقتل بالسيف. وقال بعضهم: يرجم بالحجارة. وقال بعضهم: يحرق بالنار. وقال بعضهم: يرفع على أعلى بناء في البلد فيرمى منه منكساً ويتبع بالحجارة. وحجة من قال بقتل الفاعل والمفعول به في اللواط مطلقاً: ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن عكرمة عن ابن عباس: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ". تفسير : قال ابن حجر: ورجاله موثقون، إلا أن فيه اختلافاً ا هـ. وما ذكره يحيى بن معين من أن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ينكر عليه حديث عكرمة هذا عن ابن عباس، فيه أن عمراً المذكور ثقة، أخرج له الشيخان ومالك كما قدمناه مستوفى. ويعتضد هذا الحديث بما رواه سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس في البكر يوجد على اللوطية: أنه يرجم. أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي. وبما أخرجه الحاكم وابن ماجة عن أبي هريرة، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اقتلوا الفاعل والمفعول به أحصنا أو لم يحصنا"تفسير : قال الشوكاني وإسناده ضعيف. قال ابن الطلاع في أحكامه: لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم في اللواط، ولا أنه حكم فيه، وثبت عنه أنه قال: "حديث : اقتلوا الفاعل والمفعول به"تفسير : رواه عنه ابن عباس وأبو هريرة. اهـ. قال الحافظ: وحديث أبي هريرة لا يصح، وقد أخرجه البزار من طريق عاصم بن عمر العمري عن سهيل عن أبيه عنه وعاصم متروك. وقد رواه ابن ماجه من طريقه بلفظ: "حديث : فارجموا الأعلى والأسفل"تفسير : اهـ. وأخرج البيهقي عن علي رضي الله عنه: أنه رجم لوطياً، ثم قال: قال الشافعي: وبهذا نأخذ برجم اللوطي محصناً كان أو غير محصن. وقال هذا قول ابن عباس قال: وسعيد بن المسيب يقول: السنة أن يرجم اللوطي أحصن أو لم يحصن. وقال البيهقي أيضاً: وأخبرنا أبو نصر بن قتادة، وأبو بكر محمد ابن إبراهيم الفارسي قالا: ثنا أبو عمرو بن مطر، ثنا إبراهيم بن علي، ثنا يحيى بن يحيى، أنبأ عبد العزيز بن أبي حازم، أنبأ داود بن بكر عن محمد بن المنكدر، عن صفوان بن سليم أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما في خلافته يذكر له: أنه وجد رجلاً في بعض نواحي العرب ينكح كما تنكح المرأة، وأن أبا بكر رضي الله عنه جمع الناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم عن ذلك، فكان من أشدهم يومئذ قولاً علي بن أبي طالب رضي الله تعالىعنه، قال: إن هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن نحرقه بالنار. فاجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يحرقه بالنار. فكتب أبو بكر رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد رضي عنه يأمره أن يحرقه بالنار. هذا مرسل. وروي من وجه آخر عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن علي رضي الله عنه في غير هذه القصة قال: يرجم ويحرق بالنار. ويذكر عن ابن أبي ليلى عن رجل من همدان: أن علياً رضي الله عنه رجم رجلاً محصناً في عمل قوم لوط. هكذا ذكره الثوري عنه مقيداً بالإحصان. وهشيم رواه عن ابن أبي ليلى مطلقاً اهـ منه بلفظه. فهذه حجج القائلين بقتل الفاعل والمفعول به في اللواط. وحجة من قال: إن ذلك القتل بالنار هو ما ذكرناه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفاً. وحجة من قال: إن قتله بالسيف قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فاقتلوا والفاعل والمفعول به"تفسير : والقتل إذا أطلق انصرف إلى القتل بالسيف. وحجة من قال: إن قتله بالرجم هو ما قدمنا من رواية سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس: أنه يرجم. وما ذكره البيهقي وغيره عن علي أنه رجم لوطياً، ويستأنس كذلك بأن الله رمى أهل تلك الفاحشة بحجارة السجيل. وحجة من قال: يرفع من أعلى بناء أو جبل ويلقى منكساً ويتبع بالحجارة: أن ذلك هو الذي فعله الحكيم الخبير بقوم لوط، كما قال: {أية : جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} تفسير : [هود: 82]. قال مقيدة عفا الله عنه: وهذا الأخير غير ظاهر، لأن قوم لوط لم يكن عقابهم على اللواط وحده، بل عليه، وعلى الكفر، وتكذيب نبيهم صلى الله عليه وسلم. فهم قد جمعوا إلى اللواط ما هو أعظم من اللواط، وهو الكفر بالله، وإيذاء رسوله صلى الله عليه وسلم. القول الثاني - هو أن اللواط زنى فيجلد مرتكبه مائة إن كان بكراً ويغرب سنة، ويرجم إن كان محصناً. وهذا القول هو أحد قولي الشافعي. وذكر البيهقي عن الربيع بن سليمان: أن الشافعي رجع إلى أن اللواط زنى، فيجري عليه حكم الزنى، وهو إحدى الروايتين عن أحمد رحمهم الله تعالى. ورواه البيهقي عن عطاء وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وهو قول أبي يوسف ومحمد وسعيد بن المسيب والحسن وقتادة والنخعي والثوري والأوزاعي وغيرهم. واحتج أهل هذا القول بما رواه البيهقي عن محمد بن عبد الرحمن عن خالد الحذاء عن ابن سرين عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان"تفسير : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبي طالب، ثنا أبو بدر، ثنا محمد بن عبد الرحمن فذكره. قال الشيخ: ومحمد بن عبد الرحمن هذا لا أعرفه، وهو منكر بهذا الإسناد. انتهى منه بلفظه. وقال الشوكاني رحمه الله في "نيل الأوطار" في هذا الحديث، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن كذبه أبو حاتم. وقال البيهقي لا أعرفه، والحديث منكر بهذا الإسناد. ورواه أبو الفتح الأزدي في الضعفاء، والطبراني في الكبير من وجه آخر عن أبي موسى. وفيه بشر بن المفضل البجلي وهو مجهول. وقد أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عنه اهـ منه. واستدل القائلون بهذا القول أيضاً بقياس اللواط على الزنى بجامع أن الكل إيلاج فرج في فرج محرم شرعاً، مشتهى طبعاً. ورد بأن القياس لا يكون في الحدود، لأنها تدرأ بالشبهات. والأكثرون على جواز القياس في الحدود، وعليه درج في مراقي السعود بقوله: شعر : والحد والكفارة التقدير جوازه فيها هو المشهور تفسير : إلا أن قياس اللائط على الزاني يقدح فيه بالقادح المسمى: "فساد الاعتبار"، لمخالفته لحديث ابن عباس المتقدم: أن الفاعل والمفعول به يقتلان مطلقاً، أحصنا أو لم يحصنا، ولا شك أن صاحب الفطرة السليمة لا يشتهي اللواط، بل ينفر منه غاية النفور بطبعه كما لا يخفى. القول الثالث - أن اللائط لا يقتل ولا يحد حد الزنى، وإنا يعزر بالضرب والسجن ونحو ذلك. وهذا قول أبي حنيفة. واحتج أهل هذا القول بأن الصحابة اختلفوا فيه، واختلافهم فيه يدل على أنه ليس فيه نص صحيح، وأنه من مسائل الاجتهاد، والحدود تدرأ بالشبهات قالوا: ولا يتناوله اسم الزنى، لأن لكل منهما اسماً خاصاً به، كما قال الشاعر: شعر : من كف ذات حر في زنى ذي ذكر لها محبان لوطي وزناء تفسير : قالوا: ولا يصح إلحاقه بالزنى لوجود الفارق بينهما. لأن الداعي في الزنى من الجانبين بخلاف اللواط، ولأن الزنى يفضي إلى الاشتباه في النسب وإفساد الفراش بخلاف اللواط. قال في مراقي السعود: شعر : والفرق بين الأصل والفرع قدح إبداء مختص بالأصل قد صلح أو مـانع فــي الفرع... الــــــــــــــــخ..... تفسير : واستدل أهل هذا القول أيضاً بقوله تعالى: {أية : وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا} تفسير : [النساء: 16] الآية. قالوا المراد بذلك: اللواط. والمراد بالإيذاء: السبّ أو الضرب بالنعال. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ} قال: الرجلان الفاعلان. وأخرج آدم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله: {فَآذُوهُمَا} يعني سبا، قاله صاحب "الدرالمنثور".

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلظَّالِمِينَ} (83) - وَكَانَتْ هذِهِ الحِجَارَةُ تَحْمِلُ عَلاَمَاتٍ (مُسَوَّمَةً). وَمِثْلُ هذِهِ الحِجَارَةِ التِي أَهْلَكَ اللهُ بها قَوْمَ لُوطٍ مُعَدَّةٌ وَجَاهِزَةٌ، بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى، لإِهْلاَكِ الظَّالِمِينَ الفَجَرَةِ، وَهُمْ لَيْسُوا بِنَجْوَةٍ مِنْهَا. مُسَوَّمَةً - مُعَلَّمَةً لِلْعَذَابِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلمة "مسوَّمة" أي: مُعلَّمة، وكأن كل حجر قد تم توجيهه إلى صاحبه، فهذا الحجر يذهب إلى فلان، وذاك إلى فلان، مثل الصواريخ الموجهة إلى البلاد، ولكن الدقة في هذه الحجارة أن كل حجر يعرف على من بالتحديد سوف ينزل بالعذاب، وقد جعلها الحق سبحانه لتعذيب المكين، أي: الإنسان، ولا تدمر البلاد. وهي مُرتَّبة؛ لأن الحق سبحانه قال: {أية : .. سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ}تفسير : [هود: 82]. ووردت كلمة (سجيل) أيضاً في قول الحق سبحانه: {أية : .. طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ}تفسير : [الفيل: 3-4]. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {.. وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود: 83]. والظالمون هنا مقصود بهم الكافرون برسالة الحق - سبحانه وتعالى - التي تتابعت في الموكب الرسالي وخاتمها هو محمد صلى الله عليه وسلم. ونحن نعلم أن القصص القرآني قد نزل تسلية وثباتاً بيقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتذكرة بالأسوة: {أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ..}تفسير : [هود: 120]. وتحكي القصص المعارك التي قامت بين كل رسول مُؤيَّد بمعجزة من الله، وبين المنكرين له والكافرين به، وقد انتهت كل هذه المعارك بنصرة الرسول على الكافرين، إلا أن الرسل السابقين لم يُكلّفوا أن يقاتلوا من أجل الإيمان، بل كان عليهم أن يعلنوا الحجة الإيمانية فقط، وأن يبلغوا المنهج، فإن عصى القوم؛ فالسماء هي التي تتدخل لتأديب المخالفين. والحق سبحانه يقول: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ}تفسير : [الفجر: 6-14]. ولكن الأمر اختلف بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم، لأن دين محمد صلى الله عليه وسلم هو الدين الذي تقوم عليه الساعة، وقومه مأمونون على البلاغ عن الله تعالى خلافة للرسول صلى الله عليه وسلم. وعلى كل واحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يعلم حكماً من أحكام الله تعالى أن يبلغه؛ لأنه قائم مقام الرسول صلى الله عليه وسلم. والحق سبحانه يقول: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ..}تفسير : [البقرة: 143]. إذن: فكل واحد من أمته صلى الله عليه وسلم هو امتداد لرسالة الإسلام، وبدلاً من أن السماء كانت تتدخل لتأديب الكافرين، جعل الله سبحانه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يقفوا بالقوة أمام الكافرين، لا لفرض الإيمان؛ لأن الإيمان لا يُفرض، ولا يُكره عليه؛ لأنك قد تُكره إنساناً في الأمور الحسية، لكنك لا تستطيع أن تملك قلبه، والحق سبحانه يريد الإيمان الغيبي الذي يملك القلوب. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}تفسير : [الشعراء: 3-4]. إذن: فالحق سبحانه يريد قلوباً تخشع، لا أعناقاً تخضع. وهكذا فُوِّضَتْ أمة محمد صلى الله عليه وسلم تفويضين: فُوِّضَتْ في نقل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الأجيال، وكل جيل ينقلها إلى الجيل الذي يليه. وها هو صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : نَضَّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها إلى من لم يسمعها، فرُبَّ مُبلغٍ أوعى من سامع ". تفسير : وفُوِّضَتْ أمة محمد صلى الله عليه وسلم في أن تقف من الكافرين موقف تأديب، لا لتفرض الدين ولكن لتحمي حق اختيار الدين، فلم يحدث أن رُفع سيفٌ في الإسلام ليفرض ديناً؛ بل رفع السيف ليحمي حرية اختيار الإنسان للدين. يقول سبحانه: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ..}تفسير : [الكهف: 29]. فإذا آمن فعليه الالتزام بالإيمان، فلا يكسر حكماً من أحكام الإيمان، وهذا تصعيب للدخول في الإسلام، فمن أين يأتي ادعاء فرض الدين على المخالفين؟! إذن: فقد آمن المؤمن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إيمانين: الإيمان الأول هو أن يؤمن بالإسلام، والإيمان الثاني أن يبلغ الدعوة. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ". تفسير : فهل المقصود بالعلماء هم من يعلمون العلم فقط؛ لا، بل يقصد كل من يعرف قضية من قضايا الإيمان معرفة سليمة وصحيحة وينساح بالدعوة في الأرض ليعلِّم غير المؤمنين ويترك الناس أحراراً في اختيار الدين. وكذلك يقف المؤمنون برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأية قوة تحارب حرية اختيار الدين. وهكذا جاءت قصص القرآن لتثبيت فؤاده صلى الله عليه وسلم. ونحن نعلم أن الحق سبحانه قد بعث المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو في مكة، فصرخ بالدعوة، لا في آذان القبائل الواهية في أطراف الجزيرة، ولكن في آذان سادة الجزيرة، حتى لا يقال: إنه استضعف قوماً فناداهم إلى الإيمان به، ولم يجرؤ على السادة، وهم قريش، التي أخذت السيادة بحكم إقامتها في مكان البيت العتيق، وكان كل العرب يحجون إلى البيت الحرام، فإذا ما تعرضت قبيلة لقريش بسوء، فقريش قادرة على أن تنال من أبناء تلك القبيلة حين يحجون إلى البيت الحرام. وهكذا أخذت قريش هيبتها من وجودها حول البيت. إذن: فالبيت هو الذي صنع السيادة لقريش، وهو الذي صنع السيادة للآلهة المدَّعاة من الأصنام حين يأتي كل قوم بإلههم من الحجر؛ ليضعوه في البيت؛ ليكتسب الحجر قداسة من قداسة البيت. إذن: فقد أخذت قريش السيادة من البيت الحرام، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلن الدعوة على أسماع السادة، وسَفَّه أحلامهم، ولم يُبَالِ بجبروتهم وسيادتهم على الجزيرة. لكن الحق سبحانه قد شاء ألا يكون انتصار الإسلام على يد السادة من قريش في مكة، بل جاء انطلاق الإسلام من المدينة؛ لأن الله سبحانه أراد أن يُعلِّم الدنيا كلها أن العصبية لمحمد لم تخلق الإيمان بمحمد. ولكن الله تعالى قد شاء أن يكون المستضعفون من أطراف الجزيرة هم الذين نصروا الدعوة؛ فكأن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي خلق العصبية لمحمد للحق الممثَّل في رسالة محمد، ولم تخلق العصبية لمحمد إيماناً به وبرسالته. وإذا كان الحق سبحانه قد نعتهم بالظالمين، وبيَّن لهم أن المكان الذي قُلِبَ عاليه أسفله، ليس ببعيد عنهم، فهل لهم أن يتخذوا من ذلك عبرة؟ والظلم - كما نعلم - هو مجاوزة الحق للغير، أي: أن تأخذ حق الغير وتعطيه لغير ذي حق، فإذا كان ظلماً في الألوهية، فهذا هو الشرك العظيم، وإن كان ظلماً في إعطاء حق من حقوق الدنيا للغير، فهو ظلم للإنسانية، والظلم درجات بحسب الجريمة. وقد ظلمت قريش نفسها ظلماً عظيماً؛ لأنها أشركت بالله؛ وجعلت له شركاء في الألوهية؛ وهذا أقصى أنواع الظلم. والله سبحانه يريد أن يذكِّر هؤلاء الظالمين بأن عذاب الله حين يجيء، أو أمر الله حين يأتي؛ لا يمكن أن يقوم أمامه قائم يمنعه، فتنبهوا جيداً إلى أنكم عُرْضة أن يُنزل الله تعالى بكم العذاب كما أنزل بهذه القرى؛ وهي غير بعيدة عنكم، فالمسافة بين المدينة والشام قد تبدو مسافة طويلة إلا أن الله تعالى قد جعلهم يمرون عليها في كل رحلة من رحلات الصيف إلى الشام. إذن: فهي قرى تقع على طريق مسلوكة؛ ولذلك يقول الحق سبحانه عن موقعها: {أية : وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ}تفسير : [الحجر: 76]. أي: بطريق تمرون عليها، لا يجرفها سيل، ولا يغير معالمها ريح. بل هي طريق ثابتة مقيمة تمرون عليها حينما تذهبون في رحلة الصيف إلى الشام، فكان من الواجب أن تأخذوا في كل مرور لقطة وعبرة؛ حتى لا تقعوا في ظلم آخر. وقد نبهكم الله سبحانه أيضاً بمروركم على ديار قوم صالح الذين خاطبهم الحق سبحانه بقوله: {أية : أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ}تفسير : [الشعراء: 128-130]. هكذا ترون ديار ثمود وديار عاد وديار لوط وهي خاوية، وكان من الواجب - معشر قريش - ألا تبالغوا في الظلم، وأن تنتبهوا بالعبرة إلى مصير كل من يشرك بالله تعالى. ويلفتهم الحق سبحانه إلى أنهم لم يكفروا بحق الألوهية فقط، ولكنهم - أيضاً - كفروا بشكر النعمة، وظلموا؛ لأن الله سبحانه هو الذي أنعم عليهم برحلة الشتاء إلى اليمن، وبرحلة الصيف إلى الشام، والرحلتان للتجارة التي تأتي بالزيادة لقريش؛ لأنهم يخرجون بالأموال ويعودون بالبضائع التي يبيعونها لأهل مكة، ولزوار بيت الله الحرام. وقد أخذت قريش مهابتها عند كل قوم يمرون عليهم أثناء الرحلتين، من أنهم يعيشون حول البيت الحرام، لذلك يمتن الله سبحانه على قريش في قوله سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ}تفسير : [الفيل: 1-5]. فالقوم الذين جاءوا ليهدموا البيت الحرام - وهو رمز السيادة - لو هدم وتحوَّل الحجيج إلى صنعاء، لسقطت مهابة قريش، ولكن الله تعالى حمى البيت وأرسل عليهم طيراً أبابيل، وجعل الذين قصدوه بسوء كعصف مأكول. لماذا صنع الله تعالى ذلك؟ تأتي الإجابة في السورة التالية لسورة الفيل حيث يقول الحق سبحانه في سورة قريش: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِلٰفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}تفسير : [قريش: 1-4]. إذن: كان من الواجب حين يمرون على هذه الديار أن يأخذوا منها عبرة، وأنهم - وإن كانوا يمرون على هذه الديار بقصد التجارة وهي سر معاشهم - إذا لم يأخذوا من هؤلاء العبرة فهم يقترفون ظلماً جديداً آخر. لذلك يقول الحق سبحانه: {.. وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود: 83]. أو: أن الله سبحانه وتعالى أراد أن ينبه قريشاً إلى أن الهلاك الذي نزل بهؤلاء القوم المشركين، ليس ببعيد أن يصيب قريشاً، وأن يرسل الله سبحانه على كل واحد من الكافرين به حجراً مسوَّماً يصيبه في مكانه الذي يكون فيه. والسطحيَّون - في اللغة - يخطئون فيأخذون على القرآن مآخذ، لا تلتفت إليها الكلمة الصحيحة في اللغة، ويقولون: كيف يقول الله: {.. وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود: 83]. وكلمة "ما هي" مؤنثة، وتقتضي أن يقول: "بعيدة" بدلاً من كلمة "بعيد"، أي: أن يكون القول: "وما هي من الظالمين ببعيدة" ونسوا أن المتكلم هو الله تعالى، وأنهم لم يدرسوا اللغة دراسة صحيحة؛ لأن "فعيل" إن جاءت بمعنى "مفعول"، فهنا يستوي المذكر والمؤنث. ومثال ذلك من القرآن الكريم أيضاً هو قول الحق سبحانه: {أية : وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}تفسير : [التحريم: 4]. وقول الحق سبحانه: {أية : إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [الأعراف: 56]. إذن: فعدم درايتهم باللغة هو الذي جعلهم يخطئون مثل هذا الخطأ. ويأتي الحق سبحانه بعد ذلك بقصة أخرى من القصص التي جاء بها الله في هذه السورة لموكب الرسل، فيأتي بقصة شعيب عليه السلام، ويقول سبحانه: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ...}.