Verse. 1573 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

ذٰلِكَ مِنْ اَنْۢبَاۗءِ الْقُرٰي نَقُصُّہٗ عَلَيْكَ مِنْہَا قَاۗىِٕمٌ وَّحَصِيْدٌ۝۱۰۰
Thalika min anbai alqura naqussuhu AAalayka minha qaimun wahaseedun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلك» المذكور مبتدأ خبره «من أنباء القرى نقصّه عليك» يا محمد «منها» أي القرى «قائم» هلك أهله دونه «و» منها «حصيد» هلك بأهله فلا أثر له كالزرع المحصود بالمناجل.

100

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر قصص الأولين قال: {ذٰلِكَ مِنْ أَنْبَاء ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ } والفائدة في ذكرها أمور: أولها: أن الانتفاع بالدليل العقلي المحض إنما يحصل للإنسان الكامل، وذلك إنما يكون في غاية الندرة. فأما إذا ذكرت الدلائل ثم أكدت بأقاصيص الأولين صار ذكر هذه الأقاصيص كالموصل لتلك الدلائل العقلية إلى العقول. الوجه الثاني: أنه تعالى خلط بهذه الأقاصيص أنواع الدلائل التي كان الأنبياء عليهم السلام يتمسكون بها ويذكر مدافعات الكفار لتلك الدلائل وشبهاتهم في دفعها، ثم يذكر عقيبهما أجوبة الأنبياء عنها ثم يذكر عقيبها أنهم لما أصروا واستكبروا وقعوا في عذاب الدنيا وبقي عليهم اللعن والعقاب في الدنيا وفي الآخرة، فكان ذكر هذه القصص سبباً لإيصال الدلائل والجوابات عن الشبهات إلى قلوب المنكرين، وسبباً لإزالة القسوة والغلظة عن قلوبهم، فثبت أن أحسن الطرق في الدعوة إلى الله تعالى ما ذكرناه. الفائدة الثالثة: أنه عليه السلام كان يذكر هذه القصص من غير مطالعة كتب، ولا تلمذ لأحد وذلك معجزة عظيمة تدل على النبوة كما قررناه. الفائدة الرابعة: إن الذين يسمعون هذه القصص يتقرر عندهم أن عاقبة الصديق والزنديق والموافق والمنافق إلى ترك الدنيا والخروج عنها، إلا أن المؤمن يخرج من الدنيا مع الثناء الجميل في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، والكافر يخرج من الدنيا مع اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة، فإذا تكررت هذه الأقاصيص على السمع، فلا بد وأن يلين القلب وتخضع النفس وتزول العداوة ويحصل في القلب خوف يحمله على النظر والاستدلال، فهذا كلام جليل في فوائد ذكر هذه القصص. أما قوله: {ذٰلِكَ مِنْ أَنْبَاء ٱلْقُرَىٰ } ففيه أبحاث: البحث الأول: أو قوله: {ذٰلِكَ } إشارة إلى الغائب، والمراد منه ههنا الإشارة إلى هذه القصص التي تقدمت، وهي حاضرة، إلا أن الجواب عنه ما تقدم في قوله: { أية : ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ } تفسير : [البقرة: 2]. البحث الثاني: أن لفظ «ذلك» يشار به إلى الواحد والاثنين والجماعة لقوله تعالى: { أية : لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ } تفسير : [البقرة: 68] وأيضاً يحتمل أن يكون المراد ذلك الذي ذكرناه هو كذا وكذا. البحث الثالث: قال صاحب «الكشاف»: «ذلك» مبتدأ {مِنْ أَنْبَاء ٱلْقُرَىٰ } خبر {نَقُصُّهُ عَلَيْكَ } خبر بعد خبر أي ذلك المذكور بعض أنباء القرى مقصوص عليك. ثم قال: {مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ } والضمير في قوله: {مِنْهَا } يعود إلى القرى شبه ما بقي من آثار القرى وجدرانها بالزرع القائم على ساقه وما عفا منها وبطر بالحصيد، والمعنى أن تلك القرى بعضها بقي منه شيء وبعضها هلك وما بقي منه أثر ألبتة. ثم قال تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } وفيه وجوه: الأول: وما ظلمناهم بالعذاب والإهلاك، ولكن ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية. الثاني: أن الذي نزل بالقوم ليس بظلم من الله بل هو عدل وحكمة، لأجل أن القوم أولاً ظلموا أنفسهم بسبب إقدامهم على الكفر والمعاصي فاستوجبوا لأجل تلك الأعمال من الله ذلك العذاب. الثالث: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد وما نقصناهم من النعيم في الدنيا والرزق، ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله تعالى. ثم قال: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءالِهَتَهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيْء } أي ما نفعتهم تلك الآلهة في شيء ألبتة. ثم قال: {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: غير تخسير. يقال: تب إذا خسر وتببه غيره إذا أوقعه في الخسران، والمعنى أن الكفار كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين على تحصيل المنافع ودفع المضار ثم إنه تعالى أخبر أنهم عند مساس الحاجة إلى المعين ما وجدوا منها شيئاً لا جلب نفع ولا دفع ضر، ثم كما لم يجدوا ذلك فقد وجدوا ضده، وهو أن ذلك الاعتقاد زال عنهم به منافع الدنيا والآخرة وجلب إليهم مضار الدنيا والآخرة، فكان ذلك من أعظم موجبات الخسران.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ} «ذَلِكَ» رفع على إضمار مبتدأ، أي الأمر ذلك. وإن شئت بالابتداء؛ والمعنى: ذلك النبأ المتقدّم من أنباء القرى نقصه عليك. {مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ} قال قتادة: القائم ما كان خاوياً على عروشه، والحصيد ما لا أثر له. وقيل: القائم العامر، والحصيد الخراب؛ قاله ٱبن عباس: وقال مجاهد: قائم خاوية على عروشها، وحصيد مستأصل؛ يعني محصوداً كالزرع إذا حصد؛ قال الشاعر:شعر : والناس في قَسْم المنيّة بينهم كالزّرع منه قائِمٌ وحَصِيدُ تفسير : وقال آخر:شعر : إنما نحن مثلُ خَامَةِ زَرْعٍ فمتى يَأْنِ يَأْتِ مُحْتَصِدُهْ تفسير : قال الأخفش سعيد: حصيد أي محصود، وجمعه حصدى وحِصاد مثل مرضى ومِراض؛ قال: يكون فيمن يعقل حصدى، مثل قتِيل وقتلى. {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} أصل الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه، وقد تقدّم في «البقرة» مستوفى. {وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} بالكفر والمعاصي. وحكى سيبويه أنه يقال: ظلم إياه {فَمَا أَغْنَتْ} أي دفعت. {عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} في الكلام حذف، أي التي كانوا يعبدون؛ أي يدعون. {لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} أي غير تخسير؛ قاله مجاهد وقتادة. وقال لبيد:شعر : فلقد بَلِيتُ وكلُّ صاحبِ جِدّةٍ لِبِلًى يَعُودُ وذَاكُمُ التَّتْبِيبُ تفسير : والتَّبَات الهلاك والخسران، وفيه إضمار؛ أي ما زادتهم عبادة الأصنام، فحذف المضاف؛ أي كانت عبادتهم إياهم قد خسَّرتهم ثواب الآخرة. قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ} أي كما أخذ هذه القرى التي كانت لنوح وعاد وثمود يأخذ جميع القرى الظالمة. وقرأ عاصم الجحدري وطلحة بن مصرف «وَكَذَلِكَ أَخَذَ رَبُّكَ إِذْ أَخَذَ الْقُرَى» وعن الجحدريّ أيضاً «وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ» كالجماعة «إِذْ أَخَذَ القُرَى». قال المهدويّ من قرأ: «وكذلك أخذ ربك إِذْ أخذ» فهو إخبار عما جاءت به العادة في إهلاك من تقدّم من الأمم؛ والمعنى: وكذلك أَخَذَ ربك من أخذه من الأمم المهلكة إذْ أخذهم. وقراءة الجماعة على أنه مصدر، والمعنى: كذلك أخذ ربك من أراد إهلاكه متى أخذه؛ فإذْ لما مضى؛ أي حين أخذ القرى؛ وإذا للمستقبل {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} أي وأهلها ظالمون؛ فحذف المضاف مثل «أية : وَٱسْأَلِ الْقَرْيَةَ». تفسير : {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} أي عقوبته لأهل الشرك موجعة غليظة. وفي صحيح مسلم والترمذيّ من حديث أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْهُ»تفسير : ثم قرأ «وكذلك أخْذُ ربك إذا أخذ القرى» الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً} أي لعبرة وموعظة. {لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ}. {ذٰلِكَ يَوْمٌ}، ابتداء وخبر. {مَّجْمُوعٌ} من نعته. {لَّهُ ٱلنَّاسُ} ٱسم ما لم يسم فاعله؛ ولهذا لم يقل مجموعون؛ فإن قدرت ٱرتفاع «الناس» بالابتداء، والخبر «مَجْمُوعٌ لَهُ» فإنما لم يقل: مجموعون على هذا التقدير؛ لأن «له» يقوم مقام الفاعل. والجمع الحشر، أي يحشرون لذلك اليوم. {وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} أي يشهده البر والفاجر، ويشهده أهل السماء. وقد ذكرنا هذين الاسمين مع غيرهما من أسماء القيامة في كتاب «التذكرة» وبيناهما والحمد لله. قوله تعالى: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ} أي ما نؤخر ذلك اليوم. {إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} أي لأجل سبق به قضاؤنا، وهو معدود عندنا. {يَوْمَ يَأْتِى} وقرىء «يَوْمَ يَأْتِ» لأن الياء تحذف إذا كان قبلها كسرة؛ تقول: لا أدر؛ ذكره القشيري. قال النحاس: قرأه أهل المدينة وأبو عمرو والكسائي بإثبات الياء في الإدراج، وحذفها في الوقف؛ وروي أن أُبَيًّا وابن مسعود قرأا «يوم يأتِي» بالياء في الوقف والوصل. وقرأ الأعمش وحمزة «يَوْمَ يَأْتِ» بغير ياء في الوقف والوصل، قال أبو جعفر النحاس: الوجه في هذا ألاّ يوقف عليه، وأن يوصل بالياء، لأن جماعة من النحويين قالوا: لا تحذف الياء، ولا يجزم الشيء بغير جازم؛ فأما الوقف بغير ياء ففيه قول للكسائيّ؛ قال: لأن الفعل السالم يوقف عليه كالمجزوم، فحذف الياء، كما تحذف الضمة. وأما قراءة حمزة فقد احتج أبو عبيد لحذف الياء في الوصل والوقف بحجتين إحداهما: أنه زعم أنه رآه في الإمام الذي يقال له إنه مصحف عثمان رضي الله عنه بغير ياء. والحجة الأخرى ـ أنه حكى أنها لغة هُذَيل؛ تقول: ما أدر؛ قال النحاس: أما حجته بمصحف عثمان رضي الله عنه فشيء يردّه عليه أكثر العلماء؛ قال مالك بن أنس رحمه الله: سألت عن مصحف عثمان رضي الله عنه فقيل لي ذَهَب؛ وأما حجته بقولهم: «ما أدر» فلا حجة فيه؛ لأن هذا الحذف قد حكاه النحويون القدماء، وذكروا علته، وأنه لا يقاس عليه. وأنشد الفراء في حذف الياء:شعر : كَفَّاكَ كَفٌّ ما تُليقُ درهما جوداً وأخرى تُعْطِ بالسيفِ الدَّمَا تفسير : أي تعطي. وقد حكى سيبويه والخليل أن العرب تقول: لا أدرِ، فتحذف الياء وتجتزىء بالكسرة، إلا أنهم يزعمون أن ذلك لكثرة الاستعمال. قال الزجاج: والأجود في النحو إثبات الياء؛ قال: والذي أراه ٱتباع المصحف وإجماع القراء؛ لأن القراءة سنة؛ وقد جاء مثله في كلام العرب. {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} الأصل تتكلم؛ حذفت إحدى التاءين تخفيفاً. وفيه إضمار؛ أي لا تتكلم فيه نفس إلا بالمأذون فيه من حسن الكلام؛ لأنهم ملجئون إلى ترك القبيح. وقيل: المعنى لا تكلم بحجة ولا شفاعة إلا بإذنه. وقيل: إن لهم في الموقف وقتاً يمنعون فيه من الكلام إلا بإذنه. وهذه الآية أكثر ما يسأل عنها أهل الإلحاد في الدِّين. فيقول لمَ قال: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} و{أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } تفسير : [المرسلات: 35 ـ 36] وقال في موضع من ذكر القيامة: {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [الصافات: 27]. وقال: {أية : يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} تفسير : [النحل: 11]. وقال: {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} تفسير : [الصافات: 24]. وقال: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن: 39]. والجواب ما ذكرناه، وأنهم لا ينطقون بحجة تجب لهم وإنما يتكلمون بالإقرار بذنوبهم، ولوم بعضهم بعضاً، وطرح بعضهم الذنوب على بعض؛ فأما التكلم والنطق بحجة لهم فلا؛ وهذا كما تقول للذي يخاطبك كثيراً، وخطابه فارغ عن الحجة: ما تكلمت بشيء، وما نطقت بشيء، فسمّي من يتكلم بلا حجة فيه له غير متكلم. وقال قوم: ذلك اليوم طويل، وله مواطن ومواقف في بعضها يمنعون من الكلام، وفي بعضها يطلق لهم الكلام؛ فهذا يدلّ على أنه لا تتكلم نفس إلا بإذنه. {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} أي من الأنفس، أو من الناس؛ وقد ذَكَرهم في قوله: {يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ}. والشقي الذي كتبت عليه الشَّقاوة. والسّعيد الذي كتبت عليه السّعادة؛ قال لَبيد:شعر : فمنهم سعيدٌ آخذ بنصِيبهِ ومنهم شَقيٌّ بالمعيشةِ قانع تفسير : وروى الترمذي حديث : عن ٱبن عمر عن عمر بن الخطاب قال: لما نزلت هذه الآية: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا نبي الله فعلامَ نعمل؟ على شيء قد فُرغ منه، أو على شيء لم يُفرَغ منه؟ فقال: «بل على شيء قد فُرغ منه وجرت به الأقلامُ يا عُمر ولكن كل مُيسَّر لما خُلِق له»تفسير : . قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عمر؛ وقد تقدم في «الأعراف». قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ} ٱبتداء. {فَفِي ٱلنَّارِ} في موضع الخبر، وكذا {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} قال أبو العالية: الزّفير من الصدر، والشهيق من الحلق؛ وعنه أيضاً ضد ذلك. وقال الزجاج: الزّفير من شدة الأنين، والشّهيق من الأنين المرتفع جداً؛ قال: وزعم أهل اللغة من الكوفيين والبصريين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمير في النّهيق، والشّهيق بمنزلة (آخر) صوت الحمار في النّهيق. وقال ٱبن عباس رضي الله عنه عكسه؛ قال: الزفير الصوت الشديد، والشّهيق الصوت الضعيف. وقال الضحاك ومقاتل: الزفير مثل أول نهيق الحمار، والشهيق مثل آخره حين فرغ من صوته؛ قال الشاعر:شعر : حَشْرَجَ في الجوفِ سَحِيلاً أو شَهَقْ حتى يُقالَ ناهقٌ وما نَهَقْ تفسير : وقيل: الزّفير إخراج النفَس، وهو أن يمتلىء الجوف غمًّا فيخرج بالنفس، والشَّهيق ردّ النفَس وقيل: الزفير ترديد النفَس من شدّة الحزن؛ مأخوذ من الزَّفْر وهو الحَمْل على الظهر لشدّته؛ والشهيق النفس الطويل الممتدّ؛ مأخوذ من قولهم: جبل شاهق؛ أي طويل. والزفير والشهيق من أصوات المحزونين. قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} «مَا دَامَتِ» في موضع نصب على الظرف؛ أي دوام السموات والأرض، والتقدير: وقت ذلك. واختلف في تأويل هذا؛ فقالت طائفة منهم الضحاك: المعنى ما دامت سموات الجنة والنار وأرضهما والسماء كل ما علاك فأظلك، والأرض ما استقر عليه قدمك؛ وفي التنزيل: {أية : وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ} تفسير : [الزمر: 74]. وقيل: أراد به السماء والأرض المعهودتين في الدنيا وأجرى ذلك على عادة العرب في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده؛ كقولهم: لا آتيك ما جَنَّ ليلٌ، أو سال سيلٌ، وما اختلف الليل والنهار، وما ناح الحمام، وما دامت السموات والأرض، ونحو هذا مما يريدون به طولاً من غير نهاية؛ فأفهمهم الله تخليد الكفرة بذلك. وإن كان قد أخبر بزوال السموات والأرض. وعن ابن عباس أن جميع الأشياء المخلوقة أصلها من نور العرش، وأن السموات والأرض في الآخرة تردّان إلى النور الذي أخذتا منه؛ فهما دائمتان أبداً في نور العرش. قوله تعالى: {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} في موضع نصب؛ لأنه استثناء ليس من الأول؛ وقد اختلف فيه على أقوال عشرة: الأولى: ـ أنه استثناء من قوله: «فَفِي النَّارِ» كأنه قال: إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك؛ وهذا قول رواه أبو نَضْرة عن أبي سعيد الخُدْرِي وجابر رضي الله عنهما. وإنما لم يقل من شاء؛ لأن المراد العدد لا الأشخاص؛ كقوله: {أية : مَا طَابَ لَكُمْ} تفسير : [النساء: 3]. وعن أبي نَضْرَة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إلا من شاء ألا يدخلهم وإن شقوا بالمعصية»تفسير : . الثاني: أن الاستثناء إنما هو للعصاة من المؤمنين في إخراجهم بعد مدّة من النار؛ وعلى هذا يكون قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ} عاماً في الكفرة والعصاة، ويكون الاستثناء من «خَالِدِينَ»؛ قاله قتادة والضّحاك وأبو سِنان وغيرهم. وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يدخل ناس جهنم حتى إذا صاروا كالحُمَمَة أخرجوا منها ودخلوا الجنة فيقال هؤلاء الجهنميون» تفسير : وقد تقدّم هذا المعنى في «النساء» وغيرها. الثالث: أن الاستثناء من الزَّفير والشَّهيق؛ أي لهم فيها زفير وشهيق إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب الذي لم يذكره، وكذلك لأهل الجنة من النعيم ما ذكر، وما لم يذكر. حكاه ابن الأنباري. الرابع: قال ابن مسعود: «خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَواتُ وَالأَرْضُ» لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} وهو أن يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم، ثم يجدد خلقهم. قلت: وهذا القول خاص بالكافر والاستثناء له في الأكل، وتجديد الخلق. الخامس: أن «إلا» بمعنى «سوى» كما تقول في الكلام: ما معي رجل إلاّ زيد، ولي عليك ألفا درهم إلا الألف التي لي عليك. قيل: فالمعنى ما دامت السموات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود. السادس: أنه استثناء من الإخراج، وهو لا يريد أن يخرجهم منها. كما تقول في الكلام: أردت أن أفعل ذلك إلا أن أشاء غيره، وأنت مقيم على ذلك الفعل؛ فالمعنى أنه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم، ولكنه قد أعلمهم أنهم خالدون فيها، ذكر هذين القولين الزّجاج عن أهل اللغة، قال: ولأهل المعاني قولان آخران، فأحد القولين: «خَالِدينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ» من مقدار موقفهم على رأس قبورهم، وللمحاسبة، وقدر مكثهم في الدنيا، والبرزخ، والوقوف للحساب. والقول الآخر: وقوع الاستثناء في الزيادة على النعيم والعذاب، وتقديره: «خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ» من زيادة النعيم لأهل النعيم، وزيادة العذاب لأهل الجحيم. قلت: فالاستثناء في الزيادة من الخلود على مدة كون السماء والأرض المعهودتين في الدنيا واختاره التّرمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي، أي خالدين فيها مقدار دوام السموات والأرض، وذلك مدّة العالم، وللسماء والأرض وقت يتغيران فيه، وهو قوله سبحانه: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ} تفسير : [إبراهيم:48] فخلق الله سبحانه الآدميين وعاملهم، واشترى منهم أنفسهم وأموالهم بالجنة، وعلى ذلك بايعهم يوم الميثاق، فمن وفّى بذلك العهد فله الجنة، ومن ذهب برقبته يخلّد في النار بمقدار دوام السموات والأرض؛ فإنما دامتا للمعاملة؛ وكذلك أهل الجنة خلود في الجنة بمقدار ذلك؛ فإذا تمت هذه المعاملة وقع الجميع في مشيئة الله؛ قال الله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الدخان: 38 ـ 39] فيخلّد أهل الدارين بمقدار دوامهما، وهو حق الربوبية بذلك المقدار من العظمة؛ ثم أوجب لهم الأبد في كلتا الدارين لحقّ الأحديّة، فمن لقيه موحّداً لأحديته بقي في داره أبداً، ومن لقيه مشركاً بأحديّته إلهاً بقي في السجن أبداً؛ فأعلم الله العباد مقدار الخلود، ثم قال: «إلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ» من زيادة المدّة التي تعجز القلوب عن إدراكها لأنه لا غاية لها؛ فبالاعتقاد دام خلودهم في الدارين أبداً. وقد قيل: إن «إلا» بمعنى الواو، قاله الفراء وبعض أهل النظر وهو ـ الثامن ـ والمعنى: وما شاء ربك من الزيادة في الخلود على مدّة دوام السموات والأرض في الدنيا. وقد قيل في قوله تعالى: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} تفسير : [البقرة: 150] أي ولا الذين ظلموا. وقال الشاعر:شعر : وكلُّ أخٍ مفارقُه أخوه لعَمرُ أبيكَ إلا الفَرْقَدان تفسير : أي والفرقدان. وقال أبو محمد مكيّ: وهذا قول بعيد عند البصريين أن تكون «إلا» بمعنى الواو، وقد مضى في «البقرة» بيانه. وقيل: معناه كما شاء ربك؛ كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} تفسير : [النساء: 22] أي كما قد سلف، وهو ـ التاسع، العاشر ـ وهو أن قوله تعالى: «إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ» إنما ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام؛ فهو على حدّ قوله تعالى: {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} تفسير : [الفتح: 27] فهو استثناء في واجب، وهذا الاستثناء في حكم الشرط كذلك؛ كأنه قال: إن شاء ربك، فليس يوصف بمتصل ولا منقطع؛ ويؤيده ويقويه قوله تعالى: «عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» ونحوه عن أبي عُبيد قال: تقدّمت عزيمة المشيئة من الله تعالى في خلود الفريقين في الدارين؛ فوقع لفظ الاستثناء، والعزيمة قد تقدّمت في الخلود، قال: وهذا مثل قوله تعالى: {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} تفسير : [الفتح: 27] وقد علم أنهم يدخلونه حتماً، فلم يوجب الاستثناء في الموضعين خياراً؛ إذ المشيئة قد تقدّمت بالعزيمة في الخلود في الدارين والدخول في المسجد الحرام؛ ونحوه عن الفراء. وقول ـ حادي عشر ـ وهو أن الأشقياء هم السعداء، والسعداء هم الأشقياء لا غيرهم، والاستثناء في الموضعين راجع إليهم؛ وبيانه أن «ما» بمعنى «من» استثنى الله عز وجل من الداخلين في النار المخلدين فيها الذين يخرجون منها من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بما معهم من الإيمان، واستثنى من الداخلين في الجنة المخلدين فيها الذين يدخلون النار بذنوبهم قبل دخول الجنة ثم يخرجون منها إلى الجنة. وهم الذين وقع عليهم الاستثناء الثاني؛ كأنه قال تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} ألا يخلده فيها، وهم الخارجون منها من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بإيمانهم وبشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهم بدخولهم النار يسمون الأشقياء، وبدخولهم الجنة يسمون السعداء؛ كما روى الضّحّاك عن ابن عباس إذ قال: الذين سعِدوا شَقُوا بدخول النار ثم سعِدوا بالخروج منها ودخولهم الجنة. وقرأ الأعمش وحفص وحمزة والكسائي «وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا» بضم السين. وقال أبو عمرو: والدليل على أنه سَعِدوا أن الأول شَقُوا ولم يقل أشقوا. قال النحاس: ورأيت عليّ بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائيّ «سُعِدوا» مع علمه بالعربية! إذ كان هذا لحناً لا يجوز؛ لأنه إنما يقال: سَعِد فلان وأسعده الله، وأسعد مثل أُمرِض؛ وإنما احتج الكسائي بقولهم: مسعود ولا حجة له فيه؛ لأنه يقال: مكان مسعود فيه، ثم يحذف فيه ويسمى به. قال المهدوي: ومن ضمّ السين من «سعدوا» فهو محمول على قولهم: مسعود وهو شاذ قليل؛ لأنه لا يقال: سعده الله، إنما يقال: أسعده الله. وقال الثعلبي: «سُعِدوا» بضم السين أي رزقوا السعادة؛ يقال: سُعِد وأسعِد بمعنى واحد وقرأ الباقون «سَعدوا» بفتح السين قياساً على «شَقُوا» واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وقال الجوهري: والسعادة خلاف الشّقاوة؛ تقول: منه سَعِد الرجل بالكسر فهو سعيد، مثل سَلِم فهو سليم، وسعُد فهو مسعود؛ ولا يقال فيه: مُسْعَد، كأنهم ٱستغنوا عنه بمسعود. وقال القشيريّ أبو نصر عبد الرحيم: وقد ورد سَعَده الله فهو مسعود، وأسعده الله فهو مسعَد؛ فهذا يقوي قول الكوفيين. وقال سيبويه: لا يقال سُعِد فلان كما لا يقال شُقي فلان؛ لأنه مما لا يتعدى. {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أي غير مقطوع؛ من جَذّه يَجُذُّه أي قطعه؛ قال النابغة:شعر : تَجُذُّ السَّلُوقِيَّ المضاعَفَ نَسْجُهُ وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نارَ الحُبَاحِبِ تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ تَكُ} جزم بالنهي؛ وحذفت النون لكثرة الاستعمال. {فِي مِرْيَةٍ} أي في شك. {مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ} من الآلهة أنها باطل. وأحسن من هذا: أي قل يا محمد لكل من شك «لاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاَءِ» أن الله عز وجل ما أمرهم به، وإنما يعبدونها كما كان آباؤهم يفعلون تقليداً لهم. {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ} فيه ثلاثة أقوال: أحدها: نصيبهم من الرزق؛ قاله أبو العالية. الثاني: نصيبهم من العذاب؛ قاله ٱبن زيد. الثالث: ما وُعِدوا به من خير أو شر؛ قاله ٱبن عباس رضي الله عنهما.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى خبر الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم، وكيف أهلك الكافرين ونجى المؤمنين قال: {ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ} أي: أخبارهم {نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ} أي: عامر {وَحَصِيدٌ} أي: هالك {وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ} أي: إِذ أهلكناهم {وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} بتكذيبهم رسلنا، وكفرهم بهم {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتَهُمُ} أوثانهم التي يعبدونها ويدعونها {مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ} ما نفعوهم ولا أنقذوهم لما جاء أمر الله بإِهلاكهم {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} قال مجاهد وقتادة وغيرهما: أي: غير تخسير، وذلك أن سبب هلاكهم ودمارهم إِنما كان باتباعهم تلك الآلهة، فلهذا خسروا في الدنيا والآخرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ذٰلِكَ } المذكور، مبتدأ خبره {مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ } يا محمد {مِنْهَا } أي القرى {قَآئِمٌ } هلك أهله دونه {وَ} منها {حَصِيدٌ} هلك بأهله فلا أثر له كالزرع المحصود بالمناجل.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ذلك من أنباء القُرى نقصُّه عليك} فيه وجهان: أحدهما: نخبرك. الثاني: نتبع بعضه بعضاً. {منها قائمٌ وحصيدٌ} فيه وجهان: أحدهما: أن القائم: العامرة، والحصيد: الخاوية قاله ابن عباس. الثاني: أن القائم: الآثار، والحصيد: الدارس، قاله قتادة، قال الشاعر: شعر : والناس في قسم المنية بينهم كالزرع منه قائم وحصيد تفسير : قوله عز وجل: {وما زادوهم غير تتبيب} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن التتبيب الشر، قاله ابن زيد. الثاني: أنه الهلكة، قاله قتاة. قال لبيد: شعر : فلقد بَليتُ وكلُّ صاحب جِدّةٍ لبِلىً يعودُ وذاكم التتبيب تفسير : ومنه قول جرير: شعر : عرابة من بقية قوم لوطٍ ألا تباً لما فعلوا تبابا تفسير : الثالث: التخسير، وهو الخسران، قاله مجاهد وتأول قوله تعالى {أية : تبَّتْ يدا أبي لهب} تفسير : [المسد: 1] أي خسرت.

ابن عبد السلام

تفسير : {نَقُصُّهُ} نخبرك، أو نتبع بعضه بعضاً. {قَآئِمٌ} عامر {وَحَصِيدٌ} خاوي "ع"، أو القائم الآثار والحصيد الدارس.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلْقُرَىٰ...} الآية {ذَٰلِكَ }: إِشارة إِلى ما تقدَّم من ذكْر العُقُوبات النَّازلة بالأُمَمِ المذكُورة، {مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ }: أي: منها قائمُ الجُدُرَاتِ، ومتهدِّمٌ دائر، والآيةَ بجملتها متضمِّنة التخويفَ وضَرْبَ المثلِ للحاضرين مِنْ أَهْل مكَّة وغيرهم، والـــ {تَتْبِيبٍ }: الخُسْرَانُ؛ ومنه: { أية : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ } تفسير : [المسد:1]. وقوله: {وَكَذَٰلِكَ }: الإِشارةُ إِلى ما ذكر من الأخذات في الأمَم، وهذه ٱية وعيدٍ يعمُّ قرى المُؤمنين والكافرينَ، فإِنَّ «ظالمة»: أعمُّ من «كافرة»، وقد يمهل اللَّه تعالَى بعْضَ الكَفَرَة، وأما الظَّلَمَةُ، فمعاجَلُون في الغَالِبِ، وقد يُمْلي لَبَعْضِهِمْ، وفي الحديث، من رواية أبي موسَى؛ أن رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمَ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ، لَمْ يُفْلِتْه»، ثم قرأ: {وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَـٰلِمَةٌ...} الآية، وهذه قراءة الجماعة، وهي تعطي بقاءَ الوَعِيدِ، وٱستمرارَهُ في الزمان؛ {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لأَيَةً }: أي: لعبرةً وعلامةَ اهتداءٍ، {لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلأَخِرَةِ }، ثم عَظَّمَ اللَّه أمْرَ الآخرة، فقالَ: {ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ }، وهو يومُ الحَشْر، {وَذٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} يَشْهَدُهُ الأوَّلون والآخِرُون؛ من الملائِكَةِ، والإِنس، والجنِّ والحيوانِ؛ في قول الجمهور، {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} لا يتقدَّم عنه ولا يتأخَّر. قال * ص *: والظاهر أنَّ ضمير فاعل: «يأت»: يعودُ على ما عاد عَلَيْه ضَميرُ «نُؤَخِّره»، والناصبُ لـــ «يَوْم» «لا تَكَلَّمُ»، والمعنى: لا تكَلَّمُ نَفْسٌ يوم يأتي ذلك اليَوْمُ إِلا بإِذنه سبحانه. انتهى. وقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ}: عائدٌ على الجمعِ الذي يتضمَّنه قوله: {نَفْسٌ }، إِذ هو اسمُ جِنْسٍ يراد به الجَمْعُ {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} وهي أصواتُ المكْروبين والمَحْزُونين والمعذَّبين، ونحو ذلك، قال قتادةُ: الزَّفير: أول صَوْتِ الحِمارِ، والشهيقُ: آخره، فصياحُ أهْل النَّار كذلك، وقال أبو العالية: «الزفير»: من الصدر، و«الشهيق»: من الحَلْق، والظاهر ما قال أبو العالية.

ابن عادل

تفسير : قوله: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ} الآية. "ذلك" إشارة إلى الغائبِ، والمرادُ منه ههنا الإشارة إلى القصص المتقدمة، وهي حاضرة إلاَّ أنَّ الجواب عنه تقدَّم في قوله: {أية : ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} تفسير : [البقرة:2]. ولفظ "ذلك" إشارة إلى الواحد والجماعة، كقوله: {أية : لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ} تفسير : [البقرة:68]. ويحتمل أن يكون ذلك الذي ذكرناهُ هو كذا وكذا. قال الزمخشريُّ: "ذلك" مبتدأ، و"نقُصُّهُ عليْكَ" خبرٌ بعد خبر، أي ذلك المذكور بعض أنباء القرى مقصوص عليك وقال شهابُ الدِّين: يجُوزُ أن يكون "نَقُصُّه" خبراً و"مِنْ أنباء" حال، ويجوزُ العكسُ، قيل: وثمَّ مضافٌ محذوف، أي من أنباءِ أهل القرى، ولذلك أعاد الضمير عليهم في قوله: "ومَا ظَلمْنَاهُم". ثم قال: ويجُوزُ في "ذلك" أوجه: أحدهما: أنَّه مبتدأ كما تقدم [هود:49]. والثاني: أنَّهُ منصوبٌ بفعلٍ مقدر يفسِّره "نَقُصُّه" فهو من باب الاشتغال، أي: نقُصُّ ذلك في حال كونه من أنباء القرى، وقد تقدَّم في قوله: {أية : ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ} تفسير : [يوسف:44] أوجه، وهي عائدةٌ هنا. قوله: {مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ} "حصيدٌ" مبتدأ محذوفُ الخبر، لدلالة خبر الأوَّلِ عليه، أي: ومنها حصيد، وهذا لضرورة المعنى. و"الحَصِيدُ" بمعنى المحصودِ، وجمعه: حَصْدَى وحِصَادٌ مثل: مريضٌ ومَرْضَى ومِرَاضٌ، وهذا قول الأخفشِ، ولكن باب "فَعِيل"، و "فَعْلَى" أن يكون في العقلاء؛ نحو: قَتِيل وقَتْلَى. والضميرُ في "مِنْهَا" عائدٌ على القرى، شبه ما بقي من آثار القرى وجدرانها بالزرع القائم على ساقة، وما عفا منها وبطل بالحصيد. والمعنى: أنَّ تلك القرى بعضها بقي منه شيء وبعضها هلك وما بقي منه أثر ألبتَّة. قال بعضُ المفسرين: القائمُ: العامر، والحصيدُ: الخرابُ: وقيل: القائمُ ما بقيت حيطانه، وسقطت سقوفه، وحصيد: انمحى أثره. وقال مقاتلٌ: قائم يرى له أثر، وحصيد لا يرى له أثر. ثم قال: "وَمَا ظَلمْنَاهُم" بالعذاب والإهلاك: {وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} بالكُفْرِ والمعصية وقيل: الذي نزل بالقوم ليس بظلم من الله، بل هو عدلٌ وحكمةٌ؛ لأنَّ القوم أولاً ظلموا أنفسهم بإقدامهم على الكفر والمعاصي، فاستوجبوا بتلك الأعمالِ من الله العذاب. وقال ابن عباس: وما نقصناهم في الدنيا من النعم والرزق، ولكن نُقِصُوا حظ أنفسهم حيثُ استخفُّوا بحقوقِ الله تعالى. {فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} أي: ما نفعتهم تلك الآلهة في شيء ألبتة. قوله: {لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ} أي: عذاب ربك. قال الزمخشريُّ: "لمَّا" منصوب بـ "أغْنَتْ" وهو بناءً منه على أنَّ "لمَّا" ظرفية. والظَّاهر أنَّ "مَا" نافية، أي: لم تُغْن. ويجوز أن تكون استفهاميةً، و"يَدْعُونَ" حكاية حال، أي: التي كانُوا يدعُون، و"مَا زادُوهُمْ" الضَّميرُ المرفوع للأصنام، والمنصوبُ لعبدتها وعبَّر عنهم بواو العقلاء؛ لأنهم نزَّلُوهم منزلتهم. والتَّتبِيْبُ: التَّخسيرُ، يقالُ: تبَّ الرجلُ غيره إذا أوقعه في الخسرانِ. يقال تَبَّبَ غيره وتبَّ هو بنفسه، فيستعمل لازماً ومتعدياً، ومنه {أية : تَبَّتْ يدا أبِي لهبٍ وتبَّ}تفسير : [المسد:1] وتَبَّبْتُهُ تَتْبِيباً، أي: خسَّرته تَخْسِيراً قال لبيدٌ: شعر : 3015- ولقَدْ بَلِيتُ وكُلُّ صاحبِ جدَّةٍ لِبِلًى يعُودُ وذاكُمُ التَّتْبِيبُ تفسير : وقيل: التَّتْبيب: التَّدْمير. والمعنى: أنَّ الكفار يعتقدون في الأصنام أنها تنفعُ وتدفع المضار، ثم أخبر أنَّهُم عند الحاجِة إلى المُعينِ ما وجدُوا فيها شيئاً لا جلب نفعٍ، ولا دفع ضرٍر، وإنَّما وجدُوا ضدَّ ذلك، وهذا أعظم الخسران. قوله: "وَكَذٰلِكَ" خبرٌ مقدَّم، و "أخْذُ" مبتدأ مؤخر، والتقدير: ومثلُ ذلك الأخْذِ أي: أخْذِ الله الأمم السَّالفة أخذُ ربك. و"إذا" ظرفُ متمحِّض، ناصبه المصدر قبله، وهو قريبٌ من حكاية الحالِ، والمسألةُ من بابِ التنازع فإنَّ الأخذ يطلب "القُرَى"، و"أخْذ" الفعل أيضاً يطلبها، وتكون المسألةُ من إعمال الثاني للحذف من الأوَّلِ. وقرأ عاصمٌ وأبو رجاء والجحدريُّ "أَخَذَ ربك، إذا أخذَ" جعلهُما فعلين ماضيين، و "رَبُّك" فاعل وقرأ طلحةُ بن مصرف كذلك إلاَّ أنَّهُ بـ "إذَا". قال ابن عطيَّة وهي قراءةٌ متمكنة المعنى، ولكن قراءة الجماعةِ تُعْطِي الوعيد، واستمراره في الزَّمانِ، وهوالباب في وضع المستقبل موضع الماضي. وقوله: "وهِيَ ظالمةٌ" جملةٌ حاليّة. والضميرُ في "وهِيَ ظالمةٌ" عائد إلى القُرَى، وهو في الحقيقة عائد إلى أهلها، كقوله: {أية : وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً} تفسير : [الأنبياء:11] {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} تفسير : [القصص:58]. ثم لمَّا بيَّن كيفية أخذ الأمم الظَّالمة أكَّده بقوله: {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} فوصف ذلك العذاب بالإيلامِ وبالشدَّةِ.

البقاعي

تفسير : ولما كانت هذه الأخبار على غاية منا التحذير، لا يعرفه إلا بالغ في العلم، كان من المعلوم قطعاً أنه صلى الله عليه وسلم لم يأت بها إلا من عند الله للعلم المشاهد بأنه لم يعان علماً ولا ألم بعالم يوماً، هذا مع ما اشتملت عليه من أنواع البلاغة وتضمنته من أنحاء الفصاحة وأومأت إليه بحسن سياقاتها من صروف الحكم وإفادة تفصيلها من فنون المعارف، فلذلك استحقت أن يشار إليها بأداة البعد إيماء إلى بعد المرتبة وعلو الأمر فقال تعالى: {ذلك} أي النبأ العظيم والخطب الجسيم {من أنباء القرى} وأكد هذا المعنى بلفظ النبأ لأنه الخبر فيه عظيم الشأن، ومنه النبي، وأشار بالتعبير بالمضارع في قوله: {نقصه عليك} إلى أنا كما قصصناها عليك في هذا الحال للمقصد المتقدم سنقصها عليك لغير ذلك من الأغراض في فنون البلاغة وتصاريف الحكم كما سترى عند قصه؛ ثم أشار - بما أخبر من حلها بقوله: {منها} أي القرى {قائم وحصيد*} إلى أنك مثل ما سمعت ما قصصنا عليك من أمرها بأذنك ووعيته بقلبك تحسها بعينك بمشاهدة أبنيتها وآثارها قائمة ومستحصدة، أي متهدمة لم يبق من بنيانها إلا بعض جدرانها. ولما كان فيما تقدم في هذه السورة من القصص أشد تهديد وأعظم وعيد لمن له تبصرة، صرح لغليظي الأكباد بأن الموجب للايقاع بهم إنما هو الظلم، فقال تعالى عاطفاً على نحو أن يقال: فعلنا بهم وأنبأناك به: {وما ظلمناهم} في شي منه {ولكن ظلموا أنفسهم} واعتمدوا على أندادهم معرضين عن جنابنا آمنين من عذابنا فأخذناهم {فما} أي فتسبب عن اعتمادهم على غيرنا أنه ما {أغنت عنهم} أي بوجه من الوجوه {آلهتهم التي} وصور حالهم الماضية فقال: {يدعون} أي دعوها واستمروا على دعائهم لها إلى حين الأخذ، وين خسة رتبتها فقال: {من دون الله} أي الذي له جميع صفات الكمال؛ وذكر مفعول "اغنت" معرقاً في النفي فقال: {من شيء} أي وإن قل {لما جاء أمر} أي عذاب {ربك} أي المحسن إليك بتأخير العذاب المستأصل عن أمتك وجعلك نبي الرحمة {وما زادوهم} في أحوالهم التي كانت لهم قبل عبادتهم إياها {غير تتبيب*} أي إهلاك وتخسير، فإنهم كانوا في عداد من يرجى فلاحه، فلما تورطوا في عبادتها ونشبوا في غوايتها وبعدوا عن الاستقامة بضلالتها خسروا أنفسهم التي هي رأس المال فكيف لهم بعد ذلك بالأرباح؛ والقص: إتباع الأثر، فهو هنا الإخبار بالأمور التي يتلو بعضها بعضاً؛ والدعاء: طلب الطالب الفعل من غيره، ونداء الشيء باسمه بحرف النداء، وكلا الأمرين مرادان؛ و {من دون الله}: من منزلة أدنى من منزلة عبادة الله لأنه من الأدون، وهو الأقرب إلى جهة السفل؛ والتب: الهلك والخسر. ولما كان المقصود من ذلك رمي قلوب العرب بما فيه من سهام التهديد ليقلعوا عما تمكنوا فيه من عمى التقليد، قال تعالى معلماً بأن الذي أوقع بأولئك لظلمهم وهو لكل ظالم بالمرصاد سواء ظلم نفسه أو غيره: {وكذلك} أي ومثل ذلك الأخذ العظيم {أخذ ربك} ذكّره بوصف الإحسان ما له إليه من البر لئلا يخاف على قومه من مثل هذا الأخذ {إذا أخذ القرى} أي أهلها وإن كانوا غير من تقدم الإخبار عنهم وإن عظموا وكثروا، ولكن الإخبار عنها أهول لأنه يفهم أنه ربما يعمها الهلاك لأجلهم بشدة الغضب من فعلهم كقرى قوم لوط عليه السلام {وهي ظالمة} روى البخاري في التفسير عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" تفسير : ثم قرأ {وكذلك أخذ ربك} الآية. ولما كان مثل هذا الآخذ لا يداينه مخلوق ولا يقدر عليه ملك، حسن كل الحسن إتباع ذلك قوله: {إن أخذه أليم} أي مؤلم قاطع للآمال مالىء البدن والروح والنفس بالنكال {شديد*} أي صعب مفتت للقوى، ولعله عبر هنا باسم الرب مضيفاً له إلى المنبأ بهذه الأنباء مكرراً لذلك في هذا المقام الذي ربما سبق فيه الوهم إلى أنه باسم الجبار والمنتقم مثلاً أليق، إشارة إلى أنه سبحانه يربيك أحسن تربية في إظهارك على الدين كله وانقياد العظماء لأمرك وذل الأعزة لسطوتك وخفض الرؤوس لعلو شأنك، فلا تتكلف أنت شيئاً من قصد إجابتهم إلى إنزال آية أو ترك ما يغيظ من إنذار ونحو ذلك - والله الموفق. ولما كان مما جر هذه القصص وهذه المواعظ تكذيبهم لما يوعدون من العذاب الناشىء عن إنكار البعث المذكور في قوله تعالى: {ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت}، أشار تعالى إلى تحقق أمر الآخرة وأنه مما ينبغي الاهتمام به رداً للمقطع على المطلع، وإعلاماً بأنه لا فرق بينه وبين ما تحقق إيقاعه من عذاب هذه الأمم في القدرة عليه بقوله مؤكداً لأجل جحودهم أن يكون في شيء مما مضى دلالة عليه بوجه من الوجوه: {إن في ذلك} أي النبأ العظيم والقصص والوعظ بما يذكر {لآية} أي لعلامة عظيمة ودلالة بتة ولما كان وجود الشيء عدماً بالنسبة إلى ما لا نفع له به، قال: {لمن خاف عذاب} يوم الحياة {الآخرة} لأنه نفع خاص به، وإنما كان آية له لأنه إذا نظر إلى إهلاكه للظالمين إهلاكاً عاماً بسبب ظلمهم وإنجائه للمؤمنين، علم أنه قادر على ما يريد، وأنه لا بد أن يجازي كلاًّ بما فعل، فإذا رأى أن ظلمه كثيرين يموتون بغير انتقام، علم أنه لا بد من يوم يجازيهم فيه، وهو اليوم الذي أخبرت به عنه رسله، وزاد في الإشارة إلى تهويله بإعادة اسم الإشارة في قوله: {ذلك} أي اليوم العظيم الذي يكون فيه عذاب الآخرة {يوم} وأشار - إلى يسر البعث وسهولته عليه وأنه أمر ثابت لا بد منه - باسم المفعول من قوله: {مجموع له} أي لإظهار العدل فيه والفضل {الناس} أي كل من فيه أهلية التحرك والاضطراب وما ثمّ يوم غيره يكون بهذه الصفة أصلاً. ولما لم يسبقه يوم اجتمع فيه جميع الخلق من الجن والإنس والملائكة وجميع الحيوانات أحياء، وكان ذلك مسوغاً لأن تعد شهادة غيره عدماً فقال تعالى: {وذلك} أي اليوم العظيم {يوم مشهود*} أي هو نفسه لهم ولغيرهم من جميع الخلق، فيكون تنوينه للتعظيم بدلالة المقام، أو يكون المعنى أنه أهل لأن يشهد، وتتوفر الدواعي على حضوره لما فيه من عجائب الأمور والأهوال العظام والمواقف الصعبة، فلا يكون ثم شغل إلا نظر ما فيه والإحاطة بحوادثه خوف التلاف ورجاء الخلاص؛ والآية: العلامة العظيمة لما فيها من البيان عن الأمر الكبير؛ والخوف: انزعاج النفس بتوقع الشر، وضده الأمن وهو سكون النفس بتوقع الخير؛ والعذاب: استمرار الألم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏منها قائم‏} ‏ يعني بها قرى عامرة ‏ {‏وحصيد‏}‏ يعني قرى خامدة‏. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏{‏ذلك من أنباء القرى نقصه عليك‏} ‏ قال‏:‏ قال الله ذلك لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏قائما‏ً} ‏ يرى مكانه ‏ {‏وحصيد‏} ‏ لا يرى له أثر، وقال في آية أخرى {أية : هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً‏} ‏تفسير : [‏مريم: 98‏]. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج ‏ {‏منها قائم‏} ‏ خاو على عروشه ‏ {‏وحصيد‏} ‏ ملصق بالأرض‏. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ‏ {‏منها قائم وحصيد‏} ‏ قال‏:‏ الحصيد الذي قد خرب ودمر‏.

القشيري

تفسير : لمن يكن في جملة مَنْ قصَّ عليه مِنَ الأنبياء ـ عليهم السلام ـ مَنْ أكثر منه تبجيلا، ولا فيمن ذكره من الأمم أعظم من أمته تفضيلاً، فكما تَقَدَّم على الأنبياء ـ عليهم السلام تقدَّمَتْ أمتُه على الأمم، قال تعالى: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 110].

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلك} اى الخبر السابق با محمد {من انباء القرى} بعض انباء القرى المهلكة بما جنت ايدى اهلها {نقصه عليك} خبر بعد خبر اى مقصوص عليك ليكون فيه دلائل نبوتك {منها} اى من تلك القرى {قائم} باق اثره وجدرانه كالزرع القائم على ساقه مثل ديار عاد وثمود {وحصيد} مبتدأ حذف خبره اى ومنها عافى الاثر كالزرع المحصود مثل بلاد قوم نوح ولوط. وقال الكاشفى [قائم باقيست وآبادان وحصيد مفقوداست يا خراب]. وفى التأويلات النجمية من الاجساد ما هو قائم قابل لتدارك مافات عنها واصلاح ما افسد النفس منها ومنها ما هو محصود بمحصد الموت مأيوس من التدارك

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (ذلك): مبتدأ. و(من أنباء): خبر، و(نقصه): خبر ثان. وجملة: (منها قائم وحصيد): استئنافية لا حالية؛ لعدم الرابط. يقول الحق جل جلاله: {ذلك} النبأ الذي أخبرناك به في هذه السورة، هو {من أنباء القرى} الماضية المهلَكة، {نقصه عليك}، ونخبرك به؛ تهديداً لأمتك وتسلية لك. {منها} ما هو {قائم} البناء باقي الأثر، {و} منها {حصيد} أي: محصود عافي الأثر، كالزرع المحصود. أو: منها ما هو ساكن بقوم آخرين، قائم العمارة بغير من هلك، ومنها ما هو دارس عفى أثره، واندرست أطلالُه. قال تعالى: {وما ظلمناهم} بإهلاكنا إياهم، {ولكن ظلموا أنفسهم} بأن عرضوها له؛ بارتكابهم ما يوجب هلاكهم، فعبدوا معي غيري، {فما أغنت عنهم}: ما نفعتهم، ولا قدرت أن تدفع عنهم العذاب، {آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء} من ذلك العذاب، {لما جاء أمر ربك} ـ؛ حين جاءهم عذابه {وكذلك أخذُ ربك} أي: مثل ذلك الأخذ الوبيل أخذ ربك {إذا أَخَذَ القرى وهي ظالمةٌ} فلا يمهلها، وقد يمهلها ثم يأخذها. فكل ظالم معرض لذلك. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ اللَّهَ ليُمْلِي للظَّالِمِ، حَتى إِذا أَخَذَهُ لَمْ يُفلِتْهُ"تفسير : . ثم قرأ: {وكذلك أخذ ربك...} الآية. فالآية تعم قرى المؤمنين؛ حيث عبَّر بظالمة دون كافرة. قاله ابن عطية. {إن أخذه أليم شديد}؛ وجيع عظيم، غير مرجو الخلاص منه، وهو مبالغة في التهديد والتحذير. {إن في ذلك} الذي نسرده عليك من قصص الأمم الدارسة، {لآية}؛ لعبرة {لمن خاف عذابَ الآخرة} فيعتبر به ويتعظ؛ لعلمه بأن ما خاق بهم أنموذج مما أعد الله للمجرمين في الآخرة. وأما من أنكر الآخرة فلا ينفعه هذا الوعظ والتذكير؛ لفساد قلبه، وموت روحه. {ذلك} أي: يوم القيامة الذي وقع التخويف به، {يوم مجموعٌ له الناسُ}: محشورون إليه أينما كانوا. وعبَّر باسم المفعول دون الفعل؛ للدلالة على الثبوت والاستقرار، ليكون أبلغ؛ لأن "مجموع" أبلغ من "يجمع". {وذلك يوم مشهود} أي: تشهده أهل السماوات وأهل الأرض؛ لفصل القضاء، ويحضره الأولون والآخرون، لاقتضاء الثواب والعقاب. فاليوم مشهود فيه، فحذف الظرف اتساعاً.. {وما نُؤخره إلا لأَجلٍ معدود} أي: إلا لانتهاء مدة معدودة في علم الله، لا يتقدم ولا يتأخر عنها، قد اختص الله تعالى به. والله تعالى أعلم. الإشارة: التفكر والاعتبار من أفضل عبادة الأبرار؛ لأنه يزهد في الدنيا الفانية، ويشوق إلى دار الباقية، ويرقق القلب، ويستدعي مخافة الرب، فلينظر الإنسان بعين الاعتبار في الأمم الخالية، والقرون الماضية، والأماكن الدارسة؛ كيف رحل أهلها عن الدنيا أحوج ما كانوا إليها، وتركوها أحب ما كانت إليهم؟ وفي بعض الخطب الوعظية: أين الفراعين المتكبرة، وأين جنودها المعسكرات؟ أين الأكاسير المنكسرة؟ وأين كنوزها المقنطرات؟ أين ملكوك قيصر والروم؟ وأين قصورها المشيدات؟ أين ملوك عدن؟ أهل الملابس والحيجان؟ وأين ملوك اليمن، أهل العمائم والتيجان؟ قد دارت عليهم ـ والله ـ الأقدار الدائرات، وجرت عليهم برياحها العاصفات، وأسكنتهم تحت أطباق الرجام المنكرات، وصيرت أجسامهم طعمة للديدان والحشرات، وأيمت منهم الزوجات، وأيتمت منهم البنين والبنات. أفضوا إلى ما قدموا، وانقادوا قهراً إلى القضاء وسلموا. فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم من العمل الصالح رجعوا. وبالله التوفيق. ثم ذكر شأن ذلك اليوم المشهود، فقال: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}.

الطوسي

تفسير : قوله {ذلك} اشارة الى النبأ كأنه قال النبأ من انباء القرى، وقد تقدم ذكره. ثم وقعت الاشارة اليه، والانباء جمع نبأ كالاخبار جمع خبر الا انه لا يقال نبأ الا في خبر عظيم، يقال لهذا الأمر نبأ اي خبر عظيم. قوله {نقصه عليه} فالقصص الخبر عن الامور التي يتلو بعضها بعضاً، يقال قص قصصاً وهو يقص اثره اي يتبع اثره، واقتص منه اي يتبعه بجنايته. وقوله {منها قائم وحصيد} فالقائم المعمور، والحصيد الخراب من تلك الديار، لان الاهلاك قد اتى عليها ولم تعمر فيما بعد. وقيل {منها قائم} على بنائه وان كان خالياً من اهله، والحصد قطع الزرع من الاصل، فالحصيد منهم كالزرع المحصود، وحصدهم بالسيف اذا قتلهم.

الجنابذي

تفسير : {ذَلِكَ} المذكور من انباء قرى نوح (ع) وهود (ع) وصالح (ع) ولوط (ع) وشعيب (ع) وموسى (ع) شيءٌ يسير {مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ} وللاشارة الى قلّتها اتى باسم الاشارة مفرداً مذكّراً {نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ} من اسم بمعنى البعض مضاف الى الضّمير مبتدأ وقائم خبره او منها لقوّة معنى البعض فى من قائم مقام موصوفه الّذى هو المبتدأ ومنها خبر مقدّم قائم مبتدأ مؤخّر والجملة حال، او مستأنفة، او منها حال معتمد على ذى الحال عامل عمل الوصف ومبتدأ وصفىّ وقائم مرفوعه ومغنى عن الخبر {وَحَصِيدٌ} والمراد بقيامها قيام اهلها وعدم ابادتهم او قيام آثار القرى المهلكة وعدم انمحائها وهكذا الحصيد والحصاد فى القطع بالحديد لكن يقال للّذى استوصل بحيث لم يبق منه اثر حصيد ومحصود، ونسب الى الصّادق (ع) انّه قرئ فمنها قائماً وحصيداً بلفظ الفاء قبل منها ونصب قائماً وحصيداً فيكونان حينئذٍ خبرين لكان محذوفاً او مفعولين لنقصّ محذوفاً والتّقدير فمنها كان قائماً وحصيداً او فمنها نقصّ قائماً وحصيداً.

الهواري

تفسير : قوله: {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ القُرَى} أي: من أخبار القرى، أي: الأمم السالفة. { نَقُصُّهُ عَلَيْكَ} يا محمد؛ يعني ما قص من أخبارهم إلى هذا الموضع { مِنْهَا قَائِمٌ} أي: تراه، وقد هلك أهله { وَ} منها { حَصِيدٌ} لا تراه. وقال بعضهم: منها قائم ترى مكانه، وحصيد لا ترى له أثراً. قوله: { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} وهو كقوله: (أية : وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) تفسير : [الزخرف:76]أي: لأنفسهم، وكقوله: (أية : إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) تفسير : [يونس:44]. قوله: { فَمَا أغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ}. يعني الأوثان التي كانوا يعبدونها. { لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} يعني العذاب. { وَمَا زَادُوهُمْ} أي تلك الأوثان في عبادتهم { غَيْرَ تَتْبِيبٍ} أي: غير تخسير. وقال الحسن: غير تدمير. قوله: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ} أي: هكذا أخذ ربك { إِذَا أَخَذَ القُرَى} يعني أهلها، أي: الكفار. {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} أي: وهي مشركة، يعني أهلها { إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}. قوله: { إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي: فيما قصصت من أخبار الأمم السالفة، ومن إهلاكي القرى الظالمة {لأَيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الأَخِرَةِ}. قوله: { ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ} أي: يوم القيامة يجتمع فيه الخلق. {وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} أي: يشهده أهل السماوات وأهل الأرض. قال: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ} أي: ذلك اليوم، يوم القيامة { إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} أي: عند الله. قوله: {يَوْمَ يَأْتِ} أي: يوم القيامة { لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} وهو كقوله: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ} أي: روح كل جسد (أية : وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً) تفسير : [النبأ:38]أي: في الدنيا. وقوله: {صَوَاباً} أي: لا إله إلا الله. ذكروا عن حذيفة بن اليمان أنه قال: يجمع الله الخلائق يوم القيامة في صعيد واحد حفاة عراة، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، قال: فأول ما يدعى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: لبّيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك. المهديّ من هديت، عبدك بين يديك، وبك وإليك، لا منجى ولا ملجأ إلا إليك. تباركت ربنا وتعاليت، وعلىعرشك استويت، سبحانك رب البيت، ثم يقال له: اشفع؛ فذلك المقام المحمود الذي وعده الله. قوله: { فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطنه أمه. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: حدثنا الصادق المصدّق قال: حديث : إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون أربعين يوماً علقة، ثم يكون أربعين يوماً مضغة، ثم يبعث الملك فيؤمر أن يكتب رزقه وعمله وأجله وأثره وشقي أو سعيد. والذي لا إله غيره إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار حتى يدخلها. وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة حتى يدخلها .

اطفيش

تفسير : {ذَلكَ} النبأ المذكور عن تلك القرى وأهلها {مِنْ أنْباءِ} أخبار {القُرَى} أى بعض من كثير، فإن الأمم المهلكة كثيرة {نَقصُّه عَليْكَ} يا محمد {مِنْها} أى من القرى المهلك أهلها {قائمٌ} أى بلد أو نوع قائم كالنبات غير المحصود، أهلكنا أهله وبقى هو {وحَصيدٌ} أى بلد أو نوع مهدوم موضوع على الأرض، باقى الأثر مرئ كالنبات المحصود بالمنجل المتروك فى موضعه، وقد أهلك أهله معه، أو مهدوم مندرس غير باق فى موضعه، كالنبات المحصود المرفوع عن موضعه، فلا يرى ولا أثره، لجريان الأزمن عليه، والمراد بقائم وحصيد الخفس، وذلك تهديد لكفار مكة وغيرها، والجملة مستأنفة لا حال من هاء نقصه إذ لم تربط بالضمير ولا بالواو.

اطفيش

تفسير : {ذَلِك} المذكور من خبر شأْن فرعون وقومه وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح وغيرهم، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، {مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى} أَخبارها أَى من أَخبار القرى المهلكة، وهذا خبر المبتدإِ أَو حال من ذا أَو من الهاءِ بعده وقوله {نَقُصُّهُ عَلَيْكَ} خبر ثان أَو خبر أَو المعنى نذكره لك تسلية لأَن الله قادر على إِهلاك قومك كما أَهلك تلك القرى ليكون ذلك إِنذاراً لقومك وعظة بما وقع بمن قبلهم لكفرهم كما كفروا والمقصود بالقرى أَنفسها أَو أَهلها الحالون بها تسمية للحال باسم المحل {مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} أَى منزل قائِم أَو أَثر قائِم بعد إِهلاك أَهله، ومنزل أَو أَثر حصيد مهلك غير باق كالزرع المحصود فهو متهدم مشاهد، أَو ذاهب كزرع حصده أَهله وذهبوا به، فما بقى من أَثرها وجدرانها كالزرع القائِم، وما عفا وتهدم وبقى كالزرع المحصود الباقى، وعبارة بعض القائِم ما بقى جدرانه وسقط سقفه الحصيد ما محى أَثره، وقيل القائِم العامر والحصيد ما محى أَثره، وقيل القائِم العامر والحصيد الخراب، وقيل المعنى منها باق نسله ومنها منقطع نسله، وذلك على كل حال تشبيه بالزرع القائِم والحصيد، وحملنا قائِم على التشبيه بالزرع القائِم لدلالة قوله وحصيد، وكأَنه قيل: ما شأْنها فقال: منها قائِم وحصيد، فالجملة استئناف بيانى لا حال من هل نقصه لعدم الربط بالواو ولا بالضمير، ولا يقال الضمير فى منها عائِد إِلى اسم الإِشارة المراد به النبأُ وأُنث باعتبار معنى القصة، أَو إِرادة الجنس كأَنه قيل: تلك الأَنباءُ، فتكون الجملة حالا والرابط ها لأَنا نقول الأَنباءُ لا توصف بالقائٍم والحصيد، ولا يلزم تقدير ومنها حصيد لصحة المعنى بدونه.

الالوسي

تفسير : {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما قص من أنباء الأمم وبعده باعتبار تقضيه أو باعتبار ما قيل في غير موضع، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مبتدأ خبره {مِنْ أَنْبَآء ٱلْقُرَىٰ} المهلكة بما جنته أيدي أهلها فأل فيها للعهد السابق تقديراً بذكر أربابها {نَقُصُّهُ عَلَيْكَ} خبر بعد خبر أي ذلك النبأ بعض أنباء القرى مقصوص عليك؛ وجوز أن يكون من {أَنْبَآء} في موضع الحال وهذا هو الخبر، وجوز أيضاً عكس ذلك {مِنْهَا} أي من تلك القرى {قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} أي ومنها حصيد، فالعطف من عطف الجملة على الجملة وهو الذي يقتضيه المعنى كما لا يخفى، وقد شبه ما بقي منها بالزرع القائم على ساقه وما عفا وبطل بالحصيد، فالمعنى منها باق ومنها عاف، وهو المروي عن قتادة، ونحوه ما روي عن الضحاك {قَائِمٌ} لم يخسف {وَحَصِيدٌ} قد خسف، قيل: {وَحَصِيدٌ} الزرع جاء في كلامهم بمعنى الفناء كما في قوله: شعر : والناس في قسم المنية بينهم (كالزرع منه قائم وحصيد) تفسير : / وصيغة فعيل بمعنى مفعول أي محصول كما قال الأخفش، وجمعه حصدي وحصاد مثل مرضى ومراض. وجملة {مِنْهَا قَآئِمٌ} الخ مستأنفة استئنافاً نحوياً للتحريض على النظر في ذلك والاعتبار به، أو بيانياً كأنه سئل لما ذكرت ما حالها؟ فأجيب بذلك، وقال أبو البقاء: هي في موضع الحال من الهاء في {نَقُصُّهُ}، وجوز الطيبـي كونها حالاً من {ٱلْقُرَىٰ}، وادعى صاحب «الكشف» أن جعلها حالاً من ضمير {نَقُصُّهُ} فاسد لفظاً ومعنى، ومن {ٱلْقُرَىٰ} كذلك، وفي «الحواشي الشهابية» أراد بالفساد اللفظي في الأول خلو الجملة من الواو والضمير وفي الثاني مجيء الحال من المضاف إليه في غير الصور المعهودة، وبالفساد المعنوي أنه يقتضي أنه ليس من المقصوص بل هو حال خارجة عنها وليس بمراد، ولا يسوغ جعل ما بعده ابتداء المقصوص، وفيه فساد لفظي أيضاً. وزعم بعض أنه أراد بالفساد الأول في الأول ما ذكر وفي الثاني وقوع الجملة الاسمية حالاً بالضمير وحده وبالضمير تخصيص كونها مقصوصة بتلك الحالة فإن المقصوصية ثابتة لها وللنبأ وقت قيام بعضها أيضاً، وقد أصاب بعضاً وأخطأ بعضاً، ووجه الجلبـي الخلو عن الواو والضمير بأن المقصود من الضمير الربط وهو حاصل لارتباط ذلك بمتعلق ذي الحال وهي القرى، فالمعنى نقص عليك بعض أنباء القرى وهي على هذه الحالة تشاهدون فعل الله تعالى بها. وتعقب بأن الاكتفاء في الربط بما ذكر مع خفائه مذهب تفرد به الأخفش ولم يذكره في الحال وإنما ذكره في خبر المبتدأ، وقول أبـي حيان: إن الحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين مع ما سمعت نفعاً والحق أنه لا وجه لما ذكره أبو البقاء يعول عليه إلا الذهول.

سيد قطب

تفسير : هذه خاتمة السورة. تشتمل على تعليقات وتعقيبات متنوعة، مبنية على ما سبق في سياق السورة. من المقدمة ومن القصص. وهذه التعليقات والتعقيبات شديدة الاتصال بما سبق من سياق السورة، متكاملة معه في أداء أهدافها كذلك. والتعقيب الأول في هذا الدرس تعقيب مباشر على القصص: {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد. وما ظلمناهم ولـكن ظلموا أنفسهم، فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء ـ لما جاء أمر ربك - وما زادوهم غير تتبيب. وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة. إن أخذه أليم شديد}.. والتعقيب الثاني يتخذ مما نزل بالقرى من عذاب موحياً بالخوف من عذاب الآخرة الذي يعرض في مشهد شاخص من مشاهد يوم القيامة:{إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة. ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود. وما نؤخره إلا لأجل معدود. يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد. فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق. خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ـ إلا ما شاء ربك - إن ربك فعال لما يريد. وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض - إلا ما شاء ربك - عطاء غير مجذوذ}.. يليه تعقيب آخر مستمد من عاقبة القرى ومن مشهد القيامة لتقرير أن المشركين الذين يواجههم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ شأنهم شأن من قبلهم في الحالين. وإذا كان عذاب الاستئصال لا يقع عليهم في الأرض، فذلك لكلمة سبقت من ربك إلى أجل كما أجل العذاب لقوم موسى مع اختلافهم فيما جاءهم من كتاب. ولكن هؤلاء وهؤلاء سيوفون أعمالهم على وجه التأكيد. فاستقم أيها الرسول على طريقتك انت ومن تاب معك، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا وأشركوا، وأقم الصلاة واصبر، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين: {فلا تك في مرية مما يعبد هـؤلاء. ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل، وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص. ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه، ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب وإن كـلاًّ لمّا ليوفينهم ربك أعمالهم، إنه بما يعملون خبير. فاستقم كمآ أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا، إنه بما تعملون بصير. ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون. وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل، إن الحسنات يذهبن السـيئات، ذلك ذكرى للذاكرين. واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين}.. ثم عودة إلى القرون الخالية التي لم يكن فيها إلا قليل من الذين ينهون عن الفساد في الأرض. أما الكثرة فكانت ماضية فيما هي فيه، فاستحقت الهلاك. وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض! إلا قليلاً ممن أنجينا منهم، واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين، وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}.. وكشف عن سنة الله في كون الناس مختلفين في مناهجهم واتجاهاتهم. ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة. ولكن إرادته اقتضت إعطاء البشر قدراً من الاختيار: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك. ولذلك خلقهم، وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}. وفي النهاية يسجل السياق غرضاً من أغراض هذا القصص هو تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤمر الرسول أن يلقي للمشركين كلمته الأخيرة، ويكلهم إلى ما ينتظرهم من غيب الله. وأن يعبد الله ويتوكل عليه، ويدع له أخذ الناس بما يعملون: {وكـلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك، وجاءك في هـذه الحق، وموعظة وذكرى للمؤمنين. وقل للذين لا يؤمنون: اعملوا على مكانتكم إنا عاملون. وانتظروا إنا منتظرون. ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله، فاعبده وتوكل عليه، وما ربك بغافل عما تعملون}.. { ذلك من أنباء القرى نقصه عليك. منها قائم وحصيد. وما ظلمناهم ولـكن ظلموا أنفسهم؛ فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك، وما زادوهم غير تتبيب. وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد}.. ومصارع القوم معروضة، ومشاهدهم تزحم النفس والخيال؛ منهم الغارقون في لجة الطوفان الغامر، ومنهم المأخوذون بالعاصفة المدمرة، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفت به وبداره الأرض، ومنهم من يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار. وما حل بهم من قبل في الدنيا يخايل للأنظار.. في هذا الموضع وقد بلغ السياق من القلوب والمشاعر أعماقها بتلك المصارع والمشاهد.. هنا يأتي هذا التعقيب: {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد}.. {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك}.. فما كان لك به من علم، إنما هو الوحي ينبئك بهذا الغيب المطمور. وذلك بعض أغراض القصص في القرآن. {منها قائم}.. لا تزال آثاره تشهد بما بلغ أهله من القوة والعمران، كبقايا عاد في الأحقاف وبقايا ثمود في الحجر. ومنها {حصيد} كالزرع المحصود. اجتث من فوق الأرض وتعرى وجهها منه، كما حل بقوم نوح أو قوم لوط. وما الأقوام؟ وما العمران؟.. إن هي إلا حقول من الأناسي كحقول النبات. غرس منها يزكو وغرس منها خبيث! غرس منها ينمو وغرس منها يموت! {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم}.. فهم قد عطلوا مداركهم، وتولوا عن الهدى، وكذبوا بالآيات، واستهزأوا بالوعيد، فصاروا إلى ما صاروا إليه ظالمين لأنفسهم لا مظلومين. {فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك، وما زادوهم غير تتبيب}.. وهذا غرض آخر من أغراض هذا القصص. فقد افتتحت السورة بإنذار الذين يدينون لغير الله سبحانه؛ وتكرر الإنذار مع كل رسول؛ وقيل لهم: إن هذه الأرباب المفتراة لا تعصم من الله.. فها هي ذي العاقبة تصدق النذر. فلا تغني عنهم آلهتهم شيئاً، ولا تدفع عنهم العذاب لما جاء أمر ربك، بل ما زادهم هؤلاء الآلهة إلا خسارة ودماراً. (ولفظ تتبيب أقوى ببنائه اللفظي وجرسه المشدد) ذلك أنهم اعتمدوا عليهم، فزادهم استهتاراً وتكذيباً. فزادهم الله نكالاً وتدميراً. فهذا معنى {ما زادوهم} فهم لا يملكون لهم ضراً كما أنهم لا يملكون لهم نفعاً. ولكن بسببهم كانت الخسارة المضاعفة والتدمير المضاعف والنكال الشديد.. {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة}... كذلك الذي قصصناه عليك، وبمثل هذا الدمار والنكال يأخذ ربك القرى حين يأخذها وهي ظالمة.. ظالمة: مشركة حين تدين لغير الله بالربوبية، وظالمة لنفسها بالشرك والفساد في الأرض والإعراض عن دعوة التوحيد والصلاح. وقد ساد فيها الظلم وسيطر الظالمون. {إن أخذه أليم شديد}.. بعد الإمهال والمتاع والابتلاء، وبعد الإعذار بالرسل والبينات، وبعد أن يسود الظلم في الأمة ويسيطر الظالمون. ويتبين أن دعاة المصلحين قلة منعزلة لا تأثير لها في حياة الجماعة الظالمة السادرة في الظلال.. ثم.. بعد أن تفاصل العصبة المؤمنة قومها السادرين في الظلال؛ وتعتبر نفسها أمة وحدها لها دينها ولها ربها ولها قيادتها المؤمنة ولها ولاؤها الخاص فيما بينها. وتعلن الأمة المشركة من قومها بهذا كله، وتدعها تلاقي مصيرها الذي يقدره الله لها. وفق سنته التي لا تتخلف على مدار الزمان. ذلك الأخذ الأليم الشديد في الدنيا علامة على عذاب الآخرة، يراها من يخافون عذاب الآخرة، أي الذين تفتحت بصائرهم ليدركوا أن الذي يأخذ القرى بظلمها في هذه الحياة سيأخذها بذنوبها في الآخرة، فيخافوا هذا العذاب.. وهنا يعبر السياق بالقلب البشري من مشاهد الأرض إلى مشاهد القيامة على طريقة القرآن في وصل الرحلتين بلا فاصل في السياق: {إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة. ذلك يوم مجموع له الناس، وذلك يوم مشهود. وما نؤخره إلا لأجل معدود. يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه، فمنهم شقي وسعيد. فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق. خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ـ إلا ما شاء ربك ـ إن ربك فعال لما يريد. وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ـ إلا ما شاء ربك ـ عطاء غير مجذوذ}.. {أن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة}.. ففي ذلك الأخذ الأليم الشديد مشابه من عذاب الآخرة، تذكر بهذا اليوم وتخيف.. وإن كان لا يراها إلا الذين يخافون الآخرة فتتفتح بصائرهم بهذه التقوى التي تجلو البصائر والقلوب.. والذين لا يخافون الآخرة تظل قلوبهم صماء لا تتفتح للآيات، ولا تحس بحكمة الخلق والإعادة، ولا ترى إلا واقعها القريب في هذه الدنيا، وحتى العبر التي تمر في هذه الحياة لا تثير فيها عظة ولا فهماً. ثم يأخذ في وصف ذلك اليوم.. {ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود}.. وهنا يرتسم مشهد التجميع يشمل الخلق جميعاً، على غير إرادة منهم، إنما هو سوق الجميع سوقاً إلى ذلك المعرض المشهود، والكل يحضر والكل ينتظر ما سوف يكون.. {يوم يأت لا تَكلم نفس إلا بإذنه}.. فالصمت الهائل يغشى الجميع، والرهبة الشاملة تخيم على المشهد ومن فيه. والكلام بإذن لا يجرؤ أحد على طلبه، ولكن يؤذن لمن شاء الله فيخرج من صمته بإذنه.. ثم تبدأ عملية الفرز والتوزيع: {فمنهم شقي وسعيد}.. ومن خلال التعبير نشهد: {الذين شقوا} نشهدهم في النار مكروبي الأنفاس {لهم فيها زفير وشهيق} من الحر والكتمة والضيق. ونشهد {الذين سعدوا} نشهدهم في الجنة لهم فيها عطاء دائم غير مقطوع ولا ممنوع. هؤلاء وأولئك خالدون حيث هم {ما دامت السماوات والأرض}. وهو تعبير يلقي في الذهن صفة الدوام والاستمرار. وللتعبيرات ظلال. وظل هذا التعبير هنا هو المقصود. وقد علق السياق هذا الاستمرار بمشيئة الله في كلتا الحالتين. وكل قرار وكل سنة معلقة بمشيئة الله في النهاية. فمشيئة الله هي التي اقتضت السنة وليست مقيدة بها ولا محصورة فيها. إنما هي طليقة تبدل هذه السنة حين يشاء الله: {إن ربك فعال لما يريد}.. وزاد السياق في حالة الذين سعدوا ما يطمئنهم إلى أن مشيئة الله اقتضت أن يكون عطاؤه لهم غير مقطوع، حتى على فرض تبديل إقامتهم في الجنة. وهو مطلق فرض يذكر لتقرير حرية المشيئة بعدما يوهم التقييد. بعد هذا الاستطراد إلى المصير في الآخرة، بمناسبة عرض مصائر الأقوام في الدنيا، والمشابه بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وتصوير ما ينتظر المكذبين هنا أو هناك، أو هنا ثم هناك.. يعود السياق بما يستفاد من القصص ومن المشاهد إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقلة المؤمنة معه في مكة ـ تسرية وتثبيتاً؛ وإلى المكذبين من قومه بياناً وتحذيراً. فليس هناك شك في أن القوم يعبدون ما كان آباؤهم يعبدون - شأنهم شأن أصحاب ذلك القصص وأصحاب تلك المصائر ـ ونصيبهم الذي يستحقونه سيوفونه. فإن كان قد أخر عنهم فقد أخر عذاب الاستئصال عن قوم موسى ـ بعد اختلافهم في دينهم ـ لأمر قد شاءه الله في إنظارهم. ولكن قوم موسى وقوم محمد على السواء سيوفون ما يستحقون، بعد الأجل، وفي الموعد المحدود. ولم يؤخر عنهم العذاب لأنهم على الحق. فهم على الباطل الذي كان عليه آباؤهم بكل تأكيد: {فلا تك في مرية مما يعبد هـؤلاء. ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل. وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص. ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم. وإنهم لفي شك منه مريب. وإن كـلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم.. إنه بما يعملون خبير}.. لا يتسرب إلى نفسك شك في فساد عبادة هؤلاء. والخطاب للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتحذير لقومه. وهذا الأسلوب أفعل في النفس أحياناً، لأنه يوحي بأنها قضية موضوعية يبينها الله لرسوله، وليست جدالاً مع أحد، ولا خطاباً للمتلبسين بها، إهمالاً لهم وقلة انشغال بهم! وعندئذٍ يكون لتلك الحقيقة الخالصة المجردة أثرها في اهتمامهم أكثر مما لو خوطبوا بها خطاباً مباشراً.. {فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء. ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل}.. ومصيرهم إذن كمصيرهم.. العذاب.. ولكنه يلفه كذلك في التعبير تمشياً مع الأسلوب: {وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص}.. ومعروف نصيبهم هذا من نصيب القوم قبلهم. وقد رأينا منه نماذج ومشاهد! وقد لا يصيبهم عذاب الاستئصال ـ في الدنيا ـ كما لم يصب قوم موسى: {ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه}.. وتفرقت كلمتهم واعتقاداتهم وعباداتهم، ولكن كلمة سبقت من الله أن يكون حسابهم الكامل يوم القيامة: {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم}.. ولحكمة ما سبقت هذه الكلمة، ولم يحل عذاب الاستئصال بهم، لأن لهم كتاباً، والذين لهم كتاب من اتباع الرسل كلهم مؤجلون إلى يوم القيامة، لأن الكتاب دليل هداية باق، تستطيع الأجيال أن تتدبره كالجيل الذي أنزل فيه. والأمر ليس كذلك في الخوارق المادية التي لا يشهدها إلا جيل، فإما أن يؤمن بها وإما أن لا يؤمن فيأخذه العذاب.. والتوراة والإنجيل كتابان متكاملان يظلان معروضين للأجيال حتى يجيء الكتاب الأخير، مصدقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل فيصبح هو الكتاب الأخير للناس جميعاً يدعى إليه الناس جميعاً، ويحاسب على أساسه الناس جميعاً، بما فيهم أهل التوراة وأهل الإنجيل. {وإنهم}.. أي قوم موسى.. {لفي شك منه مريب}.. من كتاب موسى، لأنه لم يكتب إلا بعد أجيال، وتفرقت فيه الروايات واضطربت، فلا يقين فيه لمتبعيه. وإذا كان العذاب قد أجل.. فإن الكل سيوفون أعمالهم خيرها وشرها. سيوفيهم بها العليم الخبير بها ولن تضيع: {وإن كـلاً لما ليوفينهم ربك أعمالهم. إنه بما يعملون خبير} وفي التعبير توكيدات منوعة حتى لا يشك أحد في الجزاء والوفاء من جراء الإنظار والتأجيل. وحتى لا يشك أحد في أن ما عليه القوم هو الباطل الذي لا شك في بطلانه، وأنه الشرك الذي زاوله من قبل كل المشركين.. ولقد كان لهذه التوكيدات ما يقتضيها من واقع الحركة في تلك الفترة. فقد وقف المشركون وقفتهم العنيدة منها ومن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقلة المؤمنة معه، وتجمدت الدعوة على وجه التقريب. بينما عذاب الله الموعود مؤجل لم يقع بعد. والأذى ينزل بالعصبة المؤمنة ويمضي أعداؤها ناجين!... إنها فترة تهتز فيها بعض القلوب. وحتى القلوب الثابتة تنالها الوحشة، وتحتاج إلى مثل هذه التسرية وإلى مثل هذا التثبيت. وتثبيت القلوب المؤمنة لا يكون بشيء كما يكون بتوكيد أن أعداءها هم أعداء الله، وأنهم على الباطل الذي لا شك فيه! كذلك لا يكون تثبيت القلوب المؤمنة بشيء كما يكون بجلاء حكمة الله في إمهال الظالمين، وإرجاء الطغاة إلى يوم معلوم، ينالون فيه جزاءهم ولا يفلتون! وهكذا نلمح مقتضيات الحركة بهذه العقيدة في النصوص القرآنية، ونرى كيف يخوض القرآن المعركة بالجماعة المسلمة، وكيف يكشف لها معالم الطريق! ذلك البيان مع هذا التوكيد يلقي في النفس أن سنة الله ماضية على استقامتها في خلقه وفي دينه وفي وعده وفي وعيده. وإذن فليستقم المؤمنون بدين الله والداعون له على طريقتهم ـ كما أمروا ـ لا يغلون في الدين ولا يزيدون فيه، ولا يركنون إلى الظالمين مهما تكن قوتهم، ولا يدينون لغير الله مهما طال عليهم الطريق. ثم يتزودون بزاد الطريق، ويصبرون حتى تتحقق سنة الله عندما يريد. {فاستقم كما أمرت ـ ومن تاب معك ـ ولا تطغوا. إنه بما تعملون بصير. ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار، وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون. وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل، إن الحسنات يذهبن السـيئات، ذلك ذكرى للذاكرين، واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين}.. هذا الأمر للرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ ومن تاب معه: {فاستقم كما أمرت}.. أحس ـ عليه الصلاة والسلام ـ برهبته وقوته حتى روي عنه أنه قال مشيراً إليه: "حديث : شيبتني هود..."تفسير : فالاستقامة: الاعتدال والمضي على النهج دون انحراف. وهو في حاجة إلى اليقظة الدائمة، والتدبر الدائم، والتحري الدائم لحدود الطريق، وضبط الطريق، وضبط الانفعالات البشرية التي تميل الاتجاه قليلاً أو كثيراً.. ومن ثم فهي شغل دائم في كل حركة من حركات الحياة. وإنه لمما يستحق الانتباه هنا أن النهي الذي أعقب الأمر بالاستقامة، لم يكن نهياً عن القصور والتقصير، إنما كان نهياً عن الطغيان والمجاوزة.. وذلك أن الأمر بالاستقامة وما يتبعه في الضمير من يقظة وتحرج قد ينتهي إلى الغلو والمبالغة التي تحول هذا الدين من يسر إلى عسر. والله يريد دينه كما أنزله، ويريد الاستقامة على ما أمر دون إفراط ولا غلو، فالإفراط والغلو يخرجان هذا الدين عن طبيعته كالتفريط والتقصير. وهي التفاتة ذات قيمة كبيرة، لإمساك النفوس على الصراط، بلا انحراف إلى الغلو أو الإهمال على السواء.. {إنه بما تعملون بصير}.. والبصر ـ من البصيرة ـ مناسب في هذا الموضع، الذي تتحكم فيه البصيرة وحسن الإدراك والتقدير.. فاستقم ـ أيها الرسول ـ كما أمرت. ومن تاب معك... {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} لا تستندوا ولا تطمئنوا إلى الذين ظلموا. إلى الجبارين الطغاة الظالمين، أصحاب القوة في الأرض، الذين يقهرون العباد بقوتهم ويعبّدونهم لغير الله من العبيد.. لا تركنوا إليهم فإن ركونكم إليهم يعني إقرارهم على هذا المنكر الأكبر الذي يزاولونه، ومشاركتهم إثم ذلك المنكر الكبير. {فتمسكم النار}.. جزاء هذا الانحراف. {وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون}.. والاستقامة على الطريق في مثل هذه الفترة أمر شاق عسير يحتاج إلى زاد يعين.. والله ـ سبحانه ـ يرشد رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن معه من القلة المؤمنة إلى زاد الطريق: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل}.. ولقد علم الله أن هذا هو الزاد الذي يبقى حين يفنى كل زاد، والذي يقيم البنية الروحية، ويمسك القلوب على الحق الشاق التكاليف. ذلك أنه يصل هذه القلوب بربها الرحيم الودود، القريب المجيب، وينسم عليها نسمة الأنس في وحشتها وعزلتها في تلك الجاهلية النكدة الكنود! والآية هنا تذكر طرفي النهار ـ وهما أوله وآخرة، وزلفاً من الليل أي قريباً من الليل. وهذه تشمل أوقات الصلاة المفروضة دون تحديد عددها. والعدد محدد بالسنة ومواقيته كذلك. والنص يعقب على الأمر بإقامة الصلاة ـ أي أدائها كاملة مستوفاه ـ بأن الحسنات يذهبن السيئات. وهو نص عام يشمل كل حسنة، والصلاة من أعظم الحسنات، فهي داخلة فيه بالأولوية. لا أن الصلاة هي الحسنة التي تذهب السيئة بهذا التحديد ـ كما ذهب بعض المفسرين ـ {ذلك ذكرى للذاكرين}.. فالصلاة ذكر في أساسها ومن ثم ناسبها هذا التعقيب.. والاستقامة في حاجة إلى الصبر. كما أن انتظار الأجل لتحقيق سنة الله في المكذبين يحتاج إلى الصبر.. ومن ثم كان التعقيب على الأمر بالاستقامة وعلى ما سبقه في السياق هو: {واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين}.. والاستقامة إحسان. وإقامة الصلاة في أوقاتها إحسان. والصبر على كيد التكذيب إحسان... والله لا يضيع أجر المحسنين... ثم يعود السياق إلى تكملة التعليق والتعقيب على مصارع القرى والقرون. فيشير من طرف خفي إلى أنه لو كان في هذه القرون أولو بقية يستبقون لأنفسهم الخير عند الله، فينهون عن الفساد في الأرض، ويصدون الظالمين عن الظلم، ما أخذ تلك القرى بعذاب الاستئصال الذي حل بهم، فإن الله لا يأخذ القرى بالظلم إذا كان أهلها مصلحين، أي إذا كان للمصلحين من أهلها قدرة يصدون بها الظلم والفساد، إنما كان في هذه القرى قلة من المؤمنين لا نفوذ لهم ولا قوة، فأنجاهم الله. وكان فيها كثرة من المترفين وأتباعهم والخانعين لهم، فأهلك القرى بأهلها الظالمين: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض! إلا قليلاً ممن أنجينا منهم، واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين. وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}.. وهذه الإشارة تكشف عن سنة من سنن الله في الأمم. فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير الله، في صورة من صوره، فيجد من ينهض لدفعه هي أمم ناجية، لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير. فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون، ويفسد فيها المفسدون، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكر، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد، فإن سنة الله تحق عليها، إما بهلاك الاستئصال. وإما بهلاك الانحلال.. والاختلال! فأصحاب الدعوة إلى ربوبية الله وحده، وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها بالدينونة لغيره، هم صمام الأمان للأمم والشعوب.. وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين لإقرار ربوبية الله وحده، الواقفين للظلم والفساد بكل صوره.. إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب، إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب الله، واستحقاق النكال والضياع.. والتعقيب الأخير عن اختلاف البشر إلى الهدى وإلى الضلال، وسنة الله المستقيمة في اتجاهات خلقه إلى هذا أو ذاك: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة. ولا يزالون مختلفين. ـ إلا من رحم ربك ـ ولذلك خلقهم. وتمت كلمة ربك: لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}.. لو شاء الله لخلق الناس كلهم على نسق واحد، وباستعداد واحد.. نسخاً مكرورة لا تفاوت بينها ولا تنويع فيها. وهذه ليست طبيعة هذه الحياة المقدرة على هذه الأرض. وليست طبيعة هذا المخلوق البشري الذي استخلفه الله في الأرض. ولقد شاء الله أن تتنوع استعدادات هذا المخلوق واتجاهاته. وأن يوهب القدرة على حرية الاتجاه. وأن يختار هو طريقه، ويحمل تبعة الاختيار. ويجازى على اختياره للهدى أو للضلال.. هكذا اقتضت سنة الله وجرت مشيئته. فالذي يختار الهدى كالذي يختار الضلال سواء في أنه تصرف حسب سنة الله في خلقه، ووفق مشيئته في أن يكون لهذا المخلوق أن يختار، وأن يلقى جزاء منهجه الذي اختار. شاء الله ألا يكون الناس أمة واحدة. فكان من مقتضى هذا أن يكونوا مختلفين. وأن يبلغ هذا الاختلاف أن يكون في أصول العقيدة ـ إلا الذين أدركتهم رحمة الله ـ الذين اهتدوا إلى الحق ـ والحق لا يتعدد ـ فاتفقوا عليه. وهذا لا ينفي أنهم مختلفون مع أهل الضلال. ومن المقابل الذي ذكره النص: {وتمت كلمة ربك: لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}.. يفهم أن الذين التقوا على الحق وأدركتهم رحمة الله لهم مصير آخر هو الجنة تمتلئ بهم كما تمتلئ جهنم بالضالين المختلفين مع أهل الحق، والمختلفين فيما بينهم على صنوف الباطل ومناهجه الكثيرة! والخاتمة الأخيرة. خطاب للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن حكمة سوق القصص إليه في خاصة نفسه للمؤمنين. فأما الذين لا يؤمنون فليلق إليهم كلمته الأخيرة، وليفاصلهم مفاصلة حاسمة، وليخل بينهم وبين ما ينتظرهم في غيب الله. ثم ليعبد الله ويتوكل عليه، ويدع القوم لما يعملون.. {وكـلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك، وجاءك في هـذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين. وقل للذين لا يؤمنون: اعملوا على مكانتكم إنا عاملون، وانتظروا إنا منتظرون. ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله، فاعبده وتوكل عليه، وما ربك بغافل عما تعملون}.. ويا لله للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقد كان يجد من قومه، ومن انحرافات النفوس، ومن أعباء الدعوة، ما يحتاج معه إلى التسلية والتسرية والتثبيت من ربه ـ وهو الصابر الثابت المطمئن إلى ربه ـ: {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك}.. {وجاءك في هذه الحق}.. أي في هذه السورة.. الحق من أمر الدعوة، ومن قصص الرسل، ومن سنن الله، ومن تصديق البشرى والوعيد. {وموعظة وذكرى للمؤمنين}.. تعظهم بما سلف في القرون، وتذكرهم بسنن الله وأوامره ونواهيه. فأما الذين لا يؤمنون بعد ذلك فلا موعظة لهم ولا ذكرى. وإنما الكلمة الفاصلة، والمفاصلة الحاسمة: {وقل للذين لا يؤمنون: اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون}.. كما قال أخ لك ممن سبق قصصهم في هذه السورة لقومه ثم تركهم لمصيرهم يلاقونه.. وما ينتظرونه غيب من غيب الله: {ولله غيب السماوات والأرض}.. والأمر إليه. أمرك وأمر المؤمنين، وأمر الذين لا يؤمنون، وأمر هذا الخلق كله ما كان في غيبه وما سيكون. {فاعبده}.. فهو الجدير وحده بالعبادة والدينونة. {وتوكل عليه}.. فهو الولي وحده والنصير. وهو العليم بما تعملون من خير وشر. ولن يضيع جزاء أحد: {وما ربك بغافل عما تعملون}.. وهكذا تختم السورة التي بدئت بالتوحيد في العبادة، والتوبة والإنابة والرجعة إلى الله في النهاية. بمثل ما بدئت به من عبادة الله وحده والتوجه إليه وحده. والرجعة إليه في نهاية المطاف. وذلك بعد طول التطواف في آفاق الكون وأغوار النفس وأطوار القرون.. وهكذا يلتقي جمال التنسيق الفني في البدء والختام، والتناسق بين القصص والسياق، بكمال النظرة والفكرة والاتجاه في هذا القرآن. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.. وبعد. فإن المتتبع لسياق هذه السورة كلها ـ بل المتتبع للقرآن المكي كله ـ يجد أن هناك خطاً أصيلاً ثابتاً عريضاً عميقاً، هو الذي ترتكز عليه؛ وهو المحور الذي تدور حوله؛ وإليه ترجع سائر خطوطها، وإليه تشد جيمع خيوطها كذلك.. إنه خط العقيدة الذي يرتكز إليه هذا الدين كله.. وإنه محور العقيدة الذي يدور عليه هذا المنهج الرباني لحياة البشرية جملة وتفصيلاً.. وسنحتاج ـ في التعقيب الإجمالي على هذه السورة ـ أن نقف وقفات إجمالية كذلك على ذلك الخط وعلى هذا المحور ـ كما يتجلى في سياق السورة ـ وبعضها مما يكون قد سبق لنا الوقوف عنده شيئاً ما. ولكننا في هذا التعقيب الإجمالي سنحتاج إلى الإلمام به، ربطاً لأجزاء هذا التعقيب الأخير: إن الحقيقة الأولى البارزة في سياق السورة كله.. سواء في مقدمتها التي تعرض مضمون الكتاب الذي أرسل به محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو في القصص الذي يعرض خط الحركة بالعقيدة الإسلامية على مدى التاريخ البشري. أو في التعقيب الختامي الذي يوجه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى مواجهة المشركين بالنتائج النهائية المستخلصة من هذا القصص ومن مضمون الكتاب الذي جاءهم به في النهاية.. إن الحقيقة الأولى البارزة في سياق السورة كله.. هي التركيز على الأمر بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة غيره.. وتقرير أن هذا هو الدين كله.. وإقامة الوعد والوعيد، والحساب والجزاء، والثواب والعقاب، على هذه القاعدة الواحدة الشاملة العريضة.. كما أسلفنا في تقديم السورة وفي مواضع متعددة من تفسيرها.. فيبقى هنا أن نجلي أولاً طريقة المنهج القرآني في تقرير هذه الحقيقة، وقيمة هذه الطريقة: إن حقيقة توحيد العبادة لله ترد في صيغتين هكذا: {أية : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره... }.. {أية : ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير... }.. تفسير : وواضح اختلاف الصيغتين بين الأمر والنهي.. فهل مدلولهما واحد؟. إن مدلول الصيغة الأولى: الأمر بعبادة الله، وتقرير أن ليس هناك إله يعبد سواه.. ومدلول الصيغة الثانية: النهي عن عبادة غير الله.. والمدلول الثاني هو مقتضى المدلول الأول ومفهومه.. ولكن الأول "منطوق" والآخر "مفهوم".. ولقد اقتضت حكمة الله ـ في بيان هذه الحقيقة الكبيرة ـ عدم الاكتفاء بالمفهوم، في النهي عن عبادة غير الله. وتقرير هذا النهي عن طريق منطوق مستقل. وإن كان مفهوماً ومتضمناً في الأمر الأول! إن هذا يعطينا إيحاء عميقاً بقيمة تلك الحقيقة الكبيرة، ووزنها في ميزان الله سبحانه، بحيث تستحق ألاّ توكل إلى المفهوم المتضمن في الأمر بعبادة الله وتقرير أن لا إله يعبد سواه؛ وأن يرد النهي عن عبادة سواه في منطوق مستقل يتضمن النهي بالنص المباشر لا بالمفهوم المتضمن! ولا بالمقتضى اللازم! كذلك تعطينا طريقة المنهج القرآني في تقرير تلك الحقيقة بشطريها.. عبادة الله. وعدم عبادة سواه.. أن النفس البشرية في حاجة إلى النص القاطع على شطري هذه الحقيقة سواء. وعدم الاكتفاء معها بالأمر بعبادة الله وتقرير أن لا إله يعبد سواه. وإضافة النهي الصريح عن عبادة سواه إلى المفهوم الضمني الذي يتضمنه الأمر بعبادته وحده.. ذلك أن الناس يجيء عليهم زمان لا يجحدون الله، ولا يتركون عبادته، ولكنهم ـ مع هذا ـ يعبدون معه غيره؛ فيقعون في الشرك وهم يحسبون أنهم مسلمون! ومن ثم جاء التعبير القرآني عن حقيقة التوحيد بالأمر وبالنهي معاً؛ بحيث يؤكد أحدهما الآخر، التوكيد الذي لا تبقى معه ثغرة ينفذ منها الشرك في صورة من صوره الكثيرة.. وقد تكرر مثل هذا في التعبير في مواضع شتى؛ هذه نماذج منها من هذه السورة ومن سواها: * {أية : ألر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير: ألا تعبدوا إلا الله، إنني لكم منه نذير وبشير}..تفسير : [هود: 1ـ 2] * {أية : ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه: إني لكم نذير مبين: ألا تعبدوا إلا الله، إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم}..تفسير : [هود: 25 ـ 26] * {أية : وإلى عاد أخاهم هوداً، قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلـه غيره، إن أنتم إلا مفترون}.. تفسير : [هود: 50] * {أية : وقال الله: لا تتخذوا إلـهين اثنين. إنما هو إلـه واحد. فإياي فارهبون}..تفسير : [النحل: 51] * {أية : ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً. ولكن كان حنيفاً مسلماً. وما كان من المشركين}..تفسير : [آل عمران: 67] * {أية : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً. وما أنا من المشركين}..تفسير : [الأنعام: 67] وهو منهج مطرد في التعبير القرآني عن حقيقة التوحيد، له دلالته من غير شك. سواء في تجلية قيمة هذه الحقيقة وضخامتها التي تستدعي ألا توكل في أي جانب من جوانبها إلى المفهومات الضمنية والمقتضيات اللازمة، وإنما ينص نصاً منطوقاً على كل جانب فيها. أو في دلالة هذه الطريقة على علم الله ـ سبحانه ـ بطبيعة الكائن الإنساني، وحاجته في تقرير هذه الحقيقة الكبيرة، وصيانتها في حسه وتصوره من أية شبهة أو غبش، إلى التعبير الدقيق عنها على ذلك النحو، الذي يتجلى فيه القصد والعمد.. ولله الحكمة البالغة.. وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير. ثم نقف أمام مدلول مصطلح "العبادة" الوارد في السورة ـ وفي القرآن كله ـ لندرك ما وراء ذلك التركيز على الأمر بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة غيره. وما وراء هذه العناية في التعبير عن شطري هذه الحقيقة في نص منطوق، وعدم الاكتفاء بالدلالة الضمنية المفهومة. لقد جلينا من قبل في أثناء التعقيب على قصة هود وقومه ـ في هذه السورة ـ ما هو مدلول مصطلح "العبادة" الذي استحق كل هذا التركيز وكل هذه العناية؛ كما استحق كل ذلك الجهد من رهط الرسول الكرام، وكل تلك العذابات والآلام التي عاناها الدعاة إلى عبادة الله وحده على ممر الأيام.. فالآن نضيف إلى ذلك التعقيب بعض اللمحات: إن إطلاق مصطلح "العبادات" على الشعائر وعلى ما يكون بين العبد والرب من تعامل، في مقابل إطلاق مصطلح: "المعاملات" على ما يكون بين الناس بعضهم وبعض من تعامل.. إن هذا جاء متأخراً عن عصر نزول القرآن الكريم؛ ولم يكن هذا التقسيم معروفاً في العهد الأول. ولقد كتبنا من قبل في كتاب "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" شيئاً عن تاريخ هذه المسألة نقتطف منه هذه الفقرات: "إن تقسيم النشاط الإنساني إلى "عبادات" و "معاملات" مسألة جاءت متأخرة عن التأليف في مادة "الفقه". ومع أنه كان المقصود به ـ في أول الأمر ـ مجرد التقسيم "الفني" الذي هو طابع التاليف العلمي، إلا أنه ـ مع الأسف ـ أنشأ فيما بعد آثاراً سيئة في التصور، تبعها ـ بعد فترة ـ آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها؛ إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن صفة "العبادة" إنما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط، الذي يتناوله "فقه العبادات". وهو انحراف بالتصور الإسلامي لا شك فيه. فلا جرم يتبعه انحراف في الحياة كلها في المجتمع الإسلامي. " ليس في التصور الإسلامي نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى "العبادة" أو لا يطلب فيه تحقيق هذا الوصف. والمنهج الإسلامي كله غايته تحقيق معنى العبادة، أولاً وأخيراً." "وليس هناك من هدف في المنهج الإسلامي لنظام الحكم، ونظام الاقتصاد، والتشريعات الجنائية، والتشريعات المدنية، وتشريعات الأسرة. وسائر التشريعات التي يتضمنها هذا المنهج.. " ليس هناك من هدف إلا تحقيق معنى "العبادة" في حياة الإنسان.. والنشاط الإنساني لا يكون متصفاً بهذا الوصف، محققاً لهذه الغاية ـ التي يحدد القرآن أنها هي غاية الوجود الإنساني ـ إلا حين يتم هذا النشاط وفق المنهج الرباني؛ فيتم بذلك إفراد الله ـ سبحانه ـ بالألوهية؛ والاعتراف له وحده بالعبودية.. وإلا فهو خروج عن العبادة لأنه خروج عن العبودية. أي خروج عن غاية الوجود الإنساني كما أرادها الله. أي خروج عن دين الله!" " وأنواع النشاط التي أطلق عليها الفقهاء اسم "العبادات" وخصوها بهذه الصفة ـ على غير مفهوم التصور الإسلامي ـ حين تراجع في مواضعها في القرآن، تتبين حقيقة بارزة لا يمكن إغفالها. وهي انها لم تجئ مفردة ولا معزولة عن أنواع النشاط الأخرى التي أطلق عليها الفقهاء اسم "المعاملات".. إنما جاءت هذه وتلك مرتبطة في السياق القرآني، ومرتبطة في المنهج التوجيهي. باعتبار هذه كتلك شطراً من منهج "العبادة" التي هي غاية الوجود الإنساني، وتحقيقاً لمعنى العبودية، ومعنى إفراد الله ـ سبحانه بالألوهية. "إن ذلك التقسيم ـ مع مرور الزمن ـ جعل بعض الناس يفهمون أنهم يملكون أن يكونوا "مسلمين" إذا هم أدوا نشاط "العبادات" ـ وفق أحكام الإسلام ـ بينما يزاولون كل نشاط "المعاملات" وفق منهج آخر.. لا يتلقونه من الله ولكن من إله آخر..! هو الذي يشرع لهم في شؤون الحياة ما لم يأذن به الله!" "وهذا وهم كبير. فالإسلام وحدة لا تنفصم. وكل من يفصمه إلى شطرين ـ على هذا النحو ـ فإنما يخرج من هذه الوحدة، أو بتعبير آخر: يخرج من هذا الدين. " وهذه هي الحقيقة الكبيرة التي يجب أن يلقي باله إليها كل مسلم يريد أن يحقق إسلامه؛ ويريد في الوقت ذاته أن يحقق غاية وجوده الإنساني". فالآن نضيف إلى هذه الفقرات ما قلناه من قبل هذا الجزء من أن العربي الذي خوطب بهذا القرآن أول مرة لم يكن يحصر مدلول هذا اللفظ وهو يؤمر به في مجرد أداء الشعائر التعبدية.. بل أنه يوم خوطب به أول مرة في مكة لم تكن قد فرضت بعد شعائر تعبدية! إنما كان يفهم منه عندما يخاطب به أن المطلوب منه هو "الدينونة" لله وحده في أمره كله، وخلع الدينونة لغير الله من عنقه في أمره كله. ولقد فسر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "العبادة" نصاً بأنها "الاتباع" وليست هي الشعائر التعبدية، وهو يقول لعدي ابن حاتم عن اليهود والنصارى، واتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً: "حديث : بلى. إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم"تفسير : .. إنما أطلقت لفظة "العبادة" على "الشعائر التعبدية" باعتبارها صورة من صور الدينونة لله في شأن من الشؤون. صورة لا تستغرق مدلول العبادة، بل إنها تجيء بالتبعية لا بالإصالة!.. ولقد قلنا من قبل في هذا الجزء "إن الواقع أنه لو كانت حقيقة العبادة هي مجرد الشعائر التعبدية ما استحقت كل هذا الموكب الكريم من الرسل والرسالات؛ وما استحقت كل هذه الجهود المضنية التي بذلها الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ وما استحقت كل هذه العذابات والآلام التي تعرض لها الدعاة والمؤمنون على مدار الزمان! إنما الذي استحق كل هذا الثمن الباهظ هو إخراج البشر جملة من الدينونة للعباد، وردهم إلى الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن، وفي منهج حياتهم كله للدنيا وللآخرة سواء. "إن توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد القوامة، وتوحيد الحاكمية، وتوحيد مصدر الشريعة، وتوحيد منهج الحياة، وتوحيد الجهة التي يدين لها الناس الدينونة الشاملة.. إن هذا التوحيد هو الذي يستحق أن يرسل من أجله كل هؤلاء الرسل، وأن تبذل في سبيله كل هذه الجهود، وأن تحتمل لتحقيقه كل هذه العذابات والآلام على مدار الزمان.. لا لأن الله سبحانه في حاجة إليه. فالله سبحانه غني عن العالمين. ولكن لأن حياة البشر لا تصلح ولا ترتفع ولا تصبح لائقة بالإنسان، إلا بهذا التوحيد الذي لا حد لتأثيره في الحياة البشرية في كل جوانبها على السواء".. وقد وعدنا هناك أن نزيد هذا الأمر بياناً في هذا التعقيب الختامي الأخير. فالآن نبين إجمالاً قيمة حقيقة التوحيد في الحياة البشرية في كل جوانبها على السواء: * ننظر ابتداء إلى أثر حقيقة التوحيد ـ على هذا النحو الشامل ـ في كيان الكائن الإنساني نفسه من ناحية وجوده الذاتي، وحاجته الفطرية، وتركيبه الإنساني.. أثرها في تصوره.. وأثر هذا التصور في كيانه: "إن هذا التصور إذ يتناول الأمور على هذا النحو الشامل ـ بكل معاني الشمول ـ يخاطب الكينونة البشرية بكل جوانبها، وبكل أشواقها، وبكل حاجاتها، وبكل اتجاهاتها، ويردها إلى جهة واحدة تتعامل معها، جهة تطلب عندها كل شيء، وتتوجه إليها بكل شيء، جهة واحدة ترجوها وتخشاها، وتتقي غضبها وتبتغي رضاها، جهة واحدة تملك لها كل شيء، لأنها خالقة كل شيء، ومالكة كل شيء، ومدبرة كل شيء. "كذلك يرد الكينونة الإنسانية إلى مصدر واحد، تتلقى منه تصوراتها ومفاهيمها، وقيمها وموازينها، وتجد عنده إجابة عن كل سؤال يجيش فيها وهي تواجه الكون والحياة والإنسان، بكل ما يثيره كل منها من علامات الاستفهام. "عندئذ تتجمع هذه الكينونة.. تتجمع شعوراً وسلوكاً، وتصوراً واستجابة. في شأن العقيدة والمنهج. وشأن الاستمداد والتلقي. وشأن الحياة والموت. وشأن السعي والحركة. وشأن الصحة والرزق. وشأن الدنيا والآخرة. فلا تتفرق مزقاً؛ ولا تتجه إلى شتى السبل والآفاق؛ ولا تسلك شتى الطرق على غير اتفاق!" "والكينونة الإنسانية حين تتجمع على هذا النحو، تصبح في خير حالاتها. لأنها تكون حينئذ في حالة "الوحدة" التي هي طابع الحقيقة في كل مجالاتها.. فالوحدة هي حقيقة الخالق ـ سبحانه ـ والوحدة هي حقيقة هذا الكون ـ على تنوع المظاهر والأشكال والأحوال ـ والوحدة هي حقيقة الحياة والأحياء ـ على تنوع الأنواع والأجناس ـ والوحدة هي حقيقة الإنسان ـ على تنوع الأفراد والاستعدادات ـ والوحدة هي غاية الوجود الإنساني ـ وهي العبادة ـ على تنوع مجالات العبادة وهيئاتها ـ وهكذا حيثما بحث الإنسان عن الحقيقة في هذا الوجود.. "وحين تكون الكينونة الإنسانية في الوضع الذي يطابق "الحقيقة" في كل مجالاتها، تكون في أوج قوتها الذاتية؛ وفي أوج تناسقها ـ كذلك ـ مع "حقيقة" هذا الكون الذي تعيش فيه، وتتعامل معه؛ ومع "حقيقة" كل شيء في هذا الوجود، مما تتأثر به وتؤثر فيه.. وهذا التناسق هو الذي يتيح لها أن تنشئ أعظم الآثار، وأن تؤدي أعظم الأدوار. "وحينما بلغت هذه الحقيقة أوجها في المجموعة المختارة من المسلمين الأوائل، صنع الله بها في الأرض أدواراً عميقة الآثار في كيان الوجود الإنساني، وفي كيان التاريخ الإنساني.. "وحين توجد هذه الحقيقة مرة أخرى ـ وهي لا بد كائنة بإذن الله ـ سيصنع الله بها الكثير، مهما يكن في طريقها من العراقيل. ذلك أن وجود هذه الحقيقة في ذاته ينشئ قوة لا تقاوم؛ لأنها من صميم قوة هذا الكون؛ وفي اتجاه قوة المبدع لهذا الكون أيضاً. "... إن هذه الحقيقة ليست أهميتها فقط في تصحيح التصور الإيماني. وإن كان هذا التصحيح في ذاته غاية ضخمة يقوم عليها بناء الحياة كله ـ بل إن أهميتها كذلك في حسن تذوق الحياة، وبلوغ هذا التذوق أعلى درجات الكمال والتناسق. فقيمة الحياة الإنسانية ذاتها ترتفع حين تصبح كلها عبادة لله؛ وحين يصبح كل نشاط فيها ـ صغر أم كبر ـ جزءاً من هذه العبادة؛ أو كل العبادة، متى نظرنا إلى المعنى الكبير الكامن فيه. وهو إفراد الله ـ سبحانه ـ بالألوهية والإقرار له وحده بالعبودية.. هذا المقام الذي لا يرتفع الإنسان إلى ما هو أعلى منه؛ ولا يبلغ كماله الإنساني إلا في تحقيقه. وهو المقام الذي بلغه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أعلى مقاماته التي ارتقى إليها. مقام تلقي الوحي من الله. ومقام الإسراء أيضاً: {أية : تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً}...تفسير : [الفرقان: 1]. {أية : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله. لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير}...تفسير : [الإسراء: 1]. * وننتقل إلى قيمة أخرى من قيم توحيد العبادة بمعنى الدينونة لله وحده وآثارها في الحياة الإنسانية: إن الدينونة لله تحرر البشر من الدينونة لغيره؛ وتخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. وبذلك تحقق للإنسان كرامته وحريته الحقيقية، هذه الحرية وتلك اللتان يستحيل ضمانهما في ظل أي نظام آخر ـ غير النظام الإسلامي ـ يدين فيه الناس بعضهم لبعض بالعبودية، في صورة من صورها الكثيرة... سواء عبودية الاعتقاد، أو عبودية الشعائر، أو عبودية الشرائع.. فكلها عبودية؛ وبعضها مثل بعض؛ تخضع الرقاب لغير الله؛ بإخضاعها للتلقي في أي شأن من شؤون الحياة لغير الله. والناس لا يملكون أن يعيشوا غير مدينين! لا بد للناس من دينونة. والذين لا يدينون لله وحده يقعون من فورهم في شر ألوان العبودية لغير الله؛ في كل جانب من جوانب الحياة! إنهم يقعون فرائس لأهوائهم وشهواتهم بلا حد ولا ضابط. ومن ثم يفقدون خاصتهم الآدمية ويندرجون في عالم البهيمة: {أية : والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، والنار مثوى لهم}...تفسير : [محمد: 12]. ولا يخسر الإنسان شيئاً كأن يخسر آدميته، ويندرج في عالم البهيمة، وهذا هو الذي يقع حتماً بمجرد التملص من الدينونة لله وحده، والوقوع في الدينونة للهوى والشهوة. ثم هم يقعون فرائس لألوان من العبودية للعبيد.. يقعون في شر ألوان العبودية للحكام والرؤساء الذين يصرفونهم وفق شرائع من عند أنفسهم، لا ضابط لها ولا هدف إلا حماية مصالح المشرعين أنفسهم ـ سواء تمثل هؤلاء المشرعون في فرد حاكم، أو في طبقة حاكمة، أو في جنس حاكم ـ فالنظرة على المستوى الإنساني الشامل تكشف عن هذه الظاهرة في كل حكم بشري لا يستمد من الله وحده، ولا يتقيد بشريعة الله لا يتعداها.. ولكن العبودية للعبيد لا تقف عند حدود العبودية للحكام والرؤساء والمشرعين.. فهذه هي الصورة الصارخة، ولكنها ليست هي كل شيء!.. إن العبودية للعباد تتمثل في صور أخرى خفية؛ ولكنها قد تكون أقوى وأعمق وأقسى من هذه الصورة! ونضرب مثالاً لهذا تلك العبودية لصانعي المودات والأزياء مثلاً! أي سلطان لهؤلاء على قطيع كبير جداً من البشر؟.. كل الذين يسمونهم متحضرين..! إن الزي المفروض من آلهة الأزياء ـ سواء في الملابس أو العربات أو المباني أو المناظر أو الحفلات.. الخ.. ليمثل عبودية صارمة لا سبيل لجاهلي ولا لجاهلية أن يفلت منها؛ أو يفكر في الخروج عنها! ولو دان الناس ـ في هذه الجاهلية "الحضارية!" لله بعض ما يدينون لصانعي الأزياء لكانوا عباداً متبتلين!.. فماذا تكون العبودية إن لم تكن هي هذه؟ وماذا تكون الحاكمية والربوبية إن لم تكن هي حاكمية وربوبية صانعي الأزياء أيضاً؟! وإن الإنسان ليبصر أحياناً بالمرأة المسكينة، وهي تلبس ما يكشف عن سوآتها، وهو في الوقت ذاته لا يناسب شكلها ولا تكوينها، وتضع من الأصباغ ما يتركها شائهة أو مثاراً للسخرية! ولكن الألوهية القاهرة لأرباب الأزياء والمودات تقهرها وتذلها لهذه المهانة التي لا تملك لها رداً، ولا تقوى على رفض الدينونة لها، لأن المجتمع كله من حولها يدين لها. فكيف تكون الدينونة إن لم تكن هي هذه؟ وكيف تكون الحاكمية والربوبية إن لم تكن هي تلك؟! وليس هذا إلا مثلاً واحداً للعبودية المذلة حين لا يدين الناس لله وحده؛ وحين يدينون لغيره من العبيد.. وليست حاكمية الرؤساء والحكام وحدها هي الصورة الكريهة المذلة لحاكمية البشر للبشر، ولعبودية البشر للبشر! وهذا يقودنا إلى قيمة توحيد العبادة والدينونة في صيانة أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم، التي تصبح كلها ولا عاصم لها عندما يدين العباد للعباد، في صورة من صور الدينونة.. سواء في صورة حاكمية التشريع، أو في صورة حاكمية الأعراف والتقاليد، أو في حاكمية الاعتقاد والتصور.. إن الدينونة لغير الله في الاعتقاد والتصور معناها الوقوع في براثن الأوهام والأساطير والخرافات التي لا تنتهي؛ والتي تمثل الجاهليات الوثنية المختلفة صوراً منها؛ وتمثل أوهام العوام المختلفة صوراً منها؛ وتقدم فيها النذور والأضاحي من الأموال ـ وأحيانا من الأولاد! ـ تحت وطأة العقيدة الفاسدة والتصور المنحرف؛ ويعيش الناس معها في رعب من الأرباب الوهمية المختلفة، ومن السدنة والكهنة المتصلين بهذه الأرباب! ومن السحرة المتصلين بالجن والعفاريت! ومن المشايخ والقديسين أصحاب الأسرار! ومن.. ومن.. من الأوهام التي ما يزال الناس منها في رعب وفي خوف وفي تقرب وفي رجاء، حتى تتقطع أعناقهم وتتوزع جهودهم، وتتبدد طاقاتهم في مثل هذا الهراء! وقد مثلنا لتكاليف الدينونة لغير الله في الأعراف والتقاليد بأرباب الأزياء والمودات! فينبغي أن نعلم كم من الأموال والجهود تضيع ـ إلى جانب الأعراض والأخلاق ـ في سبيل هذه الأرباب! إن البيت ذا الدخل المتوسط ينفق على الدهون والعطور والأصباغ؛ وعلى تصفيف الشعر وكيه؛ وعلى الأقمشة التي تصنع منها الأزياء المتقلبة عاماً بعد عام، وما يتبعها من الأحذية المناسبة والحلي المتناسقة مع الزي والشعر والحذاء!... إلى آخر ما تقضي به تلك الأرباب النكدة.. إن البيت ذا الدخل المتوسط ينفق نصف دخله ونصف جهده لملاحقة أهواء تلك الأرباب المتقلبة التي لا تثبت على حال. ومن ورائها اليهود أصحاب رؤوس الأموال الموظفة في الصناعات الخاصة بدنيا تلك الأرباب! ولا يملك الرجل ولا المرأة وهما في هذا الكد الناصب أن يتوقفا لحظة عن تلبية ما تقتضيه تلك الدينونة النكدة من تضحيات في الجهد والمال والعرض والخلق على السواء! وأخيراً تجيء تكاليف العبودية لحاكمية التشريع البشرية.. وما من أضحية يقدمها عابد الله لله، إلا ويقدم الذين يدينون لغير الله أضعافاً للأرباب الحاكمة! من الأموال والأنفس والأعراض.. وتقام أصنام من "الوطن" ومن "القوم" ومن "الجنس" ومن "الطبقة" ومن "الإنتاج"... ومن غيرها من شتى الأصنام والأرباب.. وتدق عليها الطبول؛ وتنصب لها الرايات؛ ويدعى عباد الأصنام إلى بذل النفوس والأموال لها بغير تردد.. وإلا فالتردد هو الخيانة، وهو العار.. وحتى حين يتعارض العِرض. مع متطلبات هذه الأصنام، فإن العرض هو الذي يضحى؛ ويكون هذا هو الشرف الذي يراق على جوانبه الدم! كما تقول الأبواق المنصوبة حول الأصنام، ومن ورائها أولئك الأرباب من الحكام! إن كل التضحيات التي يقتضيها الجهاد في سبيل الله؛ ليعبد الله وحده في الأرض؛ وليتحرر البشر من عبادة الطواغيت والأصنام، ولترتفع الحياة الإنسانية إلى الأفق الكريم الذي أراده الله للإنسان.. إن كل هذه التضحيات التي يقتضيها الجهاد في سبيل الله ليبذل مثلها وأكثر من يدينون لغير الله! والذين يخشون العذاب والألم والاستشهاد وخسارة الأنفس والأولاد والأموال إذا هم جاهدوا في سبيل الله، عليهم أن يتأملوا ماذا تكلفهم الدينونة لغير الله في الأنفس والأموال والأولاد، وفوقها الأخلاق والأعراض.. إن تكاليف الجهاد في سبيل الله في وجه طواغيت الأرض كلها لن تكلفهم ما تكلفهم الدينونة لغير الله؛ وفوق ذلك كله الذل والدنس والعار! وأخيراً فإن توحيد العبادة والدينونة لله وحده، ورفض العبادة والدينونة لغيره من خلقه؛ ذو قيمة كبيرة في صيانة الجهد البشري من أن ينفق في تأليه الأرباب الزائفة. كي يوجه بجملته إلى عمارة الأرض، وترقيتها، وترقية الحياة فيها. وهناك ظاهرة واضحة متكررة أشرنا إليها فيما سبق في هذا الجزء.. وهي أنه كلما قام عبد من عبيد الله، ليقيم من نفسه طاغوتاً يعبّد الناس لشخصه دون الله.. احتاج هذا الطاغوت كي يعبد (أي يطاع ويتبع) إلى أن يسخر كل القوى والطاقات؛ أولا: لحماية شخصه. وثانياً: لتأليه ذاته. واحتاج إلى حواشٍ وذيول وأجهزة وأبواق تسبح بحمده، وترتل ذكره، وتنفخ في صورته "العبدية" الهزيلة لتتضخم وتشغل مكان "الألوهية" العظيمة! وألا تكف لحظة واحدة عن النفخ في تلك الصورة العبدية الهزيلة! وإطلاق الترانيم والتراتيل حولها. وحشد الجموع ـ بشتى الوسائل ـ للتسبيح باسمها، وإقامة طقوس العبادة لها...! وهو جهد ناصب لا يفرغ أبداً. لأن الصورة العبدية الهزيلة ما تني تنكمش وتهزل وتتضاءل كلما سكن من حولها النفخ والطبل والزمر والبخور والتسابيح والتراتيل. وما تني تحتاج كرة أخرى إلى ذلك الجهد الناصب من جديد! وفي هذا الجهد الناصب تصرف طاقات وأموال ـ وأرواح أحياناً وأعراض! ـ لو أنفق بعضها في عمارة الأرض، والإنتاج المثمر، لترقية الحياة البشرية وإغنائها، لعاد على البشرية بالخير الوفير..ولكن هذه الطاقات والأموال ـ والأرواح أحياناً والأعراض ـ لا تنفق في هذا السبيل الخير المثمر ما دام الناس لا يدينون لله وحده؛ وإنما يدينون للطواغيت من دونه. ومن هذه اللحظة يتكشف مدى خسارة البشرية في الطاقات والأموال والعمارة والإنتاج من جراء تنكبها عن الدينونه لله وحده؛ وعبادة غيره من دونه.. وذلك فوق خسارتها في الأرواح والأعراض، والقيم والأخلاق. وفوق الذل القهر والدنس والعار! وليس هذا في نظام أرضي دون نظام، وإن اختلفت الأوضاع واختلفت ألوان التضحيات. ولقد حدث أن الذين فسقوا عن الدينونة لله وحده، فأتاحوا لنفر منهم أن يحكموهم بغير شريعته، قد وقعوا في النهاية في شقوة العبودية لغيره. العبودية التي تأكل إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم، مهما اختلفت أشكال الأنظمة التي تحكمهم، والتي ظنوا في بعضها أنها تكفل لهم الإنسانية والحرية والكرامة. لقد هربت أوربا من الله ـ في أثناء هروبها من الكنيسة الطاغية الباغية باسم الدين الزائف ـ وثارت على الله ـ سبحانه ـ في أثناء ثورتها على تلك الكنيسة التي أهدرت كل القيم الإنسانية في عنفوان سطوتها الغاشمة! ثم ظن الناس أنهم يجدون إنسانيتهم وحريتهم وكرامتهم ـ ومصالحهم كذلك ـ في ظل الأنظمة الفردية (الديمقراطية) وعلقوا كل آمالهم على الحريات والضمانات التي تكفلها لهم الدساتير الوضعية، والأوضاع النيابية البرلمانية، والحريات الصحفية، والضمانات القضائية والتشريعية، وحكم الأغلبية المنتجة... إلى آخر هذه الهالات التي أحيطت بها تلك الأنظمة.. ثم ماذا كانت العاقبة؟ كانت العاقبة هي طغيان "الرأسمالية" ذلك الطغيان الذي أحال كل تلك الضمانات، وكل تلك التشكيلات، إلى مجرد لافتات، أو إلى مجرد خيالات! ووقعت الأكثرية الساحقة في عبوديه ذليلة للأقلية الطاغية التي تملك رأس المال، فتملك معه الأغلبية البرلمانية! والدساتير الوضعية! والحريات الصحيفة! وسائر الضمانات التي ظنها الناس هناك كفيلة بضمان إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم، في معزل عن الله سبحانه!!! ثم هرب فريق من الناس هناك من الأنظمة الفردية التي يطغى فيها "رأس المال" و "الطبقة" إلى الأنظمة الجماعية! فماذا فعلوا؟ لقد استبدلوا بالدينونة لطبقة "الرأسماليين" الدينونة لطبقة "الصعاليك"! أو استبدلوا بالدينونة لأصحاب رؤوس الأموال والشركات الدينونة للدولة التي تملك المال إلى جانب السلطان! فتصبح أخطر من طبقة الرأسماليين! وفي كل حالة، وفي كل وضع، وفي كل نظام، دان البشر فيه للبشر، دفعوا من أموالهم ومن أرواحهم الضريبة الفادحة. دفعوها للأرباب المتنوعة في كل حال. إنه لا بد من عبودية! فإن لا تكن لله وحده تكن لغير الله.. والعبودية لله وحده تطلق الناس أحراراً كراماً شرفاء أعلياء.. والعبودية لغير الله تأكل إنسانية الناس وكرامتهم وحرياتهم وفضائلهم. ثم تأكل أموالهم ومصالحهم المادية في النهاية. من أجل ذلك كله تنال قضية الألوهية والعبودية كل تلك العناية في رسالات الله ـ سبحانه ـ وفي كتبه.. وهذه السورة نموذج من تلك العناية.. فهي قضية لا تتعلق بعبدة الأصنام والأوثان في الجاهليات الساذجة البعيدة. ولكنها تتعلق بالإنسان كله، في كل زمان وفي كل مكان؛ وتتعلق بالجاهليات كلها.. جاهليات ما قبل التاريخ، وجاهلية القرن العشرين. وكل جاهلية تقوم على أساس من عبادة العباد للعباد. والخلاصة التي ينتهي إليها القول في هذه القضية: أنه يتجلى بوضوح من التقريرات القرآنية بجملتها ـ وهذه السورة نموذج منها ـ أن قضية الدينونة والاتباع والحاكمية ـ التي يعبر عنها في هذه السورة بالعبادة ـ هي قضية عقيدة وإيمان وإسلام؛ وليست قضية فقه أو سياسة أو نظام! إنها قضية عقيدة تقوم أو لا تقوم. فالقضية إيمان يوجد أو لا يوجد. وقضية إسلام يتحقق أو لا يتحقق.. ثم هي بعد ـ بعد ذلك لا قبله ـ قضية منهج للحياة الواقعية يتمثل في شريعة ونظام وأحكام؛ وفي أوضاع وتجمعات تتحقق فيها الشريعة والنظام. وتنفذ فيها الأحكام. وكذلك فإن قضية "العبادة" ليست قضية شعائر؛ وإنما هي قضية دينونة واتباع ونظام وشريعة وفقه وأحكام وأوضاع في واقع الحياة.. وأنها من أجل أنها كذلك استحقت كل هذه العناية في المنهج الرباني المتمثل في هذا الدين.. واستحقت كل هذه الرسل والرسالات. واستحقت كل هذه العذابات والآلام والتضحيات. والآن نجيء إلى تتابع هذا القصص في السورة؛ ودلالته على الخط الحركي للعقيدة الإسلامية في تاريخ البشرية: لقد بينا من قبل في التعقيب على قصة نوح أن الإسلام كان هو أول عقيدة عرفتها البشرية على يدي آدم عليه السلام أبي البشر الأول، ثم على يدي نوح ـ عليه السلام ـ أبي البشر الثاني.. ثم بعد ذلك على يدي كل رسول.. وأن الإسلام يعني توحيد الألوهيه من ناحية الاعتقاد والتصور والتوجه بالعبادة والشعائر، وتوحيد الربوبية من ناحية الدينونة والاتباع والطاعة والخضوع: أي توحيد القوامة والحاكمية والتوجيه والتشريع. ثم بينا كذلك أن الجاهلية ـ سواء كانت جاهلية الاعتقاد والتصور والعبادة والشعائر! أو جاهلية الدينونة والاتباع والطاعة والخضوع ـ أو هما معاً ـ كانت تطرؤ على البشرية بعد معرفة الإسلام على أيدي الرسل ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ وكانت تفسد عقائدهم وتصوراتهم، كما تفسد حياتهم وأوضاعهم؛ بالدينونة لغير الله ـ سبحانه ـ سواء كانت هذه الدينونة لطوطم أو حجر أو شجر أو نجم أو كوكب، أو روح أو أرواح شتى؛ أو كانت هذه الدينونة لبشر من البشر: كاهن أم ساحر أم حاكم.. فكلها سواء في دلالتها على الانحراف عن التوحيد إلى الشرك، والخروج من الإسلام إلى الجاهلية. ومن هذا التتابع التاريخي ـ الذي يقصه الله سبحانه في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ يتبين خطأ المنهج الذي يتبعه علماء الدين المقارن؛ وخطأ النتائج التي يصلون إليها عن طريقه.. خطأ المنهج لأنه يتبع خط الجاهليات التي عرفتها البشرية، ويهمل خط التوحيد الذي جاء به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ـ وهم حتى في تتبعهم لخط الجاهليات لا يرجعون إلا لما حفظته آثار العهود الجاهلية التي يحوم عليها التاريخ ـ ذلك المولود الحدث الذي لا يعرف من تاريخ البشرية إلا القليل؛ ولا يعرف هذا القليل إلا عن سبيل الظن والترجيح! ـ وحتى حين يصلون إلى أثر من آثار التوحيد الذي جاءت به الرسالات رأساً في إحدى الجاهليات التاريخية في صورة توحيد مشوه كتوحيد أخناتون مثلاً في الديانة المصرية القديمة؛ فإنهم يتعمدون إغفال أثر رسالة التوحيد ـ ولو على سبيل الاحتمال ـ وقد جاء أخناتون في مصر بعد عهد يوسف ـ عليهم السلام ـ وتبشيره بالتوحيد كما جاء في القرآن الكريم ـ حكاية عن قوله لصاحبي السجن في سورة يوسف ـ: {أية : إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله، وهم بالآخرة هم كافرون. واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء، ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون. يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون}... تفسير : [يوسف: 37 ـ 40] وهم إنما يفعلون ذلك، لأن المنهج كله إنما قام ابتداء على أساس العداء والرفض للمنهج الديني، بسبب ما ثار بين الكنيسة الأوربية والبحث العلمي في كل صوره في فترة من فترات التاريخ. فبدأ المنهج وفي عزم أصحابه أن يصلوا إلى ما يكذب مزاعم الكنيسة من أساسها، للوصول إلى تحطيم الكنيسة ذاتها. ومن أجل هذا جاء منهجاً منحرفاً منذ البدء، لأنه يتعمد الوصول سلفاً إلى نتائج معينة، قبل البدء في البحث! وحتى حين هدأت حدة العداء للكنيسة بعد تحطيم سيطرتها العلمية والسياسية والاقتصادية الغاشمة فإن المنهج استمر في طريقة. لأنه لم يستطيع أن يتخلص من أساسه الذي قام عليه، والتقاليد التي تراكمت على هذا الاساس، حتى صارت من أصول المنهج! أما خطأ النتائج فهو ضرورة حتمية لخطأ المنهج من أساسه. هذا الخطأ الذي طبع نتائج المنهج كلها بهذا الطابع.. على أنه أياً كان المنهج وأياَ كانت النتائج التي يصل إليها؛ فإن تقريراته مخالفة أساسية للتقريرات الإلهية كما يعرضها القرآن الكريم.. وإذا جاز لغير مسلم أن يأخذ بنتائج تخالف مخالفة صريحة قول الله سبحانه في مسألة من المسائل؛ فإنه لا يجوز لباحث يقدم بحثه للناس على أنه "مسلم" أن يأخذ بتلك النتائج. ذلك أن التقريرات القرآنية في مسألة الإسلام والجاهلية، وسبق الإسلام للجاهلية في التاريخ البشري، وسبق التوحيد للتعدد والتثنية.. قاطعة، وغير قابلة للتأويل. فهي مما يقال عنه: إنه معلوم من الدين بالضرورة. وعلى من يأخذ بنتائج علم الأديان المقارنة في هذا الأمر، أن يختار بين قول الله سبحانه وقول علماء الأديان. أو بتعبير آخر: أن يختار بين الإسلام وغير الإسلام! لأن قول الله في هذه القضية منطوق وصريح، وليس ضمنياً ولا مفهوماً! وعلى أية حال فإن هذا ليس موضوعنا الذي نستهدفه في هذا التعقيب الأخير.. إنما نستهدف هنا رؤية الخط الحركي للعقيدة الإسلامية في التاريخ البشري؛ والإسلام والجاهلية يتعاوران البشرية؛ والشيطان يستغل الضعف البشري وطبيعة التكوين لهذا المخلوق المزدوج الطبيعة والاتجاه، ويجتال الناس عن الإسلام بعد أن يعرفوه، إلى الجاهلية؛ فإذا بلغت هذه الجاهلية مداها بعث الله للناس رسولاً يردهم إلى الإسلام. ويخرجهم من الجاهلية. وأول ما يخرجهم منه هو الدينونة لغير الله سبحانه من الأرباب المتفرقة.. وأول ما يردهم إليه هو الدينونة لله وحده في أمرهم كله، لا في الشعائر التعبدية وحدها، ولا في الاعتقاد القلبي وحده. إن هذه الرؤية تفيدنا في تقدير موقف البشرية اليوم، وفي تحديد طبيعة الدعوة الإسلامية كذلك.. إن البشرية اليوم ـ بجملتها ـ تزاول رجعية شاملة إلى الجاهلية التي أخرجها منها آخر رسول ـ محمد صلى الله عليه وسلم ـ وهي تتمثل في صور شتى: بعضها يتمثل في إلحاد بالله سبحانه، وإنكار لوجوده.. فهي جاهلية اعتقاد وتصور، كجاهلية الشيوعيين. وبعضها يتمثل في اعتراف مشوه بوجود الله سبحانه، وانحراف في الشعائر التعبدية وفي الدينونة والاتباع والطاعة، كجاهلية الوثنين من الهنود وغيرهم.. وكجاهلية اليهود والنصارى كذلك. وبعضها يتمثل في اعتراف صحيح بوجود الله سبحانه، وأداء للشعائر التعبدية. مع انحراف خطير في تصور دلالة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ومع شرك كامل في الدينونة والاتباع والطاعة. وذلك كجاهلية من يسمون أنفسهم "مسلمين" ويظنون أنهم أسلموا واكتسبوا صفة الإسلام وحقوقه ـ بمجرد نطقهم بالشهادتين وأدائهم للشعائر التعبدية؛ مع سوء فهمهم لمعنى الشهادتين؛ ومع استسلامهم ودينونتهم لغير الله من العبيد! وكلها جاهلية. وكلها كفر بالله كالأولين. أو شرك بالله كالآخرين.. إن رؤية واقع البشرية على هذا النحو الواضح؛ تؤكد لنا أن البشرية اليوم بجملتها قد ارتدت إلى جاهلية شاملة، وأنها تعاني رجعية نكدة إلى الجاهلية التي أنقذها منها الإسلام مرات متعددة، كان آخرها الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا بدوره يحدد طبيعة الدور الأساسي لطلائع البعث الإسلامي، والمهمة الأساسية التي عليها أن تقوم بها للبشرية؛ ونقطة البدء الحاسمة في هذه المهمة. إن على هذه الطلائع أن تبدأ في دعوة البشرية من جديد إلى الدخول في الإسلام كرة أخرة، والخروج من هذه الجاهلية النكدة التي ارتدت إليها. على أن تحدد للبشرية مدلول الإسلام الأساسي: وهو الاعتقاد بألوهية الله وحده، وتقديم الشعائر لله وحده والدينونة والاتباع والطاعة والخضوع في أمور الحياة كلها لله وحده.. وأنه بغير هذه المدلولات كلها لا يتم الدخول في الإسلام؛ ولا تحتسب للناس صفة المسلمين؛ ولا تكون لهم تلك الحقوق التي يرتبها الإسلام في أنفسهم وأموالهم كذلك. وأن تخلف أحد هذه المدلولات كتخلفها جميعاً، يخرج الناس من الإسلام إلى الجاهلية، ويصمهم بالكفر أو بالشرك قطعاً.. إنها دورة جديدة من دورات الجاهلية التي تعقب الإسلام. فيجب أن تواجهها دورة من دورات الإسلام الذي يواجه الجاهلية، ليرد الناس إلى الله مرة أخرى، ويخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.. ولا بد أن يصل الأمر إلى ذلك المستوى من الحسم والوضوح في نفوس العصبة المسلمة التي تعاني مواجهة الجاهلية الشاملة في هذه الفترة النكدة من حياة البشرية.. فإنه بدون هذا الحسم وهذا الوضوح تعجز طلائع البعث الإسلامي عن أداء واجبها في هذه الفترة الحرجة من تاريخ البشرية؛ وتتأرجح أمام المجتمع الجاهلي ـ وهي تحسبه مجتمعاً مسلماً ـ وتفقد تحديد أهدافها الحقيقية، بفقدانها لتحديد نقطة البدء من حيث تقف البشرية فعلاً، لا من حيث تزعم! والمسافة بعيدة بين الزعم والواقع.. بعيدة جداً.. ونقف الوقفة الأخيرة في هذا التعقيب الأخير أمام موقف الرسل الموحد من أقوامهم الذين أرسلوا إليهم. واختلاف هذا الموقف عند البدء وعند النهاية؛ كما يعرضه قصص الرسل في هذه السورة: لقد أرسل كل رسول إلى قومه. وعند بدء الدعوة كان الرسول واحداً من قومه هؤلاء. يدعوهم إلى الإسلام دعوة الأخ لإخوته؛ ويريد لهم ما يريد الأخ لإخوته من الخير الذي هداه الله إليه؛ والذي يجد في نفسه بينة من ربه عليه. هذا كان موقف كل رسول من قومه عند نقطة البدء.. ولكن هذا لم يكن موقف أي رسول عند نقطة الختام! لقد استجابت للرسول طائفة من قومه فآمنوا بما أرسل به إليهم.. عبدوا الله وحده كما طلب إليهم، وخلعوا من أعناقهم ربقة الدينونة لأي من خلقه.. وبذلك صاروا مسلمين.. صاروا "أمة مسلمة".. ولم تستجب للرسول طائفة أخرى من قومه. كفروا بما جاءهم به؛ وظلوا في دينونتهم لغير الله من خلقه؛ وبقوا في جاهليتهم لم يخرجوا منها إلى الإسلام.. ولذلك صاروا "أمة مشركة".. لقد انقسم القوم الواحد تجاه دعوة الرسول إلى أمتين اثنتين: أمة مسلمة وأخرى مشركة ولم يعد القوم الواحد أمة واحدة كما كانوا قبل الرسالة. مع أنهم قوم واحد من ناحية الجنس والأرومة. إلا أن آصرة الجنس والأرومة، وآصرة الأرض والمصالح المشتركة.. لم تعد هي التي تحكم العلاقات بينهم كما كانوا قبل الرسالة. لقد ظهرت مع الرسالة آصرة أخرى تجمع القوم الواحد أو تفرقه.. تلك هي آصرة العقيدة والمنهج والدينونه.. وقد فرقت هذه الآصرة بين القوم الواحد، فجعلته أمتين مختلفتين لا تلتقيان، ولا تتعايشان! ذلك أنه بعد بروز هذه المفارقة بين عقيدة كل من الأمتين؛ فاصل الرسولُ والأمة المسلمة التي معه قومهم على أساس العقيدة والمنهج والدينونة. فاصلوا الأمة المشركة التي كانت قبل الرسالة هي قومهم وهي أمتهم وهي أصلهم.. لقد افترق المنهجان، فاختلفت الجنسيتان. وأصبحت الأمتان الناشئتان من القوم الواحد لا تلتقيان ولا تتعايشان! وعندما فاصل المسلمون قومهم على العقيدة والمنهج والدينونة فصل الله بينهما؛ فأهلك الأمة المشركة، ونجى الأمة المسلمة.. واطردت هذه القاعدة على مدار التاريخ كما رأينا في السورة.. والأمر الذي ينبغي لطلائع البعث الإسلامي في كل مكان أن تكون على يقين منه: أن الله سبحانه لم يفصل بين المسلمين وأعدائهم من قومهم، إلا بعد أن فاصل المسلمون أعداءهم؛ وأعلنوا مفارقتهم لما هم عليه من الشرك؛ وعالنوهم بأنهم يدينون لله وحده، ولا يدينون لأربابهم الزائفة؛ ولا يتبعون الطواغيت المتسلطة؛ ولا يشاركون في الحياة ولا في المجتمع الذي تحكمه هذه الطواغيت بشرائع لم يأذن بها الله. سواء تعلقت بالاعتقاد، أو بالشعائر، أو بالشرائع. إن يد الله سبحانه لم تتدخل لتدمر على الظالمين، إلا بعد أن فاصلهم المسلمون.. وما دام، المسلمون لم يفاصلوا قومهم، ولم يتبرأوا منهم، ولم يعالنوهم بافتراق دينهم عن دينهم، ومنهجهم عن منهجهم، وطريقهم عن طريقهم، لم تتدخل يد الله سبحانه للفصل بينهم وبينهم، ولتحقيق وعد الله بنصر المؤمنين والتدمير على الظالمين.. وهذه القاعدة المطردة هي التي ينبغي لطلائع البعث الإسلامي أن تدركها؛ وأن ترتب حركتها على أساسها: إن الخطوة الأولى تبدأ دعوة للناس بالدخول في الإسلام؛ والدينونة لله وحده بلا شريك؛ ونبذ الدينونة لأحد من خلقه ـ في صورة من صور الدينونة ـ ثم ينقسم القوم الواحد قسمين، ويقف المؤمنون الموحدون الذين يدينون لله وحده صفاً - أو أمة - ويقف المشركون الذين يدينون لأحد من خلق الله صفاً آخر.. ثم يفاصل المؤمنون المشركين.. ثم يحق وعد الله بنصر المؤمنين والتدمير على المشركين.. كما وقع باطراد على مدار التاريخ البشري. ولقد تطول فترة الدعوة قبل المفاصلة العملية. ولكن المفاصلة العقيدية الشعورية يجب أن تتم منذ الحظة الأولى. ولقد يبطئ الفصل بين الأمتين الناشئتين من القوم الواحد؛ وتكثر التضحيات والعذابات والآلام على جيل من أجيال الدعاة أو أكثر.. ولكن وعد الله بالفصل يجب أن يكون في قلوب العصبة المؤمنة أصدق من الواقع الظاهر في جيل أو أجيال. فهو لا شك آت. ولن يخلف الله وعده الذي جرت به سنته على مدار التاريخ البشري. ورؤية هذه السنة على هذا النحو من الحسم والوضوح ضرورية كذلك للحركة الإسلامية في مواجهة الجاهلية البشرية الشاملة. فهي سنة جارية غير مقيدة بزمان ولا مكان.. وما دامت طلائع البعث الإسلامي تواجه البشرية اليوم في طور من أطوار الجاهلية المتكررة؛ وتواجهها بذات العقيدة التي كان الرسل ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ يواجهونها بها كلما ارتدت وانتكست إلى مثل هذه الجاهلية. فإن للعصبة المسلمة أن تمضي في طريقها، مستوضحة نقطة البدء ونقطة الختام، وما بينهما من فترة الدعوة كذلك. مستيقنة أن سنة الله جارية مجراها، وأن العاقبة للتقوى. وأخيراً، فإنه من خلال هذه الوقفات أمام القصص القرآني في هذه السورة تتبين لنا طبيعة منهج هذا الدين، كما يتمثل في القرآن الكريم.. إنها طبيعة حركية تواجه الواقع البشري بهذا القرآن مواجهة واقعية عملية.. لقد كان هذا القصص يتنزل على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مكة. والقلة المؤمنة معه محصورة بين شعابها، والدعوة الإسلامية مجمدة فيها، والطريق شاق طويل لا يكاد المسلمون يرون له نهاية! فكان هذا القصص يكشف لهم عن نهاية الطريق؛ ويريهم معالمه في مراحله جميعاً؛ ويأخذ بأيديهم وينقل خطاهم في هذا الطريق؛ وقد بات لاحباً موصولاً بموكب الدعوة الكريم على مدار التاريخ البشري؛ وبات بهذا الركب الكريم مأنوساً مألوفاً لا موحشاً ولا مخوفاً!.. إنهم زُمرة من موكب موصول في طريق معروف؛ وليسوا مجموعة شاردة في تيه مقطوع! وإنهم ليمضون من نقطة البدء إلى نقطة الختام وفق سنة جارية؛ ولا يمضون هكذا جزافاً يتبعون الصدفة العابرة! هكذا كان القرآن يتحرك في الصف المسلم؛ ويحرك هذا الوصف حركة مرسومة مأمونة.. وهكذا يمكن اليوم وغداً أن يتحرك القرآن في طلائع البعث الإسلامي، ويحركها كذلك في طريق الدعوة المرسوم.. إن هذه الطلائع في حاجة إلى هذا القرآن تستلهمه وتستوحيه. تستلهمه في منهج الحركة وخطواتها ومراحلها؛ وتستوحيه في ما يصادف هذه الخطوات والمراحل من استجابات؛ وما ينتظرها من عاقبة في نهاية الطريق. والقرآن ـ بهذه الصورة ـ لا يعود مجرد كلام يتلى للبركة. ولكنه ينتفض حياً يتنزل اللحظة على الجماعة المسلمة المتحركة، لتتحرك به، وتتابع توجيهاته، وتتوقع موعود الله فيه. وهذا ما نعنيه بأن هذا القرآن لا يتفتح عن أسراره إلا للعصبة المسلمة التي تتحرك به، لتحقيق مدلوله في عالم الواقع. لا لمن يقرأونه لمجرد التبرك! ولا لمن يقرأونه لمجرد الدراسة الفنية أو العلمية، ولا لمن يدرسونه لمجرد تتبع الأداء البياني فيه! إن هؤلاء جميعاً لن يدركوا من هذا القرآن شيئاً يذكر. فإن هذا القرآن لم يتنزل ليكون مادة دراسة على هذا النحو؛ إنما تنزل ليكون مادة حركة وتوجيه. إن الذين يواجهون الطاغية بالإسلام الحنيف؛ والذين يجاهدون البشرية الضالة لردها إلى الإسلام من جديد؛ والذين يكافحون الطاغوت في الأرض ليخرجوا الناس من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده.. إن هؤلاء وحدهم الذين يفقهون هذا القرآن؛ لأنهم يعيشون في مثل الجو الذي نزل فيه: ويحاولون المحاولة التي كان يحاولها من تنزل عليهم أول مرة؛ و يتذوقون في أثناء الحركة والجهاد ما تعنيه نصوصه لأنهم يجدون هذه المعاني ممثلة في أحداث ووقائع.. وهذا وحده جزاء على كل ما يصيبهم من عذابات وآلام. أأقول: جزاء؟! كلا. والله. إنه لفضل من الله كبير..{أية : قل: بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}.. تفسير : والحمد لله العظيم رب الفضل العظيم..

ابن عاشور

تفسير : استئناف للتنويه بشأن الأنباء التي مَرّ ذكرُها. واسم الإشارة إلى المذكور كلّه من القصص من قصة نوح ـ عليه السلام ـ وما بعدها. والأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر، وتقدّم في سورة الأنعام (34) في قوله: {أية : ولقد جاءك من نبأى المرسلين}. تفسير : وجملة {نقصّه عليك} حال من اسم الإشارة. وعبّر بالمضارع مع أن القصص مضى لاستحضار حالة هذا القصص البليغ. وجملة {منها قائم وحصيد} معترضة. حال من {القرى}. و{قائم} صفة لموصوف محذوف دلّ عليه عطف {وحصيد}، والمعنى: منها زَرع قائم وزرع حصيد، وهذا تشبيه بليغ. والقائم: الرزع المستقل على سُوقه. والحصيد: الزرع المحصود، فعيل بمعنى مفعول. وكلاهما مشبّه به للباقي من القرى والعافي. والمرادُ بالقائم ما كان من القرى التي قصّها الله في القرآن قُرى قائماً بعضها كآثار بلد فرعون كالأهرام وبلهوبة (وهو المعروف بأبي الهول) وهيكل الكرنك بمصر، ومثل آثار نينوى بلد قوم يونس، وأنطاكية قرية المرسلين الثلاثة، وصنعاء بلد قوم تُبّع، وقرى بائدة مثل ديار عاد، وقرى قوم لوط، وقرية مدين. وليس المراد القرى المذكورة في هذه السورة خاصة. والمقصود من هذه الجملة الاعتبار. وضمير الغيبة في {ظلمناهم} عَائد إلى {القرى} باعتبار أهلها لأنّهم المقصود. وإنّما لم يظلمهم الله تعالى لأنّ ما أصابهم به من العذاب جزاء عن سوء أعمالهم فكانوا هم الظّالمين أنفسَهم إذ جرّوا لأنفسهم العذاب. وفرع على ظلمهم أنفسَهم انتفاء إغناء آلهتهم عنهم شيئاً، ووجه ذلك الترتب والتفريع أن ظلمهم أنفسهم مَظهره في عبادتهم الأصنام، وهم لمّا عبدوها كانوا يعبدونها للخلاص من طوارق الحدثان ولتكون لهم شفعاء عند الله وكانوا في أمن من أن ينالهم بأس في الدنيا اعتماداً على دفع أصنامهم عنهم فلمّا جاء أمرهم بضد ذلك كان ذلك الضدّ مضاداً لتأميلهم وتقديرهم. والغرض من هذا التفريع التعريض بتحذير المشركين من العرب من الاعتماد على نفع الأصنام، فقد أيقن المشركون أن أولئك الأمم كانوا يعبدون الأصنام كيف وهؤلاء اقتبسوا عبادة الأصنام من الأمم السّابقين وأيقنوا أنهم قد حَلّ بهم من الاستئصال ما شاهدوا آثاره، فذلك موعظة لهم لو كانوا مهتدين. وجملة {وما زادوهم غير تتبيب} عِلاوة وارتقاء على عدم نفعهم عند الحاجة بأنّهم لم يكن شأنهم عدم الإغناء عنهم فحسبُ ولكنهم زادتهم تتبيباً وخسراناً، أي زادتهم أسبابَ الخسران. والتتبيب: مصدر تبّبه إذا أوقعه في التبَاب وهو الخسارة. وظاهر هذا أن أصنامهم زادتهم تتبيباً لمّا جاء أمر الله، لأنّه عطف على الفعل المقيّد بـ{لمّا}التوقيتية المفيدة أنّ ذلك كان في وقت مجيء أمر الله وهو حلول العذاب بهم. ووجه زيادتهم إياهم تتبيباً حينئذٍ أنّ تصميمهم على الطمع في إنقاذهم إيّاهم من المصائب حالت دونهم ودون التوبة عند سماع الوعيد بالعذاب. ويجوز أن يكون العطف لمجرّد المشاركة في الصفة دون قيدها، أي زادوهم تتبيباً قبل مجيء أمر الله بأنْ زادهم اعتقادهم فيها انصرافاً عن النظر في آيات الرّسل وزادهم تأميلهم الأصنام، وقد كانت خرافات الأصنام ومناقبها الباطلة مغرية لهم بارتكاب الفواحش والضلال وانحطاط الأخلاق وفساد التّفكير جرأة على رسل الله حتى حقّ عليهم غضب الله المستوجب حلول عذابه بهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ذلك: الإِشارة إلى قصص الأنبياء الذي تقدم في السورة. من أنباء القرى: أي أخبار أهل القرى قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط وأصحاب مدين وفرعون. منها قائم وحصيد: منها مدن بقيت آثارها كمدائن صالح، ومنها مدن لم يبق منها شيء كديار عاد. التي يدعون: أي يعبدونها بالدعاء وغيره كالذبح لها والنذور والحلف بها. غير تتبيب: أي تخسير وهلاك. إذا أخذ القرى: أي عاقبها بذنوبها. أليم شديد: أي موجع شديد الإِيجاع. معنى الآيات: لما قص تعالى على رسوله في هذه السورة ما قص من أخبار الأمم السابقة خاطبه قائلا {ذَلِكَ} أي ما تقدم في السياق {مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ} أي أهلها نقصه عليك تقريراً لنبوتك وإثباتاً لرسالتك وتثبيتاً لفؤادك وتسلية لك. وقوله تعالى {مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ} أي ومن تلك القرى البائدة منها آثار قائمة من جدران وأطلال، ومنها ما هو كالحصيد ليس فيه قائم ولا شاخص لاندراسها وذهاب آثارها. وقوله تعالى {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} بإِهلاكنا إياهم ولكن هم ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي والمجاحدة لآياتنا والمكابرة لرسولنا. وقوله تعالى {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} أي لم تغن عنهم أصنامهم التي اتخذوها آلهة فعبدوها بأنواع العبادات من دعاء ونذر وذبح وتعظيم إذ لم تغن عنهم شيئاً من الإِغناء {لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ} بعذابهم {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} أي تخسير ودمار وهلاك. ثم في الآية الأخيرة قال تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ} أي وكذلك الأخذ المذكور أخذ ربك {إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ} أي العواصم والحواضر بمن فيها والحال أنها ظالمة بالشرك والمعاصي {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} أي ذو وجع شديد لا يطاق فهل يعتبر المشركون والكافرون والظالمون اليوم فيترك المشركون شركهم والكافرون كفرهم والظالمون ظلمهم قبل أن يأخذهم الله كما أخذ من قبلهم؟. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونشر رسالته وتسليته بما يقص الله عليه من أنباء السابقين. 2- تنزه الله تعالى عن الظلم في إهلاك أهل الشرك والمعاصي. 3- آلهة المشركين لم تغن عنهم عند حلول النقمة بهم شيئا. 4- التنديد بالظلم وسوء عاقبة الظالمين.

القطان

تفسير : منها قائم: موجود. وحصيد: محصود أمّحت آثاره كالزرع المحصود. تتبيب: اهلاك وتخسير. تب: هلك وخسر. {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ}. ان هذا القصص يا محمد هو بعض اخبار القرى التي أهلكناها، وهي جديدة عليك لم تكن تعلمها من قبل، لكن الوحي من لدنّا ينبئك بهذا الغيب. وذلك بعض اغراض القرآن في قصصه. "منها قائم" ومن هذه القرى ما لا تزال آثاره تشهد بما بلغ أهله من القوة والعمران، كآثار الفراعنة بمصر، وبقايا عاد وثمود، "وحصيد" ومن تلك الآثار ما درس وزال، كأنه زرع محصود، كما حل بقوم نوح او قوم لوط وغيرهم. {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ}. وما ظلمناهم بإهلاكهم، ولكنّهم ظلموا أنفسَهم بالكفر وعبادةِ غير الله والفساد في الارض، فما استطاعت آلهتُهم ان تردّ عنهم الهلاك، ولا نفعتْهم بشيءٍ لما جاء أمر ربك، فما زادوهم غير هلاكٍ وتخسير. {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}. مثل هذا الذي قصصنْا عليك من الأخذِ الشديد يأخذ ربُّك القرى حين يهلكها وهي ظالمة مشركة تَدين لغيره بالربوبية.

د. أسعد حومد

تفسير : {قَآئِمٌ} (100) - يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ مَا سَبَقَ أَنْ قَصَصْنَاهُ عَلَيْكَ لِتَعِظَ بِهِ قَوْمَكَ مِنْ أَنْبَاءِ الأَنْبِياءِ السَّابِقِينَ، وَمَا جَرَى لَهُمْ مَعَ أَقْوَامِهِمْ، وَمَا حَدَثَ لِبِلادِهِمْ، وَمِنْ هذِهِ القُرْىَ وَالبِلاَدِ مَا هُو قَائِمٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُدَمَّرٌ مَدْكُوكٌ فِي الأَرْضِ، وَمُلْقًى كَالحَصَادِ (الحَصِيدِ)، هُوَ القَصَصُ الحَقُّ، وَمَا رَوَيْنَاهُ لَكَ هُوَ الحَقُّ الثَّابِتُ، كَمَا وَقَعَتْ أَحْدَاثُهُ. حَصِيدٌ - عَافِي الأَثَرِ كَالزَّرْعِ المَحْصُودِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقد أهلك الحق سبحانه تلك القرى بالعذاب؛ لأنها كذَّبت أنبياءها. والخطاب موجَّه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لتثبيت فؤاده، والحق سبحانه إنما يبيِّن له أن الكافرين لن يكونوا بمنجىً من العذاب؛ كما أخذ الله سبحانه الأمم السابقة الكافرة بالعذاب. وقول الحق سبحانه: {نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ..} [هود: 100]. يتطلب أن نفرِّق بين المعنى الشائع عن القصة، والمعنى الحقيقي لها، فبعض الناس يقول: إن القرآن فيه قصص، والقصص عادة تمتلىء بالتوسع، وتوضع فيها أحداث خيالية من أجل الحبكة. ولهؤلاء نقول: أنتم لم تفهموا معنى كلمة "القصة" في اللغة العربية، لأنها تعني - في لغتنا - الالتزام الحرفي بما كان فيها من أحداث، فهي مأخوذة من كلمة: "قصّ الأثر"، ومن يقص الأثر إنما يتتبع مواقع الأقدام إلى أن يصل إلى الشيء المراد. إذن: فقصص القرآن يتقصى الحقائق ولا يقول غيرها، أما ما اصطُلح عليه في عرف العامة أنه قصص، بما في تلك القصص من خيالات وعناصر مشوقة، فهذا ما يُسمَّى - لغوياً - بالروايات، ولا يُعتبر قصصاً. وقصص الإهلاك للأمم التي كفرت إنما هو عبرة لمن لا يعتبر، والناس تعلم أن ما رواه القرآن من قصص هو واقع تدل عليه آثار الحضارات التي اندثرت، وبقيت منها بقايا أحجار ونقوش على المقابر. ونحن نجد في آثار الحضارات السابقة ما هو قائم من بقايا أعمدة ونقوش، ومنها ما هو مُحطَّم. ولذلك يقول الحق سبحانه في موضع آخر من القرآن: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [الصافات: 137-138]. أي: أنكم تشاهدون من الآثار ما هو قائم وما هو حطيم. ويقول الحق سبحانه عن تلك القرى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى بعض قصص المرسلين، وما حلَّ بأممهم من النكال والدمار، ذكر هنا العبرة من سرد هذه القصص، وهي أن تكون شاهداً على تعجيل العقوبة للمكذبين والانتقام العاجل منهم وبرهاناً على تأييد الله ونصرته لأوليائه وأنبيائه، وقد ذكرت الآيات يوم القيامة وانقسام الناس فيه إِلى فريقين: سعداء، وأشقياء، وختمت السورة الكريمة بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر على الأذى، والتوكل على الحي القيوم. اللغَة: {حَصِيدٌ} مستأصل كالزرع المحصود {تَتْبِيبٍ} التباب: الهلاك والخسران قال لبيد: شعر : فلقد بَلِيتُ وكلُّ صاحب جِدَّةٍ لبِلىً يعودُ وذاكُمُ التَّتْبيبُ تفسير : {زَفِيرٌ} الزفير: إِخراج النَّفَس من شدة الجري {وَشَهِيقٌ} الشهيقُ: ردُّ النَّفَس وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره من النَّفَس في حال الغمّ الشديد ويخرجه، والشهيقُ أن يخرج ذلك النَّفَس بشدة وقال بعض أهل اللغة: الزفير مثلُ أول نهيق الحمار، والشهيق مثل آخره {مَجْذُوذٍ} مقطوع من جذَّه يجذه إِذا قطعه {تَرْكَنُوۤاْ} الركون: الميلُ إِلى الشيء والرضا به {زُلَفاً} الزُّلف: جمع زُلفة وهي الطائفة من أول الليل قال ثعلب: هي أول ساعات الليل، وأصلها من الزلفى وهي القربة {أية : وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ} تفسير : [الشعراء: 90] قُرِّبت {أُتْرِفُواْ} التَّرف: البطر يقال فلان مترف أي أبطرته النعمة وسعة العيش {مِرْيَةٍ} شك وريب. سَبَبُ النّزول: عن ابن مسعود أن رجلاً جاء إِلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إِني عالجتُ امرأةً في أقصى المدينة، وإِني أصبتُ منها من دون أن أمسَّها، وأنا هذا فاقض فيَّ ما شئتَ! فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت على نفسك، فلم يردَّ عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فانطلق الرجل ونزلت هذه الآية {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} فأتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً فدعاه فتلاها عليه. التفسِير: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ} أي ذلك القصص من أخبار القرى التي أهلكنا أهلها بكفرهم وتكذيبهم الرسل، نقصه عليك يا محمد ونخبرك عنه بطريق الوحي {مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ} أي من هذه القرى ما هو عامر قد هلك أهلُه وبقي بنيانُه، ومنها ما هو خراب قد اندثر بأهله فلم يبق له أثر كالزرع المحصود {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} أي وما ظلمناهم بإِهلاكهم بغير ذنب، ولكنْ ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي فاستحقوا عذاب الله ونقمته {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} أي ما نفعتهم آلهتهم التي عبدوها من دون الله، ولا دفعت عنهم شيئاً من عقاب الله وعذابه {لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ} أي حين جاء قضاء الله بعذابهم {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} أي وما زادتهم تلك الآلهة غير تخسير وتدمير {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ} أي مثل ذلك الأخذ والإِهلاك الذي أخذ الله به أهل القرى الظالمين المكذبين، يأخذ تعالى بعذابه الفجرة الظلمة قال الألوسي: وفي الآية من إِنذار الظالم ما لا يخفى كما قال عليه السلام "حديث : إن الله ليُملي للظالم حتى إِذا أخذه لم يفلته"تفسير : ثم قرأ الأية {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} أي إِن عذابه موجع شديد، وهذا مبالغة في التهديد والوعيد {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ} أي إِن في هذه القصص والأخبار لعظة وعبرة لمن خاف عذاب الله وعقابه في الآخرة {ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ} أي يجتمع فيه الخلائق للحساب والثواب والعقاب {وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} أي يشهده أهل السماء والأرض، والأولون والآخرون قال ابن عباس: يشهده البر والفاجر {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} أي ما نؤخر ذلك اليوم - يوم القيامة - إِلا لزمنٍ معيَّن سبق به قضاء الله، لا يتقدم ولا يتأخر {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي يوم يأتي ذلك اليوم الرهيب لا يتكلم أحدٌ إِلا بإِذن الله تعالى {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} أي فمن أهل الموقف شقيٌّ، ومنهم سعيد كقوله {أية : فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الشورى: 7] {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} أي فأما الأشقياء الذين سبقت لهم الشقاوة فإِنهم مستقرون في نار جهنم، لهم من شدة كربهم {زَفِيرٌ} وهو إِخراج النَّفَس بشدة {وَشَهِيقٌ} وهو ردُّ النَّفَس بشدة، وقال بعض المفسرين: شبِّه صراخهم في جهنم بأصوات الحمير قال الطبري: في روايته عن قتادة: صوتُ الكافر في النار صوت الحمار، أوله زفير وآخره شهيق {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ} أي ماكثين في جهنم أبداً على الدوام ما دامت السماوات والأرض قال الطبري: إِن العرب إِذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبداً قالت: هذا دائمٌ دوام السماوات والأرض بمعنى أنه دائمٌ أبداً، فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به بينهم قال ابن زيد: ما دامت السماء سماءً، والأرض أرضاً والمعنى خالدين فيها أبداً وقال الزمخشري: فيه وجهان: أحدهما أن تراد سماوات الآخرة وأرضها وهي دائمة مخلوقة للأبد، والثاني أن يكون عبارة عن التأبيد ونفي الانقطاع {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} الاستثناء في أهل التوحيد، لأن لفظة {شَقُواْ} تعم الكفار والمذنبين، فاستثنى الله من خلود أهل الشقاوة العصاة من المؤمنين، فإِنهم يطهرون في نار جهنم ثم يخرجون منها بشفاعة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ويدخلهم الله الجنة ويقال لهم: {أية : طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ}تفسير : [الزمر: 73] {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} أي يفعل ما يريد يرحمْ ويعذب كما يشاء ويختار، لا معقّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} هذا بيانٌ لحال الفريق الثاني "أهل السعادة" اللهم اجعلنا منهم أي وأما السعداء الأبرار فإِنهم مستقرون في الجنة، لا يُخْرجون منها أبداً، دائمون فيها دوام السماوات والأرض، أو ما دامت سماواتُ الجنة وأرض الجنة حسب مشيئته تعالى، وقد شاء تعالى لهم الخلود والدوام {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أي عطاءً غير مقطوع عنهم، بل هو ممتد إِلى غير نهاية {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ} أي لا تكن في شكٍ من عبادة هؤلاء المشركين في أنها ضلال بمعنى لا تشك في فساد دينهم {مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ} أي هم متبعون لآبائهم تقليداً من غير حجة ولا برهان، وهذه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ووعدٌ له بالانتقام منهم، إِذ حالُهم حالُ من سبقهم من الضالين المكذبين، وقد بلغك ما نزل بأسلافهم فسينزل بهم مثله {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ} أي وسنعطيهم جزاءهم من العذاب كاملاً غير منقوص وقال ابن عباس: ما قُدِّر لهم من الخير والشر {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} قال الطبري: يقول تعالى مسلياً نبيه في تكذيب مشركي قومه له: لا يحزنك يا محمد تكذيب هؤلاء لك، فلقد آتينا موسى التوراة كما آتيناك الفرقان، فاختلف في ذلك الكتاب، فكذَّب به بعضُهم، وصدَّق به بعضُهم، كما فعل قومك {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي ولولا حكم الله السابق بتأخير الحساب والجزاء إِلى يوم القيامة لقُضي بينهم في الدنيا فجوزي المحسن بإِحسانه، والمسيء بإِساءته، ولكن سبق القدر بتأخير الجزاء إِلى يوم الحساب {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} أي وإن الكفار قومك لفي شك من هذا القرآن مُريب لهم، إِذ لا يدرون أحقٌ هو أم باطل؟ {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} أي وإنَّ كلا من المؤمنين والكافرين لمَّا ينالوا جزاء أعمالهم وسيوفيهم ربُّك جزاءها في الآخرة {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي عليمٌ بأعمالهم جميعاً، صغيرها وكبيرها، وسيجازيهم عليها {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} أي استقم يا محمد على أمر الله واثبُت وداوم على الاستقامة كما أمركَ ربُّك {وَمَن تَابَ مَعَكَ} أي ومن تاب من الشرك والكفر وآمن معك {وَلاَ تَطْغَوْاْ} أي لا تجاوزوا حدود الله بارتكاب المحارم {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي إِنه تعالى مطلّع على أعمالكم ويجازي عليها {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ} أي لا تميلوا إِلى الظلمة من الولاة وغيرهم من الفسقة الفجرة فتمسكم نار جهنم قال البيضاوي: الركونُ هو الميل اليسير أي لا تميلوا إِليهم أدنى ميل فتمسكم النار بركونكم إِليهم، وإِذا كان الركونُ اليسير إِلى من وجد منه ما يسمى ظلماً كذلك، فما ظنك بالركون إِلى الظالمين الموسومين بالظلم، والميل إِليهم كلَّ الميل؟! {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} أي ليس لكم من يمنعكم من عذابه ثم لا تجدون من ينصركم من ذلك البلاء قال القرطبي: والآية دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي فإِن صحبتهم كفرٌ أو معصية إِذ الصحبةُ لا تكون إِلا عن مودَّة، وأما صحبة الظالم على التقيَّة فمستثناةٌ من النهي بحال الاضطرار {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ} أي أقم الصلاة المكتوبة على تمامها وكمالها أول النهار وآخره، والمراد صلاة الصبح والعصر لأنهما طرفا النهار {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} أي ساعاتٍ منه قريبةً من النهار، والمراد بهما المغرب والعشاء {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} أي إن الأعمال الصالحة ومنها الصلوات الخمس تكفّر الذنوب الصغائر، لحديث "حديث : الصلواتُ الخمسُ كفارةٌ لما بينهما ما اجتُنبت الكبائرُ"تفسير : قال المفسرون: المراد بالحسنات الصلواتُ الخمسُ واستدلوا على ذلك بسبب النزول، وهذا قول الجمهور، والأظهر أن المراد بها العموم وهو اختيار ابن كثير حيث قال: المعنى إِن فعل الخيرات يكفّر الذنوب السالفة كما جاء في الحديث "حديث : ما من مسلم يُذنب ذنباً فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غُفر له"تفسير : {ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} أي ذلك المذكور من الاستقامة والمحافظة على الصلاة، عظةٌ للمتعظين وإِرشادٌ للمسترشدين {وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي اصبر يا محمد على ما تلقى من المكاره ومن أذى المشركين، فإنَّ الله معك وهو لا يضيع ثواب المحسنين {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ} أي فهلاَّ كان من الأمم الماضية قبلكم أُولُو عقل وفضل، وجماعةٌ أخيارٌ ينهون الأشرار عن الإِفساد في الأرض {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} استثناء منقطع أي لكنْ قليلاً منهم، نهَوْا عن الفساد فَنَجَوْا قال في البحر: "لولا" في الآية للتحضيض صحبها معنى التأسف والتفجع مثل قوله {أية : يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ}تفسير : [يس: 30] والغرضُ التأسف على تلك الأمم التي لم تهتد كقوم نوح وعاد وثمود ومن تقدم ذكره {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ} أي واتَّبع أولئك الظلمة شهواتهم، وما نُعّموا به من الاشتغال بالمال واللذات وآثروها على الآخرة {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} أي وكانوا قوماً مصرِّين على الإِجرام {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} أي ما جرت عادة الله تعالى أن يهلك القرى ظلماً وأهلُها مصلحون في أعمالهم، لأنه تعالى منزّه عن الظلم، وإِنما يهلكهم بكفرهم ومعاصيهم {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي لو شاء الله لجعل الناس كلَّهم مؤمنين مهتدين على ملة الإِسلام، ولكنَّه لم يفعل ذلك للحكمة {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} أي ولا يزالون مختلفين على أديان شتى، وملل متعددة ما بين يهودي، ونصراني، ومجوسي، إِلا ناساً هداهم الله من فضله وهم أهل الحق {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} اللام لامُ العاقبة أي خلقهم لتكون العاقبة اختلافهم ما بين شقي وسعيد قال الطبري: المعنى وللاختلاف بالشقاء والسعادة خلقهم، فريق في الجنة، وفريقٌ في السعير {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي تمَّ أمر الله ونفذ قضاؤه بأن يملأ جهنم من الجنّ والإِنس من الكفرة الفجرة جميعاً قال الألوسي: والجملة متضمنة معنى القسم ولذا جيء باللام في {لأَمْلأَنَّ} وكأنه قال: واللهِ لأملأن جهنم من أتباع إِبليس من الإِنس والجن أجمعين {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} أي كل هذه الأخبار التي قصصناها عليك يا محمد من أخبار الرسل السابقين، إِنما هي بقصد تثبيتك على أداء الرسالة، وتطمين قلبك، ليكون لك بمن مضى من إِخوانك المرسلين أسوة فتصبر كما صبروا {وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ} أي جاءك في هذه الأنباء التي قصها الله عليك النبأ اليقيني الصادق {وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي وجاءك في هذه الأخبار أيضاً ما فيه عظة وعبرة للمعتبرين، وخصَّ المؤمنين بالذكر لانتفاعهم بمواعظ القرآن {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ} أي اعملوا على طريقتكم ومنهجكم إِنا عاملون على طريقتنا ومنهجنا، وهو أمرٌ ومعناه التهديد والوعيد {وَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} تهديدٌ آخر أي انتظروا ما يحلُّ بنا إِنا منتظرون ما يحل بكم من عذاب الله {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي علمُ ما غاب وخفي فيهما، كلُّ ذلك بيده وبعلمه {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ} أي إِليه يردُّ أمر كل شيء، فينتقم ممن عصى، ويثيب من أطاع وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتهديد للكفار بالانتقام منهم {فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} أي اعبد ربَّك وحده، وفوّضْ إِليه أمرك، ولا تعتمدْ على أحدٍ سواه، فإِنه كافي من توكُّل عليه {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} أي لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد، ويجازي كلاً بعمله. البَلاَغَة: 1- {مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ} شبَّه ما بقي من آثار القرى وجدرانها بالزرع القائم على ساقه، وشبَّه ما هلك مع أهله ولم يبق له أثر بالزرع المحصود بالمناجل على طريق الاستعارة المكنية. 2- {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} فيه طباق السلب. 3- {إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ} مجازٌ عن الأهل أي أخذ أهل القرى. 4- {شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} بينهما طباقٌ وهو من المحسنات البديعية. 5- {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ ... وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ} فيه لفٌ ونشر مرتب. 6- {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} الكلمة هنا كناية عن القضاء والقدر. 7- {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} بينهما طباقٌ. 8- {ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} بينهما جناس الاشتقاق. تنبيه: خلود أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، ثابتٌ مقطوعٌ به بالنصوص العديدة، وأما الاستثناء بالمشيئة في هذه السورة فقد استعمل في أسلوب القرآن للدلالة على الثبوت والاستمرار، والنكتة في ذكره بيان أنَّ هذه الأمور إِنما كانت بمشيئته تعالى ولو شاء لغيَّرها، وليس شيء خارج عن مشيئته، فالإِيمان والكفر، والسعادة والشقاوة، والخلود والخروج كلها بمشيئته تعالى. فَائِدَةَ: أشار الشهاب إِلى لطيفةٍ من البلاغة القرآنية، وهي أن الأوامر بأفعال الخير أفردت للنبي صلى الله عليه وسلم وإِن كانت عامة في المعنى {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ، وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ، وَٱصْبِرْ} وفي المنهيات جمعت للأمة {وَلاَ تَطْغَوْاْ، وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} كذا في العناية.

الأندلسي

تفسير : {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ} الآية، الإِشارة بذلك إلى ما تقدم من ذكر الأنبياء وقومهم وما حل بهم من العقوبات أي ذلك النبأ بعض أنباء القرى. والضمير في منها عائد على القرى. قال ابن عباس: قائم عامر وحصيد داثر. قال الزمخشري: فإِن قلت: ما محل هذه الجملة؟ قلت: هي مستأنفة لا محل لها. "انتهى". وقال أبو البقاء: منها قائم مبتدأ وخبر في موضع الحال من الهاء في نقطة. وحصيد مبتدأ خبره محذوف أي ومنها حصيد. "انتهى". وما ذكره أبو البقاء يجوز أي نقصه عليك وحال القرى ذلك فالحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين أي نقص عليك نقص أنباء القرى وهي على هذه الحال يشاهدون فعل الله تعالى بها. {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ} ما نافية أو استفهامية بمعنى أيُّ شىء. {ٱلَّتِي يَدْعُونَ} وغير تتبيب أي غير تخسير. {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ} الآية، أي ومثل ذلك الأخذ أخذ الله الأمم السابقة أخذ ربك. والقرى عام في القرى الظالمة، والظلم: يشمل ظلم الكفر وغيره. ذلك إشارة إلى يوم القيامة الدال عليه قوله عذاب الآخرة، والناس مفعول لم يسم فاعله رافعه مجموع. وأجاز ابن عطية أن يكون الناس مبتدأ ومجموع خبر مقدم وهو بعيد لإِفراد الضمير في مجموع وقياسه على إعرابه مجموعون ومجموع له الناس عبارة عن الحشر. "ومشهود" عام يشهده الأوّلون والآخرون من الإِنس والجن والملائكة والحيوان. {وَمَا نُؤَخِّرُهُ} أي ذلك اليوم. وقيل: يعود على الجزاء. {إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} أي القضاء السابق قد نفذ بأجل محدود لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه. والظاهر أن الفاعل بيأتي ضمير يعود على ما عاد عليه الضمير في نؤخره، وهو قوله: ذلك يوم، والناصب له لا تكلَّم والمعنى لا تكلم نفس يوم يأتي ذلك اليوم إلا بإِذنه تعالى وذلك من عظم المهابة والهول في ذلك اليوم. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ} الآية، الزفير: أول نهيق الحمار، والشهيق: آخره. وانتصاب خالدين على أنها حال مقدرة. وما: مصدرية ظرفية، أي مدة دوام السماوات والأرض، والمراد بهذا التوقيت التأكيد كقول العرب: ما أقام ثبير وما لاح كوكب وضعت العرب ذلك للتأبيد من غير نظر لفناء ثبير أو الكوكب أو لعدم فنائهما.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ} [هود: 100] أخباراً عن أحوال الأخيار والأرواح والنفوس الساكنة فيها، {نَقُصُّهُ عَلَيْكَ} [هود: 100] نخبرك؛ لتكون عالماً بأحوال، {مِنْهَا قَآئِمٌ} [هود: 100] من الأجساد بعضها قائم قابل لتداول ما فات عنها وإصلاح ما أفسدت النفس منها، {وَحَصِيدٌ} [هود: 100] أي: ومن الأجساد ما هو محصود بمحصد الموت ما يؤمن عن التدارك، {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} [هود: 101] فيما أعطيناهم من استعداد الروحاني والجسماني والحيواني، فإنه آله تحصيل كآلات لا يدركها الملائكة المقربون، {وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} [هود: 101] باستعمالها على وفق الطبيعة على بدل حكم الشريعة فافسدوا استعدادهم في عبادة طاغوت الهوى ووثن الدنيا واصنام شهواتها. {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ} [هود: 101] من الهوى والدنيا وشهواتها، {ٱلَّتِي يَدْعُونَ} [هود: 101] يعبدون، {مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} [هود: 101] من سخط الله ولعنته. {لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ} [هود: 101] أي: الأمر الذي قدر لهم في الأزل من الطرد والإبعاد، {وَمَا زَادُوهُمْ} [هود: 101] أي: الآلهة وعبادتها، {غَيْرَ تَتْبِيبٍ} [هود: 101] غير تخسير وهو خسارة عبادتها وحسرة ترك عبادة الله وفوات تلك السعادة، {وَكَذٰلِكَ} [هود: 102] أي: كما أخذ الروح والنفس بما أفسدوا استعدادهم كذلك، {أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ} [هود: 102] وهي الأجساد والأبدان، {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} [هود: 102] بأعمالها على وفق طبع النفس الأمارة بالسوء من السيئات البدنية على خلاف الأحكام الشرعية، {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ} [هود: 102] للأبدان، {شَدِيدٌ} [هود: 102] على النفوس والأرواح بالبعد والخذلان. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} [هود: 103] أي: فيما ذكر من إفساد الاستعداد والأخذ به، {لآيَةً} [هود: 103] دلالة يستدل بها على الحق والتوحيد، {لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ} [هود: 103] أي: المؤمن؛ لأن غير المؤمن لا يخاف عذاب الآخرة؛ لأنه لا يؤمن بها وهي أن الله تعالى لا يجير الظالم؛ ولكن بمهلة ويكله إلى نفسه يظلم على نفسه وعلى نفس غيره فيؤاخذه الله تعالى بظلمه عدلاً منه؛ ولكنه إذا نظر بفضله ورحمته إلى عبد بنظر العناية يزيل بنور العناية ظلمات أمارية نفسه فتصير نفسه مأمورة لأمر الشريعة فلا يعمل إلا للنجاة من عذاب الآخرة ونيل الدرجات والقربات في الآخرة. {ذٰلِكَ} [هود: 103] يعني: الآخرة، {يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ} [هود: 103] أي: يجمع فيه بين الأرواح والنفوس والأجساد، {وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} [هود: 103] فيه أعمال العباد تغيرها وتصيرها كل واحد يشاهد أعماله وقارئ كتابه {وَمَا نُؤَخِّرُهُ} [هود: 104] إلى اليوم المشهود، {إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} [هود: 104] وقت معلوم. {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [هود: 105] يعني: يوم لا تتكلم فيه النفوس؛ لظهور سطوة آثار القهر إلا بإذن الله، {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ} [هود: 105] محكوم عليه بالشقاوة في الأزل، {وَسَعِيدٌ} [هود: 105] محكوم عليه بالسعادة في الأزل، وعلامة الشقاوة: الإعراض عن الحق وطلبه، والإصرار على المعاصي من غير ندم عليها، والحرص على الدنيا حلالها وحرامها، وأخذ الدين بالهوى والتقليد والبدع، وعلامة السعادة: الإقبال على الله وطلبه، والاستغفار عن المعاصي، والتوبة إلى الله، والقناعة باليسير من الدنيا، وطلب الحلال منها، واتباع السنة، واجتناب البدعة، ومخالفة الهوى. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ} [هود: 106] في الأزل، {فَفِي ٱلنَّارِ} [هود: 106] نار الحسرة والقطيعة، {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ} [هود: 106] من الحسرة {وَشَهِيقٌ} [هود: 106] من القطيعة، {خَالِدِينَ فِيهَا} [هود: 107] في نار القطيعة، {مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ} [هود: 107] سماوات الأرواح والقلوب، {وَٱلأَرْضُ} [هود: 107] أرض النفوس والبشرية، {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} [هود: 107] من السعداء من الأشقياء؛ ذلك لأن أهل الشقاء على ضربين: شقي وأشقى، فيكون من أهل التوحيد شقي بالمعاصي سعيد بالتوحيد، فالمعاصي تدخله النار، والتوحيد يخرجه منها، ويكون من أهل الكفر والبدعة أشقى يصليه كفره وتكذيبه إلى النار فيبقى خالداً مخلداً. {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [هود: 107] من الأزل وهو أخرج أهل التوحيد عن النار وأخلد أهل الكفر فيها.

همام الصنعاني

تفسير : 1248- حدثنا عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ}: [الآية: 100]، قال: قائمة خاوية على عروشها {وَحَصِيدٌ} مُسْتَأْصَلَة.