Verse. 1576 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَاٰيَۃً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْاٰخِرَۃِ۝۰ۭ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوْعٌ۝۰ۙ لَّہُ النَّاسُ وَذٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْہُوْدٌ۝۱۰۳
Inna fee thalika laayatan liman khafa AAathaba alakhirati thalika yawmun majmooAAun lahu alnnasu wathalika yawmun mashhoodun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن في ذلك» المذكور من القصص «لآية» لعبرة «لمن خاف عذاب الآخرة ذلك» أي يوم القيامة «يوم مجموع له» فيه «الناس وذلك يوم مشهود» يشهده جميع الخلائق.

103

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: إن في إِهلاكنا الكافرين وإِنجائنا المؤمنين {لأَيَةً} أي: عظة واعتباراً على صدق موعودنا في الآخرة {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ } تفسير : [غافر: 51] وقال تعالى: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} تفسير : [إبراهيم: 13] الآية. وقوله: {ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ} أي: أولهم وآخرهم؛ كقوله: {أية : وَحَشَرْنَـٰهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 47]، {وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} أي: عظيم، تحضره الملائكة، ويجتمع فيه الرسل، وتحشر الخلائق بأسرهم من الإنس والجن والطير والوحوش والدواب، ويحكم فيه العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها، وقوله: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} أي: ما نؤخر إقامة القيامة إلا لأنه قد سبقت كلمة الله في وجود أناس معدودين من ذرية آدم، وضرب مدة معينة، إذا انقطعت، وتكامل وجود أولئك المقدر خروجهم، قامت الساعة، ولهذا قال: { وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لاَِجَلٍ مَّعْدُودٍ} أي: لمدة مؤقتة، لا يزاد عليها، ولا ينتقص منها {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي: يوم يأتي يوم القيامة لا يتكلم أحد إلا بإذن الله؛ كقوله: {أية : لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً } تفسير : [النبأ: 38] وقال: {أية : وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ} تفسير : [طه: 108] الآية. وفي الصحيحين من حديث الشفاعة: «حديث : ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم» تفسير : وقوله: {فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ} أي: فمن أهل الجمع شقي، ومنهم سعيد؛ كما قال: {أية : فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الشورى: 7] وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا موسى بن حيّان، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا سليمان أبو سفيان، حدثنا عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن عمر قال: لما نزلت: {فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ}، سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله علام نعمل؟ على شيء قد فرغ منه، أم على شيء لم يفرغ منه؟ فقال: «حديث : على شيء قد فرغ منه يا عمر، وجرت به الأقلام، ولكن كل ميسر لما خلق له» تفسير : ثم بيَّن تعالى حال الأشقياء وحال السعداء فقال:

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ فِى ذَلِكَ } المذكور من القصص {لأَيَةً } لعبرة {لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلأَخِرَةِ ذٰلِكَ } أي يوم القيامة {يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ } فيه {ٱلنَّاسُ وَذٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } يشهده جميع الخلائق.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {وما يؤخره} بالياء: يعقوب والمفضل. الباقون بالنون {يوم يأتي} بإثبات الياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعر ونافع وأبو عمرو وعلي في الوصل. الآخرون بحذف الياء {لا تكلم} بتشديد التاء: البزي وابن فليح {سعدوا} بضم السين: حمزة وعلي وخلف وحفص. قيل إنه على حذف الهمزة من "أسعدوا" لأن {سعدوا} لازم ولكنه قد جاء المسعود، الآخرون بفتحها {وإن كلاً} بالتخفيف: ابن كثير ونافع وأبو بكر وحماد. الباقون بالتشديد. {لما} مشدداً: ابن عامر وعاصم ويزيد وحمزة و كذلك في "الطارق". الباقون بالتخفيف {وزلفاً} بضمتين: يزيد. الآخرون بفتح اللام {فؤادك} وبابه بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف {يرجع} مجهولاً: نافع وحفص والمفضل {تعملون} خطاباً وكذلك في آخر "النمل": أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وحفص. الباقون على الغيبة. الوقوف: {الآخرة} ط {مشهود} ه {معدود} ط {بإذنه} ج لاختلاف الجملتين مع فاء التعقيب. {وسعيد} ه {شهيق} ه لا لأن ما يتلوه حال والعامل فيه ما في النار من معنى الفعل {شاء ربك} ط {يريد} ه {شاء ربك} ط لأن التقدير يعطون عطاء {مجذوذ} ه {هؤلاء} ط {من قبل} ط {منقوص} ه {فاختلف فيه} ط {بينهم} ط {مريب} ه {أعمالهم} ط {خيبر} ه {ولا تطغوا} ط {بصير} ه {النار} لا لأن ما بعده من تمام جزاء ولا تركنوا {تنصرون} ه {من الليل} ط {السيئات} ط {للذاكرين} ه {المحسنين} ه {منهم} ج لأن التقدير وقد اتبع {مجرمين} ه {مصلحون} ه {مختلفين} ه لا {رحم ربك} ط {خلقهم} ط {أجميعن} ه {فؤادك} ج إذ التقدير وقد جاءك {للمؤمنين} ه {مكانكم} ط {عاملون} ه لا للعطف {وانتظروا} ج أي فإنا {منتظرون} ط {وتوكل عليه} ط {تعملون} ه. التفسير: {إن في ذلك} الذي قصصنا عليك من أحوال الأمم {لآية} لعبرة {لمن خاف} أي لمن هو أهل لأن يخاف {عذاب الآخرة} كقوله: {أية : هدى للمتقين}تفسير : [البقرة: 2] لأن انتفاعه يعود إليهم. قال القفال - في تقرير هذا الاعتبار: إنه إذاعلم أن هؤلاء عذبوا على ذنوبهم في الدنيا وهي دار العمل فلأن يعذبوا عليها في الآخرة التي هي دار الجزاء أولى. واعترض عليه في التفسير الكبير بأن ظاهر الآية يقتضي أن العلم بأن القيامة حق كالشرط في حصول الاعتبار بظهور عذاب الاستئصال في الدنيا. والقفال جعل الأمر على العكس قال: والأصوب عندي أن هذا تعريض لمن زعم أن إله العالم موجب بالذات لا فاعل مختار، وأن هذه الأحوال التي ظهرت في أيام الأنبياء عليهم السلام مثل الغرق والخسف والصيحة إنما حدثت بسبب قرانات الكواكب، وإذا كان كذلك فلا يكون حصولها دليلاً على صدق الأنبياء عليهم السلام. أما الذي يؤمن بالقيامة ويخاف عذابها فيقطع بأن هذه الوقائع ليست بسبب الكواكب واتصالاتها فيستفيد مزيد الخشية والاعتبار. أقول: وهذا نظر عميق والأظهر ما ذكرت أوّلاً ومثله في القرآن كثير. {أية : إن في ذلك لعبرة لمن يخشى}تفسير : [النازعات: 26] {أية : إن في ذلك لآية لقوم يذكرون}تفسير : [النحل: 13] ثم لما كان لعذاب الآخرة دلالة على يوم القيامة أشار إليه بقوله: {ذلك يوم مجموع} أي يجمع لما فيه من الحساب والثواب والعقاب. {الناس} وأوثر اسم المفعول على فعله لأجل إفادة الثبات وأن حشر الأولين والآخرين فيه صفة له لازمة نظيره قول المتهدد: إنك لمنهوب مالك محروب قومك. فيه من تمكن الوصف وثباته ما ليس في الفعل {وذلك يوم مشهود} أي مشهود فيه الخلائق فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به. والفرق بين هذا الوصف والوصف الأول أن هذا يدل على حضور الناس فيه مع اطلاع البعض منهم على أحوال الباقين من المحاسبة والمساءلة ليس بحيث لا يعرف كل واحد إلا واقعة نفسه. والجمع المطلق لا يفيد هذ المعنى وإنما فسرنا اليوم بأنه مشهود فيه لا أنه مشهود في نفسه لأن سائر الأيام تشركه في كونها مشهودات. وإنما يحصل التمييز بأنه مشهود فيه دون غيره كما تميز يوم الجمعة عن أيام الأسبوع بكونه مشهوداً فيه دونها {وما نؤخره إلا} لانتهاء {لأجل معدود} أي انقضاء مدة معلومة عيَّن الله وقوع الجزاء بعدها وفيه فائدتان: إحداهما أن وقت القيامة متعين لا يتقدم ولا يتأخر، والثانية أن ذلك الأجل متناهٍ وكل منتاهٍ فإنه يفنى لا محالة وكل آتٍ قريب. ثم ذكر بعض أهوال ذلك اليوم فقال: {يوم يأت} حذف الياء والاكتفاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل، وفاعل {يأتي} قيل: الله كقوله: {أية : أو يأتي ربك}تفسير : [الأنعام: 158] أي أمره أو حكمه دليله قراءة من قرأ {وما يؤخره} بالياء وقوله: {بإذنه}. وقيل: المراد الشيء المهيب الهائل المستعظم فحذف ذكره بتعيينه ليكون أقوى في التخويف. وقيل: فاعله ضمير اليوم والمراد إتيان هوله وشدائده كيلا يصير اليوم ظرفاً لإتيان اليوم. وانتصاب {يوم} بـ {لا تكلم} أو باذكر مضمراً أو بالانتهاء المقدر أي ينتهي الأجل يوم يأتي وتاء التأنيث محذوفة من لا تكلم، والآيات الدالة على التكلم في ذلك اليوم مع الآيات الدالة على نفي التكلم كقوله تعالى: {أية : يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها}تفسير : {النحل: 111] وكقوله: {أية : هذا يوم لا ينطقون}تفسير : {المرسلات: 35] محمولة على اختلاف المواطن والأزمنة، أو نفى العذر الصحيح المقبول وأثبت العذر الباطل الكاذب. ثم قسم أهل الموقف المجموعين للحساب أو الأفراد العامة التي دلت عليها نفس فقال: {فمنهم شقي وسعيد} أي ومنه سعيد. ولا خلاف في أن الشقاء والسعادة مقترنان بالعمل الفاسد والعمل الصالح ويترتب عليهما الجنة والنار في الآخرة، وإنما النزاع في أن العمل سبب للشقاء مثلاً كما هو مذهب المعتزلة، أو الشقاء سبب العمل كما هو مذهب أهل السنة، فيختلف تفسير الشقاء بحسب المذهبين فهو عند المعتزلة الحكم بوجوب النار له لإساءته، وعند السني جريان القلم عليه في الأزل بأنه من أهل النار وأنه يعمل عمل أهل النار والتحقيق في المسألة قد مر مراراً. قيل: قد بقي ههنا قسم آخر ليسوا من أهل النار ولا من أهل الجنة كالمجانين والأطفال فهم أصحاب الأعراف، وتخصيص القسمين بالذكر لا يدل على نفي الثالث. أما قوله في صفة أهل النار {لهم فيها زفير وشهيق} ففيه وجوه قال الليث وكثير من الأدباء: الزفير استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب انحصار الروح فيه وحينئذٍ يرتفع صدره وينتفخ جنباه، والشهيق إخراج ذلك الهواء بجهد شديد من الطبيعة، وكلتا الحالتين تدل على كرب شديد وغم عظيم. والحاصل أنهم جعلوا الزفير بمنزلة ابتداء نهيق الحمار، والشهيق بمنزلة آخره. وقال الحسن: إن لهب جهنم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلوا إلى أعلى دركات جهنم وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد ويردونهم إلى الدرك الأسفل من النار، فارتفاعهم في النار هو الزفير، وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق. وقال أبو مسلم: الزفير ما يجتمع في الصدر من النفس عند البكاء الشديد فينقطع النفس، والشهيق هو الصوت الذي يظهر عند اشتداد الكربة والحزن، وربما يتبعها الغشية، وربما يحصل عقيبه الموت. وقال أبو العالية: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر. وقيل: الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف. وعن ابن عباس: لهم فيها بكاء لا ينقطع وحزن لا يندفع. وقال أهل التحقيق: قوة ميلهم إلى الدنيا ولذاتها زفير، وضعفهم عن الاستسعاد بكمالات الروحانيات شهيق. ثم إن قوماً ذهبوا إلى أن عذاب الكفار منقطع وله نهاية واستدلوا على ذلك بالقرآن والحديث والمعقول. أما القرآن فقوله سبحانه: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض} أي مدة بقائهما {إلا ما شاء ربك} وفيه استدلالان: الأول أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض المتناهية بالاتفاق. الثاني استثناء المشيئة ويؤكد هذا النص قوله: {أية : لابثين فيها أحقاباً}تفسير : {النبأ: 23] وأما الحديث فما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص "ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد" وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً. وأما المعقول فهو أن العقاب ضرر خال عن النفع لا في حق الله تعالى ولا في حق المكلف فيكون قبيحاً. وأيضاً الكفر جرم متناه ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم. والجمهور من الأمة على أن عذاب الكافر دائم. وأجابوا عن الآية بأن المراد سموات الآخرة وأرضها المشار إليهما بقوله: {أية : يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات}تفسير : [ابراهيم: 48] ولا بد لأهل الآخرة مما يظلهم ويقلهم فهما السماء والأرض، وإذا علق حصول العذاب للكافر بوجودهما لزم الدوام. وأيضاً القرآن قد ورد على استعمالات العرب. وإنهم يعبرون عن الدوام والتأبيد بقولهم "ما دامت السموات والأرض" ونظيره قولهم: "ما اختلف الليل والنهار". و "ما أقام ثبير وما لاح كوكب". ويمكن أيضاً أن يقال: حاصل الآية يرجع إلى شرطية هي قولنا: إن دامت السموات والأرض دام عقابهم فإذا قلنا لكن السموات والأرض دائمة لزم دوام عقابهم وهو المطلوب، وإن قلنا لكنهما لم تدوما فإنه لا ينتج مطلوب الخصم لأن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئاً. وبعبارة أخرى دلت الآية على أنه كلما وجدت السموات والأرض وجد عقابهم. فلو قلنا لكنهما لم يوجدا لم يلزم منه أن لا يوجد عقابهم، أو يوجد فالآية لا تدل على حصول العقاب لهم دهراً طويلاً ومدة مديدة. وأما إنه هل يكون له آخر أم لا فذلك إنما يستفاد من دليل آخر كقوله: {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}تفسير : [النساء: 48] وأما الاستدلال بالاستثناء فقد ذكر ابن قتيبة وابن الأنباري والفراء أن هذا الاستثناء لا ينافي عدم المشيئة كقولك و "الله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك" وقد يكون عزمك على ضربه ألبتة وتعلم أنك لا ترى غير ذلك. وردّ بالفرق، فإن معنى الآية الحكم بخلودهم فيها إلا المدة التي شاء الله، فالمشيئة قد حصلت جزماً. ولقائل أن يقول: الماضي ههنا في معنى الاستقبال مثل {أية : ونادى أصحاب الأعراف}تفسير : [النساء: 48] {أية : وسيق الذين اتقوا}تفسير : [الزمر: 73] فلم يبق فرق: وقيل: "إلا" بمعنى "سوى" أي سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم كأنه ذكر في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له. وقال الأصم وغيره: المراد زمان مكثهم في الدنيا أو في البرزخ أو في الموقف. وقيل: الاستثناء يرجع إلى قوله: {لهم فيها زفير وشهيق} كأنهم يصيرون آخر الأمر إلى الهمود والخمود. وقيل: فائدة الاستثناء أن يعلم إخراج أهل التوحيد من النار والمراد إلا من شاء ربك، وهذا التأويل إنما يليق بقاعدة الأشاعرة وأكدوه بقوله: {إن ربك فعال لما يريد} فكأنه تعالى يقول: أظهرت القهر والقدرة ثم أظهرت المغفرة والرحمة لأني فعال لما أريد، وليس لأحد عليّ حكم ألبتة. وأما المعتزلة فكأنهم لا يرضون بهذا ويقولون: إن الاستثناء الثاني لا يساعده لحصول الإجماع على أن أحداً من أهل الجنة لا يدخل النار. فالصواب أن يقال: إنه استثناء من الخلود في عذاب النار ومن الخلود في نعيم الجنة، فإن أهل النار ينقلون إلى الزمهرير وإلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، وأهل الجنة ينقلون إلى العرش أو إلى ما هو أعلى حالاً من الجنة كقوله: {أية : ورضوان من الله أكبر}تفسير : [التوبة: 72] ثم قالوا: إنه ختم آية الوعيد بقوله: {إن ربك فعال لما يريد} وآية الوعد بقوله: {عطاء غير مجذوذ} رعاية للمطابقة كأنه قال: إنه يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب كما يعطي أهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له والجذ القطع. وأما الجواب عن الحديث فقد قال في الكشاف: إن صح فمعناه أنهم يخرجون من حر النار إلى برد الزمهرير فذلك خلوّ جهنم وصفق أبوابها. وأقول: يحتمل أن يكون الألف سبب عدم الإحساس بالعذاب بل يكون سبب الالتذاذ بالمألوف فيكون خلوّ جهنم إشارة إلى هذا المعنى. وأما الجواب عن المعقول فهو أن السير في الله ومبدأه من عالم التكاليف لما كان غير متناهٍ فعذاب البعد عنه أيضاً يجب أن يكون غير متناهٍ: أو نقول: لا نهاية لنوره فلا غاية لظلمة الغافل عنه والمنكر له. أو نقول: أوضح الأشياء الوجود الواجب فإذا كان الشخص ذاهلاً عنه كان مسلوب الاستعداد بالكلية فلا يكون إنساناً في الحقيقة، فلا يتصور له عروج من عالم الطبيعة، والعبارات في هذا المقام كثيرة والمعنى واحد يدركه من وفق له وخلق لأجله. ولما فرغ من أقاصيص عبدة الأصنام وبيان أحوال الأشقياء والسعداء سلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرح أحوال الكفرة من قومه في ضمن نهي له عن الامتراء في سوء مغبتهم قائلاً {فلا تك} حذف النون لكثرة الاستعمال {في مرية} في شك {مما يعبد} "ما" مصدرية أو موصولة أي من عبادة {هؤلاء} أو من الذي يعبده هؤلاء المشركون والمراد النهي عن الشك في سوء عاقبة عبادتهم. ثم علل النهي مستأنفاً فقال: {ما يعبدون إلا كما يعبد} كالذي يعبده {آباؤهم} أو كعبادة آبائهم. والحاصل أنهم شبهوا بآبائهم في لزوم الجهل والتقليد. {وإنا لموفوهم نصيبهم} من الرزق والخيرات الدنيوية أو من إزالة العذر وإزاحة العلة بإرسال الرسول وإنزال الكتاب، أو نصيبهم من العذاب كما وفينا آباؤهم أنصباؤهم. وفي الكشاف أن {غير منقوص} حال من النصيب ليعلم أنه تام كامل إذ يجوز أن يوفي بعض الشيء كقولك وفيته شطر حقه. قلت: هي مغالطة لأن قول القائل: "وفيته شطر حقه" التوفية تعود إلى الشطر. فلو قيل: غير منقوص كان كالمكرر. وعاد السؤال. فالصواب أن يقال: إنه حال مؤكدة أو صفة تقوم مقام المصدر أي توفية نحو {أية : ولا تعثوا في الأرض مفسدين}تفسير : [البقرة:60] أي إفساداً. ثم أورد نظيراً لإنكارهم نبوّة محمد صلى الله عليه السلام فقال: {ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه} آمن به قوم وكفر به قوم آخرون كما اختلف في القرآن، والغرض أن إنكار الحق عادة قديمة للخلق {ولولا كلمة سبقت من ربك} هي أن رحمتي سبقت غضبي أو هي ان دار الجزاء الآخرة لا الدنيا أو هي أن هذه الأمة لا يعذبون بعذاب الاستئصال. {لقضي بينهم} بين قوم موسى أو بين قومك بتمييز المحق من المبطل بسبب الإنجاء والإهلاك وهذه من جملة التسلية أيضاً {وإنهم} يعني قوم موسى أو قومك {لفي شك منه} من كتابه أو من كتابك أو من أمر المعاد أو القضاء أو الجزاء. ثم جميع الأولين والآخرين في حكم توفية الجزاء ثواباً أ وعقاباً فقال: {وإن كلاً} التنوين فيه عوض عن المضاف إليه أي وإن كلهم يعني أن جميع المختلفين فيه. ومن قرأ بالتخفيف فعلى إعمال المخففة إذ لا يلزم من التخفيف إبطال العمل كما في "لم يكن" "ولم يك". ومن قرأ "لما" مخففاً فاللام هي الداخلة في خبر "إن" و "ما" مزيدة للفصل بين لام "إن" وبين لام جواب القسم المقدر كما فصلوا بالألف بين النونات في قولهم "أضربنان". ويمكن أن يكون "ما" نكرة أي لخلق أو جمع. والله ليوفينهم ربك أعمالهم من حسن وقبيح وإيمان وجحود. ومن قرأ "لما" مشدداً فأصله "لمن ما" قلبت النون ميماً فاجتمع ثلاث ميمات، فحذفت الأولى تخفيفاً، وجاز حذف الأولى وإبقاء الساكنة لاتصال اللام بها. ويجوز أن يكون أصله "لما" بالتنوين - كما في قراءتي الزهري وسليمن بن أرقم - فحذف فبقى "لما" ممدوداً ومعناه ملومين أي مجموعين. وقرأ أبيّ {وإن كل لما ليوفينهم} على أن "إن" نافية و"لما" بمعن "إلا" كما في الطارق. ولا يخفى ما في الآية من مؤكدات توفية الجزاء وأن شيئاً من الحقوق لا يضيع عنده. منها لفظة "إن"، ومنها لام خبر "إن"، ومنها "كل"، ومنها "ما" المزيدة، ومنها القسم، ومنها لا القسم، ومنها نون التأكيد، ومنها لفظ التوفية، ومنها ربك فإن من يربيك يقدر على توفية حقك، ومنها الجمع المضاف، ومنها ختم الآية بقوله: {إنه بما يعملون خبير} فإنه إذا كان عالماً بكل المعلومات قادراً على كل المقدورات كان عالماً بعمل كل احد وبمقدار جزاء عمله، وقادراً على إيصال ذلك إليه، ثم إن كلامه حق وصدق وقد أخبر عن التوفية مع المؤكدات المذكورة فيقع وعده ووعيده لا محالة. ثم أمر نبيه لتقتدي به أمته بكلمة جامعة للعقائد والأعمال قائلاً {فاستقم كما أمرت} عن جعفر الصادق رضي الله عنه. معناه افتقر إلى الله بصحة العزم يعني الوثوق به والتوكل عليه {ومن تاب معك} عطف على الضمير في {فاستقم} وصح للفصل أو هو ابتداء أي ومن تاب معك فليستقم أو مفعول معه. ثم كما أمر بالاستقامة على جادّة الحق نهى عن الانحراف عنها فقال {ولا تطغوا} والطغان مجاوزة الحد. وقال ابن عباس: يريد تواضعوا للحق ولا تتكبروا على الخلق. وخصص بعضهم الطغيان بالتجاوز عن حدود القرآن بتحليل حرامه وتحريم حلاله. وهذه الآية أصل عظيم في الشريعة فيكون الترتيب في الوضوء واجباً كما ورد في القرآن، وكذلك القول في الحدود والكفارات ونصاب الزكاة وأعداد الركعات وغيرها من جميع المأمورات والمنهيات. ويجب الاحتياط في المسائل الاجتهادية وفي القياسات. وكذا في الأخلاق والملكات وفي كل ما له طرفا إفراط وتفريط فهما مذمومان. والمحمود هو الوسط وهو الصراط المستقيم المأمور بالاستقامة والثبات عليه. ولا ريب أن معرفته صعبة وبتقدير معرفته فالعمل به والبقاء عليه أصعب ولهذا قال ابن عباس: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية في القرآن أشد ولا أشق من هذه حتى إن أصحابه قالوا له: لقد أسرع فيك الشيب فقال صلى الله عليه وسلم:حديث : شيبتني هود تفسير : أعني هذه الآية منها. ثم لما كان لقرين السوء مدخل عظيم في تغيير العقائد وتبديل الأخلاق نهى عن مخالطة من يضع الشيء في غير موضعه فقال: {ولا تركنوا} أي لا تميلوا بالمحبة والهوى {إلى الذين ظلموا} فقال المحققون: الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة وتحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب، فأما مداخلتهم لدفع ضرر واجتلاب منفعة عاجلة فغير داخلة في الركون. أقول: هذا من طريق المعاش والرخصة، ومقتضى التقوى هو الاجتناب عنهم بالكلية {أية : أليس الله بكاف عبده}تفسير : [الزمر: 36] وفي قوله: {فتمسكم النار} إشارة إلى أن الظلمة أهل النار بل هم في النار أو كالنار {أية : أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار}تفسير : [البقرة: 174] ومصاحبة النار توجب لا محالة مس النار. وقوله: {وما لكم من دون الله} من تتمة الجزاء. وقال في الكشاف: الواو للحال {من أولياء} من أنصار أي لا يقدر على منعكم من عذاب الله إلا هو. {ثم لا تنصرون} ثم لا ينصركم هو أيضا. وفيه إقناط كلي. وفائدة "ثم" تبعيد النصرة من الظلم. قال أهل التحقيق: الركون الميل اليسير وقوله: {إلى الذين ظلموا} أي الذين حدث منهم الظلم. فلم يقل "ولا تميلوا إلى الظالمين" ليدل على أن قليلاً من الميل إلى من حدث منه شيء من الظلم يوجب هذا العقاب، وإذا كان هذا حال من ركن إلى من ظلم فكيف يكون حال الظالم في نفسه؟ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من دعا الظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه"تفسير : . وقال سفيان: في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك. وعن محمد بن مسلمة: الذباب على العذرة أحسن من قارىء على باب هؤلاء. ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء؟ فقال: لا. فقيل له: يموت. فقال: دعه يموت. ثم خص من أنواع الاستقامة إقامة الصلاة تنبيهاً على شرفها فقال: {وأقم الصلاة} قيل: تمسك بعض الخوارج بهذه الآية على أن الواجب من الصلاة ليس إلا الفجر والعشاء لأنهما طرفا النهار وهما الموصوفان بكونهما زلفاً من الليل، فإن ما لا يكون نهاراً يكون ليلاً. غاية ما في الباب أن هذا يقتضي عطف الصفة على الموصوف وهو كثير في كلامهم، ولئن سلم وجوب صلاة أخرى إلا أن قوله: {إن الحسنات يذهبن السيئات} يشعر بأن إقامة الصلاة طرفي النهار كفارة لترك سائر الصلوات. وجمهور الأمة على بطلان هذا القول واستدلوا بالآية على وجوب الصلوات الخمس لأن طرفي النهار منصوب على الظرف لإضافتهما إلى الوقت فيكتسب المضاف حكم المضاف إليه كقولك "أتيته نصف النهار" والطرفان هما الغدوة وهي الفجر والعشية وفيها الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشيّ {وزلفاً} جمع زلفة كظلم وظلمة أي ساعات {من الليل} قريبة من آخر النهار من أزلفه إذا قربه وازدلف إليه. وقرىء {زلفاً} بسكون اللام نحو "بسرة" و "بسر". والزلف فيمن قرأ بضمتين نحو "بسر" و "بسر". وقيل: {زلفاً} أي قرباً فيكون معطوفاً على الصلاة أي أقم الصلاة وأقم زلفاً أي صلوات يتقرب بها إلى الله عز وجل في بعض الليل. وبالجملة فصلاة الزلف والمغرب والعشاء. وقيل: إن طرفي النهار لا يشمل إلا الفجر والعصر وبه استدل على مذهب أبي حنيفة أن التنوير بالفجر أفضل وتأخير العصر أفضل، لأن الأمة أجمعت على أن نفس الطرفين - وهما وقت الطلوع والغروب - لا يصلح لإقامة الصلاة، فكل وقت كان أقرب إلى الطرفين كان أولى بإقامة الصلاة فيه حملاً للمجاز على ما هو أقرب إلى الحقيقة ما أمكن. هذا ما ذكره فخر الدين الرازي في تفسيره. ولقائل أن يقول: هذا لا يتمشى في صلاة الفجر لأن الطرف الأول للنهار في الشرع هو طلوع الصبح الصادق، والتنوير مبعد الصلاة منه لا مقرّب. ولا أدري كيف ذهب عليه هذا المعنى مع إفراط عصبيته للشافعي. واستدل أيضاً لأبي حنيفة على مذهبه في وجوب الوتر أن أقل الجمع ثلاثة فتجب إقامة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاث زلف من الليل أي ثلاث ساعات ذهب منها ساعتان للمغرب والعشاء فتعين أن تكون الساعة الثالثة للوتر، وإذا وجب عليه وجب على أمته لقوله: {أية : فاتبعوه}تفسير : [الأنعام: 153] ولمانع أن يمنع أن أقل الجمع ثلاثة أشياء، ثم إن كل ساعة لأجل صلاة، ثم إن كل ما يجب على النبي صلى الله عليه وسلم يجب على الأمة لأن الاتباع هو الإتيان بمثل فعله أعم من أن يكون على تلك الجهة أم لا. {إن الحسنات يذهبن السيئات} قال المفسرون: نزلت في أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري، كان يبيع التمر فأتته امرأة فأعجبته فقال لها: إن في البيت أجود من هذا. فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها وأصاب منها كل ما يصيب الرجل من زوجته سوى الجماع، ثم ندم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما فعل فقال: أنتظر أمر ربي فلما صلى صلاة العصر نزلت فقال: نعم اذهب فإنها كفارة لما عملت. فقيل له: هذا له خاصة أم للناس عامة؟ فقال: بل للناس عامة. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال له:حديث : توضأ وضوءاً حسناً وصل ركعتينتفسير : .{إن الحسنات يذهبن السيئات} قال ابن عباس: أي الصلوات الخمس كفارة لسائر الذنوب ما لم تكن كبيرة. وقيل: المراد إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. وعن مجاهد: الحسنات قول العبد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وقد يحتج بالآية على أن المعصية لا تضرّ مع الإيمان الذي هو رأس الأعمال الحسنة. {ذلك} المذكور من قوله: {فاستقم} إلى ههنا {ذكرى للذاكرين} عظة للمتعظين وإرشاد للمسترشيدن. ثم أمر بالصبر على التكاليف المذكورة أمراً ونهياً، ونص عن أن الإتيان بها إحسان وأن جزاءه سيحصل لا محالة فقال: {واصبر} الآية. ثم عاد الى أحوال الأمم الخالية وبين أن السبب في حلول عذاب الاستئصال بهم أمران: الأول أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد وذلك قوله: {فلولا} أي فهلا {كان من القرون من قبلكم أولوا بقية} ذوو خير ورشد وفضل، وذلك أن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصارت البقية مثلاً في الجودة. يقال: فلان من بقية القوم أي من خيارهم. ومن أمثالهم "في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا". وجوّز في الكشاف أن يكون من البقوى كالتقية في التقوى أي فهلا كان منهم ذوو إبقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله وعقابه {إلا قليلاً} استثناء متصل لأن في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرون ناس ناهون إلا ناساً قليلاً. ومن في {ممن أنجينا} للبيان أي هم الذين أنجيناهم. قال في الكشاف: لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم. ولقائل أن يقول: إذا كان النهي عن المنكر فرض كفاية لم يلزم أن تنحصر النجاة في الناهين؟ فيحتمل أن تكون من للتبعيض ويجوز - على ما في الكشاف - أن يكون الاستثناء منقطعاً معناه ولكن قليلاً ممن أنجيناه من القرون نهوا عن الفساد. قال: ولو جعلته متصلاً على ما عليه ظاهر الكلام كان المعنى فاسداً لأنه يكون تحضيضاً لأولي البقية على النهي عن الفساد إلا للقليل من الناجين منهم كما تقول: هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم. تريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن: أقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من استثناء الصلحاء منهم أنه لا حاجة لهم إلى التحضيض كأنك قلت: أحضض قومك على القراءة إلا الصلحاء فإنهم لا يحتاجون إلى ذلك لأنهم مواظبون عليها، على أن في جعل الاستثناء منقطعاً شبه تناقض، لأن أول الكلام يدل على أنه لم يكن فيهم ناهٍ وآخره يدل على أن القليل منهم قد نهوا فتأمل في هذا المقام فإنه من مزلة الأقدام. السبب الثاني. في نزول العذاب قوله: {واتبع الذين ظلموا ما أترفوا} ما غرقوا {فيه} من التنعم والتترف من حيث الرياسة والثروة وأسباب العيش الهنيّ ورفضوا ما وراء ذلك مما يتعلق بأمر الدين، فهذه الجملة معطوفة على مدلول الجملة التحضيضية أي ما كان من القرون ناس كذا واتبع الظالمون كذا. ويجوز أن يكون في الكلام إضمار والواو للحال كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاء إترافهم. والمترف الذي أبطرته النعمة، وصبي مترف منعم البدن. وقوله: {وكانوا مجرمين} إما معترضة وإما معطوف على {اتبع} أي وكانوا مجرمين بذلك، أو على {أترفوا} أي اتبعوا الإتراف. وكونهم مجرمين لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام، أو أريد بالإجرام إغفالهم للشكر. ثم بين أنه ما ينبغي له سبحانه أن يهلك القرى بظلم. قال أهل السنة: أي بسبب مجرد الشرك والحال أنهم مصلحون في المعاملة والعشرة فيما بينهم، وذلك أن حقوق الله تعالى مبنية على المساهلة بخلاف حقوق العباد، وهذا كما قيل: الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم. ويؤكد هذا التفسير أن عذاب الاستئصال إنما نزل بقوم لوط وشعيب لما حكى الله عنهم من إيذاء الناس والإفساد في الأرض. وقالت المعتزلة قوله: {بظلم} حال من الفاعل والمعنى استحال في الحكمة أن يهلك الله القرى ظالماً لها وأهلها قوم مصلحون في العمل تنزيهاً لذاته عن الظلم وإيذاناً بأن إهلاك المصلحين ظلم. ثم ذكر أن الكل بمشيئته وإرادته فقال: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} مهدية. والمعتزلة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر وقد مر مراراً. {ولا يزالون مختلفين} في الأديان والأخلاق والأفعال، فمنهم من أنكر العلوم كلها حتى الحسيات والضروريات وهم السوفسطائية، ومنهم من سلم استنتاج العلوم كلها والمعارف ولم يثبت لهذا العالم الجسماني مبدأ أصلاً وهم الدهرية، ومنهم من أثبت له مبدأ موجباً بالذات وهم الفلاسفة على ما أشتهر منهم ولهذا المقام تحقيق ليس ههنا موضع بيانه، ومنهم من أنكر النبوات وهم البراهمة، ومنهم من أثبتها وهم المسلمون والمجوس واليهود والنصارى. وفي كل واحد من هذه الطوائف اختلافات لا تكاد تدخل تحت الحصر، وإنما لا يحمل الاختلاف في الآية على الاختلاف في الألوان والألسنة والأرزاق والأعمار بل حملناه على الاختلاف في الأديان وما يتعلق بها لأنه ينبو عن ذلك ما قبل الكلام وهو قوله: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} وما بعده وهو قوله: {إلا من رحم ربك} قالت المعتزلة: إلا ناساً هداهم الله ولطف بهم فاتفقوا على الدين الحق. وقال أهل السنة: جميع الألطاف التي فعلها في حق المؤمن فهي مفعولة أيضاً في حق الكافر وهذه الرحمة أمر مختص بالمؤمن مرجح لجانب الإيمان وصدوره منه فإذن الإيمان بخلق الله وتكوينه وكذا ضده. ثم قال: {ولذلك خلقهم} فاختلف العلماء في المشار إليه بذلك، فالمعتزلة قالوا: ولذلك من التمكين والاختيار الذي كان منه الاختلاف خلقهم يثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره، أو ولما ذكر من الرحمة خلقهم. والأشاعرة قالوا: ولأجل ما ذكر من الاختلاف خلقهم لما صح في الحديث أنه خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً. وللدلائل الدالة على أن الكل بإيجاده وتخليقه وأن خلاف معلومه محال وإلى هذا أشار بقوله: {وتمت كلمة ربك} أي علمه وإرادته أو قوله للملائكة {لأملأن جهنم} الآية. وفرق المعتزلة بين معلومه ومراده. ثم ذكر طرفاً من فوائد القصص المذكور في السورة فقال: {وكلاً} أي وكل نبأ {نقص عليك} وقوله: {من أنباء الرسل} بيان لكل و {ما نثبت} بدل من {كلاً} أو المراد وكل نوع من الاقتصاص على أنه مصدر أي على الأساليب المختلفة نقص، و{ما نثبت} مفعول. ومعنى تثبيت فؤاده زيادة اليقين والطمأنينة لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ للعلم، أو المعنى تثبيت قلبه على أداء الرسالة وتحمل الأذى من قومه أسوة بسائر الأنبياء. {وجاءك في هذه} السورة أو في هذه الأنباء {الحق} وهو البراهين القاطعة الدالة على صحة المبدأ والوسط والمعاد {وموعظة} وهي الدلائل المقنعة الموقعة للتصديق بقدر الإمكان والأول للخواص أنفع والثاني للعوام أنجع. {وذكرى للمؤمنين} وهي الإرشاد إلى الأعمال الصالحة النافعة في الآخرة المحصلة لما هنالك من السعادة، فإن حسن هذا الدين معلوم لمن رجع إلى نفسه وعمل بمقتضى تذكره وفكره. واعلم أن المعارف الإلهية لا بد لها من قابل وفاعل، وقابلها القلب وإنه ما لم يكن مستعداً لم يحصل له الانتفاع بسماع الدلائل وورودها عليه فلهذا السبب قدم ذكر إصلاح القلب وعلاجه وهو تثبيت الفؤاد، ثم عقبه بذكر المؤثر الفاعل وهو مجيء هذه السورة بل آية منها وهي قوله: {فاستقم كما أمرت} مشتملة على الحق والموعظة والذكرى، وهذا ترتيب في غاية الحسن. ثم أمر بالتهديد لمن لم يؤثر فيهم هذه البيانات من أهل مكة وغيرهم فقال: {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا} وقد مر تفسير مثله في هذه السورة وفي "الأنعام" {وانتظروا} ما يعدكم الشيطان {إنا منتظرون} ما وعدنا الرحمن من الغفران والإحسان. وعن ابن عباس: انتظروا بنا الدوائر فإنا منتظرون بكم العذاب كما حل بنظرائكم. ثم ختم السورة بآية مشتملة على جميع المطالب من أمر المبدإ والوسط والمعاد وقد سبق تقريره في آخر "البقرة" في تفسير آية {أية : آمن الرسول}تفسير : [البقرة: 285] فلا حاجة إلى الإعادة. التأويل: {ما دامت السموات والأرض} أي ما دامت سموات الأرواح والقلوب وأرض النفوس البشرية {إلا ما شاء ربك} من الأشقياء، وذلك أن أهل الشقاء ضربان: شقي وأشقى. فالشقي بالمعاصي سعيد بالتوحيد فيخلص من النار آخراً، والأشقى وهو الكافر يبقى فيها مخلداً، ومن أهل الجنة سعيد يبقى خالداً فيها، وأسعد وهم الذين يترقون إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر. وهناك مقام الوحدة الذي لا انقطاع له كما قال: {عطاء غير مجذوذ} {لموفوهم نصيبهم} الذي قدر لهم في الأزل من الشقاء. {ولولا كلمة سبقت من ربك} باستكمال الشقاء لقضي بينهم بالهلاك عاجلاً {لفي شك منه} إشارة إلى الضلال. وقوله: {مريب} إشارة إلى الإضلال. {وإن كلاً} أي كل واحد من الضالين ومن المضلين {فاستقم} أمر التكوين ولذلك قال: {كما أمرت} أي في الأزل، وفي قوله: {ومن تاب معك} إشارة إلى أن النفوس جبلت على الاعوجاج فيحتاج إلى الرجوع من الطريق المنحرف إلى الصراط المستقيم إلى من اختص بالاستقامة بسبب أمر التكوين كالنبي صلى الله عليه وسلم {إن الحسنات يذهبن السيئات} يعني أن الأعمال الصالحة في الأوقات المعدودة تزيل ظلمات الأوقات المصروفة في قضاء الحوائج النفسانية الضرورية، وذلك أن تعلق الروح النوري العلوي بالجسد الظلماني السفلي موجب لخسران الروح كقوله: {أية : والعصر إن الإنسان لفي خسر}تفسير : [العصر: 1] إلا أن يتداركه أنوار العمل الصالح فيرقيه من حضيض البشرية إلى ذروة الروحانية بل إلى الوحدة الربانية، فتندفع عنه ظلمة الجسد السفلي مثاله: إلقاء الحبة في الأرض فإنه من خسران الحبة إلى أن يتداركه الماء وسائر الأسباب فيربيها إلى أن تصير الحبة الواحدة إلى سبعمائة. وما زاد ذلك الذي ذكرنا من التدارك عظة للذاكرين الذين يريدون أن يذكروا الله في جميع الأحوال فإنهم إذا حافظوا على هذه الأوقات فكأنهم حافظوا على جميعها لأن الإنسان خلق ضعيفاً ليس يقدر على صرف جميع الأوقات في محض العبودية والعبادة. {فلولا كان من القرون} صورة التحضيض وحقيقته السؤال ليجاب بأنه لم يكن كذلك لأنك فاعل مختار، فعال لما تريد، خلقت خلقاً للإقرار وخلقت خلقاً للإنكار ولا اعتراض لأحد عليك يؤديه قوله: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} طالبة للحق متوجهة إليه {ولا يزالون مختلفين} منهم من يطلب الدنيا، ومنهم من يطلب العقبى، ومنهم من يطلب المولى وهم المشار إليهم بقوله: {إلا من رحم ربك} {ولذلك} أي لطلب الله {خلقهم} بحسن الاستعداد ولأن رحمته سبقت غضبه، ولكن وقوع فريق في طريق القهر ضروري في الوجود وهو قوله: {وتمت كلمة ربك} جرى به القلم للضرورة وما نثبت به فؤادك التثبيت منه والتشكيك منه، بيده مفاتيح أبواب اللطف والقهر {وقيل للذين لا يؤمنون} لطلب الحق ووجدانه {اعلموا} في طلب المقاصد من باب القهر {إنا عاملون} في طلب الحق من باب لطفه {وانتظروا} نتائج أعمالكم {إنا منتظرون} ثمرات أعمالنا {ولله غيب السموات والأرض} أي ما غاب عنكم مما أودع من لطفه في سموات القلوب ومن قهره في أرض النفوس {وإليه يرجع} أمر أهل السعادة والشقاء ومظاهر اللطف والقهر {فاعبده} أيها الطالب للحق فإنك مظهر اللطف {وتوكل عليه} في الطلب لا على طلبك فإنك إن طلبته بك لم تجده {وما ربك بغافل} في الأزل {عما تعملون} إلى الأبد والله حسبي.

ابن عادل

تفسير : ثم قال: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ} قال القفال: تقرير الكلام أن يقال: إنَّ هؤلاء إنَّما عذبُوا في الدُّنيا لتكذيبهم الأنبياء، وإشراكهم بالله، فإذا عُذِّبوا في الدُّنيا على ذلك وهي دارُ العملِ، فلأنْ يُعذَّبُوا عليه في الآخرة التي هي دارُ الجزاءِ، كان أولى. وهذا قولُ كثير من المفسِّرين. قال ابنُ الخطيب: وعلى هذا الوجه الذي ذكره القفالُ يكونُ ظهور عذاب الاستئصال في الدُّنيا دليلاً على أنَّ القول بالقيامة والبعث حقٌّ، وظاهرُ الآية يقتضي أنَّ العلم بأنَّ القيامة حق كالشرط في حصول الاعتبار بعذاب الاستئصال، وهذا المعنى كالمضاد لما ذكره القفال؛ لأنَّ القفال يجعل العلم بعذابِ الاستئصال أصلاً للعلم بأنَّ القيامة حق؛ فبطل ما ذكره القفالُ، والأصوبُ عندي أن يقال: العلم بأنَّ القيامة حق موقوف على العلم بأنَّ لوجود السموات والأرض فاعل مختار لا موجب بالذَّاتِ، وما لم يعلم الإنسان أنَّ إله العالم فاعل مختار وقادر على كل الممكنات، وأنَّ جميع الحوادث الواقعة في السموات والأرض لا تحصلُ إلا بتكوينه وقضائه، لا يمكنه أن يعتبر بعذابِ الاستئصال؛ لأنَّ الذين يذهبون إلى انَ المؤثّر في وجود هذا العالم موجبٌ بالذَّات، لا فاعلٌ مختارٌ، يزعمون أنَّ هذه الأحوال التي ظهرت في أيَّام الأنبياء؛ كالغرق، والخسف، والمسخ، والصَّيْحة كلها إنما حدثت بسبب قرانات الكواكب وإيصال بعضها ببعض، وإذا كان الأمرُ كذلك، فحينئذٍ لا تكون حصولها دالاًّ على صدق الأنبياء. فأما المؤمن بالقيامة؛ فلا يتم له ذلك الإيمانُ إلا إذا اعتقد أنَّ إله العالم فاعل مختار، وأنه عالمٌ بجميع الجزئيات، وإذا كذلك لزم القطعُ بأن حدوث هذه الوقائع العظيمة إنَّما كان بسبب أنَّ إله العالم خلقها وأوجدها لا بسبب طوالع الكواكب واتصالاتها، وحينئذٍ يسمع هذه القصص، ويستدلّ بها على صدق الأنبياء؛ فثبت بذلك صحة قوله: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ}. قوله تعالى: {ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ} "ذلك": إشارة إلى يوم القيامة المدلول عليه بالسياق من قوله: {عَذَابَ ٱلآخِرَةِ} و "مَجْموعٌ" صفةٌ لـ "اليوم" جرت على غير من هي له، فلذلك رفعت الظَّاهر وهو "الناس" وهذا هو الإعراب نحو: "مَررْتُ برجُلٍ مضروبٍ غلامهُ". وأعرب ابن عطيَّة "النَّاس" مبتدأ مؤخراً، و"مَجْمُوعٌ" خبره مقدماً عليه. وفيه ضعف إذ لو كان كذلك لقيل: مجموعون، كما يقالُ: النَّاسُ قائمون ومضربون، ولا يقال: قائم ومضروب إلاَّ بضعفٍ. وعلى إعرابه يحتاجُ إلى حذف عائد، إذ الجملةُ صفة لليوم، أي: النَّاس مجموع له، و"مَشْهُودٌ" متعيِّنٌ لأن يكون صفة فكذلك ما قبله. وقوله: "مَشْهُودٌ" من باب الاتِّساعِ في الظرف بأن جعلهُ مشهوداً، وإنَّما هو مشهودٌ فيه؛ وهو كقوله: [الطويل] شعر : 3016- ويَوْمٍ شَهِدْنَاهُ سُلَيْماً وعَامِراً قَليلٌ سِوَى الطَّعْنِ النِّهالِ نَوافِلُهْ تفسير : والأصلُ: مشهودٌ فيه، وشهدْنَا فيه، فاتُّسِع فيه بأنْ وصل الفعلُ إلى ضميره من غير واسطة، كما يصلُ إلى المفعول به. قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: أيُّ فائدة في أن أوثر اسمُ المفعول على فعله؟ قلت: لما في اسم المفعول من دلالته على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنَّهُ لا بدَّ أن يكون ميعاداً مضروباً لجمع النَّاس له، وأنَّه هو الموصوفُ بذلك صفة لازمة" قال ابنُ عبَّاسٍ: يشهده البر والفاجرُ. وقيل: يشهده أهلُ السموات وأهلُ الأرضِ. قوله: "ومَا نُؤخِّرهُ" الضَّميرُ يعود على "يَوْم". وقال الحوفيُّ: "على الجزاءِ" وقرأ الأعمش: "ومَا يُؤخِّره" - بالياء - أي: الله تعالى. "إلاَّ لأجَلٍ معدُودٍ" وكل ما له عدد، فهو متناهٍ، وكل ما كان متناهياً، فلا بُدَّ أن يفنى، فتأخير القيامة ينتهي إلى وقت لا بد وأن يقيم الله القيامة فيه، وكُلُّ ما هو آتٍ قريب. قوله: "يَوْمَ يأتِ" قرأ أبو عمرو والكسائيُّ ونافعٌ "يَأتِي" بإثبات الياءِ وصْلاً وحذفها وقْفاً. وقرأ ابنُ كثير بإثباتها وصْلاً ووقفاً وباقي السبعة: قرءوا بحذفها وصلاً ووقْفاً. وقد وردتْ المصاحفُ بإثباتها وحذفها: ففي مصحف أبيّ إثباتُها، وفي مصحف عثمان حذفها، وإثباتها هو الوجه؛ لأنَّها لامُ الكلمة، وإنَّما حذفُوها في القوافي، والفواصل، لأنَّها محلُّ وقوف وقالوا: لا أدْرِ، ولا أبَالِ. وقال الزمخشريُّ "والاجتزاءُ بالكسرة عن الياءِ كثيرةٌ في لغةِ هذيلٍ". وأنشد ابنُ جريرٍ في ذلك: [الرجز] شعر : 3017- كَفَّاكَ كَفٌّ ما تُليقُ دِرْهَمَا جُوداً وأخْرَى تُعْطِ بالسِّيْفِ الدَّمَا تفسير : والنّاصبُ لهذا الظرف فيه أوجه: أحدها: أنه "لا تكلَّمُ" والتقديرُ: لا تكلَّمُ نفسٌ يوم يأتي ذلك اليوم. وهذا معنى جيد لا حاجة إلى غيره. الثاني: أن ينتصب بـ "اذْكُر" مقدراً. والثالث: أن ينتصب بالانتهاءِ المحذوف في قوله: "إِلاَّ لأَجَلٍ" أي: ينتهي الأجل يوم يأتي. والرابع: أنَّهُ منصوبٌ بـ "لا تكلَّمُ" مقدَّراً، ولا حاجة إليه. والجملةُ من قوله: "لا تكَلَّمُ" في محلِّ نصبٍ على الحال من ضمير اليوم المتقدم في "مَشْهُود" أو نعتاً له لأنه نكرة. والتقدير: لا تكلَّمُ نفسٌ فيه إلاَّ بإذنه، قاله الحوفيُّ. وقال ابن عطيَّة: "لا تكلَّمُ نفسٌ" يصحُّ أن تكون جملة في موضع الحال من الضَّمير الذي في "يَأتِ" وهو العائدُ على قوله: {وَذَلِكَ يَوْمٌ}، ويكون على هذا عائدٌ محذوف تقديره: لا تكلمُ نفسٌ فيه، ويصحُّ أن يكون قوله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ} صفةً لقوله: {يَوْمَ يَأْتِ}. وفاعل "يَأتِ" فيه وجهان: أظهرهما: أنَّهُ ضميرُ "يَوْم" المتقدِّم. والثاني: أنَّه ضمير الله تعالى كقوله: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللهُ} تفسير : [البقرة:210] وقوله: " أوْ يَأتِي ربُّكَ". والضميرُ في قوله: "فَمِنْهُمْ" الظاهرُ عودهُ على "النَّاس" في قوله: {مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ} وجعله الزمخشريُّ عائداً على أهل الموقف وإن لمْ يذكرُوا، قال: لأن ذلك معلومٌ، ولأنَّ قوله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ} يدلُّ عليه" وكذا قال ابنُ عطية. وقوله: "وَسَعِيدٌ" خبره محذوف: أي: ومنهم سعيدٌ، كقوله: {أية : مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ} تفسير : [هود:100]. فصل هذه الآية توهم المناقضة لقوله {أية : يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} تفسير : [النحل:111] ولقوله {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 35-36] وقوله: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام:23]. والجواب: قال بعضهم: إنَّهُ حيثُ ورد المنعُ من الكلامِ، فهو محمولٌ على ذكر الأعذارِ الكاذبة الباطلة، وحيثُ ورد الإذنُ في الكلام، فهو محمولٌ على الجوابات الصَّحيحة؛ قال تعالى:{أية : لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً} تفسير : [النبأ:38] وقيل: إنَّ ذلك اليوم يوم طويل، وله مواقف، ففي بعضها يجادلُون عن أنفسهم، وفي بعضها يختم على أفواههم، وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم. وقيل: ورد المنع عن الكلام مطلقاً، وورد مقيداً بالإذن فيحمل المطلق على المقيَّد. قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} قال الزمخشريُّ: الضميرُ في قوله: "مِنْهُمْ" لأهل الموقف ولمْ يذكرُوا؛ لأنَّه مفهومٌ، ولأنَّ قوله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} يدلُّ عليه؛ ولأنه مذكورٌ في قوله: {مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ}. واستدلَّ القاضي بهذه الآية على فساد القول بأنَّ أهل الأعراف لا في الجنة ولا في النَّارِ. وجوابه: أنَّ الأطفال والمجانين أيضاً خارجون عن هذا التَّقسيم؛ لأنَّهُم لا يحاسبُون، فلم لا يجوزُ أيضاً أن يقال: إنَّ أصحاب الأعراف خارجون عنه أيضاً؛ لأنهم لا يحاسبون لأنَّ الله - تعالى - علم من حالهم أنَّ ثوابهم يساوي عذابهم، فلا فائدة في حسابهم. واستدلَّ القاضي أيضاً بهذه الآية على أنَّ كلَّ من حضر عرضة القيامة فلا بد وأن يكون ثوابه زائداً أو عذابه، فأمَّا من كان ثوابه مساوياً لعقابه، فإنَّه وإن كان جائزاً في العقل، إلا أن هذا النص يدلُّ على أنَّهُ غيرُ موجودٍ. وأجيب بأنَّ تخصيص هذين القسمين بالذِّكر لا يدلُّ على نفي القسم الثالث؛ لأنَّ أكثر الآيات مشتملةٌ على ذكر المؤمن والكافر، وليس فيه ذكر ثالث لا يكون مؤمناً ولا كافراً مع أنَّ القاضي أثبته، فإذا لم يلزمْ من عدم ذكر الثالث عدمه فكذلك لا يلزمُ من عدم ذكر هذا الثالث عدمه. فصل حديث : روى أبو عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه - قال: خرجنا على جنازة، فبينما نحنُ بالبقيع إذْ خرج رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وبيده مخصرةٌ، فجاء، فجلس، ثم نكت بها الأرض ساعة، ثم قال:"ما مِنْ نفس منفُوسةٍ إلاَّ قد كُتِبَ مكانُها من الجنّة، أو النَّارِ، وإلاَّ قد كُتبتْ شقيَّةً، أو سعيدةً" قال: فقال رجلٌ: أفلا نتكلُ على كتابنا يا رسول الله وندعُ العمل؟ قال: "لا، ولكن اعملوا فكُلٌّ ميسرٌ لما خلق لهُ، وأمَّا أهلُ الشقاء فسييسرون لعمل أهل الشقاء، وأمَّا أهلُ السَّعادة فسييسرون لعمل أهل السعادة" تفسير : ثم تلا:{أية : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ} تفسير : [الليل:5-10]. قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ} الجمهورُ على فتح الشين؛ لأنَّهُ من "شَقى" فعلٌ قاصر وقرأ الحسن بضمها فاستعمله متعدِّياً، فيقال: شقاهُ الله، كما يقالُ: أشقاء الله وقوله: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ} في هذه الجملة احتمالان: أحدهما: أنَّها مستأنفةٌ، كأنَّ سائلاً سأل حين أخبر أنَّهُم في النَّار: ماذا يكون لهم؟ فقيل: لهم كذا. والثاني: أنها منصوبةُ المحلِّ، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: أنَّهُ الضميرُ في الجرِّ والمجرور وهي "فَفِي النَّارِ". الثاني: أنها حالٌ من "النَّار" و"الزَّفير" بمنزلة ابتداء صوت الحمار، والشَّهيق" آخره قال رؤبة: [الرجز] شعر : 3018- حَشْرَجَ في الصَّدْرِ صَهِيلاً أوْ شَهَقْ حتَّى يُقالَ نَاهِقٌ وما نَهَقْ تفسير : وقال ابن فارس: الزَّفيرُ ضد الشَّهيق؛ لأنَّ الشَّهيق ردُّ النَّفَس والزَّفير: إخراجُ النَّفس من شدَّة الحزنِ مأخوذ من الزِّفْرِ وهو الحِمْل على الظَّهْرِ، لشدَّته. وقال الزمخشري نحوه؛ وأنشد للشَّمَّاخِ: [الطويل] شعر : 3019- بَعِيدٌ مَدَى التَّطْريبِ أوَّلُ صوْتِهِ زفيرٌ ويتلوهُ شهيقٌ مُحَشْرِجُ تفسير : وقيل الشَّهيقُ: النَّفس الممتدُّ، مأخوذٌ من قولهم: "جبلٌ شاهقٌ أي: عالٍ". وقال اللَّيْثُ: الزَّفير: أن يملأ الرَّجُلُ صدرهُ حال كونه في الغمِّ الشَّديد من النَّفس ويخرجهُ، والشَّهيق أن يخرج ذلك النَّفس، وهو قريبٌ من قولهم: تنفَّس الصعداء. قال ابن الخطيب: إنَّ الإنسان إذا عظم غمه انحصر روح قلبه في داخل القلب، فتقوى الحرارةُ وتعظم، وعند ذلك يحتاجُ الإنسان إلى النفس القوي لأجل أن يستدخل هواء بارداً حتى يقوى على ترويح تلك الحرارة، فلهذا السَّبب يعظم في ذلك الوقتِ استدخال الهواء في داخل الصَّدْرِ، وحينئذٍ يرتفع صدره، ولمَّا كانت الحرارةُ الغريزيةُ، والروح الحيوانيُّ محصُوراً في داخل القلبِ؛ استولت البرودةُ على الأعضاءِ الخارجة؛ فرُبَّما عجزت آلات النَّفس عن دفع ذلك الهوى فيبقى ذلك الهواء الكثير منحصراً في الصدر. فعلى قول الأطباء: الزَّفير: هو استدخالُ الهواءِ الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب انحصار الروح فيه، والشَّهيق: هو إخراج ذلك الهواء عند مجاهدة الطَّبيعة في إخراجه، وكلُّ من هاتين الحالتين تدل على كرب شديد. وقال أبُو العالية والربيع بن أنس: الزَّفير في الحلق، والشَّهيق في الصدر وقيل: الزَّفيرُ للحمار والشهيق للبغل. وقال ابن عباس: الزَّفيرُ الصوت الشديد، والشَّهيق الصوت الضعيف وقال الضحاك ومقاتلٌ: الزَّفير أول صوت الحمار, والشهيق آخره، إذا ردَّهُ في صدره وقال الحسنُ: الزَّفيرُ لهيبُ جهنَّم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلُوا إلى أعلى جهنم، وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهُم الملائكة بمقامع من حديد وردوهم إلى الدرك الأسقل من جهنَّم، وهو قوله تعالى: {أية : كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا} تفسير : [السجدة:20] فارتفاعهم في النَّار هو الزَّفير، وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق. وقال أبو مسلم: الزَّفيرُ ما يجتمع في الصَّدْرِ من النَّفس عند البكاء الشَّديد فيقطع النفس، والشهيقُ هو الصَّوت الذي يظهرُ عند اشتداد الكرب، وربما تبعه الغشية، وربما حصل عقيبه الموت. وروي عن ابن عبَّاس في قوله: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} أي: ندامةً ونفساً عالياً وبكاء لا ينقطع وحزناً لا يندفع. قوله: "خَالِدِينَ" منصوبٌ على الحال المقدرة. قال شهاب الدِّينِ: "ولا حاجَة إلى قولهم "مقدّرة"، وإنَّما احتاجُوا إلى التقدير في مثل قوله: {أية : فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} تفسير : [الزمر:73]؛ لأنَّ الخلود بعد الدُّخُول، بخلافه هنا". قوله: "مَا دَامَتِ" "ما" مصدرية ظرفية، أي: مدَّة دوامهما. و "دَامَ" هنا تامةٌ، لأنَّها بمعنى: بَقِيت. فصل اختلفوا في تأويل هذا، قالت طائفة منهم الضحَّاك: المعنى ما دامت سمواتُ الجنَّة والنَّار وأرضهما، والسماء كل ما علاك وأظلك، والأرض ما استقر عليه قدمك، قال تعالى: {أية : وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ} تفسير : [الزمر:74] وقيل: أراد السَّماء والأرض المعهودتين في الدنيا؛ وأجرى ذلك على عادة العرب في الإخبار عن دوامِ الشيء وتأبيده، كقولهم: "لا آتيك ما جنَّ ليلٌ، أو سَالَ سيلٌ، وما اختلفَ اللَّيلُ والنهار". وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنَّ جميع الأشياء المخلوقة أصلها من نُور العرش، وأنَّ السموات والأرض في الآخرة تردَّان إلى النور الذي أخذتا منه، فهما دائمتان أبداً في نور العرش. فصل قال ابن الخطيب: قال قوم: إنَّ عذاب الكفَّار منقطعٌ، وله نهاية، واحتجُّوا بالقرآن والمعقول، أما القرآنُ فبآيات منها هذه الآية، والاستدلالُ بها من وجهين: أحدهما: قوله: {مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} يدل على أنَّ مدة عقابهم مساوية لمدَّة بقاءِ السموات والأرض، ثم توافقنا على أنَّ مدة بقاءِ السموات والأرض متناهية؛ فلزم أن تكون مدة عقاب الكفار منقطعة. والثاني: قوله: {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} استثناءٌ من مدَّةِ عقابهم، وذلك يدلُّ على أنَّ زوال ذلك العقاب في وقت هذا الاستثناء، ومنها قوله تعالى: {أية : لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً} تفسير : [النبأ:23] بيَّن تعالى أنَّ لبثهم في ذلك العقاب لا يكون إلاَّ أحقاباً، والأحقابُ معدودة. وأمَّا العقلُ فمن وجهين: الأول: أنَّ معصية الكافر متناهيةٌ، ومقابلة الجرم المتناهي بعذابٍ لا نهاية له ظلم وإنَّهُ لا يجوزُ. الثاني: أنَّ ذلك العقاب ضرر خال عن النَّفع فيكون قبيحاً. بيان خلوه عن النفع أن ذلك النفع لا يجوزُ أن يرجع إلى الله تعالى لتعاليه عن النَّفع والضَّرر، ولا إلى ذلك العقاب؛ لأنَّهُ في حقِّه ضربٌ محض، ولا إلى غيره؛ لأن أهل الجنَّة مشغولون بلذاتهم، فلا فائدة لهم في الالتذاذِ بالعقابِ الدَّائم في حقِّ غيرهم؛ فثبت أنَّ ذلك العذاب ضرر خال عن جميع النَّفْعِ؛ فوجب أن لا يجوز وهذا قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة وأنس بن مالك - رضي الله عنهم - وذهب إليه الحسنُ البصريُّ وحمَّادُ بنُ سلمة وبه قال عليُّ بن طلحة وجماعة من المفسِّرين، رواه عنهم ابنُ تيمية. وأما الجمهورُ الأعظمُ من الأمَّةِ، فقد اتفقوا على أنَّ عذاب الكافر دائمُ، وعند هذا احتاجوا إلى الجواب عن التمسُّكِ بهذه الآيةِ، فذكروا جوابين: أحدهما: قالوا المرادُ سماوات الآخرة وأرضها، قالوا: والدليلُ على أنَّ في الآخرة سماء وأرضاً قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ} تفسير : [إبراهيم:48] وقوله: {أية : وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ} تفسير : [الزمر:74] وأيضاً: لا بدَّ لأهْل الآخرة ممَّا يقلهم ويُظلهم؛ وذلك هو الأرض والسَّموات. ولقائل أن يقول: التشبيه إنما يصحُّ ويجوزُ إذا كان حال المشبه به مقرراً معلوماً، فيشبه غيره به تأكيداً لثبوت الحكم المشبه، ووجود السَّموات والأرض في الآخرة غير معلوم، وبتقدير أن يكون وجوده معلوماً إلاَّ أنَّ بقاءهما على وجه لا يفنى ألبتَّة غير معلوم، فإذا كان أصل وجودهما مجهولاً لأكثر الخلق، ودوامهما أيضاً مجهولاً للأكثرين، كان تشبيه عقاب الأشقياء به في الدَّوام بهما كلاماً عديم الفائدة: أقصى ما في الباب أن يقال: لمَّا ثبت بالقرآن وجود سموات وأرض في الآخرة، وثبت دوامهما؛ وجب الاعترافُ به، وحينئذٍ يحسُنُ التَّشبيه، إلاّ أنَّا نقُولُ: لمَّا كان الطَّريقُ في إثبات دوام سموات أهل الآخرة، ودوام أرضهم هو السَّمعُ، ثُمَّ السمعُ دلَّ على دوام عقاب الكافر، فحينئذ الدَّليلُ الذي دلَّ على ثبوت الحكم في الأصل حاصل بعينه في الفرع، وفي هذه الصورة أجمعُوا على أنَّ القياس ضائعٌ والتَّشبيه باطلٌ، فكذا ههنا. الوجه الثاني - في الجواب - قالوا: إنَّ العرب يُعبِّرون عن الدَّوام والأبد بقولهم: لا آتيك ما دامت السموات والأرض، وقولهم: ما اختلف الليل والنهار، وما طَمَا البَحرُ، وما أقام الجبل وأنَّهُ تعالى خاطب القوم على عرفهم في كلامهم، فلمَّا ذكروا هذه الأشياء بناءً على اعتقادهم أنَّها باقية أبداً، علمنا أنَّ هذه الألفاظ في عرفهم تُفيدُ الأبد والدَّوام. ولقائل أن يقول: هل تسلمون أنَّ قول القائل: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء الله} يمنع من بقائها موجودة بعد فناء السموات؟ أو تقولون: إنَّه لا يدلُّ على هذا المعنى، فإن كان الأوَّل؛ فالإشكال لازم؛ لأنَّ النصَّ لمَّا دل على أنَّهُ يجبُ أن تكون مدة مقامهم في النار مساوية لمدة بقاءِ السموات والأرض، ويمنع من حصولِ بقائهم في النَّارِ بعد فناءِ السموات، وثبت أنَّهُ لا بدُّ من فناء السموات، فعند هذا يلزمكم القول بانقطاع ذلك العقابِ، وإن قلتم إنَّ هذا لا يمنع من بقائهم في النَّارِ بعد فناءِ السَّمواتِ والأرض، فلا حاجة بكم إلى هذا الجواب ألبتَّة، فثبت أنَّ هذا الجواب على كلا التقريرين ضائعٌ. قال: والحقُّ عندي أنَّ المفهوم من الآية أنَّه متى كانت السَّموات والأرض دائمتين، كان كونهم في النَّار باقياً، وهذا يقتضي أنه كلما حصل الشرطُ حصل المشروط، ولا يقتضي أنَّهُ إذا عدم الشرط أن يعدم المشروط، ألا ترى أنَّا نقول: إن كان هذا إنسان فهو حيوان، فإذا قلنا: لكنَّهُ إنسان، فإنه ينتج أنَّهُ حيوان، أمَّا إذا قلنا لكنَّه ليس بإنسان لم ينتج أنَّه ليس بحيوان؛ لأن يثبتُ في علم المنطق أنَّ استثناء نقيض المقدمة لا ينتج شيئاً، فكذا ههنا إذا قلنا: متى دامت السموات والأرض دام عقابهم، فإذا قلنا: لكن السموات والأرض دائمة لزم أن يكون عقابهم حاصلاً، أمَّا إذا قلنا: لكنه ما بقيت السَّموات والأرض لم يلزم عدم دوام عقابهم. فإن قالوا: إذا كان العقابُ حاصلاً سواء بقيت السَّموات، أو لم تبقَ، لم يبقَ لهذا التَّشبيه فائدة. قلنا: بل فيه أعظم الفوائد، وهو أنه يدلُّ على بقاءِ ذلك العذاب زماناً دائماً طويلاً، لا يحيط العقلُ بطوله وامتداده، فأمَّا أنه هل يحصلُ له آخر أم لا؟ فذلك يُستفادُ من دليلٍ آخر. وأمَّا الشبهة الثانية وهي تمسّكهم بقوله تعالى: {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} فذكروا عنه أجوبة: أحدها: قال ابن قتيبة وابنُ الأنباري والفرَّاء هذا استثناءٌ استثناه الله تعالى، ولا يفعله ألبتَّة، كقولك: والله لأضربنك إلاِّ أن أرى غير ذلك، وعزيمتك أن تضربه. ولقائل أن يقول: هذا ضعيفٌ؛ لأنه إذا قال: لأضربنك إلاَّ أن أرى غير ذلك، معناه: لأضربنك إلاَّ إذا رأيت أن الأولى تركُ الضربِ، وهذا لايدلُّ ألبتَّة على أنَّ الرُّؤية قد حصلت أم لا؟ بخلاف قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} فإن معناه الحكم بخلودهم فيها إلاَّ المدة التي شاء ربك، فهاهنا اللفظُ يدلُّ على أنَّ هذه المشيئة قد حصلت جزماً، فكيف يحصلُ قياس هذا الكلام على ذلك الكلام. وثانيها: قال الزمخشريُّ: فإن قلت: ما معنى الاستثناءِ في قوله تعالى: {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} وقد ثبت خلود أهل الجنَّة والنَّار في الأبد من غير استثناء؟ قلت: هو استثناء من الخلودِ في عذاب أهل النَّار، ومن الخلود في نعيم أهل الجنَّة، وذلك أنَّ أهل النَّار لا يُخلَّدون في عذابها وحده، بل يُعذَّبُون بالزَّمهرير، وبأنواعٍ أخر من العذاب، وبما هو أشدُّ من ذلك وهو سخط الله عليهم، وكذا أهل الجنة لهم مع نعيم الجنة ما هو أكثر منه كقوله: {أية : وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} تفسير : [التوبة:72] والدَّليل عليه قوله: {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود:108] وفي مقابله قوله: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [هود: 107] أي: يفعلُ بهم ما يريدُ من العذاب، كما يعطي أهل الجنَّة ما لا انقطاع له. قال أبو حيَّان: ما ذكره في أهل النّارِ قد يتمشَّى؛ لأنَّهم يخرجون من النَّارِ إلى الزَّمهرير فيصح الاستثناء، وأمَّا أهلُ الجنَّة، فلا يخرجون من الجنَّة، فلا يصحُّ فيهم الاستثناء. قال شهاب الدين: والظَّاهرُ أنَّهُ لا يصحُّ فيهما؛ لأنَّ أهل النَّارِ مع كونهم يُعذَّبُون بالزَّمهريرِ هم في النَّار أيضاً. وثالثها: أنَّه استثناء من الزَّمان الدَّال عليه قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ}. والمعنى: إلاَّ الزمان الذي شاء الله فلا يُخَلَّدون فيها. ورابعها: إنه استثناءٌ من الضمير المستتر في الجارِّ والمجرورِ، وهو قوله: "فَفِي النَّارِ" و "فَفِي الجنَّة" لأنَّه لمَّا وقع خبراً تحمَّل ضمير المبتدأ. وخامسها: أنه استثناء من الضَّمير المستتر في الحالِ وهو: "خَالِدِينَ"، وعلى هذين القولين تكون "ما" واقعةً على من يعقل عند من يرى ذلك، أو على أنواع من يعقلُ كقوله: {أية : مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء:3] والمرادُ بـ "مَا" حينئذٍ العصاةُ من المؤمنين في طرف أهل النار، وأمَّا في طرف أهل الجنَّة فيجوز أن يكونوا هم، أو أصحابُ الأعراف؛ لأنهم لم يدخلُوا الجنَّة لأولِ وهلةٍ، ولا خُلِّدُوا فيها خلودَ من دخلها أولاً. وسادسها: قال ابنُ عطيَّة: قيل: إنَّ ذلك على طريق الاستثناء الذي ندبَ الشَّارعُ إلى استعماله في كُلِّ كلامٍ، فهو كقوله: {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} تفسير : [الفتح:27] استثناء في واجب، وهذا الاستثناء هو في حكم الشَّرط، كأنه قال: إن شاء الله؛ فليس يحتاج أن يوصف بمتَّصلٍ، ولا منقطع. وسابعها: هو استثناءٌ من طول المُدَّةِ، ويروى عن ابن مسعودٍ وغيره أنَّ جهنم تخلُوا من النَّاس وتخفق أبوابها فذلك قوله تعالى: {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} وهذا مردُودٌ بظواهر الكتاب والسُّنة، وما ذكر عن ابن مسعودٍ فتأويله: أنَّ جهنَّم في الدَّرك الأعلى، وهي تخلو العصاة المؤمنين، هذا على تقدير صحَّة ما نُقِل عن ابنِ مسعُودٍ. وثامنها: أنَّ "إلاَّ" حرفُ عطفٍ بمعنى الواو، والمعنى: وما شاء ربُّكَ زائداً على ذلك. وتاسعها: أنَّ الاستثناء منقطعٌ، فيقدَّرُ بـ "لكن" أو بـ "سوى"، ونظروه بقولك: "لي عليك ألفا درهم، إلاَّ الألف التي كنت أسلفتك" أي: سوى تلك، فكأنَّه قال: خالدينَ فيها ما دامتِ السمواتُ والأرضُ سوى ما شاء ربُّك زائداً على ذلك. وقيل: سوى ما أعدَّ لهم من عذابٍ غير عذابِ النار كالزمهرير ونحوه. عاشرها: أنه استثناءٌ من مدَّة السموات والأرض التي فرضت لهم في الحياة الدنيا. وحادي عشرها: أنَّهُ استثناءٌ من البرزخ الذي بين الدنيا والآخرة. وثاني عشرها: أنَّهُ استثناءٌ من المسافات التي بينهم في دُخُولِ النَّار، إذ دخولهم إنَّما هو زُمَراً بعد زُمَر. وثالث عشرها: أنَّه استثناءٌ من قوله: "فَفِي النَّارِ" كأَّنَّه قال: إلاَّ ما شاءَ ربُّك من تأخُّر قوم عن ذلك، وهذا مرويُّ عن أبي سعيد الخدري وجابر. ورابع عشرها: أنَّ "إلاَّ ما شاء" بمنزلة: كما شاء؛ كقوله: {أية : مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} تفسير : [النساء:22]، أي: كما سلف. وخامس عشرها: أن معناه: لو شك ربُّك، لأخرجهم منها، ولكنه لا يشاءُ؛ لأنَّه حكم لهم بالخُلود، فتكون "ما" نافية. وسادس عشرها: أنَّه استثناء من قوله: {فَفِي ٱلنَّارِ} و {فَفِي ٱلْجَنَّةِ}، أي: إلاَّ الزَّمان الذي شاءهُ الله فلا يكون في النَّار ولا في الجنَّة، ويمكن أن يكون هذا الزَّمانُ المستثنى هو الزَّمانُ الذي يفصلُ فيه بين الخلق يوم القيامة إذا كان الاستثناءُ من الكون في النَّار، أو في الجنَّة؛ لأنه زمانٌ يخلُو فيه الشَّقيُّ والسَّعيدُ من دُخُولِ النَّار والجنة، وأمَّا إذا كان الاستثناءُ من الخلودِ فيمكن ذلك بالنسبة إلى أهل النار، ويكون الزَّمانُ المستثنى هو الزمانُ الذي فات أهل النار العصاةَ من المؤمنين الذي يخرجُون من النَّار ويدخُلون الجنَّة، فليسُوا خالدين في النار، إذ قد أخرجوا منها وصارُوا إلى الجنَّة، وهذا مرويُّ عن قتادة والضَّحاك وغيرهما والذين شقُوا على هذا شامل للكفار والعصاة هذا في طرفِ الأشقياء العصاة ممكنٌ، وأمَّا في الطَّرف الآخر فلا يتأتَّى هذا التأويل فيه، إذ ليس منهم من يدخلُ الجنة ثمَّ لا يخلَّد فيها. قال أبو حيَّان: يمكنُ ذلك باعتبار أن يكون أريد الزَّمان الذي فات أهل النَّار العُصاة من المؤمنين فيها الجنَّة وخُلَّدوا فيها صدق على العصاةِ المؤمنين وأصحابِ الأعراف أنهم ما خُلِّدُوا في الجنة تخليدَ من دخلها لأوَّلِ وهلة. ثم قال: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} وهذا يحسُ انطباقه على هذه الآية إذا حملنا الاستثناء على إخراج الفسَّاق من النَّارِ، كأنَّه تعالى يقول: اظهرتُ القهر والقدرة، ثم أظهرتُ المغفرة والرَّحمة؛ لأنَّي فعالٌ لما أريدُ، وليس لأحد عليَّ حكم ألبتَّة. قوله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ} قرأ الأخوان وحفصٌ "سُعِدُوا" بضمِّ السين. والباقون بفتحها، فالأولى من قولهم: سعده اللَّهُ، أي: أسعدهُ حكى الفرَّاءُ عن هذيل أنها تقولُ: سعده الله بمعنى أسعده. وقال الجوهريُّ: سَعِد فهو سَعِيد كـ: سَلِمَ فهو سليم وسُعِد فهو مسعود. وقال ابن القشيري: ورد سعده الله فهو مسعود، وأسْعَده فهو مُسْعَد. وقيل: يقال: سعده وأسْعده فهو مسعُود، استغنوا باسم مفعول الثلاثي. وحكي عن الكسائي أنَّه قال: هما لغتان بمعنى يعني: فعل وأفعل. وقال أبو عمرو ابن العلاءِ: يقال: سُعِدَ الرجلُ، كما يقالُ: جُنَّ، وقيل: سعدهُ لغة مهجورة. وقد ضعَّف جماعةٌ قراءة الأخوين. قال المهدويُّ: من قرأ "سعدوا" فهو محمولٌ على مسعود، وهو شاذٌّ قليل؛ لأنه لا يقال: سعده الله، إنَّما يقال: أسعده الله وقال بعضهم: احتجَّ الكسائيُّ بقولهم: "مَسْعود" قيل: ولا حُجَّة فيه؛ لأنه يقال: مكان مسعود فيه ثم حذف "فهي" وسُمِّي به. وكان عليُّ بن سليمان يتعجَّب من قراءة الكسائي "سُعِدوا" مع علمه بالعربيَّةِ، ولعجبُ من تعجُّبه. قال مكيُّ: قراءةُ حمزة والكسائي "سُعدِوا" بضمِّ السِّين حملاً على قوله: "مسعود" وهي لغةٌ قليلة شاذةٌ، وقولهم: "مسعود"، إنَّما جاء على حذف الزَّوائد: كأنَّهُ من أسعده الله، ولا يقال: سعده الله، وهو مثل قولهم: أجنَّهُ الله فهو مجنون، أتى على جَنَّةُ الله، وإن كان لا يقال ذلك، كما لا يقال: سعده الله. وضمُّ السين بعيدٌ عند أكثر النحويين إلا على حذف الزوائد وقال أبو البقاء: وهذا غيرُ معروفٍ في اللغةِ، ولا هو مقيسٌ. فصل قال ابنُ الخطيب: الاستثناءُ في باب السُّعداءِ يجبُ حمله على كل الوجوهِ المذكورة فيما تقدَّم، وها هنا وجه آخر، وهو أنهُ ربما اتفق لبعضهم أن يرفع من الجنَّة إلى المنازل الرَّفيعة التي لا يعلمها إلاَّ الله تعالى، لقوله: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ} تفسير : [التوبة:72] إلى أن قال: {أية : وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}تفسير : [التوبة:72]. قوله: "عَطَآءً" نُصِبَ على المصدر المؤكد من معنى الجملة قبله؛ لأن قوله: ففِي الجنَّةِ خالدينَ" يقتضي إعطاءً وإنعاماً فكأنَّهُ قيل: يعطيهم عطاءً، و "عطاء" اسم مصدر والمصدر في الحقيقة الإعطاء على الأفعال، أو يكونُ على حذف الزَّوائد، كقوله: {أية : أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} تفسير : [نوح:17]، أو منصوب بمقدَّرٍ موافق له، أي: فنبتُّم نباتاً، وكذلك هنا، يقال: عطوتُ بمعنى: تناولتُ. و"غَيرَ مجذُوذٍ" نعته، والمجذوذُ: المقطوع، ويقال لفُتات الذَّهب والفضَّة والحجارة "جُذاذ" من ذلك، وهو قريب من الجدِّ وبالمهملة في المعنى، إلاَّ أنَّ الرَّاغب جعل جدَّ بالمهملة بمعنى: قطع الأرض المستوية، ومنه: جدَّ في سيره يَجِدُّ جدًّا، ثم قال: "وتُصُوِّر من جددتُ الأرض القطعُ المُجرد، فقيل: جددتُ الثوبَ إذا قطعته على وجه الإصلاح، وثوبٌ جديد أصله المقطوع، ثم جعل لكل ما أحدث إنشاؤه" والظَّاهر أنَّ المادتين متقاربتان في المعنى، وقد ذكرت لها نظائر نحو: عتا وعثَا، وكتب وكثب. فصل قال ابن زيد: أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل الجنَّة، فقال: {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} ولم يخبر بالذي يشاءُ لأهل النَّار. وقال ابن مسعود: ليأتينَّ على جهنَّم زمان ليس فيها أحدٌ، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقاباً وعن أبي هريرة مثلهُ، وقد تقدَّم، ومعناه عند أهل السُّنة: ألاَّ يبقى فيها أحدٌ من أهل الإيمان، وأما مواضع الكفار فممتلئة أبداً. قوله: {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ} أي: شك "مِمَّا يعبدُ هؤلاءِ" لما شرح أقاصيص عبدة الأوثان، وأتبعه بأحوال الأشقياء، وأحوال السعداء شرح للرسول - عليه الصلاة والسلام- أحوال الكفار من قومه، فقال: "فلا تَكُ في مريةٍ ممَّا يعبدُ هؤلاءِ" وحذف النون؛ لكثرة الاستعمال؛ ولأنَّ النون إذا وقعت طرف الكلام، لم يبق عند التلفظ به إلا مجرّد الغنّة، فلا جرم أسقطوه و"ما" في "مِمَّا يعبُدُونَ" و"مِمَّا يعبدُ آباؤنَا" مصدرية، ويجوز أن تكون الأولى اسمية دون الثانية، والمعنى: أنَّهُم ضلال "ما يعبدون إلاَّ كما يعبد"، وفيه إضمار، أي: كما كان يعبدُ آباؤهُمْ من قبل، "وإنَّا لمُوفُّوهُم نَصِيبهُم" حقَّهم من الجزاء "غير منقُوص" ويحتمل أن يكون المراد أنهم، وإن كفروا، وأعرضوا عن الحقِّ، فإنا موفوهم نصيبهم من الرِّزق والخيرات الدنيويَّة، ويحتمل أن يكون المراد: إنَّا لموفُّوهم نصيبهم من إزاحة العذر وإظهار الدلائل وإرسال الرسُل وإنزال الكتب. قوله "غير منقُوصٍ" حالٌ من "نَصِيبهُم" وفي ذلك احتمالان: أحدهما: أن تكون حالاً مؤكِّدة؛ لأن لفظ التوفيه يشعرُ بعدم النقص، فقد استفيد معناها من عاملها، وهو شأنُ المؤكدة. والثاني: أن تكون حالاً مبينة. قال الزمخشريُّ: فإن قلت: كيف نُصب "غيْر منقُوصٍ" حالاً عن النَّصيب المُوفَّى؟ قلتُ: يجوز أن يُوفَّى، وهو ناقصٌ، ويوفَّى وهو كامل؛ ألا تراك تقولُ:"وفَّيْتُه شطر حقِّه، وثُلثَ حقِّه، وحقَّه كاملاً وناقصاً" فظاهر هذه العبارة أنها مبنيةٌ، إذ عاملها محتمل لمعناها ولغيره. إلا أن أبا حيَّان قال: هذه مغلطة، إذا قال: "وفيته شطر حقِّه" فالتوفية وقعتْ في الشَّطْر، وكذا في الثُلُث، والمعنى: أعطيته الشطر والثلث كاملاً لم أنقصه شيئاً، وأما قوله: "وحقَّه كاملاً وناقصاً" أمَّا كاملاً فصحيح، وهي حالٌ مؤكدة؛ لأنَّ التوفية تقتضي الإكمال، وأمَّا "وناقصاً" فلا يقالُ لمنافاته التَّوفية. قال شهابُ الدِّين: "وفي منع الشيخ أن يقال: "وفَّيْتُه حقَّه ناقصاً" نظرٌ، إذ هو شائعٌ في تركيبات النَّاس المعتبر قولهم؛ لأنَّ المراد بالتَّوفية مطلقُ التَّأدية".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله ‏ {‏إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة‏} ‏ يقول‏:‏ انا سوف نفي لهم بما وعدنا في الآخرة، كما وفينا للأنبياء أنا ننصرهم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ‏{‏ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود‏} ‏ قال‏:‏ يوم القيامة‏. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد‏.‏ مثله‏. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في الآية قال‏:‏ ذاك يوم القيامة يجتمع فيه الخلق كلهم، ويشهده أهل السماء وأهل الأرض.

القشيري

تفسير : مشهودٌ يشهدِه مَنْ حُشِرَ من جميع الخلائق في ذلك اليوم. ويقال الأيام ثلاثة: يومٌ مفقود وهو أمسِ ليس بيدك منه شيء، ويومٌ مقصود وهو غدٌ لا تدري أتدركه أم لا، ويومٌ مشهودٌ وهو اليوم الذي أنت فيه؛ فالمفقودُ لا يرجع، والمقصود ربما لا تبلغ، والمشهود وقتك وهو مُعَرَّضٌ للزوال... فاستغله فيما ينفع.

البقلي

تفسير : قال الله تعالى {ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} ذلك اليوم يجمع العارفون لموقف رؤية الجلال وشهودهم مشاهد الكبرياء والعظمة ويجمع المحبون ما قام مشاهدة الجمال وشهودهم لقاء البقاء ويجمع الموحدون لرؤية القدم وشهود الازل وهم صبار لا يزالون عن طوارق القدرة وسطوة العظمة لانهم فى الدنيا اهل جمع واهل شهود قال ابو سعيد الخراز من عاشق فى حقيقة عين الجمع لم يهوله ما جمعوا له من ذلك المقام ومن كان فى كشف المشاهدة لم يتعجب من شهود ذلك اليوم لانه كان مكشوفا عن ذلك وهذا معنى قوله وذلك يوم مجموع الآية وقال يحيى بن معاذ الايام منه يوم مفقود ويوم مشهود ويوم مورود ويوم موعود ويوم ممدود فاليوم المفقود امسك فانك على ما فرطت فيه واليوم المشهود يومك فتزود منه ما استطعت ويوم === لا تدرى هو لك ام انت له لعله ليس من ايامك وهو غدك فلا تشغل به ولا تهتم له واليوم الموعود فاجعله من بالك واذكره على كل احوالك واعمل له فانه اخر ايامك ويم ممدود يوم يقوم الناس لرب العالمين فانظر لنفسك لوقوف ذلك وجواب السوال.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان فى ذلك} اى فيما نزل بالامم الهالكة بذنوبهم او فيما قصه الله من قصصهم {لآية} لعبرة بينة وموعظة بالغة {لمن خاف عذاب الآخرة} اى اقربه وآمن لانه يعتبر به حيث يستدل بما حاق بهم من العذاب الشديد بسبب ما عملوا من السيآت على احوال عذاب الآخرة واما من انكر الآخرة واحال فناء العالم ولم يقل بالفاعل المختار وجعل تلك الوقائع لاسباب فلكية اتفقت فى تلك الايام لا لذنوب المهلكين فهو بمعزل من هذا الاعتبار تبا لهم ولما لهم من الافكار: قال الحافظ شعر : سير سبهر ودور قمر راجه اختيار دركردشند بر حسب اختيار دوست تفسير : {ذلك} اشارة الى يوم القيامة المدلول عليه بذكر الآخرة {يوم مجموع له الناس} اى يجمع له الاولون والآخرون للمحاسبة والجزاء واستعمال اسم المفعول حقيقة فيما تحقق فيه وقوع الوصف وقد استعمل ههنا فيما لم يتحقق مجازا تنبيها على تحقق وقوعه {وذلك} اى يوم القيامة مع ملاحظة عنوان جمع الناس له {يوم مشهود} اى مشهود فيه حيث يشهد فيه اهل السموات والارضين للموقف لا يغيب عنه احد فالمشهود هو الموقف والشاهدون اى الحاضرون والخلائق والمشهود فيه اليوم فاتسع فيه اجراء للظرف مجرى المفعول به واليوم كما يصح ان يوصف بانه مشهود فيه بمعنى يشهد فيه الخلائق من كل ناحية لامر له شأن او لخطب يهمهم كيوم الجمعة والعيد وعرفة وايام الحروب وقدوم السلطان كذلك يصح ان يوصف بانه مشهود اى مدرك كما تقول ادركت يوم فلان فاريد فى هذا المقام اليوم المشهود فيه لما فيه من تهويل ذلك اليوم لا اليوم المشهود لان سائر الايام كذلك

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى ان فيما أخبر به - من إهلاك من ذكره على وجه العقوبة لهم على كفرهم - آية أي علامة عظيمة بما فيها من البيان عن الامر الكثير قال الشاعر: شعر : بآية تقدمون الخيل زوراً كأن على سنابكها مداماً تفسير : قوله {لمن خاف عذاب الأخرة} أي لمن خشي عقوبة الله يوم القيامة، والخوف انزعاج النفس بتوقع الشر ونقيضه الامن، وهو سكون النفس بتوقع الخير. والفرق بين العذاب والالم أن العذاب استمرار الالم قال عبيد: شعر : فالمرؤ ما عاش في تكذيب طول الحياة له تعذيب تفسير : وقوله {ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود} معناه ان يوم القيامة يوم يجمع فيه الناس ويشهده جميع الخلائق، وليس يوصف في هذه الصفة يوم سواه، والجمع ضم احد الشيئين الى الآخر. وقيل هو جعل الشيئين فصاعداً في معنى، والقبض ضم الشيء الى الوسط كقبض البساط، وهو نقيض بسطه من غير تبري اجزائه.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الاخذ والاهلاك الواقع بالامم الماضية الهالكة {لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ} فانّه وان كان فى الدّنيا لكنّه من تصرّف الغيب وانموذج الآخرة {ذٰلِكَ} اليوم الّذى هو الآخرة والتّذكير باعتبار الخبر {يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ} لانّ المتعاقبين متلاحقون فى ذلك اليوم {وَذَلِكَ} تكرار اسم الاشارة للتّهويل {يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} يشهد فيه كلّ حاضر وغائب او يقوم الاشهاد من الانبياء (ع) واوصيائهم (ع) بالشّهادة فيه او يطلب منهم الشّهادة فيه.

اطفيش

تفسير : {إنَّ فى ذلكَ} المذكور من أنباء القرى، أو فيما نزل بالأمم الماضية، أو فى أخذهم {لآيةً} علامة {لمنْ خَافَ عَذابَ الآخرَةِ} يريد بها تقوى وخشية، ومباعدة عن موجبات الإهلاك، ويعلم أن ما نزل بهم قليل مما أعد لهم فى الآخرة، أو علامة لمن سبق فى علم الله أنه يخاف عذاب الآخرة فيؤمن بسببها، ويعلم أن ذلك فعل للمختار المريد تعالى، ينزل بسبب الذنب لا لأسباب فلكية اتفقت فى تلك الأيام، كما يزعم من أنكر الآخرة وفناء العالم. {ذَلكَ} أى يوم القيامة لتقدم ذكره، ولدلالة لفظ الآخرة، ولدلالة السياق اللاحق أيضا {يَومٌ مجْموعٌ لَه} أى فيه أو لهوله {النَّاسُ} نائب مجموع، وعبر باسم المفعول لا بالمضارع المبنى للمفعول للدلالة على الثبوت فى الجمع، وأن اليوم متصف بالجمع لا محالة، وأن الناس لا ينفكون عنه. {وذَلكَ يَومٌ مشْهودٌ} يشهده أهل السماوات والأرض، والأصل مشهود فيه، أى يشهد فيه الخلائق الموقف، لا يغيب عنه أحد، ثم كان الحذف والإيصال، وذلك لأن المراد وصف ذلك اليوم بالهول وتمييزه من بين الأيام، كما يقال: شهد زيد العيد، وشهد يوم الجمعة إذا حضر محل الاجتماع فهما، وحضور الزينة، ولو لم يقدر ذلك كان المعنى مجردا بوصف اليوم، لأنه مشهود، وكل يوم كذلك فلا يفيد تعظيم اليوم.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ فِى ذَلِكَ} فيما ذكره الله من القصص فى هذه السورة أَو فى كل ما نزل عليهم فى كل عصر وما ينزل {لأَيَةً} اعتبارا وإِذا قيل آية على كذا فمعناه الدلالة، وإِذا قيل آية لكذا فمعناه عبرة {لِمنْ خَافَ عَذابَ الآخِرَةِ} يتعظ به لعلمه بأَن ذلك مع شدته قليل من كثير وفان من دائِم، وينزجر عن موجباته لعلمه بأَنها من الله العزيز الجبار الفاعل المختار،لا كمن نفى الله وفعل تلك الوقائع لأَسباب نجومية اقتضت ذلك لا لذنوبهم، وقد يقول بهذا بعض المشركين الذين يذكرون الله عز وجل {ذَلِكَ} أى يوم القيامة المذكور فى قوله عز وجل: "أية : وأُتبعوا فى هذه لعنة ويوم القيامة" تفسير : [هود: 99] المدلول عليه بقوله عذاب الآخرة، ويسهل ذلك الإخبار عنه بقوله{يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناسُ} أَو الإشارة إِلى العذاب فيقدر المضاف قبله أَى قبل يوم ذلك العذاب يوم مجموع أَو قبل يوم أَى ذلك العذاب عذاب يوم مجموع إِلخ، والناس نائِب الفاعل وكأَنه قيل يجمع له الناس، ولكن غير الفاعل إِلى الوصف بدلالة الوصف وهو مجموع على الثبات، ثبات الجمع لليوم وأَن جمع الناس فيه أَمر لا محالة فيه، وأَنهم لا ينفكون عنه وهو أَشد مبالغة وبلاغة من قوله يجمعكم ليوم الجمع، جىءَ بالفعل إِذ لم تورد المبالغة والقرآن يشتمل على الأَبلغ والبليغ لأَن كلام العرب كذلك وصرح السعد وابن هشام بأَن اسم الفاعل أَو اسم المفعول مجاز فى الحال والاستقبال فمجموع مستعار ليجمع كاستعارة نادى لينادى واللام على ظاهرها، أَى جمع له الناس ليكون يوما عظيما أَو بمعنى فى ومراده الجمع له أَو فيه الحساب والجزاءُ {وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} يوم عظيم يشهده الناس والجن والملائِكة والحيوانات كلها أَو يشهد بعضهم بعضا فيه، وعلى كل يعظم ولا يقال مشهود إِلا ليوم جامع الناس لأَمر عظيم أَو غريب أَو لمهم فيه، ولو جعل اليوم مشهودا لذاته لم يكن عظيما لكن مشهود لما فيه فامتاز كيوم العيد والجمعة وعرفة وإلا فكل يوم قد حضره من هو فيه ولا يختص التعظيم بالزمان قالت امرأَة: شعر : ومشهد قد كفيت الغائِبين به فى محفل من نواصى الخيل مشهود .

الالوسي

تفسير : {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي أخذه سبحانه للأمم المهلكة أو فيما قص من أخبارهم {لآيَةً} أي لعلامة، وفسرها بعضهم بالعبرة لما أنها تلزمها وهو حسن؛ والتنوين للتعظيم أي لعبرة عظيمة {لّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ} فإنه إذا رأى ما وقع في الدنيا بالمجرمين من العذاب الأليم اعتبر به حال العذاب الموعود فإنه عصا من عصية وقليل من كثير، وانزجر بذلك عن المعاصي التي يترتب عليها العذاب وأكب على التقوى والخشية من الله تعالى، وقد أقيم (من خاف) الخ مقام من صدق بذلك لما بينهما / من اللزوم ولأن الاعتبار إنما ينشأ من الخوف، وذكر هذا القيد لأن من أنكر الآخرة وأحال فناء هذا العالم أسند الحوادث إلى أسباب فلكية وأوضاع مخصوصة فلم يعتبر بذلك أصل ولم ينزجر عن الضلالة قطعاً، وقال: إن ما وقع إنما وقع لهاتيك الأسباب والأوضاع لا للمعاصي التي اقترفتها الأمم المهلكة. وقيل: المراد إن فيما ذكر دليلاً على عذاب المجرمين في الآخرة لأنهم إذا عذبوا في الدنيا لإجرامهم ـ وهي دار العمل ـ فلأن يعذبوا في الآخرة عليه ـ وهي دار الجزاء ـ أولى. وقيل: المراد إن فيه دليلاً على البعث والجزاء، وذلك أن الأنبياء عليهم السلام قد أخبروا باستئصال من كذبهم وأشرك بالله ووقع ما أخبروا به وفق إخبارهم، وذلك أحد الشواهد على صدقهم فيكونون صادقين فيما يخبرون به من البعث والجزاء فلا بد أن يقع لا محالة. والتقييد بما ذكر هنا كالتقييد في قوله سبحانه: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ }تفسير : [البقرة: 2] وهو كما ترى. {ذٰلِكَ} إشارة إلى يوم القيامة المدلول عليه بذكر الآخرة {يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ} أي يجمع له الناس للمحاسبة والجزاء، فالناس نائب فاعل {مَّجْمُوعٌ} وأجاز ابن عطية أن يكون مبتدأ و {مَّجْمُوعٌ} خبره، وفيه بعد إذ الظاهر حينئذ أن يكون مجموعاً وعدل عن الفعل ـ وكان الظاهر ـ ليدل الكلام على ثبوت معنى الجمع وتحقق وقوعه لا محالة وأن الناس لا ينفكون عنه فهو أبلغ من قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ}تفسير : [التغابن: 9] وإيضاحه أن في هذا دلالة على لزوم الوصف ولزوم الإسناد، وفي ذلك على حدوث تعلق الجمع بالمخاطبين واختصاصه باليوم ولهذا استدركه بقوله: الجمع فأضاف اليوم إليه ليدل على لزومه له وإنما الحادث جمع الأولين والآخرين دفعة {وَذَلِكَ} أي يوم القيامة مع ملاحظة عنوان جمع الناس له {يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} أي مشهود فيه فاتسع في الجار والمجرور ووصل الفعل إلى الضمير إجراءً له مجرى المفعول به كما في قوله: شعر : ويوما (شهدناه) سليماً وعامراً قليل سوى طعن الدراك نوافله تفسير : أي يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد وإنما لم يجعل نفس اليوم مشهوداً بل جعل مشهوداً فيه ولم يذكر المشهود تهويلاً وتعظيماً أن يجري على اللسان وذهاباً إلى أن لا مجال لالتفات الذهن إلى غيره. وقد يقال: المشهود هو الذي كثر شاهدوه، ومنه قولهم: لفلان مجلس مشهود وطعام محضور، ولأم قيس الضبية:شعر : ومشهد قد كفيت الناطقين به في محفل من نواصي الناس (مشهود) تفسير : واعتبروا كثرة شاهديه نظراً إلى أنه الذي يستحق أن يطلق اسم المشهود على الإطلاق عليه، ولو جعل اليوم نفسه مشهوداً من غير هذا الاعتبار لم يحصل الغرض من تعظيم اليوم وتمييزه فإن سائر الأيام كذلك لكن جاء الامتياز من ذلك لما أضيف إليه من الكثرة المهولة المميزة، وبما ذكر يعلم سقوط ما قبل: الشهود الحضور واجتماع الناس حضورهم فمشهود بعد {مَّجْمُوعٌ} مكرر.

ابن عاشور

تفسير : بيان للتعريض وتصريح بعد تلويح. والمعنى: وكذلك أخذ ربك فاحْذروه وحذروا ما هو أشدّ منه وهو عذاب الآخرة. والإشارة إلى الأخذ المتقدّم. وفي هذا تخلّص إلى موعظة المسلمين والتّعريض بمدحهم بأن مثلهم من ينتفع بالآيات ويعتبر بالعبر كقوله: {أية : وما يعقلها إلاّ العالمون}تفسير : [العنكبوت: 43]. وجُعل عذاب الدنيا آية دالة على عذاب الآخرة لأنّ القرى الظالمة توعّدها الله بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة كما في قوله تعالى: {أية : وإنّ للذين ظلموا عذاباً دون ذلك}تفسير : [الطور: 47] فلمّا عاينوا عذاب الدّنيا كان تحققه أمارة على تحقق العذاب الآخر. وجملة {ذلك يوم مجموع له الناس} معترضة للتنويه بشأن هذا اليوم حتّى أنّ المتكلّم يبتدىء كلاماً لأجل وصفه. والإشارة بـ {ذلك} إلى الآخرة لأنّ ماصدقها يومُ القيامة، فتذكير اسم الإشارة مراعاة لمعنى الآخرة. واللاّم في {مجموع له} لام العلّة، أي مجموع الناس لأجله. ومجيء الخبر جملة اسمية في الإخبار عن اليوم يدلّ على معنى الثّبات، أي ثابت جمع الله الناس لأجل ذلك اليوم، فيدلّ على تمكن تعلق الجمع بالنّاس وتمكّن كون ذلك الجمع لأجل اليوم حتّى لقّب ذلك اليوم يومَ الجمع في قوله تعالى: {أية : يوم يجمعكم ليوم الجمع}تفسير : [التغابن: 9]. وعطف جملة {وذلك يوم مشهود} على جملة {ذلك يوم مجموع له الناس}لزيادة التّهويل لليوم بأنّه يُشهد. وطُوي ذكر الفاعل إذ المراد يشهده الشّاهدون، إذ ليس القصد إلى شاهِدين معيّنين. والإخبار عنه بهذا يُؤذن بِأنّهم يشهدونه شهوداً خاصاً وهو شهود الشيء المهول، إذ من المعلوم أن لا يقصد الإخبار عنه بمجرّد كونه مرئياً لكن المراد كونه مرئياً رؤية خاصة. ويجوز أن يكون المشهود بمعنى المحقّق أيّ مشهود بوقوعه، كما يقال: حقّ مشهود، أيْ عليه شهود لا يستطاع إنكاره، واضح للعيان. ويجوز أن يكون المشهود بمعنى كثير الشّاهدين إياه لشهرته، كقولهم: لفلان مجلس مشهود، كقول أم قيس الضبّيّة: شعر : ومشهد قد كفيتَ الناطقين به في محفل من نواصي الخيل مَشهود تفسير : فيكون من نحو قوله تعالى: {أية : فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً يومئذٍ يوَدّ الذين كفروا}تفسير : [النساء: 41، 42] الآية. وجملة {وما نؤخّره إلاّ لأجل معدود} معترضة بين جملة {ذلك يوم مجموع له النّاس} وبين جملة {أية : يوم يأتِ لا تكلّم نفس} تفسير : [هود: 105] الخ. والمقصود الردّ على المنكرين للبعث مستدلّين بتأخير وقوعه في حين تكذيبهم به يحسبون أنّ تكذيبهم به يغيظ الله تعالى فيعجّله لهم جهلاً منهم بمقام الإلهيّة، فبيّن الله لهم أن تأخيره إلى أجل حدّده الله له من يوم خَلَقَ العالم كما حدّد آجال الأحياء، فيكون هذا كقوله تعالى: {أية : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قُلْ لكم ميعاد يوممٍ لا تستأخرون عنه ساعةً ولا تستقدمون}تفسير : [سبأ: 29، 30]. والأجل: أصله المدة المنظَر إليها في أمر، ويطلق أيضاً على نهاية تلك المدّة، وهو المراد هنا بقرينة اللاّم، كما أريد في قوله تعالى: {أية : فإذا جاء أجلهم}تفسير : [الأعراف: 34]. والمعدود: أصله المحسوب، وأطلق هنا كناية عن المعيّن المضبوط بحيث لا يتأخر ولا يتقدم لأنّ المعدود يلزمه التعيّن، أو كناية عن القرب.

الواحدي

تفسير : {إنَّ في ذلك} يعني: ما ذكر من عذاب الأمم الخالية {لآية} لعبرةً {لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس} لأنَّ الخلق كلهم يحشرون ويجمعون لذلك اليوم {وذلك يوم مشهود} يشهده البرُّ والفاجر. {وما نؤخره} وما نؤخِّر ذلك اليوم فلا نُقيمه عليكم {إلاَّ لأجلٍ معدود} لوقتٍ معلومٍ، ولا يعلمه أحدٌ غير الله سبحانه. {يوم يأتِ} ذلك اليوم {لا تكلم نفس إلا بإذنه، فمنهم شقيٌّ وسعيد} فمن الأنفس في ذلك اليوم شقيٌّ وسعيدٌ. {فأمَّا الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق} وهما من أصوات المكروبين والمحزونين، والزَّفير مثل أوَّل نهيق الحمار، والشَّهيق آخره إذا ردَّده في الجوف. {خالدين فيها ما دامت السمٰوات والأرض} أبداً، وهذا من ألفاظ التأبيد {إلاَّ ما شاء ربك} أن يُخرجهم، ولكنَّه لا يشاء ذلك، والمعنى: لو شاء أن لا يخلِّدهم لقدر. وقيل: إلاَّ ما شاء ربك. يعني: إلاَّ مقدار مكثهم في الدُّنيا والبرزخ والوقوف للحساب، ثمَّ يصيرون إلى النَّار أبداً، وقوله: {عطاء غير مجذوذ} أَيْ: مقطوعٍ. {فلا تك} يا محمَّدُ {في مرية} شكٍّ {ممَّا يعبد هٰؤلاء} أيْ: مِن حال ما يعبدون في أنَّها لا تضرُّ ولا تنفع {ما يعبدون إلاَّ كما يعبد آباؤهم من قبل} أَيْ: كعبادة آبائهم، يريد: إنَّهم على طريق التَّقليد يعبدون الأوثان كعبادة آبائهم {وإنا لموفوهم نصيبهم} من العذاب {غير منقوص}.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لآية: أي علامة على أن الذي عذّب في الدنيا قادر على أن يعذب في الآخرة. يوم مشهود: أي يشهد جميع الخلائق وهو يوم القيامة. إلا لأجل معدود: أي أجل الدنيا المعدود الأيام والساعات. إلا بإِذنه: أي إلا بإِذن الله تعالى. شقي وسعيد: أي فمن أهل الموقف من هو شقي أزلاً وسيدخل النار، ومنهم سعيد أزلاً وسيدخل الجنة. زفير وشهيق: أي صوت شديد وهو الزفير وصوت ضعيف وهو الشهيق. عطاء غير مجذوذ: أي غير مقطوع بل هو دائم أبداً. فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء: أي في شك من بطلان عبادة هؤلاء المشركين. نصيبهم غير منقوص: ما قدر لهم من خير أو شر رحمة أو عذاب. معنى الآيات: قوله تعالى {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً} أي إن في أخذ الله تعالى للأمم الظالمة وتعذيبها بأشد أنواع العذاب آية أي علامة واضحة على أن من عذّب في الدنيا قادر على أن يعذب في الآخرة فالمؤمنون بلقاء الله تعالى يجدون فيما أخبر تعالى به من إهلاك الأمم الظالمة آية هي عبرة لهم فيواصلون تقواهم لله تعالى حتى يلاقوه وهم به مؤمنون ولأوامره ونواهيه مطيعون. وقوله تعالى {ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} أي ذلك الذي فيه عذاب الآخرة هو يوم القيامة حيث يجمع فيه الناس لفصل القضاء {وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} إذا تشهده الخلائق كلها وقوله تعالى {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} أي وما يؤخر يوم القيامة إلا لإِكمال عمر الدنيا المعدود السنين والأيام بل والساعات. وقوله تعالى {يَوْمَ يَأْتِ} أي يوم القيامة {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي بإِذن الله تعالى وقوله {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} أي والناس فيه ما بين شقي وسعيد، وذلك عائد إلى ما كتب لكل إنسان من شقاوة أو سعادة في كتاب المقادير، أولاً، ولما كسبوا من خير وشر ثانياً. وقوله تعالى {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ} أي في حكم الله وقضائه ففي النار لهم فيها زفير وهو صوت شديد وشهيق وهو صوت ضعيف والصوتان متلازمان إذ هما كأول النهيق وآخره عند الحمار. وقوله تعالى {خَالِدِينَ فِيهَا} أي في النار {مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ} أي مدة دوامهما، وقوله {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} أن لا يخلد فيها وهم أهل التوحيد ممن ماتوا على كبائر الذنوب. وقوله تعالى {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} أي إن ربك أيها الإِنسان فعال لما يريد إذا أراد شيئا فعله لا يحال بينه وبين فعله. وقوله {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ} أي حكم الله تعالى بسعادتهم لما وفقهم الله من الإِيمان والعمل الصالح وترك الشرك والمعاصي {فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} إذ إرادة الله مطلقة لا تحد إلا بمشيئته العليا وقوله {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أي عطاء من ربك لأهل طاعته غير مقطوع أبداً وهذا دليل خلودهم فيها أبدا. وقوله تعالى {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ} هو خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاه ربه تعالى أن يشك في بطلان عبادة المشركين أصنامهم فإِنهم لا دليل لهم على صحة عبادتها وإنما هم مقلدون لآبائهم يعبدون ما كانوا يعبدون من الأصنام والأوثان، وقوله تعالى {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ} يخبر تعالى إنه موفي المشركين ما كتب لهم من خير وشر أو رحمة وعذاب توفية كاملة لا نقص فيها بحال. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فضل وفضيلة الإِيمان بالآخرة. 2- حتمية البعث الآخر وأنه لا شك فيه. 3- الشقاوة والسعادة مضى بهما القضاء والقدر قبل وجود الأشقياء والسعداء. 4- عجز كل نفس عن الكلام يوم القيامة حتى يؤذن لها به. 5- إرادة الله مطلقة، لو شاء أن يخرج أهل النار لأخرجهم منها ولو شاء أن يخرج أهل الجنة لأخرجهم إلا أنه حكم بما أخبر به وهو العزيز الحكيم.

القطان

تفسير : لا تكلم: لا تتكلم. يوم مشهود: يشهده جميع الناس. لأجل معدود: معين. الزفير: تنفس الصعداء من الهم والكرب. شهيق: نشيج في البكاء اذا اشتد تردده في الصدر وارتفع به الصوت. غير مجذوذ: غير مقطوع. مرية: شك. بعد ان ذكر اللهُ تعالى العبرةَ في إهلاك الأمم في الدنيا، ذكره هنا العبرة بجزاء الآخرة للأشقياء والسعداء، وما ينال الاشقياءَ من العذاب والخلود في النار. وما يتمتع به المؤمنون في الجنة. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ}. ان في ذلك القصص عبراً ومواعظ يعتبر بها من آمن بالله وخاف عذاب الآخرة بعد يوم القيامة، وهو يوم يُجمع له الناس كلهم للحساب، وتشهدهُ الخلائق جميعا من الجن والانس والملائكة. {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ}. ونحن نؤخر ذلك اليوم حتى تمضي مدة محدّدة في عالمنا لا تزيد ولا تنقص، ولم يُطلع عليها أحداً من الخلق. {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ}. في ذلك اليوم الذي يأتي لا تتكلَّم نفس من الأنفس الا بإذنه تعالى، ويكون الناس فريقين: شقياً مستحقاً للعذاب الأليم، وسعيداً مستحقاً لما وُعد به المتقون من نعيم الآخرة الدائم. قراءات: قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: "يوم يأتِ" بكسر التاء بدون ياء. والباقون "يوم يأتي" بالياء. ثم فصل جزاء الفريقين فقال: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ}. فاما الذين شقوا في الدنيا ففي النار مآلُهم يكون فيها تنفُّسهم مصحوباً بآلام مزعجة، وشهيقُهم يشتد تردُّده في الصدر من شدة كروبهم. {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}. خالدين في ا لنار ما دامت السموات والارض، لا يخُرجون منها الا في الوقت الذي يشاء الله، وليعذِّبَهم بنوعٍ آخر من العذاب. ان ربك أيّها النبي فعّال لما يريد فعله، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}. اما الذين رزقَهم الله السعادةَ فيدخلون الجنة خالدين فيها الى ما لا نهاية {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} الا الفريق الذي يشاء الله تأخيرَه عن دخول الجنة مع السابقين، وهم عصاةُ المؤمنين، وهؤلاء يتأخَرون في النار ريثما يتم توقيع الجزاء عليهم، ثم يخرجون منها الى الجنة ويعطي ربك أهل الجنة عطاءً دائماً غير مقطوع ولا منقوص. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وحفص: "واما الذين سعدوا" بضم السين وكسر العين والباقون: "سعدوا" بفتح السين وكسر العين. {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ}. بعد ان بيّن الله تعالى قصص عبدةِ الأوثان وما آل اليه أمرهم، ثم أتبعه بأحوال الاشقياء والسعداء - أعاد الخطاب الى رسول الله عليه الصلاة والسلام ليسرّي عنه وعن المؤمنين معه ويثبتهم. ما دام امر الأمم المشركة في الدنيا ثم في الآخرة كما قصصنا عليك يا محمد - فلا يكن لديك أدنى شكٍ في مصير عَبَدِة الأوثان من قومك. انهم يعبدون ما كان يعبد آباؤهم من قبل، من الاوثان والاصنام فهم مقلِّدون لهم، وسوف نعطيهم نصيبهم من العذاب جزاء اعمالهم وافيا على قدر جرائمهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {لآيَةً} {ٱلآخِرَةِ} (103) - إِنَّ فِيمَا قَصَّهُ اللهُ مِنْ إِهْلاكِ أُولئِكَ الأُمَمِ، وَبَيانِ سُنَّتِهِ فِي عَاقِبَةِ الظَّالِمِينَ، لَحُجَّةً بَيِّنَةً، وَعِبْرَةً ظَاهِرَةً لِمَنْ يَخَافُ عَذَابَ الآخِرَةِ فَيَعْتَبِرُ بِهَا، وَيَتَّقِي الظُّلْمَ فِي الدُّنيا، إِذْ يَعْلَمُ أَنَّ مَنْ عَذَّبَ الظَّالِمِينَ فِي الدُّنيا، لَقَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعَذِّبَهُمْ فِي الآخِرَةِ. وَيَوْمُ القِيَامَةِ هُوَ يَوْمٌ عظِيمٌ تَجْتَمِعُ فِيهِ الخَلائِقُ كُلُّها لِلْحِسَابِ، وَتَشْهَدُهُ المَلاَئِكَةُ الكِرَامُ، وَتَجْتَمِعُ فِيهِ الرُّسُلُ، وَتُحْشَرُ الخَلاَئِقُ، وَيَحْكُمُ فِيهِ المَلِكُ العَادِلُ، الذِي لاَ يَظْلِمُ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : من يخاف عذاب الآخرة، فإن هذه الآيات التي تخبر عن الذي حدث للأمم السابقة، إنما تلفته إلى ضرورة الإيمان بأن الله سبحانه يحاسب كل إنسان على الإيمان وعلى العمل. ومن يسمع لقصص الأقوام السابقة؛ ويعتبر بما جاء فيها؛ وينتفع بالخبرة التي جاءت منها؛ فهو صاحب بصيرة نافذة؛ فكل ما حدث للأقوام السابقة آيات ملفتة. ولذلك يقال: "إن لكل آية مواليد؛ هي العبر بالآيات" ومن لا يؤمن فهو لن يعتبر؛ مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}تفسير : [يوسف: 105]. إذن: فقد شاء الحق سبحانه أن يلفتنا بالآيات لنعتبر بها ونكون من أولي الألباب؛ فلا ندخل في دائرة من لا يخافون العذاب؛ أولئك الذين يتلقّون العذاب خزياً في الدنيا وجحيماً في الآخرة؛ وعذاب الآخرة لا نهاية له؛ والفضيحة فيه أمام كل الخلق. لذلك قال الحق سبحانه: {.. ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} [هود: 103]. أي: أن الفضيحة في هذا اليوم تكون مشهودة من كل البشر؛ من لدن آدم إلى آخر البشر؛ لذلك تكون فضيحة مدوية أمام من يعرفهم الإنسان؛ وأمام من لا يعرفهم. وقول الحق سبحانه: {ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ ..} [هود: 103]. وكلمة "مجموع" تقتضي وجود "جامع"؛ و"المجموع" يتناسب مع قدرة "الجامع"؛ فما بالنا والجامع هو الحق الخالق لكل الخلق سبحانه وتعالى. ولا يجتمع الخلق يومها عن غفلة؛ بل يجتمعون وكلهم انتباه؛ فالحق سبحانه يقول: {أية : .. إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ}تفسير : [إبراهيم: 42]. ويقول الحق سبحانه أيضاً: {أية : وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ..}تفسير : [الأنبياء: 97]. وهنا يقول سبحانه: {.. وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} [هود: 103]. أي: أن كل الخلق سيشهدون هذا الفضح المخزي لمن لم يعتبر بالآيات. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك في ميعاد هذا اليوم: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ ...}.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 370 : 21 : 25 - سفين في قراءة عبد الله {كذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى}. [الآية 102].