١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
91
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه عليه السلام لما بالغ في التقرير والبيان، أجابوه بكلمات فاسدة. فالأول: قولهم: {يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: أنه عليه السلام كان يخاطبهم بلسانهم، فلم قالوا: {مَا نَفْقَهُ } والعلماء ذكروا عنه أنواعاً من الجوابات: فالأول: أن المراد: ما نفهم كثيراً مما تقول، لأنهم كانوا لا يلقون إليه أفهامهم لشدة نفرتهم عن كلامه وهو كقوله: { أية : وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ } تفسير : [الأنعام: 25] الثاني: أنهم فهموه بقلوبهم ولكنهم ما أقاموا له وزناً، فذكروا هذا الكلام على وجه الاستهانة كما يقول الرجل لصاحبه إذ لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول. الثالث: أن هذه الدلائل التي ذكرها ما أقنعتهم في صحة التوحيد والنبوة والبعث، وما يجب من ترك الظلم والسرقة، فقولهم: {مَا نَفْقَهُ } أي لم نعرف صحة الدلائل التي ذكرتها على صحة هذه المطالب. المسألة الثانية: من الناس من قال: الفقه اسم لعلم مخصوص، وهو معرفة غرض المتكلم من كلامه واحتجوا بهذه الآية وهي قوله: {مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ } فأضاف الفقه إلى القول ثم صار اسماً لنوع معين من علوم الدين، ومنهم من قال: إنه اسم لمطلق الفهم. يقال: أوتي فلان فقهاً في الدين، أي فهماً. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين » تفسير : أي يفهمه تأويله. والنوع الثاني: من الأشياء التي ذكروها قولهم: {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا } وفيه وجهان: الأول: أنه الضعيف الذي يتعذر عليه منع القوم عن نفسه، والثاني: أن الضعيف هو الأعمى بلغة حمير. واعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه: الأول: أنه ترك للظاهر من غير دليل، والثاني: أن قوله: {فِينَا } يبطل هذا الوجه؛ ألا ترى أنه لو قال: إنا لنراك أعمى فينا كان فاسداً، لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، الثالث: أنهم قالوا بعد ذلك {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ } فنفوا عنه القوة التي أثبتوها في رهطه، ولما كان المراد بالقوة التي أثبتوها للرهط هي النصرة، وجب أن تكون القوة التي نفوها عنه هي النصرة، والذين حملوا اللفظ على ضعف البصر لعلهم إنما حملوه عليه، لأنه سبب للضعف. واعلم أن أصحابنا يحوزون العمى على الأنبياء، إلا أن هذا اللفظ لا يحسن الاستدلال به في إثبات هذا المعنى لما بيناه. وأما المعتزلة فقد اختلفوا فيه فمنهم من قال: إنه لا يجوز لكونه متعبداً فإنه لا يمكنه الاحتراز عن النجاسات، ولأنه ينحل بجواز كونه حاكماً وشاهداً، فلأن يمنع من النبوة كان أولى، والكلام فيه لا يليق بهذه الآية، لأنا بينا أن الآية لا دلالة فيها على هذا المعنى. والنوع الثالث: من الأشياء التي ذكروها قولهم: {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: الرهط من الثلاثة إلى العشرة، وقيل إلى السبعة، وقد كان رهطه على ملتهم. قالوا لولا حرمة رهطك عندنا بسبب كونهم على ملتنا لرجمناك، والمقصود من هذا الكلام أنهم بينوا أنه لا حرمة له عندهم، ولا وقع له في صدورهم، وأنهم إنما لم يقتلوه لأجل احترامهم رهطه. المسألة الثانية: الرجم في اللغة عبارة عن الرمي، وذلك قد يكون بالحجارة عند قصد القتل، ولما كان هذا الرجم سبباً للقتل لا جرم سموا القتل رجماً، وقد يكون بالقول الذي هو القذف، كقوله: { أية : رَجْماً بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [الكهف: 22] وقوله: { أية : وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } تفسير : [سبأ: 53] وقد يكون بالشتم واللعن، ومنه قوله: {أية : ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ } تفسير : [النحل: 98] وقد يكون بالطرد كقوله: { أية : رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ } تفسير : [الملك: 5]. إذا عرفت هذا ففي الآية وجهان: الأول: {لَرَجَمْنَـٰكَ } لقتلناك. الثاني: لشتمناك وطردناك. النوع الرابع: من الأشياء التي ذكروها قولهم: {وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ } ومعناه أنك لما لم تكن علينا عزيزاً سهل علينا الإقدام على قتلك وإيذائك. واعلم أن كل هذه الوجوه التي ذكروها ليست دافعاً لما قرره شعيب عليه السلام من الدلائل والبينات، بل هي جارية مجرى مقابلة الدليل والحجة بالشتم والسفاهة.
ابن كثير
تفسير : يقولون {يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ} ما نفهم {كَثِيرًا} من قولك {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} قال سعيد بن جبير والثوري: وكان ضرير البصر، وقال الثوري: كان يقال له خطيب الأنبياء، قال السدي: {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} قال: أنت واحد، وقال أبو روق: يعنون ذليلاً؛ لأن عشيرتك ليسوا على دينك {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ} أي: قومك، لولا معزتهم علينا، لرجمناك، قيل: بالحجارة، وقيل: لسببناك {وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} أي: ليس عندنا لك معزة {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِىۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ} يقول: أتتركوني لأجل قومي، ولا تتركوني إِعظاماً لجناب الرب تبارك وتعالى؛ أن تنالوا نبيه بمساءة؟ وقد اتخذتم كتاب الله {وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} أي: نبذتموه خلفكم، لا تطيعونه ولا تعظمونه {إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} أي: هو يعلم جميع أعمالكم، وسيجزيكم بها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالُواْ } إِيذاناً بقلة المبالاة { يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ } نفهم {كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَٰكَ فِينَا ضَعِيفًا } ذليلاً {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ } عشيرتك {لَرَجَمْنَٰكَ } بالحجارة {وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ } كريم عن الرجم، وإِنما رهطك هم الأعزة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قالوا يا شعيبُ ما نفقهُ كثيراً مما تقول} أي ما نفهم، ومنه سمي عِلم الدين فقهاً لأنه مفهوم، وفيه وجهان: أحدهما: ما نفقه صحة ما تقول من العبث والجزاء. الثاني: أنهم قالوا ذلك إعراضاً عن سماعه واحتقاراً لكلامه. {وإنا لنراك ضعيفاً} فيه سبعة تأويلات: أحدها: ضعيف البصر، قاله سفيان. الثاني: ضعيف البدن، حكاه ابن عيسى. الثالث: أعمى، قاله سعيد بن جبير وقتادة. الرابع: قليل المعرفة وحيداً، قاله السدي. الخامس: ذليلاً مهيناً، قاله الحسن. السادس: قليل العقل. السابع: قليل المعرفة بمصالح الدنيا وسياسة أهلها. {ولولا رهطك} فيه وجهان: أحدهما: عشيرتك، وهو قول الجمهور. الثاني: لولا شيعتك، حكاه النقاش. {لرجمناك} فيه وجهان: أحدهما: لقتلناك بالرجم. الثاني: لشتمناك بالكلام، ومنه قول الجعدي. شعر : تراجمنا بمُرِّ القول حتى نصير كأننا فَرسَا رِهان تفسير : {وما أنت علينا بعزيز} فيه وجهان: أحدهما: بكريم. الثاني: بممتنع لولا رهطك. قوله عز وجل: {قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله} أي تراعون رهطي فيّ ولا تراعون الله فيّ. {واتخذتموه وراءَكم ظهرياً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: اطرحتم أمره وراء ظهوركم لا تلتفتون إليه ولا تعملون به، قاله السدي، ومنه قول الشاعر: شعر : ... ... . .. وجَدْنا بني البــرصاءِ من وَلَدِ الظّهْرِ تفسير : أي ممن لا يلتفت إليهم ولا يعتد بهم. الثاني: يعني أنكم حملتم أوزار مخالفته على ظهوركم، قاله السدي، من قولهم حملت فلاناً على ظهري اذا أظهرت عناده. الثالث: يعني أنكم جعلتم الله ظهرياً إن احتجتم استعنتم به، وإن اكتفيتم تركتموه. كالذي يتخذه الجمَّال من جماله ظهرياً إن احتاج إليها حمل عليها وإن استغنى عنها تركها، قاله عبد الرحمن بن زيد. الرابع: إن الله تعالى جعلهم وراء ظهورهم ظهرياً، قاله مجاهد. {إنّ ربي بما تعملون محيط} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: حفيظ. الثاني: خبير. الثالث: مُجَازٍ.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَا نَفْقَهُ} ما نفهم صحة ما تقول من البعث والجزاء، أو قالوه إعراضاً عن سماعه، أو احتقاراً لكلامه. {ضَعِيفاً} أعمى، أو ضعيف البصر، أو البدن، أو وحيداً، أو ذليلاً مهيناً، أو قليل العقل، أو قليل المعرفة بمصالح الدنيا وسياسة أهلها. {رَهْطُكَ} عشيرتك عند الجمهور، أو شيعتك {لَرَجَمْنَاكَ} بالحجارة، أو بالشتم. {بِعَزِيزٍ} بكريم، أو بممتنع لولا رهطك.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ}[91] قال: حكى محمد بن سوار عن أبي عمرو ابن العلاء أنه قال: الرهط الملأ، والنفر الرجال من غير أن تكون فيهم امرأة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ}. لاحظوا شعيباً بعين الاستصغار فَحُرِمُوا فَهْمَ معاني الخطاب، وأقَرُّوا على أنفسِهم بالجهل، وأحالوا إعفاءَهم إياه من الأذى على حشمتهم من رهطه وعشيرته، فعاتبَهُم عليه: قوله جلّ ذكره: {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}. أترون مِنْ حقّ رهطي ما لا تَرَوْنَ من حقّ ربي؛ وإنَّ ربي يُكافئكم على أعمالكم بما تستوجبون في جميع أحوالكم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً} اى مستوحشا مما نحن فيه مستانسا بما انت فيه وايضا ضعيفا فيما تدعى من الرسالة والمعجزة وما تدعى من القربة والمشاهدة فانك اضعف الضعفاء كيف تقدر ان تخبر بما لم يعرفه وما لا يليق بعقول الخلائق قال الترمذى مهجورا فيما بيننا لا تعاشر ولا تحاسر قال بعضهم قليل العقل.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالوا} استئناف بيانى {يا شعيب ما نفقه} الفقه معرفة غرض المتكلم من كلامه اى لا نعرف ولا نفهم {كثيرا مما تقول} اى كل ما تقول من التوحيد ومن ايفاء الكيل والوزن وغير ذلك كما فى قوله تعالى {أية : وما يتبع اكثرهم الا ظنا} تفسير : اى كلهم على احد الوجهين وذلك استهانة بكلامه واحتقارا به كما يقول الرجل لصاحبه اذا لم يعبأ بحديثه ما ندرى ما تقول والا فشعيب كان يخاطبهم بلسانهم وهم يفهمون كلامه لكن لما كان دعاؤه الى شيء خلاف ما كانوا عليه وآباؤهم قالوا ما قالوا {وانا لنريك فينا} اى فيما بيننا {ضعيفا} هو فى المشهور من ليس له قوة جسمانية اى لا قوة لك فتمتنع منا ان اردنا بك سوءا او مهينا لاعزلك وهذا لا يتعلق بالقوة الجسمانية فان ضعيف الجسم قد يكون وافر الحرمة بين الناس وهو الظاهر لان الكفرة كانوا يزدرون بالانبياء وباتباعهم المؤمنين. وفى التأويلات النجمية {ضعيفا} اى ضعيف الرأى ناقص العقل وذلك لانه كما يرى العاقل السفيه ضعيف الرأى يرى السفيه العاقل ضعيف الرأى {ولولا رهطك} ولولا حرمة قومك ومراعاة جانبهم وقالوا ذلك كرامة لقومه لانهم كانوا على دينهم لا خوفا منهم لان الرهط من الثلاثة الى السبعة او التسعة او العشرة وهم الوف فكيف يخافون من رهطه {لرجمناك} لقتلناك برمى الحجارة وقد يوضع الرجم موضع القتل وان لم يكن بالحجارة من حيث سببه ولان اول القتل وهو قتل هابيل لما كان بالحجارة سمى كل قتل رجما وان لم يكن بها. قال عمر رضى الله عنه تعلموا انسابكم تعرفوا بها اصولكم وتصلحوا بها ارحامكم. قالوا ولو لم يكن فى معرفة الانساب الا الاحتراز بها من صولة الاعداء ومنازعة الاكفاء لكان تعلمها من احزم الرأى وافضل الصواب ألا ترى الى قول قوم شعيب ولولا رهطك لرجمناك فابقوا عليه لرهطه يقال ابقيت على فلان اذا ارعيت عليه ورحمته {وما انت علينا بعزيز} مكرم محترم حتى تمنعنا عزتك من رجمك بل رهطك هم الاعزة علينا لكونهم من اهل ديننا فانما نكف عنك للمحافظة على حرمتهم وهذا ديدن السفيه المحجوج يقابل الحجج والآيات بالسب والتهديد وتقديم الفاعل المعنوى لافادة الحصر والاختصاص وان كان الخبر صفة لا فعلا وعلينا متعلق بعزيز وجاز لكون المعمول ظرفا والباء مزيدة. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان من كان على الله بعزيز فانه ليس على الجاهل بعزيز انتهى. اقول وذلك لان العزة والشرف عند الجهلاء بالجاه والمال بالدين والكمال وقد قال النبى عليه السلام "حديث : ان الله لا ينظر الى صوركم واموالكم بل ينظر الى قلوبكم واعمالكم" تفسير : يعنى اذا كانت لكم قلوب واعمال صالحة تكونون مقبولين مطلقا سواء كانت لكم صور حسنة واموال فاخرة ام لا والا فلا: وفى المثنوى شعر : وقت بازى كودكان را زاختلال مى نمايد اين خزفها زرو مال[1] عارفانش كيميا كر كشته اند تاكه شد كانها بريشان ونزند باغها وقصرها وآب رود بيش جشم از عشق كلخن مى نمود[2]
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "سوف تعلمون": ذكره هنا بغير فاء، وفي الأنعام بالفاء، لأن الكلام في سورة الأنعام مع الأمة المحمدية، فأتى بالفاء لمطلق السببية، وهنا مع قوم شعيب عليه السلام، فحذفها؛ لأنه أبلغ في التهويل. فكأن الجملة بيانية لجواب سائل قال: فما يكون بعد ذلك؟ فقال: سوف تعلمون... الخ. يقول الحق جل جلاله: {قالوا يا شعيبُ ما نفقه}؛ ما نفهم {كثيراً مما تقول} من أمر التوحيد، وترك التبخيس، وما ذكرت من الدليل عليها؛ وذلك لانهماكم في الهوى، وقصور عقلهم وعدم تفكرهم. وقيل: قالوا ذلك استهانة بكلامه، أو لأنهم لم يلقوا إليه أذهانهم لشدة نفرتهم. ثم قالوا: {وإنا لنراك فينا ضعيفاً}؛ لا قوة لك تمتنع بها منا إن أردنا بك سوءاً، أو: نراك ناحل البدن، أو: ضرير البصر. وضعفه ابن عطيه. {ولولا رهطُك} أي: قومك، الذين هم باقُون على ما ملتنا، وكونهم في عزة عندنا، {لرجَمْنَاكَ}: لقتلناك بالحجارة. أو بأصعب وجه، {وما أنت علينا بعزيز}؛ فتمنعنا عزتك من رجمك. قال البيضاوي: وهذا ديدن السفيه المحجوج، يقابل الحجج والآيات بالسب والتهديد. وفي إيلاء ضميره حرف النفي تنبيه على أن الكلام فيه لا في ثبوت العزة، وأن المانع لهم من إيذائه عزة قومه. ولذلك قال: {يا قوم أرَهْطِي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءَكم ظِهْرياً}، وجعلتموه كالمنسي المنبوذ وراء الظهر، بإشراككم به، والإهانة لرسوله. وهو يحتمل الإنكار والتوبيخ والرد والتكذيب. والظهري: منسوب إلى الظهر، والكسر من تغيير البناء. هـ. قال ابن جزي: فإن قيل: إنما وقع الكلام فيه وفي رهطه، بأنهم هم الأعزة دونه، فكيف طابق جوابه كلامهم؟ فالجواب: أن تهاونهم به، وهو رسول الله، تهاون بالله. فلذلك قال: {أرهطي أعز عليكم من الله}. هـ. {إن ربي بما تعملون محيط} فلا يخفى عليه شيء منها، فيجازي عليها بتمامها. {ويا قوم اعملوا على مكانتكم}: على حالتكم من تمكنكم في الدنيا، وعزتكم فيها، {إني عامل} على حالي، {سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه}، يُهينه في الدنيا والآخرة، {و} سوف تعلمون {من هو كاذب} مني ومنكم، {وارتقبوا}؛ وانتظروا ما أقول لكم، {إني معكم رقيب}: مرتقب لذلك. وهو فعيل بمعنى فاعل، كالصريح والرفيع. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا يفقه المواعظ والتذكير إلا أهل الإيمان والتنوير. وأما القلب القاسي بالكفر والمعاصي فلا يسمع إلا ما تسمعه البهائم من الناعق والراعي. فبقدر ما يرق القلب يتأثر بالمواعظ، وبقدر ما يغلظ باتباع الحظوظ والهوى؛ يغيب عن تدبر المواعظ. وسبب تنوير القلب ورقته: قربه من الله، وتعظيمه لحرمات الله، وتعظيم من جاء من عند الله من أنبيائه ورسله، وورثتهم القائمين بحجته، كالأولياء والعلماء الأتقياء. وسبب ظلمة القلب وقساوته: بعده من الله، وإهانته لحرمات الله، واتخاذه أمره ظهرياً، وجعل ذكره نسياً منسياً. وبالله التوفيق. ثم ذكر هلاك قوم شعيب، فقال: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً}.
الطوسي
تفسير : في هذه الآية حكاية ما اجاب به قوم شعيب له (ع) فقالوا له حين سمعوا منه الوعظ والتخويف: لسنا نفقه أي لسنا نفهم عنك معنى كلامك، والفقة: فهم الكلام على ما تضمن من المعنى، وقد صار علماً لضرب من علوم الدين، فصار الفقة عبارة عن علم مدلول الدلائل السمعية، واصول الدين علم مدلول الدلائل العقلية. وقوله {وإنا لنراك فينا ضعيفاً} قيل في معناه اربعة اقوال: قال الحسن: معناه مهينا، وقال سفيان: معناه ضعيف البصر، وقال سعيد بن جبير وقتادة: كان اعمى. قال الزجاج ويسمى الاعمى بلغة حمير ضعيفاً. وقال الجبائي معناه: ضعيف البدن. وقوله {ولولا رهطك} فالرهط عشيرة الرجل وقومه، واصله الشد، والترهط شدة الاكل، ومنه الرهطاء جحر اليربوع لشدته وتوثيقه ليخبىء فيه ولده. وقوله {لرجمناك} فالرجم الرمي بالحجارة، والمعنى لرميناك بالحجارة. وقيل معناه لسبّيناك {وما أنت علينا بعزيز} اي علينا لست بممتنع، فلا نقدر عليك بالرجم، ولا أنت بكريم علينا، وانما تمتنع لمكان عشيرتك. وعشيرته كانوا على دينه.
الجنابذي
تفسير : {قَالُواْ} بعد ما لم يقدروا على الاحتجاج معه {يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ} استهزؤا بقوله وهدّدوه بقولهم {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} فيمنعنا عزّة وجودك علينا عن قتلك ورجمك.
اطفيش
تفسير : {قالُوا يا شُعَيبُ ما نفْقَه} ما نفهم {كَثيراً مما تقُولُ} كوجوب التوحيد، وحرمة التطفيف، والبخس، يريدون أنهم لم يفهموا صحة ذلك لعدم ذكره دليلا عليه، وذلك لقصور عقولهم بمعاصيهم وقسوتها، وعدم تفكرهم حتى جعلوا دلائله عدما، أو قالوا ذلك استهانة به، كما تقول، لمن لم تعبأ بكلامه: ما أدرى ما تقول، أو زعموا أن كلامه لا يُفهم كثير منه، كهذيان وتخليط كذبا وعنادا، أو لم يفهموا ذلك منه حقيقة إذا لم يلقوا إليه أذهانهم رغبة عنه، وكراهية له. وزعم بعض أنه كان ألثغ، وهو من لا يميز الحروف، كمن يضرب لسانه من الثاء إلى السين، أو من الراء إلى اللام، ومن حرف لآخر. {وإنَّا لَنَراكَ فينا ضَعيفاً} لا قوة لك ولا عز تمتنع بهما عنا لو أردناك بسوء، وقال الحسن، وأبو روق، ومقاتل: يعنى ذليلا مهينا، وقال ابن عباس، وقتادة: كان أعمى، وكذا قال الزجاج قائلا: إنه يقال: إن حميرا يسمون الأعمى ضعيفا كما يسمى ضريرا، وذلك ضعيف، لأن حمل القرآن على لغة قريش أولى وأحق، ولأنه لا يناسب المعنى المراد، ولأن قوله: {فينا} ينافيه، لأنه يقال: فلان فينا ذليل أو حقير أو مهين أو نحو ذلك، ولا يقال: فلان فينا أعمى أو أعور أو مريض، ولا يقال ذلك إلا لنكتة، وإلا كان كلاما ضعيفا، وكذلك يرد على القول، فإن الضعيف ضعيف البصر. ولعل مراد صاحبى القولين بيان بعض ما به وصفه بالضعف، فلا إشكال، ولا يتأتى هذا فى كلام الزجاج: وأما كون الرسول أعمى أو أزمن فلا يجوز الآن حدث ذلك له بعد التبليغ، وإظهار المعجزة كذا نقول نحن، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، والحنفية، والمعتزلة، إلا أن قياس المعتزلة ذلك على القضاء والشهادة غير مقبول لوجود الفرق بأن القضاء يحتاج فيه إلى رؤية المقضى فيه وله وعليه، والشهادة يحتاج فيها إلى رؤية المشهود عليه، وقيل: الضعيف العجز عن الكشف، والتصرف، قيل: ويدل على صحة القول الأول قوله: {ولوْلاَ} إلى آخره، ويبحث فى هذا الاستدلال لأنه هذا أيضا يناسب العمى وضعف البصر والعجز عن الكشف والتصرف، فإن من فيه بعض ذلك سهل القتل، وإنما يمتنع من قتله لأجل رهطه مثلا {رهْطُكَ} قومك من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، وقيل: رهطه عشيرته مطلقا. {لَرجَمْناكَ} بالحجارة حتى تموت وهو شر القتل، أو لقتلناك بأصعب وجه برمى حجارة أو غيره، وهذا ظاهر جار الله، أو المراد مطلق القتل، وقيل: اللعن والشتم وإغلاظ القول، قلت: أو الهجران أو الطرد، وكل ذلك وارد فى الكلام يقبله المقام، والأول أظهر، وليس تركهم الرجم بخوفهم من رهطه لقلة رهطه كما مر، أو لأنهم ولو كانوا عشيرة كثيرة لكنهم أكثر، بل تركوه لعزة الرهط بكونهم على دينهم، لم يختاروه ولم يتبعوه. {وما أنْتَ عَليْنا بعَزِيزٍ} أى وما أنت غاليا علينا، أو كريما متقدسا عن الرجم، وفى إيلاء المسند إليه حرف النفى دلالة على أن الكلام فيه لا فى المسند وهو العزة، لأن ما لنفى الحال، والحال مختص بالزمان، فالأصل أن يليها فعل ونحوه مما يدل على الزمان، ولكن لو قيل: ما عززت لتوهم أن النزاع فى مجرد ثبوت العزة له وعدمه، مع أن المراد نفيها عنه، وإثباتها لرهطه، وحيث وليها اسم، ولا سيما الضمير، دل على أن التقديم بالاهتمام، فكأنهم قالوا: بل رهطك هم الأعزة علينا، ولذلك قال عليه السلام فى جوابهم: {قالَ يا قَوْم أرهْطِى}.
اطفيش
تفسير : {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفَقَهُ كَثِيراً مِمَّا تقُولُ} لأَنه هذيان لا يفهم، ما نعلم أَنه حق أَو ما نعلم حجته، وذلك كتحريم عبادة غير الله وتحريم البخس فى الكيل والوزن، أَو قالوا ذلك احتقارا له كما تقول لغيرك ما أَدرى ما تقول وأَنت فاهم له لكن تريد عدم قبوله حتى كأنك لم تفهمه، وهو إِخبار لفظا ومعنى لا لفظا فقط، إِنشاء معنى كما قيل، وهو كناية أَو استعارة تمثيلية، أَو المراد أَنهم لم يفهموا معنى ما قال لشدة نفرتهم عنه مع أنه فصيح عالم بطرق الخطاب المؤثرة فى السامع، وفهموا الكثير الآخر مما يقول مما لا ينفرون عنه، وهو خطيب الأَنبياء، فلا يصح ما قيل أَنهم قالوا ذلك لأَنه أَلثغ، والحاصل أَنه لا وجه لدعوى أَنه أَلثغ بلا دليل مع أَن شأْن الكفرة أَن يقولوا مثل ذلك لكل ما جاءَ به، ولو أَفصح الفصحاءِ ومع أَن شَأْن الأَنبياءِ أن يكونوا سالمين من منفر ولو جاز بعد التبيلغ {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً} عاجزا أعمى ذليلا لا قوم لك يمنعونك عما نريد من مضرتك أَن نردها، وهذا المعنى لعمومه أَولى من حمل الضعف على بعض معانيه فقط وهو العمى، وأَولى من حمله على ما وضع له فى لغة اليمن وهو العمى كما يقال للأَعمى ضرير، يقال له ضعيف عندهم، وأَما ما قيل من أَنه لا يصح تفسيره بالعمى وحده ولا بالعمى مع غيره لأَن قولهم فينا لا يناسبه لأَن الأَعمى أَعمى فيهم وفى غيرهم، وضعيف فيهم وفى غيرهم فلا يصح لأَن المراد إنا لا نعتبرك فيما بيننا لضعفك بالعمى أَو به وبغيره، وبأَنا لنا مثلك بل أقوى وتريد العزة فينا ولا عزة لك فينا والحاصل أنك لا تقاومنا، وأَما كونك كذلك فى غيرهم فبمعزل عن الكلام ولا مدخل له هنا، ومشهور المذهب أن الأعمى لا يكون نبيا، والجواب أنه حدث إليه العمى بعد الوحى والبعثة كما ابيضت عينا يعقوب بعد الوحى والبعثة، وروى أنه بكى من حب الله تعالى حتى عمى فرد الله عليه بصره وأوحى إليه: يا شعيب ما هذا البكاءُ؟ أَشوقا إلى الجنة أَو خوفا من النار؟ فقال: لا لكن لحبك، ورضيت بكل ما تصنع بى فقال الله تعالى: هنيئاً لك يا شعيب، لذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمى، وكذا قال جمهور قومنا: لا يكون الأَعمى نبيا، وأَجازه بعضهم كالقاضى، ومنعه بعض المعتزلة قياسا على القضاءِ والشهادة، وفيه أن القضاء والشهادة يحتاجان إلى تمييز من يقضى له أو عليه أو يشهد له أو عليه {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ} ناسك القليلون الثلاثة إلى العشرة أو الثلاثة إلى التسعة أَو إلى السبعة أو إلى الأَربعين أقوال، فإما أن يكون قومه على شىءٍ من ذلك، وإِما أَن يكون المراد التقليل، ولو كانوا أكثر من العشرة احترموا قومه، ولو قلوا لأنهم على دينهم لا لكثرتهم أَو شدتهم لعدمهما، ولا يطلق الرهط على النساءِ {لَرَجَمْناكَ} بالحجارة حتى تموت، والقتل بالحجارة من أَسوإِ قتل أَو الرجم استعارة تشبيها للقتل بأَصعب الوجوه بالقتل بالحجارة، كالقرض بالمقاريض أو كناية عن ذلك أَو استعارة للشتم والإغلاظ فى القول كقوله تعالى: {أية : لأَرجمنك واهجرنى مليا} تفسير : [مريم: 46]، أَو أُريد بالرجم الإخراج من أرضهم والوجه الأَول أَولى لأَنه أَظهر {وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} بغالب أَو بذى شأْن واحترام فيمنعنا ذلك عن رجمك، وإنما العزة عندنا لقومك لهم شأْن عندنا مع قلتهم واحترام قائِم مقام الغلبة ولو لم تكن لهم غلبة ولعزتهم لم نرجمك كما قال {قالَ يَا قَومِ أَرهْطِى} إنكار وتوبيخ {أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ} من جانب الله أو دين الله أَو نبى الله {وَاتَّخَذتُمُوهُ} أى الله {وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيَّا} قيل المعنى إن العزيز قومك لا أَنت لكونهم فى ديننا، ولهذا الحصر، ولولا أن العبارة للحصر لم يجبهم بقوله: أَرهطى إلخ، وكان الجواب باسم التفضيل لأَن لله العزة عندهم وإن لم تكن عندهم فالآية كقول على لأَن أَصوم يوما من شعبان أَحب إِلى من أَن أُفطر يوما من رمضان، ولا حب له فى إفطار يوم من رمضان، وكقول غيره لأَن أُفطر يوما من رمضان أَحب إِلى من أَن أَصوم يوما من شعبان، والمعنى لو كان كذا محبوبا كان كذا أَحب، أَو كقولهم العسل أَحلى من الخل أَو الخل أمر من العسل، والصيف أَحر من الشتاء والشتاءُ أَبرد من الصيف، بمعنى أَن كذا فى صفته أَشد من كذا فى صفته ولم يقل أَعز عليكم منى، لأَنه لا عزة له عندهم فلا يصح ما قيل من أَن التقدير أَعز عليكم من نبى الله، والظهرى بكسر الظاءِ من شذوذ النسب كإِمسى بالكسر ودهرى بالضم نسب إِلى أَمس ودهر، والأَصل فى الكل الفتح، الشىءُ المنبوذ وراءَ الظهر، يقول: الواجب عليكم أَن تراعوا حق الله وحقى بالنسبة إليه بالرسالة وبالنسبة إلى الرهط بالرحم كذا قيل، وفيه أَنه قد احترموه لرهطه فلم يرجموه، ويجاب أَنه أَراد أَن يحترموه لله تعالى و للرحم، والكلام استعارة تمثيلية وعن مجاهد الهاء للشرع المفهوم من المقام، وعن الزجاج لأَمر الله تعالى ويكفى عن القولين قولنا الهاءُ لله تعالى، وقيل الضمير لله تعالى والظهرى المعين والجملة حال على تقدير قد أَو دونه والمعنى والحال أَنكم تتخذونه معتمدكم، وهذا على فرض أَنهم اتخذوه معتمدا، وفى هذا الوجه من الحالة يجوز تقدير مضاف والمعنى واتخذتم عصيان الله معينا فى عداواتى وكذا أُجيز عود الهاءِ للعصيان المعلوم من المقام فيتحد المعنى، والصحيح ما مر، والعطف على الاسمية جائز {إِنَّ رَبىَّ بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} عالم به كله فلا يفوته عقابكم.
الالوسي
تفسير : {قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ} أي ما نفهم ذلك كأنهم جعلوا كلامه المشتمل على فنون الحكم والمواعظ وأنواع العلوم والمعارف إذ ضاقت عليهم الحيل وعيت بهم العلل ولم يجدوا إلى محاورته عليه السلام سبيلاً من قبيل التخليط والهذيان الذي لا يفهم معناه ولا يدرك فحواه، وقيل: قالوا ذلك استهانة به عليه السلام كما يقول الرجل لمن لا يعبأ به: لا أدري ما تقول، وليس فيه كثير مغايرة للأول، ويحتمل أن يكون ذلك لعدم توجههم إلى سماع كلامه عليه السلام لمزيد نفرتهم عنه أو لغباوتهم وقصور عقولهم، قيل: وقولهم {كَثِيراً} للفرار عن المكابرة ولا يصح أن يراد به الكل وإن ورد في اللغة لأن مما تقول يأبـى ذلك كما أن {كَثِيراً} نفسه يأبـى حمل كلامهم هذا على أنه كناية عن عدم القبول، وزعم بعضهم أنهم إنما لم يفقهوا كثيراً مما يقول لأنه عليه السلام كان ألثغ، وأظن أنه لم يفصح بذلك خبر صحيح على أن ظاهر ما جاء من وصفه عليه السلام بأنه خطيب الأنبياء يأبـى ذلك. ولعل صيغة المضارع للإيذان بالاستمرار. {وَأَنَا لِنُرِيَكَ فِينَا} أي فيما بيننا {ضَعِيفاً} لا قوة لك ولا قدرة على شيء من الضر والنفع والإيقاع والدفع. وروي عن ابن عباس وابن جبير وسفيان الثوري وأبـي صالح تفسير الضعيف بالأعمى وهي لغة أهل اليمن، وذلك كما يطلقون عليه ضريراً وهو من باب الكناية على ما نص عليه البعض، وإطلاق البصير عليه كما هو شائع من باب الاستعارة تمليحاً، وضعف هذا التفسير بأن التقييد بقولهم: فينا بصير لغواً لأن من كان أعمى يكون أعمى فيهم وفي غيرهم وإرادة لازمه وهي الضعف بين من ينصره ويعاديه لا يخفى تكلفه، ومن هنا قال الإمام: جوز بعض أصحابنا العمى على الأنبياء عليهم السلام لكن لا يحسن الحمل عليه هنا، وأنت تعلم أن المصحح عند أهل السنة أن الأنبياء عليهم السلام ليس فيهم أعمى، وما حكاه الله تعالى عن يعقوب عليه السلام كان أمراً عارضاً وذهب. والأخبار المروية عمن ذكرنا في شعيب عليه السلام لم نقف على تصحيح لها سوى ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فإن الحاكم صحح بعض طرقه لكن تصحيح الحاكم كتضعيف ابن الجوزي غير معول عليه، وربما يقال فيه نحو ما قيل في يعقوب عليه السلام، فقد أخرج الواحدي وابن عساكر عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بكى شعيب عليه السلام من حب الله تعالى حتى عمي فرد الله تعالى عليه بصره وأوحى إليه يا شعيب ما هذا البكاء أشوقاً إلى الجنة أم خوفاً من النار، فقال: لا ولكن اعتقدت حبك بقلبـي فإذا نظرت إليك فلا أبالي ما الذي تصنع بـي، فأوحى الله تعالى إليه يا شعيب إن يكن ذلك حقاً فهنيئاً لك لقائي يا شعيب لذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي»تفسير : . وذهب بعض المعتزلة إلى أنه لا يجوز استنباء الأعمى لكونه صفة منفرة لعدم الاحتراز معه عن النجاسات ولأنه يخل بالقضاء والشهادة فإخلاله بمقام النبوة أولى، / وأجيب بأنا لا نسلم عدم الاحتراز معه عن النجاسات فإن كثيراً ممن نشاهده من العميان أكثر احترازاً عنها من غيره، وبأن القاضي، والشاهد يحتاجان إلى التمييز بين المدعي والمدعى عليه، والنبـي لا يحتاج لتمييز من يدعوه مع أنه معصوم فلا يخطىء كغيره كذا قيل، فلينظر. {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ} أي جماعتك قال الراغب: هم ما دون العشرة. وقال الزمخشري: من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى السبعة، وقيل: بل يقال: إلى الأربعين، ولا يقع فيما قيل ـ كالعصبة والنفر ـ إلا على الرجال، ومثله الراهط وجمعه أرهط وجمع الجمع أراهط، وأصله على ما نقل عن الرماني الشد، ومنه الرهيط لشدة الأكل، والراهطاء لحجر اليربوع لأنه يتوثق به ويخبأ فيه ولده. والظاهر أن مرادهم لولا مراعاة جانب رهطك {لَرَجَمْنَـٰكَ} أي لقتلناك برمي الأحجار، وهو المروي عن ابن زيد، وقيل: ذلك كناية عن نكاية القتل كأنهم قالوا: لقتلناك بأصعب وجه؛ وقال الطبري: أرادوا لسببناك كما في قوله تعالى: {أية : لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً }تفسير : [مريم: 46]، وقيل: لأبعدناك وأخرجناك من أرضنا، ولم يجوزوا أن يكون المراد لولا ممانعة رهطك ومدافعتهم لأن ممانعة الرهط وهم عدد نزر لألوف مؤلفة مما لا يكاد يتوهم؛ ومعنى {وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} ما أنت بمكرم محترم حتى نمتنع من رجمك وإنما نكف عنك للمحافظة على حرمة رهطك الذين ثبتوا على ديننا ولم يختاروك علينا، والجار الأول متعلق {بِعَزِيزٍ} وجاز لكون المعمول ظرفاً والباء مزيدة، ولك أن تجعله متعلقاً بمحذوف يفسره الظاهر وهو خبر {أَنْتَ} وقد صرح السكاكي في «المفتاح» أنه قصد بتقديم هذا الضمر الذي هو فاعل معنوي وإن لم يكن الخبر فعلاً بل صفة مشبهة وإيلائه النفي الحصر والاختصاص أي اختصاص النفي بمعنى أن عدم العزة مقصور عليك لا يتجاوزك إلى رهطك لا بمعنى نفي الاختصاص بمعنى لست منفرداً بالعزة وهو ظاهر، قاله العلامة الثاني، وقال السيد السند: إنه قصد فيه نفي العزة عن شعيب عليه السلام وإثباتها لرهطه فيكون تخصيصاً للعزة بهم ويلزمه تخصيص عدمها به إلا أن المتبادر كما يشهد به الذوق السليم هو القصد إلى الأول، واستدل السكاكي على كون ذلك للاختصاص بقوله عليه السلام في جواب هذا الكلام ما حكى بقوله عز شأنه: {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ ٱللَّهِ}.
ابن عاشور
تفسير : والفقه: الفهم. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً}تفسير : في سورة [النّساء: 78]، وقوله: {أية : انظر كيف نصرّف الآيات لعلّهم يفقهون}تفسير : في سورة [الأنعام: 65]. ومرادهم من هذا يحتمل أن يكون قصد المباهتة كما حكى الله عن المشركين {أية : وقالوا قلوبنا في أكنةٍ ممّا تدعونا إليه وفي آذاننا وقْرٌ}تفسير : [فصلت: 5] وقوله عن اليهود: {أية : وقالوا قلوبنا غلفٌ}تفسير : [البقرة: 88]. ويجوز أن يكون المراد ما نتعقّله لأنه عندهم كالمحال لمخالفته ما يألفون، كما حكى الله عن غيرهم بقوله: {أية : أجعل الآلهة إلهاً واحداً إنّ هذا لشيءٌ عجابٌ}تفسير : [ص: 5]، وليس المراد عدم فهم كلامه لأنّ شعيباً ـ عليه السّلام ـ كان مقوالاً فصيحاً، ووصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه خطيب الأنبياء. فالمعنى: أنك تقول مَا لاَ نصدق به. وهذا مقدمة لإدانته واستحقاقه الذم والعقاب عندهم في قولهم: {ولولا رهطك لرجمناك}، ولذلك عطفوا عليه {وإنّا لنراك فينا ضعيفاً} أي وإنّك فينا لضعيف، أي غير ذي قوّة ولا منعة. فالمراد الضعف عن المدافعة إذا راموا أذَاهُ وذلك ممّا يُرى لأنّه تُرى دلائله وسماته. وذكر فعل الرؤية هنا للتّحقيق، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : ما نراك إلاّ بشراً مثلنا وما نراك اتّبعك إلاّ الذين هم أراذلنا}تفسير : [هود: 27] بحيث نزّلوه منزلة من تُظنون أنهم لا يرون ذلك بأبصارهم فصرحوا بفعل الرؤية. وأكّدوه بِـ(إنّ) وَلاَم الابتداء مبالغة في تنزيله منزلة من يجهل أنهم يعلمون ذلك فيه، أوْ مَنْ ينكر ذلك. وفي هذا التنزيل تعريض بغباوته كما في قول حجل بن نضلة: شعر : إن بني عمّك فيهم رماح تفسير : ومن فساد التفاسير تفسير الضعيف بفاقد البصر وأنه لغة حميرية فركبوا منه أنّ شعيباً ـ عليه السّلام ـ كان أعمى، وتطرّقوا من ذلك إلى فرض مسألة جواز العمى على الأنبياء، وهو بناء على أوهام. ولم يعرف من الأثر ولا من كتب الأوّلين ما فيه أنّ شعيباً ـ عليه السّلام ـ كان أعمى. وعطفوا على هذا قولهم: {وَلَوْلاَ رهطك لرجمناك} وهو المقصود ممّا مُهّد إليه من المقدمات، أي لا يصدّنا عن رجمك شيء إلاّ مكان رهطك فينا، لأنك أوجبت رجمك بطعنك في ديننا. والرهط إذا أضيف إلى رجل أريد بِه القرابة الأدنَوْن لأنّهم لا يكونون كثيراً، فأطلقوا عليهم لفظ الرهط الذي أصله الطائفة القليلة من الثلاثة إلى العشرة، ولم يقولوا قومك، لأنّ قومه قد نبذوه. وكان رهط شعيب ـ عليه السّلام ـ من خاصة أهل دين قومه فلذلك وقّروهم بكفّ الأذى عن قريبهم لأنهم يكرهون ما يؤذيه لقرابته. ولولا ذلك لما نصره رهطه لأنّهم لا ينصرون من سخطه أهل دينهم. على أنّ قرابته ما هم إلاّ عددٌ قليل لا يُخشى بأسهم ولكن الإبقاء عليه مجرد كرامة لقرابته لأنّهم من المخلصين لدينهم. فالخبر المحذوف بعد {لَوْلاَ} يُقَدّرُ بما يدلّ على معنى الكرامة بقرينة قولهم: {وما أنت علينا بعزيز} وقوله: {أية : أرهطي أعزّ عليكم من الله}تفسير : [هود: 92]، فلمّا نفوا أن يكون عزيزاً وإنما عزة الرجل بحماته تعين أن وجود رهطه المانع من رجمه وجود خاص وهو وجود التكريم والتوقير، فالتقدير: ولولا رهطك مكرمون عندنا لرجمناك. والرجم: القتل بالحجارة رَمْياً، وهو قِتلة حقارة وخزي. وفيه دلالة على أن حكم من يخلع دينه الرجم في عوائدهم. وجملة {وما أنت علينا بعزيز} مؤكدة لمضمون {ولولا رهطك لرجمناك} لأنّه إذا انتفى كونه قويّاً في نفوسهم تعيّن أن كفّهم عن رجمه مع استحقاقه إيّاه في اعتقادهم ما كان إلاّ لأجل إكرامهم رهطَه لا للخوف منهم. وإنّما عطفت هذه الجملة على التي قبلها مع أنّ حق الجملة المؤكدة أن تفصل ولا تعطف لأنّها مع إفادتها تأكيد مضمون الّتي قبلها قد أفادت أيضاً حكماً يخصّ المخاطب فكانت بهذا الاعتبار جديرة بأن تعطف على الجمل المفيدة أحواله مثل جملة {ما نَفْقَهُ كثيراً ممّا تقول} والجمل بعدها. والعزة: القوم والشدّة والغلبة. والعزيز: وصف منه، وتعديته بحرف (على) لما فيه من معنى الشّدة والوقْع على النفس كقوله تعالى: {أية : عزيزٌ عليه ما عنتم}تفسير : [التوبة: 128]، أي شديد على نفسه، فمعنى {وما أنت علينا بعزيز} أنك لا يعجزنا قتلك ولا يشتدّ على نفوسنا، أي لأنّك هَيّنُ علينا ومحقّر عندنا وليس لك من ينصرك منّا. وعزة المرء على قبيلة لا تكون غلبةَ ذاته إذْ لاَ يغلب واحد جماعة، وإنما عزّته بقومه وقبيلته، كما قال الأعشى: شعر : وإنّما العِزّة للكاثِر تفسير : فمعنى {وما أنت علينا بعزيز} أنك لا تستطيع غلبتنا. وقصدهم من هذا الكلام تحذيره من الاستمرار على مخالفة رهطه بأنّهم يوشك أن يخلعوه ويبيحوا لهم رجمه. وهذه معان جدّ دقيقة وإيجاز جدّ بديع. وليس تقديم المسند إليه على المسند في قوله: {وما أنت علينا بعزيز} بمفيد تخصيصاً ولا تقوياً.
الشنقيطي
تفسير : بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن نبيه شعيباً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام منعه الله من الكفار، وأعز جانبه بسبب العواطف العصبية، والأواصر النسبية من قومه الذين هم كفار. وهو دليل على أن المتمسك بدينه قد يعينه الله ويعزه بنصرة قريبه الكافر، كما بينه تعالى في مواضع أخر. كقوله في صالح وقومه: {أية : قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ}تفسير : [النمل: 49] الآية. ففي الآية دليل على أنهم لا قدرة لهم على أن يفعلوا السوء بصالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام إلا في حال الخفاء، وأنهم لو فعلوا به ذلك خفاء وسرقة لكانوا يحلفون لأوليائه الذين هم عصبته أنهم ما فعلوا به سوءاً، ولا شهدوا ذلك ولا حضروه خوفاً من عصبته. فهو عزيز الجانب بسبب عصبته الكفار. وقد قال تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم: {أية : أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ} تفسير : [الضحى: 6] أي آواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب. وذلك بسبب العواطف العصبية، والأواصر النسبية، ولا صلة له بالدين ألبتة. فكونه جل وعلا يمتن على رسوله صلى الله عليه وسلم بإيواء أبي طالب له دليل على أن الله قد ينعم على المتمسك بدينه بنصرة قريبه الكافر. ومن ثمرات تلك العصبية النسبية قول أبي طالب: شعر : والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة أبشر بذاك وقر منه عيونا تفسير : وقوله أيضاً: شعر : ونمنعه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل تفسير : ولهذا لما كان نبي الله لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس له عصبة في قومه الذين أرسل إليهم، ظهر فيه أثر عدم العصبة. بدليل قوله تعالى عنه: {أية : قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ} تفسير : [هود: 80]. وهذه الآيات القرآنية تدل على أن المسلمين قد تنفعهم عصبية إخوانهم الكافرين. "حديث : ولما ناصر بن المطلب بنو عبد مناف بني هاشم ولم يناصرهم بنو عبد شمس بن عبد مناف وبنو نوفل بن عبد مناف عرف النَّبي صلى الله عليه وسلم لبني المطلب تلك المناصرة التي هي عصبية نسبية لا صلة لها بالدين. فأعطاهم من خمس الغنيمة مع بني هاشم، وقال: إنا وبني المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام"تفسير : ومنع بني عبد شمس وبني نوفل من خمس الغنيمة، مع أن الجميع أولاد عبد مناف بن قصي. وقال أبو طالب في بني عبد شمس وبني نوفل: شعر : جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا عقوبة شر عاجل غير آجل بميزان قسط لا يخيس شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا بني خلف قيضا بنا والغياطل تفسير : والغياطل "بالغين المعجمة" ومراد أبي طالب بهم: بنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي "القبيلة المشهورة من قبائل قريش" وإنما سموا الغياطل، لأن قيس بن عدي بن سعد بن سهم الذي هو من سادات قريش العظام، وهو الذي يعنيه عبد المطلب بقوله يرقص ابنه عبد الله وهو صغير: شعر : كأنه في العز قيس بن عدي في دار سعد ينتدي أهل الندى تفسير : تزوج امرأة من كنانة تسمى "الغيطلة" وهي أم بعض أولاده. فسمي بنو سهم الغياطل. لأن قيس بن عدي المذكور سيدهم. فهذه الآيات القرآنية تدل على أن الله قد يعين المؤمن بالكافر لتعصبه له، وربما كان لذلك أثر حسن على الإسلام والمسلمين. وقد يكون من منن الله على بعض أنبيائه المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" تفسير : وفي المثل: "اجتن الثمار وألق الخشبة في النار". فإذا عرفت دلالة القرآن على أن المسلم قد ينتفع برابطة نسب وعصبية من كافر، "حديث : فاعلم أن النداء بالروابط العصبية لا يجوز. لإجماع المسلمين على أن المسلم لا يجوز له الدعاء بيا لبني فلان ونحوها. وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر رضي الله عنه أن النَّبي قال في تلك الدعوة: دعوها فإنها منتنة"تفسير : . وقوله صلى الله عليه وسلم: "دعوها" يدل على وجوب تركها. لأن صيغة أفعل للوجوب - إلا لدليل صارف عنه، وليس هنا دليل صارف عنه. ويؤكد ذلك تعليله الأمر بتركها بأنها منتنة، وما صرح النَّبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بتركه وأنه منتن لا يجوز لأحد تعاطيه، وإنما الواجب على المسلمين النداء برابطة الإسلام التي هي من شدة قوتها تجعل المجتمع الإسلامي كله كأنه جسد إنسان واحد. فهي تربطك بأخيك المسلم كربط أعضائك بعضها ببعض، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ". تفسير : وإذا تأملت قوله تعالى: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}تفسير : [المجادلة: 22] تحققت أن الروابط النسبية تتلاشى مع الروابط الإسلامية، وقد قال تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}تفسير : [الحجرات: 10] وقال: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} تفسير : [التوبة: 71]. ولا يخفى أن أسلافنا معاشر المسلمين إنما فتحوا البلاد ومصروا الأمصار بالرابطة الإسلامية، لا بروابط عصبية، ولا بأواصر نسبية.
الواحدي
تفسير : {قالوا يا شعيب ما نفقه} [ما نفهم] {كثيراً مما تقول} أَيْ: صحَّته. يعنون: ما يذكر من التَّوحيد والبعث والنُّشور {وإنا لنراك فينا ضعيفاً} لأنَّه كان أعمى {ولولا رهطك} عشيرتك {لرجمناك} قتلناك {وما أنت علينا بعزيز} بمنيعٍ. {قال يا قوم أرهطي أعزُّ عليكم من الله} يريد: أمنع عليكم من الله، كأنَّه يقول: حفظكم إيَّاي في الله أولى منه في رهطي {واتَّخذتموه وراءكم ظهرياً} ألقيتموه خلف ظهوركم، وامتنعتم من قتلي مخافة قومي، والله أعزُّ وأكبر من جميع خلقه {إنَّ ربي بما تعملون محيط} خبيرٌ بأعمال العباد حتى يجازيهم بها، ثمَّ هدَّدهم فقال: {ويا قوم اعملوا...} الآية. يقول: اعملوا على ما أنتم عليه {إني عاملٌ} على ما أنا عليه من طاعة الله، وسترون منزلتكم من منزلتي، وهو قوله: {سوف تعلمون مَنْ يأتيه عذاب يخزيه} يفضحه ويذله {ومَنْ هو كاذب} منَّا {وارتقبوا إني معكم رقيب} ارتقبوا العذاب من الله سبحانه، إنِّي مرتقب من الله سبحانه الرَّحمة، وقوله: {وأخذت الذين ظلموا الصيحة} صاح بهم جبريل صيحةً فماتوا في أمكنتهم. {ألا بعداً لمدين} أَيْ: قد بعدوا من رحمة الله سبحانه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 91- قالوا: يا شعيب ما نعقل كثيراً مما تقوله لنا، ونؤكد لك أننا نراك بيننا ضعيفاً لا قدرة لك على الدفاع، وعلى الإقناع، إن أردنا بك ما تكره، ولولا مجاملتنا لعشيرتك، لأنها على ديننا، لقتلناك رجماً بالحجارة، وما أنت علينا بعزيز حتى نجلَّك ونحترمك ونكرمك ونصونك عن القتل بالرجم، وإنما هى المجاملة لعشيرتك تمنعنا عن قتلك. 92- قال: يا قوم، أعشيرتى أحق بالمجاملة من الله، فذكرتموها ونسيتموه، وجاملتمونى واتخذتموه كالشئ المنبوذ وراء الظهر؟ إن ربى محيط علمه بكل ما تعملون، فلا يخفى عليه شئ من أعمالكم، وسيحاسبكم عليها إن نسيتموه. 93- ويا قوم اعملوا على ما أنتم قادرون عليه، وما تستطيعون عمله، إن لم تسمعوا نصحى إنى مثابر على العمل بما يخالف عملكم، وسوف تعلمون مَنْ مِنا الذى يأتيه عذاب يفضحه ويذله، ومَن مِنا الذى هو كاذب: أأنا الذى أنذركم بالعذاب، أم أنتم الذين أنذرتمونى بالإخراج من القرية؟ وانتظروا ما سيحصل، إنى معكم منتظر. 94- ولما وقع أمرنا بعذابهم وهلاكهم، نجينا شعيباً والذين آمنوا معه من العذاب والهلاك، وكانت نجاتهم بسبب رحمة منا لهم، وأخذت الظالمين من أهل مدين الصيحة، والرجفة المهلكة، فأصبحوا فى ديارهم هامدين، راقدين على وجوههم: لا حراك بهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ما نفقه: أي ما نفهم بدقة كثيرا من كلامك. ولولا رهطك: أي أفراد عشيرتك. وما أنت علينا بعزيز: أي بقوي ممتنع. ظهرياً: أي لم تأبهوا به ولم تلتفتوا إليه كالشيء الملقى وراء الظهر. على مكانتكم: أي على ما أنتم عليه من حال التمكن والقدرة. الصيحة: أي صيحة العذاب التي أخذتهم. جاثمين: أي على ركبهم. كأن لم يغنوا فيها: أي كأن لم يقيموا بها يوماً. ألا بعداً لمدين: أي هلاكاً لمدين قوم شعيب. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن شعيب وقومه إنه بعد الحوار الذي دار بين شعيب وقومه يقول ويقولون وكان عليه السلام فصيحاً مؤيداً من الله تعالى فيما يقول فأفحمهم وقطع الحجة عليهم لجأوا إلى أسلوب القوة والتهديد بل والشتم والإِهانة وكان هذا منهم إيذاناً بقرب ساعة هلاكهم فقالوا فيما قص تعالى عنهم في هذه الآيات {قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ} فقد نادوه ليسمع منهم ثم أعلموه أنهم لا يفقهون كثيراً من كلامه مع أنه يخاطبهم بلغتهم، ولكنه الصلف والكبرياء فإِن صاحبها لا يفهم ما يقوله الضعفاء. وقالوا له: وإنا لنراك فينا ضعيفاً وهو احتقار منهم له، وقالوا: ولولا رهطك لرجمناك أي ولولا وجود جماعة من عشيرتك نحترمهم لرجمناك أي لقتلناك رمياً بالحجارة، وأخيراً وما أنت علينا بعزيز أي بممتنع لو أردناك. وهنا رد شعيب عليه السلام عليهم بقوله فقال ما أخبر تعالى به عنه {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} أي غير مبالين بأمره ولا نهيه كما جعلتموه وراء ظهوركم لا تلتفون إليه ولا تسمعون منه ولا تطيعونه، يا ويلكم {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} أي علمه فأعمالكم معلومة له لا يخفى منها عليه شيء ولسوف يجزيكم بها عاجلا أو آجلا وقابل تهديدهم له بمثله فقال لهم {وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} أي على تمكنكم من عملكم {إِنِّي عَٰمِلٌ} أي على تمكني من العمل الذي أعمله {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} يذله ويهينه ومن هو كاذب منا فيعذب ويخزى ويذل ويهان أيضا وعليه فارتقبوا يومذاك {وَٱرْتَقِبُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} منتظر قال تعالى {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} أي بالعذاب {نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} أي بفضل منا ونعمة من عندنا، {وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي بالشرك والعصيان {الصَّيْحَةُ} أي صيحة العذاب التي ارتجفت لها قلوبهم وانخلعت فبركوا على ركبهم جاثمين هلكي لا يتحركون. قال تعالى في بيان حالهم {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ} أي كأن لم يقيموا في تلك الديار ويعمروها زمنا طويلا. ثم لعنهم فقال: {أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ} بعداً لها من الرحمة وهلاكاً، كما بعدت قبلها ثمود وهلكت. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان ما أوتي نبي الله شعيب العربي من فصاحة وبيان حتى قيل فيه خطيب الأنبياء. 2- اشتداد الأزمات مؤذن بقرب انفراجها. 3- بيان فساد عقل من يهتم بتنفيذ أوامر الناس ويهمل أوامر الله تعالى ولا يلتفت إليها. 4- فضل انتظار الفرج من الله تعالى وهو الرجاء المأمور به. 5- صدق وعد الله رسله وعدم تخلفّه أبداً.
القطان
تفسير : ما نفقه: ما نفهم. لولا رهطك: ولولا جماعتك. لرجمناك: لرميناك بالحجارة. واتخذتموه وراءكم ظهريا: وراء ظهرهم نسيا منسيا. اعملوا على مكانتكم: ما يمكنكم، اقصى استطاعتكم. ارتقبوا: انتظروا الصحية: صيحة العذاب. جاثمين: باركين على ركبهم مكيبن على وجوههم. كأن لم يغنوا: كأنهم لم يقيموا في ديارهم ولم يسكنوها. بُعداً لمدين: هلاكا لهم. قالوا: يا شعيب، نحن لا نفهم كثيراً مما تقول، وأنت بيننا ضعيف في مكانتك، ولولا ان عشيرتك عزيزةٌ علينا لقتلناك رَجماً بالحِجارة، وما انت علينا بعزيز حتى نجلّك ونحترمك. قال شعيب: يا قوم أعشيرتي أعزُّ عليكم من الله ارسلني اليكم! لقد جعلتم أوامره منبوذةً وراء ظهوركم.. ان ربي محيط بكل ما تعملون. يا قوم، اعملوا ضدي كل ما تستطيعون، أما انا فسأظل أعمل على الثبات والدعوة الى الله. وسوف تعلمون من منّا الذي يأتيه عذاب يفضحُه ومن هو كاذب. انتضِروا وأنا معكم من المنتظِرين. وحين جاء عذابُنا نجَّينا شعيباً ومن آمنَ معه، واخذت الظالمين من اهل مدين الصيحةُ المهلكة، فأصبحوا في ديارِهم باركين مكبّين على وجوههم. وانتهى أمرُهم وزالت آثارهم وصارت ديارهم خاوية كأنْ لم يقيموا فيها. الهلاكُ لمدين، وبعداً لهم من رحمة الله كما بعدت ثمود من قبلهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰشُعَيْبُ} {لَنَرَاكَ} {لَرَجَمْنَاكَ} (91) - قَالُوا: يَا شُعَيْبُ إِنَّنَا لاَ نَفْهَمُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ لَنَا عَنْ بُطْلاَنِ عِبَادَةِ آلِهَتِنَا، وَقُبحِ حُريَّةِ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِنَا، وَمَجِيءِ عَذَابٍ يُحِيطُ بِنَا، وَإِنَّا نَرَاكَ ضَعِيفاً فِينا، لأَِنَّ أَكْثَرَ عَشِيرَتِكَ لَيْسَتْ عَلى دِينِكَ، وَلَوْلاَ عَشِيرَتُكَ الأَقْرَبُونَ لَقَتَلْنَاكَ رَجْماً بِالحِجَارَةِ، وَأَنْتَ لَسْتَ فِينا بِذِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَحُولَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رَجْمِكَ. رَهْطُكَ - جَمَاعَتُكَ وَعَشِيرَتُكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذا يُضاهي قول مشركي قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قالوا: {أية : قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ..}تفسير : [فصلت: 5]. والإيمان يتطلب قلباً غير ممتلىء بالباطل؛ ليُحسن استقباله؛ أما القلوب الممتلئة بالباطل، فهي غير قادرة على استقبال الإيمان؛ إلا إذا أخلت العقولُ تلك القلوبَ من الباطل، وناقشت العقول كُلاً من الحق والباطل، ثم تأذن لما اقتنعت به أن يدخل القلوب. ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يطبع ويختم على القلوب الممتلئة بالكفر؛ فلا يخرج منها الكفر ولا يدخل فيها الإيمان. ولم يكتف أهل مدين بإعلان الكفر؛ بل هددوا شعيباً وقالوا: {.. وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود: 91]. وهذا التهديد يحمل تحدِّياً، وكأنهم ظنوا أن بقدرتهم الفتك به؛ لأنهم يبغضون حياته؛ وأعلنوا حجة واهية؛ وهي أن رهطه - أي: قومه وأهله؛ لأن الرهط هم الجماعة التي يتراوح عدد أفرادها بين ثلاثة وعشرة أفراد - ما زالوا على عبادة الأصنام؛ وأن هذا الرهط سيغضب لأي ضرر يصيب شعيباً؛ وتناسوا أن الذي أرسل شعيباً - عليه السلام - لا بد أن يحميه، وهم - بتناسيهم هذا - حققوا مشيئة الله - عز وجل - بأن يُسخِّر الكفر لخدمة الإيمان. ومثال ذلك: هو بقاء عم النبي صلى الله عليه وسلم أبي طالب على دين قومه؛ وقد ساهم هذا الأمر في حماية محمد صلى الله عليه وسلم في ظاهر الأسباب ثم يأتي الحق سبحانه من بعد ذلك بردِّ شعيب عليه السلام على قومه؛ فيقول: {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 367 : 18 : 20 - سفين في قوله {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً} قال، في بصره ضعف. [الآية 91].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):