Verse. 1568 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

كَاَنْ لَّمْ يَغْنَوْا فِيْہَا۝۰ۭ اَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَـمَا بَعِدَتْ ثَمُوْدُ۝۹۵ۧ
Kaan lam yaghnaw feeha ala buAAdan limadyana kama baAAidat thamoodu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كأن» مخففة: أي كأنهم «لم يغنوا» يقيموا «فيها ألا بُعدا لمدين كما بعدت ثمود».

95

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {كَأنَ } مخففة: أي كأنهم {لَّمْ يَغْنَوْاْ } يقيموا {فِيهَآ أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ }.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا...} الآية: {يَغْنَواْ }: معناه: يقيمون بِنَعْمَةٍ وخَفْضِ عيشٍ؛ ومنه المَغَانِي، وهي المنازلُ المعمورةِ بالأهْل، وضمير «فيها» عائد على الديار. وقوله: {بُعْدًا }: مصدرٌ دعا به؛ كقولك: سُحْقاً للكافرين، وفارَقَتْ هذه قولَهُمْ: { أية : سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } تفسير : [النحل:32]؛ لأن {بُعْدًا } إِخبارٌ عن شيء قد وَجَب وتحصَّل، وتلك إِنما هي دعاء مرتجى، ومعنى البُعْد في قراءة: «بَعِدَتْ» - بكسر العين -: الهلاكُ، وهي قراءة الجمهور؛ ومنه قول خِرْنِقَ بِنْتِ هَفَّانَ: [الكامل] شعر : لاَ يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ سُمُّ الْعُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ تفسير : ومنه قولُ مالكِ بْنِ الرَّبيعِ: [الطويل] شعر : يَقُولُونَ لاَ تَبْعَدْ وَهُمْ يَدْفِنُوننِي وَأَيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إِلاَّ مَكَانِيَا تفسير : وأما من قرأ: «بَعُدَتْ»، وهو السُّلَمِيُّ وأبو حَيْوَةَ فهو من البُعْدِ الذي هو ضدُّ القُرْب، ولا يُدْعَى به إِلا على مبغوضٍ. قال * ص *: وقال ابْنُ الأنباريِّ: من العرب مَنْ يُسَوِّي بين الهلاكِ والبُعْدِ الَّذي هو ضِدُّ القُرْب، فيقولون فيهما: بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعَدُ. انتهى. وقوله سبحانه: {فَٱتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ }: أي: وخالفوا أمْرَ موسَى، {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ }، أي: بمرشِدٍ إِلى خير. وقال * ع *: {بِرَشِيدٍ }: أي: بمصيب في مَذْهَبِهِ {يَقْدُمُ قَوْمَهُ }: أي: يقدمهم إِلى النار، و {ٱلوِرْدُ }، في هذه الآية: هو ورودُ دُخُولٍ. قال * ص *: والـــ {ٱلوِرْدُ}: فاعلُ «بِئْسَ»، و{ٱلمَوْرُودُ}: المخصُوصُ بالذَّمِّ، وفي الأول حذْف، أيْ: مَكانُ الورْد، ليطابق المخصُوصَ بالذَّمِّ. وجوَّز * ع *: وأبو البقاءِ أنْ يكونُ «المَوْرُود» صفةً لمكان الوِرْدِ، والمخصوص محذوفٌ، أي: بِئسٍ مكانُ الوِرْدِ المورودُ النارُ، و«الوِرْد»: يجوز أنْ يكون مصْدراً بمعنى الوُرُود، أو بمعنى الوَارِدَة من الإِبل، وقيل: الوِرْد: بمعنى الجَمْعِ للوَارِدِ، والمَوْرُود: صفةٌ لهم، والمخصُوصُ بالذمِّ ضميرٌ محذوف، أي: بئس القوم المَوْرُود بهم هُمْ، انتهى. {وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ لَعْنَةً }: يريد: دارَ الدنيا. وقوله: {بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ } أي: بِئسَ العطاءُ المعطَى لهم، وهو العذابُ، والرِّفْدُ في كلام العرب: العطيَّة.

اسماعيل حقي

تفسير : {كأن لم يغنوا فيها} اى لم يقيموا فى ديارهم احياء متصرفين مترددين {ألا بعدا لمدين} اى هلاكا لاهل مدين. واعلم ان بعدا وسحقا ونحوهما مصادر قد وضعت مواضع افعالها التى لا يستعمل اظهارها. ومعنى بعدا بعدوا اى هلكوا. وقوله لمدين بيان لمن نبه عليه بالبعد نحو هيت لك. قال الكاشفى [بدانيدكه هلا كيست قوم مدين را ودورى از رحمت من] {كما بعدت ثمود} اى هلكت شبه هلاكهم بهلاكهم لانهما اهلكتا بنوع من العذاب وهو الصيحة كما مر آنفا. والجمهور على كسر العين من بعدت على انها من بعد يبعد بكسر العين فى الماضى وفتحها فى المضاوع بمعنى هلك يهلك ارادت العرب ان تفرق بين البعد بمعنى الهلاك وبين البعد الذى هو ضد القرب ففرقوا بينهما بتغيير البناء فقالوا بعد بالضم فى ضد القرب وبعد بالكسر فى ضد السلامة والبعد بالضم والسكون مصدر لهما والبعد بفتحتين انما يستعمل فى مصدر مكسور العين. وفى الآية اشارة الى ان الكفرة واهل الهوى افسدوا الاستعداد الروحانى الفطرى فى طلب الدنيا واستيفاء شهواتها والاستكبار عن قبول الحق والهدى وادى تمردهم عن الحق وتماديهم فى الباطل الى الهلاك صورة ومعنى. اما صورة فظاهر. واما معنى فلانهم ابعدوا عن جوار الله وطيب العيش معه الى اسفل سافلين القطيعة فبقوا فى نار الفرقة لا يحيون ولا يموتون وما انتفعوا بحياتهم فصاروا كالاموات وكما ان الصيحة من جبرائيل اهلكتهم فكذا النفخة من شعيب احيت المؤمنين لان انفاس الانبياء والاولياء كنفخ اسرافيل فى الاحياء اذا كان المحل صالحا لطرح الروح فيه كجسد الا كسير: قال فى المثنوى شعر : سازد اسرافيل روزى ناله را جان دهد بوسيده صد ساله را[1] هين كه اسرافيل وقتند اوليا مرده را زيشان حياتست ونما جان هر يك مرده از كور تن برجهد زآواز شان اندر كفن سركشى از بندكان ذو الجلال وانكه دارند از وجود توملال[2] كهربا دارند جون بيدا كنند كاه هستى ترا شيدا كنند كهرباى خويش جون بنهان كنند زود تسليم ترا طغيان كنند تفسير : قد سبق ان قوم شعيب عدوه ضعيفا فيما بينهم وما عرفوا ان الله القوى معه شعر : كرتو بيلى خصم تو از تو رميد نك جزا طيرا ابابيلت رسيد[3] كر ضعيفى درزمين خواهد امان غلغل افتد در سمباه آسمان كر بدندانش كزى برخون كنى درد دندانت بكيرد جون كنى هر ييمبر فرد آمد در جهان فرد بود وصد جهانش درنهان[4] ابلهان كفتند مردى بسش نيست واى آن كو عاقبت انديش نيست تفسير : فعلى الصالحين ان يعتبروا باحوال الصالحين فانهم قد اخذوا الدنيا وآثروها على الآخرة ثم سلبهم الله اموالهم وديارهم كأن لم ينتفعوا بشيء ولم يقيموا فى دار. حديث : وعن جابر بن عبد الله انه قال شهدت مجلسا من مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ اتاه رجل ابيض الوجه حسن الشعر واللون عليه ثياب بيض فقال السلام عليك يا رسول الله فقال عليه السلام "عليك السلام" فقال يا رسول الله ما الدنيا قال "هى حلم المنام واهلها مجازون ومعاقبون" قال يا رسول الله وما الآخرة قال "عيش الابد فريق فى الجنة وفريق فى السعير" فقال يا رسول الله فما الجنة قال "بذل الدنيا لطالبها نعيمها لاهلها ابدا" قال فما جهنم قال "بذل الآخرة لطالبها لا يفارقها اهلها ابدا" قال فما خير هذه الامة قال "الذى يعمل بطاعة الله" قال فكيف يكون الرجل فيها قال "مشمرا كطالب القافلة" قال فكم القرار بها قال "كقدر المتخلف عن القافلة" قال فكم ما بين الدنيا والآخرة قال "غمضة عين" قال فذهب الرجل فلم ير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هذا جبريل اتاكم ليزهدكم فى الدنيا ويرغبكم فى الآخرة" تفسير : كذا فى تنبيه الغافلين: قال السعدى قدس سره شعر : يكى بر سركور كل ميسر شت كه حاصل كندزان كل كورخشت بانديشه لختى فرو رفت بير كه اى نفس كوته نظر بند كير جه بندى درين خشت زرين دلت كه يك روز خشتى كند از كلت تو غافل در انديشه سود ومال كه سرمايه عمر شد بإيمال دل اندر دلارام دنيا سبند كه ننشست باكس كه دل برنكند بر مرد هشيار دنيا خسست كه هر مدتى جاى ديكر كسست

الطوسي

تفسير : شبه الله تعالى هلاك قوم شعيب وانقطاع آثارهم منها بحالهم لو لم يكونوا فيها يقال: غنى بالمكان إذا اقام به على وجه الاستغناء به عن غيره. واتخاذه وطناً ومأوى يأوي اليه، ولذلك قيل للمنازل المغاني، وانما شبه حالهم بحال ثمود خاصة، لانهم أهلكوا بالصيحة كما اهلكت ثمود مثل ذلك مع الرجفة. وقوله {ألا بعداً لمدين} دعاء عليهم بانتفاء الرحمة عنهم كما أهلك الله تعالى ثمود، فلم يرحمهم، وجعل انتفاء الرحمة بعداً من الرحمة، لانه أظهر فيما يتصور, فكأنهم يرونها حسرة لانها لا تصل اليهم منها منفعة لما يحصلون عليه من مضرة الحسرة، و (كأن) هذه يحتمل ان تكون مخففة من الثقيلة على ان يضمر فيها، كالاضمار في (ان) من قوله {أية : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}تفسير : ويجوز ان تكون (ان) التي تنصب الفعل بمعنى المصدر. وبعدت وبعُدت بالكسر والضم لغتان. وكانت العرب تذهب بالرفع الى التباعد، وبالكسر الى الدعاء، وهما واحد. وقرأ ابو عبد الرحمن السلمي كما بعدت بضم العين. والآخر بعداً فنصب على المصدر، وتقديره ألا أهلكهم الله فبعدوا بعداً.

اطفيش

تفسير : {كأنْ لَم يغْنَوا فِيهَا} كأنهم لم يلبثوا فى ديارهم قط، وذكر بعض أن الغنى فى المكان اللبث فيه بنعمة وخفض عيش {ألاَ بُعداً} هلاكا كالبعد بفتح الباء والعين، وهما من بعد بكسر العين بمعنى هلك، فالبعد بالضم والإسكان مشترك بين بعد كعلم بمعنى هلك، وبعد ككرم نقيض قرب، أو البعد بفتحتين مختص بالأول وهما مصدران، وأصل الفعلين واحد وهو نقيض القرب، لكن ميزوا البعد الموجب للهلاك بالكسر فى الفعل، ثم استعمل فى نفس الهلاك، أو البعد من جهة الهلاك، فإن الهالك لا يرد كلاما ويتفتت ويغيب بالدفن فلا يرى. {لمدْيَن} لأولاد مدين، أو للقبيلة المسماة باسمه، أو لأهل القرية المسماة باسمه {كَما بَعُدَت} هلكت، وقرأ السلمى وأبو حيوة بعدت بضم العين على الأصل اعتبارا لمعنى البعد من غير تمييز للهلاك، كما يقال: ذهب فلان ومضى فى معنى الموت. وقال ابن الأنبارى: من العرب من يسوى بين الهلاك، والبعُد الذى هو ضد القرب فيقول فيهما: بعُد يبعُد ككرم يكرم، وبعِد يبعَد كعلم يعلم، وقيل: المعنى: ألا بعداً لمدين من رحمة الله، كما بعدت ثمود منها، ولا يدعى بالبعد نقيض القرب، إلا على مبغض، وشبه هلاك قوم شعيب بهلاك ثمود لأنهما [هلكا] بالصيحة كما مر.

اطفيش

تفسير : {كَأَن لَّمْ يَغْنوْا فِيهَا} وفيما يليها لم يلبثوا فيها أَو لم يعيشوا فيها، يقال غنى بالمكان أَقام فيه وغنىعاش وقدم تنجية شعيب ومن معه لعظم الرغبة فيها منهم ولتقدم الرحمة على الغضب والجملة خبر بعد خبر لأَصبح بمعنى صار أَو حال بعد حال على أَنه بمعنى أَصبحوا عن الليل {أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} شبههم ثمود فى الهلاك لاشتراكهم فى ما يوجب العذاب، ومع أنه فيهما بالصيحة جميعا وأنهم معاً فى الأُمم السابقة ولذلك لم يضمر لهم، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: صيحة ثمود من تحت ومدين من فوق والبعد الهلاك، يقال بعُد بضم العين فى ضد القرب وبكسرها فى الهلاك والبعد بالضم والسكون مصدر لهما والبعد بفتحتين مصدر للمكسور بمعنى الهلاك ويستعمل بعد بضم العين والبعد بضم الباءِ بمعنى الهلاك ومضارع المكسور بفتح عينه، ويقال بعد بالضم فى الخير والشر وبالكسر فى الشر.

الالوسي

تفسير : {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ} أي لم يقيموا {فِيهَا} متصرفين في أطرافها متقلبين في أكنافها، والجملة إما خبر بعد خبر أو حال بعد حال. {أَلاَ بُعْدًا لّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} العدول عن الإضمار إلى الإظهار للمبالغة في تفظيع حالهم وليكون أنسب بمن شبه هلاكهم بهلاكهم، وإنما شبه هلاكهم بهلاكهم لأن عذاب كل كان بالصيحة غير أنه روى الكلبـي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن صيحة ثمود كانت من تحتهم وصيحة مدين كانت من فوقهم. وقرأ السلمي وأبو حيوة (بعدت) بضم العين، والجمهور بكسرها على أنه من بعد يبعد بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع بمعنى هلك، ومنه قوله: شعر : يقولون: (لا تبعد) وهم يدفونني وأين مكان البعد إلا مكانياً تفسير : وأما بعد يبعد بالضم فهو البعد ضد القرب قاله ابن قتيبة، قيل: أرادت العرب بهذا التغيير الفرق بين المعنيين، وقال ابن الأنباري: من العرب من يسوي بين الهلاك وبعد الذي هو ضد القرب، وفي «القاموس» البعد المعروف والموت، وفعلهما ـ ككرم وفرح ـ بعداً وبعداً بفتحتين، وقال المهدوي: إن بعد بالضم يستعمل في الخير والشر. وبعد بالكسر في الشر خاصة، وكيفما كان الأمر فالمراد ببعدت على تلك القراءة أيضاً هلكت غاية الأمر أنه في ذلك إما حقيقة أو مجاز، ومن هلك فقد بعد ونأى كما قال الشاعر: شعر : من كان بينك في التراب وبينه شهران فهو في غاية (البعد) تفسير : وفي الآية ما يسمى الاستطراد، قيل: ولم يرد في القرآن من هذا النوع إلا ما في هذا الموضع وقد استعملته العرب في أشعارها، ومن ذلك قول حساب رضي الله عنه تعالى عنه: شعر : إن كنت كاذبة الذي حدثتني فنجوت منجى الحرث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ونجا برأس طِمِرَّة ولجام تفسير : هذا ومن باب الإشارة في الآيات: قوله سبحانه في قصة هود عليه السلام: {أية : مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبّي عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ }تفسير : [هود: 56] فيه إشارة إلى أن كل ذي نفس تحت قهره سبحانه وسلطانه أسير في يد تصرفه وملكته عاجز عن الفعل إلا بإذنه وأنه عز وجل لا يسلط أحداً على أحد إلا عن استحقاق ذنب أو رفع درجة وإعلاء منزلة لأنه تبارك وتعالى على طريق العدل الذي لا إعوجاج فيه، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره في «فصوصه»: إن كل ما سوى الحق فهو دابة فإنه ذو روح وما ثم من يدب بنفسه وإنما يدب بغيره بحكم التبعية للذي هو على صراط مستقيم فكل ماش فهو على الصراط المستقيم وحينئذ فلا مغضوب عليه ولا ضال من هذا الوجه، نعم إن الناس على قسمين: أهل الكشف وأهل الحجاب، فالأولون يمشون على طريق يعرفونها ويعرفون غايتها فهي في حقهم صراط مستقيم كما أنها في نفس الأمر كذلك، والآخرون يمشون على طريق يجهلونها ولا يعرفون غايتها وأنها تنتهي إلى الحق فهي في حقهم ليست صراطاً مستقيماً وإن كانت عند العارف ونفس الأمر صراطاً مستقيماً، واستنبط قدس سره من الآية أن مآل الخلق كلهم إلى الرحمة التي وسعت كل شيء، وهي الرحمة السابقة على الغضب، وادعى أن فيها بشارة للخلق أي بشارة. وقال القيصري في تفسيرها: أي ما من شيء موجود إلا هو سبحانه آخذ بناصيته وإنما جعل دابة لأن الكل عند صاحب الشهود وأهل الوجود حي، فالمعنى مامن حي إلا والحق آخذ بناصيته ومتصرف فيه بحسب أسمائه يسلك به أي طريق شاء من طرقه وهو على صراط مستقيم؛ وأشار بقوله سبحانه: {آخَذَ} إلى هوية الحق الذي مع كل من الأسماء ومظاهرها، وإنما قال: {إِنَّ رَبّي عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} بإضافة الرب إلى نفسه، وتنكير الصراط تنبيهاً على أن كل رب على صراطه المستقيم الذي عين له من الحضرة الآلهية، والصراط المستقيم الجامع للطرق هو المخصوص بالاسم الإلهي ومظهره لذلك قال في الفاتحة المختصة بنبينا صلى الله عليه وسلم: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}تفسير : [الفاتحة: 6] بلام العهد أو الماهية التي منها تتفرع جزئياتها، فلا يقال: إذا كان كل أحد على الصراط المستقيم فما فائدة الدعوة؟ لأنا نقول: الدعوة إلى الهادي من المضل وإلى العدل من الجائر كما قال سبحانه: {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً } تفسير : [مريم: 85] انتهى بحروفه، وأعظم من هذا إشكالاً التكليف مع القول بالوحدة وكذا التنعيم والتعذيب فإن الظاهر من التقرير لكلام المحققين من الصوفية أن المكلف عبارة عن موجود هو حصة من الوجود المطلق المفاض على حقائق الممكنات المتعين بتعينات مختلفة اقتضتها الاستعدادات الذاتية للحقائق التي هي المعدومات المتميزة في نفس الأمر المستعدة باستعدادات ذاتية غير مجعولة، فالمكلف مقيد من مقيدات الوجود المطلق المفاض، والمقيد لا يوجد بدون المطلق لأنه قيومه، والمطلق من حيث الإطلاق عين الحق، ولا شك أن قاعدة التكليف تقتضي أن يكون بينهما مغايرة ومباينة حقيقية ذاتية حتى يصح التكليف وما يترتب عليه من التعذيب والتنعيم. وأجيب بأن حقيقة الممكن أمر معدوم متميز في نفسه بتميز ذاتي غير مجعول ووجوده خاص مقيد بخصوصية / ما اقتضاها استعداده الذاتي لماهيته العدمية فهو مركب من الوجود والعدم وحقيقته مغايرة لوجوده تعقلاً لتمايزهما ذهنا، ولا ينافي ذلك قول الأشعري: وجود كل شيء عين حقيقته لما بين في محله وحقيقة الحق تعالى لا تغاير وجوده ووجوده سبحانه هو الوجود المطلق بالإطلاق الحقيقي حسبما حققه محققو الصوفية، فالمغايرة الذاتية بين المكلف والمكلف في غاية الظهور لأن المكلف هو المعدوم اللابس لحصة من الوجود المتعين بمقتضى حقيقته، والمكلف سبحانه هو الحق عز وجل الذي هو عين الوجود المطلق الغير المقترن بماهية عدمية، وبعبارة أخرى: إن حقيقة الممكن أمر معدوم وحقيقة الواجب سبحانه الوجود المطلق حتى عن قيد الإطلاق وقد وقع في البين تجلي الهوية في العبد وذلك التجلي هو الجامع للقدرة وغيرها من الكمالات التي يتوقف عليها التلكيف بمقتضى الحكمة ومحقق للمغايرة. وحاصل ذلك أن حقيقة المزج بين تجلي الهوية والصورة الخلقية المتعينة بمقتضى الحقيقة العدمية هي التي أحدثت ما به يصح التكليف وما يترتب عليه، وكون الحق سبحانه قيوماً للوجود المقيد غير قادح في ذلك بل القيومية هي المصححة له لما تبين من النصوص أنه لا تكليف إلا بالوسع ولا وسع للممكن إلا بقيوميته تعالى بنص {أية : مَا شَآء ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ } تفسير : [الكهف: 39] وما هو بالله فهو لله تعالى، والبحث في ذلك طويل، وبعض كلماتهم يتراءى منها عدم المغايرة بين المكلف والمكلف من ذلك ما قيل: شعر : لقد كنت دهراً قبل أن يكشف الغطا إخالك أني ذاكر لك شاكر فلما أضاء الليل أصبحت شاهداً بأنك مذكور وذكر وذاكر تفسير : لكن ينبغي أن لا يبادر سمعها بالإنكار، ويرجع في المراد منها إلى العارفين بدقائق الأسرار. هذا وقد تقدم الكلام في ناقة صالح عليه السلام، وفيما قص الله تعالى هٰهنا عن إبراهيم عليه السلام إشارة إلى بعض آداب الفتوة، فقد قالوا: إن من آدابها إذا نزل الضيف أن يبدأ بالكرامة في الإنزال؛ ثم يثني بالكرامة بالطعام، وإنما أوجس عليه السلام في نفسه خيفة لأنه ظن الغضب، والخليل يخشى غضب خليله ومناه رضاه، ولله در من قال: شعر : لعلك غضبان ولست بعالم سلام على الدارين إن كنت راضياً تفسير : وفي هذه القصة دليل على أنه قد ينسد باب الفراسة على الكاملين لحكم يريدها الله تعالى، ومن ذلك لم يعرف إبراهيم وكذا لوط عليهما السلام الملائكة عليهم السلام في أول الأمر، وكانت مجادلته عليه السلام من آثار مقام الإدلال على ما قيل، وقوله تعالى عن لوط عليه السلام: {أية : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ}تفسير : [هود: 80] قيل: يشير بالقوة إلى الهمة وهي عندهم القوة المؤثرة في النفوس لأن القوة منها جسمانية ومنها روحانية وهذه المسماة بالهمة وهي أقوى تأثيراً لأنها قد تؤثر في أكثر العالم أوكله بخلاف الجسمانية، وقصد عليه السلام بالركن الشديد القبيلة لأنه يعلم أن أفعال الله تعالى لا تظهر في الخارج إلا على أيدي المظاهر فتوجه إلى الله سبحانه وطلب منه أن يجعل له أنصاراً ينصرونه على أعداء الله تعالى، وردد الأمر بين ذلك وأن يجعل له همة مؤثرة من نفسه ليقاوم بها الأعداء، وقد علمت ما روى عن النبـي صلى الله عليه وسلم من قوله: «حديث : يرحم الله تعالى أخي لوطاً»تفسير : الخبر. وذكر الشيخ الأكبر قدس سره أنه عليه الصلاة والسلام نبه بذلك الخبر أن لوطاً كان مع الله تعالى من أنه سبحانه / ركن شديد والإشارة في قصة شعيب عليه السلام إلى أنه ينبغي لمن كان في حيز أن لا يعصى الله تعالى، وللواعظ أن لا يخالف فعله قوله:شعر : لا تنه عن خُلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم تفسير : وأنه لا ينبغي أن يكون شيء عند العبد أعز عليه من الله تعالى إلى غير ذلك، والله تعالى الهادي إلى سبيل الرشاد.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 95- وانتهى أمرهم وزالت آثارهم، كأنهم لم يقيموا فى ديارهم، ونطق حالهم بما يجب أن يتنبه له ويعتبر به كل عاقل، ألا هلاكاً لمدْين، وبُعداً من رحمة الله كما بَعدت ثمود من قبلهم. 96- ولقد أرسلنا موسى مؤيَّداً بمعجزاتنا الدالة على صدقه، وبالبرهان المبين ذى السلطان القاهر على النفوس. 97- أرسلناه إلى فرعون وكبار رجاله، فكفر به فرعون وأمر قومه أن يتبعوه فى الكفر، فاتّبعوا أمر فرعون، وخالفوا أمر موسى، وما أمر فرعون بسديد حسن النتائج حتى يستحق أن يُتّبع. 98- يتقدم قومه يوم القيامة ويقودهم كما قادهم فى الدنيا، فيوردهم النار حتماً، يصْلَونها ويتجرعون غُصص عذابها، وقُبح هذا المورد الذى يشربون منه ماء حميماً؛ ليطفئ ظمأهم، فيقطّع أمعاءهم. 99- وهم فى هذه الدنيا قد تبعتهم لعنة من الله والملائكة والناس، ويوم القيامة تتبعهم كذلك اللعنة، لأنها عطاؤهم، وإنه لعطاء قبيح يثير الشعور بالذنب، ويقال فيه: بئس هذا العطاء المعطى لهؤلاء. 100- ذلك القَصَص - أيها النبى - هو بعض أخبار القرى التى أهلكناها، نقصُّها عليك لتعظ بها قومك، وتطمئن إلى نصر الله لك، بعض هذه القرى كالزرع القائم على ساقه، ليشهدوا بما حصل، وبعضها عَافى الأثر، كالزّرع الذى حصد.

د. أسعد حومد

تفسير : (95) - فَأَصْبَحَ القَوْمُ هَلْكَى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْمُرُوا دِيَارَهُمْ قَبْلَ ذلِكَ، وَلَمْ يُقِيمُوا فِيهَا، أَلا بُعْداً وَهَلاَكاً لِمَدْيَنَ، كَمَا هَلَكَتْ ثَمْودُ وَبَعُدَتْ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ. (وَكَانَتْ ثَمْودُ جِيرَانَ مَدْيَنَ فِي الأَرْضِ، وَأَشْبَاهَهُمْ فِي الكُفْرِ وَالتَّمَرُّد ِعَلَى اللهِ). لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا - لَمْ يُقِيمُوا طَوِيلاً فِيهَا فِي رَغَدٍ. بُعْداً لِمَدْيَنَ - هَلاَكاً وَسُحْقاً لَهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: أن من يمر على أهل "مدين" بعد ذلك كأنهم لم يكن لهم وجود. والحق سبحانه يقول: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا ..}تفسير : [يونس: 24]. فالإنسان الذي ارتقى حتى وصل إلى الحضارات المتعددة، إلى حد أنه قد يطلب القهوة بالضغط على زر آلة، فإذا شاء الله سبحانه أزال كل ذلك في لمح البصر. هذه الحياة المرفهة يستمتع فيها الإنسان كمخدوم، وهي غير الجنة التي ينال فيها الإنسان ما يشتهي بمجرد أن يخطر الأمر بباله. وهنا يقول الحق سبحانه: {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ ..} [هود: 95]. ومادة "الغنى" منها: الغناء - بكسر الغين - وهو ما يغنيه المطربون، ومنها الغناء - بفتح الغين - وهو يؤدي إلى الشيء الذي يغنيك عن شيء آخر، فالغنى بالمال يكتفي عما في أيدي الناس. وهكذا الغناء؛ لأن الأذن تسمع كثيراً، والعين تقرأ كثيراً، لكن الإنسان لا يردد إلا الكلام الذي يعجبه، والملحَّن بطريقة تعجبه؛ فالغناء هو اللحن المستطاب الذي يغنيك عن غيره. والغَناء، أي: الإقامة في مكان إقامةً تغنيك عن الذهاب إلى مكان آخر، وتتوطن في هذا المكان الذي يغنيك عن بقية الأماكن. إذن: فقول الحق سبحانه: {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ ..} [هود: 95]. أي: كأنهم لم يقيموا هنا، ويستغنوا بهذا المكان عن أي مكان سواه. ويقول الحق سبحانه في موضع آخر من القرآن الكريم: {أية : .. مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ}تفسير : [هود: 100]. أي: أن الأطلال قائمة بما تحتويه من أحجار ورسوم، مثل معابد قدماء المصريين، وأنت حين تزورها لا تجد المعابد كلها سليمة، بل تجد عموداً منتصباً، وآخر مُلْقىً على الأرض، وباباً غير سليم، ولو كانت كلها حصيداً؛ لاختفت تماماً، ولكنها بقايا قائمة، ومنها ما اندثر. وهذا يثبت لنا صدق الأداء القرآني بأنه كانت هناك حضارات، لأنها لو ذهبت كلها؛ لما عرفنا أن هناك حضارات قد سبقت. ثم يقول الحق سبحانه: {.. أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} [هود: 95]. وكلمة "ألا" - كما عرفنا من قبل - هي "أداة استفتاح" ليلتفت السامع وينصت، فلا تأخذه غفلة عن الأمر المهم الذي يتكلم به المتكلم، وليستقبل السامع الكلام كله استقبال المستفيد. وكلمة "بُعْداً" ليست دعاءً على أهل مدين بالبعد؛ لأنها هلكت بالفعل، ومادة كلمة "بُعْداً" هي: "الباء" و"العين" و"الدال" وتستعمل استعمالين: مرة تريد منها الفراق؛ والفراق بينونة إلى لقاء مظنون، إما إذا كانت إلى بينونة متيقنة ألا تكون، ولذلك جاء بعدها: {.. كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} [هود: 95]. وهي تدل على أنه بعدٌ لا لقاء بعده إلا حين يجمع الحق سبحانه الناس يوم القيامة. والشاعر يقول: شعر : يَقُولُون لا تبعدْ وهُمْ يَدفِنُونَني وأينَ مَكَانُ البُعدِ إلا مَكانِيَا تفسير : فهذا هو البعد الذي يذهب إليه الإنسان ولا يعود. ولما خَصَّ الحق سبحانه ثمود بالذكر هنا، وقد سبق أن قال سبحانه عن أقوام آخرين: "ألا بعداً"؟ لأن الصيحة قد جاءت لثمود، وبذلك اتفقوا في طريقة العذاب. وتنتهي هنا قصة شعيب عليه السلام مع مدين، ونلحظ أن لها مساساً برسلٍ مثل موسى عليه السلام، مثلما كان لقوم لوط مساس بإبراهيم عليه السلام. وهكذا نعلم أن هناك رسلاً قد تعاصرت، أي: أن كل واحد منهم أرسل إلى بيئة معينة ومكان معين. ولأن المرسل إليهم هم عبيد الله كلهم؛ لذلك أرسل لكل بيئة رسولاً يناسب منهجه عيوب هذه البيئة. وإبراهيم عليه السلام هو عم لوط عليه السلام، وموسى عليه السلام هو صهر شعيب عليه السلام. وقد ذهب موسى إلى أهل مدين قبل أن يرسله الله إلى فرعون. ونحن نعلم أن الأماكن في الأزمنة القديمة كانت منعزلة، ويصعب بينها الاتصال، وكل جماعة تعيش في موقع قد لا يدرون عن بقية المواقع شيئاً، وكل جماعة قد يختلف داؤها عن الأخرى. لكن حين أراد الحق سبحانه بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كرسولٍ خاتمٍ، فقد علم الحق سبحانه أزلاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ميعاد مع ارتقاء البشرية، وقد توحدت الداءات. فما يحدث الآن في أي مكان في العالم، ينتقل إلينا عبر الأقمار الصناعية في ثوانٍ معدودة، لذلك كان لا بد من الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم. أما تعدد الرسل وتعدد اللقطات لكل رسول بالقرآن، فليست تكراراً كما يظن السطحيون؛ لأن الأصل في القصص القرآني أن الحق سبحانه قد أنزله لتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كانت الآيات تنزل من السماء الدنيا بالوحي لتناسب الموقف الذي يحتاج فيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تثبيت للفؤاد. ويبيِّن الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يتذكر إخوانه من الرسل وما حدث لهم مع أقوامهم وانتصار الله لهم في النهاية، وحين أراد الحق سبحانه أن يقص قصة محبوكة جاء بسورة يوسف. وهكذا فليس في القرآن تكرار، بل كل لقطة إنما جاءت لتناسب موقعها في تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم. ولنا أن نلحظ أن قصة شعيب عليه السلام مع قومه، ما كان يجب أن تنتهي إلا بأن تأتي فيها لقطة من قصة موسى عليه السلام، وهو صهر شعيب عليه السلام. والملاحظ أن الحق سبحانه قد ذكر هنا من قصة موسى عليه السلام لقطتين: اللقطة الأولى: هي الإرسال بالآيات إلى فرعون. واللقطة الثانية: هي خاتمة فرعون لا مع موسى عليه السلام، ولكن مع الحق سبحانه يوم القيامة، يقول تعالى: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ}تفسير : [هود: 98-99]. وكان لشعيب عليه السلام مهمة تثبيت قلب موسى عليه السلام من الهلع، حين أعلن له أنه خائف من أن يقتله قوم فرعون لأنه قتل رجلاً منهم، فقال له شعيب عليه السلام ما ذكره الحق سبحانه في قوله: {أية : .. نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [القصص: 25]. وهكذا ثبَّته وهيَّأ له حياة يعيش فيها آمناً لمدة ثماني حجج أو أن يتمها عشر حجج، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : قَالَ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}تفسير : [القصص: 27-28]. وهكذا باشر شعيب عليه السلام مهمة في قصة موسى عليه السلام. ومن هذا ومن ذاك يعطينا الحق سبحانه الدرس بأن الفطرة السليمة لها تقنينات قد تلتقي مع قانون السماء؛ لأن الحق سبحانه لا يمنع عقول البشر أن تصل إلى الحقيقة، لكن العقول قد تصل إلى الحقيقة بعد مرارة من التجربة، مثلما قنَّن الحق سبحانه الطلاق في الإسلام، ثم أخذت به بلاد أخرى غير مسلمة بعد أن عانت مُرَّ المعاناة. ومثلما حرَّم الحق سبحانه الخمر، ثم أثبت العلم مضارها على الصحة، فهل كنا مطالبين بأن نؤجل حكم الله تعالى إلى أن يهتدي العقل إلى تلك النتائج؟ لا؛ لأن الحق سبحانه قد أنزل في القرآن قانون السماء الذي يقي الإنسان شر التجربة؛ لأن الذي أنزل القرآن سبحانه هو الذي خلقنا وهو مأمون علينا، وقد أثبتت الأيام صدق حكم الله تعالى في كل ما قال بدليل أن غير المؤمنين بالقرآن يذهبون إلى ما نزل به القرآن ليطبقوه. وفي قصة موسى عليه السلام مثل واضح على مشيئة الحق سبحانه، فها هو فرعون الكافر قد قام بتربية موسى بعد أن التقطه لعله يكون قرة عين له، رغم أن فرعون كان يُقتِّل أطفال تلك الطائفة. ثم تلحظ أخت موسى أخاها، ويرد الحق سبحانه موسى عليه السلام إلى أمه. وقد صوَّر الشاعر هذا الموقف بقوله: شعر : إذا لَمْ تُصادِفْ في بَنِيكَ عِنَايةً مِنَ اللهِ فقدْ كَذبَ الرَّاجِي وخَابَ المأملُ فَمُوسَى الذي رَبَّاهُ جِبريلُ كافرٌ ومُوسَى الذي ربَّاه فِرْعونُ مُرسَلُ تفسير : وقد جاءت قصة موسى عليه السلام هنا موجزة، في البداية وفي النهاية؛ ليبيِّن لنا الحق سبحانه أن لشعيب دوراً مع واحد من أولي العزم من الرسل، وهو موسى عليه السلام، وكان مقصد موسى عليه السلام قبل أن يبعث - هو ماء مدين، فحدث ما يمكن أن نجد فيه حلاً لمشاكل الجنسين - الرجل والمرأة - وهي رأس الحربة التي تُوجَّه إلى المجتمعات الإسلامية؛ لأن البعض يريد أن تتبذل المرأة في مفاتنها، لإغواء الشباب في أعز أوقات شراسة المراهقة. لكن القرآن حَلَّ هذه المسألة في رحلة بسيطة، ولنقرأ قول الحق سبحانه عن موسى: {أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ ..}تفسير : [القصص: 23]. أي: تمنعان الماشية من الاقتراب من المياه، وكان هذا المشهد مُلْفتاً لموسى عليه السلام، وكان من الطبيعي أن يتساءل: ألم تأتيا إلى هنا لتسقيا الماشية؟! وقال القرآن السؤال الطبيعي: {أية : مَا خَطْبُكُمَا ..}تفسير : [القصص: 23]. فتأتيه الإجابة من المرأتين: {أية : قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}تفسير : [القصص: 23]. وهكذا نعلم أن خروج المرأة له علة أن الأب شيخ كبير، وأن خروج المرأتين لم يكن بغرض المزاحمة على الماء، ولكن بسبب الضرورة، وانتظرتا إلى أن يسقي الرعاة، بل ظلَّتا محتجبتين بعيداً؛ لذلك تقدم موسى عليه السلام ليمارس مهمة الرجل: {أية : فَسَقَىٰ لَهُمَا ..}تفسير : [القصص: 24]. وهذه خصوصية المجتمع الإيماني العام، لا خصوصية قوم، ولا خصوصية قربى، ولا خصوصية أهل، بل خصوصية المجتمع الإيماني العام. فساعة يرى الإنسان امرأة قد خرجت إلى العمل، فيعرف أن هناك ضرورة ألجأتها إلى ذلك، فيقضي الرجل المسلم لها حاجتها. وأذكر حين ذهبت إلى مكة في عام 1950م أن نزل صديقي من سيارته أمام باب منزلٍ، وكان يوجد أمام الباب لوح من الخشب عليه أرغفة من العجين التي لم تخبز بعد، وذهب به إلى المخبز، ثم عاد به بعد خبزه إلى نفس الباب. وقال لي: إن هذه هي عادة أهل مكة، إن وجد إنسان لوحاً من العجين غير المخبوز؛ فعليه أن يفعل ذلك؛ لأن وجود هذا اللوح أمام الباب إنما يعني أن الرجل رب البيت غائب. وهذا كله مأخوذ من كلمة: {أية : فَسَقَىٰ لَهُمَا ..}تفسير : [القصص: 24]. وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يأمر الجنود أن تدق الأبواب لتسأل أهل البيوت عن حاجاتهم. والأمر الثالث والمهم هو أن المرأة التي تخرج إلى مهمة عليها ألا تستمرىء ذلك، بل تأخذها على قدر الضرورة، فإذا وجدت منفذاً لهذه الضرورة، فعليها أن تسارع إلى هذا المنفذ، ولذلك قالت الفتاة لأبيها شعيب: {أية : .. يٰأَبَتِ ٱسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ}تفسير : [القصص: 26]. ويُنهي شعيب عليه السلام هذا الموقف إنهاءً إيمانياً حكيماً حازماً، فيقول لموسى: {أية : إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ ..}تفسير : [القصص: 27]. وهكذا يعلم موسى - عليه السلام - أن شعيباً لا يُلقي بابنته هكذا دون مهر، لا.. بل لا بد أن يكون لها مهر، وأيضاً تصبح أختها محرمة عليه. وهذه القصة وضعت لنا مبادىء تحل كل المشكلات التي يتشدق بها خصوم الإسلام. وها نحن نجد في الغرب صيحات معاصرة تطالب بأن تقوم المرأة بالبقاء في المنزل لرعاية الأسرة والأولاد؛ ليس لأن المرأة ناقصة، ولكن لأن كمال المرأة في أداء أسمى مهمة توكل إليها، وهي تربية الأبناء. ونحن نعلم أن طفولة الإنسان هي أطول أعمار الطفولة في كل الكائنات، والأبناء الذين ينشأون برعاية أم متفرغة يكونون أفضل من غيرهم. وهكذا نتعلم من قصة شعيب عليه السلام مع موسى عليه السلام. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 1244- حدثنا عبد الرزاق، عن معْمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ}: [الآية: 95]، يقول: كأن لم يعثوا فِيهَا.