١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
104
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ } لوقت معلوم عند الله.
البقاعي
تفسير : ولما تقدم قولهم {ما يحبسه} كان كأنه قيل في الرد عليهم: نحن قادرون على تعجيله، وهو - كما أشرنا إليه في هذه الآية - عندنا متى شئنا في غاية السهولة: {وما نؤخره} أي اليوم أو الجزاء مع ما لنا من العظمة والقدرة التامة على إيجاده لشيء من الأشياء {إلا لأجل} أي لأجل انتهاء أجل {معدود*} سبق في الأزل تقديره ممن لا يبدل القول لديه وكل شيء في حكمه، فهو لا يخشى الفوت؛ ومادة "أجل" بتراكيبها الأربعة: أجل وجأل وجلأ ولجأ تدور على المدة المضروبة للشيء، فالأجل - محركة: مدة الشيء وغاية الوقت في الموت وحلول الدين من تسمية الجزء باسم الكل، والتأجيل: تحديد الأجل، ويلزمه التأخير، ومنه أجل الشيء كفرح - إذا تأخر، والآجلة: الآخرة، وأجل الشيء - بالفتح: حبسه ومنعه، لأن الأجل حابس ومانع للمؤجل، ومنه أجلى كجمزى، وهو مرعى لهم معروف كأنه لحسنه يحبس الراعي فيه، وأجل الشر عليهم: حناه وأثاره وهيجه،ولأهله: كسب وجمع واحتال، لأن ذلك كله من لوازم ذي الأجل، أو المعنى أنه أوجد أجل ذلك، وكمقعد ومعظم: مستنفع الماء، لأنه محيط به إحاطة الأجل بالمؤجل، وأجله فيه تأجيلاً: جمعه فتأجل، والمأجل: الحوض يحبس فيه الماء، وأجلوا ما لهم: حبسوه في المرعى، والاجل - بالكسر: قطيع من بقر الوحش، تشبيهاً له في اجتماعه من حيث إنه أحصن له بالأجل لأنه - كما قيل - حصن حصين، والاجل - بالكسر أيضاً: وجع في العنق، لأنه من أسباب حلول الأجل، وأجله: داواه منه، وبالضم جمع أجيل للمتأخر وللمجتمع من الطين يجعل حول النخلة، لإحاطته بها إحاطة الأجل وتحصينه لها، وتأجل القوم: تجمعوا، لأن التجمع أحصن لهم، وأجل - بفتحتين ثم سكون: جواب كنعم وزناً ومعنى إلا أنه أحسن منه في التصديق، ونعم منه في الاستفهام، وحقيقة ذلك الإخبار بأن أجل - أي وقت - ذلك الفعل الموجب أو المستفهم عنه قد حضر، وفعلت ذلك من أجلك - من غير "من" - ومن أجلك، ومن أجلاك ومن أجلالك ويكسر في الكل، أي من جللك - قاله في القاموس، وقال في فصل الجيم: وفعلته من جلك - بالضم - وجلالك وجللك - محركة - وتجلتك وإجلالك - بالكسر، ومن أجل إجلالك ومن أجلك بمعنى - انتهى. وحقيقته أن فعلي مبتدىء من أجلك - بالتحريك، أو تكون "من" سببية، اي أجلك سبب فيه، ولولا وجودك ما فعلته فهو لتعظيمك؛ والملجأ واللجأ - محركة: المعقل والملاذ، كأنه شبه بالأجل، ومنه لجأ إليه - كمنع وفرح: لاذ، وألجأ أمره إلى الله: أسنده، وألجأ فلاناً إلى كذا: اضطره، والتلجئة: الإكراه، واللجأ - محركاً: الضفدع، لالتجائها إلى الماء؛ ومن ذلك الجيأل - كصقيل، وجيأل وجيألة ممنوعين، وجيل بلا همز كله اسم الضبع لكثرة لجائها إلى وجارها، ومنه جئل - كفرح - جألاناً: عرج، كأنه تشبيه بمشيتها، لأن من أسمائها العرجاء، أو تشبيه بمشية الراقي في درج الملجأ، أي الحصن، وكذا الأجل - كقنب وقبر - وهو ذكر الأوعال، لأن قرونه كالحصن له، وجيألة الجرح: غثيثه، وهو مرية، لأنه من أسباب قرب الأجل، وكذا الاجئلال - أي الفزع - ربما كان سبباً لذلك، وربما كان سبباً للمبادرة إلى الحصن، وجأل - كمنع: ذهب وجاء، والصوف: جمعه واجتمع - لازم متعد، كله من لوازم الأجل بمعنى المدة، وجلأ بالرجل - كمنع: صرعته، وبثوبه: رماه، كأنه جعله في قوة من حضر أجله، وإن شئت قلت في ضبط ذلك: إن المادة - مع دورانها على المدة - تارة تنظر إلى نفس المدة، وتارة إلى آخرها، وتارة إلى امتدادها وتأخرها، وتارة إلى ما يدني منه، وتارة إلى منفعتها، وتارة إلى ما يلزم فيها، فمن النظر إلى نفس المدة: التأجيل بمعنى تحديد الأجل، وهو مدة الشيء، وفعلت هذا من أجلك، أي لولا وجودك ما فعلته، وأجل بمعنى نعم، أي حضرت مدة الفعل، ومن النظر إلى الآخر: دنا الأجل - في الموت والدّين، ومن النظر إلى التأخر: أجل الشيء - إذا تأخر، والآجلة: الآخرة، ومن النظر إلى السبب المدني: الأجل - بالكسر - لوجع في العنق، وجيألة الجرح - لغثيثه أي مريه، وجلأ بالرجل: صرعه وبثوبه: رماه، وأجل الشر عليهم: جناه، أو أثاره وهيجه، والاجئلال: الفزع، ومن النظر إلى المنفعة وهي أن التأجيل الذي هو تحديد الأجل للشيء مانع من أخذه دون ما ضرب له من المدة: الاجل - بالكسر - للقطيع من بقر الوحش، وأجل الشيء: حبسه ومنعه، وأجلى كجمزي: مرعي لهم معروف، وتأجل القوم: تجمعوا، وجأل الصوف جمعه، واللجأ والملجأ: المعقل والملاذ، والضفدع للزومها ملجأها من الماء، والجيأل للضبع للزومها وجارها، ولذلك تسمى أم عامر، وجئل - كفرح: عرج، كأنه شبه بمشيتها لأنها تسمى العرجاء، والأجل كقنب وقبر - لذكر الأوعال، لتحصنه بقرونه، والأجل - بالضم: المجتمع من الطين يجعل حول النخلة، والمآجل: الحوض يحبس فيه الماء، ومستنقع الماء مطلقاً، وأجله تأجيلاً: جمعه، ومن النظر إلى ما يلزم في المدة: أجل لأهله: كسب وجمع وجلب واحتال، وجأل - كمنع: جاء وذهب؛ فقد تبين أن المراد بالأجل هنا الحين. ولما كان كأنه قيل: يا ليت شعري ماذا يكون حال الناس إذا أتى ذلك الأجل وفيها الجبابرة والرؤساء وذوو العظمة والكبراء! أجيب بقوله: {يوم يأت} أي ذلك الأجل لا يقدرون على الامتناع بل ولا على مطلق الكلام، وحذف ابن عامر وعاصم وحمزة الياء اجتزاء عنها بالكسرة كما هو فاشٍ في لغة هذيل، وكان ذلك إشارة إلى أن شدة هوله تمنع أهل الموقف الكلام أصلاً في مقدار ثلثية، ثم يؤذن لهم في الكلام في الثلث الآخر بدلالة المحذوف وقرينة الاستثناء، فإن العادة أني يكون المستثنى أقل من المستثنى منه {لا تكلم} ولو أقل كلام بدلالة حذف التاء {نفس} من جميع الخلق في ذلك اليوم الذي هو يوم الآخرة، وهو ظرف هذا الأجل وهو يوم طويل جداً ذو ألوان وفنون وأهوال وشؤون، تارة يؤذن فيه في الكلام، وتارة يكون على الأفواه الختام، وتارة يسكتهم الخوف والحسرة والآلام، وتارة ينطقهم الجدال والخصام {إلا بإذنه} أي بإذن ربك المكرر ذكره في هذه الآيات إشارة إلى حسن التربية وإحكام التدبير. ولما علم من هذا أنه يوم عظمة وقهر، سبب عن تلك العظمة تقسيم الحاضرين فقال: {فمنهم} أي الخلائق الحاضرين لأمره {شقي} ثبتت له الشقاوة فيسر في الدنيا لأعمالها {وسعيد*} ثبتت له السعادة فمشى على منوالها؛ والتأخير: الإذهاب عن جهة الشيء بالإبعاد منه، وضده التقديم؛ والأجل: الوقت المضروب لوقوع أمر من الأمور؛ واللام تدل على العلة والغرض والحكمة بخلاف "إلى"؛ والشقاء: قوة أسباب البلاء. ولما كان أكثر الخلق هالكاً مع أن المقام مقام تهديد وتهويل، بدأ تعالى بالأشقياء ترتيباً للنشر على ترتيب اللف فقال: {فأما الذين شقوا} أي أدركهم العسر والشدة {ففي النار} أي محكوم لهم بأنهم يدخلون الناء التي هي النار لو علمتم {لهم فيها زفير} أي عظيم جداً {وشهيق*} من زفر - إذا أخرج نفسه بعد مدِّه إياه، وشهيق - إذ تردد البكاء في صدره - قاله في القاموس؛ وقال ابن كثير في تفسير سورة الأنبياء: الزفير خروج أنفاسهم، والشهيق: ولوج أنفسهم؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الزفير: الصوت الشديد، والشهيق: الصوت الضعيف، وعن الضحاك ومقاتل: الزفير أول نهيق الحمار، والشهيق آخره حين يفرغ من صوته إذا رده في جوفه، وسيأتي كلام الزماني في ذلك {خالدين فيها} أي بلا انقطاع، وعبر عنه بقوله جرياً على أساليب العرب: {ما دامت السماوات والأرض}. ولما كان له شيء لا يقبح منه شيء وهو قادر على كل شيء، دل على ذلك بقوله: {إلا ما شاء} أي مدة شاءها فإنه لا يحكم لهم بذلك فيها فلا يدخلونها. ولما كان الحال في هذه السورة مقتضياً - كما تقدم - لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما أخبر به سبحانه في قوله {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك} - الآية، من ضيق صدره، ولذلك أتى بهذه القصص كما مضى بيان ذلك، عبر باسم الرب إشارة إلى أنه يحسن إليه بكل ما يسر قلبه ويشرح صدره فقال: {ربك} وقد جرى الناس في هذا الاستثناء على ظاهره ثم أطالوا الاختلاف في تعيين المدة المستثناة، والذي ظهر لي - والله أعلم - أنه لما تكرر الجزم بالخلود في الدارين وأن الشرك لا يغفر والإيمان موجب للجنة فكان ربما ظن أنه لا يمكن غير ذلك كما ظنه المعتزلة لا سيما إذا تؤمل القطع في مثل قوله {أن الله لا يغفر أن يشرك به} مع تقييد غيره بالمشيئة في قوله {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} جاء هذا الاستثناء معلماً أن الأمر فيه إلى الله تعالى كغيره من الأمور، له أن يفعل في كلها ما يشاء وإن جزم القول فيه، لكنه لا يقع غير ما أخبر به، وهذا كما تقول: اسكن هذه الدار عمرك إلاّ ما شاء زيد، وقد لا يشاء زيد شيئاً، فكما أن التعليق بدوام السماوات والأرض غير مراد الظاهر كذلك الاستثناء لا يشاء الله قطع الخلود لأحد من الفريقين، وسوقه هكذا أدل على القدرة وأعظم في تقليد المنة، ثم رأيت الإمام أباً أحمد البغوي قد ذكر معنى هذا آخر ما أورده في تفسيره من الأقوال في الآية وحكي نحوه عن الفراء، ومثله بأن تقول: والله لأضربنك إلاّ إن أرى، وعزيمتك أن تضربه، وعزاه الطحاوي في بيان المشكل إلى أهل اللغة منهم الفراء. ولما كان تخليد الكفار من الحكم بالقسط بين الفريقين لأنه من أكبر تنعيم المؤمنين الذين عادوهم في الله كما تقدم التنبيه عليه أول سورة يونس عليه السلام عند قوله {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} كان ربما توهم أن الاستثناء لو أُخذ على ظاهره لم يكن إخراجهم من النار حيناً، نفى هذا التوهم بقوله: {إن ربك} أي المحسن إليك {فعال لما يريد} أي لا يجوز عليه البدء بالرجوع عما أراد ولا المنع عن مراده ولا يتعذر عليه شيء منه مع كثرة المرادات فلا اعتراض عليه ولا يلزمه لأحد شيء، بل له أن يخلد العاصين في الجنة ويخلد الطائعين في النار، ولكنه كما ثبت ذلك ليعتقد لكونه من صفة الكمال ثبت أنه لا يفعل ذلك سبحانه ولا يبدل القول لديه لأن ذلك من صفات الكمال أيضاً مع أن في ختم الآية بذلك ترجية لأهل النار في إخراجهم منها زيادة في عذابهم.
القشيري
تفسير : الأَجَلُ لا يَتَقَدَّم ولا يتأخر لكل (...)، والآجالُ على ما عَلِمها الحقُّ - سبحانه - وأرادها جاريةٌ؛ فلا طلبٌ يُقَدِّمُ أو يؤخر وقتاً إذا جاء أجلُه، وكذلك للوصول وقت، فلا طلب مع رجاء الوصول، ولا طلب مع خوف الزوال، ولقد قيل: شعر : عيبُ السلامةِ أنَّ صاحبَها متوقِّعٌ لقواصمِ الظَّهرِ وفضيلةُ البلوى ترقبُ أهلِها عَقِبَ البلاء - مَسَرَّةَ الدهر
اسماعيل حقي
تفسير : {وما نؤخره} اى وما نؤخر احدا فى ذلك اليوم الملحوظ بعنوانى الجمع والشهود {الا لاجل معدود} الا لانقضاء مدة قليلة بحذف المضاف. قال الكاشفى [مكر از براى كذشتن مدتى شمرده يعنى تاوقت وى در نرسد قائم نكردد] حسما يقتضيه الحكمة. وفى الآيات تهديد وتخويف من الله وحث على تصحيح الحال وتصفية البال وتزكية الاعمال ومحاسبة النفوس قبل بلوغ الآجال فان العبد لا يحصد الا ما يزرع ولا يشرب الا بالكأس التى يسقى وفى الحديث القدسى "حديث : يا عبادى انى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرما فلا تظلموا. يا عبادى كلكم ضال الا من هديته فاستهدونى اهدكم. يا عبادى كلكم جائع الا من اطعمته فاستطعمونى اطعمكم. يا عبادى كلكم عار الا من كسوته فاستكسونى اكسكم. يا عبادى انكم تخطئون بالليل والنهار وانى اغفر الذنوب جميعا فاستغفرونى اغفر لكم. يا عبادى انكم لن تبلغوا ضرى فتضرونى ولن تبلغوا نفعى فتنفعونى. يا عبادى لو ان اولكم وآخركم وجنكم وانسكم كانوا على قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئا. يا عبادى لو ان اولكم وآخركم وجنكم وانسكم قاموا فى صعيد واحد فسألنى كل واحد منكم مسألة واعطيته ما نقص ذلك مما عندى الا كما ينقص المخيط اذا غمس فى البحر غمسة واحدة. يا عبادى انما هى اعمالكم احصيها لكم واوفيكم اياها يوم القيامة فمن وجد خيرا فليحمد الله تعالى ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه" تفسير : فعلى العاقل ان يتدارك ما فات ولا يضيع الاوقات: قال المولى الجامى قدس سره شعر : هردم از عمر كرامى هست كنج بى بدل ميرود كنج جنين هر لحضه باد آخ آخ تفسير : وقد خسر من فات عنه نفس فى طلب غير الله فكيف يكون حال من اضاع انفاسه فى هواه
الطوسي
تفسير : قرأ أهل الكوفة إلاّ الكسائي وابن عامر يوم {يأت} بغير ياء. الباقون بياء في الوصل دون الوقف، إِلا ابن كثير، فانه أثبت الياء في الحالين. قال أبو علي: من أثبت الياء في الوصل، فهو القياس البين، لأنه لا شيء - ها هنا - يوجب حذف الياء في الوصل، ومن حذفها في الوقف شبهها بالفاصلة، وان لم يكن فاصلة، لأن هذه الياء تشبه الحركات المحذوفة بدلالة انهم قد حذفوها كما حذفوا الحركة، فكما ان الحركة تحذف في الوقف، فكذلك ما يشبهها من هذه الحروف، فكان في حكمها، ومن اثبتها في الحالين فقد أحسن، لأنها أكثر من الحركة في الصوت، فلا ينبغي اذا حذفت الحركة للوقف ان تحذف الياء له، كما لا تحذف سائر الحروف، ومن حذف الياء في الحالين جعلها في الحالين بمنزلة ما يستعمل محذوفاً مما لم يكن ينبغي في القياس ان يحذف نحو (لم يك، ولا أدر) وهي لغة هذيل، وقال الشاعر: شعر : كفاك كفاً لا تليق درهماً جواداً وأخرى تعط بالسيف الدما تفسير : فحذف الياء في تعط، وليس هذا ما يوجب حذفها. والضمير في قوله {وما نؤخره} عائدعلى قوله {يوم مشهود} وهو يوم الجزاء. ومعناه الاخبار بأنه تعالى ليس يؤخر يوم الجزاء إِلا ليستوفي الاجل المضروب لوقوع الجزاء فيه. وانما قال {لأجل} ولم يقل الى اجل، لان قوله {لأجل} يدل على الغرض، وان الحكمة أقتضت تاخيره. ولو قال الى اجل لما دل على ذلك. وقوله {يوم يأتِ} يعنى يوم القيامة الذي تقدم ذكره بأنه مشهود. والضمير في {يأتِ} حين الجزاء، لانه قد تقدم الدليل عليه في قوله {يوم مشهود} واحسن الاضمار ما يدلّ الكلام عليه، وانما أضاف {يوم} الى الفعل، لانه اسم زمان فناسب الفعل للزمان من حيث انه لا يخلو منه، وانه يتصرف بتصرفه. وانه لا يكون حادثاً الا وقتاً، كما ان الزمان لا يبقى. ومعنى قوله {لا تكلم نفس إلا بإذنه} أي لا تتكلم فحذف أحدى التائين لدلالة الكلام عليه. وقيل في معنى {لا تكلم} قولان: احدهما - ان فيه وقتاً يمنعون من التكلم إلا بالحق فهو باذنه تعالى. والاخر - انه لا يتكلم بكلام ينفع إلا بإذنه: من شفاعة ووسيلة، بدلالة قولهم {أية : والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون}. تفسير : وقال الجبائي: الاذن الجاؤهم الى الحسن، لانه لا يقع منهم ذلك اليوم قبيح. وقوله {فمنهم شقي وسعيد} اخبار منه تعالى بأنهم ينقسمون قسمين منهم الاشقياء، وهم المستحقون للعقاب، ومنهم السعداء وهم المستحقون للثواب. والشقاء قوة أسباب البلاء، والشقي من شقي بسوء عمله في معاصي الله، والسعيد من سعد بحسن عمله في طاعة الله، وانما وصف الاجل بأنه معدود، لانه متناه منقض، لان كل معدود قد وجد عدده، لا يكون ذلك الا متناهياً. فان قيل كيف قال - ها هنا - {يوم يأتِ لا تكلم نفس إلا بإذنه} وقال في موضع آخر {أية : هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون}تفسير : وقال في موضع آخر {أية : يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها}تفسير : وقال{أية : وقفوهم إنهم مسئولون}تفسير : وقال في موضع آخر {أية : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان}تفسير : وهل هذا إلا ظاهر التناقض؟!. قلنا: لا تناقض في ذلك لان معنى قوله {وقفوهم إنهم مسئولون} انهم يسألون سؤال توبيخ وتقرير وتقريع، لا يجاب الحجة عليهم لا سؤال استفهام، لانه تعالى عالم بذلك لنفسه. وقوله {أية : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان}تفسير : اي لا يسأل ليعلم ذلك منه حيث انه تعالى قد علم اعمالهم قبل ان يعملوها. وقيل ان معناه إنه لاى يسأل عن ذنب المذنب إنس ولا جان غيره، وانما يسأل المذنب لا غير، وكذلك قوله {أية : يوم لا ينطقون}تفسير : أي لا ينطقون بحجة، وانما يتكلمون بالاقرار بذنوبهم ولوم بعضهم بعضاً، وطرح بعضهم على بعض الذنوب، فاما المتكلم بحجة، فلا. وهذا كما يقول القائل لمن يخاطبه بخطاب كثير فارغ من الحجة: ما تكلمت بشيء، وما نطقت بشيء، فسمي من يتكلم بما لا حجة فيه له: غير متكلم، كما قال {أية : صم بكم عمي فهم لا يعقلون}تفسير : وهم كانوا يبصرون ويسمعون إلا انهم لا يقبلون ولا يفكرون فيما يسمعون، ولا يتأملون، فهم بمنزلة الصم، قال الشاعر: شعر : أصم عما ساءه سميع تفسير : وقال بعضهم ان ذلك اليوم يوم طويل له مواضع، ومواطن، ومواقف، في بعضها يمنعون من الكلام، وفي بعضها يطلق لهم ذلك بدلالة قوله {يوم يأتِ لا تكلم نفس إلا بإذنه} وكلاهما حسن والاول احسن.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ} اى الى وقت او فى وقت او لانقضاء امد {مَّعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ} ذلك اليوم على ان يكون الفاعل راجعاً الى اليوم المضاف او اليوم المشهود وقرئ يأتى باثبات الياء وحذفها اجراءً للوصل مجرى الوقف {لاَ تَكَلَّمُ} تتكلّم {نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} لظهور السّلطنة التّامّة والمالكيّة الكاملة بحيث يكون نسبة الكلّ اليه تعالى نسبة القوى والجوارح الى النّفس، فكما انّ حركات القوى والجوارح اذا كانت سليمة باقية على طاعة النّفس ليست الاّ بالاذن التّكوينيّ من النّفس الانسانيّة، كذلك لا يكون حركات الموجودات تماماً ومنها نطق الانسان وتكلّمه فى ذلك اليوم الاّ بالاذن التّكوينىّ من الله تعالى، ولا ينافيه قوله تعالى {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُون وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ} تفسير : [المرسلات:35]، لانّ ذلك بالنّسبة الى العاصين او بالنّسبة الى الاعتذار عن المعصية وهذا بالنّسبة الى المطيعين اوفى غير الاعتذار عن المعصية او ذلك فى يوم وموقف وهذا فى يوم وموقف آخر؛ بل نقول ذلك ايضاً يدلّ على توقف التّكلّم على الاذن موافقاً لهذا {فَمِنْهُمْ} اى من النّاس المذكورين او من صاحبى النّفوس المدلول عليهم بالنّفس المنكّرة الواقعة فى سياق النّفى الدّالة على العموم او من اهل المحشر المدلول عليهم التزاماً او من المتكلّمين وهو من عطف التّفصل على الاجمال ولذا اتى بالفاء {شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} اى ومنهم سعيد فهو من عطف الاوصاف المتعدّدة لذوات متعدّدة لا لذوات واحدة واسقاط منهم للاشارة الى انّ القسمة غير مستوفاةٍ امّا لانّ الضّمير راجع الى جملة المبعوثين من الحيوان والانسان ولا يحكم على اكثرهم بالشّقاوة ولا بالسّعادة والاتيان بضمير ذوى العقول حينئذٍ للتّغليب او لانّ اكثر النّاس من السّواقط لا اعتناء بهم حتّى يدخلوا فى القسمة او لانّ الاكثر مؤخّر حكمهم الى الفراغ من حساب الاشقياء والسّعداء، وتقديم الشّقىّ امّا لانّ المقام للوعيد، او لكثرة الاشقياء بالنّسبة الى السّعداء، ولان يختتم الآية بذكر السّعداء والرّحمة.
اطفيش
تفسير : {وما نُؤخِّرهُ} أى اليوم {إلاَّ لأجلٍ} إلا انتهاء أجل، فحذف المضاف، وأريد بالأجل مجموع المدة أخرها لقومه {مَعْدودٍ} فإن أخرها غيره، وقرأ وما يؤخره بالتحتية، أى وما يؤخره الله، ونكتة البناء للمفعول فى العد إبهام العدد، والإشارة إلى أنه غير مبذول بل اعتنى الله سبحانه وتعالى به.
اطفيش
تفسير : {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَِجَلٍ مَّعْدُودٍ} لوقت معلوم عند الله بأَجزائِه الدقيقة جدا لا يعلم دقتها إِلا الله وهو مدة الدنيا المعلومة عند الله بذراتها من الزمان، واللام للتعليل أَى إِلا لأَجل انقضاءِ أَجل معدود، والهاءُ للعذاب أَى ما نؤَخر العذاب المذكور وإِن لم نقدر الانقضاءَ فلأَجل آخر جزءٍ من الدنيا أَو البرزخ، وهل هو من الدنيا؟ أَقوال ثالثها لا منها ولا من الآخرة إِلا أَن الجزءَ المدقق الذى لا يقبل التجزىءَ من الزمان لا يقبل العدد فلا يقال إِنه معدود إِلا باعتبار أَنه جزءٌ من جملة على أَنه اختلف فى الواحد هو عدد ويجوز عود الهاءٍ لليوم أَى قضينا أَن ذلك اليوم يأْتى بعد مدة الدنيا.
الالوسي
تفسير : {وَمَا نُؤَخّرُهُ} أي ذلك اليوم الملحوظ بعنوان الجمع والشهود، ونقل الجو في رجوع الضمير للجزاء. وقرأ الأعمش ويعقوب ـ يؤخره ـ بالياء. {إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} أي لانتهاء مدة قليلة، فالعد كناية عن القلة، وقد يجعل كناية عن التناهي، والأجل عبارة عن جميع المدة المعينة للشيء، وقد يطلق على نهايتها، ومنع إرادة ذلك هنا لأنه لا يوصف بالعد / في كلامهم بوجه، وجوزها بعضهم بناءاً على أن الكناية لا يشترط فيها إمكان المعنى الأصلي، وتعقب بأنه عدول عن الظاهر، وتقدير المضاف أسهل منه واللام للتوقيت، وفي «المجمع» أنها تدل على الغرض وأن الحكمة اقتضت التأخير ولذا عدل عن إلى إليها. وفي الآية رد على الدهرية. والفلاسفة الزاعمين أنه لا انقضاء لمدة الدنيا، وهو بحث مفروغ منه.
د. أسعد حومد
تفسير : (104) - وَمَا يُؤَخِّرُ اللهُ تَعَالَى إِقَامَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ (يَوْمِ القِيَامَةِ) إِلاَّ لِمُدَّةٍ مُؤَقَّتَةٍ مَعْلُومَةٍ فِي عِلْمِ اللهِ، لاَ يُزادُ عَلَيْهَا وَلاَ يُنْقَصُ مِنْهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا نعلم أن تأخر مجيء يوم القيامة؛ لا يعني أنه لن يأتي؛ بل سوف يأتي - لا محالة - ولكن لكل حدث ميعاد ميلاد، ولكم في تتابع مواليدكم ما يجعلكم تثقون بأن مواليد الأحداث إنما يحددها الله. وقول الحق سبحانه: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ ..} [هود: 104]. يتطلب أن نعرف أن كلمة "الأجل" تطلق مرة على مدة عمر الكائن من لحظة ميلاده إلى لحظة نهايته. والحق سبحانه يقول: {أية : .. لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}تفسير : [الرعد: 38]. وتطلق كلمة "الأجل" مرة أخرى على لحظة النهاية وحدها، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : .. فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}تفسير : [الأعراف: 34]. ولنعرف جميعاً أن كل أجل - وإن طال - فهو معدود، وكل معدود قليل مهما بدا كثيراً؛ لذلك فَلْنقُلْ أن كل معدود قليل. ما دُمْنَا قادرين على إحصائه. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):