١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
94
Tafseer
الرازي
تفسير : روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم يعذب الله تعالى أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم من فوقهم وقوله: {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } يحتمل أن يكون المراد منه ولما جاء وقت أمرنا ملكاً من الملائكة بتلك الصيحة، ويحتمل أن يكون المراد من الأمر العقاب، وعلى التقديرين فأخبر الله أنه نجى شعيباً ومن معه من المؤمنين برحمة منه وفيه وجهان: الأول: أنه تعالى إنما خلصه من ذلك العذاب لمحض رحمته، تنبيهاً على أن كل ما يصل إلى العبد فليس إلا بفضل الله ورحمته. والثاني: أن يكون المراد من الرحمة الإيمان والطاعة وسائر الأعمال الصالحة وهي أيضاً ما حصلت إلا بتوفيق الله تعالى، ثم وصف كيفية ذلك العذاب فقال: {وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ } وإنما ذكر الصيحة بالألف واللام إشارة إلى المعهود السابق وهي صيحة جبريل عليه السلام {فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ } والجاثم الملازم لمكانه الذي لا يتحول عنه يعني أن جبريل عليه السلام لما صاح بهم تلك الصيحة زهق روح كل واحد منهم بحيث يقع في مكانه ميتاً {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } أي كأن لم يقيموا في ديارهم أحياء متصرفين مترددين. ثم قال تعالى: {أَلاَ بُعْدًا لّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ } وقد تقدم تفسير هذه اللفظة وإنما قاس حالهم على ثمود لما ذكرنا أنه تعالى عذبهم مثل عذاب ثمود.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا } بإِهلاكهم {نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ } صاح بهم جبريل {فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جَٰثِمِينَ } باركين على الركب ميتين.
النسفي
تفسير : {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ } صاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وإنما ذكر في آخر قصة عاد ومدين {ولما جاء} وفي آخر قصة ثمود ولوط {فلما جاء} لأنهما وقعا بعد ذكر الموعد وذلك قوله: {أية : إن موعدهم الصبح} {أية : ذلك وعد غير مكذوب}تفسير : فجيء بالفاء الذي هو للتسبيب كقولك«وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت». وأما الأخريان فقد وقعتا مبتدأتين فكان حقهما أن تعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما كما تعطف قصة على قصة {فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ } الجاثم اللازم لمكانه لا يريم يعني أن جبريل صاح بهم صيحة فزهق روح كل واحد منهم بحيث هو بغتة {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } كأن لم يقيموا في ديارهم أحياء متصرفين مترددين {أَلاَ بُعْدًا لّمَدْيَنَ } البعد بمعنى البعد وهو الهلاك كالرشد بمعنى الرشد ألا ترى إلى قوله: {كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ } وَقرىء {كما بعُدت} والمعنى في البناءين واحد وهو نقيض القرب إلا أنهم فرقوا بين البعد من جهة الهلاك وبين غيره، فغيروا البناء كما فرقوا بين ضماني الخير والشر فقالوا: وعد وأوعد. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } المراد به العصا لأنها أبهرها {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَٱتَّبَعُواْ } أي الملأ {أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } هو تجهيل لمتبعيه حيث تابعوه على أمره وهو ضلال مبين، وذلك أنه ادعى الإلهية وهو بشر مثلهم، وجاهر بالظلم والشر الذي لا يأتي إلا من شيطان ومثله بمعزل عن الألوهية. وفيه أنهم عاينوا الآيات والسلطان المبين وعلموا أن مع موسى الرشد والحق ثم عدلوا عن اتباعه إلى اتباع من ليس في أمره رشد قط، أو المراد وما أمره بصالح حميد العاقبة ويكون قوله:
الخازن
تفسير : {ولما جاء أمرنا} يعني بعذابهم وإهلاكهم {نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا} يعني بفضل منا بأن هديناهم للإيمان ووفقناهم للطاعة {وأخذت الذين ظلموا} يعني ظلموا أنفسهم بالشرك والبخس {الصيحة} وذلك أن جبريل عليه السلام صاح بهم صيحة فخرجت أرواحهم وماتوا جميعاً، وقيل: أتتهم صيحة واحدة من السماء فماتوا جميعاً {فأصبحوا في ديارهم جاثمين} يعني ميتين وهو إستعارة من قولهم جثم الطير إذا قعد ولطأ بالأرض {كأن لم يغنوا فيها} يعني كأن لم يقيموا بديارهم مدة من الدهر مأخوذ من قولهم غني بالمكان إذا أقام فيه مستغنياً به عن غيره {ألا بعداً} يعني هلاكاً {لمدين كما بعدت ثمود} قال ابن عباس "لم تعذب أمتان قط بعذاب واحد إلى قوم شعيب وقوم صالح فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم وأما قوم شعيب فأخذتهم الصيحة من فوقهم" قوله عز وجل: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} يعي بحججنا والبراهين التي أعطيناه الدالة على صدقه ونبوته {وسلطان مبين} يعني ومعجزة باهرة ظاهرة دالة على صدقه أيضاً قال بعض المفسرين المحققين سميت الحجة سلطاناً لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة معه كالسلطان يقهر غيره، وقال الزجاج: السلطان هو الحجة وسمي السلطان سلطاناً لأنه حجة الله في الأرض {إلى فرعون وملئه} يعني أتباعه وأشراف قومه {فاتبعوا أمر فرعون} يعني ما هو عليه من الكفر وترك الإيمان بما جاءهم به موسى {وما أمر فرعون برشيد} يعني وما طريق فرعون وماهو عليه بسديد ولا حميد العاقبة ولا يدعو إلى خير {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار} يعني كما تقدم قومه فأدخلهم البحر في الدنيا كذلك يتقدم قومه يوم القيامة فيدخلهم النار ويدخل هو أمامهم، والمعنى كما كان قدوتهم في الضلال والكفر في الدنيا فكذلك هو قدوتهم وإمامهم في النار {وبئس الورد المورود} يعني: وبئس الدخل المدخول فيه وقيل شبه الله تعالى فرعون في تقدمه على قومه إلى النار بمن يتقدم على الوارد إلى الماء وشبه أتباعه بالواردين بعده ولما كان ورود الماء محموداً عند الواردين لأنه يكسر العطش قال في حق فرعون وأتباعه فأوردهم النار وبئس الورد المورود لأن الأصل فيه قصد الماء واستعمل في ورود النار على سبيل الفظاعة {وأتبعوا في هذه} يعني في هذه الدنيا {لعنة} يعني طرداً وبعداً عن الرحمة {ويوم القيامة} يعني وأتبعوا لعنة أخرى يوم القيامة مع اللعنة التي حصلت لهم في الدنيا {بئس الرفد المرفود} يعني بئس العون المعان وذلك أن اللعنة في الدنيا رفد للعنة في الآخرة وقيل معناه بئس العطاء المعطى وذلك أن ترادف عليهم لعنتان لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة. وقوله سبحانه وتعالى: {ذلك من أنباء القرى} يعني من أخبار أهل القرى وهم الأمم السالفة والقرون الماضية {نقصّه عليك} يعني نخبرك به يا محمد لتخبر قومك أخبارهم لعلهم يعتبرون بهم فيرجعوا عن كفرهم أو ينزل بهم مثل ما نزل بهم من العذاب {منها} يعني من القرى التي أهلكنا أهلها {قائم وحصيد} يعني منها عامر ومنها خراب وقيل منها قائم يعني الحيطان بغير سقوف ومنها ما قد محي أثره بالكلية شبهها الله تعالى بالزرع الذي بعضه قائم على سوقه وبعضهم قد حصد وذهب أثره والحصيد بمعنى المحصود {وما ظلمناهم} يعني بالعذاب والإهلاك {ولكن ظلموا أنفسهم} يعني بالكفر والمعاصي {فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك} يعني بعذابهم أي لم تنفعهم أصنامهم ولم تدفع عنهم العذاب {وما زادوهم غير تتبيب} يعني غير تخسير وقيل غير تدمير.
ابو السعود
تفسير : {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا} أي عذابُنا كما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ}تفسير : [هود: 93] أو وقتُه فإن الارتقابَ مؤذِنٌ بذلك {نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا} وهي الإيمانُ الذي وفقناهم له أو بمرحمة كائنةٍ منّا لهم، وإنما ذكر بالواو كما في قصة عاد لِما أنه لم يسبِقْه فيها ذكرُ وعدٍ يجري مجرىٰ السببِ المقتضي لدخول الفاءِ في معلوله كما في قصتي صالحٍ ولوط. فإنه قد سبق هنالك سابقةُ الوعد بقوله: {أية : ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } تفسير : [هود: 65] وقوله: {أية : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ }تفسير : [هود: 81].{وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} عدل إليه عن الضمير تسجيلاً عليهم بالظلم وإشعاراً بأن ما أخذهم إنما أخذهم بسبب ظلمِهم الذي فُصّل فيما سبق فنونُه {ٱلصَّيْحَةَ} قيل: صاح بهم جبريلُ عليه السلام فهلكوا، وفي سورة الأعراف {أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ }تفسير : ، وفي سورة العنكبوت {أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ }تفسير : أي الزلزلة، ولعلها من روادف الصيحةِ المستتبِعة لتموّج الهواء المفضي إليها كما مر فيما قبل {فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ} ميتين لازمين لأماكنهم لا بَراحَ لهم منها، ولمّا لم يُجعل متعلَّقُ العلمِ في قوله تعالى: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ} الخ، نفسَ مجيءِ العذابِ بل من يجيئه ذلك جُعل مجيئُه بعد ذلك أمراً مسلَّمَ الوقوعِ غنياً عن الإخبار به حيث جعل شرطاً وجُعل تنجيةُ شعيبٍ عليه السلام وإهلاكُ الكفرة جواباً له ومقصودَ الإفادة، وإنما قدّم تنجيتُه اهتماماً بشأنها وإيذاناً بسبق الرحمةِ التي هي مقتضى الربوبـيةِ على الغضب الذي يظهر أثرُه بموجب جرائرِهم وجرائمهم {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ} أي لم يقيموا {فِيهَا} متصرفين في أطرافها متقلبـين في أكنافها {أَلاَ بُعْدًا لّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} العدولُ عن الإضمار إلى الإظهار ليكون أدلَّ على طغيانهم الذي أدّاهم إلى هذه المرتبةِ وليكون أنسبَ بمن شُبّه هلاكُهم بهلاكهم أعني ثمود، وإنما شُبّه هلاكُهم بهلاكهم لأنهما أُهلكتا بنوع من العذاب وهو الصيحة، غير أن هؤلاءِ صيح بهم من فوقهم وأولئك من تحتهم وقرىء بعُدت بالضم على الأصل فإن الكسرَ تغيـيرٌ لتخصيص معنى البُعد بما يكون سببَ الهلاك والبعدُ مصدرٌ لهما والبُعدُ مصدرٌ للمكسور.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولما جاء امرنا} الذى قدرناه فى الازل من العذاب والهلاك لقوم شعيب فالامر واحد الامور {نجينا شعيبا} قدم تنجيته ايذانا بسبق الرحمة التى هى مقتضى الربوبية على الغضب الذى يظهر اثره بموجب الجرائم {والذين آمنوا معه} اى ونجينا الذين اتبعوا شعيبا فى الايمان وآمنوا كما آمن هو {برحمة} ازلية صدرت {منا} فى حقهم ومجرد فضل لا بسبب اعمالهم كما هو مذهب اهل السنة. وقال بعضهم هى الايمان الذى وفقناهم له. يقول الفقير وجه هذا القول ان العذاب والهلاك الذى هو من باب العدل قد اضيف الى الكفر والظلم فاقتضى ان يضاف الخلاص والنجاة الذى هو من باب الفضل الى الايمان ولما كان الايمان والعمل الصالح امرا موقوفا على التوفيق كان مجرد فضل ورحمة فافهم {واخذت الذين ظلموا} انفسهم بالاباء والاستكبار عن قبول دعوة شعيب {الصيحة} فاعل اخذت والمراد صيحة جبرائيل عليه السلام بقوله موتوا جميعا. وفى سورة الاعراف {أية : فاخذتهم الرجفة} تفسير : اى الزلزلة ولعلها من روادف الصيحة المستتبعة لتموج الهواء المفضى اليها. عن ابن عباس رضى الله عنهما لم يعذب الله امتين بعذاب واحد الا قوم شعيب وصالح وذلك انه اصابهم حر شديد فخرجوا الى غيضة لهم فدخلوا فيها فظهرت لهم سحابة كهيئة الظلة فاحدقت بالاشجار واخذت فيها النار وصاح بهم جبريل ورجفت بهم الارض فماتوا كلهم واحترقوا فذلك قوله تعالى {فاصبحوا} اى صاروا {فى ديارهم} بلادهم او مساكنهم {جاثمين} ميتين لازمين لاماكنهم لابراح لهم منها اى لا زوال
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ولما جاء أمرنُا}: عذابنا لقوم شعيب، {نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا}، لا بعمل استحقوا به ذلك؛ إذ كل من عنده، {وأخذت الذين ظلموا الصيحةُ} قيل: صاح بهم جبريل فهلكوا، {فأصبحوا في ديارهم جاثمين}: ميتين. وأصل الجثوم: اللزوم في المكان. {كأن لم يَغْنَوا فيها} كأن لم يقيموا فيها ساعة، {ألا بعْداً لمدين كما بَعِدَتْ ثمودُ}، شبههم بهم؛ لأن عذابهم كان أيضاً بالصيحة، غير أن صيحة ثمود كانت من فوق، وصيحة مدين كانت من تحت، على ما قيل، ويدل عليه: التعبير عنهما بالرجفة في آية أخرى. والرجفة في الغالب إنما تكون من ناحية الأرض. وفي البيضاوي خلاف هذا، وهو غير جَيد. قال قتادة: بعث الله شعيباً إلى أمتين: أصحاب الأيكة، وأصحاب مدين، فأهلك أصحاب الأيكة بالظلة، على ما يأتي، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة؛ فهلكوا أجمعين. قيل: وآمن بشعيب من الفئتين: تسعمائة إنسان. وكان أهل الأيكة أهل غيطة وشجر، وكان شجرهم الدَّوْم ـ وهو شجر المُقْل. الإشارة: سبب النجاة من الهلاك في الدارين: توحيد الله، وتعظيم من جاء من عند الله. وسبب الهلاك: الإشراك بالله، وإهانة من عظمه الله. والله تعالى أعلم. ثم ذكر رسالة موسى عليه السلام بعد شعيب؛ لأنه من تلامذته، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا}.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى انه {لما جاء أمر} الله باهلاك قوم شعيب، وقد بينا معناه فيما مضى {نجينا شعيباً} اي خلصناه، ونجينا معه من كان مؤمناً من قومه برحمة من جهته تعالى، ويجوز ان يكون في نجاة شعيب، ومن آمن معه لطف لمن سمع بأخبارهم فيؤمن، كما انه متى كان في نجاة الظالمين لطف وجب تخليصهم، وكذلك ان كان المعلوم من حال الكافر انه يؤمن فيما بعد وجب تبقيته - عند أبي علي ومن وافقه - وعند قوم آخرين لا يجب. وقوله {وأخذت الذين ظلموا الصيحة} انث الفعل ها هنا لانه رده الى الصيحة، وفيما قبل ذكّر، لانه رده الى الصياح. وقوله {فأصبحوا في ديارهم جاثمين} قال الجبائي: معناه منكبين على وجوههم. وقال قوم: الجثوّ على الركب. وقال قوم: معناه خامدين موتى. قال البلخي يجوز ان تكون الصيحة صيحة على الحقيقة، كما روي ان الله تعالى امر جبرائيل فصاح بهم صيحة ماتوا كلهم من شدتها، ويجوز ان يكون ضرباً من العذاب اهلكهم واصطلمهم تقول العرب: صاح الزمان بآل فلان إذا هلكوا. قال امرؤ القيس: شعر : دع عنك نهباً صيح في حجراته ولكن حديث ما حديث الرواحل تفسير : (معنى صيح في حجراته) اي اهلك وذهب به.
الجنابذي
تفسير : {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} باهلاك قوم شعيب {نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} الاتيان بالواو قبل لمّا ههنا وفى قصّة هود (ع) وبالفاء فى قصّتى صالح (ع) ولوط (ع) للتّصريح فى قصّتى صالح ولوط (ع) بوعد العذاب المستعقب لاتيانه المسبّب منه دون قصّتى هود (ع) وشعيب (ع) {وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ} روى انّه صاح بهم جبرئيل صيحة فزهق روح كلّ منهم {فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} الآيات هى الآيات التّسع الّتى بها ظهور رسالته وسلطان مبينٍ هو الولاية الّتى لها السّلطنة على الكلّ، ولمّا كان جعل عصاه الّتى كانت جماداً حيّة حيّة من ظهور سلطنة الولاية وبه صار سلطنته تامّةً كان المراد به فى الظّاهر هو عصاه.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} أي: بالعذاب { نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} أي: موتى قد هلكوا. قوله: {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا} أي: كان لم يعيشوا فيها {أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ}. قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بآيَاتِنَا} أي: بآياتنا التي تدل على صحة نبوته. {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي: بحجة بينة. {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ} أي: وقومه. {فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ}. قال الحسن: يكون قائدهم إلى النار حتى يدخلها معه قومه. قال: { وَبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ}. أي: النار. { وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ} أي: في الدنيا { لَعْنَةً} [يَعني العذاب الذي عذّبهم به من الغرق] {وَيَوْمَ القِيَامَةِ} أي: واتبعوا يوم القيامة لعنة. { بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ}. قال بعضهم: ترادفت عليه لعنتان: لعنة بعد لعنة، لعنة الدنيا، ولعنة الآخرة.
اطفيش
تفسير : {ولما جَاءَ أمْرنا نجَّينَا شُعيباً والَّذينَ آمنُوا مَعهُ برحْمةٍ منَّا} ذكره هنا وفى قصة عاد بالواو، وفى قصتى صالح ولو بالفاء، لأنه لم يكن ذلك هنا، وفى قصة عاد بعد ذكر الوعيد فناسب الواو، بخلاف قصتى صالح ولوط فذكر ذلك فيهما بعد ذكر الوعيد بقوله: {أية : وعد غير مكذوب} تفسير : وقوله: {أية : إنّ موعدهم الصبح} تفسير : فناسب الفاء التى تجئ للسببية. {وأخَذت الَّذينَ ظَلمُوا} أنفسهم وغيرهم بالشرك والتطفيف وغير ذلك {الصَّيحة} صاح بهم جبريل من فوقهم صيحة خرجت بها أرواحهم. قال ابن عباس: لم تعذب أمتان قط بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب، أما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأما قوم شعيب فأخذتهم من فوقهم، لم يقل وأخذت قومه الصيحة ليصفهم بالظلم الواجب للأخذ، كما وصف الناجين بالإيمان الموجب للنجاء، وليقابل الإيمان الخالص من الظلم بالظلم الشامل للشرك والمعصية. {فأصْبحوا فى ديَارهم جَاثمينَ} باركين على الركب ميتين، قيل: أصل الجثوم لزوم المكان كاللبود.
اطفيش
تفسير : {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} عذابنا كما يدل له قوله عز وجل سوف تعلمون أو وقته كما يدل له قوله عز وجل فارتقبوا إِلخ، مثل ما مر {نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا معَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} وهى الإيمان الذى وفقناهم إِليه أَو مرحمة منا لهم،ذكره بالواو لا بالفاءِ هنا، وفى قصة هود إذ قال ولماجاء أَمرنا نجينا هودا إِلخ لأَنه لم يتقدم ذكر وعيد يجرى مجرى السبب المقتضى لفاءِ السببية فكان العطف بالواو المفيدة لمجرد عطف قصة على أُخرى بخلاف قصة صالح ولوط فإٍِنه ذكر فيهما وعيد فجىءَ بالفاءِ، قال فى قصة صالح فعقروها إِلخ وفى قصة لوط إِن موعدهم الصبح، فكان ما بعد فيهما بالفاءِ التفريعية، وإِن قلت الوعيد مذكور فى قصة شعيب أَيضا وهو قوله: اعملوا على مكانتكم فإنه تهديد، وفى قصة عاد إِذ قال: وما من دابة إِلا هو آخذ بناصيتها قلت: لم يساقا مساق الوعيد فروعى عدم سوقهما مساقة، فلم تكن الفاءُ ولو فى معنى ذكر الوعيد الصريح، وهب أَن الوعيد الضمنى كالصريح لكن السببية قد توجد ولا تلاحظ كما فى آية الواو وقد تلاحظ كما فى آية الفاءِ كقوله تعالى: {أية : فهب لى من لدنك وليا يرثنى} تفسير : [مريم: 5، 6] بالرفع لغير ملاحظتها وبالجزم لملاحظتها فذكر بالفاءِ تارة وبالواو أُخرى تفننا، وقيل ذكر الفاءَ لقرب عذاب قوم صالح وقوم لوط للوعد بثلاثة أَيام بين قوم صالح وبين عذابهم وبسويعات بين قوم لوط وعذابهم إِن موعدهم الصبح، وليس قوم شعيب وقوم هود كذلك وقيل الفاءُ لتقدم الوعد وتركها وإن كان مع الوعد للإشارة إلى سوءِ حال القومين ومزيد فظاعته لمجرد ظلمهم بلا تفرع إذ رمى قوم صالح وقوم لوط رسوليهما بما لم يشاقه به غيرهما رسولا، وفيه أَنه قد شاقه غيرهما فى غير هذه السورة بنحو الجنون إِلا أَن يراعى السوق بحسب ما فى السورة {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} أى وَأَخذتهم، ولكن ذكرهم باسم الظلم الموجب للصيحة والصيحة على ظاهرها، وأُجيز أَن يكون نوعا من العذاب والعرب تقول صاح بهم العذاب إذا هلكوا: شعر : دع عنك نهبا صيح فى حجراته تفسير : وفى الأَعراف الرجفة أَى الزلزلة أَو الرجفة الزلزلة فى مبتدإِ الصيحة، صاح بهم جبريل عليه السلام، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: لم يعذب الله أُمتين بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب عليهما الصلاة والسلام، وزيد قوم هود، أما قوم صالح فأَخذتهم الصيحة من تحتهم وقوم شعيب من فوقهم وقيل من تحتهم، قيل نشأت لهم سحابة وصارت لهم كالظلة فيها ريح ولم يعلموا أَنها عذاب فاجتمعوا تحتها وقد اتقدت عليهم مطامرهم ومظان البرد حرارة، فخرجوا إليها فصيح فيهم وهم تحتها فأَخذهم عذاب يوم الظلة {فأَصْبَحُوا} بعد الليل أَو صاروا {فِى دِيَارِهِمْ جَاثِمين} ميتين وأصل الجثوم لزوم المكان أو على الركبتين والموت سبب الملزوم المكان.
الالوسي
تفسير : {وَلَمَّا جَآء أَمْرُنَا} أي عذابنا كما ينبـىء عنه قوله سبحانه: {أية : سَوْفَ تَعْلَمُونَ }تفسير : [هود: 93] الخ أو وقته فإن الارتقاب يؤذن بذلك {نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا} وهو الإيمان الذي وفقناهم له أو بمرحمة كائنة منا لهم. وإنما جيء بالفاء في قصتي ثمود ولوط حيث قيل: {أية : فَلَمَّا جَآء أَمْرُنَا } تفسير : [هود: 82] وبالواو هٰهنا وفي قصة عاد حيث قيل: {أية : وَلَمَّا جَآء }تفسير : [66] لأنه قد سبق هناك سابقة الوعد بقوله سبحانه: {أية : ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ}تفسير : [هود: 65] وقوله تعالى: {أية : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ}تفسير : [هود: 81] وهو يجري مجرى السبب المقتضي لدخول الفاء في معلوله، وأما هٰهنا وفي قصة عاد فلم يسبق مثل ذلك بل ذكر مجيء العذاب على أنه قصة بنفسه وما قبله قصة أخرى لكنهما متعلقان بقوم واحد فهما متشاركان من وجه مفترقان من آخر، وذلك مقام الواو كذا قيل. وتعقب بأن في الكلام هٰهنا ذكر الوعد أيضاً، وهو قوله سبحانه: {يَٰقَومِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} إلى قوله عز وجل: {أية : رَقِيبٌ} تفسير : [هود: 93] غاية الأمر أنه لم يذكر بلفظ الوعد ومثله لا يكفي في الفرق، وقيل: إن ذكر الفاء في الموضعين لقرب عذاب قوم صالح ولوط للوعد المذكور فإن بين الأولين والعذاب ثلاثة أيام، وبين الآخرين وبينه ما بين قول الملائكة: {أية : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ}تفسير : [هود: 81] والصبح: وهي سويعات يسيرة ولا كذلك عذاب قومي شعيب وهود عليهما السلام بل في قصة قوم شعيب عليه السلام ما يشعر بعدم تضييق زمان مجيء العذاب بناءً على الشائع في استعمال {سَوْفَ} على أن من أنصف من نفسه لم يشك في الفرق بين الوعد في قصتي صالح ولوط عليهما السلام والوعد في غيرهما، فإن الإشعار بالمجيء فيهما ظاهر فحسن تفريعه بالفاء ولا كذلك في غيرهما كذا قيل، وفيه ما لا يخفى. ولعل الاقتصار على التفرقة بالقرب / وعدمه أقل غائلة مما قيل، وكذا مما يقال: من أن الإتيان بالفاء لتقدم الوعد وتركها وإن كان هناك وعد للإشارة إلى سوء حال أولئك القومين ومزيد فظاعته حتى أن العذاب حل بهم لا لسبب سبق الوعد بل لمجرد ظلمهم وكأن وجه اعتبار ذلك فيهم دون قومي لوط وصالح عليهما السلام أنهم امتازوا عنهم برمي ذينك النبيين بالجنون ومشافهتهما بما لم يشافه به كل من قومي صالح ولوط نبيه فيما قص عنهما في هذه السورة الكريمة فإن في ذلك ما لا يكاد يخفى عليك فتدبر. {وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} عدل عن الضمير تسجيلاً عليهم بالظلم وإشعاراً بالعلية أي وأخذت أولئك الظالمين بسبب ظلمهم الذي فصل {ٱلصَّيْحَةُ} قيل: صاح بهم جبريل عليه السلام فهلكوا وكانت صيحة على الحقيقة، وجوز البلخي أن يكون المراد بها نوعاً من العذاب، والعرب تقول: صاح بهم الزمان إذا هلكوا، وقال امرؤ القيس: شعر : فدع عنك نهباً (صيح) في حَجَرَاته ولكن حديثُ ما حديث الرواحل تفسير : والمعول عليه الأول، وقد سبق في الأعراف [78-91] {أية : الرجفة}تفسير : أي الزلزلة بدلها، ولعلها كانت من مباديها فلا منافاة، وقيل: غير ذلك فتذكر. {فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ} أي ميتين من جثم الطائر إذا ألصق بطنه بالأرض، ولذا خص الجثمان بشخص الإنسان قاعداً، ثم توسعوا فاستعملوا الجثوم بمعنى الإقامة، ثم استعير من هذا الجاثم للميت لأنه لا يبرح مكانه ((ولما لم يجعل متعلق العلم في قوله سبحانه: {أية : سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ}تفسير : [هود:93 ] الخ نفس مجيء العذاب بل من يجيئه ذلك جعل مجيئه بعد أمراً مسلم الوقوع غنياً عن الإخبار به حيث جعل شرطاً، وجعل تنجية شعيب عليه السلام والمؤمنين وإهلاك الكفرة الظالمين جواباً له ومقصود الإفادة، وإنما قدم التنجية اهتماماً بشأنها وإيذاناً بسبق الرحمة على الغضب)) قاله شيخ الإسلام. و ـ أصبح ـ إما ناقصة أو تامة أي صاروا جاثمين أو دخلوا في الصباح حال كونهم جاثمين.
ابن عاشور
تفسير : عُطف {لما جاء أمرنا} هنا وفي قوله في قصة عاد {أية : ولمّا جاء أمرنا نجينا هوداً}تفسير : [هود: 58] بالواو فيهما وعطف نظيراهما في قصة ثمود {أية : فلمّا جاء أمرنا نجينا صالحاً}تفسير : [هود: 66] وفي قصة قوم لوط {أية : فلمّا جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها}تفسير : [هود: 82] لأن قصتَيْ ثمود وقوم لوط كان فيهما تعيين أجل العذاب الذي تَوعّدَ به النبيئان قومَهما؛ ففي قصة ثمود {أية : فقال تمتّعوا في داركم ثلاثة أيّام ذلك وعْدٌ غير مكذوبٍ}تفسير : [هود: 65]، وفي قصة قوم لوط {أية : إن موعدهم الصّبح أليس الصّبح بقريب}تفسير : [هود: 81]؛ فكان المقام مقتضياً ترقب السّامع لما حل بهم عند ذلك الموعد فكان الموقع للفاء لتفريع ما حلّ بهم على الوعيد به. وليس في قصة عاد وقصة مدين تعيين لموعد العذاب ولكنّ الوعيد فيهما مجمل من قوله: {أية : ويستخلف ربّي قوماً غيركم}تفسير : [هود: 57]، وقوله: {أية : وارتقبوا إنّي معكم رقيب}تفسير : [هود: 93]. وتقدم القول في معنى {جاء أمرنا} إلى قوله: {ألاَ بُعْداً لمدين} في قصة ثمود. وتقدم الكلام على {بُعْداً} في قصة نوح في قوله: {أية : وقيل بُعداً للقوم الظالمين}تفسير : [هود: 44]. وأما قوله: {كما بَعدت ثمود} فهو تشبيه البعد الذي هو انقراض مدين بانقراض ثمود. ووجه الشبه التّماثل في سبب عقابهم بالاستئصال، وهو عذاب الصيحة، ويجوز أن يكون المقصود من التّشبيه الاستطراد بذمّ ثمود لأنهم كانوا أشدّ جرأة في مناواة رسل الله، فلمّا تهيأ المقام لاختتام الكلام في قصص الأمم البائدة ناسب أن يعاد ذكر أشدّها كفراً وعناداً فَشُبّهَ هلك مدين بهلكهم. والاستطراد فَنّ من البديع. ومنه قول حسّان في الاستطراد بالهجاء بالحارث أخي أبي جهل: شعر : إن كنت كاذبة الذي حدثتني فنجوت منجَى الحارث بن هشام ترك الأحبّة أن يقاتل دُونهم ونَجا برأس طمرّة ولجام
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {دِيَارِهِمْ} {جَاثِمِينَ} (94) - وَلَمَّا حَانَ مَوْعِدُ انْتِقَامِ اللهِ تَعَالَى مِنْهُمْ، جَاءَهُمُ العَذَابُ الذِي أُنْذِرُوا بِهِ، فَنَجَّى اللهُ شُعَيباً وَالذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَلُطفٍ، وَأَخَذَتِ الكَافِرِينَ الصَّيْحَةُ وَالرَّجْفَةُ، وَأَظَلَّهُمْ عَذَابٌ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَاهْتَزَّتْ بِهِمُ الأَرْضُ فَأَصْبَحُوا جَمِيعُهُمْ هَلْكَى فِي دِيَارِهِمْ، وَهُمْ جَالِسُونَ عَلَى رُكَبِهِمْ، مُكِبُّونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ. جَاثِمِينَ - مَيِّتِينَ هَامِدِينَ لاَ حَرَاكَ فِيهِمْ - أَوْ مُكِبِّينَ عَلَى وُجُوهِهِمْ. الصَّيْحَةُ - صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ مُهْلِكٌ مُرْجِفٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونلحظ أن الحق سبحانه قد أورد في هذه السورة: أسلوبين منطوقين أحدهما بالواو، والآخر بالفاء. الأول: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ..} [هود: 94]، في قصة اثنين آخرين من الرسل. الثاني: {أية : فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ..}تفسير : [هود: 66]. في قصة اثنين من الرسل. وقصة شعيب هي إحدى القصتين اللتين جاء فيهما {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} ولم يأت بـ "الفاء" لأنها - كما نعلم - تقتضي التعقيب بسرعة، وبدون مسافة زمنية؛ وتسمى في اللغة "فاء التعقيب"، مثل قول الحق سبحانه: {أية : ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ}تفسير : [عبس: 21]. أما "ثم" فتأتي لتعقيب مختلف؛ وهو التعقيب بعد مسافة زمنية؛ مثل قول الحق سبحانه: {أية : ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ}تفسير : [عبس: 22]. وقد جاءت "الفاء" مرة في قصة قوم لوط؛ لأن الحق سبحانه قد حدد الموعد الذي ينزل فيه العذاب، وقال: {أية : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}تفسير : [هود: 81]. فكان لا بد أن تسبق "الفاء" هذا الحديث عن عذابهم، فقال: {أية : فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ}تفسير : [هود: 82]. أما هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، فقد قال الحق سبحانه: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ ..} [هود: 94]. ولم يذكر وعداً ولم يحدد موعد العذاب. والحق سبحانه يقول: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ..} [هود: 94]. وكل أمر يقتضي آمراً؛ ويقتضي مأموراً؛ ويقتضي مأموراً به. والآمر هنا هو الله سبحانه؛ وهو القادر على إنفاذ ما يأمر به، ولا يجرؤ مأمور ما على مخالفة ما يأمر به الحق سبحانه؛ فالكون كله يأتمر بأمر خالقه. إذن: فحين يخبرنا الحق سبحانه وتعالى أن العذاب قد جاء لقوم؛ فمعنى ذلك أن الأمر قد صدر؛ ولم يتخلف العذاب عن المجيء؛ لأن التخلف إنما ينشأ من مجازفة أمر لمأمور قد لا يطيعه، ولا يجرؤ العذاب على المخالفة لأنه مُسخَّر، لا اختيار له. والقائل هنا هو الله سبحانه صاحب الأمر الكوني والأمر التشريعي؛ فإذا قال الحق سبحانه حكماً من الأحكام وسجله في القرآن؛ فتيقن من أنه حادث لا محالة؛ لأن القضية الكونية هي من الحق سبحانه وتعالى، ولا تتخلف أو تختلف مع مشيئته سبحانه، والحكم التشريعي يسعد به مَنْ يُطِّبقه؛ ويشقى من يخالفه. والحق سبحانه يعطينا مثالاً لهذا في قصة أم موسى.. يقول جَلَّ شأنه: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ ..}تفسير : [القصص: 7]. فمنطق البشر يقول: كيف نقول لامرأة: إذا خِفْتِ على ابنك ألقيه في البحر؟ كيف ننجيه من موت مظنون إلى موت محقق؟ هذا وإن كان مخالفاً لسنن العادة إلا أن أم موسى سارعت لتنفيذ أمر الله سبحانه؛ لأن أوامر الله بالإلهام للمقربين، لا يأتي لها معارض في الذهن. والحق سبحانه كما أمرها بإلقاء وليدها في اليم، فقال: {أية : إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ ..}تفسير : [طه: 38-39]. كذلك أمر الحق - سبحانه وتعالى - اليمَّ بإلقاء التابوت - وفي داخله موسى - للساحل، ولذلك فيقين أم موسى في أن أوامر الله لا تتخلف، جعلها تسارع في تنفيذ ما أمرها الله به. والحق سبحانه يريد أن يُربِّبَ الإيمان، أي: يزيده في قلوب عباده، فَهَبْ أن الله قضى بقضية أو أمر بأمر، ثم لم يأت الكون على وفق ما أمر الله، فماذا يكون موقف الناس؟ فما دام رب العزة سبحانه قد قال فلا بد أن يحدث ما أمر به، فعندما يقول الحق سبحانه: {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [الصافات: 173]. فلا بد أن تكون الغلبة لجنود الله، فإذا ما غُلبوا فافهموا أن شرط الجندية لله قد تخلَّف، وأن عنصراً من عناصر الجندية قد تخلف وهو الطاعة. ومثال هذا: الذين خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في البقاء على الجبل يوم أحد، إنهم خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فماذا يحدث لو أنهم انتصروا مع هذه المخالفة؟ إذن: فقد انهزم المسلمون الذين اختلت فيهم صفة من صفات جنديتهم لله. ولا بد أن تلتقي القضيتان: القرآنية والكونية؛ لأن قائل القرآن هو صاحب سنن الكون سبحانه وتعالى. ولأن أهل مدين هنا قد أعلنوا الكفر؛ فلا بد أن يأتيهم العذاب. وسمَّى الحق سبحانه هنا العذاب بالصيحة؛ وقال: {.. وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: 94]. وسمَّى الحق سبحانه في سورة الأعراف العذاب الذي لحق بهم: "الرجفة"؛ فقال: {أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}تفسير : [الأعراف: 91]. وسماه في قصة قوم عاد: {أية : .. بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ}تفسير : [الحاقة: 6]. وسمَّاه بالخسف في عذاب قارون. ومن عظمة التوجيه الإلهي أن العذاب كان ينتقي القوم الكافرين فقط؛ ولا يصيب الذين آمنوا، بدليل قول الحق سبحانه: {نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ ..} [هود: 94]. ولا يقدر على ذلك إلا إله قادر مقتدر؛ يُصرِّف الأمور كما يشاء سبحانه. وكلمة "نجينا": من النجاة؛ أي: أن يوجد بنجوة؛ وهي المكان العالي، والعرب قد عرفوا مبكراً طغيان الماء؛ فقد كانوا يقيمون في اليمن ثم بعثرهم السيل مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ}تفسير : [سبأ: 15-16]. هكذا تفرق العرب من اليمن؛ وانتشروا في الجزيرة العربية، وكانوا يخافون من الماء - رغم أنه سر الحياة؛ وفضَّلوا التعب في البحث عن الماء للشرب لهم ولأنعامهم؛ بدلاً من الوجود بجانب الماء، ومن عداوة الماء جاءت كلمة "نجا" أي: صعد إلى مكان مرتفع. واستخدمت كلمة "نجا" في كل موقف ينجو فيه الإنسان من الخطر الداهم، فيقال: "نجا من النار"؛ "ونجا من العدو"؛ "ونجا من الحيوان المفترس"؛ وكلها مأخوذة من النجوة، أي: المكان المرتفع. ويقال في الفعل (نجا): نجا فلان، إذا كانت قوته تسعفه ليخلص نفسه من العذاب. أما إذا كانت قوته غير قادرة على تخليصه من العذاب، فهو يحتاج إلى مَنْ يُنجيه، ويُقال: "أنجاه"، إذا كانت المسألة تحتاج إلى جهد ومعالجة صعبة ليتحقق الفوز. ونسب الفعل فيها إلى الله؛ فقال "نجينا". ويأتي الحق سبحانه في مثل هذا الأمر بضمير الجمع، كقوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1]. فكل شيء فيه فعل من الحق سبحانه وتعالى يأتي الله فيه بضمير الجمع: إنَّا. أما إذا كان الشيء متعلقاً بصفة من صفات الذات الإلهية، فإن الحق سبحانه يأتي بضمير الإفراد (أنا) مثل قوله تعالى: {أية : إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ ..}تفسير : [طه: 14]. وقد أنجى الحق سبحانه شعيباً والذين آمنوا معه؛ لأن شعيباً عليه السلام قال لقومه: {أية : ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ..}تفسير : [هود: 93]. وكان عمل شعيب عليه السلام فيه صحة وعزيمة التوكل؛ لذلك أنجاه الله تعالى والذين آمنوا معه، فهو سبحانه لا يريد من عباده إلا التوجه بالنية الخالصة الصادقة إليه، فإذا توجَّه العبد بالنية الصادقة إلى الله، فالحق سبحانه يريح العبد، ويُعينه بالاطمئنان على أداء أي عمل. ومجرد الإيمان بالله تعالى والاتجاه إليه بصدق وإخلاص؛ يفتح أمام العبد آفاقاً من النجاح والرفعة.. والمفتاح في يد العبد؛ لأن الحق سبحانه قد قال في الحديث القدسي: "حديث : من ذكرني في نفسه ذكرته في ملأ خير منه ". تفسير : إذن: فالمفتاح في يد العبد. والحق سبحانه هو القائل: "حديث : ومن تقرَّب إليَّ شبراً تقرَّبتُ إليه ذراعاً ". تفسير : وهكذا يترك الحق سبحانه أمر التقرب إليه للعبد، وعندما يتقرب العبد من الله تعالى، فإنه سبحانه يتقرَّب إلى العبد أكثر وأكثر. ثم يقول الحق سبحانه في حديثه القدسي: "حديث : ومن جاءني يمشي أتيته هرولة"تفسير : لأن المشي قد يُتعب العبد، لكن لا شيء يُتعب الحق سبحانه أبداً؛ لأنه مُنزَّهٌ عن ذلك. إذن: فالحق سبحانه يريد منا أن نُخلص النية في الالتحام بمعية الله تعالى، ليضفي علينا ربنا سبحانه من صفات جلاله وصفات جماله. وانظروا إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه في الغار.. يقول الحق سبحانه: {أية : إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ..}تفسير : [التوبة: 40]. أي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى صاحبه عن الحزن بعلة معية الله سبحانه وتعالى، ولا بد أن أبا بكر الصديق قد قال كلاماً يفيد الحزن؛ لأن الحزن لم يأت له من تلقاء نفسه، بل من قانونٍ كوني، حين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا" لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتكلم عن القانون الكوني، لكنه يتكلم عن طلاقة قدرة المكوِّن سبحانه، فقال: "حديث : ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ". تفسير : فمعية الله أضفت عليهما شيئاً من جلاله وجماله، والله سبحانه لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار. وقد أنجى الحق سبحانه شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منه سبحانه، والرحمة ألا يصيبك شيء. ومثال ذلك: إن الإنسان يعالج فيشفى، ومرة أخرى يحميه الله من الداء. ولذلك انتبهوا إلى حقيقة أن القرآن قد جاء بأمرين: شفاء، ورحمة، فإذا كان هناك داء وترجعه إلى منهج الله؛ فالحق سبحانه يشفيه، والرحمة ألا يصيبك الداء من البداية. وأما الذين ظلموا فقد أخذتهم الصيحة، وفي آية أخرى يقول سبحانه: {أية : وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ ..}تفسير : [هود: 67]. وفي هذه الآية يقول الحق سبحانه: {وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ ..} [هود: 94]. لأن القرآن على جمهرته جاء على لغة قريش، لا ليُعْلي قريشاً؛ ولكن لأن لغة قريش كانت مُصفَّاة من جميع القبائل العربية، فهي تملك صفوة لغة كل القبائل، ولكن لم يكن ذلك يعني أن نطمس بقية القبائل. ولذلك جاء في القرآن بعض من لغات القبائل الأخرى، حتى لا يعطي لقريش سيادة في الإسلام كما كان لها سيادة في الجاهلية، لذلك يأتي بلغات القبائل الأخرى، فمرة يأتي بتاء التأنيث ومرة لا يأتي بها. والتأنيث إما أن يكون حقيقياً أو مجازياً. والتأنيث الحقيقي هو المقابل للمذكر، مثل: المرأة. والتأنيث المجازي مثل: "الصيحة" و"الحجرة". وكانت القبائل العربية تتجاوز في المؤنث المجازي؛ فمرة تأتي "التاء" ومرة لا تأتي. وإن كان هناك فَصْل بين الفعل والفاعل، فالفاصل قائم مقام التأنيث فيقول سبحانه: {أية : وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ ..}تفسير : [هود: 67]. فكأن الصيحة لها مقدرة على أن تأخذ بما أودعه فيها مُرسِل الصيحة من قوة الأخذ، وأخذه أليم شديد. ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله تعالى: {.. فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: 94]. ونلحظ أن كل عذاب إنما يحدد له الحق سبحانه موعداً هو الصبح، مثل قوله تعالى: {أية : .. إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}تفسير : [هود: 81]. ومثل قوله الحق: {أية : .. فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ}تفسير : [الصافات: 177]. والصبح هو وقت الهجمة على الغافل الذي لم يغادره النوم بعد، مثل زُوَّار الفجر الذين يقبضون على الناس قبيل النهار. ويقول الحق سبحانه: {.. فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: 94]. ولم يقل سبحانه: "فأصبحوا في دارهم جاثمين"؛ لأن بعضهم قد لا يكون في بيته، بل في مكان آخر لزيارة أو تجارة. ومثال ذلك: قصة أبي رغال، وكان في مكة، لكن الحجر الذي قتله بإرادة الله سبحانه نزل عليه في البقاع ولم ينزل عليه الحجر في مكة؛ لأن الله سبحانه قد شاء ألا ينزل عليه الحجر في البيت الحرام، الآمن، وكأن الحجر قد تتَّبعه، مثلما تتبعت الصيحة الكفار من أهل مدين. ونلحظ في الكلمة الأخيرة من هذه الآية الكريمة وهي "جاثمين" أن حرفي "الجيم" و"الثاء" حين يجتمعان معاً - بصرف النظر عن الحرف الثالث - ففيهما شيء من الهلاك، وشيء من الغنائية. ومعنى "جاثمين" أي: مُلقَون على بطونهم بلا حراك. والحق سبحانه يقول: {أية : وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ..}تفسير : [الجاثية: 28]. أي: يركع كل مَنْ فيها على ركبتيه. ويقال عن الميت: "الجثة". وانظروا إلى عظمة الحق سبحانه حين يجعل الناس تنطق لفظ "الجثة" تعبيراً عن أي "ميت" عظيماً كان أم وضيعاً، ثم توضع جثته في القبر، لتحتضنه أمه الأولى؛ الأرض. ومن يرغب في تهدئة إنسان ملتاع وغاضب لموت عزيز عليه، فَلْيقُلْ له: هل تتحمل جثمانه أسبوعاً؟ وسوف يجيب: "لا". إذن: فبمجرد أن ينزع الله سبحانه السر الذي به كان الإنسان إنساناً، وهو الروح، يصبح الإنسان جثة ثم يتخشب، ثم يَرِمُّ. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك وصفاً لمن أخذتهم الصيحة من أهل "مدين": {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} [هود: 94] الذي قدرناه في الأزل من العذاب والهلاك لقوم شعيب. {نَجَّيْنَا شُعَيْباً} [هود: 94] كما كان قضاؤنا في الأزل من العذاب والهلاك والكفر والضلال، {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ} [هود: 94] أزلية صدرت، {مِّنَّا} [هود: 94] فيهم، {وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} [هود: 94] أي: ظلموا على أنفسهم بالإباء والاستكبار عن قبول دعوة الأنبياء، {الصَّيْحَةُ} [هود: 94] وهي اجتماع أصوات صفاتهم الذميمة المهلكة، {فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ} [هود: 94] في دركاتهم السفلية التي اطمأنوا بها، {جَاثِمِينَ} [هود: 94] كأنهم الجيف بلا أرواح، {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ} [هود: 95] أي: كأن لم يكونوا قط في عالم الأرواح؛ لأنهم أفسدوا الاستعداد الروحاني الفطري في طلب الدنيا، واستيفاء شهواتها والاستكبار عن قبول الحق، {أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ} [هود: 95] لتمردهم عن الحق وتماديهم في الباطن، {كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} [هود: 95] عن الحق. ثم أخبر عن حال أهل القرب وحال البعد بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [هود: 96] إلى قوله: {أية : غَيْرَ مَنقُوصٍ}تفسير : [هود: 109]، {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ} [هود: 96] أي: الروح، {بِآيَاتِنَا} [هود: 96] أي: بصفاتنا، فإن من صفات الله أنه حي، وأنه سميع بصير متكلم قادر عالم مريد باق بالروح بهذه الصفات كلها موصوف، والصفات لله تعالى ذاتية قديمة وقائمة بذاته جل جلاله والروح محدثة مخلوقة قائمة بقيومية الله تعالى، {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [هود: 96] وهو استيلاء الروحانية على البشرية، {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} [هود: 97] أو إلى فرعون النفس وصفاتها البهيمية والسبعية والشيطاينة. {فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ} أي: فاتبعوا الصفات {أَمْرَ فِرْعَوْنَ} النفس؛ لأن أمرها ملائم لصفاتها، {وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} لأن فرعون النفس الأمارة بالسوء، {يَقْدُمُ قَوْمَهُ} أي: يتقدم النفس صفاتها، {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ} [هود: 98] أي: موضع ورودهم هو البعد من الله تعالى، والمورود وهو النفس وصفاتها؛ يعني: الورد مناسب لحال المورود، ولو كان لهذا المورود خير من هذا المكان ظالماً؛ لأنه وضع الشيء في غير وضعه، {وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ لَعْنَةً} [هود: 99] أي: اتبع النفس وصفاتها مع استحقاقها لهذا الورد اليوم في الدنيا بمعاملاتها السيئات طردً وبعداً وحجباً على حجبها، {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [هود: 99] من نتائج هذه المعاملات وجزائها أيضاً اتبعوا لعنة عذاباً فوق العذاب وهو ذوق ألم العذاب وحسرة الحرمان وحسرات فوت التدارك {بِئْسَ ٱلرِّفْدُ} [هود: 99] وهو ما أعطوا من اللعنة ونتائجها، {ٱلْمَرْفُودُ} [هود: 99] المعطى.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):