Verse. 1569 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَلَقَدْ اَرْسَلْنَا مُوْسٰى بِاٰيٰتِنَا وَسُلْطٰنٍ مُّبِيْنٍ۝۹۶ۙ
Walaqad arsalna moosa biayatina wasultanin mubeenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين» برهان بيّن ظاهر.

96

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن هذه هي القصة السابعة من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة وهي آخر القصص من هذه السورة، أما قوله: {بِآيَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } ففيه وجوه: الأول: أن المراد من الآيات التوراة مع ما فيها من الشرائع والأحكام، ومن السلطان المبين المعجزات القاهرة الباهرة والتقدير: ولقد أرسلنا موسى بشرائع وأحكام وتكاليف وأيدناه بمعجزات قاهرة وبينات باهرة الثاني: أن الآيات هي المعجزات والبينات وهو كقوله: { أية : إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَا } تفسير : [يونس: 68] وقوله: { أية : مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ } تفسير : [النجم: 23] وعلى هذا التقدير ففي الآية وجهان: الأول: أن هذه الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته. الثاني: أن يراد بالسلطان المبين العصا، لأنه أشهرها وذلك لأنه تعالى أعطى موسى تسع آيات بينات، وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص من الثمرات والأنفس. ومنهم من أبدل نقص الثمرات والأنفس بإظلال الجبل وفلق البحر، واختلفوا في أن الحجة لم سميت بالسلطان. فقال بعض المحققين: لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة معه عند النظر كما يقهر السلطان غيره، فلهذا توصف الحجة بأنها سلطان، وقال الزجاج: السلطان هو الحجة والسلطان سمي سلطاناً لأنه حجة الله في أرضه واشتقاقه من السليط والسليط ما يضاء به ومن هذا قيل للزيت السليط وفيه قول ثالث: وهو أن السلطان مشتق من التسليط، والعلماء سلاطين بسبب كمالهم في القوة العلمية والملوك سلاطين بسبب ما معهم من القدرة والمكنة، إلا أن سلطنة العلماء أكمل وأقوى من سلطنة الملوك، لأن سلطنة العلماء لا تقبل النسخ والعزل وسلطنة الملوك تقبلهما ولأن سلطنة الملوك تابعة لسلطنة العلماء وسلطنة العلماء من جنس سلطنة الأنبياء وسلطنة الملوك من جنس سلطنة الفراعنة. فإن قيل: إذا حملتم الآيات المذكورة في قوله: {بِـئَايَـٰتِنَا } على المعجزات والسلطان أيضاً على الدلائل والمبين أيضاً معناه كونه سبباً للظهور فما الفرق بين هذه المراتب الثلاثة؟ قلنا: الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات التي تفيد الظن، وبين الدلائل التي تفيد اليقين وأما السلطان فهو اسم لما يفيد القطع واليقين، إلا أنه اسم للقدر المشترك بين الدلائل التي تؤكد بالحس، وبين الدلائل التي لم تتأكد بالحس، وأما الدليل القاطع الذي تأكد بالحس فهو السلطان المبين، ولما كانت معجزات موسى عليه السلام هكذا لا جرم وصفها الله بأنها سلطان مبين. ثم قال: {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وملائه} يعني وأرسلنا موسى بآياتنا بمثل هذه الآيات إلى فرعون وملائه، أي جماعته. ثم قال: {فَٱتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ } ويحتمل أن يكون المراد أمره إياهم بالكفر بموسى ومعجزاته ويحتمل أن يكون المراد من الأمر الطريق والشأن. ثم قال تعالى: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } أي بمرشد إلى خير، وقيل رشيد أي ذي رشد. واعلم أن بعد طريق فرعون من الرشد كان ظاهراً لأنه كان دهرياً نافياً للصانع والمعاد وكان يقول: لا إله للعالم وإنما يجب على أهل كل بلد أن يشتغلوا بطاعة سلطانهم وعبوديته رعاية لمصلحة العالم وأنكر أن يكون الرشد في عبادة الله ومعرفته فلما كان هو نافياً لهذين الأمرين كان خالياً عن الرشد بالكلية، ثم إنه تعالى ذكر صفته وصفة قومه فقال: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ } وفيه بحثان: البحث الأول: من حيث اللغة يقال: قدم فلان فلاناً بمعنى تقدمه، ومنه قادمة الرجل كما يقال قدمه بمعنى تقدمه، ومنه مقدمة الجيش. والبحث الثاني: من حيث المعنى وهو أن فرعون كان قدوة لقومه في الضلال حال ما كانوا في الدنيا وكذلك مقدمهم إلى النار وهم يتبعونه، أو يقال كما تقدم قومه في الدنيا فأدخلهم في البحر وأغرقهم فكذلك يتقدمهم يوم القيامة فيدخلهم النار ويحرقهم، ويجوز أيضاً أن يريد بقوله: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } أي وما أمره بصالح حميد العاقبة ويكون قوله: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ } تفسيراً لذلك، وأيضاحاً له، أي كيف يكون أمره رشيداً مع أن عاقبته هكذا. فإن قيل: لم لم يقل: يقدم قومه فيوردهم النار؟ بل قال: يقدم قومه فأوردهم النار بلفظ الماضي. قلنا: لأن الماضي قد وقع ودخل في الوجود فلا سبيل ألبتة إلى دفعه، فإذا عبر عن المستقبل بلفظ الماضي دل على غاية المبالغة، ثم قال: {وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ } وفيه بحثان: البحث الأول: لفظ «النار» مؤنث، فكان ينبغي أن يقال: وبئست الورد المورود إلا أن لفظ «الورد» مذكر، فكان التذكير والتأنيث جائزين كما تقول: نعم المنزل دارك، ونعمت المنزل دارك، فمن ذكر غلب المنزل ومن أنث بنى على تأنيث الدار هكذا قاله الواحدي. البحث الثاني: الورد قد يكون بمعنى الورود فيكون مصدراً وقد يكون بمعنى الوارد. قال تعالى: { أية : وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً } تفسير : [مريم: 86] وقد يكون بمعنى المورود عليه كالماء الذي يورد عليه. قال صاحب «الكشاف»: الورد المورود الذي حصل وروده. فشبه الله تعالى فرعون بمن يتقدم الواردة إلى الماء وشبه أتباعه بالواردين إلى الماء، ثم قال بئس الورد الذي يوردونه النار، لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد، والنار ضده. ثم قال: {وَأُتْبِعُواْ فِى هَـٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } والمعنى أنهم أتبعوا في هذه الدنيا لعنة وفي يوم القيامة أيضاً، ومعناه أن اللعن من الله ومن الملائكة والأنبياء ملتصق بهم في الدنيا وفي الآخرة لا يزول عنهم، ونظيره قوله في سورة القصص: { أية : وَأَتْبَعْنَـٰهُم فِى هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَـٰمَةِ هُمْ مّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ } تفسير : [القصص: 42]. ثم قال: {بِئْسَ ٱلرّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ } والرفد هو العطية وأصله الذي يعين على المطلوب سأل نافع بن الأزرق ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله: {بِئْسَ ٱلرّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ } قال هو اللعنة بعد اللعنة. قال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان من الله تعالى لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة وكل شيء جعلته عوناً لشيء فقد رفدته به.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا} بين أنه أتبع النبي النبيّ لإقامة الحجة، وإزاحة كل علّة «بِآيَاتِنَا» أي بالتوراة. وقيل: بالمعجزات. {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي حجة بيّنة؛ يعني العصا. وقد مضى في «آل عمران» معنى السلطان واشتقاقه فلا معنى للإعادة. {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ} أي شأنه وحاله، حتى ٱتخذوه إلها، وخالفوا أمر الله تعالى. {وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} أي بسديد يؤدّي إلى صواب: وقيل: «بِرَشِيدٍ» أي بمرشد إلى خير. قوله تعالى: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} يعني أنه يتقدمهم إلى النار إذ هو رئيسهم. يقال: قَدَمهم يقدُمُهم قدماً وقُدُوماً إذا تقدّمهم. {فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ} أي أدخلهم فيها. ذُكِر بلفظ الماضي؛ والمعنى فيوردهم النار؛ وما تحقق وجوده فكأنه كائن؛ فلهذا يُعبَّر عن المستقبل بالماضي. {وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ} أي بئس المدخل المدخول؛ ولم يقل بئست لأن الكلام يرجع إلى المورود، وهو كما تقول: نعم المنزل دارك، ونعمت المنزل دارك. والمورود الماء الذي يورد، والموضع الذي يورد؛ وهو بمعنى المفعول. قوله تعالى: {وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ لَعْنَةً} أي في الدنيا. {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي ولعنة يوم القيامة؛ وقد تقدّم هذا المعنى. {بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ} حكى الكسائي وأبو عبيدة: رَفَدْتُه أَرْفِدُه رَفْداً؛ أي أعنته وأعطيته. وٱسم العطية الرَّفْد؛ أي بئس العطاء والإعانة. والرفد أيضاً القدح الضخم؛ قاله الجوهري، والتقدير: بئس الرفد رِفد المرفود. وذكر الماوردي: أن الرَّفد بفتح الراء القدح، والرفد بكسرها ما في القدح من الشراب؛ حكي ذلك عن الأصمعي؛ فكأنه ذمّ بذلك ما يسقونه في النار. وقيل: إن الرفد الزيادة؛ أي بئس ما يرفدون به بعد الغرق النارُ؛ قاله الكلبي.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن إِرسال موسى بآياته ودلالاته الباهرة إِلى فرعون ملك القبط وملئه {فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ} أي: منهجه ومسلكه وطريقته في الغي {وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} أي: ليس فيه رشد ولا هدى، وإِنما هو جهل وضلال، وكفر وعناد، وكما أنهم اتبعوه في الدنيا، وكان مقدمهم ورئيسهم، كذلك هو يقدمهم يوم القيامة إلى نار جهنم، فأوردهم إِياها، وشربوا من حياض رداها، وله في ذلك الحظ الأوفر؛ من العذاب الأكبر، كما قال تعالى: { أية : فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَـٰهُ أَخْذاً وَبِيلاً } تفسير : [المزمل: 16] وقال تعالى: {أية : فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلأَخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} تفسير : [النازعات:21-26] وقال تعالى: { يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ} وكذلك شأن المتبوعين يكونون موفرين في العذاب يوم القيامة كما قال تعالى: {أية : لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 38] وقال تعالى إِخباراً عن الكفرة أنهم يقولون في النار: {أية : رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [الأحزاب:67-68] الآية، وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم حدثنا أبو الجهم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : امرؤ القيس حامل لواء شعراء الجاهلية إلى النار» تفسير : وقوله: {وَأُتْبِعُواْ فِى هَـٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} الآية، أي: أتبعناهم زيادة على عذاب النار لعنة في الدنيا {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ} قال مجاهد: زيدوا لعنة يوم القيامة، فتلك لعنتان، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ} قال: لعنة الدنيا والآخرة، وكذا قال الضحاك وقتادة، وهو كقوله: {أية : وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَيَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ لاَ يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَـٰهُم فِى هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَـٰمَةِ هُمْ مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ} تفسير : [القصص:41-42] وقال تعالى: {أية : ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [غافر: 46].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِئَايَٰتِنَا وَسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ } برهان بيِّن ظاهر.

الشوكاني

تفسير : المراد بالآيات: التوراة، والسلطان المبين: المعجزات. وقيل: المراد بالآيات: هي التسع المذكورة في غير هذا الموضع، والسلطان المبين: العصا، وهي وإن كانت من التسع لكنها لما كانت أبهرها أفردت بالذكر؛ وقيل: المراد بالآيات: ما يفيد الظنّ، والسلطان المبين ما يفيد القطع بما جاء به موسى؛ وقيل: هما جميعاً عبارة عن شيء واحد: أي أرسلناه بما يجمع وصف كونه آية، وكونه سلطاناً مبيناً؛ وقيل إن السلطان المبين: ما أورده موسى على فرعون في المحاورة بينهما {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِه} أي: أرسلناه بذلك إلى هؤلاء. وقد تقدّم أن الملأ أشراف القوم، وإنما خصهم بالذكر دون سائر القوم، لأنهم أتباع لهم في الإصدار والإيراد، وخصّ هؤلاء الملأ دون فرعون بقوله: {فَٱتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ } أي: أمره لهم بالكفر، لأن حال فرعون في الكفر أمر واضح، إذ كفر قومه من الأشراف وغيرهم إنما هو مستند إلى كفره، ويجوز أن يراد بأمر فرعون شأنه وطريقته، فيعمّ الكفر وغيره {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } أي: ليس فيه رشد قط، بل هو: غيّ وضلال، والرشيد بمعنى المرشد، والإسناد مجازي، أو بمعنى ذي رشد، وفيه تعريض بأن الرشد في أمر موسى {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } من قدمه بمعنى تقدّمه: أي يصير متقدّماً لهم يوم القيامة سابقاً لهم إلى عذاب النار، كما كان يتقدّمهم في الدنيا {فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ } أي: إنه لا يزال متقدّماً لهم، وهم يتبعونه حتى يوردهم النار، وعبر بالماضي تنبيهاً على تحقق وقوعه، ثم ذمّ الورد الذي أوردهم إليه، فقال: {وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ } لأن الوارد إلى الماء الذي يقول له الورد، إنما يرده ليطفىء حرّ العطش، ويذهب ظمأه، والنار على ضدّ ذلك. ثم ذمهم بعد ذمّ المكان الذي يردونه، فقال: {وَأُتْبِعُواْ فِى هَـٰذِهِ لَعْنَةً } أي: أتبع قوم فرعون مطلقاً، أو الملأ خاصة، أو هم وفرعون في هذه الدنيا لعنة عظيمة: أي طرداً وإبعاداً {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي: وأتبعوا لعنة يوم القيامة، يلعنهم أهل المحشر جميعاً، ثم إنه جعل اللعنة رفداً لهم على طريقة التهكم، فقال: {بِئْسَ ٱلرّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ }. قال الكسائي وأبو عبيدة: رفدته أرفده رفداً: أمنته وأعطيته، واسم العطية الرفد: أي بئس العطاء، والإعانة ما أعطوهم إياه، وأعانوهم به، والمخصوص بالذمّ محذوف: أي رفدهم، وهو: اللعنة التي أتبعوها في الدنيا والآخرة، كأنها لعنة بعد لعنة تمدّ الأخرى الأولى وتؤبدها. وذكر الماوردي حكاية عن الأصمعي أن الرفد بالفتح: القدح، وبالكسر: ما فيه من الشراب فكأنه ذمّ ما يستقونه في النار، وهذا أنسب بالمقام. وقيل: إن الرفد: الزيادة: أي بئس ما يرفدون به بعد الغرق، وهو الزيادة قاله الكلبي. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ مِنْ أَنْبَاء ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ } أي: ما قصه الله سبحانه في هذه السورة من أخبار الأمم السالفة، وما فعلوه مع أنبيائهم، أي هو مقصوص عليك خبر بعد خبر، وقد تقدّم تحقيق معنى القصص، والضمير في {منها} عائد إلى {القرى}: أي من القرى قائم، ومنها حصيد، والقائم: ما كان قائماً على عروشه، والحصيد: ما لا أثر له. وقيل القائم: العامر، والحصيد: الخراب. وقيل: القائم: القرى الخاوية على عروشها، والحصيد: المستأصل بمعنى محصود، شبه القرى بالزرع القائم على ساقه والمقطوع. قال الشاعر:شعر : والناس في قسم المنية بينهم كالزرع منه قائم وحصيد تفسير : {وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ } بما فعلنا بهم من العذاب {وَلَـٰكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالكفر والمعاصي {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءالِهَتَهُمُ } أي: فما دفعت عنهم أصنامهم التي يعبدونها من دون الله شيئاً من العذاب {لَّمَّا جَاء أَمْرُ رَبّكَ } أي: لما جاء عذابه {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ }: الهلاك والخسران: أي ما زادتهم الأصنام التي يعبدونها إلا هلاكاً وخسراناً، وقد كانوا يعتقدون أنها تعينهم على تحصيل المنافع {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبّكَ } قرأ الجحدري وطلحة بن مصرف «أخذ» على أنه فعل. وقرأ غيرهما {أخذ} على المصدر {إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ } أي: أهلها وهم ظالمون {إِنَّ أَخْذَهُ } أي: عقوبته للكافرين {أَلِيمٌ شَدِيدٌ } أي: موجع غليظ {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } أي: في أخذ الله سبحانه لأهل القرى، أو في القصص الذي قصه على رسوله لعبرة وموعظة {لّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ } لأنهم الذين يعتبرون بالعبر، ويتعظون بالمواعظ، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ } إلى يوم القيامة المدلول عليه بذكر الآخرة أن يجمع فيه الناس للمحاسبة والمجازاة {وَذَلِكَ } أي: يوم القيامة {يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } أي: يشهده أهل المحشر، أو مشهود فيه الخلائق، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول {وَمَا نُؤَخّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ } أي: وما نؤخر ذلك اليوم إلا لانتهاء أجل معدود معلوم بالعدد، قد عيّن الله سبحانه وقوع الجزاء بعده {يَوْمَ يَأْتِ } قرأ أهل المدينة وأبو عمرو، والكسائي بإثبات الياء في الدرج، حذفها في الوقف. وقرأ أبيّ، وابن مسعود بإثباتها وصلاً ووقفاً. وقرأ الأعمش بحذفها فيهما، ووجه حذف الياء مع الوقف ما قاله الكسائي: أن الفعل السالم يوقف عليه كالمجزوم فحذفت الياء كما تحذف الضمة. ووجه قراءة من قرأ بحذف الياء مع الوصل: أنهم رأوا رسم المصحف كذلك. وحكى الخليل وسيبويه أن العرب تقول: لا أدر، فتحذف الياء وتجتزىء بالكسر، وأنشد الفراء في حذف الياء:شعر : كفاك كف ما تليق درهما جوداً وأخرى تعط بالسيف الدما تفسير : قال الزجاج: والأجود في النحو إثبات الياء، والمعنى: حين يأتي يوم القيامة {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ } أي: لا تتكلم حذفت إحدى التاءين تخفيفاً: أي لا تتكلم فيه نفس إلا بما أذن لها من الكلام. وقيل: لا تكلم بحجة ولا شفاعة {إِلاَّ بِإِذْنِهِ } سبحانه لها في التكلم بذلك، وقد جمع بين هذا وبين قوله: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } تفسير : [المرسلات: 35، 36] باختلاف أحوالهم باختلاف مواقف القيامة. وقد تكرّر مثل هذا الجمع في مواضع {فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ } أي: من الأنفس شقيّ، ومنهم سعيد. فالشقيّ: من كتبت عليه الشقاوة، والسعيد: من كتبت له السعادة، وتقديم الشقيّ على السعيد لأن المقام مقام تحذير {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } أي: فأما الذين سبقت لهم الشقاوة، فمستقرّون في النار لهم فيها زفير وشهيق. قال الزجاج: الزفير من شدّة الأنين، وهو المرتفع جداً. قال: وزعم أهل اللغة من البصريين والكوفيين: أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمير، والشهيق: بمنزلة آخره. وقيل الزفير: الصوت الشديد، والشهيق: الصوت الضعيف. وقيل الزفير: إخراج النفس، والشهيق: ردّ النفس. وقيل: الزفير من الصدر، والشهيق: من الحلق. وقيل الزفير: ترديد النفس من شدّة الخوف، والشهيق: النفس الطويل الممتد، والجملة إما مستأنفة كأنه قيل: ما حالهم فيها؟ أو في محل نصب على الحال {خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي: مدّة دوامهما. وقد اختلف العلماء في بيان معنى هذا التوقيت، لأنه قد علم بالأدلة القطعية تأييد عذاب الكفار في النار، وعدم انقطاعه عنهم، وثبت أيضاً أن السموات والأرض تذهب عند انقضاء أيام الدنيا، فقالت طائفة: إن هذا الإخبار جار على ما كانت العرب تعتاده إذا أرادوا المبالغة في دوام الشيء، قالوا: هو دائم ما دامت السموات والأرض، ومنه قولهم: لا آتيك ما جنّ ليل، وما اختلف الليل والنهار، وما ناح الحمام ونحو ذلك. فيكون معنى الآية: أنهم خالدون فيها أبداً لا انقطاع لذلك ولا انتهاء له. وقيل: إن المراد: سموات الآخرة وأرضها، فقد ورد ما يدل على أن للآخرة سموات وأرضاً غير هذه الموجودة في الدنيا، وهي دائمة بدوام دار الآخرة، وأيضاً لا بدّ لهم من موضع يقلهم وآخر يظلهم، وهما أرض وسماء. قوله: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } قد اختلف أهل العلم في معنى هذا الاستثناء على أقوال: الأوّل: أنه من قوله: {فَفِى ٱلنَّارِ } كأنه قال: إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك. روي هذا أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري. الثاني: أن الاستثناء إنما هو للعصاة من الموحدين، وأنهم يخرجون بعد مدّة من النار، وعلى هذا يكون قوله سبحانه: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ } عاماً في الكفرة والعصاة، ويكون الاستثناء من {خالدين}، وتكون "ما" بمعنى من، وبهذا قال قتادة، والضحاك، وأبو سنان، وغيرهم. وقد ثبت بالأحاديث المتواترة تواتراً يفيد العلم الضروري بأنه يخرج من النار أهل التوحيد، فكان ذلك مخصصاً لكل عموم. الثالث: أن الاستثناء من الزفير والشهيق: أي لهم فيها زفير وشهيق {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } من أنواع العذاب غير الزفير والشهيق، قاله ابن الأنباري. الرابع أن معنى الاستثناء: أنهم خالدون فيها ما دامت السموات والأرض، لا يموتون إلا ما شاء ربك، فإنه يأمر النار فتأكلهم حتى يفنوا، ثم يجدّد الله خلقهم، روي ذلك عن ابن مسعود. الخامس: أن {إلا} بمعنى سوى، والمعنى: ما دامت السموات والأرض سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود، كأنه ذكر في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له حكاه الزجاج. السادس: ما روي عن الفراء وابن الأنباري وابن قتيبة من أن هذا لا ينافي عدم المشيئة كقولك: والله لأضربنه إلا أن أرى غير ذلك، ونوقش هذا بأن معنى الآية الحكم بخلودهم إلا لمدة التي شاء الله، فالمشيئة قد حصلت جزماً؛ وقد حكي هذا القول الزجاج أيضاً. السابع: أن المعنى: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك من مقدار موقفهم في قبوركم وللحساب، حكاه الزجاج أيضاً. الثامن: أن المعنى: خالدين فيها إلا ما شاء ربك من زيادة النعيم لأهل النعيم وزيادة العذاب لأهل الجحيم؛ حكاه أيضاً الزجاج، واختاره الحكيم الترمذي. التاسع: أن {إلا} بمعنى الواو، قاله الفراء؛ والمعنى: وما شاء ربك من الزيادة، قال مكي: وهذا القول بعيد عند البصريين أن تكون إلا بمعنى الواو. العاشر: أن {إلا} بمعنى الكاف، والتقدير: كما شاء ربك، ومنه قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [النساء: 22] أي: كما قد سلف. الحادي عشر: أن هذا الاستثناء إنما هو على سبيل الاستثناء الذي ندب إليه الشارع في كل كلام، فهو على حدّ قوله: {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَاء ٱللَّهُ ءامِنِينَ } تفسير : [الفتح: 27] روى نحو هذا عن أبي عبيد، وهذه الأقوال هي جملة ما وقفنا عليه من أقوال أهل العلم. وقد نوقش بعضها بمناقشات، ودفعت بدفوعات. وقد أوضحت ذلك في رسالة مستقلة جمعتها في جواب سؤال ورد من بعض الأعلام. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } قرأ الأعمش، وحفص، وحمزة، والكسائي {سعدوا} بضم السين، وقرأ الباقون بفتح السين، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم. قال سيبويه: لا يقال: سعد فلان، كما لا يقال: شقي فلان؛ لكونه مما لا يتعدى، قال النحاس: ورأيت عليّ بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي بضم السين مع علمه بالعربية، وهذا لحن لا يجوز، ومعنى الآية كما مرّ في قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ } قوله: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } قد عرف من الأقوال المتقدّمة ما يصلح لحمل هذا الاستثناء عليه {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ } أي: يعطيهم الله عطاء غير مجذوذ، والمجذوذ: المقطوع، من جذه يجذه إذا قطعه، والمعنى: أنه ممتدّ إلى غير نهاية. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } يقول: أضلهم فأوردهم النار. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن قتادة، في الآية قال: فرعون يمضي بين أيدي قومه حتى يهجم بهم على النار. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله: {فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ } قال: الورود: الدخول. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {بِئْسَ ٱلرّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ } قال: لعنة الدنيا والآخرة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه {مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ } يعني: قرى عامرة وقرى خامدة. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة: {منها قائم} يرى مكانه، و{حصيد} لا يرى له أثر. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن جريج: {منها قائم} خاو على عروشه، و{حصيد} ملصق بالأرض. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي عاصم {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ } قال: ما نفعت. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عمر، في قوله: {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ } أي: هلكة. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن زيد قال: تخسير. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة معناه. وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله سبحانه وتعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»تفسير : ، ثم قرأ: {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد، في قوله: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَةً لّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ } يقول: إنا سوف نفي لهم بما وعدناهم في الآخرة كما وفينا للأنبياء أنا ننصرهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } قال: يوم القيامة. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد، مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله: {يَوْمَ يَأْتِ } قال: ذلك اليوم. وأخرج الترمذي وحسنه، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عمر بن الخطاب، قال: لما نزلت {فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ } قلت: يا رسول الله، فعلام نعمل، على شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال: حديث : بل على شيء قد فرغ منه، وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كلّ ميسر لما خلق له»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس قال: هاتان من المخبآت، قول الله: {فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ } و {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا } تفسير : [المائدة: 109] أما قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ } فهم قوم من أهل الكتاب من أهل هذه القبلة يعذبهم الله بالنار ما شاء بذنوبهم، ثم يأذن في الشفاعة لهم، فيشفع لهم المؤمنون فيخرجهم من النار فيدخلهم الجنة، فسماهم أشقياء حين عذبهم في النار {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } حين أذن في الشفاعة لهم، وأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة وهم هم {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ } يعني بعد الشقاء الذي كانوا فيه {فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } يعني: الذين كانوا في النار. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن قتادة أنه تلا هذه الآية: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ } فقال: حدّثنا أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يخرج قوم من النار ولا نقول كما قال أهل حروراء: إن من دخلها بقي فيها»تفسير : . وأخرج ابن مردويه، عن جابر، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ } إلى قوله: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن شاء الله أن يخرج أناساً من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن خالد بن معدان في قوله: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } قال: إنها في التوحيد من أهل القبلة. وأخرج عبد الرزاق، وابن الضريس، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله، أو عن أبي سعيد الخدري، أو رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، في قوله: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } قال: هذه الآية قاضية على القرآن كله، يقول حيث كان في القرآن خالدين فيها تأتي عليه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي عن أبي نضرة، قال: ينتهي القرآن كله إلى هذه الآية: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } قال: لكل جنة سماء وأرض. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، نحوه أيضاً. وأخرج البيهقي في البعث والنشور، عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } قال: فقد شاء ربك أن يخلد هؤلاء في النار، وأن يخلد هؤلاء في الجنة. وأخرج ابن جرير، عنه، في قوله: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } قال: استثنى الله من النار أن تأكلهم. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، في الآية قال: فجاء بعد ذلك من مشيئة الله ما نسخها، فأنزل بالمدينة: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً }تفسير : [النساء: 168] إلى آخر الآية، فذهب الرجاء لأهل النار أن يخرجوا منها، وأوجب لهم خلود الأبد. وقوله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ } الآية. قال: فجاء بعد ذلك من مشيئة الله ما نسخها، فأنزل بالمدينة: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ } إلى قوله: {أية : ظِـلاًّ ظَلِيلاً } تفسير : [النساء: 57] فأوجب لهم خلود الأبد. وأخرج ابن المنذر، عن الحسن، قال: قال عمر: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج، لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه. وأخرج إسحاق بن راهويه عن أبي هريرة قال: سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد، وقرأ {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ } الآية. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن إبراهيم، قال: ما في القرآن آية أرجى لأهل النار من هذه الآية {خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} قال: وقال ابن مسعود: ليأتينّ عليها زمان تخفق أبوابها. وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمراناً وأسرعهما خراباً. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } قال: الله أعلم بتثنيته على ما وقعت. وقد روي عن جماعة من السلف مثل ما ذكره عمر، وأبو هريرة، وابن مسعود، كابن عباس، وعبد الله بن عمر، وجابر، وأبي سعيد من الصحابة، وعن أبي مجلز وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهما من التابعين. وورد في ذلك حديث في معجم الطبراني الكبير عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي، وإسناده ضعيف. ولقد تكلم صاحب الكشاف في هذا الموضع بما كان له في تركه سعة، وفي السكوت عنه غنى، فقال: ولا يخدعنك قول المجبرة إن المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار، فإن الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم ويسجل بافترائهم، وما ظنك بقوم نبذوا كتاب الله لما روي لهم بعض الثوابت عن ابن عمرو: ليأتينّ على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد. ثم قال: وأقول: ما كان لابن عمرو في سيفيه ومقاتلته بهما عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ما يشغله عن تسيير هذا الحديث. انتهى. وأقول: أما الطعن على من قال بخروج أهل الكبائر من النار، فالقائل بذلك يا مسكين رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما صح عنه في دواوين الإسلام التي هي دفاتر السنة المطهرة، وكما صحّ عنه في غيرها من طريق جماعة من الصحابة يبلغون عدد التواتر؛ فمالك والطعن على قوم عرفوا ما جهلته، وعملوا بما أنت عنه في مسافة بعيدة، وأيّ مانع من حمل الاستثناء على هذا الذي جاءت به الأدلة الصحيحة الكثيرة، كما ذهب إلى ذلك وقال به جمهور العلماء من السلف والخلف. وأما ما ظننته من أن الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم، ويسجل بافترائهم، فلا مناداة ولا مخالفة، وأيّ: مانع من حمل الاستثناء في الموضعين على العصاة من هذه الأمة، فالاستثناء الأوّل: يحمل على معنى {إلا ما شاء ربك} من خروج العصاة من هذه الأمة من النار، والاستثناء الثاني: يحمل على معنى {إلا ما شاء ربك} من عدم خلودهم في الجنة كما يخلد غيرهم، وذلك لتأخر خلودهم إليها مقدار المدّة التي لبثوا فيها في النار. وقد قال بهذا من أهل العلم من قدّمنا ذكره، وبه قال ابن عباس حبر الأمة. وأما الطعن على صاحب رسول الله، وحافظ سنته، وعابد الصحابة، عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، فإلى أين يا محمود، أتدري ما صنعت، وفي أيّ واد وقعت، وعلى أي جنب سقطت؟ ومن أنت حتى تصعد إلى هذا المكان، وتتناول نجوم السماء بيديك القصيرة، ورجلك العرجاء، أما كان لك في مكسري طلبتك من أهل النحو واللغة ما يردك عن الدخول فيما لا تعرف، والتكلم بما لا تدري، فيالله العجب ما يفعل القصور في علم الرواية، والبعد عن معرفتها إلى أبعد مكان من الفضيحة لمن لم يعرف قدر نفسه، ولا أوقفها حيث أوقفها الله سبحانه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة} فيه وجهان: أحدهما: أن اللعنة في الدنيا من المؤمنين وفي الآخرة من الملائكة. الثاني: أنه عنى بلعنة الدنيا الغرق، وبلعنة الآخرة النار، قاله الكلبي ومقاتل. {بئس الرِّفد المرفود} فيه ثلاث أوجه: أحدها: بئس العون المعان، قاله أبو عبيدة. الثاني: أن الرَّفد بفتح الراء: القدح، والرفد بكسرها ما في القدح من الشراب، حكي ذلك عن الأصمعي فكأنه ذم بذلك ما يُسقونه في النار. الثالث: أن الرفد الزيادة، ومعناه بئس ما يرفدون به بعد الغرق النار، قاله الكلبي.

ابن عطية

تفسير : "الآيات": العلامات، و "السلطان": البرهان والبيان في الحجة؛ قيل: هو مشتق من السليط الذي يستضاء به، وقيل: من أنه مسلط على كل مناو ومخاصم، و"الملأ": الجمع من الرجال والمعنى: أرسلناه إليهم ليؤمنوا بالله تعالى، فصدهم فرعون فاتبعوا أمره ولم يؤمنوا وكفروا، ثم أخبر تعالى عن أمر فرعون أنه ليس {برشيد} أي ليس بمصيب في مذهبه ولا مفارق للسفاهة. وقوله: {يقدم قومه يوم القيامة} الآية، أخبر الله تعالى في هذه الآية عن فرعون أنه يأتي يوم القيامة مع قومه المغرقين معه، وهو يقدمهم إلى النار: وأوقع الفعل الماضي في {أوردهم} موقع المستقبل، لوضوح الأمر وارتفاع الإشكال عنه، ووجه الفصاحة من العرب في أنها تضع أحياناً الماضي موضع المستقبل أن الماضي أدل على وقوع الفعل وحصوله، و"الورود" في هذه الآية هو ورود الدخول وليس بورود الإشراف على الشيء والإشفاء كقوله تعالى: {أية : ولما ورد ماء مدين} تفسير : [القصص: 23] وقال ابن عباس: في القرآن أربعة أوراد: {أية : وإن منكم إلا واردها} تفسير : [مريم: 71] وقوله: {أية : ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً} تفسير : [مريم: 86] وهذه في مريم، وفي الأنبياء: {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} تفسير : [الأنبياء: 98] قال: وهي كلها ورد دخول، ثم ينجي الله الذين اتقوا و {المورود} صفة لمكان الورد - على أن التقدير: {وبئس} مكان {الورد المورود} - وقيل: {المورود} ابتداء والخبر مقدم، والمعنى: المورود بئس الورد. وقوله: {في هذه} يريد دار الدنيا، و"اللعنة" إبعادهم بالغرق والاستئصال وقبيح الذكر غابر الدهر، وقوله: {ويوم القيامة} أي يلعنون أيضاً بدخولهم في جهنم، قال مجاهد: فلهم لعنتان، وذهب قوم إلى أن التقسيم هو أن لهم في الدنيا لعنة ويوم القيامة بئس ما يرفدون به فهي لعنة واحدة أولاً، وقبح إرفاد آخراً، وقوله: {بئس الرفد المرفود} أي بئس العطاء المعطى لهم، و {الرفد} في كلام العرب: العطية وسمي العذاب هنا رفداً لأن هذا هو الذي حل محل الرفد، وهذا كما تقول: يا فلان لم يكن خيرك إلا أن تضربني أي لم يكن الذي حل محل الخير منك، والإرفاد: المعونة. ومنه رفادة قريش: معونتهم لفقراء الحج بالطعام الذي كانوا يطعمونه في الموسم. وقوله: {ذلك من أنباء الغيب} الآية، {ذلك} إشارة إلى ما تقدم من ذكر العقوبات النازلة بالأمم المذكورة، و "الأنباء" الأخبار. و {القرى} يحتمل أن يراد بها القرى التي ذكرت في الآيات المتقدمة خاصة، ويحتمل أن يريد القرى عامة، أي هذه الأنباء المقصوصة عليك هي عوائد المدن إذا كفرت، فيدخل - على هذا التأويل - فيها المدن المعاصرة، ويجيء قوله: {منها قائم وحصيد} منها عامر ودائر، وهذا قول ابن عباس: وعلى التأويل الأول - في أنها تلك القرى المخصوصة - يكون قوله: {قائم وحصيد} بمعنى قائم الجدرات ومتهدم لا أثر له، وهذا قول قتادة وابن جريج، والآية بجملتها متضمنة التخويف وضرب المثل للحاضرين من أهل مكة وغيرهم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} القصة. قيل: المراد بـ "الآيات" التَّوارة مع ما فيها من الشَّرائعِ والأحكام، ومن السُّلطان المبين المعجزات الباهرةِ. وقيل:المرادُ بـ "الآيات" المعجزات، وبالسُّلطانِ الحجَّة كقوله: {أية : إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَآ} تفسير : [يونس:68] وقوله: و {أية : مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} تفسير : [يوسف:40] وقيل: المرادُ بالسلطان المبين: العصا؛ لأنَّها أبهرُ الآيات، وذلك أنَّ الله تعالى أعطى موسى تسع آيات بينات، وهي: العصا، واليدُ البيضاءُ، والطُّوفان، والجرادُ والقُمَّلُ، والضَّفادعُ، والدمُ ونقصٌ من الثمرات والأنفس، ومنهم من أبدل نقص الثمرات والأنفس بإظلال الجبلِ وفلق البحر واختلفوا في تسمية الحُجَّة بالسلطان، فقيل: لأنَّ صاحب الحُجَّة يقهر من لا حجَّة له عند النَّظر كما يقهر السُّلطان غيره. وقال الزَّجَّاج: السُّلطان هو الحُجَّةُ، وسُمِّي السلطان سلطاناً؛ لأنه حُجَّة الله في أرضه، واشتقاقه من السَّليط الذي يُستضاء به، ومنه قيل للزَّيت السَّليط. وقيل: مشتقٌّ من التَّسليط، والعلماءُ سلاطين بسبب كمالهم في القُوَّةِ العلميَّةِ، والملوك سلاطين بسبب قدرتهم ومكنتهم، إلاَّ أنَّ سلطنة العلماءِ أكمل، وأبقى من سلطنة الملوك؛ لأنَّ سلطنة العلماءِ لا تقبل النَّسخ والعَزْل، وسلطنة الملوك تقبلهما، وسلطنة العلماء من جنس سلطنة الأنبياء وسلطنة الملوك من جنس سلطنة الفراعنةِ، وسلطنة الملوك تابعة لسلطنة العلماء. فإن قيل: إذا حملتم الآيات على المعجزات والسُّلطان على الدَّلائل، والمُبين أيضاً معناه كونه سبباً للظهور، فما الفرقُ بين هذه المراتبِ الثَّلاثِ؟. فالجوابُ: أنَّ الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات التي تفيد الظَّن، وبين الدَّلائل التي تفيد اليقينَ، وأمَّا السُّلطانُ فهو اسمٌ لما يُفيد القطع واليقين. وكانت معجزةُ موسى هكذا، فلا جرم وصفها الله تعالى بأنَّها سلطانٌ مبين. ثم قال: {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي: جماعته. {فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ} قيل: أمره إياهم بالكفر بموسى، وقيل: الأمر الطريق. ثم قال: {وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} أي: بمُرشدٍ إلى خيرٍ. وقيل: ذو رشد؛ لأنَّهُ كان دهريًّا نافياً للصَّانع وللمعاد، فلهذا كان خالياً عن الرشد بالكليَّةِ. ثم وصفه فقال: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} يقالُ: قدمَ فلانٌ فلاناً بمعنى تقدَّمهُ، ومنه قادمة الرَّجُلِ كما يقالُ: قدَّمهُ بمعنى تقدَّمهُ، ومنه: مقدَّمة الجيش. والمعنى: أنَّ فرعون كان قُدوةً لقومه في الضَّلال حال ما كانوا في الدنيا، وكذلك مقدمهم إلى النَّار، وهم يتبعونه ويجُوزُ أن يكون معنى قوله: {وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} أي: وما أمره بصالحٍ حميد العاقبةِ، ويكون قوله: "يَقْدمُ قومهُ" تبييناً لذلك وإيضاحاً، أي: كيف يكون أمره رشيداً مع أنَّ عاقبته هكذا؟. قوله: "فَأَوْرَدَهُمُ" يجوزُ أن تكون هذه المسألةُ من باب الإعمال، وذلك أنَّ "يقدمُ" يصلح أن يتسلَّط على "النَّارِ" بحرف الجر، أي: يقدمُ قومه إلى النَّار، وكذا: "أوْرَدهُم" يصحُّ تسلُّطه عليها أيضاً، ويكون قد أعمل الثاني للحذفِ من الأوَّل، ولو أعمل الأوّل لتعدَّى بـ "إلى" ولأضمر في الثاني، ولا محلَّ لـ "أوْرَدَ" لاستئنافه، وهو ماضٍ لفظاً مستقبلٌ معنى؛ لأنَّهُ عطف على هو نص في الاستقبال. والهمزةُ في "أوْرَدَ" للتعدية؛ لأنَّه قبلها يتعدَّى لواحدٍ، قال تعالى: {أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} تفسير : [القصص:23]. وقيل: أوقع المستقبل بلفظ الماضي هنا لتحققه. وقيل: بل هو ماضٍ على حقيقته، وهذا قد وقع وانفصل وذلك أنَّه أوردهم في الدُّنيا النَّار. قال تعالى: {أية : ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} تفسير : [غافر:46] وقيل: أوردهم موجبها وأسبابها، وفيه بعدٌ لأجْلِ العطف بالفاءِ. والوِرْد: يكون مصدراً بمعنى الوُرُود، ويكون بمعنى الشيء المُورَد كالطِّحن والرِّعي. ويُطلق أيضاً على الواردِ، وعلى هذا إنْ جعلت الورد مصدراً أو بمعنى الوارد فلا بدَّ من حذفِ مضاف تقديرهُ: وبئس مكانُ الورد المورود، وهو النَّارُ، وإنَّما احتيج إلى هذا التقدير؛ لأنَّ تَصَادُقَ فاعل "نِعْمَ" و"بِئْسَ" ومخصوصهما شرطٌ، لا يقال: نِعْمَ الرَّجُلُ الفرس. وقيل: بل المورود صفة للوردِ، والمخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ تقديره: بئس الوردُ المورود النَّارُ، جوَّز ذلك أبُو البقاءِ، وابنُ عطيَّة، وهو ظاهر كلام الزمخشري. وقيل: التقديرُ: بئس القومُ المورودُ بهم هم، فعلى هذا "الورد" المرادُ به الجمعُ الواردُون، قال تعالى: {أية : وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً} تفسير : [مريم:86] والمورود صفةٌ لهم، والمخصوصُ بالذَّمِّ الضميرُ المحذوف وهو "هم"، فيكونُ ذلك للواردين لا لموضع الورد كذا قالهُ أبو حيَّان وفيه نظرٌ من حيث إِنَّه: كيف يراد بالورد الجمع الواردُون، ثم يقولُ: والمورودُ صفةٌ لهم؟. وفي وصف مخصوص "نِعمَ" و"بِئْسَ" خلافٌ بين النَّحويين منعه ابن السَّراج وأبو علي. قال الواحديُّ: لفظ "النار" مؤنث، فكان ينبغي أن يقال: وبئست الورد المورود، إلاَّ أنَّ لفظ "الورد" مذكر؛ فكان التَّذكيرُ والتَّأنيثُ جائزين، كما تقولُ: نعم المنزلُ دارك، ونعمت المنزل دارك، فمن ذكَّر عن المنزل ومن أنَّث عن الدَّار. فصل والمعنى: أدخلهم النَّار وبئس المدخلُ المدخولُ؛ وذلك لأنَّ الورد إنَّما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد، والنَّار ضدُّه. ثم قال: {وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ لَعْنَةً} أي: أنَّ اللَّعن من الله، والملائكةِ، والأنبياء ملتصقٌ بهم في الدُّنيا والآخرة لا يزولُ عنهم، كقوله: {أية : وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُم مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ} تفسير : [القصص:42]. ثم قال: {بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ} والكلامُ فيه كالذي قبله. وقوله: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} عطفٌ على موضع "في هَذِه" والمعنى: أنَّهُم ألحِقُوا لعنةً في الدُّنيا وفي الآخرة، ويكونُ الوقف على هذا تامًّا، ويبتدأ بقوله "بِئْس". وزعم جماعةٌ أنَّ التَّقسيم: هو أنَّ لهم في الدُّنيا لعنةً، ويوم القيامةِ بِئْس ما يرفدُون به، فهي لعنةٌ واحدةٌ أولاً، وقبح إرفاد آخراً. وهذا لايصحُّ؛ لأنه يُؤدّي إلى إعمال "بِئْسَ" فيما تقدَّم عليها، وذلك لا يجُوزُ لعدم تصرُّفها؛ أمَّا لو تأخَّر لجاز؛ كقوله: [الكامل] شعر : 3014- ولَنِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنتَ إذَا دُعِيَتْ نَزالِ ولُجَّ في الذُّعْرِ تفسير : وأصلُ الرِّفْدِ كما قال الليثُ: العطاءُ والمعونةُ، ومنه رفادة قريش، رَفَدْتُه أرْفِدهُ رِفْداً بكسر الرَّاء وفتحها: أعْطَيته وأعنته. وقيل بالفتح مصدر، وبالكسر اسم، كأنَّهُ نحو: الرِّعْي والذِّبْح ويقال: رفَدْت الحائِطَ، أي: دَعَمْتُه، وهو من معنى الإعانةِ.

البقاعي

تفسير : ولما كان شعيب ختن موسى عليهما السلام، كان ذكر قصته هنا متوقعاً مع ما حرك إلى توقعها من ذكر كتابه أول السورة وما في عصا موسى من مناسبة ناقة من ختم بالتشبيه بحالهم، فذكرها بعدها مفتتحاً لها بحرف التوقع فقال مؤكداً تنبيهاً على أن فرعون فعل فعل قريش في الإدبار عن الآيات العظيمة ولم يترك موسى عليه السلام شيئاً مما أوحي إليه من إنذاره: {ولقد أرسلنا} أعاد الفعل وأبرزه في مظهر العظمة إشارة إلى باهر معجزاته {موسى بآياتنا} أي المعجزات التي أظهرها {وسلطان} أي أمر قاهر للقبط، والظاهر أنه حكاية موسى عليه السلام منه على ما كان له من السطوة والتحرق عليه {مبين*} أي بين بنفسه، وهو في قوة بيانه كأنه مبين لغيره ما فيه من الأسرار، والآية تعم الأمارة والدليل القاطع، و السلطان يخص القاطع، والمبين يخص ما فيه جلاء {إلى فرعون} طاغية القبط {وملئه} أي أشراف قومه الذين تتبعهم الأذناب، لأن القصد الأكبر رفع أيديهم عن بني إسرائيل. ولما كان الناصح لنفسه من لا يتبع أحداً إلا فيما يعلم أنه صواب، قال معجباً من الملأ مشيراً إلى سرعة تكذيبهم بالبينات وإتباعهم فيما ضلاله لا يخفى على من له مسكة: {فاتبعوا} أي فتسبب عن هذا الأمر الباهر أن عصى فرعون وحمل ملؤه أنفسهم على أن تبعوا لإرادتنا ذلك منهم {أمر فرعون} أي كل ما يفهمون عنه أنه يهواه ويأمره به وتبعهم السفلة فأطبقوا على المنابذة إلا من شاء الله منهم {وما} أي والحال أنه ما {أمر فرعون برشيد*} أي سديد، مع أن في هذا التعقيب بعد ذكر ثمود من التذكير بآيتي الناقة والعصا إشارة إلى القدرة على البعث المذكور أول السورة الموجب خوفه لكل خير كما أن ذلك أيضاً كان من فوائد تعقيب قصة إبراهيم لقصة صالح عليهما السلام، واقتصر هنا على ذكر فرعون وقومه لأن المقصود من هذه القصص - كما تقدم - التثبيت في المكافحة بإبلاغ الإنذار وإن اشتدت كراهية المبلغين وقل المتبع منهم، وأن لا يترك شيء منه خوف إصرارهم أو إدبارهم ولا رجاء إقبالهم وكثرة مؤمنيهم، وهذه حال آل فرعون، وأما بنو إسرائيل فإنهم لم يتوقفوا إلا خوفاً من فرعون في أول الأمر، ثم أطبق كلهم على الإتباع، ثم صاروا بعد ذلك كل قليل يبدلون لا كراهية للإنذار بل لغير ذلك من الأمور وعجائب المقدور كما بين في قصصهم؛ والملأ: الأشراف الذين تملأ الصدور هيبتهم عند رؤيتهم؛ والإتباع، طلب، طلب الثاني للتصرف بتصرف الأول في أي جهة أخذ، وقد يكون عن كره بخلاف الطاعة؛ والأمر: الإيجاب بصيغة "أفعل" وهو يتضمن إرادة المأمور به في الجملة، وقد لا يراد امتثال عين المأمور؛ والرشيد: القائد إلى الخير الهادي إليه؛ ثم أوضح عدم رشد أمر فرعون بقوله: {يقدم قومه} أي الذين كان لهم قوة المدافعة {يوم القيامة} ويكونون له تبعاً كما كانوا في الدنيا، وأشار بإيراد ما حقه المضارع ماضياً إلى تحقق وقوعه تحقق ما وقع ومضى فقال: {فأوردهم النار} أي كما أوردهم في الدنيا غطاءها وهو البحر. ولما كان التقدير: فبئس الواردون، عطف عليه بيان الفعل والمفعول فقال: {وبئس الورد المورود*} كما كان البحر إذ وردوه أقبح ورد ورده إنسان، لأن الورد يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد، وهذا يفيد ضد ذاك. ولما كان فرعون موصوفاً بعظم الحال وكثرة الجنود والأموال وضخامة المملكة، حقر تعالى دنياه بتحقير جميع الدنيا التي هي منها بإسقاطها في الذكر اكتفاء بالإشارة إليها ولم يثبتها كما في قصة عاد فقال: {وأتبعوا} ببنائه للمفعول لأن المنكي الفعل لا كونه من معين {في هذه } أي الحياة الخسيسة {لعنة} فهم يلعنون فيها من كل لاعن من المسلمين وغيرهم من أهل الملل فلعنة الله على من حسَّن حالهم وارتضى ضلالهم لإضلال العباد من أهل الإلحاد بفتنة الاتحاد {ويوم القيامة} أيضاً يلعنهم اللاعنون، حتى أهل الاتحاد الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين؛ ثم بين ما يحق أن يقوله سامع ذلك بقوله: {بئس الرفد المرفود*} أي التبع المتبوع والعون المعان، فإن اللعنة تابعة لعذابهم في الدنيا ومتبوعة باللعنة في الآخرة والعذاب رفد لها وهي رفد له، ومادة "رفد" تدور على التبع، أو يكون المراد أن لعنهم لا يزال مترادفاً تابعاً بعضه لبعض، فكل لعنة تابعة لشيء من الخزي: عذاب أو لعن، متبوعة بلعنة مضافة إليها، وسمي ذلك رفداً وهو حقيقة العون من باب قولهم: تحية بينهم ضرب وجيع ومعنى {يقدم} أنه يكون قدامهم غير سائق لهم، بل هم على أثره متلاحقين، فيكون دخولهم إلى النار معاً؛ والقيامة: القومة من الموت للحساب؛ والإتباع: طلب الثاني للحاق بالأول كيف تصرف؛ واللعن من الله: الإبعاد من الرحمة بالحكم بذلك، ومن العباد: الدعاء به.

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا} وهي الآياتُ التسعُ المفصّلاتُ التي هي العصا واليدُ البـيضاءُ والطوفانُ والجرادُ والقُمّلُ والضفادعُ والدمُ ونقصُ الثمراتِ والأنفسِ ومن جعلهما آيةً واحدةً وعدّ منها إظلالَ الجبل وليس كذلك فإنه لقبول أحكامِ التوراةِ حين أباه بنو إسرائيلَ، والباءُ متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من مفعول أرسلنا أو نعتاً لمصدره المؤكّد أي أرسلناه حال كونِه ملتبساً بآياتنا أو أرسلناه إرسالاً ملتبساً {وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ} هو المعجزاتُ الباهرةُ منها أو هو العصا، والإفرادُ بالذكر لإظهار شرفِها لكونها أبهرَها أو المرادُ بالآيات ما عداها أو هما عبارتان عن شيء واحد، أي أرسلناه بالجامع بـين كونِه آياتِنا وبـين كونِه سلطاناً له على نبوّته واضحاً في نفسه أو موضّحاً إياها، من أبان لازماً ومتعدّياً، أو هو الغلبةُ والاستيلاءُ كقوله تعالى: {أية : وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰناً }تفسير : [القصص: 35] ويجوز أن يكون المرادُ ما بـيّنه عليه السلام في تضاعيف دعوتِه حين قال له فرعونُ: {أية : مِنْ رَبّكُمَا }،تفسير : [طه: 49] {أية : فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأولَىٰ} تفسير : [طه: 51] من الحقائق الرائقةِ والدقائقِ اللائقةِ وجعلُه عبارةً عن التوراة وإدراجُها في جملة الآيات يردّه قولُه عز وجل: {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} فإن نزولَها إنما كان بعد مهلِك فرعونَ وقومِه قاطبةً ليعمل بها بنو إسرائيلَ فيما يأتون وما يذرون، وأما فرعونُ وقومُه فإنما كانوا مأمورين بعبادة ربِّ العالمين عزَّ سلطانُه وتركِ العظيمةِ الشنعاءِ التي كان يدعيها الطاغيةُ وتقبلها منه فئتُه الباغية، وبإرسال بني إسرائيلَ من الأسر والقسْرِ، وتخصيصُ ملئه بالذكر مع عموم رسالتِه عليه السلام لقومه كافة لأصالتهم في الرأي وتدبـيرِ الأمور واتباعِ غيرِهم لهم في الورود والصدور، وإنما لم يصرَّح بكفر فرعونَ بآيات الله تعالى وانهماكه فيما كان عليه من الضلال والإضلال ـ بل اقتصر على ذكر شأن ملئِه فقال: {فَٱتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ} أي أمرَه بالكفر بما جاء به موسى عليه السلام من الحق المبـين ـ للإيذان بوضوح حالِه فكأن كفرَه وأمْرَ ملئِه بذلك أمرٌ محققُ الوجودِ غيرُ محتاجٍ إلى الذكر صريحاً، وإنما المحتاجُ إلى ذلك شأن ملئِه المترددين بـين هادٍ إلى الحق وداعٍ إلى الضلال فنعىٰ عليهم سوءَ اختيارِهم، وإيرادُ الفاء في اتّباعهم المترتبِ على أمر فرعونَ المبنيِّ على كفره المسبوقِ بتبليغ الرسالةِ للإشعار بمفاجأتهم في الاتباع ومسارعةِ فرعونَ إلى الكفر وأمرِهم به، فكأن ذلك كلّه لم يتراخَ عن الإرسال والتبليغِ بل وقع جميعُ ذلك في وقت واحد فوقع إثرَ ذلك اتباعُهم. ويجوز أن يرادَ بأمر فرعونَ شأنُه المشهورُ وطريقتُه الزائغةُ فيكون معنى فاتبعوا فاستمرّوا على الاتّباع، والفاءُ مثلُ ما في قولك: وعظتُه فلم يتعظْ وصِحْتُ به فلم ينزجِرْ، فإن الإتيانَ بالشيء بعد ورودِ ما يوجب الإقلاعَ عنه وإن كان استمراراً عليه لكنه بحسب العُنوانِ فعلٌ جديدٌ وصنعٌ حادثٌ فتأمل. وتركُ الإضمارِ لدفع توهُّمِ الرجوعِ إلى موسى عليه السلام من أول الأمرِ ولزيادة تقبـيحِ حال المتبعين، فإن فرعونَ علَمٌ في الفساد والإفساد والضلالِ والإضلال فاتباعُه لفَرْط الجهالِة وعدمِ الاستبصار، وكذا الحالُ في قوله تعالى: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} الرُّشدُ ضدُّ الغِيّ وقد يراد به محموديّةُ العاقبةِ فهو على الأول بمعنى المُرشد حقيقةٌ لغويةٌ والإسنادُ مجازيٌّ وعلى الثاني مجازٌ والإسناد حقيقيٌّ.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ}. كَرَّر قصة موسى عليه السلام تفخيماً لشأنه، وتعظيماً لأمره، وتنبيهاً على علوِّ قدره عند الله وعلى مكانة الآيات التي أرسله بها، ومعجزاته الباهرة، وبراهينه القاهرة. ويقال أصعبُ عدوِّ قَهَرَهُ أولا نَفْسُه، وقد دَله - سبحانه - على ذلك لمَّا قال: إلهي! كيف أطلبك؟ فقال: عند المنكسرةِ قلوبُهم من أجلي. فَنَبَّهَه إلى استصغارِه لنفسه، وانكساره لله بقلبه، فزادت صولتُه لما صار معصوماً عن شهود فضل لنفسه؛ والسلطانُ الذي خصَّه به استولى على قلوبِ مَن رآه، كما قال: {أية : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي}تفسير : [طه: 39] فما رآه أحدٌ إلا أحَبَّه، ثم إنه لم يأخذه في الله ضعفٌ، مثلما لَطَمَ وجهَ فرعون - وهو رضيع - كما في القصة، ولَطَمَ وجهَ مَلَكِ الموت لمّا طالبه بقبض روحه.. كما في الخبر، " وأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه لمّا رجع من سماع الخطاب عند المعاتبة، وأقدم بالجسارة على سؤال الرؤية، وقتل القبطيَّ لما استعان به مَنْ وافقه في العقيدة، وقال الله {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ}تفسير : [الأعراف: 155] لمَّا أخبره الحق بما عمله قومه من عبادة العجل بحكم الضلالة... ففي جميع هذا تَجَاوَزَ اللّهُ عنه لمَا أعطاه من السلطان والقوة. قوله جلّ ذكره: {فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ}. رضوا بمتابعة فرعون، فاستحقوا ما استحقه. لم يشعروا بخطئِهم، وكانوا يحسبون أنهم يُحْسَنون صُنْعاً. وإذا ما أوردهم النارَ فهو إمامُهم، وسيعلمون ما أصابهم من الخسران حين لا ينفع تضرعُهم وبكاؤُهم ولا ينقطع عذابُهم وعناؤهم، وتغلب خسارتهم وشقاؤهم - وذلك جزاءُ مَنْ كَفَرَ بمعبوده، وأسرف في مجاوزة حدوده.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} الايات قدرته على الاخبار عما وجد من انوار جلاله وحقائق حضرته ونشر فضائل معارفه وكواشفه والسلطان المبين ما ظهر من وجهه من سطوع نور الازلية واثار سنا المحبة التى قال والقيت عليك محبة منى قال ابن عطا الآيات هى القوة عند مخاطبة الحق وسماع كلامه والسلطان هو الانبساط فى سوال الرؤية قال جعفر الآيات هى التواضع عند اولياء الله والسلطان التكبر على اعداء الله وقال بعضهم الآيات محبة فى قلوب خلقه والسلطان هيبتهم === فى هيبة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد ارسلنا} اى وبالله لقد ارسلنا {موسى} حال كونه ملتبسا {بآياتنا} التسع التى هى العصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص الاموال والانفس {وسلطان} برهان {مبين} واضح هو من قبيل عطف الصفة مع اتحاد الموصوف اى ولقد ارسلنا موسى بالجامع بين كونه آياتنا وبين كونه سلطانا له على صدق نبوته واضحا فى نفسه او موضحا اياها فان ابان جاء لازما ومتعديا كقوله تعالى {أية : ولقد آتينا موسى الكتاب والفرقان} تفسير : اى التوراة الجامعة بين كونها كتابا وحجة تفرق بين الحق والباطل ويجوز ان يراد بسلطان مبين الغلبة والاستيلاء كقوله تعالى {أية : ونجعل لكم سلطانا}

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا}؛ بمعجزاتنا الدالة على صدقه، {وسلطان مبين}؛ وتسلط ظاهر على فرعون، أو برهان بيِّن على نبوته. قال البيضاوي: والفرق بينهما: أن الآية تعم الأمارة والدليل القاطع، والسلطان يخص بالقاطع، والمبين يخص بما فيه جلاء. هـ. أرسلناه {إلى فرعون وملئه}؛ جماعته، {فاتبعوا أمرَ فرعون} أي: اتبعوا أمره بالكفر بموسى، أو: فما اتبعوا موسى الهادي إلى الحق، المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة، واتبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضلالة والطغيان، الداعي إلى ما لا يخفى فساده على من له أدنى مسكة من العقل؛ لفرط جهالتهم، وعدم استبصارهم، {وما أمرُ فرعون برشيد} أي: ليس أمره برشد وصواب، وإنما هو غي وضلال. {يَقْدُمُ قومَه يوم القيامة} إلى النار، كما يتقدم في الدنيا إلى الضلال، {فأوردهم}: أدخلهم {النار} ذكره بلفظ الماضي؛ مبالغة في تحققه، ونزّل النار لهم منزلة الماء، فسمى إتيانها مورداً ثم قال: {وبئس الورد المورود} أي: بئس المَوْرد الذي وردوه، فإنَّ المورد إنما يراد لتبريد الأكباد، وتسكين العطش، والنار بضد ذلك. والآية كالدليل على قوله: {وما أمر فرعون برشيد}؛ فإنَّ من هذا عاقبته لم يكن في أمره رشد، أو تفسير له، على أن المراد بالرشيد: ما يكون مأمون العاقبة حميدها. قاله البيضاوي. {وأتبعوا في هذه لعنةً ويومَ القيامة} أي: تتبعهم اللعنة في الدارين {بئس الرفدُ المرفود}: بئس العون المعان، أو العطاء المعطى. فالرفد: العطاء، والإرفاد: المعونة، ومنه: رفادة قريش، أي: معونتهم للفقراء في الحج بالطعام. والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم، وهو اللعنة في الدارين. الإشارة: إذا أردتَ أن تعرف قدر الرجل في مرتبة الخصوصية؛ فاسأل عن إمامه الذي يقتدى به، فإن كان من أهل الخصوصية فصاحبه من الخصوص، إن دامت صحبته معه، وإن كان من العموم فصاحبه من العموم. والمراد بالخصوصية: تحقيق مقام الفناء، ودخول بلاد المعاني. فكل من لم يحصل مقام الفناء، ولم يشهد إلا المحسوسات فهو من العوام، ولو بلغ من العلم والعمل ما بلغ، ولو رأى من الكرامات أمثال الجبال. فمن صحب مثل هذا الذي لم يفن عن نفسه، ولم يخرج عن دائرة حسه، لم يخرج من العمومية؛ لأن نفسه فرعونية. قال تعالى: {وما أمر فرعون برشيد}، وفي الخبر: "المَرْءُ على دين خليله" وقال الشاعر: شعر : عن المرءِ لا تسأل وسَلْ عن قرينه فكلُّ قرينٍ بالمُقارَنِ يَقْتَدي تفسير : والله تعالى أعلم. ثم وعظ نبيه بما جرى على الأمم المتقدمة آنفاً، فقال: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ}.

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى واقسم انه ارسل موسى نبياً بالآيات، وهي الحجج والمعجزات الدالة على نبوته {وسلطان مبين} اي وحجة ظاهرة مخلصة من تلبيس وتمويه، على اتم ما يمكن فيه. والسلطان, والآيات وإن كان معناهما الحجج، فأنما عطف احداهما على الأخرى، لاختلاف اللفظ، ولان معناهما مختلف، لان الآيات حجج من وجه الاعتبار العظيم بها، والسلطان من جهة القوة العظيمة على المبطل، وكل علم له حجة يقهر بها شبهة من نازعه من اهل الباطل تشبهه، فله سلطان. وقد قيل إن سلطان الحجة انفذ من سلطان المملكة، والسلطان متى كان محقاً حجة وجب اتباعه، واذا كان بخلافه لا يجب اتباعه. وقال الزجاج. سمي السلطان سلطاناً، لانه حجة الله في ارضه، واشتقاقه من السليط وهو مما يستضاء به، ومن ذلك قيل للزيت السليط. وقوله {إلى فرعون وملإيه} معناه انه ارسل موسى الى فرعون واشراف قومه الذين تملأ الصدور هيبتهم. وقوله {فاتبعوا أمر فرعون} فالاتباع طلب الثاني للتصرف بتصرف الاول في اي جهة اخذ، والأمر هو قول القائل لمن دونه: (افعل). وفيه أخبار ان قوم فرعون اتبعوه على ما كان يأمرهم به. ثم اخبر تعالى ان أمر فرعون لم يكن رشيداً. والرشيد هو الذي يدعو الى الخير ويهدي اليه فأمر فرعون بضد هذه الحال، لانه يدعو الى الشر ويصد عن الخير. واستدل قوم بهذه الآية على ان لفظة الأمر مشتركة بين القول والفعل، لأنه قال {وما أمر فرعون برشيد} يعني وما فعل فرعون برشيد، وهذا ليس بصحيح، لانه يجوز ان يكون اراد بذلك الأمر الذي هو القول، او يكون مجازاً.

الأعقم

تفسير : {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} أي حججنا، قيل: العصا واليد {وسلطان مبين} أي حجة بينة واضحة، وقيل: الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته ويجوز أن يريد بالسلطان المبين العصا لأنها أبهرها {إلى فرعون وملئه} قيل: أشراف قومه، وقيل: جماعته و{اتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة} أي كما كان قدوة لهم في الضلال كذلك يقدمهم في الآخرة إلى النار وهم يتبعونه {وبئس الورد المورود} أي بئس المنزل الموصول إليه، وقيل: بئس المدخل لمن دخله {واتبعوا في هذه لعنة} يعني اتبعهم الله تعالى وملائكته والمؤمنون في هذه الدنيا بعد هلاكهم لعنة، وقيل: أهل الدنيا يلعنونهم في الدنيا وأهل الدنيا يلعنونهم في القيامة {وبئس الرفد المرفود}، قيل: الرفد المعونة التي أعانهم فرعون على الباطل، وبئس العون إذا كان يفضي إلى النار، وقيل: بئس المعونة لهم بأن أدخلهم النار {ذلك من أنباء القرى} أي أخبار البلاد وقصص الأنبياء والأمم {نقصّه عليك} يا محمد {منها قائم} لم يذهب وإن كان خالياً عن الأهل {وحصيد} قد خرب وذهب، وقيل: قائم له أثر، وحصيد لا أثر له، وقيل: القائم القرى التي لم تهلك والحصيد التي قد أهلكت {وما ظلمناهم} بإهلاكهم {ولكن ظلموا أنفسهم} بأن كفروا وعصوا الأنبياء {وما زادوهم غير تتبيب} يعني غير تخسير {إن في ذلك لآية} أي في أحد هؤلاء علامة وبرهاناً {لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس} يعني يجتمع الخلق فيه للجزاء {وذلك يوم مشهود} يشهده أهل السموات والأرض، وقيل: يشهده المتقون ويساق إليه المجرمون، وقيل: يشهده الملائكة والأنبياء {وما نؤخره} يعني الجزاء والعذاب {إلا لأجل معدود} قد عرف {يوم يأتي} يعني الجزاء والقيامة {لا تكلم نفس إلاَّ بإذنه} يعني لا تكلم في ذلك اليوم إلا بأمره فلا يتكلم أحد حتى يؤذن له، وقيل: هي مواقف ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم، وفي بعضها يكفون عن الكلام فلا يؤذن لهم، وفي بعضها يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم، وقوله تعالى: {فمنهم شقي وسعيد} يعني من الناس شقي بعلمه وسعيد ناج مفلح.

اطفيش

تفسير : {ولَقَدْ أرْسَلنا مُوسَى بآياتِنا} التوراة {وسُلْطانٍ} دليل قاطع وهو المعجزات كالعصا واليد، والطوفان والجراد، وغير ذلك {مُبينٍ} واضح، فهو من أبان القاصر، أو موضح لما يدعيه من النبوة وغيرها، فهو من أبان المتعدى، أو الآيات المعجزات، والسلطان المبين العصى، خصت لأنها أشهر، أو الآيات التوراة، والسلطان العصى، خصت بالذكر لذلك، أو الآيات مطلق المعجزات، والسلطان المبين المعجزات الباهرة، فإن الآية تعم الأمارة والدليل القاطع، والسلطان يخص الدليل القاطع ويسمى حجة، لأن صاحبه يحج من خاصمه، أى يقطعه، قيل: سمى السلطان حجة لأنه حجة الله فى أرضه، ويجوز أن يراد بالآيات والسلطان شئ واحد فى ذاته، ولو اختلفت صفتاه، أى أرسلناه بما هو علامة على صدقه حجة قاطعة عليه، وهو التوراة، أو المعجزات، أو ذلك تجريد بديعى، كأنه جرد من الآيات الحجة وجعلها غيرها وعطفها عليها وهى هى.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا} التى تتلى وهى الصحف أَو الدلائِل المعجزات، وأَما التوراة فنزلت بعد هلاك فرعون فلا تفسر بها الآيات إِلا أَن يتعلق قوله إِلى فرعون بقوله سلطان مبين وخص موسى لأَن هارون تبع له والتوراة نزلت عليه لا على هارون، وقد يجمع بينهما للمشاركة فى الدعاءِ إِلى التوحيد والنبوة والرسالة والأُخوة {وَسُلْطانٍ مُبِينٍ} المعجزات القاهرة كالعصا واليد البيضاءِ والدم والضفادع والقمل والطوفان والنقص من الثمرات والأنفس فهؤُلاءِ كحجة واحدة سماها سلطاناً لا مقام لهم معهن، وذلك أن العصا جاءَت إلى فرعون على صورة أن تبلعه أو السلطان العصا وحدها، وهى أَبهر آياته عطفت على عام والآيات التسع أَو السلطان المبين هو الآيات عطفاً للصفة تنزيلا لها منزلة التغاير، أَى ولقد أرسلنا موسى بما هو آيات وحجة قاطعة كقولك أُكرم زيدا العالم والجواد والشجاع أَى أُكرم زيداً الجامع بين العلم والجود والشجاعة ومفهوم السلطان القوة ومفهوم المبين الظهور فى نفسه أَو الإظهار لغيره كالنبوة فإنه موضح لها أَو السلطان ما فى تضاعف دعوته حين قال فرعون من ربكما فما بال القرون الأُولى من الأَجوبة المسكتة، أَو السلطان الغلبة كقوله تعالى {أية : ونجعل لكما سلطاناً} تفسير : [القصص: 35]، وليس من الآيات المذكورة إظلال الجبل والغمام وفرق البحر لأَن ذلك بعد تمكن فرعون قال بعض وكذلك نقص الأَنفس والثمرات وإنما ذلك لبنى إِسرائِيل حين عصوا، وتدخل الصحف فى الآيات أو تراد بها لأَنها نزلت وهن عشر قبل التوراة.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا} وهي الآيات التسع العصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والنقص من الثمرات والأنفس. والباء متعلقة بمحذوف وقع حالاً من مفعول {أَرْسَلْنَا} أو نعتاً لمصدره المؤكد أي أرسلناه حال كونه ملتبساً بآياتنا أو أرسلناه إرسالاً ملتبساً بها. {وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ} هو المعجزات الباهرة منها وهو العصا والإفراد بالذكر لإظهار شرفها لكونها أبهرها، والمراد بالآيات ما عداها، ويجوز أن يراد بهما واحد، والعطف باعتبار التغاير الوصفي أي أرسلناه بالجامع بين كونه آياتنا وكونه سلطاناً له على نبوته واضحاً في نفسه أو موضحاً إياها من أبان لازماً بمعنى تبين ومتعدياً بمعنى بين، وجعل بعضهم الآيات والسلطان شيئاً واحداً في نفس الأمر إلا أن في ذلك تجريداً نحو مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة كأنه جرد من الآيات الحجة وجعلها غيرها وعطفت عليها لذلك، وجوز أن يكون المراد بالآيات ما سمعت وبالسلطان ما بينه عليه السلام في تضاعيف دعوته حين قال له فرعون: {أية : مِنْ رَبّكُمَا }تفسير : [طه: 49] {أية : فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ }تفسير : [طه: 51] من الحقائق الرائقة. والدقائق اللائقة، أو هو الغلبة والاستيلاء كما في قوله سبحانه: {أية : وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰناً }تفسير : [القصص: 35 ] وجعله عبارة عن التوراة، أو إدراجها في جملة الآيات يرده كما قال أبو حيان قوله عز وجل: {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ}.

سيد قطب

تفسير : وخاتمة ذلك القصص هذه الإشارة إلى قصة موسى مع فرعون، لتسجيل نهاية فرعون وملئه، ونهاية قومه الذين ائتمروا بأمره. وتتضمن هذه الإشارة العابرة إيماءات كثيرة إلى وقائع القصة التي لم تذكر هنا، كما تضم مشهداً من مشاهد القيامة الحية المتحركة. وهذا وذلك إلى تقرير مبدأ رئيسي من مبادئ الإسلام. مبدأ التبعة الفردية التي لا يسقطها اتباع الرؤساء والكبراء.. ويبدأ المشهد المعروض هنا بإرسال موسى بالآيات مزوداً بقوة من الله وسلطان، إلى فرعون ذي السلطان وكبراء قومه. {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين. إلى فرعون وملئه}.. ويجمل السياق خطوات القصة كلها ليصل إلى نهايتها، فإذا هم يتبعون أمر فرعون، ويعصون أمر الله. على ما في أمر فرعون من حماقة وجهل وشطط: {فاتبعوا أمر فرعون. وما أمر فرعون برشيد}... ولما كانوا تبعاً لفرعون في هذا الأمر، يمشون خلفه، ويتبعون خطواته الضالة بلا تدبر ولا تفكر، ودون أن يكون لهم رأي، مستهينين بأنفسهم، متخلين عن تكريم الله لهم بالإرادة والعقل وحرية الاتجاه واختيار الطريق.. لما كانوا كذلك فإن السياق يقرر أن فرعون سيقدمهم يوم القيامة ويكونون له تبعاً: {يقدم قومه يوم القيامة}.. وبينما نحن نسمع حكاية عن الماضي ووعداً عن المستقبل، إذا المشهد ينقلب، وإذا المستقبل ماض قد وقع، وإذا فرعون قد قاد قومه إلى النار وانتهى: {فأوردهم النار}!! أوردهم كما يورد الراعي قطيع الغنم. ألم يكونوا قطيعاً يسير بدون تفكير؟ ألم يتنازلوا عن أخص خصائص الآدمية وهي حرية الإرادة والاختيار؟ فأوردهم النار. ويا بئساه من ورد لا يروي غلة، ولا يشفي صدى، إنما يشوي البطون والقلوب: {وبئس الورد المورود!}. وإذا ذلك كله. قيادة فرعون لهم، وإيرادهم موردهم.. إذا ذلك كله حكاية تروى، ويُعلق عليها: {وأُتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة}.. ويُسخر منها ويُتهكم عليها: {بئس الرفد المرفود}.. فهذه النار هي الرفد والعطاء والمنة التي رفد بها فرعون قومه!!! ألم يعد السحرة عطاء جزيلاً ورفداً مرفوداً.. فها هو ذا رفده لمن اتبعه.. النار.. وبئس الورد المورود. وبئس الرفد المرفود! وذلك من بدائع التعبير والتصوير في هذا الكتاب العجيب..

ابن عاشور

تفسير : عطف قصة على قصة. وعقّبت قصة مدين بذكر بعثة موسى ـ عليه السّلام ـ لقرب ما بين زمنيهما، ولشدة الصلة بين النبيئين فإن موسى بعث في حياة شعيب ـ عليهما السّلام ـ وقد تزوّج ابنة شعيب. وتأكيد الخبر بـ(قد) مثل تأكيد خبر نوح ـ عليه السّلام ـ في قوله تعالى: {أية : ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه}تفسير : [هود: 25]. والباء في {بآياتنا} للمصاحبة فإن ظهور الآيات كان مصاحباً لزمن الإرسال إلى فرعون وهو مدّة دعوة موسى ـ عليه السّلام ـ فرعون وملأه. والسلطان: البرهان المبين، أي المُظهر صدق الجائِي به وهو الحجّة العقليّة أو التأييد الإلهي. وقد تقدّم ذكر فرعون ومَلإه في سورة الأعراف. وعُقب ذكر إرسال موسى ـ عليه السّلام ـ بذكر اتّباع الملإ أمرَ فرعون لأنّ اتّباعهم أمر فرعون حصل بإثر الإرسال ففهم منه أنّ فرعون أمرهم بتكذيب تلك الرسالة. وإظهار اسم فرعون في المرّة الثانية دون الضمير والمرة الثالثة للتّشهير بهم، والإعلان بذمّه وهو انتفاء الرشد عن أمره. وجملة {وما أمر فرعون برشيد} حال من {فرعون}. والرشيد: فعيل من رشد من باب نصر وفرح، إذا اتّصف بإصابة الصواب. يقال: أرشدك الله. وأجري وصف رشيد على الأمر مجازاً عقلياً. وإنّما الرشيد الآمر مبالغة في اشتمال الأمر على ما يقتضي انتفاء الرشد فكأنّ الأمر هو الموصوف بعدم الرشد. والمقصود أن أمر فرعون سَفَهٌ إذْ لاَ واسطة بين الرشد والسفه. ولكن عدل عن وصف أمره بالسّفيه إلى نفي الرشد عنه تجهيلاً للذين اتبعوا أمرَه لأنّ شأن العقلاء أن يَتطلبوا الاقتداء بما فيه صلاح وأنهم اتبعوا ما ليس فيه أمارة على سداده واستحقاقه لأن يتّبع فماذا غرّهم باتباعه.

الواحدي

تفسير : {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} يريد: التَّوراة وما أنزل الله فيها من الأحكام {وسلطان مبين} وحجَّةٍ بيِّنةٍ، وهي العصا. {وما أمر فرعون برشيد} بمرشدٍ إلى خيرٍ. {يقدم قومه} يتقدَّمهم إلى النَّار، وهو قوله: {فأوردهم النار} أدخلهم النار {وبئس الورد المورود} المدخل المدخول. {وأُتْبِعُوا في هذه} الدُّنيا {لعنة} يعني: الغرق {ويوم القيامة} يعني: ولعنة يوم القيامة، وهو عذاب جهنَّم {بئس الرفد المرفود} يعني: اللَّعنة بعد اللَّعنة، وقوله: {منها قائمٌ وحصيد} أَيْ: من القرى التي أُهلكت قائمٌ بقيت حيطانه، وحصيدٌ مخسوفٌ به قد مُحي أثره. {وما ظلمناهم} بالعذاب والإِهلاك {ولكن ظلموا أنفسهم} بالكفر والمعصية {فما أغنت عنهم} ما نفعتهم وما دفعت عنهم {آلهتهم التي يدعون} يعبدون {من دون الله} سوى الله {وما زادوهم} وما زادتهم عبادتها {غير تتبيب} بلاءٍ وهلاكٍ وخسارةٍ. {وكذلك} وكما ذكرنا من أهلاك الأمم {أخذ ربك} بالعقوبة {إذا أخذ القرى وهي ظالمة} يعني: أهلها.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: موسى: هو موسى بن عمران كليم الله ورسوله إلى بني إسرائيل. بآياتنا: هي التسع الآيات الذي ذكر أكثرها في آية الأعراف. وسلطان مبين: أي بحجة قوية على عدو الله فرعون فهزمه بها. وملئه: أي أشرف رجال دولة فرعون. وما أمر فرعون برشيد: أي بذي رشد بل هو السفه كله. يقدم قومه: أي تقدمهم إلى النار فأوردهم النار. بئس الورد المورود: أي قبح وساء ورداً يورد النار. وأتبعوا في هذه لعنة: أي ألحقتهم في دار الدنيا لعنة وهي غرقهم. بئس الرفد المرفود: أي قبح الرفد الذي هو العطاء المرفود به أي المعطي لهم. والمراد لعنة الدنيا ولعنة الآخرة. معنى الآيات: هذه لمحة خاطفة لقصة موسى عليه السلام مع فرعون تضمنتها أربع آيات قصار قال تعالى {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ} أي بعد إرسالنا شعيباً إلى أهل مدين أرسلنا موسى بن عمران مصحوباً بآياتنا الدالة على إرسالنا له وصدق ما يدعوا إليه ويطالبه به وسلطان مبين أي أي وحجة قوية ظاهرة على وجوب توحيد الله تعالى وبطلان أولوهية من عداه كفرعون عليه لعائن الله {أية : وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي}تفسير : [القصص: 38] وقوله تعالى {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أرسلناه بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وأشراف جنده وزعُماء دولته فأمرهم موسى باتباع الحق وترك الباطل فأبوا واتبعوا أمر فرعون فأضلهم. {وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} حتى يهدي إلى الفلاح من اتبعه. قال تعالى {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي يتقدمهم إلى النار فيوردهم حياضها {وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ} أي نار جهنم قوله تعالى {وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ لَعْنَةً} أي فرعون وقومه لعنوا في الدنيا، ويوم القيامة يلعنون أيضا {بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ} وهما لعنة الدنيا ولعنة الآخرة، والرفد العون والعطاء والمرفود به هو المعان به والمعطى لمن يرفد من الناس. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- من كتب الله شقاءه لا يؤمن بالآيات بل يردها ويكذب بها حتى يهلك. 2- قوة الحجج وكثرة البراهين لا تستلزم إذعان الناس وإيمانهم. 3- التحذير من اتباع رؤساء الشر وأئمة الفساد والضلال. 4- ذم موارد الباطل والشر والفساد. 5- شر المعذبين من جمع له بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

القطان

تفسير : الآيات التسع المعدودة في سورة الإسراء، والمفصلة في سورة الاعراف وغيرها. سلطان مبين: الحجة الواضحة والدليل الظاهر. الملأ: اشراف القوم وزعماؤهم. امر فرعون: افعاله وتصرفاته. الوِرد: بلوغ الماء، والمورود: الماء. وهنا استعمل بمعنى النار مجازا. والرفد: العطاء والعون، والمرفود: المعطى. لقد تكرر ذِكر موسى عليه السلام في القرآن الكريم مراتٍ كثيرة، ولما ذكر سبحانه ما أصاب أقوامَ نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، اشار في هذه الآيات الى قصص موسى مع فرعون وقومه للإعلام بان عاقبة فرعون وزعماء قومه الهلاكُ مثل الظالمين من اولئك الأقوام، والغاية من ذلك العبرة والعظة. لقد ارسلنا موسى، مؤيَّداً بالمعجِزات الدالة على صدقه والحجّة، إلى فرعون وكبار قومه. فكفر فرعون وأمر قومه ان يتبعوه في الكفر، فاتبعوا أمره وخالفوا أمر موسى. وليس ما فعل مما يدل على الرشد. وسيأتي يوم القيامة يتقدم قومه كما كان يتقدمهم في الدنيا، فيوردهم النار. ولبئس ذاك المورد. فعلى فرعون وعليهم لعنة الله والملائكة والناس. "بئس الرفد المرفود" بئس العطاء المعطى.. اي تلك اللعنة.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِآيَاتِنَا} {وَسُلْطَانٍ} (96) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ إِرْسَالِهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، إِلى فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ، وَكِبَارِ رِجَالِ دَوْلَتِهِ (مَلَئِهِ)، مُؤَيَّداً بِآيَاتِ اللهِ البَيِّنَاتِ، الدَّالاَّتِ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ، وَفِيهَا السُّلْطَانُ المُبِينُ، وَالحُجَجُ الوَاضِحَةُ الدَّالَّةُ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ. سُلْطَانٍ مُبِينٌ - بُرْهَانٍ بَيِّنٍ وَاضِحٍ عَلَى صِدْقِ رِسَالَتِهِ.؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونحن نعلم أن الآيات إذا وردت في القرآن إنما تنصرف إلى ثلاثة أشياء: آيات كونية تعاصر كل الناس ويراها كل واحد، مثل آيات الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والأرض الخاشعة إذا ما نزل عليها الماء اهتزت وربت، وكلها آيات كونية تلفت العقل إلى النظر في أن وراء هذا الكون الدقيق تكويناً هندسياً أقامه إله قادر. وهناك آيات تأتي لبيان صدق الرسول في البلاغ عن الله، وهي المعجزات مثل: ناقة ثمود المبصرة، وشفاء عيسى عليه السلام للأكمه والأبرص بإذن الله. ثم آيات الأحكام التي تبيِّن مطلوبات المنهج بـ "افعل" و"لا تفعل". وهنا قال الحق سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [هود: 96]. فهناك آيات تدل على صدقه، وفوق ذلك سلطان ظاهر، إما أن يكون سلطاناً يقهر الغالب، أو سلطان حجة تقنع العقل. وسلطان القوة قد يقهر الغالب، لكنه لا يقهر القلب، والله سبحانه يريد قلوباً، لا قوالب؛ لذلك قال سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}تفسير : [الشعراء: 3-4]. إذن: فالحق سبحانه يطلب القلوب لا القوالب، قلوب تأتي إلى الله تعالى طواعية بدون إكراه. لذلك فالسلطان الأهم هو سلطان الحجة؛ لأنه يقنع الإنسان أن يفعل.. ولم يكن لموسى عليه السلام سلطانٌ من القوة ليظهر، بل كان له سلطان الحجة، وهو قول الحق سبحانه: {أية : وَقَالَ مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}تفسير : [الأعراف: 104-105]. فيرد عليه فرعون: {أية : قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ * فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 106-108]. وبياض اليد مسألة ذاتية في موسى عليه السلام، وطارئة أيضاً، فلم تكن مرضاً كالبهاق مثلاً، بدليل الاحتياط في قوله تعالى: {أية : وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ..}تفسير : [طه: 22]. أما العصا فهي الحجة التي دفعت فرعون إلى أن يأتي بالسحرة، ليغلبهم موسى أمام فرعون والملأ، فيتبع السحرة موسى ويؤمنوا برب موسى وهارون. ونحن نعلم أن الحق سبحانه قد أرسل موسى عليه السلام بتسع آيات هي: العصا التي تصير ثعباناً يلقف ما صنع السحرة، واليد البيضاء من غير سوء، ثم أخذ آل فرعون بالسنين، ونقص في الأنفس والثمرات، لأن الجدب يمنع الزرع، ونقص الأموال يحقق المجاعة، وكذلك أرسل الحق سبحانه على قوم فرعون الطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع، هذه هي الآيات التسع التي أرسلها الحق سبحانه على آل فرعون، بسبب عدم إيمانهم برسالة موسى عليه السلام. وهناك آيات آخرى أرسلها الحق سبحانه لقوم موسى بواسطة موسى عليه السلام؛ هي نتق الجبل، وضرب البحر بالعصا، ثم ضرب الحجر بالعصا لتتفجر اثنتا عشرة عيناً، وكذلك نزول التوراة في ألواح. إذن: فالكلام في الآيات التسع المقصود بها الآيات التي أرسل بها موسى إلى فرعون، أما هذه الآيات فقد كانت بعد الخروج من مصر أو مصاحبة له كضرب البحر بالعصا. والدليل على أن قصة موسى مع فرعون خاصة، أن موسى كانت له رسالتان: الرسالة الأولى مع فرعون، والرسالة الثانية مع بني إسرائيل. ولذلك نلحظ أن الحق سبحانه وتعالى يخبرنا في آخر السورة بالخلاف بين موسى عليه السلام وبني إسرائيل: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ..}تفسير : [هود: 110]. إذن: فقصته مع بني إسرائيل تأتي بعد إيتائه الكتاب، أي: التوراة. وهنا يتكلم الحق سبحانه عن آيات موسى عليه السلام مع فرعون فيقول: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [هود: 96]. أي: سلطان محيط لا يدع للخصم مكاناً أو فكاكاً. ثم يقول الحق سبحانه: {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ...}.

الجيلاني

تفسير : وبعدما انقرض أولئك الطغاة الغواة المنهمكين في الغي والضلال، المفسدين في الأرض بأنواع الإفساد والإضلال {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} حين حدث على الأرض أمثال أولئك الهالكين بل أسوأهم حالاً وأقبحهم شيمة وخصالاً وأشدهم بغضاً وشيكمة على الحق وأهله، عبدنا {مُوسَىٰ} المخصص من عندنا بتكليمنا {بِآيَاتِنَا} الدالة على توحيدنا واستقلالنا في ملكنا وملكوتنا {وَسُلْطَانٍ} أي: أبدناه من عندنا بحجة واضحة وبرهان {مُّبِينٍ} [هود: 96] ظاهر الدلالة على صدقه في دعواه عند من له أدنى مسكة. {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} الذي هو رأس أهل الضلال ورئيسهم إلى حيث تبعوه بالألوهية من غاية عتوه واستكباره {وَمَلَئِهِ} المعاونين له في أمره وشأنه، ثم لما أملهنا زماناً على غروره ورفعنا قدره في هذه الدنيا مسروراً؛ تغريراً عليه {فَٱتَّبَعُوۤاْ} من على الأرض {أَمْرَ فِرْعَوْنَ} وامتثلوا بمقتضاه {وَ} الحال أنه {مَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97] هادٍ إلى الحق، موصل إلى مقصد التوحيد، بل هو غار موصل إلى نار الخذلان وسعير الحرمان. إذ هو بنفسه {يَقْدُمُ قَوْمَهُ} أي: يتقدم عليهم {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} التي انكشفت فيها السرائر واضمحلت الأوهام {فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ} مثل إبراهيم على ماء نيل في دار الدنيا، شبه حالهم في النشاة الأخرى بحالهم في النشأة الأولى، لذلك عبر عنه بالإيراد {وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ} [هود: 98] ونار الخذلان وجحيم الحرمان. {وَ} هم من غاية خبثهم وفسادهم {أُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ} النشاة {لَعْنَةً} دائمة مستمرة {وَ} يلعنون أيضاً {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} بأضعاف هذه اللعنة، وبالجملة: {بِئْسَ ٱلرِّفْدُ} أي: العون والعطاء {ٱلْمَرْفُودُ} [هود: 99] أي: المعان والمعطى رفدهم التي هي طردهم في الدارين ولعنهم في النشأتين. {ذَلِكَ} المذكور {مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ} وأخبارهم وما جرى عليهم {نَقُصُّهُ عَلَيْكَ} بالوحي يا أكمل الرسل ليكون عبرة لك ولمن تبعك مشاهدة وتذكيراً {مِنْهَا} أي: من تلك القرى {قَآئِمٌ} جدرانها بلا سقوف {وَ} منها ما هو {حَصِيدٌ} [هود: 100] مدروس مندك، كالزرع المحصود، عفت آثاره واندرست أطلاله. {وَ} بالجملة: {مَا ظَلَمْنَاهُمْ} بإهلاكهم وتخريب ديارهم {وَلَـٰكِن} هم {ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} باتخاذ مصنوعاتنا آلهة أمثالنا مستحقة للعابدة، ظناً منهم أن آلهتهم تنفعهم لدى الحاجة وتشفعهم وقت الشفاعة {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ} أي: كفت ودفعت عنهم {آلِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} ظلماً وزرواً {مِن شَيْءٍ} أي: شيئاً قليلاً من القضاء {لَّمَّا جَآءَ} أي: حين جاء {أَمْرُ رَبِّكَ} يا أكمل الرسل، وحين نزل عذابه وحل عقابه إياه، بل {وَمَا زَادُوهُمْ} آلهتهم حين حلول العذاب عليهم {غَيْرَ تَتْبِيبٍ} [هود: 101] أي: هلاك وتخسير؛ لأنهم بسبب عبادة هؤلاء صاروا مطرودين عن سعة رحمة الله وجوده.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وقوله تعالى { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ } . إلى آخر القصة يقول تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى } بن عمران { بِآيَاتِنَا } الدالة على صدق ما جاء به، كالعصا، واليد ونحوهما، من الآيات التي أجراها الله على يدي موسى عليه السلام. { وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ } أي: حجة ظاهرة بينة، ظهرت ظهور الشمس. { إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ } أي: أشراف قومه لأنهم المتبوعون، وغيرهم تبع لهم، فلم ينقادوا لما مع موسى من الآيات، التي أراهم إياها، كما تقدم بسطها في سورة الأعراف، ولكنهم { فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } بل هو ضال غاو، لا يأمر إلا بما هو ضرر محض، لا جرم - لما اتبعه قومه - أرداهم وأهلكهم. { يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ } أي في الدنيا { لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ } أي يلعنهم الله وملائكته والناس أجمعون في الدنيا والآخرة. { بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ } أي بئس ما اجتمع لهم وترادف عليهم من عذاب الله ولعنة الدنيا والآخرة. ولما ذكر قصص هؤلاء الأمم مع رسلهم قال الله تعالى لرسوله { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ } لتنذر به ويكون آية على رسالتك وموعظة وذكرى للمؤمنين. { مِنْهَا قَائِمٌ } لم يتلف بل بقي من آثار ديارهم ما يدل عليهم { وَ } منها { حَصِيدٌ } قد تهدمت مساكنهم واضمحلت منازلهم فلم يبق لها أثر. { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ } بأخذهم بأنواع العقوبات { وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } بالشرك والكفر والعناد. { فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ } وهكذا كل من التجأ إلى غير الله لم ينفعه ذلك عند نزول الشدائد. { وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ } أي خسار ودمار بالضد مما خطر ببالهم. { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } . أي: يقصمهم بالعذاب ويبيدهم، ولا ينفعهم، ما كانوا يدعون، من دون الله من شيء. { إِنَّ فِي ذَلِكَ } المذكور، من أخذه للظالمين، بأنواع العقوبات، { لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ } أي: لعبرة ودليلا على أن أهل الظلم والإجرام، لهم العقوبة الدنيوية، والعقوبة الأخروية، ثم انتقل من هذا، إلى وصف الآخرة فقال: { ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ } أي: جمعوا لأجل ذلك اليوم، للمجازاة، وليظهر لهم من عظمة الله وسلطانه وعدله العظيم، ما به يعرفونه حق المعرفة. { وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ } أي: يشهده الله وملائكته، وجميع المخلوقين. { وَمَا نُؤَخِّرُهُ } أي: إتيان يوم القيامة { إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ } إذا انقضى أجل الدنيا وما قدر الله فيها من الخلق، فحينئد ينقلهم إلى الدار الأخرى، ويجري عليهم أحكامه الجزائية، كما أجرى عليهم في الدنيا، أحكامه الشرعية. { يَوْمَ يَأْتِ } ذلك اليوم، ويجتمع الخلق { لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ } حتى الأنبياء، والملائكة الكرام، لا يشفعون إلا بإذنه، { فَمِنْهُمْ } أي: الخلق { شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ } فالأشقياء، هم الذين كفروا بالله، وكذبوا رسله، وعصوا أمره، والسعداء، هم: المؤمنون المتقون. وأما جزاؤهم { فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا } أي: حصلت لهم الشقاوة، والخزي والفضيحة، { فَفِي النَّارِ } منغمسون في عذابها، مشتد عليهم عقابها، { لَهُمْ فِيهَا } من شدة ما هم فيه { زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } وهو أشنع الأصوات وأقبحها. { خَالِدِينَ فِيهَا } أي: في النار، التي هذا عذابها { مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ } أي: خالدين فيها أبدا، إلا المدة التي شاء الله، أن لا يكونوا فيها، وذلك قبل دخولها، كما قاله جمهور المفسرين، فالاستثناء على هذا، راجع إلى ما قبل دخولها، فهم خالدون فيها جميع الأزمان، سوى الزمن الذي قبل الدخول فيها. { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } فكل ما أراد فعله واقتضته حكمته فعله، تبارك وتعالى، لا يرده أحد عن مراده. { وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا } أي: حصلت لهم السعادة، والفلاح، والفوز { فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ } ثم أكد ذلك بقوله: { عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } أي: ما أعطاهم الله من النعيم المقيم، واللذة العالية، فإنه دائم مستمر، غير منقطع بوقت من الأوقات، نسأل الله الكريم من فضله.