١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
84
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذه هي القصة السادسة من القصص المذكورة في هذه السورة. واعلم أن مدين اسم ابن لإبراهيم عليه السلام، ثم صار اسماً للقبيلة، وكثير من المفسرين يذهب إلى أن مدين اسم مدينة بناها مدين بن إبراهيم عليه السلام والمعنى على هذا التقدير: وأرسلنا إلى أهل مدين فحذف الأهل. واعلم أنا بينا أن الأنبياء عليهم السلام يشرعون في أول الأمر بالدعوة إلى التوحيد، فلهذا قال شعيب عليه السلام: {مَالَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } ثم إنهم بعد الدعوة إلى التوحيد يشرعون في الأهم ثم الأهم، ولما كان المعتاد من أهل مدين البخس في المكيال والميزان، دعاهم إلى ترك هذه العادة فقال: {وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ } والنقص فيه على وجهين: أحدهما: أن يكون الإيفاء من قبلهم فينقصون من قدره. والآخر: أن يكون لهم الاستيفاء فيأخذون أزيد من الواجب وذلك يوجب نقصان حق الغير، وفي القسمين حصل النقصان في حق الغير. ثم قال: {إِنّى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ } وفيه وجهان: الأول: أنه حذرهم من غلاء السعر وزوال النعمة إن لم يتوبوا فكأنه قال: اتركوا هذا التطفيف وإلا أزال الله عنكم ما حصل عندكم من الخير والراحة. والثاني: أن يكون التقدير أنه تعالى أتاكم بالخير الكثير والمال والرخص والسعة فلا حاجة بكم إلى هذا التطفيف. ثم قال: {وَإِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ } وفيه أبحاث: البحث الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أخاف أي أعلم حصول عذاب يوم محيط وقال آخرون: بل المراد هو الخوف، لأنه يجوز أن يتركوا ذلك العمل خشية أن يحصل لهم العذاب ولما كان هذا التخويف قائماً فالحاصل هو الظن لا العلم. البحث الثاني: أنه تعالى توعدهم بعذاب يحيط بهم بحيث لا يخرج منه أحد، والمحيط من صفة اليوم في الظاهر، وفي المعنى من صفة العذاب وذلك مجاز مشهور كقوله: { أية : هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ } تفسير : [هود: 77]. البحث الثالث: اختلفوا في المراد بهذا العذاب فقال بعضهم: هو عذاب يوم القيامة، لأنه اليوم الذي نصب لإحاطة العذاب بالمعذبين، وقال بعضهم: بل يدخل فيه عذاب الدنيا والآخرة وقال بعضهم: بل المراد منه عذاب الاستئصال في الدنيا كما في حق سائر الأنبياء والأقرب دخول كل عذاب فيه وإحاطة العذاب بهم كإحاطة الدائرة بما في داخلها فينالهم من كل وجه وذلك مبالغة في الوعد كقوله: { أية : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } تفسير : [الكهف: 42] ثم قال: {وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ }. فإن قيل: وقع التكرير في هذه الآية من ثلاثة أوجه لأنه قال أولاً {وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ } ثم قال: {أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ } وهذا عين الأول. ثم قال: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ } وهذا عين ما تقدم فما الفائدة في هذا التكرير؟ قلنا: إن فيه وجوهاً: الوجه الأول: أن القوم كانوا مصرين على ذلك العمل فاحتج في المنع منه إلى المبالغة والتأكيد، والتكرير يفيد التأكيد وشدة العناية والاهتمام. والوجه الثاني: أن قوله: {وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ } نهي عن التنقيص وقوله: {أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ } أمر بإيفاء العدل، والنهي عن ضد الشيء مغاير للأمر به، وليس لقائل أن يقول: النهي عن ضد الشيء أمر به، فكان التكرير لازماً من هذا الوجه، لأنا نقول: الجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى جمع بين الأمر والشيء، وبين النهي عن ضده للمبالغة، كما تقول: صل قرابتك ولا تقطعهم، فيدل هذا الجمع على غاية التأكيد. الثاني: أن نقول لا نسلم أن الأمر كما ذكرتم لأنه يجوز أن ينهى عن التنقيص وينهى أيضاً عن أصل المعاملة، فهو تعالى منع من التنقيص وأمر بإيفاء الحق، ليدل ذلك على أنه تعالى لم يمنع عن المعاملات ولم ينه عن المبايعات، وإنما منع من التطفيف، وذلك لأن طائفة من الناس يقولون إن المبايعات لا تنفك عن التطفيف ومنع الحقوق فكانت المبايعات محرمة بالكلية، فلأجل إبطال هذا الخيال، منع تعالى في الآية الأولى من التطفيف وفي الآية الأخرى أمر بالإيفاء، وأما قوله ثالثاً: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ } فليس بتكرير لأنه تعالى خص المنع في الآية السابقة بالنقصان في المكيال والميزان. ثم إنه تعالى عم الحكم في جميع الأشياء فظهر بهذا البيان أنها غير مكررة، بل في كل واحد منها فائدة زائدة. والوجه الثالث: أنه تعالى قال في الآية الأولى: {وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ } وفي الثانية قال: {أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ } والإيفاء عبارة عن الإتيان به على سبيل الكمال والتمام، لا يحصل ذلك إلا إذا أعطى قدراً زائداً على الحق، ولهذا المعنى قال الفقهاء: إنه تعالى أمر بغسل الوجه وذلك لا يحصل إلا عند غسل جزء من أجزاء الرأس. فالحاصل: أنه تعالى في الآية الأولى نهى عن النقصان، وفي الآية الثانية أمر بإعطاء قدر من الزيادة ولا يحصل الجزم واليقين بأداء الواجب إلا عند أداء ذلك القدر من الزيادة فكأنه تعالى نهى أولاً عن سعي الإنسان في أن يجعل مال غيره ناقصاً لتحصل له تلك الزيادة، وفي الثاني أمر بالسعي في تنقيص مال نفسه ليخرج باليقين عن العهدة وقوله: {بِٱلْقِسْطِ } يعني بالعدل ومعناه الأمر بإيفاء الحق بحيث يحصل معه اليقين بالخروج عن العهدة فالأمر بإيتاء الزيادة على ذلك غير حاصل. ثم قال: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ } والبخس هو النقص في كل الأشياء، وقد ذكرنا أن الآية الأولى دلت على المنع من النقص في المكيال والميزان، وهذه الآية دلت على المنع من النقص في كل الاْشياء. ثم قال: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ }. فإن قيل: العثو الفساد التام فقوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } جار مجرى أن يقال: ولا تفسدوا في الأرض مفسدين. قلنا: فيه وجوه: الأول: أن من سعى في إيصال الضرر إلى الغير فقد حمل ذلك الغير على السعي إلى إيصال الضرر إليه فقوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } معناه ولا تسعوا في إفساد مصالح الغير فإن ذلك في الحقيقة سعي منكم في إفساد مصالح أنفسكم. والثاني: أن يكون المراد من قوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } مصالح دنياكم وآخرتكم. والثالث: ولا تعثوا في الأرض مفسدين مصالح الأديان. ثم قال: {بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ } قرىء تقية الله وهي تقواه ومراقبته التي تصرف عن المعاصي. ثم نقول المعنى: ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خير من البخس والتطفيف يعني المال الحلال الذي يبقى لكم خير من تلك الزيادة الحاصلة بطريق البخس والتطفيف وقال الحسن: بقية الله أي طاعة الله خير لكم من ذلك القدر القليل، لأن ثواب الطاعة يبقى أبداً، وقال قتادة: حظكم من ربكم خير لكم، وأقول المراد من هذه البقية إما المال الذي يبقى عليه في الدنيا، وإما ثواب الله، وأما كونه تعالى راضياً عنه والكل خير من قدر التطفيف، أما المال الباقي فلأن الناس إذا عرفوا إنساناً بالصدق والأمانة والبعد عن الخيانة اعتمدوا عليه ورجعوا في كل المعاملات إليه فيفتح عليه باب الرزق، وإذا عرفوه بالخيانة والمكر انصرفوا عنه ولم يخالطوه ألبتة فتضيق أبواب الرزق عليه، وأما إن حملنا هذه البقية على الثواب فالأمر ظاهر، لأن كل الدنيا تفنى وتنقرض وثواب الله باق، وأما إن حملناه على حصول رضا الله تعالى فالأمر فيه ظاهر، فثبت بهذا البرهان أن بقية الله خير. ثم قال: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } وإنما شرط الإيمان في كونه خيراً لهم لأنهم إن كانوا مؤمنين مقرين بالثواب والعقاب عرفوا أن السعي في تحصيل الثواب وفي الحذر من العقاب خير لهم من السعي في تحصيل ذلك القليل. واعلم أن المعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط، فهذه الآية تدل بظاهرها على أن من لم يحترز عن هذا التطفيف فإنه لا يكون مؤمناً. ثم قال تعالى: {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } وفيه وجهان: الأول: أن يكون المعنى: إني نصحتكم وأرشدتكم إلى الخير {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } أي لا قدرة لي على منعكم عن هذا العمل القبيح. الثاني: أنه قد أشار فيما تقدم إلى أن الاشتغال بالبخس والتطفيف يوجب زوال نعمة الله تعالى فقال: {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } يعني لو لم تتركوا هذا العمل القبيح لزالت نعم الله عنكم وأنا لا أقدر على حفظها عليكم في تلك الحالة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} أي وأرسلنا إلى مدين، ومدين هم قوم شعيب. وفي تسميتهم بذلك قولان: أحدهما ـ أنهم بنو مدين بن إبراهيم؛ فقيل: مدين والمراد بنو مدين. كما يقال مُضَر والمراد بنو مُضَر. الثاني ـ أنه ٱسم مدينتهم، فنسبوا إليها. قال النحاس: لا ينصرف مدين لأنه ٱسم مدينة؛ وقد تقدّم في «الأعراف» هذا المعنى وزيادة. {قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} تقدّم. {وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} كانوا مع كفرهم أهل بخس وتطفيف؛ كانوا إذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل زائد، وٱستوفوا بغاية ما يَقدِرون (عليه) وظلموا؛ وإن جاءهم مشتَرٍ للطعام باعوه بكيل ناقص، وشحّحوا له بغاية ما يقدِرون؛ فأمروا بالإيمان إقلاعاً عن الشرك، وبالوفاء نهياً عن التطفيف. {إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} أي في سَعة من الرزق، وكثرة من النِّعم. وقال الحسن: كان سعرهم رخيصاً. {وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} وصف اليوم بالإحاطة، وأراد وصف ذلك اليوم بالإحاطة بهم؛ فإن يوم العذاب إذا أحاط بهم فقد أحاط العذاب بهم، وهو كقولك: يوم شديد؛ أي شديد حرّه. وٱختلف في ذلك العذاب؛ فقيل: هو عذاب النار في الآخرة. وقيل: عذاب الاستئصال في الدنيا. وقيل: غلاء السعر؛ روي معناه عن ٱبن عباس. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أظهر قوم البخس في المكيال والميزان إلا ٱبتلاهم الله بالقحط والغلاء»تفسير : . وقد تقدّم. قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن التطفيف تأكيداً. والإيفاء الإتمام. «بالقسطِ» أي بالعدل والحق، والمقصود أن يصل كل ذي نصيب إلى نصيبه؛ وليس يريد إيفاء المكيل والموزون لأنه لم يقل: أوفوا بالمكيال وبالميزان؛ بل أراد ألا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود، وكذا الصنجات. {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ} أي لا تنقصوهم مما ٱستحقوه شيئاً. {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} بيّن أن الخيانة في المكيال والميزان مبالغة في الفساد في الأرض، وقد مضى في «الأعراف» زيادة لهذا، والحمد لله. قوله تعالى: {بَقِيَّةُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي ما يبقيه الله لكم بعد إيفاء الحقوق بالقسط أكثر بركة، وأحمد عاقبة مما تبقونه أنتم لأنفسكم من فضل التطفيف بالتجبّر والظلم؛ قال معناه الطبريّ وغيره. وقال مجاهد: {بَقِيَّةُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ} يريد طاعته. وقال الرّبيع: وصية الله. وقال الفرّاء: مراقبة الله. ابن زيد: رحمة الله. قتادة والحسن: حظكم من ربكم خير لكم. وقال ابن عباس: رزق الله خير لكم. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} شرط هذا لأنهم إنما يعرفون صحة هذا إن كانوا مؤمنين. وقيل: يحتمل أنهم كانوا يعترفون بأن الله خالقهم فخاطبهم بهذا. {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} أي رقيب أرقبكم عند كيلكم ووزنكم؛ أي لا يمكنني شهود كل معاملة تصدر منكم حتى أؤاخذكم بإيفاء الحق. وقيل: أي لا يتهيأ لي أن أحفظكم من إزالة نعم الله عليكم بمعاصيكم. قوله تعالى: {قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَوَاتُكَ} وقرىء «أَصَلاَتُكَ» من غير جمع. {تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ} «أن» في موضع نصب؛ قال الكسائي: موضعها خفض على إضمار الباء. وروي أن شعيباً عليه السلام كان كثير الصلاة، مواظباً على العبادة فرضها ونفلها ويقول: الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ فلما أمرهم ونهاهم عيّروه بما رأوه يستمرّ عليه من كثرة الصلاة، واستهزؤوا به فقالوا ما أخبر الله عنهم. وقيل: إن الصلاة هنا بمعنى القراءة؛ قاله سفيان عن الأعمش، أي قراءتك تأمرك؛ ودلّ بهذا على أنهم كانوا كفاراً. وقال الحسن: لم يبعث الله نبيّاً إلا فرض عليه الصلاة والزكاة. {أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} زعم الفراء أن التقدير: أو تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء. وقرأ السُّلَميّ والضّحاك بن قيس «أو أن تفعل في أموالِنا ما تشاء» بالتاء في الفعلين، والمعنى: ما تشاء أنت يا شعيب. وقال النحاس: «أو أن» على هذه القراءة معطوفة على «أن» الأولى. ورُوي عن زيد بن أسلم أنه قال: كان مما نهاهم عنه حَذْف الدراهم. وقيل: معنى. «أَوْ أَنْ نَفْعَل في أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ» إذا تراضينا فيما بيننا بالبخس فَلِم تمنعنا منه؟ٰ. {إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ} يعنون عند نفسك بزعمك؛ ومثله في صفة أبي جهل: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان: 49] أي عند نفسك بزعمك. وقيل: قالوه على وجه الاستهزاء والسخرية، قاله قتادة. ومنه قولهم للحبشي: أبو البيضاء، وللأبيض أبو الْجَون؛ ومنه قول خزنة جهنم لأبي جهل. «ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ». وقال سفيان بن عُيَينة: العرب تصف الشيء بضدّه للتطيّر والتفاؤل، كما قيل لِلَّدِيغ سَلِيم، وللفلاة مَفازة. وقيل: هو تعريض أرادوا به السبّ؛ وأحسن من هذا كله، ويدلّ ما قبله على صحته، أي إنك أنت الحليم الرشيد حقاً، فكيف تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤناٰ ويدلّ عليه. {أَصَلَوَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ} أنكروا لما رأوا من كثرة صلاته وعبادته، وأنه حليم رشيد بأن يكون يأمرهم بترك ما كان يعبد آباؤهم، وبعده أيضاً ما يدلّ عليه. {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً} أي أفلا أنهاكم عن الضلال؟ٰ وهذا كله يدلّ على أنهم قالوه على وجه الحقيقة، وأنه اعتقادهم فيه. ويشبه هذا المعنى قول اليهود من بني قريظة للنبي صلى الله عليه وسلم حين قال لهم: «يا إخوة القردة» فقالوا: يا محمد ما علمناك جهولا!. مسألة: قال أهل التفسير: كان مما ينهاهم عنه، وعُذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم؛ كانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القُراضة، وكانوا يتعاملون على الصحاح عدّاً، وعلى المقروضة وزنا، وكانوا يبخسون في الوزن. وقال ابن وهب قال مالك: كانوا يكسرون الدنانير والدراهم، وكذلك قال جماعة من المفسرين المتقدّمين كسعيد بن المسيّب، وزيد بن أسلم وغيرهما؛ وكسرهما ذنب عظيم. وفي كتاب أبي داود عن علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكسر سَكَّة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس؛ فإنها إذا كانت صحاحاً قام معناها، وظهرت فائدتها، وإذا كسرت صارت سِلعة، وبطلت منها الفائدة؛ فأضر ذلك بالناس؛ ولذلك حرم. وقد قيل في تأويل قوله تعالى: {أية : وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ} تفسير : [النمل: 48] أنهم كانوا يكسرون الدراهم؛ قاله زيد بن أسلم. قال أبو عمر بن عبد البر: زعموا أنه لم يكن بالمدينة أعلم بتأويل القرآن من زيد بن أسلم بعد محمد بن كعب القُرَظيّ. مسألة: قال أصْبغ قال عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جُنادة مولى زيد بن الحارث العُتَقيّ: من كسرها لم تقبل شهادته، وإن اعتذر بالجهالة لم يعذر، وليس هذا بموضع عذر؛ قال ٱبن العربي: أما قوله: لم تقبل شهادته فلأنه أتى كبِيرةً، والكبائر تسقط العدالة دون الصغائر؛ وأما قوله: لا يقبل عذره بالجهالة في هذا فلأنه أمرٌ بيّنٌ لا يخفى على أحد، وإنما يقبل العذر إذا ظهر الصدق فيه، أو خفِي وجه الصدق فيه، وكان الله أعلم به من العبد كما قال مالك. مسألة: إذا كان هذا معصية وفساداً تردّ به الشهادة فإنه يعاقب من فعل ذلك. ومرّ ابن المسيّب برجل قد جُلد فقال: ما هذا؟ قال رجل: يقطع الدنانير والدراهم؛ قال ٱبن المسيّب: هذا من الفساد في الأرض؛ ولم ينكر جلده؛ ونحوه عن سفيان. وقال أبو عبد الرحمن النَّجِيبي: كنت قاعداً عند عمر بن عبد العزيز وهو إذ ذاك أمير المدينة فأتى برجل (يقطع الدراهم) وقد شُهِد عليه فضربه وحَلَقه، وأمر فطِيف به، وأمره أن يقول: هذا جزاء من يقطع الدراهم؛ ثم أمر أن يُرَدّ إليه؛ فقال: إنه لم يمنعني أن أقطع يدك إلا أني لم أكن تقدّمت في ذلك قبل اليوم، وقد تقدّمت في ذلك فمن شاء فليقطع. قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: أما أدبه بالسوط فلا كلام فيه، وأما حلقه فقد فعله عمر؛ وقد كنت أيام الحكم (بين الناس) أضرب وأحلق، وإنما كنت أفعل ذلك بمن يرى شعره عوناً له على المعصية، وطريقاً إلى التجمل به في الفساد، وهذا هو الواجب في كل طريق للمعصية، أن يقطع إذا كان غير مؤثر في البدن، وأما قطع يده فإنما أخذ ذلك عمر من فصل السرقة؛ وذلك أن قرض الدراهم غير كسرها، فإن الكسر إفساد الوصف، والقرض تنقيص للقدر، فهو أخْذُ مالٍ على جهة الاختفاء؛ فإن قيل: أليس الحِرز أصلاً في القطع؟ قلنا: يحتمل أن يكون عمرُ يرى أن تهيئها للفصل بين الخلق ديناراً أو درهماً حِرز لها، وحِرز كل شيء على قدر حاله؛ وقد أنفذ ذلك ابن الزبير، وقطع يد رجل في قطع الدنانير والدراهم. وقد قال علماؤنا المالكية: إن الدنانير والدراهم خواتيم الله عليها اسمه؛ ولو قطع على قول أهل التأويل من كسر خاتماً لله كان أهلاً لذلك، أو من كسر خاتم سلطان عليه ٱسمه أدّب، وخاتم الله تقضى به الحوائج فلا يستويان في العقوبة. قال ابن العربيّ: وأرى أن يقطع في قرضها دون كسرها، وقد كنت أفعل ذلك أيام توليتي الحكم، إلا أني كنت محفوفاً بالجهال، فلم أجبن بسبب المقال للحسدة الضلال فمن قدر عليه يوماً من أهل الحق فليفعله احتساباً لله تعالى. قوله تعالى: {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} تقدم. {وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً} أي واسعاً حلالاً، وكان شعيب عليه السلام كثير المال، قاله ابن عباس وغيره. وقيل: أراد به الهدى والتوفيق، والعلم والمعرفة، وفي الكلام حذف، وهو ما ذكرناه، أي أفلا أنهاكم عن الضلالٰ وقيل: المعنى «أرأيتم إن كنت على بينة من ربي» أتبع الضلال؟ وقيل: المعنى «أرأيتم إن كنت على بينة من ربي» أتأمرونني بالعصيان في البخس والتطفيف، وقد أغناني الله (عنه). {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ} في موضع نصب بـ «ـأُريدُ». {إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} أي ليس أنهاكم عن شيء وأرتكبه، كما لا أترك ما أمرتكم به. {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ} أي ما أريد إلا فعل الصلاح؛ أي أن تصلحوا دنياكم بالعدل، وآخرتكم بالعبادة، وقال: «مَا اسْتَطَعْتُ» لأن الاستطاعة من شروط الفعل دون الإرادة. و «ما» مصدرية، أي إن أريد إلا الإِصلاح جهدي واستطاعتي. {وَمَا تَوْفِيقِيۤ} أي رشدي، والتوفيق الرشد. {إِلاَّ بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي اعتمدت. {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أي أرجع فيما ينزل بي من جميع النوائب. وقيل: إليه أرجع في الآخرة. وقيل: إن الإنابة الدعاء، ومعناه وله أدعو. قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} وقرأ يحيـى بن وثاب «يُجْرِمَنَّكُمْ». {شِقَاقِيۤ} في موضع رفع. {أَن يُصِيبَكُم} في موضع نصب، أي لا يحملنكم معاداتي على ترك الإيمان فيصيبكم ما أصاب الكفار (قبلكم)، قاله الحسن وقتادة. وقيل: لا يكسبنكم شقاقي إصابتكم العذاب، كما أصاب من كان قبلكم، قاله الزجاج. وقد تقدّم معنى «يجرمنكم» في «المائدة» و «الشقاق» في «البقرة» وهو هنا بمعنى العداوة، قاله السدّي، ومنه قول الأخطل: شعر : ألاَ مَنْ مُبلغٌ عنّي رسولاً فكيف وجَدتُمُ طَعْمَ الشِّقاق تفسير : وقال الحسن (البصري): إضراري. وقال قتادة: فِراقي. {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} وذلك أنهم كانوا حديثي عهد بهلاك قوم لوط. وقيل: وما ديار قوم لوط منكم ببعيد، أي بمكان بعيد، فلذلك وحد البعيد. قال الكسائيّ: أي دورهم في دوركم. قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} تقدم. {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} اسمان من أسمائه سبحانه، وقد بيناهما في كتاب «الأسنى في شرح الأسماء الحسنى». قال الجوهريّ: وَدِدت الرجل أوده وداً إذا أحببته، والودود المحب، والوَد والوِد والوُد والمودة المحبة. وروي حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذكر شعيباً قال: «ذاك خطيب الأنبياء». تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ} أي ما نفهم؛ لأنك تحملنا على أمور غائبة من البعث والنشور، وتعظنا بما لا عهد لنا بمثله. وقيل: قالوا ذلك إعراضاً عن سماعه، واحتقاراً لكلامه؛ يقال: فقِه يفقَه إذا فهم فِقْهاً؛ وحكى الكسائي: فَقُه فَقَهاً وفِقْهاً إذا صار فقيهاً. {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً} قيل: إنه كان مصاباً ببصره؛ قاله سعيد بن جبير وقتادة. وقيل: كان ضعيف البصر؛ قاله الثوري وحكى عنه النحاس مثل قول سعيد بن جبير وقتادة. قال النحاس: وحكى أهل اللغة أن حِمْيَر تقول للأعمى ضعيفاً؛ أي قد ضعف بذهاب بصره؛ كما يقال له ضرير؛ أي قد ضرّ بذهاب بصره؛ كما يقال له: مكفوف؛ أي قد كف عن النظر بذهاب بصره. قال الحسن: معناه مهين. وقيل: المعنى ضعيف البدن؛ حكاه عليّ بن عيسى. وقال السدي: وحيداً ليس لك جند وأعوان تقدر بها على مخالفتنا. وقيل: قليل المعرفة بمصالح الدنيا وسياسة أهلها. و «ضعيفاً» نصب على الحال. {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ} رفع بالابتداء، ورهط الرجل عشيرته الذي يستند إليهم ويتقوّى بهم؛ ومنه الرّاهِطَاء لجُحر الَيْربُوع؛ لأنه يَتوثّق به ويخبِّىء فيه ولده. ومعنى {لَرَجَمْنَاكَ} لقتلناك بالرّجم، وكانوا إذا قتلوا إنساناً رجموه بالحجارة، وكان رهطه من أهل ملتهم. وقيل: معنى «لَرَجَمْنَاكَ» لشتمناك؛ ومنه قول الجعدي:شعر : تَراجَمْنا بمُرّ القولِ حتى نصير كأننّا فَرسَا رِهانِ تفسير : والرجم أيضاً اللعن؛ ومنه الشيطان الرجيم. {وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} أي ما أنت علينا بغالب ولا قاهر ولا ممتنع. قوله تعالى: {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ} «أرَهْطِيَ» رفع بالابتداء؛ والمعنى أرهطي في قلوبكم {أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ} وأعظم وأجل وهو يملككم. {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} أي ٱتخذتم ما جئتكم به من أمر الله ظهرياً؛ أي جعلتموه وراء ظهوركم، وامتنعتم من قتلي مخافة قومي؛ يقال: جعلت أمره بِظهرٍ إذا قصرت فيه، وقد مضى في «البقرة»، {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ} أي من الكفر والمعصية. {مُحِيطٌ} أي عليم. وقيل: حفيظ. قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} تهديد ووعيد؛ وقد تقدّم في «الأنعام». {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} أي يهلكه. و «من» في موضع نصب، مثل {أية : يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ}.تفسير : [البقرة: 220] {وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} عطف عليها. وقيل: أي وسوف تعلمون من هو كاذب منا. وقيل في محل رفع؛ تقديره: ويخزي من هو كاذب. وقيل: تقديره ومن هو كاذب فسيعلم كذبه، ويذوق وبال أمره. وزعم الفرّاء أنهم إنما جاؤوا بـ«هو» في «وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ» لأنهم لا يقولون مَن قائم؛ إنما يقولون: مَن قام، ومَن يقوم، ومَن القائم؛ فزادوا «هو» ليكون جملة تقوم مقام فعل ويفعل. قال النحاس: ويدل على خلاف هذا قوله:شعر : مَنْ رَسُولِي إلى الثُّرَيّا بِأَنِّي ضِقْتُ ذَرْعاً بِهَجْرِهَا والكتابِ تفسير : {وَٱرْتَقِبُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} أي ٱنتظروا العذاب والسخطة، فإني منتظر النصر والرحمة. قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} قيل: صاح بهم جبريل صيحة فخرجت أرواحهم من أجسادهم {نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ} أي صيحة جبريل. وأنث الفعل على لفظ الصيحة، وقال في قصة صالح: {أية : وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ} تفسير : [هود: 67] فذكّر على معنى الصياح. قال ٱبن عباس: ما أهلك الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب، أهلكهم الله بالصيحة؛ غير أن قوم صالح أخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم الصيحة من فوقهم. {فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ } تقدّم معناه. وحكى الكسائيّ أن أبا عبد الرحمن السلميّ قرأ "كَمَا بَعُدَتْ ثَمُودُ" بضم العين. قال النحاس: المعروف في اللغة إنما يقال بعِد يَبْعَدُ بَعَداً وبُعْداً إذا هلك. وقال المهدوي: من ضم العين من «بعدت» فهي لغة تستعمل في الخير والشر، ومصدرها البعد؛ وبعِدت تستعمل في الشر خاصة؛ يقال: بَعِدَ يَبعَد بَعَداً؛ فالبعد على قراءة الجماعة بمعنى اللَّعنة؛ وقد يجتمع معنى اللغتين لتقاربهما في المعنى؛ فيكون مما جاء مصدره على غير لفظه لتقارب المعاني.
البيضاوي
تفسير : {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً} أراد أولاد مدين بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أو أهل مدين وهو بلد بناه فسمي باسمه. {قَالَ يَـا قَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} أمرهم بالتوحيد أولاً فإنه ملاك الأمر ثم نهاهم عما اعتادوه من البخس المنافي للعدل المخل بحكمة التعاوض. {إِنّى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} بسعة تغنيكم عن البخس، أو بنعمة حقها أن تتفضلوا على الناس شكراً عليها لا أن تنقصوا حقوقهم، أو بسعة فلا تزيلوها بما أنتم عليه وهو في الجملة علة للنهي. {وَإِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} لا يشذ منه أحد منكم. وقيل عذاب مهلك من قوله: {أية : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ }تفسير : [الكهف: 42] والمراد عذاب يوم القيامة أو عذاب الاستئصال، ووصف اليوم بالإِحاطة وهي صفة العذاب لاشتماله عليه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: ولقد أرسلنا إلى مدين، وهم قبيلة من العرب كانوا يسكنون بين الحجاز والشام قريباً من معان بلاداً تعرف بهم، يقال لها: مدين، فأرسل الله إِليهم شعيباً، وكان من أشرفهم نسباً، ولهذا قال: {أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} يأمرهم بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وينهاهم عن التطفيف في المكيال والميزان {إِنِّىۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} أي: في معيشتكم ورزقكم، وإِني أخاف أن تسلبوا ما أنتم فيه؛ بانتهاككم محارم الله {وَإِنِّىۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} أي: في الدار الآخرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} أرسلنا {إِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } وحِّدوه {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ إِنِّى أَرََٰكُمْ بِخَيْرٍ } نعمة تغنيكم عن التطفيف {وَإِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ } إِن لم تؤمنوا {عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ } بكم يهلككم، وصف اليوم به مجازٌ لوقوعه فيه.
الشوكاني
.تفسير : أي وأرسلنا إلى مدين، وهم قوم شعيب، أخاهم في النسب شعيباً. وسموا مدين باسم أبيهم، وهو مدين ابن إبراهيم. وقيل: باسم مدينتهم. قال النحاس: لا ينصرف مدين لأنه اسم مدينة، وقد تقدّم الكلام على هذا في الأعراف بأبسط مما هنا، وقد تقدّم تفسير: {قَالَ يَـاقَوْمٌ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } في أوّل السورة، وهذه الجملة مستأنفة؛ كأنه قيل: ماذا قال لهم شعيب لما أرسله الله إليهم؟ وقد كان شعيب عليه السلام يسمى خطيب الأنبياء لحسن مراجعته لقومه، أمرّهم أوّلاً بعبادة الله سبحانه الذي هو الإلٰه وحده لا شريك له، ثم نهاهم عن أن ينقصوا المكيال والميزان، لأنهم كانوا مع كفرهم أهل تطفيف، كانوا إذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل زائد، وكذلك إذا وصل إليهم الموزون أخذوا بوزن زائد، وإذا باعوا باعوا بكيل ناقص ووزن ناقص؛ وجملة {إِنّى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ } تعليل للنهي: أي لا تنقصوا المكيال والميزان لأني أراكم بخير: أي بثروة وسعة في الرزق، فلا تغيروا نعمة الله عليكم بمعصيته والإضرار بعباده، ففي هذه النعمة ما يغنيكم عن أخذ أموال الناس بغير حقها، ثم ذكر بعد هذه العلة علة أخرى، فقال: {وَإِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ } فهذه العلة فيها الإذكار لهم بعذاب الآخرة كما أن العلة الأولى فيها الإذكار لهم بنعيم الدنيا؛ ووصف اليوم بالإحاطة والمراد العذاب، لأن العذاب واقع في اليوم؛ ومعنى إحاطة عذاب اليوم بهم، أنه لا يشذ منهم أحد عنه، ولا يجدون منه ملجأ ولا مهرباً، واليوم: هو يوم القيامة، وقيل: هو يوم الانتقام منهم في الدنيا بالصيحة. ثم أكد النهي عن نقص الكيل والوزن بقوله: {وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ } والإيفاء: هو الإتمام. والقسط: العدل، وهو عدم الزيادة والنقص وإن كان الزيادة على الإيفاء فضل وخير، ولكنها فوق ما يفيده اسم العدل، والنهي عن النقص، وإن كان يستلزم الإيفاء ففي تعاضد الدلالتين مبالغة بليغة وتأكيد حسن، ثم زاد ذلك تأكيداً فقال: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ } قد مرّ تفسير هذا في الأعراف، وفيه النهي عن البخس على العموم، والأشياء أعمّ مما يكال ويوزن، فيدخل البخس بتطفيف الكيل والوزن في هذا دخولاً أوّلياً. وقيل: البخس: المكس خاصة، ثم قال: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } قد مرّ أيضاً تفسيره في البقرة، والعثي في الأرض يشمل كل ما يقع فيها من الإضرار بالناس، فيدخل فيه ما في السياق من نقص المكيال والميزان، وقيده بالحال وهو قوله: {مُفْسِدِينَ } ليخرج ما كان صورته من العثي في الأرض، والمقصود به الإصلاح كما وقع من الخضر في السفينة {بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ } أي: ما يبقيه لكم من الحلال بعد إيفاء الحقوق بالقسط أكثر خيراً وبركة مما تبقونه لأنفسكم من التطفيف والبخس، والفساد في الأرض، ذكر معناه ابن جرير وغيره من المفسرين. وقال مجاهد: بقية الله: طاعته. وقال الربيع: وصيته. وقال الفراء: مراقبته، وإنما قيد ذلك بقوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } لأن ذلك إنما ينتفع به المؤمن لا الكافر، أو المراد بالمؤمنين هنا: المصدّقون لشعيب {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } أحفظكم من الوقوع في المعاصي من التطفيف والبخس وغيرهما، أو أحفظ عليكم أعمالكم، وأحاسبكم بها وأجازيكم عليها. وجملة: {قَالُواْ يَاشُعَيْبٌ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: فماذا قالوا لشعيب؟ وقرىء "أصلاتك" بالإفراد، و{أن نترك} في موضع نصب. وقال الكسائي: موضعها خفض على إضمار الباء، ومرادهم بما يعبد آباؤهم ما كانوا يعبدون من الأوثان، والاستفهام للإنكار عليه والاستهزاء به، لأن الصلوات عندهم ليست من الخير الذي يقال لفاعله عند إرادة تليين قلبه وتذليل صعوبته كما يقال لمن كان كثير الصدقة إذا فعل ما لا يناسب الصواب: أصدقتك أمرتك بهذا. وقيل: المراد بالصلاة هنا: القراءة. وقيل: المراد بها: الدين، وقيل: المراد بالصلوات: أتباعه، ومنه المصلى الذي يتلو السابق؛ وهذا منهم جواب لشعيب عن أمره لهم بعبادة الله وحده، وقولهم: {أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} جواب له عن أمرهم بإيفاء الكيل والوزن، ونهيهم عن نقصهما، وعن بخس الناس، وعن العثي في الأرض، وهذه الجملة معطوفة على «ما» في {ما يعبد آباؤنا}. والمعنى: أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، وتأمرك أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء، من الأخذ والإعطاء، والزيادة والنقص. وقرىء "تفعل ما تشاء" بالفوقية فيهما. قال النحاس: فتكون {أو} على هذه القراءة للعطف على أن الأولى، والتقدير: أصلواتك تأمرك أن تفعل في أموالنا ما تشاء. وقرىء «نفعل» بالنون و"ما تشاء" بالفوقية، ومعناه: أصلواتك تأمرك أن نفعل نحن في أموالنا ما تشاؤه أنت وندع ما نشاؤه نحن وما يجري به التراضي بيننا؛ ثم وصفوه بوصفين عظيمين فقالوا: {إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ } على طريقة التهكم به، لأنهم يعتقدون أنه على خلافهما، أو يريدون إنك لأنت الحليم الرشيد عند نفسك، وفي اعتقادك، ومعناهم: أن هذا الذي نهيتنا عنه وأمرتنا به يخالف ما تعتقده في نفسك من الحلم والرشد. وقيل: إنهم قالوا ذلك لا على طريقة الاستهزاء بل هو عندهم كذلك، وأنكروا عليه الأمر والنهي منه لهم بما يخالف الحلم والرشد في اعتقادهم. وقد تقدّم تفسير الحلم والرشد. وجملة: {قَالَ يَاقَوْمٌ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } مستأنفة كالجمل التي قبلها. والمعنى: أخبروني إن كنت على حجة واضحة من عند ربي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه {وَرَزَقَنِى مِنْهُ } أي من فضله وخزائن ملكه {رِزْقًا حَسَنًا } أي: كثيراً واسعاً حلالاً طيباً، وقد كان عليه السلام كثير المال. وقيل: أراد بالرزق: النبوّة. وقيل: الحكمة، وقيل: العلم. وقيل: التوفيق، وجواب الشرط محذوف يدلّ عليه سياق الكلام تقديره: أترك أمركم ونهيكم، أو أتقولون في شأني ما تقولون مما تريدون به السخرية والاستهزاء {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ } أي: وما أريد بنهيي لكم عن التطفيف والبخس أن أخالفكم إلى ما نهيتكم عنه فأفعله دونكم، يقال: خالفه إلى كذا إذا قصده وهو مولّ عنه، وخالفته عن كذا في عكس ذلك {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلَـٰحَ } أي: ما أريد بالأمر والنهي إلا الإصلاح لكم، ودفع الفساد في دينكم ومعاملاتكم {مَا ٱسْتَطَعْتُ } ما بلغت إليه استطاعتي، وتمكنت منه طاقتي {وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بِٱللَّهِ } أي: ما صرت موفقاً هادياً نبياً مرشداً إلا بتأييد الله سبحانه، وإقداري عليه ومنحي إياه {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } في جميع أموري التي منها أمركم ونهيكم {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } أي: أرجع في كل ما نابني من الأمور، وأفوّض جميع أموري إلى ما يختاره لي من قضائه وقدره، وقيل: معناه: وإليه أرجع في الآخرة. وقيل: إن الإنابة: الدعاء. ومعناه: وله أدعوا. قوله: {وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِى } قال الزجاج: معناه لا يكسبنكم شقاقي إصابة العذاب إياكم، كما أصاب من كان قبلكم. وقيل: معناه: لا يحملنكم شقاقي، والشقاق: العداوة، ومنه قول الأخطل:شعر : ألا من مبلغ عني رسولا فكيف وجدتم طعم الشقاق تفسير : و {أَن يُصِيبَكُمُ } في محل نصب على أنه مفعول ثان ليجرمنكم {مّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ } من الغرق {أَوْ قَوْمَ هُودٍ } من الريح {أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍ } من الصيحة، وقد تقدّم تفسير يجرمنكم وتفسير الشقاق {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ } يحتمل أن يريد ليس مكانهم ببعيد من مكانكم، أو ليس زمانهم ببعيد من زمانكم، أو ليسوا ببعيد منكم في السبب الموجب لعقوبتهم، وهو مطلق الكفر، وأفرد لفظ {بَعِيدٍ } لمثل ما سبق في {وَمَا هِى مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ }. ثم بعد ترهيبهم بالعذاب أمرهم بالاستغفار والتوبة، فقال: {وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى رَحِيمٌ وَدُودٌ } وقد تقدّم تفسير الاستغفار مع ترتيب التوبة عليه في أوّل السورة، وتقدّم تفسير الرحيم، والمراد هنا: أنه عظيم الرحمة للتائبين، والودود: المحبّ. قال في الصحاح: وددت الرجل أودّه ودّاً: إذا أحببته، والودود المحب، والودّ والوُدّ والوَدّ: المحبة، والمعنى هنا: أنه يفعل بعباده ما يفعله من هو بليغ المودّة بمن يودّه من اللطف به، وسوق الخير إليه، ودفع الشرّ عنه. وفي هذا تعليل لما قبله من الأمر بالاستغفار والتوبة. جملة: {قَالُواْ ياشُعَيْبٌ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ } مستأنفة كالجمل السابقة، والمعنى: أنك تأتينا بما لا عهد لنا به من الإخبار بالأمور الغيبية، كالبعث والنشور، ولا نفقه ذلك: أي نفهمه كما نفهم الأمور الحاضرة المشاهدة، فيكون نفي الفقه على هذا حقيقة لا مجازاً. وقيل: قالوا ذلك إعراضاً عن سماعه، واحتقار الكلام مع كونه مفهوماً لديهم معلوماً عندهم، فلا يكون نفي الفقه حقيقة بل مجازاً، يقال: فقه يفقه: إذا فهم فِقْها وفَقها، وحكى الكسائي فقهانا، ويقال: فقه فقهاً: إذا صار فقيهاً {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا } أي: لا قوّة لك تقدر بها على أن تمنع نفسك منا، وتتمكن بها من مخالفتنا. وقيل: المراد أنه ضعيف في بدنه، قاله عليّ بن عيسى. وقيل: إنه كان مصاباً ببصره. قال النحاس: وحكى أهل اللغة أن حمير تقول للأعمى: ضعيف، أي قد ضعف بذهاب بصره كما يقال له ضرير، أي قد ضرّ بذهاب بصره. وقيل: الضعيف: المهين، وهو قريب من القول الأوّل {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ } رهط الرجل: عشيرته الذين يستند إليهم، ويتقوّى بهم، ومنه الراهط لجحر اليربوع، لأنه يتوثق به ويخبأ فيه ولده، والرهط يقع على الثلاثة إلى العشرة، وإنما جعلوا رهطه مانعاً من إنزال الضرر به مع كونهم في قلة، والكفار ألوف مؤلفة؛ لأنهم كانوا على دينهم، فتركوه احتراماً لهم لا خوفاً منهم، ثم أكدوا ما وصفوه به من الضعف بقولهم: {وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ } حتى نكفّ عنك لأجل عزتك عندنا، بل تركنا رجمك لعزة رهطك علينا، ومعنى {لرجمناك} لقتلناك بالرجم، وكانوا إذا قتلوا إنساناً رجموه بالحجارة وقيل: معنى {لرجمناك} لشتمناك، ومنه قول الجعدي:شعر : تراجمنا بمـرّ القول حتـى نصير كأننـا فرسا رهان تفسير : ويطلق الرجم على اللعن، ومنه الشيطان الرجيم، وجملة: {قَالَ يَاقَوْمٌ أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ ٱللَّهِ } مستأنفة، وإنما قال: أعزّ عليكم من الله، ولم يقل: أعزّ عليكم مني؛ لأن نفي العزّة عنه وإثباتها لقومه كما يدل عليه إيلاء الضمير حرف النفي استهانة به، والاستهانة بأنبياء الله استهانة بالله عزّ وجلّ، فقد تضمن كلامهم أن رهطه أعزّ عليه من الله، فاستنكر ذلك عليهم، وتعجب منه، وألزمهم ما لا مخلص لهم عنه، ولا مخرج لهم منه بصورة الاستفهام، وفي هذا من قوّة المحاجة ووضوح المجادلة وإلقام الخصم الحجر ما لا يخفى، ولأمر ما سمي شعيب خطيب الأنبياء، والضمير في {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ } راجع إلى الله سبحانه. والمعنى: واتخذتم الله عزّ وجلّ بسبب عدم اعتدادكم بنبيه الذي أرسله إليكم {وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً } أي: منبوذاً وراء الظهر لا تبالون به. وقيل: المعنى: واتخذتم أمر الله الذي أمرني بإبلاغه إليكم، وهو ما جئتكم به وراء ظهوركم، يقال: جعلت أمره بظهر: إذا قصرت فيه، و {ظِهْرِيّاً } منسوب إلى الظهر، والكسر لتغيير النسب {إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأفعالكم. {وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنّى عَـٰمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } لما رأى إصرارهم على الكفر وتصميمهم على دين آبائهم، وعدم تأثير الموعظة فيهم، توعدهم بأن يعملوا على غاية تمكنهم ونهاية استطاعتهم، يقال: مكن مكانة: إذا تمكن أبلغ تمكن، وأخبرهم أنه عامل على حسب ما يمكنه ويقدّر الله له، ثم بالغ في التهديد والوعيد بقوله: {سَوْفَ تَعْلَمُونَ } أي: عاقبة ما أنتم فيه من عبادة غير الله والإضرار بعباده، وقد تقدّم مثله في الأنعام {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } "من" في محل نصب بـ {تعلمون}: أي: سوف تعلمون من هو الذي يأتيه العذاب المخزي الذي يتأثر عنه الذلّ والفضيحة والعار {وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ } معطوف على {من يأتيه}؛ والمعنى: ستعلمون من هو المعذب ومن هو الكاذب؟ وفيه تعريض بكذبهم في قولهم: {لَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ }. وقيل: إن "من" مبتدأ، وما بعدها صلتها، والخبر محذوف، والتقدير: من هو كاذب فسيعلم كذبه ويذوق وبال أمره. قال الفراء: إنما جاء بهو في {مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ } لأنهم لا يقولون من قائم، إنما يقولون: من قام، ومن يقوم، ومن القائم، فزادوا هو ليكون جملة تقوم مقام فعل ويفعل. قال النحاس: ويدل على خلاف هذا قول الشاعر:شعر : من رسولي إلى الثريا فإني ضقت ذرعاً بهجرها والكتاب تفسير : {وَٱرْتَقِبُواْ إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ } أي: انتظروا إني معكم منتظر لما يقضي به الله بيننا {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ } أي: لما جاء عذابنا، أو أمرنا بعذابهم، نجينا شعيباً وأتباعه الذين آمنوا به {بِرَحْمَةٍ مّنَّا } لهم بسبب إيمانهم، أو برحمة منا لهم: وهي هدايتهم للإيمان {وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } غيرهم بما أخذوا من أموالهم بغير وجه، وظلموا أنفسهم بالتصميم على الكفر {ٱلصَّيْحَةَ } التي صاح بهم جبرائيل حتى خرجت أرواحهم من أجسادهم، وفي الأعراف {أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ }تفسير : [الأعراف: 78] وكذا في العنكبوت. وقد قدّمنا أن الرجفة: الزلزلة، وأنها تكون تابعة للصيحة لتموّج الهوى المفضي إليها {فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ } أي: ميتين، وقد تقدّم تفسيره وتفسير {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } قريباً، وكذا تفسير {أَلاَ بُعْدًا لّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ } وحكى الكسائي أن أبا عبد الرحمن السلمي قرأ "كما بعدت ثمود" بضم العين. قال المهدوي: من ضم العين من "بعدت" فهي لغة تستعمل في الخير والشرّ، و"بعدت" بالكسر على قراءة الجمهور تستعمل في الشرّ خاصة، وهي هنا بمعنى اللعنة. وقد أخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {إِنّى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ } قال: رخص السعر {وَإِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ } قال: غلاء السعر، وأخرج ابن جرير، عنه {بَقِيَّتُ ٱللَّهِ } قال: رزق الله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة {بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ } يقول: حظكم من ربكم خير لكم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال: طاعة الله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الأعمش في قوله: {أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ } قال: أقراءتك. وأخرج ابن عساكر، عن الأحنف: أن شعيباً كان أكثر الأنبياء صلاة. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في قوله: {أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} قال: نهاهم عن قطع هذه الدنانير والدراهم فقالوا: إنما هي أموالنا نفعل فيها ما نشاء، إن شئنا قطعناها، وإن شئنا أحرقناها، وإن شئنا طرحناها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن محمد بن كعب نحوه. وأخرجا عن زيد بن أسلم نحوه أيضاً. وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وعبد بن حميد، عن سعيد بن المسيب، نحوه أيضاً. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ } قال: يقولون إنك لست بحليم ولا رشيد. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة قال: استهزاء به. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك، في قوله: {وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا } قال: الحلال. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ } قال: يقول لم أكن لأنهاكم عن أمر وأركبه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } قال: إليه أرجع. وأخرج أبو نعيم في الحلية، عن عليّ، قال: «قلت: يا رسول، الله أوصني، قال: حديث : قل الله ربي ثم استقم"تفسير : ، قلت: ربي الله وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، قال: "حديث : ليهنك العلم أبا الحسن، لقد شربت العلم شرباً ونهلته نهلاً» تفسير : وفي إسناده محمد بن يوسف الكديمي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِى } لا يحملنكم فراقي. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد، قال: شقاقي عداوتي. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ قال: لا تحملنكم عداوتي. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة، في قوله: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ } قال: إنما كانوا حديثي عهد قريب بعد نوح وثمود. وأخرج أبو الشيخ، وابن عساكر، عن سعيد بن جبير {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا } قال: كان أعمى، وإنما عمي من بكائه من حبّ الله عزّ وجلّ. وأخرج الواحدي، وابن عساكر، عن شدّاد بن أوس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بكى شعيب عليه السلام من حبّ الله حتى عمي»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والخطيب، وابن عساكر من طرق، عن ابن عباس، في قوله: {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا } قال: كان ضرير البصر. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي صالح، مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن سفيان في قوله: {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا } قال: كان أعمى، وكان يقال له خطيب الأنبياء. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، قال: معناه إنما أنت واحد. وأخرج أبو الشيخ، عن عليّ بن أبي طالب، أنه خطب فتلا هذه الآية في شعيب {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا } قال: كان مكفوفاً، فنسبوه إلى الضعف {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ } قال عليّ: فوالله الذي لا إلٰه غيره ما هابوا جلال ربهم ما هابوا إلا العشيرة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً } قال: نبذتم أمره. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة، قال في الآية: لا تخافونه. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: تهاونتم به.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وإلى مَدِين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبُدوا الله ما لكم من إله غيره} ومدين هم قوم شعيب، وفي تسميتهم بذلك قولان: أحدهما: لأنهم بنو مدين بن إبراهيم، فقيل مدين والمراد بنو مدين، كما يقال مضر والمراد بنو مضر. الثاني: أن مدين اسم مدينتهم فنسبوا إليها ثم اقتصر على اسم المدينة تخفيفاً. ثم فيه وجهان: أحدهما: أنه اسم أعجمي. الثاني: أنه اسم عربي وفي اشتقاقه وجهان: أحدهما: أنه من قولهم مدن بالمكان إذا أقام فيه، والياء زائدة، وهذا قول من زعم أنه اسم مدينة. الثاني: أنه مشتق من قولهم دَيَنْت أي ملكت والميم زائدمة، وهذا قول من زعم أنه اسم رجل. وأما شعيب فتصغير شعب وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الطريق في الجبل. الثاني: أنه القبيلة العظيمة. الثالث: أنه مأخوذ من شَعْب الإناء المكسور. {ولا تنقصوا المكيال والميزان} كانوا مع كفرهم أهل بخس وتطفيف فأمروا بالإيمان إقلاعاً عن الشرك، وبالوفاء نهياً عن التطفيف. {إني أراكم بخير} فيه تأويلان: أحدهما: أنه رخص السعر، قاله ابن عباس والحسن. الثاني: أنه المال وزينة الدنيا، قال قتادة وابن زيد. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أنه الخصب والكسب. {إني أخافُ عليكم عذاب يومٍ محيط} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: غلاء السعر، وهو مقتضى قول ابن عباس والحسن. الثاني: عذاب الاستصال في الدنيا. الثالث: عذاب النار بالآخرة.
ابن عطية
تفسير : التقدير: {وإلى مدين} أرسلنا {أخاهم شعيباً}، واختلف في لفظة {مدين} فقيل: هي بقعة، فالتقدير على هذا: وإلى أهل مدين - كما قال: {أية : واسأل القرية} تفسير : [يونس: 42] - وقيل كان هذا القطر في ناحية الشام، وقيل {مدين} اسم رجل كانت القبيلة من ولده فسميت باسمه، و {مدين} لا ينصرف في الوجهين، حكى النقاش أن {مدين} هو ولد إبراهيم الخليل لصلبه. قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد وقد قيل: إن {شعيباً} عربي، فكيف يجتمع هذا وليس للعرب اتصال بإبراهيم إلا من جهة إسماعيل فقط، ودعاء "شعيب" إلى "عبادة الله" يقتضي أنهم كانوا يعبدون الأوثان، وذلك بين من قولهم فيما بعد، وكفرهم هو الذي استوجبوا به العذاب لا معاصيهم، فإن الله لم يعذب قط أمة إلا بالكفر، فإن انضافت إلى ذلك معصية كانت تابعة، وأعني بالعذاب عذاب الاستئصال العام، وكانت معصية هذه الأمة الشنيعة أنهم كانوا تواطأوا أن يأخذوا ممن يرد عليهم من غيرهم وافياً ويعطوا ناقصاً في وزنهم وكيلهم، فنهاهم شعيب بوحي الله تعالى عن ذلك، ويظهر من كتاب الزجاج أنهم كانوا تراضوا بينهم بأن يبخس بعضهم بعضاً. وقوله {بخير} قال ابن عباس: معناه في رخص من الأسعار، و {عذاب اليوم المحيط} هو حلول الغلاء المهلك. وينظر هذا التأويل إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : ما نقص قوم المكيال والميزان إلا ارتفع عنهم الرزق تفسير : وقيل لهم قوله: {بخير} عام في جميع نعم الله تعالى، و {عذاب اليوم} هو الهلاك الذي حل بهم في آخر، وجميع ما قيل في لفظ "خير" منحصر فيما قلناه. ووصف "اليوم" بـ "الإحاطة" وهي من صفة العذاب على جهة التجوز إذ كان العذاب في اليوم: وقد يصح أن يوصف "اليوم" بـ "الإحاطة" على تقدير: محيط شره. ونحو هذا. وكرر عليهم الوصية في "الكيل والوزن" تأكيداً وبياناً وعظة لأن {لا تنقصوا} هو {أوفوا} بعينه. لكنهما منحيان إلى معنى واحد. قال القاضي أبو محمد: وحدثني أبي رضي الله عنه، أنه سمع أبا الفضل بن الجوهري على المنبر بمصر يعظ الناس في الكيل والوزن فقال: اعتبروا في أن الإنسان إذا رفع يده بالميزان فامتدت أصابعه الثلاث والتقى الإبهام والسبابة على ناصية الميزان جاء من شكل أصابعه صورة المكتوبة فكأن الميزان يقول: الله الله. قال القاضي أبو محمد: وهذا وعظ مليح مذكر. و {القسط} العدل ونحوه، و "البخس" النقصان، و {تعثوا} معناه: تسعون في فساد، وكرر {مفسدين} على جهة التأكيد، يقال عثا يعثو أو عثى يعثي، وعث يعث، وعاث يعيث - إذا أفسد ونحوه من المعنى، العثة: الدودة التي تفسد ثياب الصوف. وقوله: {بقيت الله} قال ابن عباس معناه الذي يبقي الله لكم من أموالكم بعد توفيتكم الكيل والوزن خير لكم مما تستكثرون أنتم به على غير وجهه. قال القاضي أبو محمد: وهذا تفسير يليق بلفظ الآية وقال مجاهد: معناه طاعة الله، وقال ابن عباس - أيضاً - معناه رزق الله، وهذا كله لا يعطيه لفظ الآية، وإنما المعنى عندي - إبقاء الله عليكم إن أطعتم. وقرأ إسماعيل بن جعفر عن أهل المدينة بتخفيف الياء وهي لغة. وقوله: {إن كنتم مؤمنين} شرط في أن تكون البقية خيراً لهم، وأما مع الكفر فلا خير لهم في شيء من الأعمال، وجواب هذا الشرط، متقدم، و"الحفيظ" المراقب الذي يحفظ أحوال من يرقب، والمعنى: إنما أنا مبلغ والحفيظ المحاسب هو الذي يجازيكم بالأعمال.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَدْيَنَ} بنو مدين بن إبراهيم كمضر لبني مضر، أو مدين مدينتهم نسبوا إليها ثم اقتصر على اسمها تخفيفاً، وهو أعجمي، أو عربي من مَدَنَ بالمكان أقام فيه عند من زعم أنه اسم المدينة، أو من دنت أي ملكت بزيادة الميم عند من جعله اسم رجل. {شُعَيْباً} تصغير شعب وهو الطريق في الجبل، أو القبيلة العظيمة، أو من شعب الإناء المكسور. {بخَيْرٍ} رخص السعر "ع"، أو المال وزينة الدنيا. {يَوْمٍ مُّحِيطٍ} غلاء السعر "ع" أو عذاب النار في الآخرة، أو الاستئصال في الدنيا.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {إني} بالفتح {أريكم} بالإمالة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو والبزي، وكذلك روى عن أهل مكة. {إني أخاف} {شقاقي أن} بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو {وصلواتك} كما مر في سورة التوبة في قوله: {أية : إن صلاتك سكن}تفسير : {التوبة: 103] {توفيقي} بالفتح: أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ونافع {أرهطي} بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو {بعدت ثمود} بالإظهار: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى. الوقوف: {شعيباً} ط {غيره} ط {محيط} ه {مفسدين} ه {مؤمنين} ج للابتداء بالنفي مع الواو {بحفيظ} ه {ما نشاء} ط {الرشيد} ه {حسناً} ط {عنه} ط {ما استطعت} ط {إلا الله} ط {أنيب} ه {صالح} ط {ببعيد} ه {إليه} ط {ودود} ه {ضعيفاً} ج لأن "لولا" للابتداء مع الواو {لرجمناك} ز لحق النفي وكون الواو للحال أوجه {بعزيز} ه {من الله} ط للفصل بين الاستخبار والاخبار واتحاد المقصود وجه للوصل {ظهرياً} ط {محيط} ه {عامل} ط {تعلمون} ه لا {كاذب} ط للفصل بين الخير والطلب {رقيب} ه {جاثمين} ه لا {فيها} ط {ثمود} ه {مبين} ه لا لتعلق الجار {فرعون} ج للنفي مع الواو للعطف أو للحال {برشيد} ه {النار} ط {المورود} ه {القيامة} ط {المرفود} ه {وحصيد} ه {أمر ربك} ج {تتبيب} ه {ظالمة} ط {شديد} ه. التفسير: نقص المكيال يشمل معنيين: بأن ينقص في الإيفاء من القدر الواجب، ويزيد في الاستيفاء على القدر الواجب فيلزم في كلا الحالين نقصان حق الغير. ثم علل النهي بقوله: {إني أراكم بخير} أي بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف، أو بنعمة من الله حقها أن تشكر لتزداد لا أن تكفر فتزال. {وإني أخاف عليكم} عن ابن عباس أنه فسر الخوف بالعلم. وقال آخرون: إنه الظن الغالب لأنه كان يجوز ازدجارهم وانتهاءهم. والعذاب المحيط المهلك المستأصل كأنه أحاط بهم بحيث لا ينفلت منهم أحد. وزيادة اليوم لأجل المبالغة والإِسناد المجازي باعتبار ما هو واقع فيه واشتمل عليه ذلك اليوم. قيل: هو عذاب الاستئصال في الدنيا. وقيل: عذاب الآخرة والأظهر العموم. قوله: {أوفوا المكيال} إلى قوله {أشياءهم} قد مر تفسير مثله في الأعراف. وقوله: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} مضى تفسيره في أوائل البقرة، بقي في الآية سؤال وهو أنه سبحانه نهى أوّلاً عن النقص ثم أمر بالإيفاء فهل فيه فائدة سوى التأكيد والتقرير؟ والجواب بعد تسليم أن النهي عن الشيء أمر بضده، هو أن النهي عن النقص في المبايعة وإن كان يفيد تصريحة تعييراً وتوبيخاً لكنه يوهم النهي عن أصل المبايعة، فلدفع هذا الخيال أمر بإيفاء الكيل، ففيه إباحة أصل المبايعة، مع التصريح بالنعت المستحسن في العقول لزيادة الترغيب. وفي أيضاً فائدة أخرى من قبل تقييد الإيفاء بالقسط ليعلم أن ما جاوز العدل ليس بواجب بل هو فضل ومروءَة لا تقف عند حد، وإنما الواجب شيء من الإيفاء بقدر ما يخرج عن العهدة بيقين كما أن غسل الوجه لا يحصل باليقين إلا عند غسل شيء من الرأس {بقية الله} قيل: ثواب الله. وقيل: طاعته ورضاه كقوله: {أية : والباقيات الصالحات خير}تفسير : [الكهف:46] وقيل: أي ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم {خير لكم} بشرط أن تؤمنوا لأن شيئاً من الأعمال لا ينفع مع الكفر إن كنتم مصدقين لي فيما أنصح لكم. ولا ريب أن الأمانة تجر الرزق لاعتماد الناس وإقبالهم عليه فينفتح له أبواب المكاسب، والخيانة تجر الفقر لتنفر الناس عنه وعن معاملته وصحبته. قالت المعتزلة. في إضافة البقية إلى الله دليل على أن الحرام لا يسمى رزق الله. وقرىء {تقية الله} بالتاء الفوقانية أي اتقاؤه الصارف عن المعاصي والقبائح {وما أنا عليكم بحفيظ} أحفظ أعمالكم لأجازيكم إنما أنا مبلغ ناصح وقد أعذر من أنذر. قوله: {أصلاتك} قيل: أي دينك وإيمانك لأن الصلاة عماد الدين فعبر عن الشيء باسم معظم أركانه. وقيل: المراد الأتباع لأنه أصل الصلاة ومنه المصلي للذي يتلو السابق والمعنى دينك أي أتباعه يأمرك بذلك. والأظهر أن المراد به الأعمال المخصوصة يروى أن شعيباً عليه السلام كان كثير الصلاة فكان قومه إذا رأوه يصلي تغمزوا وتضاحكوا فقصدوا بقولهم: {أصلاتك تأمرك} السخرية والهزء فكأن الصلاة التي يداوم عليها ليلاً ونهاراً هي من باب الجنون والوساوس. ومعنى {تأمرك أن نترك} تأمرك بتكليف أن نترك على حذف المضاف لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره. وقوله {أو أن نفعل} معطوف على ما في ما يعبد أي تأمرك صلاتك بترك ما عبد آباؤنا وبترك أن نفعل {في أموالنا ما نشاء} روي أنه كان ينهاهم عن قطع أطراف الدراهم كما كان يأمرهم بترك التطفيف والاقتناع بالحلال القليل من الحرام الكثير. {إنك لأنت الحليم الرشيد} قيل: إنه مجاز والمراد نسبته إلى غاية السفاهة والغواية فعكسوا تهكماً به. وقيل: حقيقة وإنه كان معروفاً فيما بينهم بالحلم والرشد فكأنهم قالوا له: إنك المعروف بهذه السيرة فكيف تنهانا عن دين ألفناه وسيرة تعودناها. ثم أشار عليه السلام إلى ما آتاه الله من العلم والهداية والنبوة والكرامة والرزق الحلال الحاصل من غير بخس ولا تطفيف، وجواب الشرط محذوف اكتفي عنه بما ذكر في قصتي نوح وصالح، والمعنى أرأيتم إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وقد آتاني بعد هذه السعادات الروحانية السعادات الدنيوية من الخيرات والمنافع الجليلة هل يسعني مع هذه الإكرامات أن أخون في وحيه ولا آمركم بترك الشرك وبفعل الطاعة والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟ {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه. فالمعنى لا أجعل فعلي مخالفاً لقولي فلا أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها {إن أريد إلا الإصلاح} إلا أن أصلحكم بالموعظة. والنصحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. {ما استطعت} ما للمدة ظرفاً للإصلاح أي مدة استطاعتي لإصلاحكم، أو بدل من الإصلاح أي المقدار الذي استطعته منه، أو المضاف محذوف أي إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، أو مفعولاً للإصلاح فقد يعمل المصدر المعرف كقوله: ضعيف النكاية أعداءه. أي إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم. ثم بين أن كل ما يأتي ويذر فوقوعه بتسهيل الله وتأييده فقال: {وما توفيقي إلا بالله} والتوفيق أن توافق إرادة العبد إرادة الله {عليه توكلت} أخصه بتفويض الأمور إليه لأنه مبدأ المبادىء {وإليه أنيب} لأنه المعاد الحقيقي وفي ضمنه تهديد وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم منه. ثم أوعدهم بقوله {لا يجرمنكم شقاقي} لا يكسبنكم خلافي {إن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح} من الغرق {أو قوم هود} من الريح العقيم {أو قوم صالح} من الصيحة {وما قوم لوط منكم ببعيد} لم يقل "ببعيدة" حملاً على لفظ القوم لأنه مؤنث، ولا "ببعيدين" حملاً على معناه ولكنه على تقدير مضاف أي وما إهلاكهم ببعيد لأنهم أهلكوا في عهد قريب من عهدهم. أو المراد وما هم بشيء بعيد أو بزمان أو مكان بعيد. وجوزوا أن يسوّى في بعيد وقريب وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما. {إن ربي رحيم ودود} يجوز أن يكون بمعنى "فاعل" أو "مفعول" كقوله: {أية : يحبهم ويحبونه}تفسير : [المائدة: 54] وهذا حث لهم على الاستغفار والتوبة، وتنبيه على أن سبق الكفر والمعصية لا ينبغي أن يمنعهم عن الإيمان والطاعة. ولما بالغ خطيب الأنبياء في التقرير والبيان {قالوا يا شعيب ما نفقهُ كثيراً مما تقول} إما لقلة الرغبة أو قالوا تهكماً واستهانة كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول. كأنهم جعلوا كلامه تخليطاً وهذياناً لا ينفعهم كثير منه. وقيل: لأنه كان ألثغ {وإنا لنراك فينا ضعيفاً} عن الحسن: مهينا أي لا عزة لك فيما بيننا ولا قوة فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً. وفسر بعضهم الضعيف بالأعمى لأن العمى سبب الضعف، أو لأنه لغة حمير. وزيف هذا القول أما عند من جوز العمى على الأنبياء فلأن لفظة {فينا} يأباه لأن الأعمى فيهم وفي غيرهم، وأما عند من لا يجوزه - كبعض المعتزلة - فلأن الأعمى لا يمكنه الاحتراز من النجاسات وأنه يخل بجواز كونه حاكماً وشاهداً، فلأن يمنع من النبوة كان أولى. ثم ذكروا أنهم إنما لم يريدوا به المكروه ولم يوقعوا به الشر لأجل رهطه - والرهط من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى السبعة - والرجم شر القتل وهو الرمي بالحجارة، أو المراد الطرد والإبعاد ومنه الشيطان الرجيم. ثم أكدوا المذكور بقولهم {وما أنت علينا بعزيز} وإنما العزيز علينا رهطك لا خوفاً من شوكتهم ولكن لأنهم من أهل ديننا، فالكلام واقع في فاعل العز لا في الفعل وهو العز ولذلك قال في جوابهم {أرهطي أعز عليكم من الله} ولو قيل وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب، وإنما لم يقل أعز عليكم مني إيذاناً بأن التهاون بنبي الله كالتهاون بالله كقوله: {أية : من يطع الرسول فقد أطاع الله}تفسير : [النساء: 80] {واتخذتموه} أي أمر الله أو ما جئت به {وراءكم ظهرياً} منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب أي جعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر غير ملتفت إليه. ثم وصف الله تعالى بما يتضمن الوعيد في حقهم قال: {إن ربي بما تعملون محيط}. ثم زاد في الوعيد والتهديد بقوله: {اعملوا على مكانتكم} وقد مر تفسير مثله في "الأنعام" قال في الكشاف: الاستئناف يعني في {سوف تعلمون} وصل خفي تقديري وإنه أقوى من الوصل بالفاء وهو باب في أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه. ثم بالغ في التهديد بقوله: {وارتقبوا} انتظروا عاقبة الشقاق {إني معكم رقيب} راقب كالضريب بمعنى الضارب،أو مراقب كالعشير والنديم، أو مرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع. وباقي القصة على قياس قصة صالح وأخذ الصيحة وأخذت الصحية كلتا العبارتين فصيحة لمكان الفاصل إلا أنه لما جاء في قصة شعيب مرة الرجفة ومرة الظلة ومرة الصيحة ازداد التأنيث حسناً بخلاف قصة صالح. وإنما دعاه عليه بقوله: {كما بعدت ثمود} لما روى الكلبي عن ابن عباس قال: لم يعذب الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح. فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأما قوم شعيب فأخذتهم من فوقهم. قوله سبحانه {بآياتنا وسلطان مبين} قال في التفسير الكبير: الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات المفيدة للظن وبين الدلائل التي تفيد اليقين. والسلطان اسم لما يفيد القطع وإن لم يتأكد بالحس، والسلطان المبين مخصوص بالدليل القاطع الذي يعضده الحس. وقال في كشاف: يجوز أن يراد أن الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته، وأن يراد بالسلطان المبين العصا لأنها أبهرها، وقوله: {إلى فرعون} متعلق بـ {أرسلنا} {فاتبعوا أمر فرعون} أي شأنه وطريقه أو أمره إياهم بالكفر والجحود وتكذيب موسى {وما أمر فرعون برشيد} أي ليس في أمره رشد إنما فيه غي وضلال، وفيه تعريض بأن الرشد والحق في أمر موسى. ثم إن قومه عدلوا عن اتباعه الى اتباع من ليس في أمره رشد قط، فلا جرم كما كان فرعون قدوة لهم في الضلال فكذلك يقدمهم أي تقدمهم يوم القيامة إلى النار وهم على أثره، ويجوز أن يراد بالرشد الإِحماد وحسن العاقبة فيكون المعنى وما أمر فرعون بحميد العاقبة. ثم فسره بأنه {يقدم قومه} أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته. ويقال: قدمه وقدمه بالتخفيف والتشديد بمعنى تقدمه ومنه مقدمة الجيش ومثله أقدم ومنه مقدم العين. وإنما قال {فأوردهم} بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع. والورد المورود الذي وردوه، شبّه فرعون بمن يتقدم الواردة إلى الماء، وشبه أتباعه بالواردة. ثم نعى عليهم بقوله: {وبئس الورد} الذي يردونه النار لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده وتذكير {بئس} لتذكير الورد وإن كان هو عبارة عن النار كقولك: نعم المنزل دارك ولو قلت: نعمت جاز نظراً إلى الدار. وفي تشبيه النار بالماء نوع تهكم بهم {وأتبعوا في هذه} حذف صفته في هذه الآية اكتفاء بما مر في قصة عاد. و{بئس الرفد المرفود} أي بئس العطاء المعطى ذلك. وقيل: الرفد العون والمرفود المعان وذلك أن اللعنة في الدنيا رفدت أي أعينت وأمدت باللعنة في الآخرة، قال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان لعنة من الله والملائكة واللاعنين في الدنيا ولعنة في الآخرة. {ذلك} الذي ذكرنا أو ذلك النبأ بعض {أنباء القرى} المهلكة {نقصه عليك} خبر بعد خبر ثم استأنف فقال {منها قائم وحصيد} أي ومنها حصيد والمراد بعضها باقٍ كالزرع القائم، على ساقه وبعضها عافي الأثر كالزرع المحصود {وما ظلمناهم} بإهلاكنا إياهم {ولكن ظلموا أنفسهم} بارتكاب ما به أهلكوا. عن ابن عباس: وما نقصناهم في الدنيا من النعيم والرزق ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله {فما أغنت} فما قدرت أن ترد {عنهم آلهتهم التي يدعون} يعبدون وهي حكاية حال ماضية بأس الله حين جاء {وما زادوهم} يعني آلهتهم {غير تتبيب} تخسير. تب خسر وتببه غيره أوقعه في الخسران. كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين في الدنيا على تحصيل المنافع ودفع المضار وستنفعهم عند الله في الآخرة فلم تنفعهم في الدنيا حين جاءهم عذاب الله وسيورثهم ذلك الاعتقاد عذاب النار في الآخرة فهم في خسران الدارين. ثم بيَّن أن عذابه غير مقصور على أولئك الأقوام ولكنه يعم كل ظالم سيوجد فقال: {وكذلك} أي مثل ذلك الأخذ {أخذ ربك} فالأخذ مبتدأ وذلك خبره وقوله {وهي ظالمة} حال من القرى باعتبار أهلها {إن أخذه أليم شديد} وجيع صعب على المأخوذ وهو تحذير من وخامة عاقبة كل ظلم على الغير أو على النفس فعلى العاقل أن يبادر إلى التوبة ولا يغتر بالإمهال. التأويل: {ولا تنقصوا} مكيال المحبة وميزان الطلب، فمكيال المحبة عداوة ما سوى الله، وميزان الطلب السير على قدمي الشريعة والطريقة {إني أراكم بخير} هو حسن الاستعداد الفطري وإني أخاف عذاب فساد الاستعداد في طلب غير الحق {بالقسط} في تعظيم أمرالله والشفقة على خلق الله. {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} حقوق النصيحة وحسن العشرة في الله ولله {ولا تعثوا} في أرض وجودكم {مفسدين} {بقية الله} بقاؤكم ببقائه {خير لكم} مما فاتكم بإيفاء المكيال والميزان. {رزقاً حسناً} نوراً تاماً أراني به إصلاح الأمور والاستعدادات إن ساعدني التوفيق {وما} معاملة {قوم لوط} من معاملتكم {ببعيد} لأن الكفر كله ملة واحدة. {وما أمر فرعون برشيد} لأن فرعون النفس أمارة بالسوء. {إذا أخذ القرى} قرى الأجساد {منها قائم} قابل لتدارك ما فات. ومنها ما هو محصود بفوات الاستعداد والله تعالى أعلم بالصواب.
الثعالبي
تفسير : وقوله عز وجل: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ...} الآية: قوله: {بِخَيْرٍ }: قال ابن عباس: معناه: في رُخْصٍ من الأسعار، وقيل: قوله: {بِخَيْرٍ }: عامٌّ في جميع نِعَمِ اللَّه تعالَى، و{تَعْثَوْاْ }: معناهُ تَسْعُوْنَ في فسادٍ، يقال: عَثَا يَعْثُو، وَعَثَى يَعْثِي؛ إِذا فسد.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} القصة. أي: وأرسلنا إلى ولد مدين وهو اسم ابن إبراهيم - عليه السلام -، ثم صار اسماً للقبيلةِ. وقال كثير من المفسِّرين: مَدْيَنُ اسم مدينة، وعلى هذا فتقديره: وأرسلنا إلى أهل مدين، فحذف "أهل"، كقوله: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف:82] أي: أهل القرية. واعلم أنَّ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أول ما يبدؤون بالدعوة إلى التَّوحيدِ، ولذلك قال شعيبٌ - عليه الصلاة والسلام -: {يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} ثم بعد الدَّعوة إلى التوحيد يشرعون في الأهم، فالأهم، ولما كان المتعادُ في أهل مدينَ البَخْسَ في المكيالِ والميزان، دعاهم إلى تركِ هذه العادة، فقال: {وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ}. قوله: "وَلاَ تَنقُصُوا": "نَقَصَ" يتعدَّى لاثنين، إلى أولهما بنفسه، وإلى ثانيهما بحرف الجرِّ؛ وقد يحذفُ؛ تقولُ: نَقَصْتُ زيْداً من حقِّه، وحقَّهُ، وهو هنا كذلك، إذ المرادُ: ولا تنْقصُوا النَّاس من المكيالِ، ويجوز أن يكون متعدِّياً لواحدٍ على المعنى. والمعنى: لا تُقَلِّلُوا وتُطَفِّفُوا ويجُوز أن يكون "المِكْيَال" مفعولاً أول، والثاني محذوفٌ، وفي ذلك مبالغة، والتقدير: ولا تنقصُوا المكيال والميزان حقَّهما الذي وجب لهما، وهو أبلغُ في الأمر بوفائهما. قوله تعالى: {إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} قال ابنُ عبَّاسٍ: موسرين في نعمة. وقال مجاهدٌ: كانوا في خصب وسعةٍ؛ فحذَّرهم زوال النعمة، وغلاء الأسعار، وحلول النقمة إنْ لم يتُوبُوا. {وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} يحيطُ بكم فيهلككم. قال ابنُ عبَّاسٍ: أخافُ: أي: أعلم. وقال غيره: المراد الخوف؛ لأنه يجوز أن يتركُوا ذلك العمل خشية حُصُولِ العذابِ. قوله: "محيطٍ" صفة لليوم، ووصف به من قولهم: أحاط به العدوُّ، وقوله: {أية : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ}تفسير : [الكهف:42]. قال الزمخشري: إنَّ وصف اليوم بالإحاطة أبلغُ من وصفِ العذاب بها قال: لأنَّ اليوم زمانٌ يشتمل على الحوادث، فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمُعَذَّبِ ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه. وزعم قومٌ: أنه جُرَّ على الجوار؛ لأنَّهُ في المعنى صفةٌ للعذاب، والأصلُ: عذاب يوم مُحيطاً وقال آخرون: التقدير: عذابُ يومٍ محيطٍ عذابُه. قال أبو البقاءِ: وهو بعيدٌ؛ لأنَّ محيطاً قد جرى على غير من هو له، فيجب إبرازُ فاعله مضافاً إلى ضمير الموصوف. واختلفوا في المراد بهذا العذاب: فقيل: عذاب يوم القيامةِ. وقيل: عذاب الاستئصال في الدنيا؛ كما هُو في حق سائر الأمم. والأقربُ دخولُ كل عذاب فيه، وإحاطة العذاب بهم كإحاطة الدَّائرة بما فيها. قوله: {وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} أي: بالعدل. فإن قيل: وقع التَّكرار ههنا من ثلاثة أوجه، فقال: {وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} ثم قال {أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ}، وهو عين الأول، ثم قال: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ}، وهو عين الأوَّل، فما فائدة التَّكرارِ؟. فالجواب من وجوه: الأول: أن القوم كانوا مُصرِّين على ذلك العمل، فمنع منه بالمبالغة في التأكيد، والتكرارُ يفيد التَّأكيد وشدّة العناية والاهتمام. الثاني: قوله: {وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} نهي عن التنقيص، وقوله: {أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} أمر بإيفاء العدل، والنَّهْي عن الشيء أمر بضده، وليس لقائل أن يقول النَّهي ضد الأمر، فكان التكرير لازماً من هذا الوجه، لأنَّا نقول: الجوابُ من وجهين: أحدهما: أنَّهُ تعالى جمع بين الأمر بالشَّيء، وبين النهي عن ضده للمبالغة، كما تقولُ: صل قرابتك، ولا تقطعهم؛ فدلَّ هذا الجمعُ على غاية التَّأكيد. وثانيهما: ألا نُسَلم أنَّ الأمر كما ذكرتم؛ لأنَّهُ يجُوزُ أن ينهى عن التنقيص وينهى أيضاً عن أصلِ المعاملة، فهو تعالى منع من التنقيص وأمر بإيفاء الحقِّ، ليدلَّ ذلك على أنَّهُ تعالى لم يمنع من المعاملات، ولم ينه عن المبايعات، وإنَّما منع من التَّطْفِيفِ، ومنع الحقوق، فكانت المبايعات محرمة بالكُلِّيَّةِ، فلأجْلِ هذا منع في الآية الأولى من التَّنقِيصِ، وفي الأخرى أمر بالإيفاء، وأما قوله ثالثاً: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ} فليس بتكرير لأنَّهُ تعالى خصَّ المنع في الآية الأولى بالنُّقصان في المكيالِ والميزان. ثم إنَّهُ تعالى عمَّ الحكم في جميع الأشياء، فدل ذلك على أنها غير مكررة، بل في كل واحدة فائدة زائدة. الوجه الثالث: أنه تعالى قال في الآية الأولى: {وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} وفي الثانية قال: {أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} والإيفاءُ: عبارة عن الإتيان به على الكمالِ والتَّمام، ولا يحصلُ ذلك إلاَّ إذا أعطى قدراً زائداً على الحق، ولهذا المعنى قال الفقهاءُ: إنَّهُ تعالَى أمر بغسل الوجه وذلك لا يحصلُ إلاَّ عند غسل كلّ جزء من أجزاء الرَّأس. فالحاصلُ: أنه تعالى نهى في الآية الأولى عن النُّقصان، وفي الثانية أمَرَ بإعطاء شيءٍ مِنْ الزيادة، فكأنَّه تعالى نهى أولاً عن سعي الإنسان في أن يجعل مال غيره ناقصاً ليحصل له تلك الزيادة، وفي الثانية أمر بأن يسعى في تنقيص مال نفسه ليخرج مالهُ من غير العوض. وقوله: "بِٱلْقِسْطِ" يعني: بالعدلِ، ومعناه الأمر بإيفاء الحقِّ بحيث يحصلُ معه اليقين بالخُروجِ عن العهدةِ، فالأمرُ بإيتاء الزِّيادةِ على ذلك غيرُ حاصل. والبخس: هو النَّقْضُ. ثم قال: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ}. فإن قيل: العثوُّ: الفسادُ التَّامُّ، فقوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} جار مجرى قولك: ولا تفسدُوا في الأرض مفسدين. فالجوابُ من وجوه: الأول: أن من سعى في إيصال الضَّرر إلى الغير، فقد حمل ذلك الغير على السعي إلى إيصال الضرر إليه فقوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} ولا تسعوا في إفسادِ مصالح الغير، فإنَّ ذلك في الحقيقة سعي منكم في إفساد مصالح أنفسكم. والثاني: أن يكون المرادُ من قوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} مصالح دنياكم وآخرتكم. والثالث: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} مصالح الأديان والشرائع. ثم قال: {بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} العامَّة على تشديد ياء "بقيَّة". وقرأ إسماعيلُ بن جعفر - من أهل المدينة - بتخفيفها قال ابنُ عطيَّة: "وهي لغةٌ". وهذا لا ينبغي أن يقال، بل يقال: إنْ لم يقصد الدَّلالةُ على المبالغة جيء بها مخففة وذلك أنَّ "فِعَل" بكسر العين إذا كان لازماً فقياسُ الصِّفة منه: "فَعِل" بكسر العين نحو: سَجِيَت المرأة فهي سجيَة فإن قصدت المبالغة قيل: سجيَّة، لأنَّ فعيلاً من أمثلة المبالغة فكذلك "بقيَّة وبقِية" أي: بالتَّشديد والتَّخفيف. قال المفسِّرون "بقيَّةُ اللهِ" هي تقواه. قال ابنُ عباسٍ: ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيلِ والوزن خيرٌ ممَّا تأخذونه بالتطفيف. وقال مجاهدٌ: "بقيَّةُ اللهِ" يعنى طاعة الله خير لكم من ذلك القدر القليل؛ لأنَّ منفعة الطَّاعة تبقى أبداً. قوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} قال ابنُ عطيَّة - رحمه الله -: "وجوابُ هذا الشَّرط متقدِّمٌ" يعنى: على مذهب من يراهُ لا على مذهب جمهور البصريِّين. وإنَّما شرط الإيمان لكونه خيراً لهُمْ؛ لأنهم إن كانوا مؤمنين مقرِّين بالثَّواب والعقابِ عرفوا أنَّ السَّعي في تحصيل الثَّواب وفي الحذر من العقابِ خير لهم من السَّعي في تحصيل ذلك القليل. والمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط؛ فدلَّ ظاهرُ الآية على أنَّ من لم يحترز عن هذا التطفيف لا يكون مُؤمناً. قوله: {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} أي: إنِّي نصحتكم، وأرشدتكم إلى الخير، وما عليّ منعكم من هذا الفعل القبيح. وقيل: لمَّا قال لهم: إنَّ البخس والتطفيف يزيل النعم عنكم، وأنا لا أقدر على حفظها عليكم في تلك الحالة؛ قالوا له: {أَصَلَوَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ} قرأ حمزةُ والكسائيُّ وحفص عن عاصم، "أصلاتُكَ" بغير واو. والباقون بالواو على الجمع. قوله: {أَوْ أَن نَّفْعَلَ} العامَّةُ على نون الجماعةِ، أو التعظيم في "نَفْعلُ" و "نشاءُ". وقرأ زيد بنُ عليّ، وابنُ أبي عبلة والضحاك بنُ قيس بتاءِ الخطاب فيهما. وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة الأول بالنون والثاني بالتاء، فمن قرأ بالنون فيهما عطفه على مفعول "نَتْرُكَ" وهو "ما" الموصولةُ، والتقدير: أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبدُ آباؤنا، أو أنْ نتركَ أن نفعل في أموالنا ما نشاءُ، وهو بخسُ الكيل والوزن المقدَّم ذكرهما. و "أوْ" للتنويع أو بمعنى الواو، قولان، ولا يجوز عطفه على مفعول "تأمُركَ"؛ لأنَّ المعنى يتغيَّرُ، إذ يصير التقديرُ: أصلواتُك تأمُرك أن تفعل في أموالنا. ومن قرأ بالتاء فيهما جاز أن يكون معطوفاً على مفعول "تأمُركَ"، وأن يكون معطوفاً على مفعول "نترك"، والتقديرُ: أصلواتك تأمرك أن تفعل أنت في أموالنا ما تشاءُ أنت، أو أن نترك ما يعبدُ آباؤنا، أو أن نترك أن تفعل أنت في أموالنا ما تشاء أنت. ومن قرأ بالنُّون في الأوَّلِ وبالتَّاءِ في الثاني كان: "أن تفعل" معطوفاً على مفعول: "تأمُرُكَ" فقد صار ذلك ثلاثة أقسام، قسمٍ يتعيَّنُ فيه العطفُ على مفعول: "نَتْرُكَ" وهي قراءةُ النُّونِ فيهما، وقسم يتعيَّنُ فيه العطفُ على مفعول "تأمُرك"، وهي قراءةُ النُّون في "نفعلُ" والتاء في "تشاء"، وقسمٍ يجوزُ فيه الأمْران وهي قراءةُ التاء فيهما. والظَّاهرُ من حيثُ المعنى في قراءة التَّاء فيهما، أو في "تشاء" أنَّ المراد بقولهم ذلك هو إيفاءُ المكيال والميزان؛ لأنه كان يأمرهم بهما. وقال الزمخشريُّ: "المعنى: تأمرك بتكليف أن نترك، فحذف المضاف لأنَّ الإنسانَ لا يؤمرُ بفعل غيره". واعلم أنَّ قوله: {أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ} إشارة إلى أنه أمرهم بالتوحيد. وقوله: {أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} إشارة إلى أنه أمرهم بترك البخس. فصل قيل: المرادُ بالصلاة هنا الدِّين والإيمان؛ لأنَّ الصلاة أظهر شعائر الدين؛ فجعلوا ذكر الصَّلاة كناية عن الدِّين. وقيل: أصل الصلاة الاتِّباعُ، ومنه أخذ المصلِّي من خيل المسابقة، وهو الذي يتلو السابق؛ لأنَّ رأسه يكون على صلوي السَّابق، وهما ناحيتا الفخذين، والمعنى: دينُك يأمرك بذلك. وقيل: المرادُ هذه الأفعال المخصوصة، روي أنَّ شُعَيْباً كان كثير الصَّلاةِ، وكان قومه إذا رأوه يصلي يتغامزون ويتضاحكُون، فقصدوا بقولهم: أصلاتُكَ تأمرك السخرية والاستهزاء. {إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ}. قال ابن عباس: أرادوا السَّفيه الغاوي؛ لأنَّ العرب قد تصف الشيء بضده فيقولون: للديغ سليم، وللفلاة مفازة. وقيل: قالوه على وجهِ الاستهزاء، كما يقال للبخيل الخسيس "لو رآكَ حاتمٌ، لسجد لك"، وقيل: الحليم، الرشيد بزعمك. وقيل: على الصِّحَّة أي: إنَّكَ يا شعيبُ فينا حليم رشيد لا يحصل بك شقّ عصا قومك، ومخالفة دينهم، وهذا كما قال قومُ صالحٍ: {أية : قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا} تفسير : [هود:62]. قوله: {أَرَءَيْتُمْ} قد تقدَّم مراراً [يونس:50]. وقال الزمخشريُّ هنا: فإنْ قلت: أين جوابُ "أرأيْتُم" وما له لم يثبتْ كما ثبت في قصَّة نوحٍ، وصالح؟ قلتُ جوابهُ محذوفٌ، وإنَّما لم يثبتْ؛ لأنَّ إثباته في القصتين دلَّ على مكانه، ومعنى الكلام ينادي عليه، والمعنى: أخبروني إن كنت على حجة واضحةٍ ويقين من ربِّي ونبيّاً على الحقيقة، أيصحُّ أن لا آمركم بترك عبادةِ الأوثان والكفِّ عن المعاصي، والأنبياءُ لا يبعثُونَ إلاَّ لذلك؟. قال أبُو حيَّان: وتسميةُ هذا جواباً لـ "أرَأيتُمْ" ليس بالمصطلح، بل هذه الجملةُ التي قدَّرها في موضع المفعول الثَّاني لـ "أرَأَيْتُمْ" لأنَّ "أرَأَيْتُمْ" إذا ضُمِّنَتْ معنى أخبرني تعدَّت إلى مفعولين، والغالبُ في الثاني أن يكون جملة استفهامية ينعقدُ منها، ومن المفعول الأوَّل في الأصل جملةٌ ابتدائية كقول العربِ: "أرأيتك زيداً ما صنع" وقال الحوفيُّ: "وجوابُ الشَّرط محذوفٌ لدلالة الكلام على تقديره: أأعدلُ عمَّا أنا عليه". وقال ابنُ عطيَّة: "وجوابُ الشَّرط الذي في قوله: "إنْ كُنتُ" محذوفٌ تقديره أضلُّ كما ضللتُمْ، أو أترك تبليغ الرسالة، ونحو هذا ممَّا يليقُ بهذه المُحاجَّة". قال أبُو حيان: وليس قوله: "أضَلَّ" جواباً للشَّرط؛ لأنَّه إن كان مثبتاً فلا يمكنُ أن يكون جواباً لأنه لا يترتب على الشَّرط، وإن كان استفهاماً حذف منه الهمزة فهو في موضع المفعول الثاني لـ "أرأيْتُمْ" وجوابُ الشَّرْطِ محذوفٌ يدلُّ عليه الجملة السَّابقة مع متعلَّقها. فصل المعنى {أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} بصيرة وبيان من ربِّي {وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً} حلالاً. قيل: كان شعيب كثير المالِ الحلال. وقيل: الرزق الحسنُ: العلم والمعرفة أي: لما أتاني جميع هذه السَّعادات، فهل ينبغي لي مع هذه النعم أن أخُونَ في وحيه، أو أنْ أخالفَ أمره ونهيه، وإذا كان العزّ من الله، والإذلال من الله، وذلك الرزقُ إنَّما حصل من عند الله فأنا لا أبالي بمخالفتكم، ولا أفرحُ بموافقتكم، وإنَّما أكون على تقرير بدين الله وإيضاح شرائعه. قوله: {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ} قال الزمخشريُّ: خالفني فلان إلى كذا: إذا قصده وأنت مُولٍّ عنه، وخالفني عنه إذا ولَّى عنه وأنت قاصده، ويلقاك الرجل صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقولُ: "خالفَنِي إلى الماءِ"، يريد أنه ذاهب إليه وارداً، وأنا ذاهبٌ عنه صادراً، ومنه قوله تعالى: {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتُكم عنها لأستبدَّ بها دُونَكُم. وهذا الذي ذكره الزمخشريُّ معنى حسنٌ لطيف، ولم يتعرَّض لإعراب مفرداته؛ لأن بفهم المعنى يفهم الإعراب. فيجوزُ أن يكون قوله: "أنْ أخَالِفَكُمْ" في موضع مفعول بـ "أُرِيدُ"، أي: وما أريد مُخالفتكُم، ويكون "فاعل" بمعنى "فعل" نحو: جاوزتُ الشَّيء وجُزْته، أي: وما أريد أن أخالفكم، أي: أكون خلفاً منكم. وقوله:{إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ} يتعلَّق بـ " أخَالِفَكُمْ"، ويجُوزُ أن يتعلَّق بمحذوف على أنَّهُ حال، أي: مائلاً إلى ما أنهاكم عنه، ولذلك قدَّر بعضهم محذوفاً يتعلَّقُ به هذا الجارُّ تقديره: وأميل إلى أن أخالفكم، ويجُوزُ أن يكون "أنْ أخالِفكُمُ" مفعولاً من أجله، وتتعلق "إلى" بقوله "أريدُ" بمعنى: وما أقصد لأجل مخالفتكم إلى ما أنهاكم عنه. ولذلك قال الزجاج: وما أقصد بخلافكم إلى ارتكاب ما أنهاكم عنه. ويجوزُ أن يرادَ بأن أخالفكم معناه من المخالفةِ، وتكون في موضع المفعول به بـ "أُرِيد"، ويقدَّر مائلاً إلى. والمعنى: وما أريدُ فيما آمركم به وأنهاكم عنه:{إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ}. قوله: "مَا ٱسْتَطَعْتُ" يجوزُ في "مَا" هذه وجوه: أحدها: أن تكون مصدرية ظرفية أي: مدة استطاعتي. والثاني: أن تكون "ما" موصولة بمعنى "الذي" بدلاً من "الإصلاح" والتقديرُ: إن أريدُ إلاَّ المقدارَ الذي أستطيعه من الصَّلاح. الثالث: أن يكون على حذفِ مضاف، أي: إلاَّ الإصلاحَ إصلاحَ ما استطعتُ، وهو أيضاً بدلٌ. الرابع: أنَّها مفعول بها بالمصدر المعرَّف، أي: إنَّ أريدُ إلاَّ أن أصلح ما استطعت إصلاحُه؛ كقوله: [المتقارب] شعر : 3006- ضَعِيفُ النِّكايَةِ أعداءَهُ يَخَالُ الفِرَارَ يُراخِي الأجَلْ تفسير : ذكر هذه الأوجه الثلاثة الزمخشريُّ، إلاَّ أنَّ إعمال المصدر المعرَّف قليلٌ عند البصريين، ممنوعٌ إعمالهُ في المفعول به عند الكوفيين، وتقدَّم الجارَّان في "عليهِ" و"إليهِ" للاختصاص أي: عليه لا على غيره، وإليه لا إلى غيره. فصل اعلم أنَّ القوم كانوا قد أقرُّوا إليه بأنَّهُ حليمٌ رشيدٌ؛ لأنَّهُ كان مشهوراً بهذه الصفة، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال لهم: إنَّكُم تعرفون من حالي أني لا أسعى إلاَّ في الإصلاح وإزالة الفسادِ، فلمَّا أمرتكم بالتَّوحيدِ وترك إيذاء النَّاس؛ فاعلموا أنَّهُ دينٌ حق وأنه لي غرضي منه إيقاع الخصومة، وإثارة الفتنةِ، فأنتُم تعرفون أني أبغض ذلك الطريق، ولا أسْعَى إلاَّ إلى ما يوجب الصلاح بقدر جهدي وطاقتي، وذلك هو الإبلاغ والإنذار وأما الإجبارُ على الطَّاعة فلا أقدرُ عليه، ثمَّ أكَّد ذلك بقوله: {وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ} والتوفيق تسهيل سبيل الخير "عليْهِ توكَّلْتُ" اعتمدت "وإلَيْهِ أنيبُ" أرجع فيما ينزله علي من النَّوائِبِ، وقيل: في المَعَادِ. قوله: "لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ" العامَّةُ على فتح ياءِ المضارعة من "جرم" ثلاثيًّا. وقرأ الأعمشُ وابنُ وثابٍ بضمها من "أجرم" وقد تقدَّم [هود 22] أنَّ "جَرَمَ" يتعدَّى لواحدٍ ولاثنين مثل: كسب، فيقال: جَرَمَ زيدٌ مالاً نحو: كَسَبَهُ، وجرمْتُه ذَنْباً، أي: كسبته إياه فهو مثلُ كسب؛ وأنشد الزَّمخشري على تعدِّية لاثنين قوله: [الكامل] شعر : 3007- ولَقَدْ طَعَنْتُ أبَا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً جَرَمَتْ فَزارَةُ بعدهَا أنْ يَغْضَبُوا تفسير : فيكون الكاف والميم هو المفعول الأول. والثاني: هو "أنْ يصيبكُم" أي: لا تَكْسِبَنَّكُم عداوتي إصابة العذاب وقد تقدَّم أنَّ جَرَمَ وأجْرم بمعنى، أو بينهما فرق. ونسب الزمخشريُّ ضمَّ الياءِ من أجرم لابن كثير. والعامَّةُ أيضاً على ضمِّ لام "مِثْلُ" رفعاً على أنَّه فاعل "يُصِيبَكُم" وقرأ مجاهدٌ والجحدريُّ بفتحها وفيها وجهان: أحدهما: أنَّها فتحةُ بناء وذلك أنَّه فاعل كحاله في القراءة المشهورة، وإنَّما بُني على الفتح؛ لإضافته إلى غير متمكن؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} تفسير : [الذاريات:23] وكقوله: [البسيط] شعر : 3008- لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنْهَا غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ حَمَامَةٌ في غُصُونٍ ذاتِ أوْقَالِ تفسير : وقد تقدَّم تحقيقُ هذه القاعدة في الأنعام [الأنعام94]. والثاني: أنه نعتٌ لمصدر محذوف فالفتحة للإعراب، والفاعل على هذا مضمرٌ يفسره سياقُ الكلام، أي: يصيبكم العذاب إصابة مثل ما أصاب. فصل والمعنى: لا يكسبنكم "شِقَاقِي" خلافي: "أنْ يُصِيبكم" عذاب الاستئصال في الدنيا "مِثْلُ ما أصَابَ قوم نُوح" من الغرقِ، وقوم هود من الريح، وقوم صالح من الصَّيْحة والرَّجْفةِ، وقوم لوط من الخسْفِ. قوله: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} أتى بـ "بَعِيد" مفرداً وإن كان خبراً عن جمع لأحد أوجهٍ: إمَّا لحذف مضاف تقديره: وما إهلاك قوم، وإمَّا باعتبار زمانٍ، أي: بزمانٍ بعيد، فإنَّ إهلاك قوم لُوط أقرب الإهلاكات التي عرفها النَّاس في زمان شعيبٍ، وإمَّا باعتبار مكان، أي: بمكان بعيد؛ لأنَّ بلاد قوم لوطٍ قريبة من مدين، وإمَّا باعتبار موصوفٍ غيرهما، أي: بشيءٍ بعيد، كذا قدَّره الزمخشريُّ، وتبعه أبو حيَّان، وفيه إشكالٌ من حيثُ إنَّ تقديرهُ بزمانٍ يلزم منه الإخبارُ بالزَّمان عن الجُثَّةِ. وقال الزمخشريُّ أيضاً ويجوز أن يُسَوِّي في "قَرِيب" و"بَعِيد" و "قَلِيل" و"كَثير" بين المذكَّر والمؤنَّث لورودها على زنةِ المصادر التي هي كالصَّهيل، والنَّهيق ونحوهما. ثم قال: {وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} أي: من عبادة الأوثان، ثُمَّ تُوبُوا إلى الله - عزَّ وجلَّ من البَخْس والنُّقصان {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ} بأوليائه: "وَدُودٌ" الوَدُود: بناءُ مبالغة من ودَّ الشيء يوَدُّهُ وُدًّا، وودَاداً، ووِدَادَةً ووَدَادَةً أي: أحبًّه وآثره. والمشهورُ "وَدِدْت" بكسر العين، وسمع الكسائي "وَدَدْت" بفتحها، والوَدُودُ بمعنى فاعل أي: يَوَدّ عباده ويرحمهم. وقيل: بمعنى مفعولٍ بمعنى أنَّ عبادهُ يحبُّونه ويُوادُّون أولياءهُ، فهم بمنزلة "المُوادِّ" مجازاً. قال ابنُ الأنباري: الوَدُودُ - في أسماءِ الله تعالى - المُحِبُّ لعبادِهِ، من قولهم: وَدِدْتُ الرَّجُلَ أوَدُّهُ. قال الأزهريُّ - في "شرح كتاب أسماء الله الحسنى" -: ويجوزُ أن يكون "وَدُوداً فعُولاً بمعنى مفعول، أي: إنَّ عبادهُ الصَّالحين يودونه لكثرة إفضاله وإحسانه على الخلق. قال ابن الخطيب: واعلم أنَّ هذا التَّرتيب الذي راعاه شعيبٌ في ذكر هذه الوجوه الخمسة ترتيبٌ لطيفٌ. لأنَّهُ ذكر أولاً أنَّ ظهور البيِّنةِ له وكثرة الإنعام عليه في الظَّاهر والباطن يمنعه من الخيانة في وحي الله، ويصده عن التَّهاون في تبليغه. ثم بيَّن ثانياً أنَّه مواظب على العمل بهذه الدَّعوة، ولو كانت باطلةً لما اشتغل هو بها مع اعترافهم بكونه حَلِيماً رشيداً. ثم بيَّن صحته بطريق آخر، وهو أنَّه كان معروفاً بتحصيل موجبات الصلح، والصَّلاح وإخفاء موجبات الفتنِ، فلو كانت هذه الدعوة باطلة لما اشتغل بها، ثمَّ لمَّا بيَّن صحة طريقته أشار إلى نفي المعارض وقال: لا تحملكم عداوتي على مذهبٍ ودين تقعُون بسببه في العذاب الشَّديد من الله، كما وقع فيه أقوام الأنبياء المتقدمين، ثم إنََّه لمَّا صحَّح مذهب نفسه بهذه الدلائل عاد إلى تقرير ما ذكره أولاً وهو التوحيد والمنع من البخس بقوله: {ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} ثم بيَّن لهم أنَّ سبق الكفر والمعصية منهم لا ينبغي أن يمنعهم من الإيمان والطَّاعة؛ لأنَّه تعالى رحيمٌ ودودٌ يقبلُ الإيمان من الكافر والفاسق؛ لأنَّ رحمته بعباده وحبه لهم يوجبُ ذلك، وهذا تقرير في غاية الكمال. قوله: {قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ}. قيل: المعنى: ما نفقه كثيراً ممَّا تقولُ؛ لأنَّهُم كانوا لايلقون إليه أفهامهم لشدَّة نفورهم من كلامه، كقوله: {أية : وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} تفسير : [الأنعام:25] وقيل: إنَّهم فهموه، ولكنَّهم ما أقامُوا له وزناً، فذكروا هذا الكلام على سبيل الاستهانة، كقول الرَّجل لمنْ لم يعْبَأ بحديثه: ما أدري ما تقولُ. وقيل: ما ندري صحة الدَّليل الذي ذكرته على صحَّةِ التوحيد والنُّبوةِ والبعث، وما يجبُ من ترك الظُّلمِ والسرقة. فصل استدلُّوا بهذه الآية على أنَّ الفقه: اسمٌ لعلم مخصوص، وهو معرفة غرض المتكلم من كلامه؛ لأنه أضاف الفقه إلى القولِ، ثم صار اسماً لنوع مُعيَّن من علوم الدين، وقيل: إنَّه اسم لمطلق الفهم، يقال: أوتي فلانٌ فقهاً في الدِّين، أي: فَهْماً. قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ" تفسير : أي: يفهمه تأويله. ثم قال: {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً} قيل: الضَّعيفُ الذي يتعذر عليه منعُ القوم عن نفسه. وقيل: هو الأعمى بلغة حمير وهذا ضعيفٌ؛ لأنه ترك للظاهر بغير دليل، وأيضاً فقوله: "فِينَا" يُبْطل هذا الوجه؛ لأنَّهم لو قالوا: إنَّا لنراك أعْمَى فِينَا كان فاسداً؛ لأنَّ الأعمى أعْمَى فيهم وفي غيرهم، وأيضاً قولهم بعد ذلك "ولَوْلاَ رهْطُكَ لرجَمْناكَ" فنفوا عنه القُوَّة التي أثبتوها في رهطه وهي النُّصرة؛ فوجب أن تكون القوة التي نفوها عنه هي النُّصرة. واستدلّ بعضُ العلماءِ بهذه الآيةِ على تجويزِ العمى على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام-. وذلك اللَّفظ لا يدلُّ عليه، لما بيَّناه. قال بعضُ المعتزلةِ: لا يجوزُ العَمَى على الأنبياء، فإنَّ الأعْمَى لا يمكنه التَّجوز عن النَّجاسات، ولأنه يخل بجواز كونه حاكماً وشاهداً؛ فلأنْ يُمْنَع من النبوَّةِ أوْلَى. قوله: {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} "الرَّهْط"جماعةُ الرجل. وقيل: الرَّهْط والرَّاهط لما دُون العشرة من الرَّجالِ، ولا يقعُ الرَّهْطُ، والعَصَب، والنَّفَر، إلاَّ على الرِّجالِ. وقال الزمخشريُّ: "من الثَّلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى السَّبعةِ"، ويجمع على "أرْهُط" و "أرْهُط" على "أرَاهِط"؛ قال: [مجزوء الكامل] شعر : 3009- يا بُؤسَ لِلْحَرْبِ الَّتِي وَضَعَتْ أرَاهِطَ فاسْتَراحُوا تفسير : قال الرُّمَّانِيُّ: وأصلُ الكلمة من الرَّهْط، وهو الشدُّ، ومنه "التَّرْهيطُ" وهو شدَّة الأكل والرَّاهِطَاء اسم لجحر من جِحَرة اليَربُوع؛ لأنَّه يتوثَّقُ به ويَحْيَا فيه أولاده. فصل المعنى: ولولا حرمة رهطك عندنا لكونهم على ملتنا لرجمناك. والرَّجْمُ في اللغة: عبارة عن الرَّمي، وذلك قد يكونُ بالحجارة عند قصد القتل، ولمَّا كان هذا الرَّجم سبباً للقتل سموا القتل رَجْماً، وقد يكون بالقول الذي هو القَذْفُ كقوله تعالى: {أية : رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [الكهف:22] وقوله: {أية : وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [سبأ:53]، وقد يكُونُ بالشَّتم واللعن، ومنه الشيطان الرجيم، وقد يكون بالطرد، قال تعالى: {أية : رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ} تفسير : [الملك:5] فعلى هذه الوجوه يكون المعنى: لقتلناك، أو لشتمناك وطردناك. قوله: {وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} قال الزمخشريُّ "وقد دلّ إيلاءُ ضميره حرف النَّفي على أنَّ الكلام واقعٌ في الفاعل لا في المفعول كأنَّهُ قيل: وما أنت بعزيزٍ علينا بل رَهْطُك هم الأعزَّة علينا؛ فلذلك قال في جوابهم: "أرَهْطِي أعزُّ عليْكُم مِنَ اللَّهِ" ولو قيلَ: "ومَا عَزَزْتَ عليْنَا" لم يصحَّ هذا الجوابُ". والمعنى: أنك لمَّا لمْ تكن علينا عزيزاً، سهل علينا الإقدامُ على قتلك وإيذائك. واعلم أنَّ هذه الوجوه التي ذكروها ليست مانعةً لما قرره شعيبٌ من الدَّلائل، بل هي جارية مجرى مقابلة الدليل والحجة بالشتم والسَّفاهة. قوله:{يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهرياً} اعلم أنَّهم لمَّا خوَّفُوه بالقتل، وزعمُوا أنهم إنَّما تركوا قتله رعاية لجانب قومه، قال: أنتم تزعمون أنَّكم تركتم قَتْلي إكراماً لرَهْطِي، فالله تعالى أولى أنْ يتبع أمرهُ، أي: حفظكم إيَّاي رعاية لأمر الله أولى من حفظكم إيَّاي رعاية لحقِّ رهطي. قوله: "وَاتَّخَذْتُمُوهُ" يجوزُ أن تكون المتعدية لاثنين. أولهما: "الهاء" والثاني: "ظِهْرِيًّا" ويجوز أن يكون الثاني هو الظَّرفُ و "ظِهْريًّا" حالٌ، وأن تكون المتعدية لواحد؛ فيكون "ظِهْرِيًّا" حالاً فقط. ويجوز في "وَراءكُم" أن يكون ظرفاً للاتخاذ، وأن يكون حالاً من ظِهْريًّا"، والضمير في "اتِّخَذْتُمُوهُ" يعودُ على الله؛ لأنَّهم يجهلون صفاته، فجعلوه أي: جعلوا أوامره ظِهْريًّا، أي: منبوذةً وراء ظهورهم. والظَّهْرِيُّ: هو المنسوبُ إلى "الظَّهْر" والكسر من تغييرات النسب كقولهم في النسبةِ إلى "أمْس"، "وإمْسِيّ" بكسر الهمزة، وإلى الدَّهْر: دُهْرِيّ بضم الدَّالِ. وقيل: الضَّميرُ يعودُ على العصيان، أي: وٱتخذتم العصيان عوناً على عداوتِي، فالظَّهْرِيُّ على هذا بمعنى المُعين المُقَوِّي. ثم قال: {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} أي: عالم بأحوالكم، فلا يخفى عليه شيء منها. قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} الآية. المكانةُ: الحالةُ التي يتمكن بها صاحبها من عمله، أي اعملوا حال كونكم موصوفين بغاية المكنة والقدرة، وكل ما في وسعكم، وطاقتكم من إيصال الشرِّ إليَّ فإني أيضاً عاملٌ بقدر ما آتانِي الله من القدرة. "سَوْفَ تَعْلَمُونَ" أيُّنا الجاني على نفسه، والمخطئ في فعله. قوله: "مَن يَأْتِيهِ" تقدَّم نظيرهُ في قصة نوحٍ. قال ابنُ عطيَّة - بعد أن حكى عن الفرَّاءِ أن تكون موصولة مفعولةً بـ "تَعْلَمُون" وأن تكون استفهامية مبتدأة معلقة لـ "تَعْلَمُونَ"-: "والأوَّلُ أحسنُ" ثم قال: "ويقْضَى بصلتها أن المعطوفة عليها موصولة لا محالة". وهي قوله: {وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ}. قال أبُو حيَّان: "لا يتعيَّن ذلك، إذ من الجائزِ أن تكون الثَّانية استفهاميَّةً أيضاً معطوفةً على الاستفهاميَّة قبلها، والتقديرُ: سوف تعلمُونَ أيُّنَا يأتيه عذابٌ، وأيُّنَا هو كاذبٌ". قال الزمخشريُّ: فإن قُلت: أيُّ فرقٍ بين إدخالِ الفاءِ ونزعها في "سَوْفَ تَعْلَمُونَ"؟. قلت: إدخالُ الفاءِ وصلٌ ظاهر بحرفٍ موضوع للوصل، ونزْعُهَا وصلٌ خفيٌّ تقديريٌ بالاستئناف الذي هو جوابٌ لسُؤالٍ مقدَّر كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحنُ على مكانتنا، وعملت أنت على مكانتك؟ فقيل سوف تعلمُون، فوصل تارةً بالفاءِ، وتارةً بالاستئناف للتَّفنُّن في البلاغةِ، كما هو عادةُ البُلغاءِ من العربِ، وأقوى الوصلين وأبلغُهُما الاستئنافُ". ثم قال: {وَٱرْتَقِبُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} أي: وانتظرُوا العذاب إنِّي معكُم منتظرٌ. والرقيب: بمعنى الرَّاقب من رقبه كالضَّريب والصَّريم بمعنى الضَّارب والصَّارم، أو بمعنى المراقب، أو بمعنى المرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع. قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} الآية. قال الزمخشريُّ: فإن قلت: ما بالُ ساقتي قصة عاد وقصة مدين جاءتا بالواو، والسَّاقتان الوسطيان بالفاءِ؟ قلت: قد وقعت الوسطيان بعد ذكر الوعدِ، وذلك قوله: {أية : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ} تفسير : [هود:81] {أية : ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} تفسير : [هود:65] فجاء بالفاء التي للتسبُّب كما تقولُ: "وعدته فلما جاء المعيادُ كان كَيْتَ وكَيْتَ"، وأمَّا الأخريان فلم تقعا بتلك المنزلة، وإنَّما وقعتا مبتدأتين فكان حقُّهما أن تعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما، كما تُعطفُ قصةٌ على قصَّةٍ". قوله: {نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا}. روى الكلبي عن ابن عبَّاسٍ قال: لَمْ يُعذب الله أمتين بعذاب واحدٍ إلاَّ قوم شعيب وقوم صالح، فأمَّا قوم صالح؛ فأخذتهم الصحيةُ من تحتهم، وقوم شعيبٍ أخذتهم من فوقهم. وقوله: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} يحتملُ أن يكون المرادُ منه، ولما جاء وقت أمرنا ملكاً من الملائكة بتلك الصَّيْحة، ويحتمل أن يكون المرادُ من الأمر العذاب، وعلى التقديرين فأخبر الله أنّه نجَّى شُعَيْباً ومن معه من المؤمنين. وفي قوله: "بِرَحْمَةٍ مِّنَّا" وجهان: الأول: أنَّه تعالى إنَّما خلَّصه من ذلك العذاب لمحض رحمته، تنبيهاً على أنَّ كلَّ ما يصل إلى العبد ليس إلاَّ بفضلِ الله ورحمته. والثاني: أنَّ المراد من الرَّحمةِ الإيمان والطَّاعة وهي أيضاً ما حصلت إلاَّ بتوفيق الله. ثم قال: {وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ} وعرَّف "الصَّيحة" بالألف واللاَّم إشارة إلى المعهود السَّابق وهي صيحةُ جبريل {فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ} تقدم الكلام على ذلك [هود:67، 68] وإنَّما ذكر هذه اللفظة، وقاس حالهم على ثمود؛ لأنه تعالى عذَّبهم بمثل عذاب ثمود. قوله: {كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} العامَّةُ: على كسر العين من "بَعِدَ يَبْعَد" بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع بمعنى هلك؛ قال: [الطويل] شعر : 3010- يقُولُون لا تَبعَدوَهُم يَدْفنُونهُ ولا بُعْدَ إلاَّ ما تُواري الصَّفَائِحُ تفسير : أرادت العربُ أن تفرقَ بين المعنيين بتغيير فقالوا: "بَعُد" بالضمِّ ضد القرب، و"بَعِد"بالكسر ضد السَّلامة، والمصدرُ البَعَدُ بالفتح في العين. وقرأ السُّلمي وأبو حيوة "بَعُدت" بالضم أخذه من ضدِّ القرب؛ لأنَّهُم إذا هلكوا فقد بعدوا، ومن هذا قولُ الشَّاعر: [الكامل] شعر : 3011- مَنْ كَانَ بَيْنَكَ في التُّرابِ وبَيْنَهُ شِبْرانِ فهُوَ بغايةِ البُعْدِ تفسير : وقال النَّحَّاسُ: المعروفُ في اللغةِ: بَعِدَ يَبْعَد بَعَداً وبُعْداً، إذا هلك، وبَعُد يَبْعُدُ في ضدِّ القُرْب. وقال ابنُ قتيبة: بَعِدَ يَبْعَد إذا كان بعده هلكة، وبَعُد يَبْعُد إذا نأى فهو موافقٌ للنحاس. وقال المهدوي: "بَعُد" يستعمل في الخَيْرِ والشّر، و"بَعِد" في الشرِّ خاصة. وقال ابنُ الأنباري: مِنَ العرب مَنْ يُسَوِّي بين الهلاكِ والبُعْدِ والذي هو ضدُّ القرب، فيقولُ فيهما: بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعَدُ؛ وأنشدوا قول مالكٍ: [الطويل] شعر : 3012- يقُولُونَ لا تَبْعَدْ وهُمْ يَدْفِنُونَنِي وأيْنَ مَكَانَ البُعْدِ إلاَّ مَكَانِيَا تفسير : قيل: يروى "لا تَبْعُدْ" بالوجهين. وفي هذه الآية نوعٌ من علم البيان يسمَّى الاستطراد، وهو أن تمدحَ شيئاً أوتذُمَّه، ثم تأتي آخر الكلام بشيءٍ هو غرضكَ في أوَّلهِ، قالوا: ولم يَأتِ في القرآن غيره، وأنشدوا في ذلك قول حسان: [الكامل] شعر : 3013- إنْ كُنْتِ كاذِبَةَ الذي حَدَّثْتِنِي فَنَجَوْتِ مَنْجَى الحَارِثِ بن هشام تَرَك الأحِبَّةَ أن يَقاتِلَ دونَهُمْ ونَجَا بِرَأسِ طِمِرَّة ولِجَامِ
البقاعي
تفسير : ولما انتهت القصة معلمة لما قام به لوط عليه السلام من أمر الله غير وانٍ لرغبة ولا رهبة وبما في إنزال الملائكة من الخطر، أتبعت أقرب القصص الشهيرة إليها في الزمن فقال تعالى: {*وإلى} أي ولقد أرسلنا إلى {مدين} وهم قبيلة أبيهم مدين بن إبراهيم عليه السلام {أخاهم شعيباً} فكأن قائلاً قال: ما قال لهم؟ فقيل: {قال} ما قال إخوانه من الأنبياء في البداءة بأصل الدين: {يا قوم} مستعطفاً لهم مظهراً غاية الشفقة {اعبدوا الله} أي الملك الأعلى غير مشركين به شيئاً لأنه واحد {ما لكم} وأغرق في النفي فقال: {من إله غيره} فلقد اتفقت - كما ترى - كلمتهم واتحدت إلى الله وحده دعوتهم، وهذا وحده قطعي الدلالة على صدق كل منهم لما علم قطعاً من تباعد أعصارهم وتنائي ديارهم وأن بعضهم لم يلم بالعلوم ولا عرف أخبار الناس إلا من الحي القيوم؛ قال الإمام شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي في كتابه "رشف النصائح الإيمانية وكشف الفضائح اليونانية" في ذكر الأنبياء: اتحدت مصادرهم كأنهم بنيان مرصوص، عبروا بألسنة مختلفة تنتهي إلى بحر متصل بالقلوب متحد بها يستمد من البحر المحيط بعالمي الشهادة والغيب، واختلفت الموارد من الشرائع بحسب ما اقتضت الحكمة الإلهية من مصلحة أهل كل زمان وكل ملة، فما ضر اختلافهم في الفروع مع اتحادهم في الأصول، وقال قبل ذلك: إن الفلاسفة لما لم يغترفوا من بحار الأنبياء وقفت بهم أفراس أفكارهم في عالم الشهادة، فلما حاولوا الخوض في الإلهيات انكشفت عورة جهلهم وافتضحوا باضطرابهم واختلافهم {أية : تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى} تفسير : [الحشر: 14] القطع بهم سير الفكر في منتهى عالم الملك والشهادة، ولم يدخل إسكندر نظرهم ظلمات عالم الغيوب حتى يظفروا بعين الحياة التي من شرب منها لا يموت - انتهى. ولما دعا إلى العدل فيما بينهم وبين الله، دعاهم إلى العدل فيما بينهم وبين عبيده في أقبح ما كانوا قد اتخذوه بعد الشرك ديدناً فقال: {ولا تنقصوا} أي بوجه من الوجوه {المكيال والميزان} لا الكيل ولا آلته ولا الوزن ولا آلته؛ والكيل: تعديل الشيء بالآلة في القلة والكثرة؛ والوزن: تعديله في الخفة والثقل، فالكيل للعدل في الكمية والوزن للعدل في الكيفية؛ ثم علل ذلك بقوله: {إني أراكم بخير} أي بسعة تغنيكم عن البخس - مرهباً ومرغباً بالإشارة إلى أن الكفر موجب للنقمة كما أن الشكر موجب للنعمة. ولما كان كأنه قيل: فإني أخاف عليكم الفقر بالنقص، عطف عليه مؤكداً لإنكارهم: {وإني أخاف عليكم} به وبالشرك {عذاب يوم محيط*} بكم صغاراً وكباراً وبأموالهم طيباً وخبيثاً، أي مهلك كقوله {أية : وأحيط بثمره}تفسير : [الكهف: 42] وأصله من إحاطة العدو، ووصف اليوم بالإحاطة أبلغ لأنه محيط بما فيه من عذاب وغيره، والعذاب محيط بالمعذب فذكر المحيط بالمحيط أهول، وهو الدائر بالشيء من كل جانب، وذلك يكون بالتقاء طرفيه؛ والنقصان: أخذ شيء من المقدار كما أن الزيادة ضم شيء إليه، وكلاهما خروج عن المقدار؛ والوزن، تعديل الشيء بالميزان، كما أن الكيل تعديله بالمكيال، ومن الإحاطة ما رواه ابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حديث : لم ينقص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا . تفسير : ولما كان عدم النقص قد يفهم منه التقريب، أتبعه بما ينفي هذا الاحتمال وللتنبيه على أنه لا يكفي الكف عن تعمد التطفيف، بل يلزم السعي في الإيفاء ولو بزيادة لا يتأتى بدونها، ولأن التصريح بالأمر بالشيء بعد النهي عن ضده أوكد، فقال مستعطفاً لهم بالتذكير بأنه منهم يسوءه ما يسوءهم وبأنهم لما أعطاهم الله من القوة جديرون بأن يعرضوا عن تعاطي سفساف الأخلاق ورذائلها: {ويا قوم} أي أيها الذين لهم قوة في القيام فيما ينوبهم {أوفوا} أي أتموا إتماماً حسناً {المكيال والميزان} أي، المكيل والموزون وآلتهما؛ وأكده بقوله: {بالقسط} أي العدل السوي، فصار الوفاء مأموراً به في هاتين الجملتين مراراً تأكيداً له وحرصاً عليه وإظهاراً لعموم نفعه وشمول بركته، فزال بالمجموع توهم المجاز على أبلغ وجه، وقد مضى في الأنعام ويأتي في هذه السورة عند {غير منقوص} أن الشيء يطلق مجازاً على ما قاربه؛ ثم أكده أيضاً بتعميم النهي عن كل نقص بذلك وغيره في جميع الأموال فقال: {ولا تبخسوا} أي تنقصوا على وجه الجحد والإهانة {الناس أشياءهم} ثم بين أن أفعالهم ثمرة الهجوم عن غير فكر لأنها ليست ناشئة عن شرع فأولها سفه وآخرها فساد فقال: {ولا تعثوا في الأرض} أي تتصرفوا وتضطربوا فيها عن غير بصيرة ولا تأمل حال كونكم {مفسدين*} أي فاعلين ما يكون فساداً في المعنى كما كان فساداً في الصورة، فهو دعاء إلى تقديم التأمل والتروي على كل فعل وذلك لأن مادة "عثى" بكل ترتيب دائرة على الطلب عن غير بصيرة، من العيث - للأرض السهلة، فإنها لسهولتها يغتر بها فيسلكها الغبي بلا دليل فيأتي الخفاء والجهل، ومنه التعييث - لطلب الأعمى الشيء؛ والأعثى: الأحمق الثقيل، واللون إلى السواد، والكثير الشعر، ويلزم ذلك اتباع الهوى فيأتي الإفساد والمسارعة فيه، وذلك هو معنى العثى؛ قال أئمة اللغة: عثى وعاث: أفسد، وفي مختصر العين للزبيدي: عثى في الأرض بمعنى عاث يعيث عيثاً، وهو الإسراع في الفساد، فالمعنى على ما قال الجمهور: ولا تفعلوا الفساد عمداً وهو واضح، وعلى ما قدّرته من أصل المعنى الذي هو للمدار أوضح، وعلى ما قال الزبيدي: ولا تسرعوا فيه، فلا يظن أنه يكون الإسراع حينئذ قيداً حتى ينصب النهي إليه، بل هو إشارة إلى أنه لا يكون الإقدام بلا تأمل إلا كذلك لملاءمته للشهوة - والله أعلم؛ والوفاء: تمام الحق؛ والبخس: النقص، فهو أخص من الظلم لأنه وضع الشيء في غير موضعه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إني أراكم بخير} قال: رخص السعر {وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط} قال: غلاء السعر. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {بقية الله} قال: رزق الله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {بقية الله خير لكم} يقول: حظكم من ربكم خير لكم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {بقية الله} يقول: طاعة الله. وأخرج أبو الشيخ عن الربيع رضي الله عنه في قوله {بقية الله} قال: وصية الله {خير لكم} . وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله {بقية الله} قال: رزق الله خير لكم من بخسكم الناس. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الأعمش رضي الله عنه في قوله {أصلواتك تأمرك} قال: أقراءتك. وأخرج ابن عساكر عن الأحنف رضي الله عنه. أن شعيباً كان أكثر الأنبياء صلاة. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {يا شعيب أصلواتك تأمرك...} الآية. قال: نهاهم عن قطع هذه الدنانير والدراهم فقالوا: إنما هي أموالنا نفعل فيها ما نشاء، إن شئنا قطعناها وإن شئنا أحرقناها، وإن شئنا طرحناها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: عذب قوم شعيب في قطعهم الدراهم، وهو قوله {أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم رضي الله عنه {أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} قال: قرض الدراهم، وهو من الفساد في الأرض. وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن المنذر وأبو الشيخ وعبد بن حميد عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: قطع الدراهم والدنانير المثاقيل التي قد جازت بين الناس، وعرفوها من الفساد في الأرض. وأخرج أبو الشيخ عن ربيعة بن أبي هلال. أن ابن الزبير عاقب في قرض الدرهم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما {إنك لأنت الحليم الرشيد} قال: يقولون: إنك لست بحليم ولا رشيد. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه {إنك لأنت الحليم الرشيد} استهزاء به. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {ورزقني منه رزقاً حسناً} قال: الحلال. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} يقول: لم أك لأنهاكم عن أمر واركبه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مسروق رضي الله عنه. أن امرأة جاءت إلى ابن مسعود رضي الله عنه فقالت: اتنهى عن المواصلة؟ قال: نعم. قالت: فلعله في بعض نسائك فقال: ما حفظت إذاً وصية العبد الصالح {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} . وأخرج أحمد عن معاوية القشيري. أن أخاه مالكاً قال: يا معاوية إن محمداً أخذ جيراني فانطلق إليه، فانطلقت معه إليه فقال: دع لي جيراني فقد كانوا أسلموا، فأعرض عنه فقال: ألا والله إن الناس يزعمون أنك تأمر بالأمر وتخالف إلى غيره. فقال: أو قد فعلوها؟ لئن فعلت ذلك لكان علي وما كان عليهم. وأخرج أبو الشيخ عن مالك بن دينار رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} قال: بلغني أنه يدعى يوم القيامة بالمذكر الصادق، فيوضع على رأسه تاج الملك، ثم يؤمر به إلى الجنة فيقول: إلهي إن في مقام القيامة أقواماً قد كانوا يعينوني في الدنيا على ما كنت عليه. قال: فيفعل بهم مثل ما فعل به، ثم ينطلق يقودهم إلى الجنة لكرامته على الله. وأخرج أبو الشيخ عن أبي إسحق الفزاري رضي الله عنه قال: ما أردت أمراً قط فتلوت عنده هذه الآية إلا عزم لي على الرشد {إن أريد إلا الإِصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب} . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وإليه أنيب} قال: إليه أرجع. وأخرج أبو نعيم في الحلية حديث : عن علي قال: قلت: يا رسول الله أوصني قال "قل ربي الله ثم استقم. قلت: ربي والله وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. قال: ليهنك العلم أبا الحسن، لقد شربت العلم شرباً ونهلته نهلاً"تفسير : . في إسناده محمد بن يونس الكُدَيْمي.
ابو السعود
تفسير : {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ} أي أولاد مدينَ بنِ إبراهيم عليه السلام أو جعل اسماً للقبـيلة بالغلبة أو أهلِ مدينَ وهو بلدٌ بناه مدينُ فسُمّي باسمه {أَخَـٰهُمْ} أي نسيبَهم {شُعَيْبًا} وهو ابن ميكيلَ بنِ يشجُرَ بنِ مدينَ وكان يقال له خطيبُ الأنبـياءِ لحسن مراجعتِه قومَه، والجملةُ معطوفةٌ على قوله تعالى: {أية : إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحاً } تفسير : [هود: 61] أي وأرسلنا إلى مدينَ أخاهم شعيباً {قَالَ} استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ عن صدر الكلام فكأنه قيل: فماذا قال لهم؟ فقيل: قال كما قال مَنْ قبله من الرسل عليهم السلام {يَا قَومِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} وحدَه ولا تشركوا به شيئاً {مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} تحقيقٌ للتوحيد وتعليلٌ للأمر به وبعد ما أمرهم بما هو مَلاكُ أمر الدينِ وأولُ ما يجب على المكلّفين نهاهم عن ترتيب مبادىءِ ما اعتادوه من البَخْس والتطفيف عادةً مستمرةً فقال: {وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} كي تتوسلوا بذلك إلى بخس حقوقِ الناس {إِنّى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} أي ملتبسين بثروة واسعةٍ تُغنيكم عن ذلك أو بنعمة من الله تعالى حقها أن تقابل بغير ما تأتونه من المسامحة والتفضل على الناس شكراً عليها أو أراكم بخير فلا تُزيلوه بما أنتم عليه من الشر على كل حال، علةٌ للنهي عُقّبت بعلة أخرى أعني قولَه عز وجل: {وَإِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ} إن لم تنتهوا عن ذلك {عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} لا يشِذّ منه شاذٌّ منكم، وقيل: عذابَ يومٍ مُهلك من قوله تعالى: {أية : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ }تفسير : [الكهف: 42] وأصلُه من إحاطة العدو، والمرادُ عذابُ يومِ القيامة أو عذابُ الاستئصالِ، ووصفُ اليومِ بالإحاطة وهي حالُ العذاب على الإسناد المجازيِّ وفيه من المبالغة ما لا يخفى، فإن اليومَ زمانٌ يشتمل على ما وقع فيه من الحوادث فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذَّب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه، ويجوز أن يكون هذا تعليلاً للأمر والنهي جميعاً {وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ فإن الزيادةَ في الكيل والوزنِ وإن كان تفضّلاً مندوباً إليه لكنها في الآلة محظورةٌ كالنقص، فلعل الزائدَ للاستعمال عند الاكتيالِ والناقصَ للاستعمال وقت الكيل، وإنما أُمر بتسويتهما وتعديلِهما صريحاً بعد النهي عن نقصهما مبالغةً في الحمل على الإيفاء والمنعِ من البخس وتنبـيهاً على أنه لا يكفيهم مجردُ الكفِّ عن النقص والبخسِ بل يجب عليهم إصلاحُ ما أفسدوه وجعلوه معياراً لظلمهم وقانوناً لعدوانهم {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ} بسبب نقصِهما وعدم اعتدالِهما {أَشْيَاءهُمْ} التي يشترونها بهما، وقد صرّح بالنهي عن البخس بعد ما عُلم ذلك في ضمن النهي عن نقص المعيار والأمرِ بإيفائه اهتماماً بشأنه وترغيباً في إيفاء الحقوقِ بعد الترهيبِ والزجر عن نقصها، ويجوز أن يكون المرادُ بالأمر بإيفاء المكيالِ والميزان الأمرَ بإيفاء المَكيلاتِ والموزوناتِ، ويكونُ النهيُ عن البخس عاماً للنقص في المقدار وغيره تعميماً بعد التخصيص كما في قوله تعالى: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأرْضِ مُفْسِدِينَ} فإن العَثَى يعم نقصَ الحقوقِ وغيرَه من أنواع الفسادِ، وقيل: البخسُ المكسُ كأخذ العشورِ في المعاملات. قال زهير بن أبـي سلمى: شعر : أفي كل أسواقِ العراقِ إتاوة وفي كل ما باع امرؤٌ مَكْسُ دِرهمِ تفسير : والعثىٰ في الأرض السرقةُ وقطعُ الطريق والغارةُ، وفائدةُ الحال إخراجُ ما يُقصد به الإصلاحُ كما فعله الخضرُ عليه السلام من خرق السفينةِ وقتلِ الغلام، وقيل: معناه ولا تعثَوا في الأرض مفسدين أمْرَ آخرتِكم ومصالحَ دينكم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ} [الآية: 84]. قال بعضهم: أقرب حال إلى الاستدراج الأمن والدعة، وتواتر النعم عليك وترادف الخيرات عندك، ألا ترى الله يقول حاكيًا عن بعض أنبيائه لأمته: {إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ}. قال بعضهم: إنى أراكم بخير أى بنعمةٍ من الله، وإنى أخاف عليكم تقصيركم فى شكر النعمة.
القشيري
تفسير : أخبر سبحانه عن قصتهم، وما أصابهم من العذاب الأليم، وما نالهم من البلاء العظيم. وفي الظاهر لهم كانت أجرامُهم كاليسيرة، ولعدم الفهم يعدون أمثالها صغيرة، ولا يقولون إنها كبيرة، وإن ذلك تطفيف في المكيال. وليس قَدْرُ الأَجرام لأعيانها، ولكن لمخالفة الجبارِ عَظُمَ شأنُها، قال تعالى: {أية : وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ}تفسير : [النور: 15].
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ} اراد خير الدنيا الذى هو محل الاستدراج والامتحان وان راى خير الاخرة ما خان عليهم واهل المعرفة اذ راوا انفسهم فى اعالى الدرجات والمقامات والاستقامة زادتهم خوفا لانهم عرفوا الله بغيرة القدم ولا يستقيم بازاء غيرته الحدثان الا ترى الى قوله صلى الله عليه وسلم انا اعرفكم بالله واخوفكم منه قال بعضهم اقرب حال الى الاستدراج ايام الامن والدعة وتواتر النعم عليك وترادف الخيرات عندك الا ترى الله حاكيا عن بعض انبيائه لامته انى اراكم بخير وانى اخاف عليكم وقال بعضهم فى اراكم بخير اى بنعمة من الله وانى اخاف عليكم تقصيركم فى شكر النعمة.
اسماعيل حقي
تفسير : {والى مدين} هو اسم ابن ابراهيم عليه السلام ثم صار اسما للقبيلة او اسم مدينة بناها مدين فسميت باسمه اى وارسلنا الى قبيلة مدين او ساكنى بلدة مدين {اخاهم} اى واحدا منهم فى النسب {شعيبا} عطف بيان له وهو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين {قال} استئناف بيانى {يا قوم} [اى كروه من] {اعبدوا الله} وحده لا تشركوا به شيأ من الاصنام لانه {ما لكم من اله غيره} اى ليس لكم اله سوى الله تعالى وكانت كلمة جميع الانبياء فى التوحيد واحدة فدعوا الى الله الواحد وعبادته فامرهم شعيب بالتوحيد اولا لانه ملاك الامر وقوامه ثم نهاهم عما اعتادوه من النقص فى الكيل والوزن لانه يورث الهلاك فقال {ولا تنقصوا المكيال والميزان} اى آلة الوزن والكيل وكان لهم مكيالان وميزانان احدهما اكبر من الآخر فاذا اكتالوا على الناس يستوفون بالاكبر واذا كالوهم او وزنوهم يخسرون بالاصغر والمراد لا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود وكذا الصنجات كى تتوسلوا بذلك الى بخس حقوق الناس ويجوز ان يكون من ذكر لمحل وارادة الحال. والمعنى بالفارسية [مكاهيد وكم مكنيد بيمانه را دريمودن مكيلات وترازورا در سنجيدن موزونات] وكل من البخسين شائع فى هذا الزمان ايضا كأنه ميراث من الكفرة الخائنين {انى اراكم بخير} علة للنهى اى ملتبسين بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف. يعنى [درمانده ومحتاج نيستيدكه داعى باشد شمارا بخيانت بلكه منعم وتوانكريد رسم حق كزارى آنست كه مردم را از مال خود بهره مند كنيد نه آنكه از حقوق ايشان باز كيريد] {وانى اخاف عليكم} وان لم ترجعوا عن ذلك النقص {عذاب يوم محيط} لا يشذ منه احد منكم. والمراد منه عذاب يوم القيامة او عذاب الاستئصال ووصف اليوم بالاحاطة وهى حال العذاب لاشتماله عليه ففيه اسناد ومجازى واصل العذاب فى كلام العرب من العذب وهو المنع وسمى الماء عذبا لانه يمنع العطش والعذاب عذابا لانه يمنع المعاقب من معاودة مثل جرمه ويمنع غيره من مثل فعله
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "مفسدين": حال مؤكده لمعنى عاملها، وهو: "لا تعثوا". وفائدة ذكره: إخراج ما يُقصد به الإصلاح، كما فعله الخضر عليه السلام. يقول الحق جل جلاله: {و} أرسلنا {إلى مَدْيَنَ أخاهم شعيباً}، أراد أولاد مدين بن إبراهيم عليه السلام أو أهل مدين، وهي بلدهُ، فسميت باسمه، {قال يا قوم اعبدوا الله} وحده؛ {ما لكم من إله غيره ولا تَنقُصوا المكيالَ والميزان}، وكانوا مطففين. أمرهم أولاً بالتوحيد؛ فإنه رأس الأمر، ثم نهاهم عما اعتادوا من: البخس المنافي للعدل، المخل بحكمة المعاوضة، ثم قال لهم: {إني اراكم بخيرٍ}؛ بسعة كرخص الأسعار، وكثرة الأرزاق، فينبغي أن تشكروا عليها، وتتعففوا بها عن البخس، لا أن تنقضوا الناس حقوقهم، أو بسعة ونعمة، فلا تزيلوها بما أنتم عليه؛ فإن من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، {وإني أخاف عليكم عذابَ يوم محيط}؛ يوم القيامة، فإنه محيط بكل ظالم، أو عذاب الاستئصال في الدنيا، ووصف اليوم بالإحاطة، وهي صفة العذاب؛ لاشتماله عليه. {ويا قوم أوفوا الميكالَ والميزان بالقسط}؛ بالعدل من غير زيادة ولا نقصان. صرح بالأمر بالاستيفاء بعد النهي عن ضده؛ مبالغةً، وتنبيهاً على أنهم لا يكفيهم الكف عن تعمد التطفيف، بل يلزمهم السعي في الإيفاء ولو بالزيادة، حيث لا يتأتى دونها، وقد تكون الزيادة محظورة، ولذلك أمرهم بالعدل في قوله: (بالقسط)، بلا زيادة ولا نقصان. {ولا تبخسوا الناسَ أشياءهم} لا تنقصوهم حقهم، وهو تعميم بعد تخصيص، فإنه أعم من أن يكون في الميزان والمكيال وفي غيره، وكذا قوله: {ولا تَعْثَوا في الأرض مفسدين}؛ فإن العثو ـ وهو الفساد ـ يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد. وقيل: المراد بالبخس: المكس، كأخذ العشور في المعاملات، والعثو: السرقة وقطع الطريق والغارة، وأكد بقوله: {مفسدين} وفائدته: إخراج ما يقصد به الإصلاح، كما فعل الخضر عليه السلام، وقيل: معناه: مفسدين أمر دينكم ومصالح آخرتكم. قاله البيضاوي. {بقيةُ اللَّهِ}؛ أي: ما أبقاه لكم من الحلال بعد التنزه عن الحرام، {خيرٌ لكم} مما تجمعون بالتطفيف، {إن كنتم مؤمنين}؛ فإن الإيمان يقتضي الاكتفاء بالحلال عن الحرام. أو إن كنتم مؤمنين فالبقية خير لكم، فإن خيريتها تظهر باعتبار الثواب والنجاة من العذاب، وذلك مشروط بالإيمان، أو: إن كنتم مصدقين لي في قولي لكم. وقيل: البقية: الطاعة، كقوله:{أية : وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ}تفسير : [الكهف: 46]. وقرئ: "تقية الله"؛ بالتاء المثناة، وهي تقواه التي تكف عن المعاصي، {وما أنا عليكم بحفيظٍ}؛ أحفظ عليكم أعمالكم، وأجازيكم عليها، إنما أنا نذير وناصح مبلغ، وقد أعذرت حين أنذرت. أو: أحفظكم عن القبائح وأمنعكم منها. أو: لست بحافظ عليكم نعم الله إن سُلبت عنكم بسوء صنيعكم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما أمر الحق تعالى بالوفاء في الموازين أمر بالوفاء في الأعمال والأحوال والمقامات. ولذلك قيل للجنيد في النوم: أفضل ما يُتقرب به إلى الله عمل خفي، بميزان وفي، فالوفاء في الأعمال: إتقانها في الظاهر، باستيفاء شروطها وآدابها، وإخلاصها في الباطن مع حضور القلب فيها. والوفاء في الأحوال: ألا تخرج عن قواعد الشريعة، بأن لا تكون محرمة ولا مكروهة، وأن يقصد بها موت النفوس وحياة الأرواح، والوفاء في المقام: ألا ينتقل عن مقام إلى غيره حتى يتحقق بالمقام الذي أنزل فيه. وفيه خلاف بين الصوفية: هل يصح الانتقال عن مقام قبل التحقق به، ثم يحققه في المقام الذي بعده، أم لا؟. والمقامات التي ينزل فيها المريد: التوبة، الخوف، الرجاءُ، والورع، والزهد، والتوكل، والصبر، والرضى، والتسليم، والمحبة، والمراقبة، والمشاهدة بالفناء ثم البقاء، أو الإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان. فلا ينتقل من مقام إلى ما بعده حتى يحقق المقام الذي هو فيه، ذوقاً وحالاً. وقيل: يجوز أن ينتقل إلى ما بعده إذا كان ذا قريحة فتحقق له ما قبله. والله تعالى أعلم. وطريق الشاذلية مختصرة، تطوي عن المريد هذه المقامات، فينزل في أول قدم في مقام الإحسان، شعر أم لا، ثم يحصل الفناء ثم البقاء، إن وجد شيخاً كاملاً تربى على يد شيخ كامل، وإلا فلا. وقول الجنيد رضي الله عنه: (عمل خفي)، اعلم أن الخفاء على ثلاثة أقسام: خفاء عوام الصالحين، وهو: إخفاء الأعمال عن الناس مخافة الرياء. وخفاء المريدين، وهو: الإخفاء عن ملاحظة الخلق ومراقبتهم، ولو كانوا بين أظهرهم، فإخفاؤهم قلبي لا قالبي. وخفاء العارفين الواصلين، وهو: الإخفاء عن رؤية النفس، فهم يغيبون عن أنفسهم ووجودهم، في حال أعمالهم، فليس لهم عن نفوسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ما أجابه به قومه، فقال: {قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَٰوتُكَ}.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى انه أرسل شعيباً - أخا مدين - اليهم نبياً، وانما سمى شعيباً أخاهم، لأنه كان من نسبهم. وقيل: انهم من ولد مدين بن ابراهيم. وقيل ان مدين اسم القبيلة او المدينة التي كانوا فيها - في قول الزجاج - فعلى هذا يكون التقدير، والى أهل مدين أخاهم كما قال {واسأل القرية} فقال لهم شعيب: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له، فانه ليس لكم إله يستحق العبادة سواه، ونهاهم ان يبخسوا الناس فيما يكيلوا به لهم ويزينونه لهم، وقال لهم إني أراكم بخير، يعني برخص السعر، وحذرهم الغلاء - في قول ابن عباس والحسن - وقال قتادة وابن زيد: اراد بالخير زينة الدنيا والمال. وقال لهم {إني أخاف عليكم عذاب يوم محيط} يعني يوم القيامة، لانه يحيط عذابه بجميع الكفار في قول الجبائي، فوصف اليوم بالاحاطة، وهو من نعت العذاب في الحقيقة، لأَن اليوم محيط بعذابه بدلاً من إحاطته بنعيمه، وذلك أظهر في الوصف وأهول في النفس. والنقصان اخذ الشيء عن المقدار والزيادة ضم الشيء الى المقدار، وكله خروج عن المقدار أو نقصه عنه. والوزن تعديل الشيء بغيره في الخفة والثقل بآلة التعديل، وإذا قيل شعر موزون معناه معدل بالعروض.
الجنابذي
تفسير : {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} كانوا يعاملون بنقص الميزان اذا اعطوا واستيفائه اذا اخذوا، فنهاهم عن سوء صنيعهم {إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} ان تركتم البخس فى المعاملة {وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} بعذابه كلّ النّاس او بجميع جوانب كلّ احد او محيط بجميع ايّام الدّنيا، وعد و وعيد كما هو شأن الانبياء (ع) فى دعوتهم حيث يجمعون بين التّبشير والانذار.
فرات الكوفي
تفسير : {وإلى مدين أخاهم شعيباً84} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي معنعناً: عن يحيى بن مساور قال: أتى رجل من اهل الشام إلى [ر، أ: على] علي بن الحسين عليهما السلام فقال له: أنت علي بن الحسين؟ قال: نعم. قال أبوك قتل المؤمنين! فبكى علي بن الحسين قال: ثم مسح وجهه [و. ب] قال: ويلك وبما قطعت على أبي أنه قتل المؤمنين؟ قال: بقوله: إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم على بغيهم. قال: أما تقرأ القرآن؟ قال: إني أقرأ، قال: أما سمعت قوله [ر: قول الله]: {وإلى عاد أخاهم هوداً، وإلى مدين أخاهم شعيباً، وإلى ثمود أخاهم صالحاً}؟ قال: بلى. قال: كان أخاهم في عشيرتهم أو في دينهم؟ قال: في عشيرتهم [ثم] قال: فرجت عني فرج الله عنك.
الأعقم
تفسير : {وإلى مدين أخاهم شعيباً} أي وأرسلنا إلى مدين أخاهم في النسب شعيباً، قيل: هو ولد مدين بن إبراهيم فنسبوه إليه، وقيل: هو إسم المدينة والقبيلة {قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} ينفعكم أو يضركم {ولا تنقصوا المكيال والميزان} وكانوا يطففون في ذلك فنهوا عنه {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} أي أموالهم في معاملاتهم {إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط} هذا من كلام شعيب تخويفاً لهم {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} بنحو السرقة وقطع السبيل {بقيَّة الله}، قيل: طاعة الله {خير لكم} من جميع الدنيا لأنها تزول {وما أنا عليكم بحفيظ}، قيل: لا أحفظ أعمالكم {قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك} وكان شعيب (عليه السلام) كثير الصلاة وكان قومه إذ رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا فقصدوا بقولهم هذا السخرية والهزء، وقوله: {أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل} عطف على قوله: {ما يعبد آباؤنا} أي أو أن نترك فعلنا {في أموالنا} على قضية مرادنا، وقيل: كان ينهاهم عن خدف الدراهم والدنانير وتقطيعها {إنك لأنت الحليم الرشيد} يعني الصالح في نفسه المرشد لغيره، وقيل: قالوا ذلك استهزاء، وقيل: أنت الحليم الرشيد في قومك فهذا الأمر لا يليق بك، وقيل: معناه أنت السفيه الغاوي، فقال لهم شعيب: {يا قوم أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربي} يعني حجة من ربي {ورزقني منه رزقاً حسناً}، قيل: حلالاً طيباً، وقيل: علماً ومعرفة، وقيل: هو النبوة والشرع {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه}، يقال: خالفني فلان إلى كذا يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي أنهاكم عنها {ان أريد إلاَّ الاصلاح ما استطعت} ما أريد إلاَّ أصلحكم نصيحتي وموعظتي وأمري بالمعروف ونهيي عن المنكر ما استطعت أي مدة استطاعتي {وما توفيقي إلاَّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب}، قيل: إليه أرجع في جميع أموري {ويا قوم لا يجرمنَّكم شقاقي} أي لا يحملنكم وأصل الجرم القطع أي لا يحملنكم مخالفتي {أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح} من الهلاك بالغرق {أو قوم هود} بالريح {أو قوم صالح} بالصيحة {واستغفروا ربكم} أي اطلبوا منه المغفرة {ثم توبوا إليه} أي توصلوا إليه بالتوبة، وقيل: استغفروه بالتوبة {إن ربي رحيم ودود} يحب المؤمنين {قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً} مما تقول من العدل والتوحيد {وإنا لنراك فينا ضعيفاً}، قيل: ضعيف البدن {ولولا رهطك} أي عشيرتك {لرجمناك} بالحجارة، وقيل: شتمناك {وما أنت علينا بعزيز} أي لا تعز علينا {قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله}، قيل: أي تراقبون في قومي ولا تراقبون الله {واتخذتموه} أي نسيتم الله {وراءكم ظهرياً} أي نبذتموه وراء ظهوركم وتركتم أمره {ويا قوم اعملوا على مكانتكم} أي اعملوا أنتم على ما تقولون وأعمل أنا على ما أقول، وقيل: ما أنتم عليه من دينكم ونحوه {لكم دينكم ولي دين} {وارتقبوا إني معكم رقيب} أي انتظروا العذاب أن ينزل بكم فأنا أنتظره {وأخذت الذين ظلموا الصيحة}، قيل: العذاب، وقيل: صوت خلقه الله تعالى فأهلكوا به، وقوله: {فأصبحوا في ديارهم جاثمين}، قيل: ساقطين على وجوههم، وقيل: خامدين موتا هلكاً {كأن لم يغنوا فيها} أي كأن لم يقيموا ولم يسكنوا {ألا بعداً لمدين كما بعدت ثمود} أي أبعدهم الله من رحمته ونجاته، وقيل: لعنوا كما لعنت ثمود.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِلَى مَدْيَنَ} أي وأرسلنا إلى مدين، تبعاً للكلام الأول { أَخَاهُمْ شُعَيْباً} هو أخوهم في النسب، وليس بأخيهم في الدين. { قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ} أي بخير من الله في السعة والرزق. وقال بعضهم: رأي عليهم يسراً من يسر الدنيا، وكانوا أصحاب تطفيف في الكيل ونقصان في الميزان. {وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} أي: يحيط بكم عذاب الله في الدنيا قبل عذاب الآخرة. {وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} أي: بالعدل { وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} أي: ولا تنقصوا الناس حقهم الذي لهم. وقال بعضهم: ولا تظلموا، وهو واحد. قوله: { وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أي: ولا تسيروا في الأرض مفسدين. وقال الحسن: ولا تكونوا في الأرض مفسدين. قوله: {بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ} قال بعضهم: حظكم من ربكم خير لكم، يعني الجنة. { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: إن آمنتم. بعضهم: ما أبقى الله لكم من أموالكم الحلال هو خير لكم مما تبخسون الناس. وقال مجاهد: بقيت الله: طاعة الله. قوله: { وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ} أي: أحفظ أعمالكم عليكم حتى أجازيكم بها.
اطفيش
تفسير : (و) أرسلنا {إلى مَدْيَن} قبيلة سميت باسم أبيها مدين ابن إبراهيم، أو الأصل وإلى أولاد مدين بحذف المضاف، وقيل: اسم مدينة سميت باسم بانيها، وهو مدين بن إبراهيم، فيقدر مضاف، أى وإلى أهل مدين، أو سموا أهلها باسمها {أخَاهُم شُعَيْباً} هو أخوهم فى النسب. {قالَ} استئناف بيانى كأنه قيل: ما قال لهم: فأجاب بأنهم قال: كيت وكيت، أو حال من أخاهم مقدرة {يَا قَوْم اعْبدُوا الله} وحِّدوه أو أطيعوه، والطاعة تشمل التوحيد وغيره {مَا لكُم مِنْ إلهٍ غَيرهُ} بدأهم بالتوحيد لأنه ملاك الأمر، لا ينفع عمل بدونه، وهكذا الرسل تبدأ بالأهم فالأهم، ثم نهاهم عن نقص المكيال والميزان وقد اعتادوه، إذ قال: {ولا تنْقصُوا المِكْيالَ والميزان} إذا كلتم أو وزنتم من مالكم لغيركم، وزعم بعض أنه يحتمل أن يراد استيفاء الكيل والوزن لأنفسهم، زائدا عن حقهم، فيكون نقص فى مال الغير. {إنِّى} بفتح الباء عند نافع، والبزوى، وأبى عمرو، وإسكانها عند غيرهم {أراكم بخَيرٍ} أى فى خير، والمراد جميع نعم الله وحقها أن تتفضلوا على الناس شكرا عليها، لا أن تنقصوا حقوقهم. وقال ابن عباس: فى سعة تغنيكم عن نقص المكيال والميزان، وكانت أسعارهم فى رخص، وقال مجاهد: فى سعة وخصب فلا تزيلوا ذلك بنقص المكيال والميزان، قيل: وذلك فى الجملة علة للنهى و{إنِّى} بفتح الياء عند نافع، وأبى كثير، وأبى عمرو {أخافُ عَليْكُم} لنقص المكيال والميزان، أو لكفركم أو لهما {عَذابَ يَومٍ مُحيطٍ} دائر عليكم بعذاب الاستئصال فى الدنيا، أو عذاب الآخرة، واختاره بعض، والظاهر عندى الأول والإحاطة صفة للعذاب، لكن وصف بها اليوم مبالغة لاشتماله على ذلك العذاب، فإن الزمان محيط بالعذاب كغيره من الأحداث، فإذا أحاط بأحد بما فيه فقد أحاط به مما فيه.
اطفيش
تفسير : {وَإِلَى مَدْيْنَ} اسم لأَولاد مدين أَو يقدر مضاف أَى أَولاد مدين، أَو المراد البلد أَى أَهل مدين، وهو بلد بناه مدين بن إِبراهيم فسمى باسمه، فلإبراهيم أَربعة أَولاد إِسماعيل وإسحاق ومدين ومدان، وقبل ثمانية وقيل أًربعة وعشرون أَولاده على قول بعضهم روم وقيل روم هو ابن ابنه، والمعول عليه القوم، إلا أَن مدان غير مشهور والمشهور على أَن مدين اسم البلد {أَخَاهُمْ شُعَيْباً} يلقب خطيب الأنبياءِ لحسن مراجعته لقومه، وهو أَخوهم فى النسب إِذ هو شعيب بن ميكائيل ابن يشجر بن مدين بن إبراهيم {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ} خصوه بالعبادة ولا تعبدوا معه الأَصنام، أَو وحدوه ولا تشركوا به شيئاً، {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} هكذا تبتدىءُ الأَنبياء الأَهم فالأَهم، والتوحيد أعظمم العبادات والاعتقاد فبدىءَ به، ولما اعتاد أهل مدين البخس فى الكيل والوزن نهاهم عنه بعد كمال قال {وَلاَ تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ والْمِيزَان} إِذا كلتم من مالكم لغيركم، وهنا محذوف تقديره ولا تزيدوهما أى المكيال والميزان إِذا كلتم لأَنفسكم من مال غيركم، ويجوز أَن يقدر الباءُ وحدها أَى لا تنقصوا مال الناس بنقص الكيل والوزن من مالكم لهم أَو بزيادتهما من مالهم إِذا أَذنوا لكم بكيل حقوقكم أو كيلهم من مالهم وهما مصدران أو بمعنى ما يكال به أَو يوزن فأُسند النقص للمحل وهو آلة الوزن والكيل أَو هما آلتا الوزن والكيل، نهوا أَن ينقصوا منهما خداعا، وقوله عز وجل فى الأَعراف الكيل يدل على الأَول فيرجع لفظ الميزان إلى الوزن، ويدل له أَيضاً قوله عز وجل أَوفوا المكيال والميزان، فإِن المعنى المصدرى فيه أَظهر، وعلل النهى بقوله {إِنِّى أَرَاكُمْ بِخيْرٍ} أَعلمكم ثابتين على خير أَو فيه، أَو أَراكم بعينى وجهى في خير أَو مع خير لظهور أَموالكم وصحة أَبدانكم لى، والمعنى لا تنقصوا المكيال والميزان لأَنكم فى سعة من المال والبدن تغنيكم عن التطفيف فإِنه حرم ولو مع ضيق فكيف مع سعة، أَو لأَنكم فى سعة حقها أَن تتفضلوا بالزيادة من أَموالكم فى الكيل والوزن وغيرهما على غيركم وبالنقص من حقوقكم لهم وبالهبة شكراً للنعمة لا أَن تنقصوا من حقوقهم أَو لأَنكم فى سعة حقها أَن تقيدوها بإِيفاءِ الحقوق لغيركم والزيادة لا أَن تنفروها بالنقص {وَإِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ} لكفركم ونقصكم المكيال والميزان {عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} بكم كلكم لا يخرج عنه أَحد منكم أَو من الإحاطة بمعنى الإِهلاك كقوله تعالى: {أية : وأُحيط بثمره} تفسير : [الكهف: 42]، وإسناد الإِحاطة لليوم مجاز عقلى لأَنها للعذاب، لكنها فى ذلك اليوم فأُسندت إِليه لعلاقة الحلول، قالوا: ويجوز كون محيط نعتاً لعذاب فأَصله النصب، وجر لجواز المجرور، وفيه إِن هذا خلاف الأَصل وإِن إِحاطة اليوم لأنه عام فى الأَماكن كلها، ومعناه الوقت أَشد من إِحاطة العذاب والعذاب فى ذلك كله عذاب الاستئصال أَو عذاب القيامة، وقد يقال شبه العذاب واشتماله عليه بهيئة منتزعة من المحيط والمحاط عليه وإحاطته بكل جزءٍ بجامع عدم خروج جزء ما عن العموم، وعن ابن عباس: الخير الرخص والعذاب الغلاءُ.
الالوسي
تفسير : {وَإِلَىٰ مَدْيَن} أي أولاد مدين بن إبراهيم عليه السلام فحذف المضاف أو جعل اسماً بالغلبة للقبيلة وكثيراً ما تسمى القبيلة باسم أبيهم كمضر وتميم ولعل هذا أولى، وجوز أن يراد بمدين المدينة التي بناها مدين فسميت به فيقدر حينئذ مضاف أي وإلى أهل مدين {أَخَـٰهُمْ} نسيبهم {شُعَيْبًا} قد مر ما قيل في نسبه عليه السلام، والجملة معطوفة على قوله سبحانه: {أية : وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا }تفسير : [هود: 61] أي وأرسلنا إلى مدين شعيباً. {قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} أمر بالتوحيد على وجه أكيد ولما كان ملاك الأمر قدمه على النهي عما اعتادوه من البخس المنافي للعدل المخل بحكمة التعاوض، وإيصال الحقوق لأصحابها بقوله: {وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} قيل: أي لا تنقصوا الناس من المكيال والميزان يعني مما يكال ويوزن على ذكر المحل وإرادة الحال، واستظهر أن المراد لا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود وكذا الصنجات، وقد تقدم في الأعراف [85] {أية : ٱلْكَيْلَ}تفسير : بدل {ٱلْمِكْيَالَ} فتذكر وتأمل. {إِنّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} أي ملتبسين بثروة واسعة تغنيكم عن ذلك أو بنعمة من الله تعالى حقها أن تقابل بغير ما أنتم عليه بأن تتفضلوا على الناس شكراً عليها، فإن أجل شكر النعم الإحسان والتفضل على عباد الله تعالى، أو أراكم بخير وغنى فلا تزيلوه بما تأتونه من الشر، وعلى كل حال الجملة في موضع التعليل للنهي؛ وعقب بعلة أخرى أعني قوله تعالى: {وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ} إن لم تنتهوا عن ذلك {عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} وجوز أن يكون تعليلاً للأمر والنهي جميعاً. وفسر المحيط بما لا يشذ منه أحد منهم ((وفسره الزمخشري بالمهلك أخذاً من قوله تعالى: {أية : / وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ }تفسير : [الكهف: 42] وأصله من إحاطة العدو، وادعى أن وصف اليوم بالإحاطة أبلغ من وصف العذاب لأن اليوم زمان يشتمل على الحوادث فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه)) يعني أن اليوم لما كان زماناً مشتملاً على الحوادث الكائنة فيه عذاباً أو غيره فإذا أحاط بالمعذب ملتبساً بعذابه لأنه حادثة فقد اجتمع للمعذب الأمر الذي يشتمل عليه اليوم وهو العذاب كما إذا أحاط ملتبساً بنعيمه. والحاصل أن إحاطة اليوم تدل على إحاطة كل ما فيه من العذاب، وأما إحاطة العذاب على قوم فقد يكون بأن يصيب كل فرد منهم فرداً من أفراد العذاب، وأما فيما نحن فيه فيدل على إحاطة أنواع العذاب المشتمل عليها اليوم بكل فرد، ولا شك في أبلغية هذا كذا في «الكشف» وتمام الكلام فيه. وقال بعض المحققين في بيان الأبلغية: إن اليوم زمان لجميع الحوادث فيوم العذاب زمان جميع أنواع العذاب الواقعة فيه فإذا كان محيطاً بالمعذب فقد اجتمع أنواع العذاب له، وهذا كقوله: شعر : إن المروءة والسماحة والندى في قبة ضربت على ابن الحشرج تفسير : فإن وقوع العذاب في اليوم كوجود الأوصاف في القبة، وجعل اليوم محيطاً بالمعذب كضرب القبة على الممدوح فكما أن هذا كناية عن ثبوت تلك الأوصاف له كذلك ذاك كناية عن ثبوت أنواع العذاب للمعذب، وأما وصف العذاب بالإحاطة ففيه استعارة إحاطته لاشتماله على المعذب فكما أن المحيط لا يفوته شيء من أجزاء المحاط لا يفوت العذاب شيء من أجزاء المعذب، وهذه الاستعارة تفيد أن العذاب لكل المعذب؛ وتلك الكناية تفيد أن كل العذاب له، ولا يخفى ما بينهما من التفاوت في الأبلغية. وجوز أن يكون {مُحِيطٌ} نعتاً ـ لعذاب ـ وجر للجوار، وقيل: هو نعت ـ ليوم ـ جار على غير من هو له، والتقدير عذاب يوم محيط عذابه وليس بشيء كما لا يخفى. وأياً مّا كان فالمراد عذاب يوم القيامة أو عذاب الاستئصال في الدنيا. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسر الخير برخص السعر والعذاب بغلائه.
سيد قطب
تفسير : وهذا دور من أدوار الرسالة الواحدة بالعقيدة الخالدة، ينهض به شعيب في قومه أهل مدين.. ومع الدعوة إلى عقيدة التوحيد قضية أخرى، هي قضية الأمانة والعدالة في التعامل بين الناس، وهي وثيقة الصلة بالعقيدة في الله، والدينونة له وحده، واتباع شرعه وأمره. وإن كان أهل مدين قد تلقوها بدهشة بالغة، ولم يدركوا العلاقة بين المعاملات المالية والصلاة المعبرة عن الدينونة لله! وتجري القصة على نسق قصة هود مع عاد، وقصة صالح مع ثمود، وإن كانت أقرب في نهايتها وأسلوب عرضها. والتعبير عن خاتمها إلى قصة صالح، حتى لتشترك معها في نوع العذاب وفي العبارة عن هذا العذاب. {وإلى مدين أخاهم شعيباً. قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره...}. إنها الدينونة لله وحده قاعدة العقيدة الأولى. وقاعدة الحياة الأولى. وقاعدة الشريعة الأولى. وقاعدة المعاملات الأولى... القاعدة التي لا تقوم بغيرها عقيدة ولا عبادة ولا معاملة.. {ولا تنقصوا المكيال والميزان، إني أراكم بخير، وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط، ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين. بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين. وما أنا عليكم بحفيظ}.. والقضية هنا هي قضية الأمانة والعدالة ـ بعد قضية العقيدة والدينونة ـ أو هي قضية الشريعة والمعاملات التي تنبثق من قاعدة العقيدة والدينونة.. فقد كان أهل مدين ـ وبلادهم تقع في الطريق من الحجاز إلى الشام ـ ينقصون المكيال والميزان، ويبخسون الناس أشياءهم، أي ينقصونهم قيمة أشيائهم في المعاملات. وهي رذيلة تمس نظافة القلب واليد ـ كما تمس المروءة والشرف. كما كانوا بحكم موقع بلادهم يملكون أن يقطعوا الطريق على القوافل الذاهبة الآيبة بين شمال الجزيرة وجنوبها. ويتحكموا في طرق القوافل ويفرضوا ما يشاءون من المعاملات الجائرة التي وصفها الله في هذه السورة. ومن ثم تبدو علاقة عقيدة التوحيد والدينونة لله وحده بالأمانة والنظافة وعدالة المعاملة وشرف الأخذ والعطاء، ومكافحة السرقة الخفية سواء قام بها الأفراد أم قامت بها الدول. فهي بذلك ضمانة لحياة إنسانية أفضل، وضمانة للعدل والسلام في الأرض بين الناس. وهي الضمانة الوحيدة التي تستند إلى الخوف من الله وطلب رضاه، فتستند إلى أصل ثابت، لا يتأرجح مع المصالح والأهواء.. إن المعاملات والأخلاق لا بد أن تستند إلى أصل ثابت لا يتعلق بعوامل متقلبة.. هذه هي نظرة الإسلام. وهي تختلف من الجذور مع سائر النظريات الاجتماعية والأخلاقية التي ترتكن إلى تفكيرات البشر وتصوراتهم وأوضاعهم ومصالحهم الظاهرة لهم! وهي حين تستند إلى ذلك الأصل الثابت ينعدم تأثرها بالمصالح المادية القريبة؛ كما ينعدم تأثرها بالبيئة والعوامل السائدة فيها. فلا يكون المتحكم في أخلاق الناس وقواعد تعاملهم من الناحية الأخلاقية هو كونهم يعيشون على الزراعة أو يعيشون على الرعي أو يعيشون على الصناعة.. إن هذه العوامل المتغيرة تفقد تأثيرها في التصور الأخلاقي وفي قواعد المعاملات الأخلاقية، حين يصبح مصدر التشريع للحياة كلها هو شريعة الله؛ وحين تصبح قاعدة الأخلاق هي إرضاء الله وانتظار ثوابه وتوقي عقابه، وكل ما يهرف به أصحاب المذاهب الوضعية من تبعية الأخلاق للعلاقات الاقتصادية وللطور الاجتماعي للأمة يصبح لغواً في ظل النظرة الأخلاقية الإسلامية! {ولا تنقصوا المكيال والميزان. إني أراكم بخير}.. ققد رزقكم الله رزقاً حسناً، فلستم في حاجة إلى هذه الدناءة لتزيدوا غنى، ولن يفقركم أو يضركم أن لا تنقصوا المكيال والميزان.. بل إن هذا الخير ليهدده ما أنتم عليه من غش في المعاملة، أو غضب في الأخذ والعطاء. {و إني أخاف عليكم عذاب يوم محيط}.. إما في الآخرة عند الله. وإما في هذه الأرض حين يؤتي هذا الغش والغضب ثمارهما المرة في حالة المجتمع وفي حركة التجارة. وحين يذوق الناس بعضهم بأس بعض، في كل حركة من الحركات اليومية وفي كل تعامل وفي كل احتكاك. ومرة أخرى يكرر شعيب نصحه في صورة إيجابية بعد صورة النهي السلبية: {ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط}.. وإيفاء الكيل والميزان أقوى من عدم نقصهما، لأنه أقرب إلى جانب الزيادة. وللعبارات ظل في الحس. وظل الإيفاء غير ظل عدم النقص، فهو أكثر سماحة ووفاء. {ولا تبخسوا الناس أشياءهم}.. وهذه أعم من المكيلات والموزونات. فهو يشمل حسن تقويم أشياء الناس من كل نوع. تقويمها كيلاً أو وزناً أو سعراً أو تقديراً. وتقويمها مادياً او معنوياً. وقد تدخل في ذلك الأعمال والصفات. لأن كلمة "شيء" تطلق أحياناً ويراد بها غير المحسوسات. وبخس الناس أشياءهم ـ فوق أنه ظلم ـ يشيع في نفوس الناس مشاعر سيئة من الألم أو الحقد، أو اليأس من العدل والخير و حسن التقدير.. وكلها مشاعر تفسد جو الحياة والتعامل والروابط الاجتماعية والنفوس والضمائر، ولا تبقى على شيء صالح في الحياة. {ولا تعثوا في الأرض مفسدين}.. والعثو هو الإفساد، فلا تفسدوا متعمدين الإفساد، قاصدين إلى تحقيقه. ثم يوقظ وجدانهم إلى خير أبقى من ذلك الكسب الدنس الذي يحصلون عليه بنقص المكيال والميزان وبخس الناس أشياءهم في التقدير: {بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين}.. فما عند الله أبقى وأفضل.. وقد دعاهم في أول حديثه إلى عبادة الله وحده ـ أي الدينونة له بلا شريك ـ فهو يذكرهم بها هنا، مع ذكر الخير الباقي لهم عند الله إن آمنوا كما دعاهم، واتبعوا نصيحته في المعاملات. وهي فرع عن ذلك الإيمان. {بقية الله خير لكم.. إن كنتم مؤمنين}.. ثم يخلي بينهم وبين الله الذي دعاهم إليه، ويبين لهم أنه لا يملك لهم شيئاً، كما أنه ليس موكلاً بحفظهم من الشر والعذاب. وليس موكلاً كذلك بحفظهم من الضلال ولا مسؤولاً عنهم إن هم ضلوا، إنما عليه البلاغ وقد أداه: {وما أنا عليكم بحفيظ}.. ومثل هذا الأسلوب يشعر المخاطبين بخطورة الأمر، وبثقل التبعة، ويقفهم وجهاً لوجه أمام العاقبة بلا وسيط ولا حفيظ. ولكن القوم كانوا قد عتوا ومردوا على الانحراف والفساد، وسوء الاستغلال: {قالوا. يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ إنك لأنت الحليم الرشيد!}.. وهو رد واضح التهكم، بيّن السخرية في كل مقطع من مقاطعة. وإن كانت سخرية الجاهل المطموس، والمعاند بلا معرفة ولا فقه. {أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟}.. فهم لا يدركون ـ أولا يريدون أن يدركوا ـ أن الصلاة هي من مقتضيات العقيدة، ومن صور العبودية والدينونة. وأن العقيدة لا تقوم بغير توحيد الله، ونبذ ما يعبدون من دونه هم وآباؤهم، كما أنها لا تقوم إلا بتنفيذ شرائع الله في التجارة وفي تداول الأموال وفي كل شأن من شئون الحياة والتعامل. فهي لحمة واحدة لا يفترق فيها الاعتقاد عن الصلاة عن شرائع الحياة وعن أوضاع الحياة. وقبل أن نمضي طويلاً في تسفيه هذا التصور السقيم لارتباط الشعائر بالعقيدة. وارتباطهما معاً بالمعاملات.. قبل أن نمضي طويلاً في تسفيه هذا التصور من أهل مدين قبل ألوف السنين، يحسن أن نذكر أن الناس اليوم لا يفترقون في تصورهم ولا في إنكارهم لمثل هذه الدعوة عن قوم شعيب. وأن الجاهلية التي نعيش فيها اليوم ليست أفضل ولا أذكى ولا أكثر إدراكاً من الجاهلية الأولى! وأن الشرك الذي كان يزاوله قوم شعيب هو ذاته الشرك الذي تزاوله اليوم البشرية بجملتها ـ بما فيها أولئك الذين يقولون: إنهم يهود أو نصارى أو مسلمون ـ فكلهم يفصل بين العقيدة والشعائر. والشريعة والتعامل. فيجعل العقيدة والشعائر لله ووفق أمره، ويجعل الشريعة والتعامل لغير الله، ووفق أمر غيره.. وهذا هو الشرك في حقيقته وأصله.. وإن كان لا يفوتنا أن اليهود وحدهم اليوم هم الذين يتمسكون بأن تكون أوضاعهم ومعاملاتهم وفق ما يزعمونه عقيدتهم وشريعتهم ـ وذلك بغض النظر عما في هذه العقيدة من انحراف وما في هذه الشريعة من تحريف ـ فلقد قامت أزمة في "الكنيست" مجلس تشريعهم في إسرائيل بسبب أن باخرة إسرائيلية تقدم لركابها ـ من غير اليهود ـ أطعمة غير شرعية. وأرغمت الشركة والسفينة على تقديم الطعام الشرعي وحده ـ مهما تعرضت للخسارة ـ فأين من يدعون أنفسهم "مسلمين!" من هذا الاستمساك بالدين؟!! إن بيننا اليوم ـ ممن يقولون: إنهم مسلمون! ـ من يستنكر وجود صلة بين العقيدة والأخلاق، وبخاصة أخلاق المعاملات المادية. وحاصلون على الشهادات العليا من جامعاتنا وجامعات العالم. يتساءلون أولا في استنكار: وما للإسلام وسلوكنا الشخصي؟ ما للإسلام والعري في الشواطئ؟ ما للإسلام وزي المرأة في الطريق؟ ما للإسلام وتصريف الطاقة الجنسية بأي سبيل؟ ما للإسلام وتناول كأس الخمر لإصلاح المزاج؟ ما للإسلام وهذا الذي يفعله "المتحضرون"؟!. فأي فرق بين هذا وبين سؤال أهل مدين: {أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا؟}.. وهم يتساءلون ثانياً. بل ينكرون بشدة وعنف. أن يتدخل الدين في الاقتصاد، وأن تتصل المعاملات بالاعتقاد، أو حتى بالأخلاق من غير اعتقاد... فما للدين والمعاملات الربوية؟ وما للدين والمهارة في الغش والسرقة ما لم يقعا تحت طائلة القانون الوضعي؟ لا بل إنهم يتبجحون بأن الأخلاق إذا تدخلت في الأقتصاد تفسده. وينكرون حتى على بعض أصحاب النظريات الاقتصادية الغربية ـ النظرية الأخلاقية مثلاً ـ ويعدونها تخليطاً من أيام زمان! فلا يذهبن بنا الترفع كثيراً على أهل مدين في تلك الجاهلية الأولى. ونحن اليوم في جاهلية أشد جهالة، ولكنها تدعي العلم والمعرفة والحضارة، وتتهم الذين يربطون بين العقيدة في الله، والسلوك الشخصي في الحياة، والمعاملات المادية في السوق.. تتهمهم بالرجعية والتعصب والجمود!!! وما تستقيم عقيدة توحيد الله في القلب، ثم تترك شريعة الله المتعلقة بالسلوك والمعاملة إلى غيرها من قوانين الأرض. فما يمكن أن يجتمع التوحيد والشرك في قلب واحد. والشرك ألوان. منه هذا اللون الذي نعيش به الآن. وهو يمثل أصل الشرك وحقيقته التي يلتقي عليها المشركون في كل زمان وفي كل مكان! ويسخر أهل مدين من شعيب ـ كما يتوقح بالسخرية اليوم ناس على دعاة التوحيد ـ فيقولون: {إنك لأنت الحليم الرشيد!}.. وهم يعنون عكس معناها. فالحلم والرشد عندهم أن يعبدوا ما يعبد آباؤهم بلا تفكير، وأن يفصلوا بين العبادة والتعامل في السوق! وكذلك هو عند المثقفين المتحضرين اليوم الذين يعيبون على المتعصبين الرجعيين!!! ويتلطف شعيب تلطف صاحب الدعوة الواثق من الحق الذي معه؛ ويعرض عن تلك السخرية لا يباليها وهو يشعر بقصورهم وجهلهم.. يتلطف في إشعارهم أنه على بينة من ربه كما يجده في ضميره وقلبه؛ وأنه على ثقة مما يقول لأنه أوتي من العلم ما لم يؤتوا، وأنه إذ يدعوهم إلى الأمانة في المعاملة سيتأثر مثلهم بنتائجها لأنه مثلهم ذو مال وذو معاملات؛ فهو لا يبغي كسباً شخصياً من وراء دعوته لهم؛ فلن ينهاهم عن شيء ثم يفعله هو لتخلو له السوق! إنما هي دعوة الإصلاح العامة لهم وله وللناس. وليس فيما يدعوهم إليه خسارة عليهم كما يتوهمون: {قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي، ورزقني منه رزقاً حسناً؟ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب}.. {يا قوم...}.. في تودد وتقرب، وتذكير بالأواصر القريبة. {أرأيتم إن كنت على بينة من ربي؟}.. أجد حقيقته في نفسي وأستيقن أنه هو يوحي إلي ويأمرني بما أبلغكم إياه. وعن هذه البينة الواضحة في نفسي، أصدر واثقاً مستيقناً. {ورزقني منه رزقاً حسناً}.. ومنه الثروة التي أتعامل مع الناس مثلكم فيها. {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه}.. فأنهاكم ثم أذهب من خلفكم فأفعل ما نهيتكم عنه لأحقق لنفسي نفعاً به! {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت}.. الإصلاح العام للحياة والمجتمع الذي يعود صلاحه بالخير على كل فرد وكل جماعة فيه؛ وإن خيل إلى بعضهم أن اتباع العقيدة والخلق يفوت بعض الكسب الشخصي، ويضيع بعض الفرص. فإنما يفوت الكسب الخبيث ويضيع الفرص القذرة؛ ويعوض عنهما كسباً طيباً ورزقاً حلالاً، ومجتمعاً متضامناً متعاوناً لا حقد فيه ولا غدر ولا خصام! {وما توفيقي إلا بالله}.. فهو القادر على إنجاح مسعاي في الإصلاح بما يعلم من نيتي، وبما يجزي على جهدي. {عليه توكلت}.. عليه وحده لا أعتمد على غيره. {وإليه أنيب}.. إليه وحده أرجع فيما يحزبني من الأمور، وإليه وحده أتوجه بنيتي وعملي ومسعاي. ثم يأخذ بهم في واد آخر من التذكير، فيطل بهم على مصارع قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط: فقد يفعل هذا في مثل تلك القلوب الجاسية ما لم يفعله التوجيه العقلي اللين الذي يحتاج إلى رشد وتفكير: {ويا قوم لا يجرمنَّكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح. وما قوم لوط منكم ببعيد}.. لا يحملنكم الخلاف معي والعناد في مواجهتي على أن تلجوا في التكذيب والمخالفة، خشية أن يصيبكم ما أصاب الأقوام قبلكم. وهؤلاء قوم لوط قريب منكم في المكان. وقريب كذلك في الزمان. فمدين كانت بين الحجاز والشام. ثم يفتح لهم ـ وهم في مواجهة العذاب والهلاك ـ باب المغفرة والتوبة، ويطمعهم في رحمة الله والقرب منه بأرق الألفاظ وأحناها: {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه، إن ربي رحيم ودود}.. وهكذا يطوف بهم في مجالات العظة والتذكر والخوف والطمع، لعل قلوبهم تتفتح وتخشع وتلين. ولكن القوم كانوا قد بلغوا من فساد القلوب، ومن سوء تقدير القيم في الحياة، وسوء التصور لدوافع العمل والسلوك، ما كشف عنه تبجحهم من قبل بالسخرية والتكذيب: {قالوا: يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول، وإنا لنراك فينا ضعيفاً، ولولا رهطك لرجمناك، وما أنت علينا بعزيز}.. فهم ضيقو الصدور بالحق الواضح، لا يريدون أن يدركوه: {قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول}.. وهم يقيسون القيم في الحياة بمقياس القوة المادية الظاهرة: {وإنا لنراك فينا ضعيفاً}.. فلا وزن عندهم للحقيقة القوية التي يحملها ويواجههم بها. {ولولا رهطك لرجمناك}.. ففي حسابهم عصبية العشيرة، لا عصبية الاعتقاد، وصلة الدم لا صلة القلب. ثم هم يغفلون عن غيرة الله على أوليائه فلا يضعونها في الحساب. {وما أنت علينا بعزيز}.. لا عزة التقدير والكرامة ولا عزة الغلب والقهر. ولكننا نحسب حساب الأهل والعشيرة! وحين تفرغ النفوس من العقيدة القويمة والقيم الرفيعة والمثل العالية؛ فإنها تقبع على الأرض ومصالحها القريبة وقيمها الدنيا؛ فلا ترى حرمة يومئذ لدعوة كريمة، ولا لحقيقة كبيرة؛ ولا تتحرج عن البطش بالداعية إلا أن تكون له عصبة تؤويه؛ وإلا أن تكون معه قوة مادية تحميه. أما حرمة العقيدة والحق والدعوة فلا وزن لها ولا ظل في تلك النفوس الفارغة الخاوية. وعندئذ تأخذ شعيباً الغيرة على جلال ربه ووقاره؛ فيتنصل من الاعتزاز برهطه وقومه؛ ويجبههم بسوء التقدير لحقيقة القوى في هذا الوجود، وبسوء الأدب مع الله المحيط بما يعلمون. ويلقي كلمته الفاصلة الأخيرة. ويفاصل قومه على أساس العقيدة، ويخلي بينهم وبين الله، وينذرهم العذاب الذي ينتظر أمثالهم، ويدعهم لمصيرهم الذي يختارون: {قال: يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهرياً؟ إن ربي بما تعملون محيط. ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل، سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب}.. {أرهطي أعز عليكم من الله؟}.. أجماعة من البشر مهما يكونوا من القوة والمنعة فهم ناس، وهم ضعاف، وهم عباد من عباد الله.. أهؤلاء أعز عليكم من الله؟.. أهؤلاء أشد قوة ورهبة في نفوسكم من الله؟ {واتخذتموه وراءكم ظهرياً}.. وهي صورة حسية للترك والإعراض، تزيد في شناعة فعلتهم، وهم يتركون الله ويعرضون عنه، وهم من خلقه، وهو رازقهم وممتعهم بالخير الذي هم فيه. فهو البطر وجحود النعمة وقلة الحياء إلى جانب الكفر والتكذيب وسوء التقدير. {إن ربي بما تعملون محيط}.. والإحاطة أقصى الصور الحسية للعلم بالشيء والقدرة عليه. إنها غضبة العبد المؤمن لربه أن يستباح جلاله ـ سبحانه ـ ووقاره. الغضبة التي لا يقوم إلى جوارها شيء من الاعتزاز بنسبه ورهطه وعشيرته وقومه.. إن شعيباً لم ينتفخ ولم ينتفش أن يجد القوم يرهبون رهطه، فلا تمتد إليه أيديهم بالبطش الذي يريدونه! ولم يسترح ولم يطمئن إلى أن يكون رهطه هم الذين يحمونه ويمنعونه من قومه ـ الذين افترق طريقهم عن طريقه ـ وهذا هو الإيمان في حقيقته.. أن المؤمن لا يعتز إلا بربه؛ ولا يرضى أن تكون له عصبة تخشى ولا يُخشى ربه! فعصبية المسلم ليست لرهطه وقومه، إنما هي لربه ودينه. وهذا هو مفرق الطريق في الحقيقة بين التصور الإسلامي والتصور الجاهلي في كل أزمانه وبيئاته! ومن هذه الغضبة لله. والتنصل من الاعتزاز أو الاحتماء بسواه، ينبعث ذلك التحدي الذي يوجهه شعيب إلى قومه؛ وتقوم تلك المفاصلة بينه وبينهم ـ بعد أن كان واحداً منهم ـ ويفترق الطريقان فلا يلتقيان: {ويا قوم اعملوا على مكانتكم}.. وامضوا في طريقكم وخطتكم، فقد نفضت يديّ منكم. {إني عامل}.. على طريقتي ومنهجي. {سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب}.. أنا أم أنتم؟ {وارتقبوا إني معكم رقيب}.. للعاقبة التي تنتظرني وتنتظركم.. وفي هذا التهديد ما يوحي بثقته بالمصير. كما يوحي بالمفاصلة وافتراق الطريق.. ويسدل الستار هنا. على هذه الكلمة الأخيرة الفاصلة وعلى هذا الافتراق والمفاصلة، ليرفع هناك على مصرع القوم، وعلى مشهدهم جاثمين في ديارهم، أخذتهم الصاعقة التي أخذت قوم صالح، فكان مصيرهم كمصيرهم، خلت منهم الدور، كأن لم يكن لهم فيها دور، وكأن لم يعمروها حيناً من الدهر. مضوا مثلهم مشيعين باللعنة، طويت صفحتهم في الوجود وصفحتهم في القلوب: {ولما جاء أمرنا نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا، وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، كأن لم يغنوا فيها. ألا بعداً لمدين، كما بعدت ثمود...}. وطويت صفحة أخرى من الصفحات السود، حق فيها الوعيد على من كذبوا بالوعيد.
ابن عاشور
تفسير : قوله: {وإلى مدين أخاهم شعيباً} إلى قوله {من إله غيره} نظير قوله: {أية : وإلى ثمود أخاهم صالحاً}تفسير : [هود: 61] الخ. أمرهم بثلاثة أمور: أحدها: إصلاح الاعتقاد، وهو من إصلاح العقول والفكر. وثالثها: صلاح الأعمال والتصرفات في العالم بأن لا يفسدوا في الأرض. ووسط بينهما الثاني: وهو شيء من صلاح العمل خص بالنهي لأنّ إقدامهم عليه كان فاشياً فيهم حتّى نسوا ما فيه من قبح وفساد، وهذا هو الكف عن نقص المكيال والميزان. فابتدأ بالأمر بالتوحيد لأنه أصل الصلاح ثم أعقبه بالنهي عن مظلمة كانت متفشية فيهم، وهي خيانة المكيال والميزان. وقد تقدّم ذلك في سورة الأعراف. وهي مفسدة عظيمة لأنها تجمع خصلتي السرقة والغدْر، لأن المكتال مسترسل مستسلم. ونهاهم عن الإفساد في الأرض وعن نقص المكيَال والميزان فعزّزه بالأمر بضده وهو إيفاؤهما. وجملة {إني أراكم بخير} تعليل للنهي عن نقص المكيال والميزان. والمقصود من {إني أراكم بخير} أنكم بخير. وإنما ذكر رؤيته ذلك لأنها في معنى الشهادة عليهم بنعمة الله عليهم فحقّ عليهم شكرها. والباء في {بخير} للملابسة. والخير: حسن الحالة. ويطلق على المال كقوله: {أية : إن ترك خيراً}تفسير : [البقرة: 180]. والأوْلى حمله عليه هنا ليكون أدخل في تعليل النهي، أي أنكم في غنى عن هذا التطفيف بما أوتيتم من النعمة والثروة. وهذا التعليل يقتضي قبْح ما يرتكبونه من التطفيف في نظر أهل المروءة ويقطع منهم العذر في ارتكابه. وهذا حثّ على وسيلة بقاء النعمة. ثم ارتقى في تعليل النهي بأنه يخاف عليهم عذاباً يحل بهم إمّا يوم القيامة وإما في الدنيا. ولصلوحيته للأمرين أجمله بقوله: {عذاب يوم محيط}. وهذا تحذير من عواقب كفران النعمة وعصيان وَاهِبِهَا. و{محيط} وصف لـ{يوم} على وجه المجاز العقلي، أي محيط عذابه، والقرينة هي إضافة العذاب إليه. وإعادة النداء في جملة {ويا قوم أوفوا المكيال} لزيادة الاهتمام بالجملة والتنبيه لمضمونها، وهو الأمر بإيفاء المكيال والميزان. وهذا الأمر تأكيد للنّهي عن نقصهما. والشيء يؤكد بنفي ضده، كقوله تعالى: {أية : وأضل فرعون قومه وما هدى}تفسير : [طه: 79]. لزيادة التّرغيب في الإيفاء بطلب حصوله بعدالنهي عن ضده. والباء في قوله {بالقسط} للملابسة. وهو متعلق بـ{أوفوا} فيفيد أن الإيفاء يلابسه القسط، أي العدل تعليلاً للأمر به، لأنّ العدل معروف حسن، وتنبيهاً على أنّ ضده ظلم وجور وهو قبيح منكر. والقسط تقدم في قوله تعالى: {أية : قائماً بالقسط}تفسير : في [آل عمران: 18]. والبخس: النقص. وتقدم في قصته في سورة الأعراف مفسراً. وذكر ذلك بعد النهي عن نقص المكيال والميزان تذييل بالتعميم بعد تخصيص. لأنّ التطفيف من بخس الناس في أشيائهم، وتعدية تبخسوا} إلى مفعولين باعتباره ضد أعطى فهو من باب كسا. والعَثْيُ ـ بالياء ـ من باب سعَى ورمى ورضي، وبالواو كدعا، هو: الفساد. ولذلك فقوله {مفسدين} حال مؤكدة لعاملها مثل التوكيد اللفظي مبالغة في النهي عن الفساد. والمراد: النهي عن الفساد كله، كما يدلّ عليه قوله: {في الأرض} المقصود منه تعميم أماكن الفساد. والفساد تقدم في قوله تعالى: {أية : وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض}تفسير : في أول سورة [البقرة: 11]. وقد حصل النهي عن الأعم بعد النهي عن العامّ، وبه حصلت خمسة مؤكدات: بالأمر بعد النهي عن الفساد الخاص، ثم بالتّعميم بعد التخصيص، ثم بزيادة التعميم، ثم بتأكيد التعميم الأعم بتعميم المكان، ثمّ بتأكيده بالمؤكد اللفظي. وسلك في نهيهم عن الفساد مسلك التدرج فابتدأه بنهيهم عن نوح من الفساد فاششٍ فيهم وهو التطفيف. ثم ارتقى فنهاهم عن جنس ذلك النوع وهو أكل أموال الناس. ثم ارتقى فنهاهم عن الجنس الأعلى للفساد الشامل لجميع أنواع المفاسد وهو الإفساد في الأرض كلّه. وهذا من أساليب الحكمة في تهيئة النفوس بقبول الإرشاد والكمال. وإذ قد كانت غاية المفسد من الإفساد اجتلابَ ما فيه نفع عاجل له من نوال ما يحبه أعقب شعيب موعظته بما ادّخره الله من الثواب على امتثال أمره وهو النفع الباقي هو خير لهم مما يقترفونه من المتاع العاجل. ولفظ {بقيت} كلمة جامعة لمعان في كلام العرب، منها: الدوام، ومؤذنة بضده وهو الزوال، فأفادت أن ما يقترفونه متاع زائل، وما يدعوهم إليه حظ باق غير زائل، وبقاؤه دنيوي وأخروي. فأمّا كونه دنيوياً فلأن الكسب الحلال ناشىء عن استحقاق شرعي فطري، فهو حاصل من تراض بين الأمة فلا يحنق المأخوذ منه على آخذه فيعاديه ويتربص به الدوائر فَبتَجَنب ذلك تبقى الأمّة في أمن من توثّب بعضها على بعض، ومن أجل ذلك قَرَنَ الأموال بالدماء في خطبة حجة الوداع إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام»تفسير : فكما أن إهراق الدماء بدون حق يفضي إلى التقاتل والتفاني بين الأمة فكذلك انتزاع الأموال بدون وجهها يفضي إلى التواثب والتثاور فتكون معرّضة للابتزاز والزوال. وأيضاً فلأنّ نوالَها بدون رضى الله عن وسائل أخذها كفران لله يعرّض إلى تسليط عقابه بسلبها من أصحابها. قال ابن عطاء الله: «من لم يشكر النعَم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيّدها بعقالها». وأمّا كونه أخرويا فَلأنّ نهيَ الله عنها مقارنٌ للوعد بالجزاء على تركها، وذلك الجزاء من النعيم الخالد كما في قوله تعالى: {أية : والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك ثواباً وخيرٌ مردّاً}تفسير : [مريم: 76]. على أنّ لفظ (البقية) يحتمل معنى آخر من الفضل في كلام العرب، وهو معنى الخير والبركة لأنّه لا يبقى إلاّ ما يحتفظ به أصحابه وهو النفائس، ولذلك أطلقت (البقية) على الشيء النفيس المبارك كما في قوله تعالى: {أية : فيه سكينةٌ من ربكم وبقيةٌ ممّا ترك آل موسى وآل هارون}تفسير : [البقرة: 248]، وقوله: {أية : فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض}تفسير : [هود: 116] وقال عمرو بن معد يكرب أو رويشد الطائي: شعر : إن تذنبوا ثم تأتيني بَقيتكم فما عَليّ بِذَنْب مِنكمُ فَوْت تفسير : قال المرزوقي: المعنى ثم يأتيني خِياركم وأماثلكم يقيمون المعذرة وهذا كما يقال: فلان من بقية أهل، أي من أفاضلهم. وفي كلمة (البقية) معنى آخر وهو الإبقاء عليهم، والعرب يقولون عند طلب الكفّ عن القتال: ابقوا علينا، ويَقولون «البقيةَ البقيةَ» بالنصب على الإغراء، قال الأعشى: شعر : قالوا البقيةَ ـ والهنديُّ يحصدهم ـ ـ ولا بقيةَ إلا الثار ـ وانكشفوا تفسير : وقال مسور بن زيادة الحارثي: شعر : أُذَكّرُ بالبُقْيَا على مَنْ أصابني وَبُقْيَايَ أنّي جاهد غير مؤتلي تفسير : والمعنى إبقاء الله عليكم ونجاتكم من عذاب الاستئصال خير لكم من هذه الأعراض العاجلة السيّئة العاقبة، فيكون تعريضاً بوعيد الاستئصال. وكل هذه المعاني صالحة هنا. ولعلّ كلام شعيب ـ عليه السّلام ـ قد اشتمل على جميعها فحكاه القرآن بهذه الكلمة الجامعة. وإضافة (بقية) إلى اسم الجلالة على المعاني كلها جمعا وتفريقاً إضافةُ تشريف وتيمّن. وهي إضافة على معنى اللاّم لأن البقية من فضله أو ممّا أمر به. ومعنى {إن كنتم مؤمنين} إن كنتم مصدقين بما أرسلت به إليكم، لأنهم لا يتركون مفاسدهم ويرتكبون ما أمروا به إلاّ إذا صَدقوا بأن ذلك من عند الله، فهنالك تكون بقية الله خيراً لهم، فموقع الشرط هو كون البقية خيراً لهم، أي لا تكون البقية خيراً إلاّ للمؤمنين. وجاء باسم الفاعل الذي هو حقيقة في الاتّصاف بالفعل في زمان الحال تقريباً لإيمانهم بإظهار الحرص على حصوله في الحال واستعجالاً بإيمانهم لئَلاّ يفجأهم العذاب فيفوت التدارك. وجملة {وما أنا عليكم بحفيظ} في موضع الحال من ضمير {اعبُدوا} ونظائره، أي افعلوا ذلك باختياركم لأنه لصلاحكم ولست مكرهكم على فعله. والحفيظ: المجبر، كقوله: {أية : فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلاّ البلاغ}تفسير : [الشورى: 48] وتقدم عند قوله تعالى: {أية : وما جعلناك عليهم حفيظاً}تفسير : في سورة [الأنعام: 107]. والمقصود من ذلك استنزال طائرهم لئلا يشمئزّوا من الأمر. وهذا استقصاء في الترغيب وحسن الجدال.
الواحدي
تفسير : {وإلى مدين} ذكرنا تفسير هذه الآية في سورة الأعراف، وقوله: {إني أراكم بخير} يعني: النِّعمة والخصب، يقول: أيُّ حاجةٍ بكم إلى التَّطفيف مع ما أنعم الله سبحانه به عليكم من المال ورخص السِّعر {وإني أخاف عليكم عذاب يومٍ محيط} يُوعدهم بعذابٍ يُحيط بهم فلا يفلت منهم أحدٌ. {ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط} أَتِمّوهما بالعدل. {بقية الله} أَيْ: ما أبقى الله لكم بعد إيفاء الكيل والوزن {خير لكم} من البخس، يعني: من تعجيل النَّفع به {إن كنتم مؤمنين} [مُصدِّقين] في نعمه. شَرَطَ الإِيمانَ لأنَّهم إنَّما يعرفون صحَّة ما يقول إذا كانوا مؤمنين {وما أنا عليكم بحفيظ} أَيْ: لم أُؤمر بقتالكم وإكراهكم على الإِيمان. {قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا} يريدون: دينُك يأمرك، أَيْ: أفي دينك الأمر بذا؟ {أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} من البخس والظُّلم، ونقص المكيال والميزان {إنك لأنت الحليم الرشيد} أيْ: السَّفيه الجاهل، وقالوا: الحليم الرَّشيد على طريق الاستهزاء. {قال يا قوم أرأيتم} أعلمتم {إن كنت على بينة من ربي} بيانٍ وحجَّةٍ من ربي {ورزقني منه رزقاً حسناً} حلالاً، وذلك أنَّه كان كثير المال، وجواب "إنْ" محذوف على معنى: إنْ كنت على بيِّنةٍ من ربي ورزقني المال الحلال أتَّبع الضَّلال فأبخس وأُطفف؟ يريد: إنَّ الله تعالى قد أغناه بالمال الحلال، {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} أَيْ: لست أنهاكم عن شيءٍ وأدخل فيه، وإنَّما أختار لكم ما أختار لنفسي {إن أريد} ما أريد {إلاَّ الإصلاح} فيما بيني وبينكم بأن تعبدوا الله وحده، وأَنْ تفعلوا ما يفعل مَنْ يخاف الله {ما استطعت} أَيْ: بقدر طاقتي، وطاقة الإِبلاغ والإِنذار، ثمَّ أخبر أنَّه لا يقدر هو ولا غيره على الطَّاعة إلاَّ بتوفيق الله سبحانه، فقال: {وما توفيقي إلاَّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب} أرجع في المعاد. {ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي} لا يكسبنَّكم خلافي وعداوتي {أن يصيبكم} عذاب العاجلة {مثل ما أصاب قوم نوحٍ} من الغرق {أو قوم هود} من الرِّيح العقيم {أو قوم صالح} من الرَّجفة والصِّيحة {وما قوم لوط منكم ببعيد} في الزَّمان الذي بينكم وبينهم وكان إهلاكهم أقربَ الإِهلاكات التي عرفوها. {واستغفروا ربكم} اطلبوا منه المغفرة {ثمَّ توبوا إليه} توصَّلوا إليه بالتَّوبة {إنَّ ربي رحيم} بأوليائه {ودودٌ} محبٌّ لهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وإلى مدين: أي أرسلنا إلى مدين إلى أهل مدين. المكيال والميزان: أي إذا بعتم لأحد فلا تنقصوا المكيال والميزان. عذاب يوم محيط: أي يحيط بكم من جميع جهاتكم فلا ينجو منه أحد منكم. بالقسط: أي بالعدل أي بالمساواة والتساوي في البيع والشراء على حد سواء. ولا تبخسوا: أي لا تنقصوهم حقوقهم التي هي لهم عليكم في الكيل والوزن وفي غير ذلك. ولا تعثوا في الأرض: أي ولا تعثوا في الأرض بالفساد. بقية الله خير لكم: أي ما يبقى لكم بعد توفية المكيال والميزان خير لكم من الحرام الذي حرم الله عليكم. وما أنا عليكم بحفيظ: أي رقيب أراقب وزنكم وكيلكم وإنما أنا واعظ لكم وناصح لا غير. معنى الآيات: هذا بداية قصص شعيب عليه السلام مع قومه أهل مدين قال تعالى {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} أي وأرسلنا إلى قبيلة مدين أخاهم في النسب شعيباً. {قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} أي وحّدوا الله تعالى ليس لكم إله تعبدونه بحق إلا هو إذ هو ربكم الذي خلقكم ورزقكم ويدبر أمركم. وقوله {وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} أي لا تنقصوا المكيال إذا كلتم لغيركم، والميزان إذا وزنتم لغيركم. وقوله {إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} أي في رخاء وسعة من الرزق، {وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} إن أصررتم على الشرك والنقص والبخس وهو عذاب يحيط بكم فلا يفلت منكم أحد. وقوله {وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} أمر بتوفية المكيال والميزان بالعدل بعد أن نهاهم عن النقص تأكيدا لما نهاهم عنه وليعطف عليه نهيا آخر وهو النهي عن بخس الناس أشياءهم إذ قال {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ} أي تنقصوهم حقوقهم وما هو لهم بحق من سائر الحقوق. ونهاهم عما هو أعم من ذلك فقال {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أي ولا تسعوا في الأرض بالفساد وهو شامل لكل المعاصي والمحرمات. وقوله {بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي وما يبقى لكم بعد توفية الناس حقوقهم خير لكم مما تأخذونه بالنقص والبخس لما في الأول من البركة ولما في الثاني من المحق إن كنتم مؤمنين بشرع الله ووعده ووعيده وقوله {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} أي بمراقب لكم حين تبيعون وتشترون، ولا بحاسب مُحصرٍ عليكم ظلمكم فأجازيكم به، وإنما أنا واعظ لكم ناصح ليس غير. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وحدة دعوة الرسل وهي البداية بتوحيد الله تعالى أولا ثم الأمر والنهي لإِكمال الإِنسان وإسعاده بعد نجاته من الخسران. 2- حرمة نقص الكيل والوزن أشد حرمة. 3- وجوب الرضا بالحلال وإن قل، وسخط الحرام وإن كثر. 4- حرمة بخس الناس حقوقهم كأجور العمال، وأسعار البضائع ونحو ذلك. 5- حرمة السعي بالفساد في الأرض بأي نوع من الفساد وأعظمه تعطيل شرائع الله تعالى.
القطان
تفسير : لا بتخسوا الناس اشياءهم: لا تنقصوهم من حقوقهم. ولا تعثَوا في الارض مفسدين: لا تبالغوا في الافساد. بقية الله: ما ابقاه الله لكم من الربح الحلال. تقدم ذكر قصة شُعيب في سورة الاعراف، وقد ذُكر شعيب في القرآن عشر مرات في سورة الاعراف وسورة هود، وفي سورة الشعراء وسورة العنكبوت. وفي كل موضع من العظات والأحكام ما ليس في الأخرى. وأرض قومه فهي مَدْيَن في شمال الحجاز لا تزال معروفة الا الآن، ويسمي المفسِّرون شُعيباً خطيب الانبياء لحسن مراجعته قومَه وبراعته في الحوار واقامة الحجة عليهم. ويقول الشيخ عبد الوهاب النجّار في كتابه "قصص الأنبياء" صفحة 149: "أما شُعيب فقد كان زمنه قبل زمن موسى، فان الله تعالى لما ذكر نوحاً ثم هوداً ثم صالحاً ثم لوطاً ثم شعيباً قال: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} سورة الاعراف، ومثل ذلك في سورة يونس وهود والحج والعنكبوت....". ولقد أرسلْنا الى قومِ مدين أخاهم في النسَب شعينا، قال لهم: يا قوم اعبُدوا الله وحده، ليس لكم إله يستحق العبادة غيره، ولا تنقُصوا المكيالَ والميزان حين تبيعون. إني اراكم أهل ثروة واسعةٍ في الرزق تُغنيكم عن الدناءة في بخس حقوق الناس وأَكل اموالهم بالباطل، وأخاف ان يحلّ عذابُ يومٍ يحيط بكم لا تستطيعون أن تفلتوا من اهواله اذا لم تشكروا الله وتطيعوا امره؟ {وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ}. أتمُّوهما بالعدْل دون زيادة ولا نقصان. {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ}. بسرقة أموالهم بالباطل. {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ}. ولا تفسدوا في الارض بقطع الطريق، وتهديد الأمن، وتعطيل مصالح الناس. {بَقِيَّةُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ}. ان ما يبقى لكم من المال الحلال الذي تفضّل اللهُ به عليكم خيرٌ لكم من المال الذي تجمعونه من الحرام، ان كنتم تؤمنون بالله حقّ الإيمان ولست استطيع أن أكون عليكم رقيبا أحصي أعمالكم واحاسبكم عليها.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰقَوْمِ} {أَرَاكُمْ} (84) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى مَدْيَنَ (وَهِيَ قَبِيلَةٌ عَرَبِيَّةٌ كَانَتْ تَسْكُنُ بَيْنَ الشَّامِ وَالحِجَازِ قَرِيباً مِنْ مَعَانَ) أَخَاهُمْ شُعَيْباً رَسُولاً، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ، وَنَهَاهُمْ عَنِ التّطْفِيفِ فِي المِكْيَالِ وَالمِيزَانِ، وَقَالَ لَهُمْ إِنِّي أَرَاكُمْ بَخَيْرٍ فِي مَعِيشَتِكُمْ وَرِزْقِكُمْ، وَهذا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُغْنِيَكُمْ عَنِ الدَّنَاءَةِ فِي بَخْسِ حُقُوقِ النَّاسِ، وَأَكْلِ أَمْوَالِهِمْ بِالبَاطِلِ بِمَا تُنْقِصُونَهُ لَهُمْ فِي المَبِيعِ. وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تُسْلَبُوا ما أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ النَّعْمَةِ فِي الدُّنْيا بِسَبَبِ انْتِهَاكِكُمْ مَحَارِمَ اللهِ، وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَحِلَّ بِكُمْ عَذَابُ اللهِ فِي يَوْمِ البَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَهُوَ يَوْمٌ يُحِيطُ بِأَهْوالِهِ بِالنَّاسِ جَمِيعاً، وَلا يَنْجُو مِنْهُ أَحَدٌ إِلاَّ مَنْ رَحمَ اللهُ. أَرَاكُمْ بخَيْر - بِسَعَةٍ تُغْنِيكُمْ عَنِ التَّطْفِيفِ. يَوْمٍ مُحِيطٍ - مُهْلِكٍ يُحِيطُ بِأَهْوَالِهِ بِالنَّاسِ جَمِيعاً. التَّطْفِيفُ - هُوَ الإِنْقَاصُ فِي المِكْيَالِ وَالمِيزَانِ إِذَا كَالُوا لِلنَّاسِ أَوْ وَزَنُوْهُمْ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِيهِ إِذَا اشْتَرَوا مِنَ النَّاسِ وَاكْتَالُوا أَوْ وَزَنُوا.
الثعلبي
تفسير : {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ} يعني وأرسلنا إلى قوم مدين بن إبراهيم، {أَخَاهُمْ شُعَيْباً} بن شرون بن أيوب بن مدين بن إبراهيم. {قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} وكانوا يطفِّفون {إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} قال ابن عباس (رضي الله عنه): موسرين في نعمة، الحسن: الغنى ورخص السعر، قتادة: المال وزينة الدنيا، الضحاك: رغد العيش وكثرة المال، مجاهد: خصب وسعة، وغيرهم في غلاء السعر وزوال النعمة وحلول النقمة إن لم يتوبوا {وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} محيط بكم فلا يفلت منكم أحد. {وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} اكتالوا بالقسط {وَلاَ تَبْخَسُواْ} ولا تنقصوا {ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّةُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} قال ابن عباس: ما أبقى الله لكم من الحلال، وإيفاء الكيل والوزن خير من البخس والتطفيف، قال مجاهد: الطاعة، سفيان: رزق الله، قتادة: حظكم من ربكم، ابن زيد: الهلاك في العذاب والبقية: الرحمة، الفرّاء: مراقبة الله {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} وإنما قال هذا لأن شعيباً لم يؤمر بالقتال. {قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ} من الأوثان، قال ابن عباس: كان شعيب كثير الصلاة لذلك قالوا هذا، قال الأعمش: يعني قراءتك {أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} يعني أو أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء، وقرأ بعضهم: تفعل وتشاء بالتاء يعني: تأمرك أن تفعل في أموالنا ما تشاء فيكون راجعاً إلى الأمر لا إلى الترك. قال أهل التفسير: كان هذا نهياً لهم عنه وعذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم. فلذلك قالوا: وأن نفعل ما نشاء {إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ} قال ابن عباس: السفية الغاوي. قال القاضي: والعرب تصف الشيء بضده، للتطير والفأل كما قيل للدّيغ: سليم، وللفأرة: مفازة. وقيل: هو على الاستهزاء، كقولهم للحبشي: أبو البيضاء، وللأبيض: أبو الجون، ومنه قول خزنة النار لأبي جهل: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}تفسير : [الدخان: 49]. وقيل: معناه الحليم الرشيد بزعمك وعندكن ومثله في صفة أبي جهل، وقال ابن كيسان: هو على الصحة أي أنّك يا شعيب لنا حليم رشيد، فليس يجمل بك شق عصا قومك ولا مخالفة دينهم، كقول قوم صالح له: {يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً}. {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ} حجّة وبصيرة وبيان وبرهان {مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً} حلالا طيباً من غير بخس ولا تطفيف، وقيل: علماً ومعرفة {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} ما أريد أن أنهاكم عن أمر وأرتكبه {إِنْ أُرِيدُ} ما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه {إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أي أرجع فيما ينزل بي من النوائب، وقيل: إليه أرجع في الآخرة. {وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} لا يحملنكم {شِقَاقِيۤ} خلافي وفراقي {أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ} من العذاب {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} وذلك أنهم كانوا حديثي عهد بهلاك قوم لوط، وقيل: ما دارُ قوم لوط منكم ببعيد {وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} محبّ المؤمنين، وقيل: مودود للمؤمنين ومحبوبهم. {قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً} وذلك أنه كان ضريراً، قال سفيان: كان ضعيف البصر، وكان يقال له خطيب الأنبياء {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ} عشيرتك وكان في عزة ومنعة من قومه {لَرَجَمْنَاكَ} لقتلناك {وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ * قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} قيل: الهاء راجعة إلى الله وقيل: إلى أمر الله وما جاء به شعيب، أي نبذتموه وراء ظهوركم وتركتموه، يقال: جعلت أمري بظهر إذا قصر في أمره وأخلّ بحقه. {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} أي تؤدتكم ومكانكم، يقال: فلان يعمل على مكانته ومكنته إذا عمل على تؤدّهُ تمكن. ويقال: مُكن يمكن مكناً مكاناً ومكانة، {إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} أيّنا الجاني على نفسه، والأخطى في فعله، وذلك قوله {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} قيل: {مَن} في محل النصب أي فسوف تعلمون من هو كاذب، وقيل: ويخزي من هو كاذب،وقيل: محله رفع تقديره: ومن هو كاذب فيعلم كذبه ويذوق وبال أمره {وَٱرْتَقِبُوۤاْ} وانتظروا العذاب {إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} منتظر. {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ} صيحة من السماء أخذتهم وأهلكتهم، ويقال: إن جبريل صاح بهم صيحة فخرجت أرواحهم من أجسادهم. {فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} ميتين ساقطين هلكى صرعى {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ} يكونوا {فِيهَآ أَلاَ بُعْداً} هلاكاً وغضباً {لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ} هلكت {ثَمُودُ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} حجة بيّنة {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ} وخالفوا أمر موسى {وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ} أي يتقدمهم ويقودهم إلى النار يوم القيامة {فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ} وبئس المدخل المدخول فيه. {وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ} العون المعان، وذلك أنه ترادفت عليهم اللعنات، لعنة في الدنيا، ولعنة في الآخرة. {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ} خراب، ابن عباس: قائم ينظرون إليه، وحصيد قد خرب وهلك أهله، مقاتل: قائم يعني له أثر، وحصيد لا أثر له، مجاهد: قائم: خاوية على عروشها وحصيد: مستأصل يعني محصوداً كالزرع إذا حصد، قال قتادة: القائم منها لم يذهب أصلا، ومنها حصيد قد ذهب أصلا، القرضي: منها قائم بجدرانهاوحيطانها، وحصيد: ساقط، محمد بن إسحاق: منها قائم يعني [.....] وأمثالها من القرى التي لم تهلك،وحصيد يعني التي قد أهلكت. {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} بالعذاب والأهلاك {وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} بالكفر والمعصية يظلمون {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ} عذاب {رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} غير تخسير. {وَكَذٰلِكَ} وهكذا أخذ ربك {أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} نظير قوله: {أية : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}تفسير : [البروج: 12]. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} لعبرة وعظة {لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ ذٰلِكَ} يعني يوم القيامة {يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ} قال عبد الله بن مسعود لأصحابه: إنكم مجموعون يوم القيامة في صعيد واحد تسمعون الداعي [......] {وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} يشهده أهل السماء وأهل الأرض. {وَمَا نُؤَخِّرُهُ} يعني وما نؤخّر ذلك اليوم ولا نقيم عليكم القيامة {إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} أي مؤقّت لا يتقدم ولا يتأخر {يَوْمَ يَأْتِ} وقرئ بإثبات الياء وحذفه، وهما لغتان وحذف الياء له طريقان كالكسرة عن الياء والضمة من الواو، كقول الشاعر: شعر : كفاك كفّ ما تليق ودرهما جوداً وأخرى تُعط بالسيف الدما تفسير : {لاَ تَكَلَّمُ} أي: لا تتكلم {نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} نظير {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ}تفسير : [القدر: 4] أي: تتنزل. قال لبيد: شعر : والعين ساكبة على أطلائها عوذا تأجّل بالفضاء بهامها تفسير : (أي تتأجل). {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} قال ابن عباس: فمنهم شقي كتبت عليه السعادة، وروى عبد الله ابن دينار عن ابن عمر "حديث : عن عمر، قال: لمّا نزلت هذه الآية سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله فعلى ما عملنا، على شيء قد فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: على شيء قد فرغ منه يا عمر، وجرت به الأقلام ولكن كلٌّ ميسّر لما خلق له ". تفسير : وروي عنه (عليه السلام): "حديث : الشقي من شقي في بطن أُمّه، والسعيد من سعد في بطن أُمّه ". تفسير : {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيق} قال ابن عباس: الزفير: الصوت الشديد، والشهيق: الصوت الضعيف، الضحّاك ومقاتل: الزفير: أول نهيق الحمار، والشهيق آخره حين يفرغ من صوته إذا ردّده في الجوف. أبو العالية: الزفير في الحلق،والشهيق في الصدر {خَالِدِينَ} لابثين ومقيمين {فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} يسمى هنا {مَا} الوقت. قال ابن عباس: ما دامت السماوات والأرض من ابتدائها إلى وقت فنائها، قال الضحّاك: ما دامت سماوات الجنة والنار وأرضهما، وكل ما علاك فأظلَّك فهو سماء، وكل ما استقرت عليه قدمك فهو أرض. قال الحسين: أراد ما دامت الآخرة كدوام السماء والأرض في الدنيا قدر مدة بقائها، قال أهل المعاني: العرب [...] في معنى التأبيد والخلود، يقولون: هو باق ما [...] وأطت الإبل، وأينع الثمر، وأورق الشجر، ومجن الليل وسال سيل، وطرق طارق، وذرّ شارقن ونطق ناطق، وما اختلف الليل والنهار، وما اختلف الذرة والجمرة، وما دام عسيب، وما لألأت العفراء ونابها، وما دامت السماوات والأرض، فخاطبهم الله تعالى بما تعارفوا بينهم. ثم استثنى فقال: {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} اختلف العلماء في هذين الاستثناءين، من أهل الشقاوة أو من أهل السعادة، فقال بعضهم هو في أهل التوحيد الذين يخرجهم الله من النار. قال ابن عباس: وما شاء ربك أن يخرج أهل التوحيد منها، وقال في قوله في وصف السعداء: ألا ما شاء ربك أن يخلدهم في الجنة، وقال قتادة: في هذه الآية الله أعلم بها، وذكر لنا أن ما أقوله سيصيبهم سفع من النار بذنوب اقترفوها ثم يخرجهم الله منها، وعلى هذا القول يكون استثناء من غير جنسه لأن الأشقياء في الحقيقة هم الكافرون، والسعداء في الحقيقة هم المؤمنون. وقال أبو مجلز: هو جزاؤه إلاّ أن يشاء ربك أن يتجاوز عنهم، ولا يدخلهم النار، وفي وصف السعداء إلاّ ما شاء ربك بقاءهم في الجنة. قال ابن مسعود: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض، لا يموتون فيها ولا يخرجون منها إلاّ ما شاء ربك. وهو أن يأمر النار أن تأكلهم وتفنيهم ثم يجدّد خلقهم. قال: وليأتين على جهنم زمان تغلق أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقاباً، وقال الشعبي: جهنم أسرع الدارين عمراً أسرعهما خراباً، وقال ابن زيد: في هذه الآية أخبرنا بالذي أنشأ لأهل الجنة فقال: هذا غير مجذوذ، ولم يخبرنا بالذي أنشأ لأهل النار، وقال ابن كيسان: إلاّ ما شاء ربك من الفريقين من تعميرهم في الدنيا قبل مصيرهم إلى الجنة والنار، وقيل: ما شاء ربك من احتباس الفريقين في البرزخ ما بين الموت والبعث. الزجّاج: في هذه الآية أربعة أقوال: قولان منها لأهل اللغة، وقولان لأهل المعاني، فأمّا أحد قولي أهل اللغة فإنهم قالوا: {إِلاَّ} ههنا بمعنى سوى كما يقال في الكلام: ما كان معنا رجل إلاّ زيد، ولي عليك ألف درهم إلاّ الألفان التي لي عليك، فالمعنى ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود، والقول الثاني: إنّه استثنى من الاخراج وهو لا يريد أن يخرجهم منها، كما يقول في الكلام: أردت أن أفعل كذا إلاّ أن أشاء غيره، وأنت مقيم على ذلك الفعل، والمعنى أنّه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم، ولكنّه أعلمهم أنهم خالدون فيها، قال الزجّاج: هذان مذهبا أهل اللغة. وأما قولا أهل المعاني، فإنهم قالوا: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلاّ ما شاء ربك من مقدار مواقفهم على رأس قبورهم للمحاسبة إلاّ ما شاء ربك من زيادة النعيم لأهل النعيم، وزيادة العذاب لأهل الجحيم، وقال الفراء: معناه: وقد شاء ربك خلود هؤلاء في النار وهؤلاء في الجنة، و {إِلا} بمعنى الواو سائغ جائز في اللغة، قال الله تعالى {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} [البقرة: 150] ومعناه، ولا الذين ظلموا، وأنشدني أبو ثروان: شعر : من كان أشرك في تفرّق فالج فلبونه جربت معاً وأغدت إلاّ كناشرة الذي ضيعتم كالغصن في غلوائه المثبت تفسير : معناه، لكن هنا كناشرة، وهي كاسم قبيلة، وقال: معناه كما شاء ربك كقوله {أية : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}تفسير : [النساء: 22]معناه كما قد سلف. {أَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ} قرأ أهل الكوفة: (سُعدوا) بضم السين أي رُزقوا السعادة، وسعد وأُسعد بمعنى واحد، وقرأ الباقون بفتح السين قياساً على الذين شقوا، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم {فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ}. الضحّاك: إلاّ ما مكثوا في النار حتى أُدخلوا الجنة، أبو سنان: إلاّ ما شاء ربك من الزيادة على قدر مدة دوام السماء والأرض، وذلك هو الخلود فيها، قال الله {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} غير مقطوع. وكيع بن الجراح: كفرت الجهمية بأربع آيات من كتاب الله، قال الله تعالى في وصف نعيم الجنة {أية : لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ}تفسير : [الواقعة: 33]وقالت الجهمية: يقطع فيمنع عنهم، وقال الله {أية : أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا}تفسير : [الرعد: 35] وقالوا: لا يدوم، وقال الله و{أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ}تفسير : [النحل: 96] وقالوا: لا يبقى، وقال الله {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} وقالوا: يُجذ ويُقطع. {فَلاَ تَكُ} يا محمد {فِي مِرْيَةٍ} في شك {مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ} فهم ضُلاّل. {مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ} فيه إضمار أي: (كعبادة) {آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ} حظهم من الجزاء {غَيْرَ مَنقُوصٍ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و"مدين" هو اسم ابن إبراهيم عليه السلام، ولم يكن هذا الابن موجوداً وقت بعثة شعيب، لكن القبيلة التي تناسلت منه سُمِّيت باسمه، وكذلك القرية التي أقامت فيها القبيلة سميت باسمه، فإن قلت إن شعيباً أرسل لقبيلة مدين، فهذا قول سليم، وإن قلت إنه أرسل لقرية مدين، فهذا قول سليم أيضاً؛ لأن القرية لا بد لها من سكان. والحق سبحانه يقول على لسان إخوة يوسف عليه السلام: {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا ..}تفسير : [يوسف: 82]. والمقصود "أسأل أهل القرية". إذن: فمرة يطلب الاسم على المكان، ومرة يطلق المكان ويراد به المكين. وقد بدأ شعيب رسالته مع قومه من حيث بدأ كل الرسل بالدعوة إلى قمة التدين، وهو أن يعبدوا الله وحده لا شريك له ولا إله غيره، وهذا هو القدر المشترك في كل الرسالات. والحق سبحانه يقول: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ}تفسير : [الشورى: 13]. إذن: فقمة الدين هي قضية العقيدة الإيمانية، وهي عبادة الله تعالى وحده ولا إله غيره، لأن الحق سبحانه حين يوجه الأوامر التكليفية "افعل" و"لا تفعل" فالله سبحانه لا يوجهها إلا لمن آمن به إلهاً واحداً، أما الذي لا يؤمن به، فالله سبحانه لا يوجه إليه أي حكم. ولذلك تجد حيثية كل حكم تكليفي في القرآن مُصَدَّراً بقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..}تفسير : [البقرة: 178]. سواء أكان الأمر صياماً، أم قصاصاً، ففي كل تكليف يُصدَّر بهذا القول، لا بد أن يأتي المعنى: يا من آمنت بي إلهاً قادراً حكيماً، اسمع مني التكليف. ولذلك أقول دائماً: إن علة كل تكليف هي الإيمان بالمكلِّف، ولا داعي للبحث عن علة أخرى. فمثلاً حين يُقَال: إن علة الوضوء النظافة، نقول: وإن لم يوجد ماء، فنحن نلمس التراب أو الحجر ثم نمسح وجوهنا في التيمم. إذن: فالمقصد هو أن نتهيأ للصلاة بأي شكل يحقق مقصود العبادة وهو الطاعة للخالق سبحانه وتعالى. وإياك أن تؤخر تنفيذ الحكم إلى أن تبرره؛ لأن مبرره هو صدوره عن الله سبحانه وتعالى. وكذلك كل شيء يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن نتبعه، ولا نبحث عن علة له، وإلا لو كنا نؤجل الأحكام إلى أن تثبت تبريراتها العلمية مثل فساد لحم الخنزير بما يحمله من أمراض، ومثل قدرة الخمر على إهلاك المخ وتدمير خلاياه، فضلاً عن تدمير خلايا الكبد، فنحن لو كنا قد أجلنا تلك الأحكام، فماذا كان الموقف؟ لقد طبَّق المسلمون هذه الأحكام فور نزولها؛ لإيمانهم بالمنهج وحبهم في القرب من الله، ثم أثبتت الأيام صدق الله تعالى في تكليفه. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} [هود: 84]. وعرفنا أن العبادة ليست محصورة في الصلاة أو الصوم أو الزكاة أو الحج؛ لأن هذه هي الأركان الأساسية التي يقوم عليها الإسلام؛ ولكن الإسلام أيضاً هو عمارة الأرض بتنفيذ كل التكاليف، وكل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فإقبال الإنسان على مهنة ما يحتاجها المجتمع هو عبادة، وإذا خلتْ صنعة من صانع فعلى ولي الأمر أن يكلف ويرغم بعض الناس على تعلمها؛ وأيضاً إتقان الصنعة عبادة. وقول الحق سبحانه على لسان شعيب عليه السلام: {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ..} [هود: 84]. أي: إياك أن تأخذ حكماً تكليفياً من أحد آخر غير الله سبحانه وتعالى، لأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وإياك أن تستدرك من البشر حكماً على الله سبحانه وتعالى، وتظلم نفسك وتقول: "لقد فات الله أن يقول لنا هذا الحكم، ولنأتي لأنفسنا بحكم جديد". إياك أن تستدرك حكماً على الله. افهم الحكم أولاً، فإن جاء حكماً محكماً فخذه، وإنْ كان غير محكم بأن جاء مجملاً، أو غير مبيَّن، فانظر باجتهادك إلى أية جهة تصل. ولذلك حديث : نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل من أرسله مبعوثاً إلى اليمن فقال: "كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدري ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ". تفسير : وبعد أن دعا شعيب - عليه السلام - آل مدين لعبادة الله سبحانه وحده، وهذا هو الأمر المشترك بين جميع الرسل - عليهم السلام - تأتي الأحكام الأخرى، فمن يعمل فاحشة له علاجه، ومن ينقص في الكيل والميزان، فالرسول يعالج هذا الأمر. لأن العالم القديم كان عالم انعزال، لا التحام فيه أو مواصلة؛ فقد يوجد عيب وآفة في مكان، ولا يوجد هذا العيب أو تلك الآفة في مكان آخر. وكل رسول يأتي ليعالج عيباً محدداً في المكان الذي أرسله الله إليه، ولكن رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم جاء - وهو الرحمة المهداة للجميع وخاتم الأنبياء والمرسلين - جاء صلى الله عليه وسلم والدنيا على ميعاد بالالتقاء الإيماني، فلما تقاربت البلاد عن طريق سرعة الاتصالات، وما يحدث في عصرنا الآن بقارة أمريكا نجده عندنا في نفس اليوم أو غداً، فالعالم الآن عالم التقاء، وتعددت الداءات فيه وتوحدت بسبب سرعة الالتقاء عن طريق عدم التمييز بين الخبيث والطيب. ولذلك شاء الحق سبحانه أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الرسل. وكانت خيبة آل مدين هي عدم عبادة الله وحده، وكذلك كانت فيهم خسيسة التطفيف في الكيل والميزان، لذلك يقول الحق سبحانه على لسان شعيب عليه السلام: {وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ..} [هود: 84]. وحين قرأ العلماء هذا القول الكريم لم يلتفتوا إلى أن المراد ليس نقص المكيل والموزون، لأنه لو شاء لقال: "ولا تنقصوا المكيل أو الموزون" هذا إذا نظرنا إلى الأمر من وجهة ما يريد البائع، ولكن القول هنا يقصد أن يأخذ كل ذي حق حقه، أن يأخذ المشتري حقه من السلعة، وأن يأخذ البائع حقه في الربح. إذن: فهذا القول الكريم يشمل البائع والمشتري معاً. والكيل - كما نعرف - هو تعديل شيء بشيء، فإن كان في الخفة والثقل؛ فالأمر يحتاج إلى ميزان، وإن كان تعديل شيء بشيء في الكم، فهذا يحتاج إلى الكيل، وهذا هو الأمر المشهور في الكيل والميزان، وأي تعديل شيء بشيء يحتاج إلى ما يناسبه؛ فالقماش مثلاً - يتم تعديله بالمتر، والأرض يتم تعديلها بالمساحة؛ أي: قياس الطول والعرض، وبعض الأشياء تُباع بالحجم، وهذا يعني قياس الطول والعرض والارتفاع واستخراج الناتج بعملية ضرب كل منهم في الآخر. إذن: فالأمر المهم هو أن يأخذ كل إنسان حقه، حتى وإن كان تأجير قوة عامل لينجز عملاً، فأنت تعدل زمن وقوة العمل بالأجر الملائم، والأمر المشهور هو الكيل والميزان، لكن بقية التقييمات موجودة؛ ليأخذ كل ذي حق حقه. لأن الإنسان لو أخذ غير حقه لاستمرأ أن يأخذ حقوق الناس، ولو أكل بعض الناس حقوق البعض الآخر؛ لَزهدَ من أكلتْ حقوقهم في العمل. وأنت حين تعطي للإنسان أقل مما يستحق، أو تأخذ من جهده فوق ما تدفع له من أجر، تجده يبطىء في العمل، ولا ينجز المطلوب منه على تمام الدقة، ومن هنا يحدث الخلل. ولذلك أقول: إن إعطاء كل ذي حق حقه يزيد من جودة الأداء في العمل. وعلينا أن نترك صاحب الطموح ليعمل؛ بدلاً من أن يخزن ماله أو يكنزه؛ لأن صاحب الطموح حين يقيم مشروعاً أو بناءً؛ فهو يفيد الفقراء وينفعهم - حتى وإن كان لا يفكر في ذلك - فالذي يبني عمارة سكنية ينفع الصناع والعمال ومنتجي المواد اللازمة للبناء - دون أن يقصد - وسينتفع العامل الفقير - دون أن يقصد صاحب العمل - وربما انتفع كل الفقراء مما يصنعه صاحب العمل، قبله فيما يفعل. إذن: فمن المهم أن يأخذ كل إنسان حقه قبل أن يجف عرقه؛ مصداقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ". تفسير : وهكذا نعلم أن الدين في ظاهر الأمر يحض على الإيثار، وفي واقع الأمر، هو يحرص على تأكيد ثواب الإنسان عند ربه؛ لأن الذي يؤثر غيره على نفسه - ولو كان به خصاصة - لو كان معه مال قليل وأعطاه لآخر عنده ضائقة، وليس عند هذا الآخر مال، هنا يكون صاحب المال القليل قد آثر الآخر على نفسه في ظاهر الأمر، ولكنه سيأخذ أضعاف هذا المال ثواباً من عند الله تعالى. وهكذا يعلمنا الدين النفعية الراقية، وهي النفعية التي يعاملنا بها الله سبحانه؛ وحين نترك قانون النفعية ليسيطر على حركة الناس، فنحن نوفر سيولة الانتفاع في المجتمع. وهنا في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها عرفنا أن شعيباً قال لأهل مدين: {وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ..} [هود: 84]. أي: أنكم يا أهل مدين غير مضطرين لذلك؛ لأن من يبيع منكم عنده سلع، ومن يشتري إنما يملك نقوداً، فاكتفوا بالخير الذي عندكم، وليأخذ كل ذي حق حقه، وهذه قضية يغفل عنها كثير من الناس؛ فالذي يبيع قد يبيع صنفاً واحداً، فإن غش في الكيل أو الميزان، فسوف يغشه ويخدعه غيره في الأصناف الأخرى التي تلزمه لحياته. وإن اشتغل واحد في إنقاص الكيل والميزان، فالآخرون سيفعلون مثل ذلك في كل ما يخص حياته؛ لأن المخادع الواحد، سيلقي مخادعين كثيرين، وهنا يقول شعيب عليه السلام: ما الذي يضطركم إلى ذلك وأنتم بخير؟ ثم يقول محذراً: {.. وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} [هود: 84]. لانك حين تنقص شيئاً وأنت تبيع أو تزيد شيئاً حين تشتري، فأنت لا تخدع من تتعامل معه، وإنما تخدع نفسك. وكلنا يعلم أن الغفلة قد تطرأ على البائع، وقد تطرأ على المشتري، وقد يحاول بائع أن يستغل غفلة المشتري فيزيد من ثقل الميزان بإصبعه، وقد يحاول المشتري أن يستغل غفلة البائع بأن يرفع كفة الميزان بإصبعه من غير أن يراه البائع، فيأخذ غير حقه، وهذا نوع من خداع النفس؛ لأن الحق سبحانه إنما يأمر بالاستقامة في البيع والشراء؛ لأن الانتفاع بأي شيء مهما كَثُر، فهو موقوت بعمر الإنسان في الدنيا، وعمر الإنسان موقوت، ولكن الذي يغش ويخدع إنما يُعرِّض نفسه لعذاب الله سبحانه في الآخرة، وهو عذاب بلا أمد ولا نهاية. وهكذا يسلِّم الإنسان نفسه لفائدة قليلة في الدنيا الزائلة، ثم يلقى عذاباً لا ينتهي في آخرة غير زائلة. والعذاب في الآخرة عذاب محيط، بمعنى أن المعذَّب لا يستطيع أن يفلت منه، فأنت في الدنيا بإمكانك أن تحتال في النجاة من العذاب، وقد تلجأ إلى من هو أقوى منك ليحميك، ولكنك في الآخرة تواجه يوماً لا بيع فيه ولا خُلَّة ولا شفاعة، إن كنت من أهل النار. يقول الحق سبحانه بعد ذلك ما جاء على لسان شعيب مواصلاً الحديث إلى أهل مدين: {وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} اذكر يا أكمل الرسل للمؤمنين المعتبرين من ذوي الاستبصار والاعتبار وقت؛ إذ أرسلنا {إِلَىٰ مَدْيَنَ} حين بالغوا التطفيف والتخسير في المكيلات والموزونات {أَخَاهُمْ} ومن شعيتهم {شُعَيْباً} المتشغب منهم، ليكون أدخل في نصحهم وأجهد في إهدائهم وإرشادهم {قَالَ يٰقَوْمِ} موصياً له، متحنناً على وجه الشفقة والنصيحة {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} الواحد الأحد الصمد الذي ليس له شريك في الوجود والألوهية والربوبية وتيقنوا أنه {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ} مظهر لكم ولجميع ما ظهر وبطن غيباً وشهادة {غَيْرُهُ} بل الألوهية محصورة إليه، مقصورة له؛ إذ لا شيء سواه، ولا يستحق للعبادة إلا هو {وَ} عليكم أيها المأمورون من عنده بالاعتدال والاقتصاد في جميع الأخلاق والأفعال والأحوال أن {لاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} لبني نوعكم {إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} أي: سعة ورفاهية غاية لكم وتفضلاً عليكم، فعليكم أن تزويدها وتديموها بالشكر والإنصاف والانتصاف على مقتضى ما أُمرتم به من عند ربكم، وإن لم تعلموا مني ونصحي ولم تقبلوا قولي {وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ} من غيرة الله وكمنال قهره وسطوته {عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} [هود: 84] فيه عذابه على جميع أهل الزيغ والضلال، المنحرفين عن جادة الاعتدال. {وَ} بعدما قدم عليهم المنهي للعناية والاهتمام بشأنه، أردفه بالمأمور؛ للتأكيد والمبالغة وزيادة التقرير والإحكام، كأنه استدل عليه لمزيد إشفاقه وكمال مرحمته، فقال: {يٰقَوْمِ} إن أردتم خير الدارين ونفع النشأتين {أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} على عباد الله؛ أي: لا تزيدا عليها ولا تنقصوا منها؛ إذ الطرفان كلاهما مذمومان، بل أوفوهما {بِٱلْقِسْطِ} والعدل {وَ} عليكم أن {لاَ تَبْخَسُواْ} ولا تنقضوا {ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ} في حال من الأحوال {وَ} بالجملة: {لاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود: 85] أي: لا تظهروا عليها بالخداع والحيف والبخس والتطفيف. {بَقِيَّتُ ٱللَّهِ} التي قدرها في سابق حضرة علمه {خَيْرٌ لَّكُمْ} ومزيد مما لكم من تطفيفكم وتنقيصكم {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} بالله وبتدبيراته وتقديراته {وَ} اعلموا يا قوم إني {مَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [هود: 86] يحفظكم عن جميع ما لا يعينكم، بل أنا مبلغ ما أُرسلت به إليكم، فلكم الامتثال والتوفيق من الله الكبير المتعالِ. ثم لما سمعوا منه ما سمعوا {قَالُواْ} مستهزئين متهكيمن {يٰشُعَيْبُ} المدعي دعوة الخلق إلى الحق {أَصَلَٰوتُكَ} الكثيرة التي تصليها في خلواتك {تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ} من الأصنام والأوثان {أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} أي: تأمرك صلواتك أن نترك أفعالنا الت كنا كعلمنا بها في ازدياد أموالنا حسب إراداتنا واختيارنا {إِنَّكَ} أيها الداعي للخلق إلى الحق {لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ} ذو الحلم والكرم، ولا تعجل في الانتقام {ٱلرَّشِيدُ} [هود: 87] العاقل، لا تتكدر بمثل هذه الأوهام، قالوا له هذا استهزاء وسخرية.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن فعال ناقصي المكيال بقوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} [هود: 84] القصة قوله: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} يشير إلى أن جميع الأنبياء - عليهم السلام - كانت كلمتهم في التوحيد واحدة لأن الإله واحد وهي الدعوة إلى الواحد بالمعبودية المعرفة والطلب، ولأنه {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} [هود: 84] تعبدونه وتحبونه وتطلبونه غيره {وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} [هود: 84] أي: مكيال المحبة وميزان الطلب، فإن للمحبة مكيال أو هو عداوة ما سوى الله تعالى كما قال الخليل عليه السلام عند إظهار الخلقة: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 77]، فإنك إن تحب أحداً أو شيئاً مع الله فقد نقصت في مكيال محبة الله، وإن للطالب ميزاناً وهو السير على قدمي الشريعة والطريقة كما قال خطوتان وقد وصلت، فإن خطوت خطوة دونهما فقد نقصت من الميزان. {إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} [هود: 84] وهو حسن الاستعداد في طلب الحق، {وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} [هود: 84] وهو عذاب فساد الاستعداد وبطلان طلب غير الحق، ودوام إحاطته يوم يكمل فينادي: {وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} [هود: 85] أي: بالقسط على الله في تعظيم أمره وعلى الخلق في الشفقة عليهم، {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ} حقوقهم من النصيحة وحسن المعاشرة في الله واللهُ، {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ} [هود: 85] أرض وجودكم، {مُفْسِدِينَ} [هود: 85] استعدادكم بمخالفات الشريعة وموافقات الطبيعة، {بَقِيَّتُ ٱللَّهِ} [هود: 86] أي: بقاؤكم بإبقاء الله، {خَيْرٌ لَّكُمْ} [هود: 86] مما فاتكم بإيفاء المكيال والميزان، {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [هود: 86] مصدقين بهذه المقامات والكرامات. {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [هود: 86] أي: بحافظ عليكم حسن استعدادكم، فإنما على أن أنصح لكم بحفظ الاستعداد وصرفه في طلب الحق، فإني أدلكم على كيفية الطلب والوجدان، {قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَٰوتُكَ} [هود: 87] في طلب الحق بزعمك، {تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ} [هود: 87] من الدنيا وشهواتها وتمتعاتها، {أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} [هود: 87] من الترك والإنفاق على الفقراء والإخراج من أيدينا ونحن بها من غيرنا، {إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ} [هود: 87] فيما تأمرنا أي: ما أنت بحليم ولا رشيد فيما ترشدنا إليه، {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} [هود: 88] دلالة وهداية من ربي، {وَرَزَقَنِي مِنْهُ} [هود: 88] أي من نور هدايته، {رِزْقاً حَسَناً} [هود: 88] نوراً تاماً أرى صلاح الأمور وفسادها، فآمركم بطلب الحق، وأنهاكم عن طلب غير الحق. {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ} [هود: 88] فيما أأمركم به، {إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ} [هود: 88] إصلاح ما أفسدتم من حسن الاستعداد في طلب غير الحق، {مَا ٱسْتَطَعْتُ} [هود: 88] أي: بقدر علمي وبذل جهدي، {وَمَا تَوْفِيقِيۤ} [هود: 88] في الإصلاح، {إِلاَّ بِٱللَّهِ} [هود: 88] بعونه وهدايته والتوفيق اختصاص العبد بعناية أزلية ورعاية أبدية، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} [هود: 88] فيما اختصني به في الأزل، {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] فيما قدر لي لا إلى غيره، والتوكل على ثلاثة أوجه: توكل المبتدئ: وهو ترك الأسباب في طلب المعاش. وتوكل المتوسط: وهو ترك طلب المعاش في طلب العيش مع الله. وتوكل المنتهي: وهو استهلاك الوجود في وجود الله وإفناء الاختيار في اختيار الله؛ ليبقى في هويته بلا هو متصرفاً في الأسباب به، ولا يرى التصرف والأسباب إلا لمسبب الأسباب.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا }. إلى آخر القصة أي: { و } أرسلنا { إِلَى مَدْيَنَ } القبيلة المعروفة، الذين يسكنون مدين في أدنى فلسطين، { أَخَاهُمْ } في النسب { شُعَيْبًا } لأنهم يعرفونه، وليتمكنوا من الأخذ عنه. فـ { قَالَ } لهم { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } أي: أخلصوا له العبادة، فإنهم كانوا يشركون به، وكانوا - مع شركهم - يبخسون المكيال والميزان، ولهذا نهاهم عن ذلك فقال: { وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ } بل أوفوا الكيل والميزان بالقسط. { إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ } أي: بنعمة كثيرة، وصحة، وكثرة أموال وبنين، فاشكروا الله على ما أعطاكم، ولا تكفروا بنعمة الله، فيزيلها عنكم. { وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ } أي: عذابا يحيط بكم، ولا يبقي منكم باقية. { وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ } أي: بالعدل الذي ترضون أن تعطوه، { وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ } أي: لا تنقصوا من أشياء الناس، فتسرقوها بأخذها، بنقص المكيال والميزان. { وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ } فإن الاستمرار على المعاصي، يفسد الأديان، والعقائد، والدين، والدنيا، ويهلك الحرث والنسل. { بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ } أي: يكفيكم ما أبقى الله لكم من الخير، وما هو لكم، فلا تطمعوا في أمر لكم عنه غنية، وهو ضار لكم جدا. { إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فاعملوا بمقتضى الإيمان، { وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } أي: لست بحافظ لأعمالكم، ووكيل عليها، وإنما الذي يحفظها الله تعالى، وأما أنا، فأبلغكم ما أرسلت به. { قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا } أي: قالوا ذلك على وجه التهكم بنبيهم، والاستبعاد لإجابتهم له. ومعنى كلامهم: أنه لا موجب لنهيك لنا، إلا أنك تصلي لله، وتتعبد له، أفإن كنت كذلك، أفيوجب لنا أن نترك ما يعبد آباؤنا، لقول ليس عليه دليل إلا أنه موافق لك، فكيف نتبعك، ونترك آباءنا الأقدمين أولي العقول والألباب؟! وكذلك لا يوجب قولك لنا: { أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا } ما قلت لنا، من وفاء الكيل، والميزان، وأداء الحقوق الواجبة فيها، بل لا نزال نفعل فيها ما شئنا، لأنها أموالنا، فليس لك فيها تصرف. ولهذا قالوا في تهكمهم: { إِنَّكَ لأنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ } أي: أئنك أنت الذي، الحلم والوقار، لك خلق، والرشد لك سجية، فلا يصدر عنك إلا رشد، ولا تأمر إلا برشد، ولا تنهى إلا عن غي، أي: ليس الأمر كذلك. وقصدهم أنه موصوف بعكس هذين الوصفين: بالسفه والغواية، أي: أن المعنى: كيف تكون أنت الحليم الرشيد، وآباؤنا هم السفهاء الغاوون؟!! وهذا القول الذي أخرجوه بصيغة التهكم، وأن الأمر بعكسه، ليس كما ظنوه، بل الأمر كما قالوه. إن صلاته تأمره أن ينهاهم، عما كان يعبد آباؤهم الضالون، وأن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وأي فحشاء ومنكر، أكبر من عبادة غير الله، ومن منع حقوق عباد الله، أو سرقتها بالمكاييل والموازين، وهو عليه الصلاة والسلام الحليم الرشيد. { قَالَ } لهم شعيب: { يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي } أي: يقين وطمأنينة، في صحة ما جئت به، { وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا } أي: أعطاني الله من أصناف المال ما أعطاني. { وَ } أنا لا { أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } فلست أريد أن أنهاكم عن البخس، في المكيال، والميزان، وأفعله أنا، وحتى تتطرق إليَّ التهمة في ذلك. بل ما أنهاكم عن أمر إلا وأنا أول مبتدر لتركه. { إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ } أي: ليس لي من المقاصد إلا أن تصلح أحوالكم، وتستقيم منافعكم، وليس لي من المقاصد الخاصة لي وحدي، شيء بحسب استطاعتي. ولما كان هذا فيه نوع تزكية للنفس، دفع هذا بقوله: { وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ } أي: وما يحصل لي من التوفيق لفعل الخير، والانفكاك عن الشر إلا بالله تعالى، لا بحولي ولا بقوتي. { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } أي: اعتمدت في أموري، ووثقت في كفايته، { وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } في أداء ما أمرني به من أنواع العبادات، وفي [هذا] التقرب إليه بسائر أفعال الخيرات. وبهذين الأمرين تستقيم أحوال العبد، وهما الاستعانة بربه، والإنابة إليه، كما قال تعالى: {أية : فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } تفسير : وقال: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }. تفسير : { وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي } أي: لا تحملنكم مخالفتي ومشاقتي { أَنْ يُصِيبَكُمُ } من العقوبات { مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ } لا في الدار ولا في الزمان. { وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ } عما اقترفتم من الذنوب { ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } فيما يستقبل من أعماركم، بالتوبة النصوح، والإنابة إليه بطاعته، وترك مخالفته. { إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ } لمن تاب وأناب، يرحمه فيغفر له، ويتقبل توبته ويحبه، ومعنى الودود، من أسمائه تعالى، أنه يحب عباده المؤمنين ويحبونه، فهو "فعول" بمعنى "فاعل" وبمعنى "مفعول". { قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ } أي: تضجروا من نصائحه ومواعظه لهم، فقالوا: { ما نفقه كثيرا مما تقول } وذلك لبغضهم لما يقول، ونفرتهم عنه. { وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا } أي: في نفسك، لست من الكبار والرؤساء بل من المستضعفين. { وَلَوْلا رَهْطُكَ } أي: جماعتك وقبيلتك { لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ } أي: ليس لك قدر في صدورنا، ولا احترام في أنفسنا، وإنما احترمنا قبيلتك، بتركنا إياك. فـ { قَالَ } لهم مترققا لهم: { يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ } أي: كيف تراعوني لأجل رهطي، ولا تراعوني لله، فصار رهطي أعز عليكم من الله. { وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا } أي: نبذتم أمر الله، وراء ظهوركم، ولم تبالوا به، ولا خفتم منه. { إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } لا يخفى عليه من أعمالكم مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فسيجازيكم على ما عملتم أتم الجزاء. { و } لما أعيوه وعجز عنهم قال: { يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ } أي: على حالتكم ودينكم. { إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } ويحل عليه عذاب مقيم أنا أم أنتم، وقد علموا ذلك حين وقع عليهم العذاب. { وَارْتَقِبُوا } ما يحل بي { إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ } ما يحل بكم. { وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا } بإهلاك قوم شعيب { نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ } لا تسمع لهم صوتا، ولا ترى منهم حركة. { كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا } أي: كأنهم ما أقاموا في ديارهم، ولا تنعموا فيها حين أتاهم العذاب. { أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ } إذ أهلكها الله وأخزاها { كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ } أي: قد اشتركت هاتان القبيلتان في السحق والبعد والهلاك. وشعيب عليه السلام كان يسمى خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته لقومه، وفي قصته من الفوائد والعبر، شيء كثير. منها: أن الكفار، كما يعاقبون، ويخاطبون، بأصل الإسلام، فكذلك بشرائعه وفروعه، لأن شعيبا دعا قومه إلى التوحيد، وإلى إيفاء المكيال والميزان، وجعل الوعيد، مرتبا على مجموع ذلك. ومنها: أن نقص المكاييل والموازين، من كبائر الذنوب، وتخشى العقوبة العاجلة، على من تعاطى ذلك، وأن ذلك من سرقة أموال الناس، وإذا كان سرقتهم في المكاييل والموازين، موجبة للوعيد، فسرقتهم - على وجه القهر والغلبة - من باب أولى وأحرى. ومنها: أن الجزاء من جنس العمل، فمن بخس أموال الناس، يريد زيادة ماله، عوقب بنقيض ذلك، وكان سببا لزوال الخير الذي عنده من الرزق لقوله: { إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ } أي: فلا تسببوا إلى زواله بفعلكم. ومنها: أن على العبد أن يقنع بما آتاه الله، ويقنع بالحلال عن الحرام وبالمكاسب المباحة عن المكاسب المحرمة، وأن ذلك خير له لقوله: { بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ } ففي ذلك، من البركة، وزيادة الرزق ما ليس في التكالب على الأسباب المحرمة من المحق، وضد البركة. ومنها: أن ذلك، من لوازم الإيمان وآثاره، فإنه رتب العمل به، على وجود الإيمان، فدل على أنه إذا لم يوجد العمل، فالإيمان ناقص أو معدوم. ومنها: أن الصلاة، لم تزل مشروعة للأنبياء المتقدمين، وأنها من أفضل الأعمال، حتى إنه متقرر عند الكفار فضلها، وتقديمها على سائر الأعمال، وأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي ميزان للإيمان وشرائعه، فبإقامتها تكمل أحوال العبد، وبعدم إقامتها، تختل أحواله الدينية. ومنها: أن المال الذي يرزقه الله الإنسان - وإن كان الله قد خوله إياه - فليس له أن يصنع فيه ما يشاء، فإنه أمانة عنده، عليه أن يقيم حق الله فيه بأداء ما فيه من الحقوق، والامتناع من المكاسب التي حرمها الله ورسوله، لا كما يزعمه الكفار، ومن أشبههم، أن أموالهم لهم أن يصنعوا فيها ما يشاءون ويختارون، سواء وافق حكم الله، أو خالفه. ومنها: أن من تكملة دعوة الداعي وتمامها أن يكون أول مبادر لما يأمر غيره به، وأول منته عما ينهى غيره عنه، كما قال شعيب عليه السلام: { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } ولقوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون }. تفسير : ومنها أن وظيفة الرسل وسنتهم وملتهم إرادة الإصلاح بحسب القدرة والإمكان فيأتون بتحصيل المصالح وتكميلها أو بتحصيل ما يقدر عليه منها وبدفع المفاسد وتقليلها ويراعون المصالح العامة على المصالح الخاصة. وحقيقة المصلحة هي التي تصلح بها أحوال العباد وتستقيم بها أمورهم الدينية والدنيوية. ومنها أن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح لم يكن ملوما ولا مذموما في عدم فعله ما لا يقدر عليه فعلى العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه وفي غيره ما يقدر عليه. ومنها أن العبد ينبغي له أن لا يتكل على نفسه طرفة عين بل لا يزال مستعينا بربه متوكلا عليه سائلا له التوفيق وإذا حصل له شيء من التوفيق فلينسبه لموليه ومسديه ولا يعجب بنفسه لقوله { وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }. ومنها الترهيب بأخذات الأمم وما جرى عليهم وأنه ينبغي أن تذكر القصص التي فيها إيقاع العقوبات بالمجرمين في سياق الوعظ والزجر. كما أنه ينبغي ذكر ما أكرم الله به أهل التقوى عند الترغيب والحث على التقوى. ومنها أن التائب من الذنب كما يسمح له عن ذنبه ويعفى عنه فإن الله تعالى يحبه ويوده ولا عبرة بقول من يقول "إن التائب إذا تاب فحسبه أن يغفر له ويعود عليه العفو وأما عود الود والحب فإنه لا يعود" فإن الله قال { وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ }. ومنها أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئا منها وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم أو أهل وطنهم الكفار كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها بل ربما تعين ذلك لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان. فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية وتحرص على إبادتها وجعلهم عمَلَةً وخَدَمًا لهم. نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم الحكام فهو المتعين ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة والله أعلم.
همام الصنعاني
تفسير : 1240- حدثنا عبد الرَّزَّاق، عن مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، في قوله تعالى: {إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ}: [الآية: 84]، قال خير الدنيا وزِينَتها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):