١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
85
Tafseer
البيضاوي
تفسير : { وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} صرح بالأمر بالإِيفاء بعد النهي عن ضده مبالغة وتنبيهاً على أنه لا يكفيهم الكف عن تعمدهم التطفيف، بل يلزمهم السعي في الإِيفاء ولو بزيادة لا يتأتى بدونها. {بِٱلْقِسْطِ } بالعدل والسوية من غير زيادة ولا نقصان، فإن الازدياد إيفاء وهو مندوب غير مأمور به وقد يكون محظوراً. {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ} تعميم بعد تخصيص فإنه أعم من أن يكون في المقدار، أو في غيره وكذا قوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} فإن العثو يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد. وقيل المراد بالبخس المكس كأخذ العشور في المعاملات، والعثو السرقة وقطع الطريق والغارة. وفائدة الحال إخراج ما يقصد به الإِصلاح كما فعله الخضر عليه الصلاة والسلام. وقيل معناه ولا تعثوا في الأرض مفسدين في أمر دينكم ومصالح آخرتكم.
ابن كثير
تفسير : ينهاهم أولاً عن نقص المكيال والميزان إِذا أعطوا الناس، ثم أمرهم بوفاء الكيل والوزن بالقسط آخذين ومعطين، ونهاهم عن العثو في الأرض بالفساد، وقد كانوا يقطعون الطريق، وقوله: {بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ} قال ابن عباس: رزق الله خير لكم. وقال الحسن: رزق الله خير لكم من بخسكم الناس، وقال الربيع بن أنس: وصية الله خير لكم، وقال مجاهد: طاعة الله، وقال قتادة: حظكم من الله خير لكم، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الهلاك في العذاب، والبقية في الرحمة، وقال أبو جعفر بن جرير: {بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي: ما يفضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس. قال: وقد روي هذا عن ابن عباس. قلت: ويشبه قوله تعالى: {أية : قُل لاَّ يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ} تفسير : [المائدة: 100] الآية، وقوله: {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} أي: برقيب ولا حفيظ، أي: افعلوا ذلك لله عز وجل، لا تفعلوه ليراكم الناس، بل لله عز وجل.
المحلي و السيوطي
تفسير : { وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ } أتموهما {بِٱلْقِسْطِ } بالعدل {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ } لا تنقصوهم من حقهم شيئاً {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } بالقتل وغيره من «عثي» بكسر المثلثة: أفسد، ومفسدين: حال مؤكدة لمعنى عاملها «تعثوا».
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين} فيها ستة أقاويل: أحدها: يعني طاعة الله تعالى خير لكم، قاله مجاهد. الثاني: وصية من الله، قاله الربيع. الثالث: رحمة الله، قاله ابن زيد. الرابع: حظكم من ربكم خير لكم، قاله قتادة. الخامس: رزق الله خير لكم، قاله ابن عباس. السادس: ما أبقاه الله لكم بعد أن توفوا الناس حقوقهم بالمكيال والميزان خير لكم، قاله ابن جرير الطبري. {وما أنا عليكم بحفيظ} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: حفيظ من عذاب الله تعالى أن ينالكم. الثاني: حفيظ لنعم الله تعالى أن تزول عنكم. الثالث: حفيظ من البخس والتطفيف إن لم تطيعوا فيه ربكم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويا قوم اوفوا المكيال والميزان} ايفاء الحق اعطاؤه تاما كاملا اى اسعوا فى اعطاء الحق على وجه التمام والكمال بحيث يحصل لكم اليقين بالخروج عن العهدة {بالقسط} حال من فاعل او فوا اى ملتبسين بالعدل والتسوية من غير زيادة ولا نقصان فان الزيادة فى الكيل والوزن وان كانت تفضلا مندوبا اليه لكنها فى الآلة محظورة كالنقص فلعل الزائد للاستعمال عند الاكتيال والناقص للاستعمال وقت الكيل كذا فى الارشاد. وصرح بالايفاء بعد النهى عن ضده لان النهى عن نقص حجم المكيال وصنجات الميزان والامر بايفاء المكيال والميزان حقهما بان لا ينقص فى الكيل والوزن وهذا الامر بعد مساواة المكيال والميزان للمعهود فلا تكرار فى الآية كما فى حواشى سعدى المفتى {ولا تبخسوا الناس اشياءهم} مطلقا اى سواء كانت من جنس المكيل والموزون او من غيره وسواء كانت جليلة او حقيرة وكانوا يأخذون من كل شيء يباع شيئا كما يفعل السماسرة ويمكنون الناس وينقصون من اثمان ما يشترون من الاشياء {ولا تعثوا فى الارض مفسدين} العثى اشد الفساد اى ولا تتمادوا فى الفساد فى حال فسادكم لانهم كانوا متمادين فيه فنهوا عن ذلك ومن الفساد نقص الحقوق ومن الافساد قص الدراهم والدنانير وترويج الزيوف ببعض الاسباب وغير ذلك
الطوسي
تفسير : وهذا أيضاً حكاية ما قال شعيب لقومه، وإنه امرهم ان يوفوا المكيال والميزان بالقسط يعني بالعدل والسوية، {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} أي لا تنقصوهم {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} أي لا تضطربوا بالقبيح. اللغة: يقال عثى يعثي عثاء، وعاث يعيث عيثاً، بمعني واحد، والوفاء تمام الحق. والوفاء به إتمامه يقال: وفى يفي وأوفى لغتان، ونقيض الوفاء البخس. والفرق بين البخس والظلم أن الظلم أعم، لأن البخس نقصان الحق اللازم، وقد يكون الظلم الألم بغير حق.
الجنابذي
تفسير : {وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} تصريح بمفهوم النّهى تأكيداً ورفعاً لتوهّم ان يريد بالنّهى عن النّقص الامر باعطاء الزّيادة فانّ مفهوم مخالفته اعمّ من الايفاء واعطاء الزّيادة ولذا قيّد الايفاء بقوله {بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ} تعميم لمطلق الاشياء مكيلةً كانت او موزونةً او غيرها وتأكيد آخر فانّهم لمّا كانوا مصرّين على التّطفيف كان التّأكيد فى النّهى عنه والامر بالايفاء مطلوباً {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} حال تأكيدىٌّ وتعميم آخر ونهى عن مطلق الافساد. اعلم، انّ الآية كما تجرى فى الاعراض الدّنيويّة تجرى فى الاوصاف النّفسانيّة من حسن المعاشرة وترك سوء الخلق مع المعاشرين والانصاف معهم وترك طلب الانصاف منهم وحسن الظّنّ بهم واتّهام نفسه فيهم وستر العيوب منهم ورؤية العيوب من نفسه والاعتذار لهم والملامة لنفسه، وكما تجرى فى العالم الكبير تجرى فى العالم الصّغير والمعاملة مع اهل مملكته، وكما تجرى فى المعاملة بين الشّخص وسائر الخلق تجرى فى المعاملة بينه وبين الله، فلا تغفل عن تعميم الآية، بل ينبغى للنّاظر المتدبّر فى الآيات الآلهيّة ان ينظر ويتدبّر اوّلاً فى مصداق كلّ آية فى وجوده ومملكته ثمّ ينظر فى مصاديقه الخارجيّة ولا يخصّص الآية بمن نزلت فيه، مثلاً اذا تلا آية فيها ذكر فرعون وموسى (ع) فلينظر اوّلاً الى وجوده وفرعون مملكته الدّاعى للآلهة والاستقلال والاستبداد، وموسى وجوده الدّاعى لاهل مملكته وفرعونهم الى الاقرار بالله والانقياد له، ثمّ لينظر الى حال موسى (ع) وفرعون ومالهما وما عليهما ليعتبر بذلك ويعين به موسى وجوده على دعوته، ثمّ لينظر الى موسى زمانه وفرعونه ليعتبر بهما ويقيس حالهما الى من مضى وينزجر عن فرعونه ويطلب موساه ليعين ايضاً بذلك موسى وجوده ويفرّ من فرعونه.
اطفيش
تفسير : {ويا قَوْم أوْفُوا المكْيالَ والميزَانَ} هذا داخل فى قوله: {أية : ولا تنقصوا المكيال والميزان} تفسير : مبالغة، ويشتمل الكلام صراحة على النهى عن الأمر القبيح، وهو نقص المكيال والميزان، وعلى الأمر بالحسن ترهيبا وترغيبا، ولينبه على أنه لا يكفيهم الكف عن تعمد النقص، بل يلزمهم السعى فى الإيفاء ولو بزيادة لا يأتى الإيفاء بدونها. {بالقِسْطِ} أى بالعدل بلا زيادة ولا نقصان، وذلك حق للكيل والوزن، فإن شاء صاحب المال زاد بعد ظهور الوفاء على حدة، فان الزيادة مأمور بها أمر ندب فى غير الآية، إن لم يلزم بها محرم كربا، أو على الكائل والوازن من ماله أن ينوى بالوفاء القسط، فإن زينة الإيفاء أنه قسط، وقيل: القسط تقويم لسان الميزان، وتعديل الميزان، ويبعث فيه بأن العرب لا تعرف هى ولا غيرها لسانا للميزان وقت نزول ذلك، وإنما أحدثه بعضهم بعد ذلك، فلا يخاطبهم به، إلا إن أراد صاحب ذلك القول دخول تقويم لسان الميزان، وتعديل المكيال فى عموم القسط من حيث الإجمال. {ولا تبخَسُوا} لا تنقصوا {النَّاسَ أشْياءَهُم} أموالهم فى الكيل والوزن وغيرهما، فذلك عطف عام على خاص، فشمل القطع من الدنانير والدراهم، ونقص منها عند عملها، والغش فيها، وذم أموال الناس بما ليس فيها، ومدح أموالهم بما ليس فيها، فإنه إكثار لثمنها من غير حق، فهو يحسن المال مشتريها، وشمل أخذ المكسر والنقص من أثمان ما يشترون، وأشياء مفعول ثان لتبخسوا. {ولا تعْثَوا فى الأرْضِ مفْسِدينَ} عموم بعد تخصيص، فإن العثى فى الأرض شامل لذلك كله والسرقة والغارة وقطع السبيل، ويجوز أن يراد بالبخس والعثى نقص الكيل والوزن، ومفسدين حال مؤكد لعامله، فإن العثى إفساد، والمراد مفسدين أمر دينكم ومصالحكم، وادعى بعض أن فائدته إخراج ما يقصد به الإصلاح كفعل الخضر عليه السلام، ويرد له أنه لم يكن لهم مثل ماله، وعلى هذا القول والوجه الذى قبله تكون الحال غيره مؤكدة بالنظر لمتعلقها المقدر فى الوجه المذكور.
اطفيش
تفسير : {وَيَا قوْمِ أَوْفوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} أَى الكيل والوزن، ويليه التفسير بالمكيل والموزون ويبعد معنى الآلة هنا {بِالْقِسْطِ} بالعدل، وذلك تأْكيد للنهى السابق، إِذ صرح بالإِيفاء بعد النهى عن النقص إِشارة إِلى أَنه لا يكفى عن تعمد التطفيف، بل لا بد من السعى أَيضاً في الإِيفاء ولو بزيادة ما يتقين به الخروج عن النقص، والإِيفاءُ والنقص مضادان والنهى عن ضد الشئِ مغاير للأَمر بالشئِ ولو تلازما حتى أَنه يعد تكريراً وتأْكيد، والنهى عن الفعل مبنى على أَن الفعل اختيارى فلا يشمل النقص بلا عمد فجبر ذلك بالأَمر بالإِفاء، وإذا اتفق الجنس ولم يتحقق الإِيفاءُ إِلا بالزيادة زاد زيادة يسيرة فقط، ومن خص الربا بالنسبة جازت الزيادة في النقد برضا صاحبها ولو كثيرة وينبغى تمييزها عن الواجب {وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} في الكيل والوزن ومطلق البيع والشراءِ وغيرها ولو بلا كيل ولا وزن، فهنا تعميم بعد تخصيص، والبخس يطلق على الظلم وكتم الحق وعلى النقص وعلى المكس كأَخذ العشر. قال زهير: شعر : أَفى كل أَسواق العراق إِتاوة وفى كل ما باع امرؤ بخس درهم تفسير : وروى مكس درهم، والآية صالحة لذلك كله وقوله {وَلا تَعْثَوْا} المضارع يعثى بالأَلف حذفت للساكن بعدها وهو الواو، وماضيه عثى بكسر الثاءِ بعدها ياءِ، أَو عثى بفتح الثاءِ بعدها أَلف، والحمل على الأَول أَولى لأَنه فى القياس، وفيه لغة ثالثة عثى بفتح الثاءِ يعثى بكسرها، والآية لا تقبل هذه لأَنه يقال على هذه ولاتعثوا بضم الثاءِ وإِسكان الواو ميتا {فِى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أَعم مما ذكر لأَن ما مر فى الأَموال وهذا فى الأَموال والأَبدان والأَعراض، والظلم فى الأَموال يكون بالغصب والسرقة والتطفيف والذم والمدح بما لم يكن والغش والنسبة إلى ما لم يكن، ومفسدين حال مؤكدة والعثو الإفساد، أو مؤسسة والعثو الخروج عن اعتدال الأَمر بحيث يشمل الحلال والحرام، فيكون مفسدين مقيدا له بالحرام فيكون احتراز عن الاعتدال كقتل الخضر الغلام وكسره السفينة ومقابلته الظالم بفعله، أو المراد بالعثو الإفساد بالمال والبدن والعرض، وبالمفسدين سائِر أَهل المعاصى الدينية، أَو المراد مفسدين لدينكم وآخرتكم بذلك العثو.
الالوسي
تفسير : {وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} أي أتموهما، وفائدة التصريح بذلك مع أن الانتهاء المطلوب من النهي السابق لا يتحقق بدون الاتمام فيكون مطلوباً تبعاً، وهذا مسلم على المذاهب جعل النهي عن الشيء عين الأمر بالضد أو مستلزماً له تضمناً أو التزاماً لأن الخلاف في مقتضى اللفظ لا أن التحريم أو الوجوب ينفك عن مقابلة الضد غير واحدة النعي بما كانوا عليه من القبيح وهو النقص مبالغة في الكف، ثم الأمر بالصد مبالغة في الترغيب وإشعاراً بأنه مطلوب أصالة وتبعاً مع الأشعار بتبعية الكف عكساً، وتقييده بقوله سبحانه: {بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل من غير زيادة ولا نقصان. ثم إدماج أن المطلوب من الاتمام العدل، ولهذا قد يكون الفضل محرماً كما في الربويات، وإلى هذا يشير كلام الزمخشري. وظاهره حمل المكيال والميزان على ما يكال ويوزن، وحملهما بعضهم في الموضعين على الآلتين المعروفتين، وفسر القسط بما ذكرنا ثم قال: إن الزيادة في الكيل والوزن وإن كانت تفضلاً مندوباً إليه لكنها في الآلة محظورة كالنقص فلعل الزائد للاستعمال عن الاكتيال والناقص للاستعمال عند الكيل. وفائدة الأمر بتسوية الآلتين وتعديلهما بعد النهي عن نقصهما المبالغة في الحمل على الإيفاء والمنع من البخس، والتنبيه على أنه لا يكفيهم مجرد الكف عن النقص والبخس بل يجب عليهم إصلاح ما أفسدوه وجعلوه معياراً / لظلمهم وقانوناً لعدوانهم، وفيه حمل اللفظ على المتبادر منه، فإن الحمل على المعنى الآخر مجاز كما أشرنا إليه، وادعى الفاضل الجلبـي أن هذا الأمر بعد النهي السابق ليس من باب التكرار في شيء، فقال: إن النهي قد كان عن نقص حجم المكيال وصنجات الميزان، والأمر بإيفاء المكيال والميزان حقهما بأن لا ينقص في الكيل والوزن، وهذا الأمر بعد مساواة المكيال والميزات للمعهود فلا تكرار كيف ولو كان تكريراً للتأكيد والمبالغة لم يكن موضع الواو لكمال الاتصال بين الجملتين انتهى. وتعقب بأن حمل هذين اللفظين ـ وقد تكررا ـ في أحد الموضعين على أحد معنيين متغايرين خلاف الظاهر، وأن في التكرار من الفوائد ما جعله أقوى من التأسيس فلا ينبغي الهرب منه، وأما العطف فلأن اختلاف المقاصد في ذينك المتعاطفين جعلهما كالمتغايرين فحسن لذلك، وقد صرح به أهل المعاني في قوله سبحانه: {أية : يَسُومُونَكُمْ سُوۤء ٱلْعَذَابِ وَيُذَبّحُونَ أَبْنَآءكُمْ}تفسير : [إبراهيم: 6] انتهى. وفي ورود ما تعقب به أولاً تأمل فتأمل. وقوله تعالى: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءهُمْ} يحتمل أن يكون تعميماً بعد تخصيص فإنه يشمل الجودة والرداءة وغير المكيل والموزون أيضاً فهو تذييل وتتميم لما تقدم، وكذا قوله سبحانه: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلاْرْضِ مُفْسِدِينَ} فإن العثي يعم تنقيص الحقوق وغيره لأنه عبارة عن مطلق الفساد، وفعله من باب رمى وسعى ورضى، وجاء واوياً ويائياً، ويحتمل أن يكون نهياً عن بخس المكيل والموزون بعد النهي عن نقص المعيار والأمر بإيفائه أي لا تنقصوا الناس بسبب نقص المكيال والميزان وعدم اعتدالهما أشيآءهم التي يشترونها بهما، والتصريح بهذا النهي بعد ما علم في ضمن النهي، والأمرين السابقين للاهتمام بشأنه والترغيب في إيفاء الحقوق بعد الترهيب والزجر عن نقصها، وإلى كل من الاحتمالين ذهب بعض، وهو مبني على ما علمت من الاختلاف السابق في تفسير ما سبق. وقيل: المراد بالبخس المكس كأخذ العشور على نحو ما يفعل اليوم، و ـ العثى ـ السرقة وقطع الطريق والغارة. و {مُفْسِدِينَ} حال من ضمير {تَعْثَوْاْ}، وفائدة ذلك إخراج ما يقصد به الإصلاح كما فعل الخضر عليه السلام من قتل الغلام وخرق السفينة فهو حال مؤسسة، وقيل: ليس الفائدة الإخراج المذكور فإن المعنى لا تعثوا في الأرض بتنقيص الحقوق مثلاً مفسدين مصالح دينكم وأمر آخرتكم ومآل ذلك على ما قيل: إلى تعليل النهي كأنه قيل: لا تفسدوا في الأرض فإنه مفسد لدينكم وآخرتكم.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰقَوْمِ} (85) - وَنَهَاهُمْ عَنْ إِنْقَاصِ المِكْيَالِ وَالمِيزَانِ، إِذَا أَعْطَوا النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِوَفَاءِ الكَيْلِ وَالوَزْنِ إِذا أَخَذُوا مِنَ النَّاسِ،وَنَهَاهُمْ عِنْ العُتُوِّ فِي الأَرْضِ، وَالفَسَادِ فِيها، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى عِبَادِ اللهِ. بِالقِسْطِ - بِالعَدْلِ بِلا زِيَادَةٍ وَلا نُقْصَانٍ. لاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ - لاَ تُنْقِصُوهُمْ شَيئاً مِنْ حُقُوقِهِمْ. لاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ - لاَ تُفْسِدُوا فِيها أَشَدَّ الفَسَادِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وفي الآية الكريمة السابقة قال الحق سبحانه: {أية : وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ..}تفسير : [هود: 84]. وهكذا نعلم أن عدم الإنقاص في الكيل والميزان مطلوب، وكذلك توفية المكيال والميزان مطلوبة؛ لأنهما أمر واحد، والحق سبحانه لا يتكلم عن المكيل ولا عن الموزون إلا بإطلاقهما، وهو كل عمل فيه واسطة بين البائع والمشتري. وفي موضع آخر من القرآن الكريم يقول الحق سبحانه: {أية : وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}تفسير : [المطففين: 1-3]. ذلك لأن البائع قد يقول لك: أنت مأمون فزِنْ أنت لنفسك أو كِلْ أنت لنفسك، وقد تخدع البائع فتأخذ أكثر من حقك؛ وقد يفعل البائع عكس ذلك، وفي مثل هذا بؤس للاثنين. وهنا يقول شعيب عليه السلام: {وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ..} [هود: 85]. والحق سبحانه هنا تكلم عن النقص وعن الإيفاء. ثم يقول سبحانه: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ..} [هود: 85]. وهذا كلام عام لا ينحصر في مكيل أو موزون، فقد يأتي مشترٍ ليبخس من قيمة سلعة ما، أو أن يأخذ رشوة لقضاء مصلحة، أو يخطف ما ليس حقّاً له، أو يغتصب، أو يختلس، وكلها أمور تعني: أخذ غير حق بوسائل متعددة. ونحن نعلم أن الخطف إنما يعني أن يمد إنسان يده إلى ما يملكه آخر ويأخذه ويجري، أما الغصب، فهو أن يمد إنسان يده ليأخذ شيئاً، فيقاومه صاحب الشيء، لكن المغتصب يأخذ الشيء عنوة، أما المختلس فهو المأمون على شيء فاختلسه، والمرتشي هو من أخذ مالاً أو شيئاً مقابل خدمة هي حق لمن يطلبها. إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ..} [هود: 85]. تضم أشياء متعددة. والبخس هو أن تضر غيرك ضرراً، بإنقاص حقه، سواء أكان له حجم، أو ميزان، أو كَمٌّ، أو كَيْفٌ. وكلمة "أشياء" مفردها: "شيء"، ويقولون عن الشيء: "جنس الأجناس" فالثمرة يقال لها: "شيء"، وكل الثمر يقال له: "شيء". والحق سبحانه وتعالى يوصينا ألا يغرنا أي شيء مهما كان قليلاً. ونحن نلحظ هنا أن كلمة "الناس" جمع، وكلمة "أشياءهم" جمع أيضاً، وإذا قوبل جمع بجمع اقتضت القسمة آحاداً. أي: لا تبخس الفرد شيئاً، وإنْ قَلَّ. ونجد واحداً من العارفين بالله قد استأجر مطيَّة من خان ليذهب بها من مكان إلى مكان آخر، فلما ركب المطية وقع منه السوط الذي يحركها به، فأوقف الدابة مكانها وعاد ماشياً على قدميه إلى موقع سقوط السوط ليأخذه، ثم رجع ماشياً إلى مكان الدابة ليركبها، فقال له واحد من الناس: لماذا لم ترجع بالدابة إلى موقع السوط لتأخذه وتعود؛ فأجاب العارف بالله: لقد استأجرتها لأصِلَ بها إلى مكان في اتجاه معين، ولم يتضمن اتفاقي مع صاحبها أن أبحث بها عن السوط. ونجد عارفاً آخر جلس يكتب كتاباً، وكان الناس في ذلك الزمان يجففون الحبر الزائد بوضع قليل من الرمال فوق الصفحات المكتوبة، ولم يجد العارف بالله ما يجفف به المكتوب، فأخذ حفنة من تراب بجانب جدار، ثم ذهب إلى صاحب الجدار وقال له: أنا أخذت تراباً من جانب جدارك فقوِّمه فقال صاحب الجدار: والله لِورَعِك لا أقوِّم، أي: أنه قد تسامح في هذا الأمر. ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {.. وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود: 85]. وكلمة عثا، يَعْثي، ويعثوا، وعثى. يعثي؛ كلها تعني: زاول فساداً، أي: أن يعمد الإنسان إلى الصالح في ذاته فيفسده، مثل طَمْر بئر ماء، أو حفر طريق يسير فيه الناس، وهو كل أمر يخرج الصالح - في ذاته - عن صلاحه. والمجتمع كله - بكل فرد فيه - مأمور بعدم مزاولة الفساد، ولو طبَّق كل واحدٍ ذلك لصار المجتمع كله صالحاً، ولكن الآفة أن بعض الناس يحب أن يكون غيره غير مفسد، ولكنه هو نفسه يفسد، ولا يريد من أحد أن يعترض عليه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 1241- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ}: [الآية: 85]، قال: يقول: لا تَسِيروا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):