Verse. 1575 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَكَذٰلِكَ اَخْذُ رَبِّكَ اِذَاۗ اَخَذَ الْقُرٰي وَہِىَ ظَالِمَۃٌ۝۰ۭ اِنَّ اَخْذَہٗۗ اَلِيْمٌ شَدِيْدٌ۝۱۰۲
Wakathalika akhthu rabbika itha akhatha alqura wahiya thalimatun inna akhthahu aleemun shadeedun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكذلك» مثل ذلك الأخذ «أخذ ربك إذا أخذ القرى» أريد أهلها «وهي ظالمة» بالذنوب: أي فلا يغني عنهم من أخذه شيء «إن أخذه أليم شديد» روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (وكذلك أخذ ربك) الآية.

102

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم والجحدري: {إِذْ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ } بألف واحدة، وقرأ الباقون بألفين. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما أخبر الرسول - عليه السلام - في كتابه بما فعل بأمم من تقدم من الأنبياء لما خالفوا الرسل وردوا عليهم من عذاب الاستئصال، وبين أنهم ظلموا أنفسهم فحل بهم العذاب في الدنيا قال بعده: {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ } فبين أن عذابه ليس بمقتصر على من تقدم، بل الحال في أخذ كل الظالمين يكون كذلك وقوله: {وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ } الضمير فيه عائد إلى القرى وهو في الحقيقة عائد إلى أهلها، ونظيره قوله: { أية : وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَـٰلِمَةً } تفسير : [الأنبياء: 11] وقوله: { أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } تفسير : [القصص: 58]. واعلم أنه تعالى لما بين كيفية أخذ الأمم المتقدمة ثم بين أنه إنما يأخذ جميع الظالمين على ذلك الوجه أتبعه بما يزيده تأكيداً وتقوية فقال: {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } فوصف ذلك العذاب بالإيلام وبالشدة، ولا منغصة في الدنيا إلا الألم، ولا تشديد في الدنيا وفي الآخرة، وفي الوهم والعقل إلا تشديد الألم. واعلم أن هذه الآية تدل على أن من أقدم على ظلم فإنه يجب عليه أن يتدارك ذلك بالتوبة والإنابة لئلا يقع في الأخذ الذي وصفه الله تعالى بأنه أليم شديد ولا ينبغي أن يظن أن هذه الأحكام مختصة بأولئك المتقدمين، لأنه تعالى لما حكى أحوال المتقدمين قال: {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ } فبين أن كل من شارك أولئك المتقدمين في فعل ما لا ينبغي، فلا بد وأن يشاركهم في ذلك الأخذ الأليم الشديد. ثم قال تعالى: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَةً لّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلأَخِرَةِ } قال القفال: تقرير هذا الكلام أن يقال: إن هؤلاء إنما عذبوا في الدنيا لأجل تكذيبهم الأنبياء وإشراكهم بالله، فإذا عذبوا في الدنيا على ذلك وهي دار العمل، فلأن يعذبوا عليه في الآخرة التي هي دار الجزاء كان أولى. واعلم أن كثيراً ممن تنبه لهذا البحث من المفسرين عولوا على هذا الوجه، بل هو ضعيف، وذلك لأنَّ على هذا الوجه الذي ذكره القفال يكون ظهور عذاب الاستئصال في الدنيا دليلاً على أن القول بالقيامة والبعث والنشر حق وصدق، وظاهر الآية يقتضي أن العلم بأن القيامة حق كالشرط في حصول الاعتبار بظهور عذاب الاستئصال، وهذا المعنى كالمضاد لما ذكره القفال، لأن القفال يجعل العلم بعذاب الاستئصال أصلاً للعلم بأن القيامة حق، فبطل ما ذكره القفال والأصوب عندي أن يقال: العلم بأن القيامة حق موقوف على العلم بأن المدبر لوجود هذه السموات والأرضين فاعل مختار لا موجب بالذات وما لم يعرف الإنسان أن إله العالم فاعل مختار وقادر على كل الممكنات وأن جميع الحوادث الواقعة في السموات والأرضين لا تحصل إلا بتكوينه وقضائه، لا يمكنه أن يعتبر بعذاب الاستئصال، وذلك لأن الذين يزعمون أن المؤثر في وجود هذا العالم موجب بالذات لا فاعل مختار، يزعمون أن هذه الأحوال التي ظهرت في أيام الأنبياء مثل الغرق والحرق والخسف والمسخ والصيحة كلها إنما حدثت بسبب قرانات الكواكب واتصال بعضها ببعض، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ لا يكون حصولها دليلاً على صدق الأنبياء، فأما الذي يؤمن بالقيامة، فلا يتم ذلك الإيمان إلا إذا اعتقد أنه إله العالم فاعل مختار وأنه عالم بجميع الجزئيات، وإذا كان الأمر كذلك لزم القطع بأن حدوث هذه الحوادث الهائلة والوقائع العظيمة إنما كان بسبب أن إله العالم خلقها وأوجدها وأنها ليست بسبب طوالع الكواكب وقراناتها، وحينئذ ينتفع بسماع هذه القصص، ويستدل بها على صدق الأنبياء، فثبت بهذا صحة قوله: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَةً لّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلأَخِرَةِ }. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ }. واعلم أنه تعالى لما ذكر الآخرة وصف ذلك اليوم بوصفين: أحدهما: أنه يوم مجموع له الناس، والمعنى أن خلق الأولين والآخرين كلهم يحشرون في ذلك اليوم ويجمعون. والثاني: أنه يوم مشهود قال ابن عباس رضي الله عنهما يشهده البر والفاجر. وقال آخرون يشهده أهل السماء وأهل الأرض، والمراد من الشهود الحضور، والمقصود من ذكره أنه ربما وقع في قلب إنسان أنهم لما جمعوا في ذلك الوقت لم يعرف كل أحد إلا واقعة نفسه، فبين تعالى أن تلك الوقائع تصير معلومة للكل بسبب المحاسبة والمساءلة. ثم قال تعالى: {وَمَا نُؤَخّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ } والمعنى أن تأخير الآخرة وإفناء الدنيا موقوف على أجل معدود وكل ماله عدد فهو متناه وكل ما كان متناهياً فإنه لا بد وأن يفنى، فيلزم أن يقال إن تأخير الآخرة سينتهي إلى وقت لا بد وأن يقيم الله القيامة فيه، وأن تخرب الدنيا فيه، وكل ما هو آت قريب.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: وكما أهلكنا أولئك القرون الظالمة المكذبة لرسلنا، كذلك نفعل بأشباههم {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} وفي الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إِن الله ليملي للظالم، حتى إِذا أخذه لم يفلته» تفسير : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ} الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} مثل الأخذ {أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ} أُريد أهلها {وَهِىَ ظَٰلِمَةٌ} بالذنوب: أي فلا يغني عنهم من أخذه شيء {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : إِن الله ليملي للظالم حتى إِذا أخذه لم يفلته » تفسير : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وكذلك أَخذ ربك} الآية.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه} فيه ثلاث تأويلات: أحدها: لا تشفع إلا بإذنه. الثاني: لا تتكلم إلا بالمأذون فيه من حسن الكلام لأنهم ملجؤون إلى ترك القبيح. الثالث: أن لهم في القيامة وقت يمنعون فيه من الكلام إلا بإذنه. {فمنهم شقيٌ وسعيد} فيه وجهان: أحدهما: محروم ومرزوق، قاله ابن بحر. الثاني: معذب ومكرم، قال لبيد. شعر : فمنهم سعيد آخذٌ بنصيبه ومنهم شقي بالمعيشة قانعُ تفسير : ثم في الشقاء والسعادة قولان: أحدهما: أن الله تعالى جعل ذلك جزاء على عملهما فأسعد المطيع وأشقى العاصي، قاله ابن بحر. الثاني: أن الله ابتدأهما بالشقاوة والسعادة من غير جزاء. وروى عبد الله بن عمر عن أبيه أنه قال: لما نزلت {فمنهم شقي وسعيد} قلت: يا رسول الله فعلام نعمل؟ أعلى شيء قد فرغ منه أم على ما لم يفرغ منه؟ فقال: "حديث : بلى على شيء قد فرغ منه يا عمر، وجرت به الأقلام ولكن كل شيء ميسور لما خلق له ".

النسفي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ } محل الكاف الرفع أي ومثل ذلك الأخذ {أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ } أي أهلها {وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ } حال من {القرى} {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } مؤلم شديد صعب على المأخوذ وهذا تحذير لكل قرية ظالمة من كفار مكة وغيرها فعلى كل ظالم أن يبادر التوبة ولا يغتر بالإمهال {إِنَّ فِى ذَلِكَ } فيما قص الله من قصص الأمم الهالكة {لآيَةً } لعبرة {لّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ } أي اعتقد صحته ووجوده {ذٰلِكَ } إشارة إلى يوم القيامة لأن عذاب الآخرة دل عليه {يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ } وهو مرفوع بمجموع كما يرفع فعله إذا قلت يجمع له الناس. وإنما آثر اسم المفعول على فعله لما في اسم المفعول من دلالته على ثبات معنى الجمع لليوم. وإنه أثبت أيضاً لإسناد الجمع إلى الناس وأنهم لا ينفكون منه يجمعون للحساب والثواب والعقاب {وَذٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } أي مشهود فيه فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به أي يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد {وَمَا نُؤَخّرُهُ} أي اليوم المذكور. الأجل يطلق على مدة التأجيل كلها وعلى منتهاها، والعد إنما هو للمدة لا لغايتها ومنتهاها، فمعنى قوله {وما نؤخره} { إِلاَّ لاِجَلٍ مَّعْدُودٍ } إلا لانتهاء مدة معدودة بحذف المضاف، أو ما نؤخر هذا اليوم إلا لتنتهي المدة التي ضربناها لبقاء الدنيا {يَوْمَ يَأْتِ } وبالياء مكي، وافقه أبو عمرو ونافع وعلي في الوصل، وإثبات الياء هو الأصل إذ لا علة توجب حذفها، وحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل ونظيره {أية : مَا كُنَّا نَبْغِ }تفسير : [الكهف: 64] وفاعل {يأت} ضمير يرجع إلى قوله {يوم مجموع له الناس} لا اليوم المضاف إلى {يأت} و{يوم} منصوب باذكر أو بقوله {لاَ تَكَلَّمُ } أي لا تتكلم {نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } أي لا يشفع أحد إلا بإذن الله، {أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } تفسير : [البقرة: 255] {فَمِنْهُمْ } الضمير لأهل الموقف لدلالة {لا تكلم نفس} عليه وقد مر ذكر الناس في قوله {مجموع له الناس} {شَقِيٌّ } معذب {وَسَعِيدٌ } أي ومنهم سعيد أي منعم.

الخازن

تفسير : {وكذلك أخذ ربك} يعني وهكذا أخذ ربك {إذا أخذ القرى وهي ظالمة} الضمير في وهي عائد على القرى والمراد أهلها {إن أخذه أليم شديد} (ق) عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد"تفسير : فالآية الكريمة في الحديث دليل على أن من أقدم على ظلم فإنه يجب أن يتدارك ذلك بالتوبة والإنابة ورد الحقوق إلى أهلها إن كان الظلم للغير لئلا يقع في هذا الوعيد العظيم والعذاب الشديد ولا يظن أن هذه الآية حكمها مختص بظالمي الأمم الماضية بل هو عام في كل ظالم ويعضده الحديث والله أعلم. قوله عز وجل: {إن في ذلك لآية} يعني ما ذكر من عذاب الأمم الحالية وإهلاكهم لعبرة وموعظة {لمن خاف عذاب الآخرة} يعني أن إهلاك أولئك عبرة يعتبر بها وموعظة يتعظ بها من كان يخشى الله ويخاف عذابه في الآخرة لأنه إذا نظر ما أحل الله بأولئك الكفار في الدنيا من أليم عذابه وعظيم عقابه وهو كالنموذج مما أعد لهم في الآخرة اعتبر به فيكون زيادة في خوفه وخشيته من الله {ذلك يوم مجموع له الناس} يعني يوم القيامة تجمع فيه الخلائق من الأولين والآخرين للحساب والوقوف بين يدي رب العالمين {وذلك يوم مشهود} يعني يشهده أهل السماء وأهل الأرض {وما نؤخره إلا لأجل معدود} يعني وما نؤخر ذلك اليوم وهو يوم القيامة إلا إلى وقت معلوم محدود وذلك الوقت لا يعلمه أحد إلا الله تعالى: {يوم يأت} يعني ذلك اليوم {لا تكلم نفس إلا بإذنه} قيل: إن جميع الخلائق يسكتون في ذلك اليوم فلا يتكلم أحد فيه إلا بإذن الله تعالى. فإن قلت كيف وجه الجمع بين هذه الآية وبين قوله سبحانه وتعالى: {أية : يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها}تفسير : [النحل: 111] وقوله إخباراً عن محاجة الكفار{أية : والله ربنا ما كنا مشركين}تفسير : [الأَنعام: 23] والأخبار أيضاً تدل على الكلام في ذلك اليوم. قلت: يوم القيامة يوم طويل وله أحوال مختلفة وفيه أهوال عظيمة ففي بعض الأحوال لا يقدرون على الكلام لشدة الأهوال وفي بعض الأحوال يؤذن لهم في الكلام فيتكلمون وفي بعضها تخفف عنهم تلك الأهوال فيحاجون ويجادلون وينكرون، وقيل: المراد من قوله لا تكلم نفس إلا بإذنه الشفاعة يعني لا تشفع نفس لنفس شيئاً إلا أن يأذن الله لها في الشفاعة {فمنهم} يعني فمن أهل الموقف {شقي وسعيد} الشقاوة خلاف السعادة والسعادة هي معاونة الأمور الإلهية للإنسان ومساعدته على فعل الخير والصلاح وتيسيره لها ثم السعادة على ضربين سعادة دنيوية وسعادة أخروية وهي السعادة القصوى لأن نهايتها الجنة وكذلك الشقاوة على ضربين أيضاً شقاوة دنيوية وشقاوة أخروية وهي الشقاوة القصوى لأن نهايتها النار فالشقي من سبق له الشقاوة في الأزل والسعيد من سبقت له السعادة في الأزل (ق). حديث : عن علي بن أبي طالب قال:"كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس وجعل ينكت بمخصرته ثم قال: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسيصير لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسيصير لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى}"تفسير : الآية. بقيع الغرقد هو مقبرة أهل المدينة الشريفة ومدفنهم والمخصرة كالسوط والعصا ونحو ذلك مما يمسكه بيده الإنسان والنكت بالنون والتاء المثناة من فوق ضرب الشيء بتلك المخصرة أبو اليد ونحو ذلك حتى يؤثر فيه واستدل بعض العلماء بهذه الآية وهذا الحديث على أن أهل الموقف قسمان شقي وسعيد لا ثالث لهما وظاهر الآية والحديث يدل على ذلك لكن بقي قسم آخر مسكوت عنه وهو من استوت حسناته وسيئاته وهم أصحاب الأعراف في قول والأطفال والمجانين الذين لا حسنات لهم ولا سيئات فهؤلاء مسكوت عنهم فهم تحت مشيئة الله عز وجل يوم القيامة يحكم فيهم بما يشاء وتخصيص هذين القسمين بالذكر لا يدل على نفي القسم الثالث {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها} أي في النار من العذاب والهوان {زفير وشهيق} أصل الزفير ترديد النفس في الصدر حتى تنتفخ منه الضلوع والشهيق رد النفس إلى الصدر أو الزفير مده وإخراجه من الصدر وقال ابن عباس: الزفير الصوت الشديد والشهيق الصوت الضعيف، وقال الضحاك ومقاتل: الزفير أول صوت الحمار والشهيق آخره إذا رده إلى صدره وقال أبو العالية، الزفير في الحلق والشهيق في الجوف.

السيوطي

تفسير : أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن الله سبحانه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ ‏ {‏وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد‏}‏ ‏"‏. تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه قال‏:‏ لا يغرنكم طول النسيئة ولا حسن الطلب، فإن أخذه أليم شديد‏. وأخرج ابن أبي داود عن سفيان رضي الله عنه قال‏:‏ في قراءة عبد الله ‏"‏كذلك أخذ ربك‏"‏ بغير واو. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد أنه قرأها ‏"‏وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى بظلم‏"‏‏. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه قال‏:‏ إن الله تعالى حذر هذه الأمة سطوته بقوله ‏ {‏وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد‏} ‏‏.

القشيري

تفسير : إنَّ الحقَّ - سبحانه - يمهل ولكن لا يهمل، ويحكم ولكن لا يعجّل، وهو لا يُسأل عمَّا يفعل. وقيل إذا أخذ النفوسَ بالتوفيق فلا سبيل للخذلان إليها، وإذا أخذ القلوبَ بالتحقيق فلا طريق للحرمان عليها. قال تعالى: {أية : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}تفسير : [البروج: 12].

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ} تهديد لاهل الغفلة فى النعمة الذين شغلهم النعمة عن رؤية المنعم قال ابو بكر الوراق اذا سخط الله على قوم اكثر عليهم نعمه وانساهم شكره ونزع عن قلوبهم التوفيق وتراهم سدى حتى اغمروا فى المعاصى واستوجبوا اخذة اخذهم على غرة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكذلك} الكاف فى محل الرفع على انها خبر مقدم للمصدر المذكور بعده اى مثل ذلك الاخذ الذى مر بيانه {اخذ ربك اذا اخذ القرى} اى اهلها وانما اسند اليها للاشعار بسريان اثره اليها {وهى ظالمة} حال من القرى وهى فى الحقيقة لاهلها لكنها لما اقيمت مقامهم فى الاخذ اجريت الحال عليها وفائدتها الاشعار بانهم اخذوا بظلمهم وكفرهم ليكون ذلك عبرة لكل ظالم {ان اخذه اليم شديد} اى عقوبة مؤلمة شديدة صعبة على المأخوذ والمعاقب لا يرى منها الخلاص وعن ابى موسى رضى الله عنه انه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الله ليملى للظالم حتى اذا اخذه لم يفلته ثم قرأ وكذلك اخذ ربك" تفسير : الآية شعر : كسى كر صرصر ظلمش دمادم جراغ عيش مظلومان بميرد نميترسد ازان كايزد تعالى اكرجه دير كيرد سخت كيرد تفسير : والله تعالى لا يجير الظالم ولكن يمهله ويكله الى نفسه يظلم على نفسه وعلى نفس غيره فيؤاخذه الله تعالى بظلمه عدلا منه ولكنه اذا نظر بفضله ورحمته الى عبد بنظر العناية يزيل بنور العناية ظلمات امارية نفسه فتصير نفسه مأمورة لامر الشريعة فلا يعمل الا للنجاة من عذاب الآخرة ونيل الدرجات والقربات فعلى كل من اذنب ان يحذر اخذ ربه فيبادر الى التوبة ويترك التسويف فانه ورد (هلك المسوفون) شعر : قبول توبة بر رب كريمست فعجل ان فى التأخير آفات

الطوسي

تفسير : وجه التشبيه في قوله {وكذلك أخذ ربك} ان اخذه الظالم الذي يساوي من تقدمه في ظلمه وحاله في بطلان الفلاح ببقائه، كأخذه الذي قبله، لانه ليس هناك محاباة لاحد من خلقه. والاخذ نقل الشيء الى جهة الآخذ، فلما نقلهم الله الى جهة عقابه كان قد اخذهم به، والظالم الفاعل للظلم والعادل الفاعل للعدل. ثم اخبر تعالى ان اخذه للظالم مؤلم شديد، والشدة تجمع يصعب معه التفكك، ويقال للنقص شدة، وشدة الألم لجمعه على النفس بما يعسر زواله.

الجنابذي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} الاخذ بالحصاد والاستيصال بالكلّيّة {أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ} اى اهلها {وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ} فى موضع التّعليل {أَلِيمٌ شَدِيدٌ} وذلك انّه تعالى يمهل الظّالم الّذى انصرف عنه الى الشّيطان حتّى استتمّ جهات الغواية واستحقّ كمال العقوبة.

اطفيش

تفسير : {وكَذلكَ} خبر، أى ومثل ذلك الأخذ، أو ثابت كذلك {أخْذ ربِّكَ} مبتدأ، وقرئ أخذ بفتح الهمزة والخاء والذال، ورفع ربك، فيكون كذلك مفعولا مطلقا أى أخذ ربك أخذا ثابتا كذلك، أو مثل ذلك، ومفعول أخذ محذوف أى أخذ القرى. {إذا أخَذَ القُرَى} أى إذا أراد أخذها، والمراد أهلها، وقرئ إذ بإسكان الذال، لأن المعنى على المضى، وأما قراءة الجمهور فعلى حكاية زمان يكون إهلاك القرى مستقبلا بالنسبة إليه، والمراد أنه يفعل بمن هو غير ماض ما فعل بمن مضى. {وهىَ ظَالمةٌ} حال من القرى مربوطة بالواو والضمير، والظلم صفة لأهلها، وصفت لأنهم فيها، وقد أقيمت مقامهم فى قوله: {إذ أخذ القرى} فأجريت الصفة عليها هنا أيضا، وفائدة هذا الحال بيان أن موجب الإهلاك الظلم، وهو حكم مستمر يعم المشرك والموحد الظالم لغيره أو لنفسه، باقتراف الذنب، فيجب على من صدر منه ظلم لنفسه أو لغيره أن يبادر التوبة. {إنَّ أخْذَه أليمٌ شَديدٌ} لما يتخلص منه، قال أبو موسى الأشعرى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله ليمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفعله" ثم قرأ: "وكذا أخذ ربك"" تفسير : الآية، وقيل: المراد فى الآية بالظلم الشرك، ويحمل عليه سائر الظلم، بدليل هذا الحديث ونحوه، بل ظاهر الحديث، وذكر الآية فيه يقوى أن الظلم فى الآية الشرك وغيره، ودلالة قراءة الجمهور على استمرار الحكم أقوى، بل قيل: قراءة غيرهم لا تفهمه أصلا، بل يقال به حملا من خارج.

اطفيش

تفسير : {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى} والإِشارة إِلى أَخذ غير أَخذ القرى المذكور، وهو الأَصل لأَن الله جل وعلا لم يذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أَخذ كل قرية أَخذها، أَو أَراد ما ذكر فى غير هذه السورة ويحتمل أَن تكون الإِشارة إِلى الأَخذ المذكور بعد فتكون الكاف مقحمة للدلالة على فخامة شأْن المشار إِليه والتلويح إِليه كأَنه مشاهد، ففى الوجه الأَول القرى غير المذكورة فى السورة وتنازع أَخذ وأَخذ فى القرى، وأَعمل الأَول فى ضميرها وحذف لأَنه فضلة عمل فيه المهمل، أَى وكذلك أَخذها ربك بإِسكان الخاءِ وضم الذال ورفع ربُّ على الفاعلية للأَخذ والاستقبال بإِذا على فرض أَنه صلى الله عليه وسلم سابق لأَخذ البعض متأَخر عن أَخذ البعض، أَو إِذا بمعنى إِذ باسكان الذال أَو أراد القرى التى تهلك على يد أَمته بعده {وَهِىَ ظَالِمَةٌ} حال بين الله عز وجل أَن عاقبة ظلم النفس بالمعاصى وظلم الخلق وخيمة فى كل عصر فإِن لم تظهر فى الدنيا ظهرت فى الآخرة، ولا يخفى أَن أَخذ القرى وظلمها أَخذ أَهلها وظلمهم على ما مر {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} وجيع فى نفسه على التجوز الموجع بفتح الجيم كذلك أَو بكسرها شديد لعظمه ودوامه وحضوره بحيث لا يرجى دفعه ولا الخلاص منه، ولا يتخلص ذلك بالأُمم السابقة ولا بأَهل الشرك كما قال أَبو موسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : أَن الله ليملى على الظالم حتى إِذا أَخذه لم يفلته، ثم قرأَ صلى الله عليه وسلم: {وكذلك أَخذ ربك إِذ أَخذ القرى وهى ظالمة إِن أَخذه أَليم شديد} تفسير : فنقول يجب على الظالم أَن يقلع عن الظلم ويقضى التباعات.

الالوسي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} أي مثل ذلك الأخذ والإهلاك الذي مر بيانه، وهو على ما قال السمين: خبر مقدم، وقوله سبحانه: {أَخْذُ رَبّكَ} مبتدأ مؤخر، وقيل: بالعكس، والكاف يحتمل أن تكون اسمية وأن تكون حرفية وقد يجعل المشار إليه الأخذ المذكور بعد كما تحقق قبل، وفي قراءة عبد الله (كذلك) بغير واو. {إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ} أي أهلها وإنما أسند إليها للإشعار بسريان أثره، وقرأ الجحدري وأبو رجاء {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ} على أن {أَخْذُ رَبّكَ} فعل وفاعل، والظرف لما مضى، وهو إخبار عما جرت به عادة الله تعالى في إهلاك من تقدم من الأمم (وكذلك) على هذا ساد مسد المصدر النوعي ولا مانع من تقدمه على الفعل والقرى متنازع للمصدر والفعل، وقوله سبحانه: {وَهِيَ ظَـٰلِمَةٌ} في موضع الحال من {ٱلْقُرَىٰ} ولذا أنث الضمير و {ظَـٰلِمَةٌ} إلا أن وصف القرى بالظلم مجاز وهو في الحقيقة صفة أهلها وجعله حالاً من المضاف المقدر أولاً وتأنيثه مكتسب من المضاف إليه تكلف، وفائدة هذه الحال الإشعار بأن أخذهم بسبب ظلمهم، وفي ذلك من إنذار الظالم ما لا يخفى، والمراد بالظلم إما الكفر أو ما هو أعم، وظاهر صنيع بعضهم أخذاً من إطلاقه أنه شامل لظلم المرء نفسه وغيره {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ} وجيع {شَدِيدٍ} لا يرجى منه الخلاص وهذا مبالغة في التهديد والتحذير. أخرج الشيخان في «صحيحيهما» والترمذي والنسائي وابن ماجه وآخرون عن أبـي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبّكَ} إلى قوله تعالى: {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} .

ابن عاشور

تفسير : الإشارة إلى المذكور من استئصال تلك القرى. وهو ما يدل عليه قوله: {أخذ ربك}. والتقدير: وكذلك الأخذ الذي أخذنا به تلك القرى أخذ ربك إذا أخذ القرى. والتشبيه في الكيفيّة والعاقبة. والمقصود من هذا التّذييل تعريض بتهديد مشركي العرب من أهل مكّة وغيرها. والظلم: الشرك. وجملة {إنّ أخذه أليم شديد} في موضع البيان لمضمون {وكذلك أخذ ربّك}. وفيه إشارة إلى وجه الشّبه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ظَالِمَةٌ} (102) - وَمِثْلُ ذلِكَ الأَخْذِ بِالعَذَابِ الذِي أَخَذَ بِهِ رَبُّكَ القُرَى الظَّالِمَةَ المُكَذِّبَةَ لِرُسُلِهِ، يَفْعَلُهُ اللهُ بِأَشْبَاهِهِمْ فِي الكُفْرِ وَالعُتُوِّ عَنْ أَمْرِهِ، وَإِنَّ أَخْذَهُ تَعَالَى لَمُؤْلِمٌ شَدِيدٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: أن الأخذ الذي أخذ به الله القرى الكافرة، إنما هو مثل حي لكل من يكفر. والحق سبحانه يقول: {أية : وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ * وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ}تفسير : [الفجر: 1-5]. أي: أن الحق سبحانه يقسم لعل كل صاحب عقلٍ يستوعب ضرورة الإيمان، ويضرب الأمثلة بالقوم الذين جاءهم الأخذ بالعذاب، فيقول سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ}تفسير : [الفجر: 6-14]. فهو سبحانه قد أخذ كل هؤلاء أخذ العزيز المقتدر. وقوله سبحانه هنا: {وَكَذٰلِكَ ..} [هود: 102]. أي: مثل الأخذ الذي أخِذَتْ به القرى التي كذَّبت رسلها، فظلمت نفسها. والأخذ هنا عقاب على العمل، بدليل أنه أنجى شعيباً عليه السلام وأخذ قومه بسبب ظلمهم، فالذات الإنسانية بريئة، ولكن الفعل هو الذي يستحق العقاب. ومثال ذلك: نجده في قصة نوح عليه السلام حين قال له الحق سبحانه: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ..}تفسير : [هود: 46]. فالذي وضع ابن نوح في هذا الموضع هو أن عمله غير صالح؛ لذلك فلا يقولن نوح: إنه ابني. فليس الإهلاك بعلَّة الذات والدم والقرابة، بل الإهلاك بعلة العمل، فأنت لا تكره شخصاً يشرب الخمر لذاته، وإنما تكرهه لعمله، ونحن نعلم أن البنوة للأنبياء ليست بنوة الذوات، وإنما بنوة الأعمال. وكذلك نجد الحق سبحانه ينبه إبراهيم عليه السلام ألا يدعو لكل ذريته، فحين كرَّم الحق سبحانه إبراهيم عليه السلام وقال: {أية : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ..}تفسير : [البقرة: 124]. جاء الطلب والدعاء من إبراهيم عليه السلام لله تعالى: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِي ..}تفسير : [البقرة: 124]. لأن إبراهيم عليه السلام أراد أن تمتد الإمامة إلى ذريته أيضاً، فجاء الرد من الله سبحانه: {أية : .. لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة: 124]. وظلت هذه القضية في بؤرة شعور إبراهيم عليه السلام، وعلم تماماً أن البنوَّة للأنبياء ليست بنوة ذوات، بل هي بنوة أعمال. ولذلك نجد دعاء إبراهيم عليه السلام حين نزل بأهله في وادٍ غير ذي زرع، وقال: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ ..}تفسير : [البقرة: 126]. وهنا انتبه إبراهيم عليه السلام وأضاف: {أية : مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ..}تفسير : [البقرة: 126]. فجاء الرد من الحق سبحانه موضحاً خطأ القياس؛ لأن الرزق عطاء ربوبية يستوي فيه المؤمن والكافر، والطائع والعاصي؛ فلا تخلط بين عطاء الربوبية وعطاء الألوهية؛ لأن عطاء الألوهية تكليف، وعطاء الربوبية رزق، لذلك قال الحق سبحانه: {أية : .. وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [البقرة: 126]. فأنت يا إبراهيم دعوتَ برزق الأهل بالثمرات لمن آمن، لأن بؤرة شعورك تعي الدرس، لكن هناك فرقاً بين عطاء الألوهية في التكليف، وعطاء الربوبية في الرزق، فمن كفر سيرزقه ربه، ويمتعه قليلاً ثم يكون له حساب آخر. إذن: فأخْذُ الحق سبحانه للظالمين بكفرهم هو عنف التناول لمخالفٍ، وتختلف قوة الأخذ بقوة الآخذ، فإذا كان الآخذ هو الله سبحانه، فهو أخْذ عزيز مقتدر. وهو أخذ لمن ظلموا أنفسهم بقمة الظلم وهو الكفر، وإن كان الظلم لحقوق الآخرين فهو فسق، وأيضاً ظلم النفس فسق؛ لأن الحق سبحانه حين يُحرِّم عليك أن تظلم غيرك فهو قد حرَّم عليك أيضاً ظلم نفسك. ويصف الحق سبحانه أخذه للظالمين بقوله: {.. إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]. أي: أن أخذه موجع على قدر طلاقة قدرته سبحانه. وهَبْ أن إنساناً أساء إلى إنسان، فالحق سبحانه أعطى هذا الإنسان أن يرد السيئة بسيئة، حتى لا تتراكم الانفعالات وتزداد. لذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ..}تفسير : [النحل: 126]. حتى لا تبيت انفعالاتك عندك قهراً، ولكن من كان لديه قوة ضبط النزوع فعليه أن ينظر في قول الحق سبحانه: {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ ..}تفسير : [آل عمران: 134]. إذن: فإما أن ترد السيئة بعقاب مماثل لها، وإما أن تكظم غيظك، أي: لا تُترجم غيظك إلى عمل نزوعي، وإما أن ترتقي إلى الدرجة الأعلى وهي أن تعفو؛ لأن الله تعالى يحب من يحسن بالعفو. ولذلك حين سألوا الحسن البصري: كيف يُحسِن الإنسان إلى من أساء إليه؟ أجاب: إذا أساء إليك عبد، ألاَ يُغضب ذلك ربه منه؟ قالوا: نعم. قال: وحين يغضب الله من الذي أساء إليك؛ ألا يقف إلى جانبك؛ أفلا تحُسِن إلى من جعل الله يقف إلى جانبك؟ ولهذا السبب يُروى عن أحد الصالحين أنه سمع أن شخصاً اغتابه؛ فأهدى إليه - مع خادمه - طبقاً من بواكير الرطب، وتعجب الخادم متسائلاً: لماذا تهديه الرطب وقد اغتابك؟ قال العارف بالله: بَلِّغْهُ شكري وامتناني لأنه تصدَّق عليَّ بحسناته عندما اغتابني، وحسناته - بلا شك - أنفَسُ من هذا الرطب. ولذلك يقال: إن الذي يعفو أذكى فهماً ممن عاقب، لأن الذي يعاقب إنما يعاقب بقوته؛ والذي يعفو فهو الذي يترك العقاب لقوة الله تعالى، وهي قوة لا متناهية. وهكذا نفهم قول الحق سبحانه: {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]. أي: أخذٌ موجعٌ على قدر قوة الله سبحانه؛ وهو أخذ شديد؛ لأن الشدة تعني: جمع الشيء إلى الشيء بحيث يصعب انفكاكه؛ أو أن تجمع شيئين معاً وتقبضهما بحيث يصعب تحلل أي منهما عن الآخر. وهذه أقوى غاية القوة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} أي: مثل ما سمعت يا أكمل الرسل {أَخْذُ رَبِّكَ} أي: انتقامه وبطشه {إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ} أي: حين أخذ أهلها بظلمهم وعصيانهم {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} خارجة عن مقتضى الأمر والإلهي ونهيه، وبالجملة: {إِنَّ أَخْذَهُ} للمسرفين الخارجين عن حيطة حدوده {أَلِيمٌ} مؤلم {شَدِيدٌ} [هود: 102] في غاية الشدة؛ لكونهم مبالغين في الإصرار والاستكبار. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} المذكور من قصص الأمم الهالكة {لآيَةً} عظة وعبرة {لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ} وحساب الله إياه فيها على رءوس الأشهاد {ذٰلِكَ} اليوم {يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} [هود: 103] شهد فيه الجميع للجميع بل الأعضاء والجوارح على صاحبها. {وَمَا نُؤَخِّرُهُ} أي: اليوم الموعود {إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} [هود: 104] أي: لانقضاء مدة قصيرة. اذكر يا أكمل الرسل عظة وتذكيراً لمن تبعك {يَوْمَ يَأْتِ} ذلك اليوم الموعود الهائل {لاَ تَكَلَّمُ} فيه {نَفْسٌ} ولا يشفع شافع؛ لشدة هوله وفزعه {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي: بإذن الله وإقداره إياها {فَمِنْهُمْ} أي: بعض الناس من الموقوفين في المحشر {شَقِيٌّ} خرج من الدنيا على الشقاوة ووخامة العاقبة {وَ} منهم {سَعِيدٌ} [هود: 105] خرج منها على السعادة وحسن العاقبة. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ} في الدنيا وخرجوا منها على الشقاوة {فَفِي ٱلنَّارِ} أي: هم في النشأة الأخرى داخلون في النار ومضطربون فيها؛ إذ {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} [هود: 106] أي: أخراج النفس من شدة الحرارة، وشيهق؛ أي: رده؛ يعني: حالهم فيها كحال من استلوت عليه الحرارة على قلبه وضيق الأمر عليه، فيردد نفسه كما في سكرة الموت، وذلك من شدة كربهم وآلمهم ولكونهم متناهين في الشاقوة في دار الدنيا، لا ينقطع عذابهم فيها أصلاً. {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ} أي: ما تحقق الجهتان الحقيقيتان؛ أي: الفوق والتحت {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} أي: تعلق إرادته ومشيئته لأخراج بعض منها كفساق المؤمنين {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [هود: 107] أي: له الاختيار التام في جميع مراداته ومقدوراته، ومن جملتها: إخراج بعض العصاة من النار. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ} في الدنيا، وخرجوا على السعادة منها {فَفِي ٱلْجَنَّةِ} أي: هم في النشأة الأخرى في الجنة التي هي منازل السعداء الآمنين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ} متنعمين فيها مترفهين بأنواع النعم الجسام {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} وتعلق إرادته بإعلاامها، وهو الانكشاف الذاتي والتجلي الشهودي، وذلك لمن يعطى {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108] أي: غير مقطوع؛ إذ لا انقطاع للتجليات الذاتية ولا للذاتها المرتبة عليها بالنسبة إلى الفائزين بها، جعلنا الله من خدامهم. وبعدما تبين حال السعداء المقبولين والأشقياء المردودين {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ} شك وتردد {مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ} المشركون، ألا يستجلب عليهم العذاب والنكال كما استجلب على أسلافهم؛ إذ هم {مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم} وأسلافهم {مِّن قَبْلُ} فسيلحقهم مثل ما لحقهم؛ لأن اشتراك الأسباب يوجب اشتراك المسببات {وَإِنَّا} وإن أمهلناهم زماناً في الدنيا {لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ} وحظهم من العذاب في الآخرة مثلهم {غَيْرَ مَنقُوصٍ} [هود: 109] من عذابهم.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ} [102] 265- أنا أبو بكر بن علي، نا يحيى بن معين، نا أبو معاوية، عن بُريد، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله عز وجل لَيُمْلي للظالم حتى إذا أخذهه لم يُفْلته - أو : يُمْهله - ثم قرأ: {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ} ".