Verse. 1565 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

قَالَ يٰقَوْمِ اَرَہْطِيْۗ اَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِّنَ اؘ۝۰ۭ وَاتَّخَذْتُمُوْہُ وَرَاۗءَكُمْ ظِہْرِيًّا۝۰ۭ اِنَّ رَبِّيْ بِمَا تَعْمَلُوْنَ مُحِيْطٌ۝۹۲
Qala ya qawmi arahtee aAAazzu AAalaykum mina Allahi waittakhathtumoohu waraakum thihriyyan inna rabbee bima taAAmaloona muheetun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله» فتتركوا قتلي لأجلهم ولا تحفظوني لله «واتخذتموه» أي الله «وراءكم ظهريا» منبوذا خلف ظهوركم لا تراقبونه «إن ربي بما تعملون محيط» علما فيجازيكم.

92

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الكفار لما خوفوا شعيباً عليه السلام بالقتل والإيذاء،حكى الله تعالى عنه ما ذكره في هذا المقام، وهو نوعان من الكلام: النوع الأول: قوله: {يٰقَوْمِ أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } والمعنى: أن القوم زعموا أنهم تركوا إيذاءه رعاية لجانب قومه. فقال: أنتم تزعمون أنكم تتركون قتلي إكراماً لرهطي، والله تعالى أولى أن يتبع أمره، فكأنه يقول: حفظتكم إياي رعاية لأمر الله تعالى أولى من حفظكم إياي رعاية لحق رهطي. وأما قوله: {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً } فالمعنى: أنكم نسيتموه وجعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به. قال صاحب «الكشاف»: والظهري منسوب إلى الظهر، والكسر من تغيرات النسب ونظيره قولهم في النسبة إلى الأمس إمسي بكسر الهمزة، وقوله: {إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } يعني أنه عالم بأحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها. والنوع الثاني: قوله: {ويَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنّى عَامِلٌ } والمكانة الحالة يتمكن بها صاحبها من عمله، والمعنى اعملوا حال كونكم موصوفين بغاية المكنة والقدرة وكل ما في وسعكم وطاقتكم من إيصال الشرور إلي فإني أيضاً عامل بقدر ما آتاني الله تعالى من القدرة. ثم قال: {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: لقائل أن يقول لم لم يقل {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } والجواب: إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، وإما بحذف الفاء فإنه يجعله جواباً عن سؤال مقدر والتقدير: أنه لما قال: {ويَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنّى عَامِلٌ } فكأنهم قالوا فماذا يكون بعد ذلك؟ فقال: {سَوْفَ تَعْلَمُونَ } فظهر أن حذف حرف الفاء ههنا أكمل في باب الفظاعة والتهويل. ثم قال {وَٱرْتَقِبُواْ إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ } والمعنى: فانتظروا العاقبة إني معكم رقيب أي منتظر، والرقيب بمعنى الراقب من رقبه كالضريب والصريم بمعنى الضارب والصارم، أو بمعنى المراقب كالعشير والنديم، أو بمعنى المرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ يـَٰقَوْمٌ أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ } فتتركوا قتلي لأجلهم ولا تحفظوني لله {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ } أي الله {وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً } منبوذاً خلف ظهوركم لا تراقبونه؟ {إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } علماً فيجازيكم.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم} أتراعون رهطي فِيَّ ولا تراعون الله فِيَّ. {ظِهْرِيّاً} أطرحتم أمره وراء ظهوركم لا تلتفتون إليه ولا تعملون به، أو حملتم أوزار مخالفته على ظهوركم، أو إن احتجتم إليه استعنتم به وإن اكتفيتم تركتموه كالذي يتخذ من الجمال ظهراً إن اُحتيج إليه حُمل عليه وإن استُغني عنه تُرك، أو جَعْلهم الله وراء ظهورهم ظهرياً. {مُحِيطٌ} حفيظ، أو خبير، أو مجازي.

النسفي

تفسير : {قَالَ } في جوابهم { يٰقَوْمِ أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ ٱللَّهِ } ولو قيل وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب. وإنما قال: {أرهطي أعز عليكم من الله} والكلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه، لأن تهاونهم به ــ وهو نبي الله ــ تهاون بالله، وحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله ألا ترى إلى قوله تعالى {أية : من يطع الرسول فقد أطاع الله{ تفسير : [النساء: 80]} وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً } ونسيتموه وجعلتموه كالشيء المبنوذ وراء الظهر لا يعبأ به والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب كقولهم في النسبة إلى الأمس أمسى {إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } قد أحاط بأعمالكم علماً فلا يخفى عليه شيء منها. {وَيَا قَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ } هي بمعنى المكان يقال: مكان ومكانة ومقام ومقامة، أو مصدر من مكن مكانة فهومكين إذا تمكن من الشيء يعني اعملوا فارين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك، والشنآن لي، أو اعملوا متمكنين من عداوتي مطيقين لها {إِنّى عَـٰمِلٌ } على حسب ما يؤتيني الله من النصرة والتأييد ويمكنني {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ } «من» استفهامية معلقة لفعل العلم من عمله فيها كأنه قيل: سوف تعلمون أينا يأتيه عذاب يخزيه أي يفضحه، وأينا هو كاذب. أو موصولة قد عمل فيها كأنه قيل: سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب في زعمكم ودعواكم. وإدخال الفاء في {سوف} وصل ظاهر بحرف وضع للوصل، ونزعها وصل تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت؟ فقال: سوف تعلمون. والإتيان بالوجهين للتفنن في البلاغة وأبلغهما الاستئناف {وَٱرْتَقِبُواْ } وانتظروا العاقبة وما أقول لكم {إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ } منتظر، والرقيب بمعنى الراقب من رقبه كالضريب بمعنى الضارب، أو بمعنى المراقب كالعشير بمعنى المعاشر، أو بمعنى المرتقب كالرفيع بمعنى المرتفع .

البقاعي

تفسير : ولما كان تخصيصهم نفي العزة به يفهم أن رهطه عليهم أعزة، أنكر عليهم ذلك في سياق مهدد لهم فقال تعالى حاكياً عنه استئنافاً: {قال} أي شعيب {يا قوم} ولم يخل الأمر من جذب واستعطاف بذكر الرحم العاطفة {أرهطي} أي أقاربي الأقربون منكم {أعز عليكم من الله} أي المحيط بكل شيء علماً وقدرةً حتى نظرتم إليهم فيّ لقرابتي منهم ولم تنظروا إلى الله في قربي منه بما ظهر عليّ من كرامته {واتخذتموه} أي بما كلفتم به أنفسكم مما هو خلاف الفطرة الأولى {وراءكم} أي أعرضتم عنه إعراض من جعل الشيء وراءه؛ وحقق معنى الوراء بقوله: {ظهرياً} أي جعلتموه كالشيء الغائب عنكم المنسي عندكم الذي لا يعبأ به، ولم تراقبوه فيّ لنسبتي إليه بالرسالة والعبودية. ولما كان معنى الكلام لأجل الإنكار: إنكم عكستم في الفعل فلم تعرفوا الحق لأهله إذ كان ينبغي لكم أن لا تنسوا الله بل تراقبوه في كل أموركم، حسن تعليل هذا المفهوم بقوله: {إن ربي} أي المحسن إليّ؛ ولما كان المراد المبالغة في إحاطة علمه تعالى بأعمالهم قدم قوله: {بما تعملون محيط*} من جليل وحقير، فهو مقتدر في كل فعل من أفعالكم على إنفاذه وإبطاله، فهو محيط بكم لا يرده عن نصرتي منكم والإيقاع بكم مراعاة أحد لعزة ولا قوة، بل لكم عنده أجل هو مؤخركم إليه لأنه لا يخشى الفوت؛ والاتخاذ: أخذ الشيء لأمر يستمر في المستأنف كاتخاذ البيت؛ والمحيط: المدير على الشيء كالحائط يحصره بحيث لا يفوته منه شيء. ولما ختم الآية بتهديدهم بما بين أن تهديدهم له عدم لا يبالي به، أتبعه ما يصدقه من أنه ليس بتارك شيئاً من عمله مما جبلوا به، وزاد في التهديد فقال: {ويا قوم اعملوا} أي أوقعوا العمل لكل ما تريدون قارين مستعلين {على مكانتكم} أي حالكم الذي تتمكنون به من العمل {إني عامل} على ما صار لي مكانة، أي حالاً أتمكن به من العمل لا أنفك عنه ما أنا عامل من تحذيري لمن كفر وتبشيري لمن آمن وقيامي بكل ما أوجب عليّ الملك غير هائب لكم ولا خائف منكم ولا طامع في مؤالفتكم ولا معتمد على سواه. ولما كانت ملازمتهم لأعمالهم سبباً لوقوع العذاب المتوعد به ووقوعه سبباً للعلم بمن يخزي لمن يعلم أي هذين الأمرين يراد، ذكره بعد هذا التهديد فحسن حذف الفاء من قوله: {سوف تعلمون*} أي بوعد لا خلف فيه وإن تأخر زمانه، وسوقه مساق الجواب لمن كأنه قال: ما المراد بهذا الأمر بالعمل المبالغ قبل في النهي عنه؟ وقد تقدم في قصة نوح عليه السلام ما يوضحه. وأحسن منه أنهم لما قالوا {ما نفقه كثيراً مما تقول} كذبهم - في إخراج الكلام على تقدير سؤال من هو منصب الفكر كله إلى كلامه - قائل: ماذا يكون إذا عملنا وعملت؟ فهذا وصل خفي مشير إلى تقدير السؤال ولو ذكر الفاء لكان وصلاً ظاهراً، وقد ظهر الفرق بين كلام الله العالم بالإسباب وما يتصل بها من المسبباب المأمور بها أشرف خلقه صلى الله عليه وسلم في سورة الأنعام والزمر والكلام المحكي عن نبيه شعيب عليه السلام في هذه السورة {من} أي أينا أو الذي {يأتيه عذاب يخزيه} ولما كان من مضمون قولهم {ما نفقه كثيراً مما تقول} النسبة إلى الكذب لأنه التكلم بما ليس له نسبة في الواقع تطابقه، قال: {ومن هو كاذب} أي مني ومنكم، فالتقدير إن كانت "من" موصولة: ستعلمون المخزي بالعذاب والكذب أنا وأنتم، وإن كانت استفهامية: أينا يأتيه عذاب يخزيه وأينا هو كاذب، فالزموا مكانتكم لا تتقدموا عنها {وارتقبوا} أي انتظروا ما يكون من عواقبها. ولما كانوا يكذبونه وينكرون قوله، أكد فقال: {إني معكم رقيب*} لمثل ذلك، وإنما قدرت هذا المعطوف عليه لفصل الكلام في قوله {سوف} ويجوز عطفه على {اعملوا} وجرد ولم يقل: مرتقب، إشارة إلى أن همه الاجتهاد في العمل بما أمره الله لأنه مبالغ في ارتقاب عاقبته معهم استهانة بهم. ولما كان كأنه قيل: فأخذوا الكلام على ظاهره ولم ينتفعوا بصادع وعيده وباهره، فاستمروا على ما هم عليه من القبيح إلى أن جاء أمرنا في الأجل المضروب له، قال عاطفاً عليه، وكان العطف بالواو لأنه لم يتقدم وعيد بوقت معين - كما في قصتي صالح ولوط عليهما السلام - يتسبب عنه المجيء ويتعقبه: {ولما جاء أمرنا} أي تعلق إرادتنا بالعذاب {نجينا} بما لنا من العظمة {شعيباً} أي تنجية عظيمة {والذين آمنوا} كائنين {معه} منهم ومما عذبناهم به، وكان إنجاءنا لهم {برحمة منا} ولما ذكر نجاة المؤمنين، أتبعه هلاك الكافرين فقال: {وأخذت الذين ظلموا} أي أوقعوا الظلم ولم يتوبوا {الصيحة} وكأنها كانت دون صيحة ثمود لأنهم كانوا أضعف منهم فلذلك أبرز علامة التأنيث في هذه دون تلك. ولما ذكر الصيحة ذكر ما تسبب عنها فقال: {فأصبحوا} أي في الوقت الذي يتوقع الإنسان فيه السرور وكل خير {في ديارهم جاثمين*} أي ساقطين لازمين لمكانهم. ولما كان الجثوم قد لا يكون بالموت، أوضح المراد بقوله: {كأن لم يغنوا فيها} أي لم يقيموا في ديارهم أغنياء متصرفين مترددين مع الغواني لاهين بالغناء؛ ولما كان مضمون ذلك الإبعاد أكده بقوله: {ألا بعداً لمدين} بعداً مع أنه بمعنى ضد القرب معه هلاك، فهو من بعد بالكسر وأيد ما فهمته من أن أمرهم كان أخف من أمر ثمود بقوله: {كما بعدت ثمود}.

ابو السعود

تفسير : {قَالَ} عليه السلام في جوابهم {يٰقَوْمِ أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ ٱللَّهِ} فإن الاستهانةَ بمن لا يَتعزّز إلا به عز وجل استهانةٌ بجنابه العزيز وإنما أنكر عليهم أعزِّيّةَ رهطِه منه تعالى مع أن ما أثبتوه هو مطلقُ عزةِ رهطِه لا أعزّيتُهم منه عز وجل مع الاشتراك في أصل العزةِ لتثنية التقريعِ وتكريرِ التوبـيخِ حيث أنكر عليهم أولاً ترجيح جنب الرهطِ على جنبة الله تعالى حظاً من العزة أصلاً {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ} بسبب عدم اعتدادِكم بمن لا يرِدُ ولا يصدُر إلا بأمره {وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً} أي شيئاً منبوذاً وراء الظهر منسياً لا يبالىٰ به، منسوبٌ إلى الظهر، والكسر لتغيـير النسب كالإِمسيّ في النسبة إلى الأمس {إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ} من الأعمال السيئة التي من جملتها عدمُ مراعاتِكم لجانبه {مُحِيطٌ} لا يخفى عليه منها خافيةٌ وإن جعلتموه منسياً فيجازيكم عليها. ويحتمل أن يكون الإنكارُ للرد والتكذيب فإنهم لما ادَّعَوا أنهم لا يكفّون عن رجمه عليه السلام لقوته وعزّتِه بل لمراعاة جانب رهطِه ردّ عليهم ذلك بأنكم ما قدَّرتم الله حقَّ قدرِه العزيزِ ولم تراعوا جنابَه القويَّ فكيف تراعون جانبَ رهطي الأذلة. {وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا} لما رأى عليه السلام إصرارَهم على الكفر وأنهم لا يرعوون عما هم عليه من المعاصي حتى اجترأوا على العظيمة التي هي الاستهانةُ به والعزيمةُ على رجمه لولا حُرمةُ رهطِه، قال لهم على طريقة التهديد: اعملوا {عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} أي على غاية تمكّنِكم واستطاعتِكم يقال: مكُن مكانةً إذا تمكّن أبلغَ التمكّن وإنما قاله عليه السلام رداً لما ادَّعَوا أنهم أقوياءُ قادرون على رجمه وأنه ضعيفٌ فيما بـينهم لا عزةَ له، أو على ناحيتكم وجِهَتكم التي أنتم عليها من قولهم: مكانٌ ومكانة كمقام ومقامة، والمعنى اثبُتوا على ما أنتم عليه من الكفر والمشاقّةِ لي وسائرِ ما أنتم عليه مما لا خيرَ فيه وابذُلوا جهدكم في مضارّتي وإيقافي ما في نيتكم وإخراج ما في أمنيتكم من القوة إلى الفعل {إِنّى عَـٰمِلٌ} على مكانتي حسبما يؤيدني الله ويوفقني بأنواع التأيـيدِ والتوفيق {سَوْفَ تَعْلَمُونَ} لما هدّدهم عليه السلام بقوله: اعمَلوا على مكانتكم إني عاملٌ كان مظِنّةَ أن يسألَ منهم سائلٌ فيقولَ: فماذا يكون بعد ذلك؟ فقيل: سوف تعلمون {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} وصَف العذابَ بالإخزاء تعريضاً بما أوعدوه عليه السلام به من الرجم فإنه مع كونه عذاباً فيه خِزيٌ ظاهرٌ حيث لا يكون إلا بجناية عظيمةٍ توجبه {وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} عطفٌ على مَنْ يأتيه لا على أنه قسيمُه بل حيث أوعدوه بالرجم وكذبوه قيل: سوف تعلمون مَن المعذَّبُ ومن الكاذب، وفيه تعريضٌ بكذبهم في ادعائهم القوةَ والقُدرةَ على رجمه عليه السلام وفي نسبته إلى الضعف والهوانِ وفي ادعائهم الإبقاءَ عليه جانبِ الرهطِ، والاختلافُ بـين المعطوفَين بالفعلية والاسميةِ لأن كذبَ الكاذبِ بمرتقَبٍ كإتيان العذاب بل إنما المرتقَبُ ظهورُ الكذبِ السابق المستمرّ. و(من) إما استفهاميةٌ معلِّقةٌ للعلم عن العمل كأنه قيل: سوف تعلمون أيُّنا يأتيه عذابٌ يُخزيه وأيُّنا كاذبٌ، وإما موصولةٌ أي سوف تعرِفون الذي يأتيه عذابٌ والذي هو كاذب {وَٱرْتَقِبُواْ} وانتظروا مآلَ ما أقول. {إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ} منتظرٌ، فعيل بمعنى الراقب كالصريم، أو المراقب كالشعير أو المرتقب كالرفيع وفي زيادة معكم إظهارٌ منه عليه السلام لكمال الوثوق بأمره.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} شعيب فى جوابهم {يا قوم أرهطى} [ايا عشيرة وقوم من] وهمزة الاستفهام للانكار والتوبيخ {اعز عليكم} [عزيز ترند برشما ودوسترند نزدشما] {من الله} كان الظاهر ان يقال منى الا انه قيل من الله للايذان بان تهاونهم به وهو نبى الله تهاون بالله تعالى وانما انكر عليهم اعزية رهطه منه تعالى مع ان ما اثبتوه انما هو مطلق عزة رهطه لا اعزيتهم منه تعالى مع الاشتراك فى اصل العزة لتكرير التوبيخ حيث انكر عليهم اولا بترجيح جنب الله تعالى وثانيا بنفى العزة بالمرة. والمعنى أرهطى اعز عليكم من الله تعالى فانه مما لا يكاد يصح والحال انكم لم تجعلوا له حظا من العزة اصلا {واتخذتموه} اى الله تعالى {وراءكم} [ازبس بشت خود] {ظهريا} [همجو مرد فراموش شده] اى شيأ منبوذا وراء الظهر منسيا لا يبالى به اى جعلتموه مثله باشراككم به والاهانة برسوله فلا تبقون على الله وتبقون على رهطى اى فلا تحفظوننى ولا ترحموننى لله وتراعون نسبة قرابتى الى الرهط وتضيعون نسبتى الى الله بالنبوة فكأنكم زعمتم ان القوم اعز من الله حيث تزعمون انكم تركتم قتلى اكراما لرهطى والله اولى بان يتبع امره كأنه يقول حفظكم اياى فى الله اولى منه فى رهطى والعرب تقول لكل مالا يعبأ بامره قد جعل فلان هذا الامر بظهره فالظهرى منسوب الى الظهر والكسر لتغيير النسب كقولهم فى النسبة الى امس امسى بكسر الهمزة والى الدهر دهرى بضم الدال {ان ربى بما تعملون} من الاعمال السيئة التى من جملتها عدم مراعاتكم لجانبه {محيط} لا يخفى عليه منها خافية وان جعلتموه منسيا فيجازيكم عليها والاحاطة ادراك الشيء بكماله واحاطة الله بالاعمال مجاز

الطوسي

تفسير : هذا حكاية ما قال شعيب لقومه حين قالوا {لولا رهطك لرجمناك} يا قوم اعشيرتي وقومي أعز عليكم من الله. والاعز الأقوى الامنع. والاعز نقيض الاذل، والعزة نقيض الذلة والعزيز نقيض الذليل. وقوله {واتخذتموه وراءكم ظهرياً} فالاتخاذ اخذ الشيء لامر يستمر في المستأنف كاتخاذ البيت واتخاذ المركوب، والظهري جعل الشيء وراء الظهر قال الشاعر: شعر : وجدنا نبي البرصاء من ولد الظهر تفسير : وقال آخر: شعر : تميم بن قيس لا تكونن حاجتي بظهر ولا يعيا علي جوابها تفسير : وقيل فيما تعود الهاء اليه من قوله {اتخذتموه} ثلاثة اقوال: فقال ابن عباس والحسن: انها عائدة على الله. وقال مجاهد: هي عائدة على ما جاء به شعيب. وقال: الزجاج: هي عائدة على أمر الله. وقوله {إن ربي بما تعملون محيط} قيل في معناه ها هنا قولان: احدهما - انه محص لاعمالكم لا يفوته شيء منها. الثاني - انه خبير باعمال العباد ليجازيهم بها - ذكره الحسن - قال سفيان كان شعيب خطيب الأنبياء.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ} يعنى ترقبون فى حقّى رهطى ولا ترقبون ربّى وربّى الّذى ارسلنى اليكم اولى بالتّرقّب {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} الظّهرىّ من كان وراء الظّهر منسوب الى الظّهر بالفتح بتغيير هيئته او منسوب الى الظّهر بالكسر لكنّه لم يستعمل فى غير النّسبة وهو عطف بيان او بدل او حال تأكيدىّ او مفعول ثانٍ ووراءكم حال حينئذٍ او ظرف للظّهرىّ او هو مفعول بعد مفعول كالخبر بعد الخبر لانّه كان فى الاصل خبراً بعد خبر {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} تعليل للانكار والتّوبيخ المستفاد من الهمزة، او جواب للسّؤال عن حال الله معهم.

اطفيش

تفسير : {قالَ يا قَوْم أرهْطِى} بفتح الياء عند نافع، وابن كثير، وأبى عمرو، وابن ذكوان، وإسكانها عند غيرهم {أعزُّ عَليْكم مِنَ اللهِ} أغلب وأكرم، وفسره بعضهم بأهيب وهو ضعيف لبناء اسم التفضيل، وهو أهيب من المبنى للمفعول، فيسرى الضعف من جهة المعنى لكونه مأخوذا من المبنى للمفعول، وهذا إنكار منه وتوبيخ، أورد وتكذيب لأمرهم، حيث قابلوا الحجج بالسَّب والتهديد كما هو عادة السفيه المغلوب بالحجة، وحيث أبقوا عليه لرهطه، ولم يبقوا عليه لله، مع أنه العزيز دون الرهط، وإنما لم يقل أعز عليكم منى، إشارة إلى أن تهاونهم به تهاون بالله، وأن الله المنتصر له إذ هو رسوله قائل عنه. {واتَّخذْتُموه} أى الله {وَراءَكُم ظِهْريًّا} جعلتموه كالشئ المنبوذ وراء الظهر، لا يعبأ به، إذ أشركتم به، وأهنتم رسوله، وخالفتم أمره، هذا هو الواضح، وعليه الجمهور، وقال قوم: المعنى أنكم اتخذتم الله سند ظهورهم، وعماد آمالكم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألجأت ظهرى إليك" تفسير : وظهريًّا حال مؤكدة منسوب إلى الظهر بالفتح، ولكنه غير فى الكسر فى النسب، كما يقال: أمسى بكسر الهمزة فى النسبة إلى الأمس بفتحها، ويجوز أن يكون مفعولا آخر من تعدد المفعول الثانى كما يتعدد الخبر، وهو أيضا مؤكد. {إنَّ ربِّى بما تَعْملونَ مُحيطٌ} علما لا يخفى عنه شئ فهو مجازيكم.

الالوسي

تفسير : {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ ٱللَّهِ} أي من نبـي الله على ما قال عليه الرحمة، ووجه الاستدلال كما قال العلامة وغيره: إنه لو لم يكن قصدهم اختصاصه بنفي العزة بل مجرد الإخبار بعدم عزته عليهم لم يستقم هذا الجواب ولم يكن مطابقاً لمقالهم إذ لا دلالة لنفي العزة عنه على ثبوتها للغير، وإنما يدل على ذلك اختصاصه بنفي العزة. واعترض صاحب «الإيضاح» بأن هذا من باب أنا عارف وهو لا يفيد الاختصاص وفاقاً وإنما يفيده التقديم على الفعل مثل أنا عرفت، وكون المشتقات قريبة من الأفعال في التقوي لا يقتضي كونها كالأفعال في الاختصاص والتمسك بالجواب ضعيف لجواز أن يكون جواباً لقولهم: {أية : لَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ }تفسير : [هود: 91] فإنه يدل على أن رهطه هم الأعزة حيث كان الامتناع عن رجمه بسببهم لا بسببه ومعلوم بحسب الحال والمقام أن ذلك لعزتهم لا لخوفهم، وتعقبه السيد السند بأن صاحب «الكشاف صرح» بالتخصيص في قوله تعالى: {أية : كَلآ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قآئِلُهَا}تفسير : [المؤمنون: 100] فكيف يقال: باب أنا عارف لا يفيد الاختصاص اتفاقاً وإن جعله جواباً لما أنت عليهم بعزيز هو الظاهر بأن يجعل التنوين للتعظيم فيدل على ثبوت أصل العزة له عليه السلام ولا دلالة لقولهم: {أية : وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ}تفسير : [هود: 91] على اشتراك العزة فلا يلائمه أرهطى أعز عليكم، ثم قال: فإن قيل: شرط التخصيص عند السكاكي أن يكون المقدم / بحيث إذا أخر كان فاعلاً معنوياً ولا يتصور ذلك فيما نحن فيه قلنا: إن الصفة بعد النفي تستقل مع فاعلها كلاماً فجاز أن يقال: ما عزيز أنت على أن يكون أنت تأكيداً للمستتر ثم يقدم ويدخل الباء على {عَزِيزٌ} بعد تقديم {أَنتَ} وجعله مبتدأ وكذلك قوله سبحانه: {أية : وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } تفسير : [هود: 29] {أية : وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ }تفسير : [الأنعام: 107] مما لي حرف النفي وكان الخبر صفة، وقد صرح صاحب «الكشاف» وغيره بإفادة التقديم الحصر في ذلك كله، وأما صورة الإثبات نحو أنا عارف فلا يجري فيها ذلك فلا يفيد عنده تخصيصاً، وإن كان مفيداً إياه عند من لا يشترط ذلك. وأجاب صاحب «الكشف» عما قاله صاحب «الإيضاح» بعد نقل خلاصته: بأن ما فيه الخبر وصفاً كما يقارب ما فيه الخبر فعلاً في إفادة التقوي على ما سلمه المعترض يقاربه في إفادة الحصر لذلك الدليل بعينه، وأن قولهم: {أية : وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ }تفسير : [هود: 91] كفى به دليلاً أن حق الكلام أن يفاد التخصيص لا أصل العز ففهمه من ذلك لا ينافي كونه جواباً لهذا الكلام بل يؤكده، وقد صرح الزمخشري بإفادة نحو هذا التركيب الاحتمالين في أنها كلمة هو قائلها. وقال العلامة الطيبـي: إن قوله تعالى: {أية : لَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ}تفسير : [هود: 91] وقوله سبحانه: {أية : وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ}تفسير : [هود: 91] من باب الطرد والعكس عناداً منهم فلا بد من دلالتي المنطوق، والمفهوم في كل من اللفظين انتهى. ويعلم من جميع ما ذكر ضعف اعتراض صاحب «الإيضاح» والعجب من العلامة حيث قال: إنه اعتراض قوي؛ وأشار السكاكي بتقدير المضاف إلى دفع الإشكال بأن كلامهم إنما وقع في شعيب عليه السلام وفي رهطه وأنهم هم الأعزة دونه من غير دلالة على أنهم أعز من الله تعالى. وأجيب أيضاً بأن تهاونهم بنبـي الله تعالى تهاون به سبحانه فحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله تعالى أو بأن المعنى أرهطى أعز عليكم من الله تعالى حتى كان امتناعكم عن رجمي بسبب انتسابـي إليهم وأنهم رهطى لا بسبب انتسابـي إلى الله تعالى وأني رسوله. ثم ما ذكره السيد قدس سره من جعل التنوين في ـ عزيز ـ للتعظيم وحينئذٍ يدل الكلام على ثبوت أصل العزة له عليه السلام فيلائمه أرهطي أعز؟ الخ صحيح في نفسه إلا أن ذلك بعيد جداً من حال القوم، فإن الظاهر أنهم إنما قصدوا نفي العزة عنه عليه السلام مطلقاً وإثباتها لرهطه لا نفي العزة العظيمة عنه وإثباتها لهم ليدل الكلام على اشتراكهما في أصل العزة وزيادتها فيهم، وذلك لأن العزة وإن لم تكن عظيمة تمنع من القتل بالحجارة الذي هو من أشر أنواع القتل، ولا أظن إنكار ذلك إلا مكابرة، وكأنه لهذا لم يعتبر مولانا أبو السعود عليه الرحمة جعل التنوين للتعظيم لتتأتى المشاركة فيظهر وجه إنكار الأعزية فاحتاج للكشف عن ذلك مع عدم المشاركة، فقال: وإنما أنكر عليه السلام عليهم أعزية رهطه منه تعالى مع أن ما أثبتوه إنما هو مطلق عزة رهطه لا أعزيتهم منه عز وجل مع الاشتراك في أصل العزة لتثنية التقريع وتكرير التوبيخ حيث أنكر عليهم أولا ترجيح جنبة الرهط على جنبة الله تعالى وثانياً نفي العزة بالمرة، والمعنى أرهطي أعز عليكم من الله فإنه مما لا يكاد يصح، والحال أنكم لم تجعلوا له تعالى حظاً من العزة أصلاً {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ} بسبب عدم اعتدادكم بمن لا يرد ولا يصدر إلا بأمره {وَرَآءكُمْ ظِهْرِيّاً} شيئاً منبوذاً وراء الظهر منسياً انتهى. وأنا أقول: قد ذكر الرضي أن المجرور بمن التفضيلية لا يخلو من مشاركة المفضل في المعنى إما تحقيقاً كما في زيد أحسن من عمرو أو تقديراً كقول علي كرم الله تعالى وجهه: لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان وذلك لأن إفطار يوم الشك الذي يمكن أن يكون من رمضان محبوب عند المخالف فقدره علي كرم الله تعالى وجهه محبوباً إلى نفسه أيضاً، ثم فضل صوم شعبان عليه فكأنه قال: هب أنه محبوب عندي أيضاً أليس صوم يوم من شعبان أحب منه انتهى. وما في الآية يمكن تخريجه على طرز الأخير فيكون إنكاره عليه السلام عليهم أعزية رهطه منه تعالى على تقدير أن يكون عز وجل عزيزاً عندهم أيضاً، ويعلم من ذلك إنكار ما هم عليه بطريق الأولى، وكأن هذا هو الداعي لاختيار هذا الأسلوب من الإنكار، ووقوعه في الجواب لا يأبـى ذلك، وإن قيل بجواز خلو المجرور ـ بمن ـ من مشاركة المفضل وإرادة مجرد المبالغة من أفعل المقرون بها بناءً على مجىء ذلك بقلة ـ كما قال الجلال السيوطي في «همع الهوامع» ـ نحو العسل أحلى من الخل والصيف أحر من الشتاء، واعتمد هنا على قرينة السباق والسياق فالأمر واضح، واستحسن كون قوله تعالى: {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ} الخ اعتراضاً وفائدته تأكيد تهاونهم بالله تعالى ببيان أنهم قوم عادتهم أن لا يعبأوا بالله تعالى ويجعلوه كالشيء المنبوذ، وجوز بعض كونه عطفاً على ما قبله على معنى أفضلتم رهطى على الله سبحانه وتهاونتم به تعالى ونسيتموه ولم تخشوا جزاءه عز وجل، وقال غير واحد: إنه يحتمل أن يكون الغرض من قوله عليه السلام {أَرَهْطِي} الخ الرد والتكذيب لقومه فإنهم لما ادعوا أنهم لا يكفون عن رجمه عليه السلام لعزته بل لمراعاة جانب رهطه ردّ عليهم ذلك بأنكم ما قدرتم الله تعالى حق قدره ولم تراعوا جنابه القوي فكيف تراعون رهطي الأذلة، وأياً مّا كان فضمير {ٱتَّخَذْتُمُوهُ} عائد إلى الله تعالى وهو الذي ذهب إليه جمهور المفسرين، وروي عن ابن عباس والحسن وغيرهما. و ـ الظهري ـ منسوب إلى الظهر، وأصله المرمي وراء الظهر، والكسر من تغييرات النسب كما قالوا في النسبة إلى أمس: أمسي بالكسر وإلى الدهر دهري بالضم، ثم توسعوا فيه فاستعملوه للمنسي المتروك، وذكروا أنه حتمل أن يكون في الكلام استعارة تصريحة وأن يكون استعارة تمثيلية. وزعم بعضهم أن الضمير له تعالى، و ـ الظهري ـ العون وما يتقوى به، والجملة في موضع الحال، والمعنى أفضلتم الرهط على الله تعالى ولم تراعوا حقه سبحانه والحال أنكم تتخذونه سند ظهوركم وعماد آمالكم. ونقل ابن عطية هذا المعنى عن جماعة، وقيل: الظهري المنسي، والضمير عائد على الشرع الذي جاء به شعيب عليه السلام وإن لم يذكر صريحاً، وروي عن مجاهد أو على أمر الله، ونقل عن الزجاج، وقيل: الظهري بمعنى المعين، والضمير لله تعالى، وفي الكلام مضاف محذوف أي عصيانه والمعنى على ما قرره أبو حيان واتخذتم عصيانه تعالى عوناً وعدة لدفعي، وقيل: لا حذف والضمير للعصيان وهو الذي يقتضيه كلام المبرد، ولا يخفى ما في هذه الأقوال من الخروج عن الظاهر من غير فائدة، ومما ينظم في سلكها تفسير العزيز بالملك زعماً أنهم كانوا يسمعون الملك عزيزاً على أن من له أدنى ذوق لا يكاد يسلم صحة ذلك فتفطن. ونصب {ظهرياً} على أنه مفعول ثان ـ لاتخذتموه ـ والهاء مفعوله الأول، و {وَرَآئِكُمْ} ظرف له أو حال من {ظِهْرِيّاً}. {إِنَّ رَبّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} تهديد عظيم لأولئك الكفرة الفجرة أي أنه سبحانه قد أحاط علماً بأعمالكم السيئة التي من جملتها رعايتكم جانب الرهط دون رعاية جنابه جل جلاله في فيجازيكم على ذلك وكذا قوله: {وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ}.

ابن عاشور

تفسير : لمّا أرادوا بالكلام الذي وجّهوه إليه تحذيره من الاستمرار على مخالفة دينهم، أجابهم بما يفيد أنه لم يكن قط معوّلاً على عزة رهطه ولكنّه متوكّل على الله الذي هو أعزّ من كل عزيز، فالمقصود من الخَبَر لازمه وهو أنّه يعلم مضمون هذا الخبر وليس غافلاً عنه، أي لقد علمتُ مَا رهطي أغلب لكم من الله فلا أحتاج إلى أن تعاملوني بأنّي غيرُ عزيز عليكم ولا بأنّ قرابتي فئة قليلة لا تعجزكم لو شئتم رجمي. وإعادة النداء للتّنبيه لكلامه وأنه متبصّر فيه. والاستفهام إنكاريّ، أي الله أعز من رهطي، وهو كناية عن اعتزازه بالله لا برهطه فلا يريبه عدم عزة رهطه عليهم، وهذا تهديد لهم بأنّ الله ناصره لأنّه أرسله فعزّته بعزّة مُرسله. وجملة {واتّخذتموه وراءَكم ظِهرياً} في موضع الحال من اسم الجلالة، أي الله أعز في حال أنكم نسيتم ذلك. والاتّخاذ: الجعل، وتقدّم في قوله: {أية : أتتّخذ أصْناماً آلهةً}تفسير : في سورة [الأنعام: 74]. والظِهريّ ـ بكسر الظاء ـ نسبة إلى الظهر على غير قياس، والتغييرات في الكلم لأجل النسبة كثيرة. والمراد بالظهريّ الكناية عن النسيان، أو الاستعارة لأن الشيء الموضوع بالوراء ينسى لقلة مشاهدته، فهو يشبه الشيء المجعول خلف الظهر في ذلك، فوقَع {ظهريّاً} حالاً مؤكّدة للظرف في قوله: {وراءكم} إغراقاً في معنى النسيان لأنّهم اشتغلوا بالأصنام عن معرفة الله أو عن ملاحظة صفاته. وجملة {إنّ ربي بما تعملون محيط} استئناف، أو تعليل لمفهوم جملة {أرهطي أعز عليكم من الله} الذي هو توكله عليه واستنصاره به. والمحيط: الموصوف بأنه فاعل الإحاطة. وأصل الإحاطة: حصار شيء شيئاً من جميع جهاته مثل إحاطة الظرف بالمظروف والسور بالبلدة والسِوار بالمعصم. وفي «المقامات الحريرية»: «وقد أحاطت به أخلاط الزمر، إحاطة الهالة بالقمر، والأكمام بالثمر». ويطلق مجازاً في قولهم: أحاط علمه بكذا، وأحاط بكل شيء علماً، بمعنى علم كل ما يتضمّن أن يعلم في ذلك، ثم شاع ذلك فحذف التمييز وأسندت الإحاطة إلى العالم بمعنى: إحاطة علمه، أي شمول علمه لجميع ما يعلم في غرض مّا، قال تعالى: {أية : وأحاط بما لديهم}تفسير : [الجن: 28] أي علمه. ومنه قوله هنا: {إنّ ربي بما تعملون محيط} والمراد إحاطة علمه. وهذا تعريض بالتهديد، وأنّ الله يوشك أن يعاقبهم على ما علمه من أعمالهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰقَوْمِ} (92) - قَالَ لَهُمْ شُعَيبٌ: هَلْ جَمَاعَتِي أَحَقُّ بِالمُجَامَلَةِ وَالرِّعَايَةِ عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ؟ فَتَتْرُكُونَ مَسَاءَتِي إِكْرَاماً وَاحْتِرَاماً لِقَوْمِي، وَلاَ تَتْرُكُونَهَا إِعْظَاماً للهِ القَدِير أن تَنَالُوا نَبِيَّهُ بِمَسَاءَةٍ، وَقَدْ نَبَذْتُمْ جَانِبَ اللهِ وَحَقَّهُ، وَجَعَلْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ لاَ تُطِيعُونَ رَبَّكُمْ، وَلاَ تُعَظَّمُونَهُ. وَرَبِّي يَعْلَمُ جَمِيعَ أَعْمَالِكُمْ وَهُوَ مُحيطٌ بِها، وَسَيَجْزِيكُمْ عَلَيْهَا أَوْفَى الجَزَاءِ. وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيّاً - مَنْبُوذاً وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ مَنْسِيّاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا يتساءل شعيب عليه السلام باستنكار: أوضعتم رهطي في كفة؛ ومعزَّة الله تعالى في كفة؟ وغلَّبتم خوفكم من رهطي على خوفكم من الله؟! ولم يأبه شعيب عليه السلام باعتزازهم برهطه أمام اعتزازه بربه؛ لأنه أعلن - من قبل - توكله على الله؛ ولأنه يعلم أن العزة لله تعالى أولاً وأخيراً. ولم يكتفوا بذلك الاعتزاز بالرهط عن الاعتزاز بالله؛ بل طرحوا التفكير في الإيمان بالله وراء ظهورهم؛ لأن شعيباً عليه السلام يقول لهم: {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً ..} [هود: 92]. أي: لم يجعلوا الله سبحانه - أمامهم، فلم يأبهوا بعزة الله؛ ولا بحماية الله؛ وجعلوا لبعض خلقه معزَّة فوق معزَّة الله. ولم يقل: (ظِهْرِيًّا) نسبة إلى (الظهر)، فعندما ننسب تحدث تغييرات، فعندما ننسب إلى اليمن نقول: يمنيّ. ونقول: يمانيّ، فالنسب هنا إلى الظهري، وهي المنسي والمتروك، فأنت ساعة تقول: أنت طرحت فلاناً وراء ظهرك، يعني جعلته بعيداً عن الصورة بالنسبة للأحداث، ولم تحسب له حساباً. إذن: فهناك تغييرات تحدث في باب النسب. ويذكِّرهم شعيب عليه السلام بقوله: {.. إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [هود: 92]. أي: أن كل ما تقولونه أو تفعلونه محسوب عليكم؛ لأن الحق سبحانه لا تخفَى عليه خافية، وقد سبق أن عرفنا أن القول يدخل في نطاق العمل؛ فكلُّ حدث يقال له: "عمل"؛ وعمل اللسان هو القول؛ وعمل بقية الجوارح هو الأفعال. وقد شرَّف الحق سبحانه القول لأنه وسيلة الإعلام الأولى عنه سبحانه. يقول الحق سبحانه من بعد ذلك ما جاء على لسان شعيب عليه السلام: {وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} معناه جَعَلْتُموهُ خَلفَ ظِهُورِكُمْ، وتَركْتُمُوهُ وَلَم تَلتَفِتُوا إِليهِ.

الجيلاني

تفسير : وبعدما آيس شعيب عليه السلام من إيمانهم {قَالَ يٰقَوْمِ} أضافهم إلى نفسه هنا تهكماً بخلاف ما مضى؛ إذ قد آيس عن صلاحهم بالمرة {أَرَهْطِيۤ} وأقوالي {أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ} الذي أوجدكم من كتم العدم، فعزرتموهم وراعيتم جانبهم {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ} أي: الله سبحانه وأوامره ونواهيه وإطاعة رسوله {وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} أي: منبوذاً وراء ظهوركم، بل رجحتم جانب المصنوع على جانب الصانع {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ} من المفاسد {مُحِيطٌ} [هود: 92] بعلمه إحاطة حضور لا يغيب عنه شيء، فيفصلها علكيم ويجازيكم بها. {وَيٰقَوْمِ} الناكبين عن طريق الحق المصرين على الباطل {ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} وعلى مقتضى مرتبتكم ونشأتكم أي عمل شتئم {إِنِّي} أيضاً {عَٰمِلٌ} على شأني {سَوْفَ تَعْلَمُونَ} أنتم وأنا أيضاً {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} ويريده {وَمَنْ هُوَ كَٰذِبٌ} منا بالله وبسر ربوبيته وتوحيده {وَٱرْتَقِبُوۤاْ} أي: انتظروا وترقبوا بالعذاب والنكال {إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} [هود: 93] منتظر. {وَلَمَّا جَآءَ} ونفذ {أَمْرُنَا} بأهلاكهم {نَجَّيْنَا} وأخرجنا أولاً من بينهم {شُعَيْباً} الناجي {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} وامتثلوا بما أُمروا به من عندنا {بِرَحْمَةٍ} نازلة {مِّنَّا} إياهم تفضلاً {وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أنفسهم حين صاروا في فراشهم بائتين {الصَّيْحَةُ} الهائلة {فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ} التي كانوا مترفهين فيها {جَاثِمِينَ} [هود: 94] جامدين وأجسادهم بلا روح. وصاروا {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ} ولم يسكنوا {فِيهَآ} فصاح عليهم من صاح من أرباب الفطنة والعبرة: {أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} [هود: 95].

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 368 : 19 : 13 - سفين عن جابر عن مجاهد في قوله {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} قال، نبذتم امره. [الآية 92].

همام الصنعاني

تفسير : 1243- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً}: [الآية: 92]، قال: لم تراقبوه في شيء إنَّما تراقبون قوموي.. واتخذتم الله وراءكم ظِهْريّاً لا تخافون. 1246- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ}: [الآية: 92]، قال: عززتم قومكم واغتررتم بربكم.