Verse. 1578 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

يَوْمَ يَاْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ اِلَّا بِـاِذْنِہٖ۝۰ۚ فَمِنْہُمْ شَقِيٌّ وَّسَعِيْدٌ۝۱۰۵
Yawma yati la takallamu nafsun illa biithnihi faminhum shaqiyyun wasaAAeedin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يوم يأت» ذلك اليوم «لا تكلم» فيه حذف إحدى التاءين «نفس إلا بإذنه» تعالى «فمنهم» أي الخلق «شقي و» منهم «سعيد» كتب كل في الأزل.

105

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة {يَأْتِ } بحذف الياء والباقون بإثبات الياء. قال صاحب «الكشاف»: وحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل، ونحوه قولهم لا أدر حكاه الخليل وسيبويه. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: فاعل يأتي هو الله تعالى كقوله: { أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [البقرة: 210] وقوله: { أية : أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ } تفسير : [الأنعام: 158] ويعضده قراءة من قرأ {وَمَا يؤخره} بالياء أقول لا يعجبني هذا التأويل، لأن قوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ } حكاه الله تعالى عن أقوام والظاهر أنهم هم اليهود، وذلك ليس فيه حجة وكذا قوله: {أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ } أما ههنا فهو صريح كلام الله تعالى وإسناد فعل الإتيان إليه مشكل. فإن قالوا: فما قولك في قوله تعالى: {وَجَاء رَبُّكَ }. قلنا: هناك تأويلات، وأيضاً فهو صريح، فلا يمكن دفعه فوجب الامتناع منه بل الواجب أن يقال: المراد منه يوم يأتي الشيء المهيب الهائل المستعظم، فحذف الله تعالى ذكره بتعيينه ليكون أقوى في التخويف. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف»: العامل في انتصاب الظرف هو قوله: {لاَ تَكَلَّمُ } أو إضمار اذكر. أما قوله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } ففيه حذف، والتقدير: لا تكلم نفس فيه إلا بإذن الله تعالى. فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين سائر الآيات التي توهم كونها مناقضة لهذه الآية منها قوله تعالى: { أية : يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَـٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا } تفسير : [النحل: 111] ومنها أنهم يكذبون ويحلفون بالله عليه وهو قولهم: { أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23] ومنها قوله تعالى: { أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسؤلون } تفسير : [الصافات: 24] ومنها قوله: { أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يؤذن لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } تفسير : [المرسلات: 35]. والجواب من وجهين: الأول: أنه حيث ورد المنع من الكلام فهو محمول على الجوابات الحقية الصحيحة. الثاني: أن ذلك اليوم يوم طويل وله مواقف، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم، وفي بعضها يكفون عن الكلام، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم. أما قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: الضمير في قوله: {فَمِنْهُمْ } لأهل الموقف ولم يذكر لأنه معلوم ولأن قوله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } يدل عليه لأنه قد مر ذكر الناس في قوله: { أية : مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ } تفسير : [هود: 103]. المسألة الثانية: قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ } يدل ظاهره على أن أهل الموقف لا يخرجون عن هذين القسمين. فإن قيل: أليس في الناس مجانين وأطفال وهم خارجون عن هذين القسمين؟ قلنا: المراد من يحشر ممن أطلق للحساب وهم لا يخرجون عن هذين القسمين. فإن قيل: قد احتج القاضي بهذه الآية على فساد ما يقال إن أهل الأعراف لا في الجنة ولا في النار فما قولكم فيه؟ قلنا: لما سلم أن الأطفال والمجانين خارجون عن هذين القسمين لأنهم لا يحاسبون فلم لا يجوز أيضاً أن يقال: إن أصحاب الأعراف خارجون عنه لأنهم أيضاً لا يحاسبون، لأن الله تعالى علم من حالهم أن ثوابهم يساوي عذابهم، فلا فائدة في حسابهم. فإن قيل: القاضي استدل بهذه الآية أيضاً على أن كل من حضر عرصة القيامة فإنه لا بد وأن يكون ثوابه زائداً أو يكون عقابه زائداً، فأما من كان ثوابه مساوياً لعقابه فإنه وإن كان جائزاً في العقل، إلا أن هذا النص دل على أنه غير موجود. قلنا: الكلام فيه ما سبق من أن السعيد هو الذي يكون من أهل الثواب، والشقي هو الذي يكون من أهل العقاب، وتخصيص هذين القسمين بالذكر لا يدل على نفي القسم الثالث، والدليل على ذلك: أن أكثر الآيات مشتملة على ذكر المؤمن والكافر فقط، وليس فيه ذكر ثالث لا يكون لا مؤمناً ولا كافراً مع أن القاضي أثبته، فإذا لم يلزم من عدم ذكر ذلك الثالث عدمه فكذلك لا يلزم من ذكر هذا الثالث عدمه. المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنه سعيدٌ، وعلى بعضهم بأنه شقيٌ، ومن حكم الله عليه بحكم وعلم منه ذلك الأمر امتنع كونه بخلافه، وإلا لزم أن يصير خبر الله تعالى كذباً وعلمه جاهلاً وذلك محال فثبت أن السعيد لا ينقلب شقياً وأن الشقي لا ينقلب سعيداً، وتقرير هذا الدليل مر في هذا الكتاب مراراً لا تحصى. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لما نزل قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ } قلت يا رسول الله فعلى ماذا نعمل على شيء قد فرغ منه أم على شيء لم يفرغ منه؟ فقال: « حديث : على شيء قد فرغ منه يا عمر وجفت به الأقلام وجرت به الأقدار، ولكن كل ميسر لما خلق له » تفسير : وقالت المعتزلة: نقل عن الحسن أنه قال: فمنهم شقي بعمله وسعيد بعمله. قلنا: الدليل القاطع لا يدفع بهذه الروايات وأيضاً فلا نزاع أنه إنما شقي بعمله وإنما سعد بعمله ولكن لما كان ذلك العمل حاصلاً بقضاء الله وقدره كان الدليل الذي ذكرناه باقياً. واعلم أنه تعالى لما قسم أهل القيامة إلى هذين القسمين شرح حال كل واحد منهما فقال: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في الفرق بين الزفير والشهيق وجوهاً: الوجه الأول: قال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس ولم يخرجه، والشهيق أن يخرج ذلك النفس، وقال الفراء: يقال للفرس إنه عظيم الزفرة أي عظيم البطن وأقول إن الإنسان إذا عظم غمه انحصر روح قلبه في داخل القلب فإذا انحصر الروح قويت الحرارة وعظمت وعند ذلك يحتاج الإنسان إلى النفس القوي لأجل أن يستدخل هواء كثيراً بارداً حتى يقوى على ترويح تلك الحرارة، فلهذا السبب يعظم في ذلك الوقت استدخال الهواء في داخل البدن وحينئذ يرتفع صدره وينتفخ جنباه، ولما كانت الحرارة الغريزية والروح الحيواني محصوراً داخل القلب استولت البرودة على الأعضاء الخارجة فربما عجزت آلات النفس عن دفع ذلك الهواء الكثير المستنشق فيبقى ذلك الهواء الكثير منحصراً في الصدر ويقرب من أن يختنق الإنسان منه وحينئذ تجتهد الطبيعة في إخراج ذلك الهواء فعلى قياس قول الأطباء الزفير هو استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب انحصار الروح فيه، والشهيق هو إخراج ذلك الهواء عند مجاهدة الطبيعة في إخراجه وكل واحدة من هاتين الحالتين تدل على كرب شديد وغم عظيم. الوجه الثاني: في الفرق بين الزفير والشهيق. قال بعضهم: الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار بالنهيق. وأما الشهيق فهو بمنزلة آخر صوت الحمار. الوجه الثالث: قال الحسن: قد ذكرنا أن الزفير عبارة عن الارتفاع. فنقول: الزفير لهيب جهنم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلوا إلى أعلى درجات جهنم وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد ويردونهم إلى الدرك الأسفل من جهنم، وذلك قوله تعالى: {كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا } فارتفاعهم في النار هو الزفير وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق. الوجه الرابع: قال أبو مسلم: الزفير: ما يجتمع في الصدر من النفس عند البكاء الشديد فينقطع النفس، والشهيق: هوا الذي يظهر عند اشتداد الكربة والحزن، وربما تبعهما الغشية، وربما حصل عقيبه الموت. الوجه الخامس: قال أبو العالية: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر. الوجه السادس: قال قوم: الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف. الوجه السابع: قال ابن عباس رضي الله عنهما: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } يريد ندامة ونفساً عالية وبكاء لا ينقطع وحزناً لا يندفع. الوجه الثامن: الزفير مشعر بالقوة، والشهيق بالضعف على ما قررناه بحسب اللغة. إذا عرفت هذا فنقول: لم يبعد أن يكون المراد من الزفير قوة ميلهم إلى عالم الدنيا وإلى اللذات الجسدانية، والمراد من الشهيق ضعفهم عن الاستسعاد بعالم الروحانيات والاستكمال بالأنوار الإلهية والمعارج القدسية. ثم قال تعالى: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ إِلا ما شاء رَبَّكَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نهاية، واحتجوا بالقرآن والمعقول. أما القرآن فآيات منها هذه الآية والاستدلال بها من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: {مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } دل هذا النص على أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض، ثم توافقنا على أن مدة بقاء السموات والأرض متناهية فلزم أن تكون مدة عقاب الكفار منقطعة. الثاني: أن قوله: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } استثناء من مدة عقابهم وذلك يدل على زوال ذلك العذاب في وقت هذا الاستثناء ومما تمسكوا به أيضاً قوله تعالى في سورة عم يتساءلون: { أية : لَّـٰبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً } تفسير : [النبأ: 23] بين تعالى أن لبثهم في ذلك العذاب لا يكون إلا أحقاباً معدودة. وأما العقل فوجهان: الأول: أن معصية الكافر متناهية ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم وأنه لا يجوز. الثاني: أن ذلك العقاب ضرر خال عن النفع فيكون قبيحاً بيان خلوه عن النفع أن ذلك النفع لا يرجع إلى الله تعالى لكونه متعالياً عن النفع والضرر ولا إلى ذلك المعاقب لأنه في حقه ضرر محض ولا إلى غيره، لأن أهل الجنة مشغولون بلذاتهم فلا فائدة لهم في الالتذاذ بالعذاب الدائم في حق غيرهم، فثبت أن ذلك العذاب ضرر خال عن جميع جهات النفع فوجب أن لا يجوز، وأما الجمهور الأعظم من الأمة، فقد اتفقوا على أن عذاب الكافر دائم وعند هذا احتاجوا إلى الجواب عن التمسك بهذه الآية. أما قوله: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } فذكروا عنه جوابين: الأول: قالوا المراد سموات الآخرة وأرضها. قالوا والدليل على أن في الآخرة سماء وأرضاً قوله تعالى: { أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ والسموات } تفسير : [إبراهيم: 48] وقوله: { أية : وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء } تفسير : [الزمر: 74] وأيضاً لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم، وذلك هو الأرض والسموات. ولقائل أن يقول: التشبيه إنما يحسن ويجوز إذا كان حال المشبه به معلوماً مقرراً فيشبه به غيره تأكيداً لثبوت الحكم في المشبه ووجود السموات والأرض في الآخرة غير معلوم وبتقدير أن يكون وجوده معلوماً إلا أن بقاءها على وجه لا يفنى ألبتة غير معلوم، فإذا كان أصل وجودهما مجهولاً لأكثر الخلق ودوامهما أيضاً مجهولاً للأكثر، كان تشبيه عقاب الأشقياء به في الدوام كلاماً عديم الفائدة، أقصى ما في الباب أن يقال: لما ثبت بالقرآن وجود سموات وأرض في الآخرة وثبت دوامهما وجب الاعتراف به، وحينئذ يحسن التشبيه، إلا أنا نقول: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهل الآخرة ودوام أرضهم هو السمع، ثم السمع دل على دوام عقاب الكافر، فحينئذ الدليل الذي دل على ثبوت الحكم في الأصل حاصل بعينه في الفرع، وفي هذه الصورة أجمعوا على أن القياس ضائع والتشبيه باطل، فكذا ههنا. والوجه الثاني: في الجواب قالوا إن العرب يعبرون عن الدوام والأبد بقولهم ما دامت السموات والأرض، ونظيره أيضاً قولهم ما اختلف الليل والنهار، وما طما البحر، وما أقام الجبل، وأنه تعالى خاطب العرب على عرفهم في كلامهم فلما ذكروا هذه الأشياء بناء على اعتقادهم أنها باقية أبد الآباد، علمنا أن هذه الألفاظ بحسب عرفهم تفيد الأبد والدوام الخالي عن الانقطاع. ولقائل أن يقول: هل تسلمون أن قول القائل: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، يمنع من بقائها موجودة بعد فناء السموات، أو تقولون إنه لا يدل على هذا المعنى، فإن كان الأول، فالإشكال لازم، لأن النص لما دل على أنه يجب أن تكون مدة كونهم في النار مساوية لمدة بقاء السموات ويمنع من حصول بقائهم في النار بعد فناء السموات، ثم ثبت أنه لا بد من فناء السموات فعندها يلزمكم القول بانقطاع ذلك العقاب، وأما إن قلتم هذا الكلام لا يمنع بقاء كونهم في النار بعد فناء السموات والأرض، فلا حاجة بكم إلى هذا الجواب ألبتة، فثبت أن هذا الجواب على كلا التقديرين ضائع. واعلم أن الجواب الحق عندي في هذا الباب شيء آخر، وهو أن المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرض دائمتين، كان كونهم في النار باقياً فهذا يقتضي أن كلما حصل الشرط حصل المشروط ولا يقتضي أنه إذا عدم الشرط يعدم المشروط: ألا ترى أنا نقول: إن كان هذا إنساناً فهو حيوان. فإن قلنا: لكنه إنسان فإنه ينتج أنه حيوان، أما إذا قلنا لكنه ليس بإنسان لم ينتج أنه ليس بحيوان، لأنه ثبت في علم المنطق أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئاً، فكذا ههنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دائمة لزم أن يكون عقابهم حاصلاً، أما إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لم يلزم عدم دوام عقابهم. فإن قالوا: فإذا كان العقاب حاصلاً سواء بقيت السموات أو لم تبق لم يبق لهذا التشبيه فائدة؟ قلنا بل فيه أعظم الفوائد وهو أنه يدل على نفاذ ذلك العذاب دهراً دهراً، وزماناً لا يحيط العقل بطوله وامتداده، فأما أنه هل يحصل له آخر أم لا فذلك يستفاد من دلائل أخر، وهذا الجواب الذي قررته جواب حق ولكنه إنما يفهمه إنسان ألف شيئاً من المعقولات. وأما الشبهة الثانية: وهي التمسك بقوله تعالى: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } فقد ذكروا فيه أنواعاً من الأجوبة. الوجه الأول: في الجواب وهو الذي ذكره ابن قتيبة وابن الأنباري والفراء. قالوا هذا استثناء استثناه الله تعالى ولا يفعله ألبتة، كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك تكون على ضربه، فكذا ههنا وطولوا في تقرير هذا الجواب، وفي ضرب الأمثلة فيه، وحاصله ما ذكرناه. ولقائل أن يقول: هذا ضعيف لأنه إذا قال: لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، معناه: لأضربنك إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وهذا لا يدل ألبتة على أن هذه الرؤية قد حصلت أم لا بخلاف قوله: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } فإن معناه الحكم بخلودهم فيها إلا المدة التي شاء ربك، فههنا اللفظ يدل على أن هذه المشيئة قد حصلت جزماً، فكيف يحصل قياس هذا الكلام على ذلك الكلام. الوجه الثاني: في الجواب أن يقال: إن كلمة {إِلا } ههنا وردت بمعنى: سوى. والمعنى أنه تعالى لما قال: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } فهم منه أنهم يكونون في النار في جميع مدة بقاء السموات والأرض في الدنيا، ثم قال سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم فذكر أولاً في خلودهم ماليس عند العرب أطول منه، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له بقوله: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } المعنى: إلا ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها. الوجه الثالث: في الجواب وهو أن المراد من هذا الاستثناء زمان وقوفهم في الموقف فكأنه تعالى قال فأما الذين شقوا ففي النار إلا وقت وقوفهم للمحاسبة فإنهم في ذلك الوقت لا يكونون في النار، وقال أبو بكر الأصم المراد إلا ما شاء ربك وهو حال كونهم في القبر، أو المراد إلا ما شاء ربك حال عمرهم في الدنيا وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة، والمعنى: خالدين فيها بمقدار مكثهم في الدنيا أو في البرزخ أو مقدار وقوفهم للحساب ثم يصيرون إلى النار. الوجه الرابع: في الجواب قالوا: الاستثناء يرجع إلى قوله: { لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } [هود: 106] وتقريره أن نقول: قوله: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } يفيد حصول الزفير والشهيق مع الخلود فإذا دخل الاستثناء عليه وجب أن يحصل وقت لا يحصل فيه هذا المجموع لكنه ثبت في المعقولات أنه كما ينتفي المجموع بانتفاء جميع أجزائه فكذلك ينتفي بانتفاء فرد واحد من أجزائه فإذا انتهوا آخر الأمر إلى أن يصيروا ساكنين هامدين خامدين فحينئذ لم يبق لهم زفير وشهيق فانتفى أحد أجزاء ذلك المجموع فحينئذ يصح ذلك الاستثناء من غير حاجة إلى الحكم بانقطاع كونهم في النار. الوجه الخامس: في الجواب أن يحمل هذا الاستثناء على أن أهل العذاب لا يكونون أبداً في النار، بل قد ينقلون إلى البرد والزمهرير وسائر أنواع العذاب وذلك يكفي في صحة هذا الاستثناء. الوجه السادس: في الجواب قال قوم: هذا الاستثناء يفيد إخراج أهل التوحيد من النار، لأن قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ } يفيد أن جملة الأشقياء محكوم عليهم بهذا الحكم، ثم قوله: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } يوجب أن لا يبقى ذلك الحكم على ذلك المجموع. ويكفي في زوال حكم الخلود عن المجموع زواله عن بعضهم، فوجب أن لا يبقى حكم الخلود لبعض الأشقياء، ولما ثبت أن الخلود واجب للكفار وجب أن يقال: الذين زال حكم الخلود عنهم هم الفساق من أهل الصلاة، وهذا كلام قوي في هذا الباب. فإن قيل: فهذا الوجه إنما يتعين إذا فسدت سائر الوجوه التي ذكرتموها، فما الدليل على فسادها، وأيضاً فمثل هذا الاستثناء مذكور في جانب السعداء، فإنه تعالى قال: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ إلا مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ }. قلنا: إنا بهذا الوجه بينا أن هذه الآية لا تدل على انقطاع وعيد الكفار، ثم إذا أردنا الاستدلال بهذه الآية على صحة قولنا في أنه تعالى يخرج الفساق من أهل الصلاة من النار. قلنا: أما حمل كلمة «إلا» على سوى فهو عدول عن الظاهر، وأما حمل الاستثناء على حال عمر الدنيا والبرزخ والموقف فبعيد أيضاً، لأن الاستثناء وقع عن الخلود في النار، ومن المعلوم أن الخلود في النار كيفية من كيفيات الحصول في النار، فقبل الحصول في النار امتنع حصول الخلود في النار، وإذا لم يحصل الخلود لم يحصل المستثنى منه وامتنع حصول الاستثناء. وأما قوله الاستثناء عائد إلى الزفير والشهيق فهذا أيضاً ترك للظاهر، فلم يبق للآية محمل صحيح إلا هذا الذي ذكرناه، وأما قوله المراد من الاستثناء نقله من النار إلى الزمهرير. فنقول: لو كان الأمر كذلك لوجب أن لا يحصل العذاب بالزمهرير إلا بعد انقضاء مدة السموات والأرض. والأخبار الصحيحة دلت على أن النقل من النار إلى الزمهرير وبالعكس يحصل في كل يوم مراراً فبطل هذا الوجه، وأما قوله إن مثل هذا الاستثناء حاصل في جانب السعداء فنقول: أجمعت الأمة على أنه يمتنع أن يقال: إن أحداً يدخل الجنة ثم يخرج منها إلى النار، فلأجل هذا الإجماع افتقرنا فيه إلى حمل ذلك الاستثناء على أحد تلك التأويلات. أما في هذه الآية لم يحصل هذا الإجماع، فوجب إجراؤها على ظاهرها فهذا تمام الكلام في هذه الآية. واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الاستثناء قال: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } وهذا يحسن انطباقه على هذه الآية إذا حملنا الاستثناء على إخراج الفساق من النار، كأنه تعالى يقول أظهرت القهر والقدرة ثم أظهرت المغفرة والرحمة لأني فعال لما أريد وليس لأحد عليَّ حكم ألبتة. ثم قال: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {سُعِدُواْ } بضم السين والباقون بفتحها وإنما جاز ضم السين لأنه على حذف الزيادة من أسعد ولأن سعد لا يتعدى وأسعد يتعدى وسعد وأسعد بمعنى ومنه المسعود من أسماء الرجال. المسألة الثانية: الاستثناء في باب السعداء يجب حمله على أحد الوجوه المذكورة فيما تقدم وههنا وجه آخر وهو أنه ربما اتفق لبعضهم أن يرفع من الجنة إلى العرش وإلى المنازل الرفيعة التي لا يعلمها إلا الله تعالى. قال الله تعالى: { أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَـٰكِنَ طَيّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ أكبر } تفسير : [التوبة: 72] وقوله: {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: جذه يجذه جذاً إذا قطعه وجذ الله دابرهم، فقوله: {غَيْرَ مَجْذُوذٍ } أي غير مقطوع، ونظيره قوله تعالى في صفة نعيم الجنة { أية : لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } تفسير : [الواقعة: 33]. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما صرح في هذه الآية أنه ليس المراد من هذا الاستثناء كون هذه الحالة منقطعة، فلما خص هذا الموضع بهذا البيان ولم يذكر ذلك في جانب الأشقياء دل ذلك على أن المراد من ذلك الاستثناء هو الانقطاع، فهذا تمام الكلام في هذه الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَوْمَ يَأْتِ } ذلك اليوم {لاَ تَكَلَّمُ} فيه حذف إحدى التاءين {نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } تعالى {فَمِنْهُمْ } أي الخلق {شَقِىٌّ} منهم {سَعِيدٌ} كتب كلّ في الأزل.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا تَكَلَّمُ} لا تشفع، أو لا تكلم بشيء من جائز الكلام، أو يمنعون في بعض أوقات القيامة من الكلام إلا بإذنه. {شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ} محروم ومرزوق، أو معذب ومنعم، ابتدأ بالسعادة والشقاوة من غير جزاء أو جوزيا بها على أعمالهما.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ عن ابن جريج في قوله يوم يأت قال ذلك اليوم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي رضي الله عنه قال‏:‏ كلام الناس يوم القيامة السريانية‏. وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن عمر بن ذر‏.‏ أنه قرأ ‏ {‏يوم يأتون لا تكلم منهم دابة إلا بإذنه‏}‏‏ . وأخرج الترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال‏:‏ ‏حديث : لما نزلت ‏ {‏فمنهم شقي وسعيد‏}‏ قلت‏:‏ يا رسول الله فعلام نعمل على شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه‏؟‏ قال "‏بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له‏" ‏.

ابو السعود

تفسير : {يَوْمَ يَأْتِ} أي حين يأتي ذلك اليومُ المؤخَّرُ بانقضاء أجلِه كقوله تعالى: {أية : أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ }تفسير : [يوسف: 107] وقيل: يومَ يأتي الجزاءُ الواقعُ فيه، وقيل: أي الله عز وجل فإن المقام مقامُ تفخيمِ شأنِ اليوم وقرىء بإثبات الياء على الأصل {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ} أي لا تتكلم بما ينفع وينجّي من جواب أو شفاعةٍ، وهو العاملُ في الظرف أو الانتهاء المحذوفِ في قوله تعالى: {إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} أي ينتهي الأجل يوم يأتي أو المضمر المعهود أعني أذكر {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} عز سلطانه في التكلم كقوله تعالى: {أية : لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ } تفسير : [النبأ: 38] وهذا في موطن من مواطنِ ذلك اليومِ وقولُه عز وجل:{أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } تفسير : [المرسلات: 35] في موقف آخرَ من مواقفه كما أن قولَه سبحانه: {أية : يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَـٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا } تفسير : [النحل: 111] في آخرَ منها أو المأذونُ فيه الجواباتُ الحقةُ والممنوعُ عنه الأعذار الباطلةُ، نعم قد يُؤذن فيها أيضاً لإظهار بطلانِها كما في قول الكفرة: {أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23] ونظائرِه {فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ} وجبت له النارُ بموجب الوعيد {وَسَعِيدٌ} أي ومنهم سعيدٌ، حُذف الخبرُ لِدلالة الأولِ عليه وهو من وجبت له الجنةُ بمقتضى الوعد، والضميرُ لأهل الموقفِ المدلولِ عليهم بقوله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ} أو للناس، وتقديمُ الشقيِّ على السعيد لأن المقامَ مقامُ التحذير والإنذار. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ} أي سبَقَت لهم الشقاوةُ {فَفِى ٱلنَّارِ} أي مستقرّون فيها {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} الزفيرُ إخراجُ النفَسِ والشهيقُ ردُّه وجاء استعمالُهما في أول النهيق وآخرِه قال الشماخ يصف حمارَ الوحش: شعر : بعيدُ مدى التطريب، أولُ صوتِه زفيرٌ ويتلوه شهيقٌ مُحشرَجُ تفسير : والمرادُ بهما وصفُ شدةِ كربِهم وتشبـيهُ حالِهم بحال من استولت على قلبه الحرارةُ وانحصر فيه روحُه أو تشبـيهُ صراخِهم بأصواتِ الحميرِ وقرىء شقوا بالضم والجملةُ مستأنفةٌ كأن سائلاً قال: ما شأنُهم فيها؟ فقيل: لهم فيها كذا وكذا، أو منصوبةُ المحلِّ على الحالية من النار أو من الضمير في الجار والمجرور كقوله عز اسمُه: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} خلا أنه إن أريد حدوثُ كونِهم في النار فالحالُ مقدرةٌ {مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي مدةَ دوامِها وهذا التوقيتُ عبارةٌ عن التأبـيد ونفيِ الانقطاع بناءً على منهاج قولِ العرب: ما دام تعار وما أقام ثَبـيرٌ وما لاح كوكب وما اختلف الليلُ والنهار وما طما البحرُ وغيرُ ذلك من كلمات التأبـيد لا تعليقِ قرارِهم فيها بدوام هذه السمواتِ والأرض فإن النصوصَ القاطعةَ دالةٌ على تأبـيد قرارِهم فيها وانقطاعِ دوامِهما وإن أريد التعليقُ فالمراد سمواتُ الآخرة وأرضُها كما يدل على ذلك النصوصُ كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ } تفسير : [إبراهيم: 48] وقولِه تعالى: {أية : وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء} تفسير : [الزمر: 74] وجزم كلُّ أحدٍ بأن أهلَ الآخرةِ لا بد لهم من مِظلّة ومِقلّة دائمتين يكفي في تعليق دوامِ قرارِهم فيها بدوامهما، ولا حاجة إلى الوقوف على تفاصيل أحوالِهما وكيفياتهما {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} استثناءٌ من الخلود على طريقة قوله تعالى: {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ } تفسير : [الدخان: 56] وقوله: {أية : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [النساء: 22] وقولِه تعالى: {أية : حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمّ ٱلْخِيَاطِ }تفسير : [الأعراف: 40] غير أن استحالة الأمورِ المذكورةِ معلومةٌ بحكم العقلِ، واستحالةَ تعلّق المشيئةِ بعدم الخلودِ معلومةٌ بحكم النقل يعني أنهم مستقرّون في النار في جميع الأزمنةِ إلا في زمان مشيئةِ الله تعالى لعدم قرارِهم فيها وإذ لا إمكان لتلك المشيئةِ ولا لزمانها بحكم النصوصِ القاطعة الموجبةِ للخلود فلا إمكانَ لانتهاء مدةِ قرارِهم فيها ولدفع ما عسى يُتوّهم من كون استحالةِ تعلق مشيئةِ الله تعالى بعدم الخلود بطريق الوجوبِ على الله تعالى قال: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ} يعني أنه في تخليد الأشقياءِ في النار بحيث يستحيل وقوعُ خلافةِ فعالٌ بموجب إرادته قاضٍ بمقتضى مشيئتِه الجارية على سنن حكمته الداعيةِ إلى ترتيب الأجزيةِ على أفعال العبادِ، والعدولُ من الإضمار إلى الإظهار لتربـية المهابةِ وزيادةِ التقريرِ، وقيل: هو استثناءُ من الخلود في عذاب النار فإنهم لا يخلّدون فيه بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع أُخَرَ من العذاب وبما هو أغلظُ منها كلِّها وهو سَخَطُ الله تعالى عليهم وخَسْؤه لهم وإهانتُه إياهم، وأنت تدري أنا وإن سلّمنا أن المرادَ بالنار ليس مطلقَ دارِ العذاب المشتملةِ على أنواع العذابِ بل نفسَ النار فما خلا عذابَ الزمهريرِ من تلك الأنواعِ مقارِنٌ لعذاب النار فلا مِصداقَ في ذلك للاستثناء، ولك أن تقول إنهم ليسوا بمخلدين في العذاب الجُسماني الذي هو عذابُ النار بل لهم من أفانين العذاب ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وهي العقوباتُ والآلامُ الروحانية التي لا يقف عليها في هذه الحياة الدنيا المنغمِسون في أحكام الطبـيعةِ المقصورُ إدراكُهم على ما ألِفوا من الأحوال الجُسمانية، وليس لهم استعدادٌ لتلقّي ما وراء ذلك من الأحوال الروحانيةِ إذا ألقيَ إليهم، ولذلك لم يتعرّض لبـيانه واكتُفي بهذه المرتبةِ الإجماليةِ المنبئةِ عن التهويل، وهذه العقوباتُ وإن كانت تعتريهم وهم في النار لكنهم ينسَوْن بها عذابَ النارِ ولا يُحِسّون به، وهذه المرتبةُ كافيةٌ في تحقيق معنى الاستثناءِ هذا، وقد قيل: إلا بمعنى سوى وهو أوفقُ بما ذكر وقيل: ما بمعنى مَنْ على إرادة معنى الوصفيةِ فالمعنى إن الذين شقُوا في النار مقدرين الخلود فيها إلا الذين شاء الله عدم خلودِهم فيها وهم عصاةُ المؤمنين.

القشيري

تفسير : الشقيُّ من قُسِم له الحرمانُ في حاله، والسعيد مَنْ رُزِق الإيمان في مآله. ويقال الشقاء على قسمين: قومٌ شقاؤهم غير مؤيد، وقومٌ شقاؤهم على التأييد وكذلك القول في السعادة. الشقيُّ مَنْ هو في أَسْرِ التدبير ونسيان جريان التقدير، والسعيد مَنْ رَجِعَ من ظلماتِ التدبير، وحصل على وصف شهود التقدير. ويقال الشقيُّ من كان في رق العبودية ظانَّا أَنَّ منه طاعاته، السعيد مَنْ تحرر عن رقِّ البشرية وعَلِمَ أن الحادثاتِ كلها لله سبحانه. وأمَّا الأشقياء - على التأبيد - فهم أهل الخلود في مقتضى الوعيد، والسعداء - على التأبيد - من قال الله تعالى في صفتهم: {أية : لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}تفسير : [ق: 35].

اسماعيل حقي

تفسير : {يوم يأت} اى حين يأتى ذلك اليوم المؤخر بانقضاء اجله وهو يوم القيامة فلا يلزم ان يكون للزمان زمان وذلك لان الحين مشتمل على ذلك اليوم وغيره من الاوقات ولا محذور فى كونه الزمان جزأ من زمان آخر ألا ترى ان الساعة جزء من اليوم واليوم من الاسبوع والاسبوع من الشهر وعلى هذا ويأت بحذف الياء اجتزاء عنها بالكسرة كما قالوا لا ادر ولا ابال وهو كثير فى لغة هذيل -روى- عن عثمان رضى الله عنه انه عرض عليه المصحف فوجد فيه حروفا من اللحن فقال لو كان الكاتب من ثقيف ولمملى من هذيل ما وجد فيه هذه الحروف فكأنه مدح هذيلا بالفصاحة والناصب للظرف قوله {لا تكلم نفس} لا تتكلم بما ينفع وينجى من جواب او شفاعة {الا باذنه} اى باذن الله تعالى كقوله تعالى {أية : لا يتكلمون الا من اذن له الرحمن وقال صوابا} تفسير : وقوله {أية : من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه} تفسير : ويوم القيامة يوم مقداره الف سنة من سنى الدنيا ففيه مواقف وازمنة واحوال مختلفة يتكلمون فى بعضها ويتساءلون كما قال {أية : يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها ولا يتكلمون} تفسير : فى بعضها لشدة الهول والفزع وظهور سطوة آثار القهر او لعدم الاذن لهم فى الكلام كما قال {أية : هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} تفسير : ويختم فى بعضها على افواههم وتتكلم ايديهم وتشهد ارجلهم. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : تمكثون الف عام فى الظلمة لا تتكلمون"تفسير : : قال السعدى قدس سره [اكر تيغ قهر بركشد ولى وبنى سردر كشد وكر غمزه لطف بجنباند بدارنرا بنيكان رساند] شعر : كر بمحشر خطاب قهر بود ابيارا جه جاى معذرتست برده از لطف كوبردار كاشقيارا اميد مغفرتست تفسير : {فمنهم} اى من الناس المذكور فى قوله مجموع له الناس او من اهل الموقف المدلول عليهم بقوله لا تكلم نفس {شقى} وجبت له النار بموجب الوعيد {وسعيد} اى ومنهم سعيد وجبت له الجنة بمقتضى الوعد. وتقديم الشقى على السعيد لان المقام مقام التحذير والانذار. قال فى التبيان علامة الشقاوة خمسة اشياء قساوة القلب وجمود العين والرغبة فى الدنيا وطول الامل وقلة الحياء. وعلامة السعادة خمسة اشياء لين القلب وكثرة البكاء والزهد فى الدنيا وقصر الامل وكثرة الحياء. وفى التأويلات النجمية {شقى} محكوم عليه بالشقاوة فى الازل {وسعيد} محكوم عليه بالسعادة فى الازل. وعلامة الشقاء الاعراض عن الحق وطلبه الاصرار على المعاصى من غير ندم عليها والحرص على الدنيا حلالها وحرامها واتباع الهوى والتقليد والبدعة. وعلامة السعادة الاقبال علىالله وطلبه والاستغفار من المعاصى والتوبة الى الله والقناعة باليسير من الدنيا وطلب الحلال منها واتباع السنة واجتناب البدعة ومخالفة الهوى انتهى [شيخ ابو سعيد خراز قدس سره فرموده كه حق سبحانه وتعالى درين سوره دوكار عظيم بيان فرموده يكى سياست جبارى وسطوت قهارى كه دمار از روز كار كفار بر آورده ديكر حكم ازلى كه بشقاوت وسعادت خلق شرف نفاذ يافته وحضرت رسالت از هيبت آن خبر وسطوت اين حكم فرموده كه (شيبتنى سورة هود)] شعر : آن يكى را ازازل لوح سعادت بركنار وين يكى را تا ابد داغ شقاوت برجبين عدل اوميرانداين را سوى اصحاب شمال فضل او ميخواند انرا نزد اصحاب يمين تفسير : قال ابن الشيخ فى حواشيه قوله تعالى {فمنهم شقى وسعيد} ظاهره يدل على ان اهل الموقف لا يخرجون عن هذين القسمين اللذين. احدهما مخلد فى النار ابدا الا ما شاء ربك. وثانيهما مخلد فى الجنة ابدا الا ما شاء ربك فيلزم ان يكون اطفال المشركين والمجانين الذين لم يعلموا صالحا غير خارجين عنهما فان قلت انهم من اهل الجنة فبلا ايمان وان قلت انهم من اهل النار فبلا ذنب فاعلم ان امرهم فيما يتعلق بالامور الدنيوية تبع لاشرف الابوين وفيما يتعلق بامر الآخرة من الثواب والعقاب معلوم مما روى عن ابى هريرة رضى الله عنه انه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اطفال المشركين أهم من اهل الجنة ام من اهل النار فقال عليه السلام "حديث : الله اعلم بما كانوا عاملين من الكفر والايمان ان عاشوا وبلغوا" تفسير : وتحقيق هذا المقام ان الله تعالى يحشر يوم القيامة اصحاب الفترات والاطفال الصغار والمجانين فى صعيد واحد لاقامة العدل والمؤاخذة بالجريمة والثواب للعمل فى اصحاب الجنة فاذا حشروا فى صعيد واحد بمعزل عن الناس بعث فيهم نبى من افضلهم وتمثل لهم نار يأتى بها هذا النبى المبعوث فى ذلك اليوم فيقول لها انا رسول الله اليكم فيقع عند بعضهم التصديق به ويقع التكذيب عند بعضهم ويقول لهم اقتحموا هذه النار لانفسكم فمن اطاعنى نجا ومن عصانى وخالف امرى هلك وكان من اهل النار فمن امتثل ارمه منهم ورمى بنفسه فيها سعد ونال ثواب العمل ووجد تلك النار بردا وسلاما ومن عصاه استحق العقوبة ودخل النار ونزل فيها بعمله المخالف ليقوم العدل من الله تعالى فى عباده هكذا ورد فى صحيح الاخبار

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (يوم يأتي): العامل في الظرف: "لا تكلم"، أو: اذكر، مضمر. والضمير في "يأتي": يعود على اليوم. وقال الزمخشري: يعود على "الله"؛ لعود الضمير عليه في قوله: (إلا بإذنه)، وضمير "منهم" على أهل الموقف المفهوم من قوله: (لا تكلم نفس). يقول الحق جل جلاله: {يوم يأتي} ذلك اليوم المشهود، وهو: يوم الجزاء {لا تكلم}؛ لا تتكلم {نفس} بما ينفع وينجي في جواب أو شفاعة {إلا بإذنه} تعالى، وهذا كقوله:{أية : لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـ&#1648}تفسير : [النبأ: 38]، وهذا في موقف، وقوله{أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 35 ـ 38]، في موقف آخر. والمأذون فيه هي الجوابات الحقية، أو الشفاعات المرضية، والممنوع منه هي الأعذار الباطلة. ثم قسّم أهل الموقف، فقال: {فمنهم شقي} وجبت له النار بمقتضى الوعيد؛ لكفره وعصيانه. {و} منهم {سعيد} وجبت له الجنة بمقتضى الوعد؛ لإيمانه وطاعته. {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق}، الزفير: إخراج النفس، والشهيق: رده. ويستعملان في أول النهيق وآخره. أو الزفير: صوت المحزون، والشهيق: صوت الباكي. أو الزفير من الحلق، والشهيق من الصدر. والمراد بهما: الدلالة على شدة الكرب والغم، وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه، وانحصرت فيه روحه، أو تشبيه حالهم بأصوات الحمير. قاله البيضاوي. {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض} أي سماوات النار وأرضها. وهي دائمة أبداً، ويدل عليه قوله تعالى:{أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ} تفسير : [إبراهيم: 48]، أو يكون عبارة عن التأبيد: كقوله العرب: ما لاح كوكب وما ناح الحمام، وشبه ذلك بما يقصد به الدوام، وهذا أصح. وقوله: {إلا ما شاء ربك}، للناس هنا كلام واختلاف. وأحسن ما قيل فيه؛ ما ذكره البقاعي، قال: والذي ظهر لي ـ والله أعلم ـ أنه لما تكرر الجزم بالخلود في الدارين، وأن الشرك لا يغفر، والإيمان موجب للجنة، فكان ربما يُظن أنه لا يمكن غير ذلك، كما ظنه المعتزلة، لا سيما إذا تأمل القطع في مثل قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}تفسير : [النساء: 48]، مع تقييد غيره بالمشيئة في قوله:{وَيَغفِر مَا دُونَ ذََلِكَ لِمَن يَشَآءُ} جاء هذا الاستثناء معلماً أن الأمر فيه إلى الله كغيره من الأمور، له أن يفعل في كلها ما يشاء، وإن جُزم القوم فيه، لكنه لا يقع غير ما أخبره به، وهذا كما تقول: اسكن هذه الدار عمرك ألا ما شاء زيد، وقد لا يشاء زيد شيئاً. فكما أن التعليق بدوام السماوات والأرض غير مراد الظاهر، كذلك الاستثناء فلا يشاء الله قطع الخلود لأحد من الفريقين، وسوقه هكذا أدل على القدرة وأعظم في تقليد المنة. هـ. وقال الجلال السيوطي، في "البدور السافرة في أمور الآخرة": اعلم أن للعلماء في هذا الاستثناء أقوالاً، أشبهها بالصواب: أنه ليس باستثناء، وإنما "إلا". بمعنى "سوى" كما تقول: لي عليك ألف درهم إلا ألفان، التي لي عليك، أي: سوى الألفين، والمعنى: خالدين فيها قدر مدة السماوات والأرض في الدنيا سوى ما شاء ربك من الزيادة عليها، فلا منتهى له. وذلك عبارة عن الخلود. والنكتة في تقديم ذكر مدة السماوات والأرض: التقريب إلى الأذهان بذكر المعهود أولاً. ثم أردفه بما لا إحاطة للدهر به، والجري على عادة العرب في قولهم في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده: لا آتيك ما دامت السماوات والأرض. هـ. ومثله لابن عطية. قال: ويؤيده هذا التأويل قوله بعدُ: {عطاء غير مَجذُوذ} أي: غير مقطوع، وهذا قول الفراء، فإنه يقدر الاستثناء المنقطع بسوى، وسيبويه بلكن. هـ. وقال الورتجبي: قال ابن عطاء: {إلا ما شاء ربك} من الزوائد لأهل الجنة من الثواب. ومن الزوائد لأهل النار من العقاب. هـ. {إن ربك فعال لما يريد} من غير حجر ولا اعتراض. {وأما الذين سُعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك} كما تقدم. {عطاء غير مَجْذُوذٍ}: غير مقطوع، وهو تصريح بأن الثواب غير مقطوع، وتنبيه على أن المراد من الاستثناء تعليم الأدب فقط. والله تعالى أعلم. الإشارة: السعادة على قسمين: سعادة الظاهر، وسعادة الباطن. والشقاو ة كذلك. أما سعادة الظاهر ففي الدنيا بالراحة من التعب، وفي الآخرة بالنجاة من العذاب. وأما سعادة الباطن ففي الدنيا براحة القلب من كد الهموم والأحزان، واليقين والاطمئنان، في حضرة الشهود والعيان، وفي الآخرة بدوام النظر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وشقاوة الظاهر باتصال الكد والتعب. وشقاوة الباطن بالبعد عن الله، وافتراقه عن حضرة مولاه. قال في نوادر الأصول: الشقاوة: فراق العبد من الله، والسعادة اندساسه إليه. هـ. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه في حزبه الكبير: والسعيد من أغنيته عن السؤال منك، والشقي حقاً من حرمته مع كثرة السؤال لك. قال شيخ شيوخنا ـ سيدي عبد الرحمن الفاسي ـ في حاشيته عليه: ومدار السعادة: الجمع على الله والغيبة عمن سواه، فيفنى العبد عن وجوده، ويبقى بربه، فيشغله استغراقه في شهوده عن الشعور بغيريته، وينمحي عنه أمل شيء يرجى، أو خوف شيء يُتقى، فليس له عن سوى الحق إخبار، ولا مع غيره قرار. وعندما حل بهذه الحضرة، وظفر بقُرة عينه، وحياة روحه، وسر حياته، لا يتصور منه سُول، ولا فوات مأمول، "أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك"، "اشْتَاقَتْ الجَنَّةُ إِلى عَليِّ وعَمَّارٍ وسَلمَانَ وصهيب وبلال" كما في الأثر. نعم، إن رد إليه تصور منه الدعاء على وجه العبودية، وأداء الأمر وإظهار الفاقة، لا على وجه الاقتضاء والسببية. "جل حكم الأزل أن ينضاف إلى الأسباب والعلل". ثم قال: وعلى ما تقرر في السعادة، فالشقاوة: احتجاب العبد بوجوده عن شهوده، فلا يَنفَكُّ عن أمل، ولا عن خوف عطب. فيستحثه الطبع للسؤال جلباً أو دفعاً. وهو في ذلك في شقاء، سواء أعطى أو منع؛ لفقده قرةَ عينه وراحة قلبه، لأسْره في طبعه، ومكابدة أمره وهلعه. كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ}تفسير : [المعارج: 19ـ 22]، فلم يستثن من كد الطبع ومكابدته غير أهل الصلاة الدائمة، وهم أهل الوجهة لله، المواجَهين بعناية الله، المتحققين بذكر الله. وقد وَرَدَ: "هُمُ القَوْم لاَ يَشْقَى جَلِيسُهُم" فضلاً عنهم. وعلى الجملة: فالمراد بالسعادة والشقاوة في كلامه ـ أي الشاذلي ـ الباطنة لا الظاهرة، والقلبية لا القالبية. وإن كان قد تطلق على ذلك أيضاً، لكن لكل مقام مقال. وقد قال تعالى: {أية : فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} تفسير : [طه: 123]. قال في نوادر الأصول: تَابعُ القرآن قد أجير من شقاء العيش في الدنيا؛ لراحة قلبه من غموم الدنيا وظلماتها، وسَيره في الأمور بقلبه في راحة؛ لأنه منشرحُ الصدر واسعه، وبدنه في راحة؛ لأنه ميسر عليه أمور الدنيا، تُهيأ له في يسر؛ لضمان الله، واكتنافه له. وكذا يجار في الآخرة من شقاء العيش في سجون النيران. أعاذنا الله من ذلك. هـ. ثم حذَّر من الشرك، الذي هو سبب الخلود في النار، فقال: {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ}.

اطفيش

تفسير : {يَومَ يأتِ} بإثبات الياء بالوصل عند نافع، وأبى عمرو، والكسائى، وفى الوصل والوقف ابن كثير، وحذفها ابن عامر، وعاصم وحمزة اجترأ بالكسرة، حكى الخليل وسيبويه: لا أدرى بحذف الياء وهو كثير فى لغة هذيل، وفاعل يأتى ضمير عائد للعذاب والله كقوله: {أية : إلا أن يأتيهم الله} {أية : أو يأتى ربك} تفسير : و{أية : جاء ربك} تفسير : ويدل له قراءة يؤخر بالتحتية، وقوله: {إلا بإذنه} فيقدر مضاف أى يوم يأتى أمره أو لليوم على أن يوم فى قوله: {يوم يأت} بمعنى الحين، فلا يلزم جعل اليوم وقتا لإتيان اليوم، وهو متعلق بتكلم من قوله: {لا تكلَّمُ} على أنه لا صدر للا النافية غير العاملة، والأصل لا تتكلم، حذفت إحدى التاءين وهو مفعول لاذكر وعليه السعد {نَفسٌ إلاَّ بإذْنِه} هذا فى بعض المواقف، وقوله: {أية : يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم} تفسير : فى بعض آخر، أو المأذون فيه الجواب المحق، والممنوع الجواب الباطل، ذكر ذلك السعد، كجار الله والقاضى، فلا منافاة بين قوله: {لا تكلم نفس إلا بإذنه} وقوله: {أية : لا يتكلمون إلا مَن أذن له الرحمن} تفسير : وقوله: {أية : يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها} تفسير : وبين قوله: {أية : يوم لا ينطقون} تفسير : إلى آخره: والإذن فى الكلام أن يقال لهم: تكلموا، أو أن يخفف عنهم بعض الأهوال فيستطيعون الكلام، وزعم بعضهم أن المراد هنا بالتكلم الشفاعة. {فمنْهُم} أى من النفوس، لأن لفظ نفس لنكرة فى سياق النفى فعم، أو من الناس لتقدم ذكر لفظ الناس، أو من أهل الموقف لدلالة الكلام عليه {شَقىٌّ} سبق له القضاء الأزلى، لأنه من أهل النار لما سيعمله {وسَعيدٌ} سبق له القضاء الأزلى بأنه من أهل الجنة لما سيعمله قيل السعادة هى معاونة الأمور الإلهية، والمسارعة لفعل الخير، وتيسره، وعن ابن مسعود: الشقى من شقى فى بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، وروى: السعيد من بطن أمه، والشقى من بطن أمه. وعن ابن مسعود: حدثنا الصادق المصدَّق: "حديث : أن خلق أحدكم يجمع فى بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم أربعين يوما مضغة، ثم يبعث ملك فيؤمر أن يكتب رزقه وعمله، وأثره، وشقى أو سعيد، والذى لا إله غيره، إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار حتى يدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب بعمل أهل الجنة حتى يدخلها" تفسير : وفى رواية: إن ذلك يكتب إذا وقعت النطفة فى الأرحام. تفسير : وعن على: "حديث : كنا فى جنازة فى بقيع الغرقد، يعنى مقبرة المدينة زادها الله شرفا، وكان فيها شجر يسمى الغرقد، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فجعل ينكت، أى يخط بها فى الأرض، وهى ما يمسك باليد كالسوط والعصا، ثم قال: "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار" فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسيصير لعمل السعادة، وأما من كان أهل الشقاوة فسيصير لعمل الشقاوة" ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى}" تفسير : الآية. وفى رواية "حديث : كنا ببقيع الغرقد فى جنازة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقعد وقعدنا، فنكس رأسه وجعل ينكت فى الأرض فقال: "ما منكم من أحد ولا من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها فى الجنة أو فى النار، أو كتب سعيدة أو شقية" تفسير : وهذا شك من الراوى،حديث : فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا هذا وندع العمل، فمن كان من أهل السعادة فيصير إليها، ومن كان من أهل الشقاوة فيصير إليها؟ فقال: "أما أهل السعادة فيصيرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فيصيرون لعمل أهل الشقاوة" وتلا هذه الآية: {فأما من أعطى}" تفسير : إلى آخره. وفى حديث آخر: "حديث : اعملوا ولا تغتروا فكلكم ميسر لما خلق له، سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أى عمل، وصاحب النار يختم له بعمل أهل النار، وإن عمل أى عمل ". تفسير : وظاهر الأحاديث والآية يدل أنه ليس هناك إلا شقى وسعيد، وهو كذلك، وأصحاب الأعراف والأطفال سعداء، ويرقف فى طفل غير المتولى مع أنه فى الحقيقة إما سعيد وإما شقى، والآية من المحسنات البديعية المعنوية، وهى من الجمع مع التفريق والتقسيم، وذلك أنه جمع الأنفس فى عدم التكلم إذ قال: {لا تكلم نفس إلا بإذنه} ثم فرقهن إلى شقى وسعيد إذ قال: {فمنهم شقى وسعيد} ثم قسم بأن أضاف للشقى ماله وللسعيد ماله إذ قال: {فأمَّا الَّذينَ شُقُوا}

اطفيش

تفسير : {يَوْمَ يَأْتِ} متعلق بتكلم ولا صدر للا النافية غير العاملة عمل أَن أَو مفعول لا ذكر محذوف أَو متعلق بالانقضاءِ المقدر، وعلى الوجهين ينقطع عنه قوله لا تكلم فيكون مستأْنفا بعده، وقد يقدر الضمير أَى لا تكلم فيه نفس فيتصل المعنى، وضمير يأْتى للعذاب أَو لله أَى يأْتى أَمره أَو عذابه ولا يجوز عوده ليوم مجموع لأَن الزمان لا يكون فى الزمان إِلا إِن اعتبر زمان متسع وكأَنا نعتبر ما يلى الدنيا من البرزخ أَو من قرب القيامة جدا مع ما يكون بعد فنجعل اليوم المشهود جزاءً متأَخرا لا انتهاءَ له، واليوم المشهود وقت الحساب ووقت الحساب لا يخلو من عذاب القلوب، وقد صح أَن تقول يوم الجمعة فى شهر كذا والساعة فى يوم كذا وما أشبه ذلك، واليوم بمعنى حين وورد فى القرآن إِتيان الساعة كقوله تعالى: "أية : أَن تأْتيهم الساعة"تفسير : [محمد: 18] وإِتيان الله جل وعلا نحو: "أية : هل ينظرون إلا أَن يأْتيهم الله"تفسير : [البقرة: 210] أَى أَمره ثم إِذا رددنا الضمير لليوم وصح بوجه آخر أَيضا أَى يوم يأْتى اليوم المجموع له الناس أَى هو اليوم المجموع إِلخ {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أَى كلاما نافعا أَو منجيا أَو شفاعة فلا ينافى"أية : يوم تأْتى كل نفس تجادل عن نفسها"تفسير : [النحل: 111]، ونحو قولهم"أية : والله ربنا ما كنا مشركين"تفسير : [الأنعام: 23] يقال خرس فلان عن حجته، ويقال حضر فلان فلم يتكلم مع أَنه ليس أَخرس وقد تكلم إِذ لم يأْت بكلام نافع، ولا يجوز أَن يقدر لا تكلم كلاما باطلا من الأَعذار الباطلة أَو غيرها لأَن الله عز وجل يقول إٍلا بإِذنه والله لا يأْذن بباطل إِلا أَن يقال المراد يأْذن له فى الكلام مطلقا أَو فى الكلام بحجة فينطق بباطل والله عالم بأَنه ينطق به قبل نطقه أو يجعل الاستثناء منقطعا، ويجوز أَن يقدر لا تكلم فى موطن لا ينطقون ولا يؤْذن لهم فيعتذرون وتتكلم فى آخر، ويوم الحشر موطن ومن التكلم فى موطن قوله تعالى: "أية : إِلا من أّّذن له الرحمن"تفسير : [النبأ: 38] فمنه الآية {فَمِنْهُمْ شَقِىُّ} سىءُ الحال فى عذاب وتعب فى النار بعمله لموجب العذاب {وَسَعِيدٌ} حسن الحال فى نعمة وراحة فى الجنة لعمله بفضل الله عز وجل ووعده، أَى ومنهم سعيد، ولا يلزم هذا التقدير إِذ المعنى بلا تقدير ثبت منهم شقى وسعيد، وكأَنه قيل الشقى والسعيد ثابتان منهم، وقدم الشقى لأَن المقام للإِنذار والمراد فريق شقى وفريق سعيد، ولم يقل أَشقياءُ وسعداءُ لأَن الأَفراد أَوفق بما قبل وللإِشارة إِلى أَن السعداءَ كسعيد واحد والأَشقياءَ كشقى للاتفاق فيما به ذلك من الخذلان والتوفيق والأعمال، والجمع فى فأَماالذين شقوا وأَما الذين سعدوا لأَنهم يدخلون النار والجنة زمرة زمرة كما جاءَ القرآن والحديث بذلك الهاءِ للناس فى قوله مجموع له الناس أَو للنفس للعموم بتقدم السلب مع وجود التنكير أَو للناس المعلومين من لا تكلم نفس، أَو لأَهل الموقف كما دل عليه يوم مجموع له الناس، والجن تابعون للناس فى شمول الكلام، والنفس شاملة لهم قطعا وأَطفال المشركين والمنافقين من السعداءِ لقوله صلى الله عليه وسلم حديث : سأَلت ربى فى اللاهين فأَعطانيهم خدما لأَهل الجنةتفسير : ، وأَطفال المسلمين فى درجات آبائِهم لا خدم، جاءَه ذلك من الله بعد أَن توقف، وقال: الله أَعلم بما كانوا عاملين، والسعادة والشقاوة من الدنيا بحسب طبق القضاءِ الأَزلى، ولا يتخلف، والله يمن بالرحمة ولا يظلم بالعذاب وقد من الله على الأَطفال كما مر آنفا ولا يمن على المصر، ويوم القيامة ليس يوم عمل وتكليف وأَنا أَذكر لك أَحاديث وضعها الناس وأَسندوها إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست منه، روى أَحمد وإِسحاق ابن راهويه والبيهقى عن الأَسود بن سريع عن النبى صلى الله عليه وسلم:"حديث : أَربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أَصم لا يسمع ورجل أَحمق ورجل هرم ورجل مات فى فترة، فيقول الأَصم: رب جاءَ الإِسلام وما أَسمع شيئاً، والأَحمق يقول: رب جاءَ الإسلام والصبيان يحذفوننى بالبعر، والهرم يقول: رب جاءَ الإِسلام وما أَعقل شيئاً، والذى مات فى الفترة يقول: رب ما أَتانى لك رسول، فيأْخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أَن ادخلوا النار أَى نارا ترفع لهم فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها سحب إِليها أَى ودخل النار"تفسير : ، وكذا روى أَحمد وإِسحاق وابن مردويه فى تفسيره والبيهقى عن أبى هريرة، وروى البزار عن أَبى سعيد الخدرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يؤْتى بالهالك فى الفترة والمعتوه والمولود، فيقول الهالك فى الفترة: لم يأْتنى كتاب ولا رسول، ويقول المعتوه: أَى ربى لم تجعل لى عقلا أَعقل به خيرا ولا شرا، ويقول المولود لم أُدرك العمل، فترفع لهم نار فيقال لهم ردوها أَو قال ادخلوها، فيدخلها من كان فى علم الله سعيداً لو أَدرك العمل ويمسك عنها من كان فى علم الله شقيا لو أَدرك العمل"تفسير : ، ويقول الله تبارك وتعالى: إِياى عصيتم فكيف برسلى فى الغيب، وفى إِسناده ضعف بعطية العوفى، والترمذى يحسن حديثه، ولهذا أَحاديث تقتضى حسنة إِلا أَنها عندنا لا تصح، وروى البزار وأَبو يعلى عن أَنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يؤْتى يوم القيامة بأَربعة، بالمولود والمعتوه ومن مات فى الفطرة والشيخ الفانى كل يتكلم يحجة فيقول الله تبارك وتعالى لعنق من جهنم: ابرزى، فيقول: إِنى كنت أَبعث إِلى عبادى رسلا من أَنفسهم وإِنى رسول نفسى إِليكم، ادخلوا هذه النار، فيقول من كتب عليه الشقاءُ يا رب أَتدخلناها ومنها كنا نفرق، ويقتحمها من كتبت له السعادة، فيقول الله: قد عصيتمونى فأَنتم أَشد لرسلى تكذيبا ومعصية، فيدخل هؤُلاءِ الجنة وهؤُلاءِ النار"تفسير : ، وروى عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أَبى حاتم عن أَبى هريرة موقوفا إِذا كان يوم القيامة جمع الله أَهل الفترة والمعتوه والأَصم والأَبكم والشيوخ الذين لم يدركوا الإِسلام ثم أَرسل إِليهم رسولاً أَن ادخلوا النار فيقولون كيف ولم تأْتنا رسل، ثم قال وأَيم الله لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما، ويدخلها من يطيعه اقرأْوا إِنْ شئْتم "أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا"تفسير : [الإِسراء: 15] وروى البزار والحاكم عن ثوبان أًن النبى صلى الله عليه وسلم قال:" حديث : إِذا كان يوم القيامة جاءَ أَهل الجاهلية يحملون أَوثانهم على ظهورهم فيسأَلهم ربهم فيقولون ربنا لم ترسل إِلينا رسولا ولم تأْتنا لك أَمر ولو أَرسلت إِلينا رسولا لكنا أَطوع عبادك، فيقول لهم ربهم أَرأَيتكم إِن أَمرتكم بأَمر تطيعوننى فيقولون نعم، فيأْمرهم أَن يعمدوا إِلى جهنم وأَن يدخلوها فينطلقون حتى إِذا رأَوها فرقوا ورجعوا، وقالوا: ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أَن ندخلها، فيقول: ادخلوها داخرين فقال النبى صلى الله عليه وسلم: لو دخلوها أَول مرة كانت عليهم بردا وسلمت"تفسير : ، وصححه الحاكم، وروى الطبرى وأَبو نعيم عن معاذ بن جبل عن النبى صلى الله عليه وسلم:"حديث : يؤْتى يوم القيامة بالممسوخ عقلا وبالهالك فى الفترة وبالهالك صغيرا، فيقول الممسوخ عقلا يا رب لو آتيتنى عقلا ما كان من آتيته عقلا بأَسعد بعقله منى، وذكر فى ميت الفترة والصغير نحو ذلك فيقول الرب إِنى آمركم بأَمر أَفتطيعوننى فيقولون نعم فيقول: اذهبوا فادخلوا النار، فلو دخلوها ما ضرتهم فيخرج إِليهم فرائِض فيظنون أَنها أَهلكت ما خلق الله فيرجعون سراعا ثم يأْمرهم الثانية فيرجعون كذلك فيقول الرب: قبل أَن أَخلقكم علمت بما أَنتم عاملون وعلى علمى خلقتم وإِلى علمى تصيرون ضميهم"تفسير : ، فتأْخذهم فانظر كيف يكذب الناس على الصحابة، أَما الصبى والمجنون من الطفولية فمعذورون بالحديث المتفق عليه أَنه رفع عنهم القلم، وكذا الأَصم والأَبكم اللذان لا يعقلان بالإِشارة ولا بالكتابة، وأَهل الفترة معذورون فى تفاصيل الشرع مقطوعو العذر فى الإِشراك، فمن وحد منهم ولو يجد من يقول له عذر كيف يقال لهم كذبتم ولم يبلغ لهم مبلغ، وكيف يقول فيهم الله فنقول عنهم فما أَنت بملوم، وكيف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغتهم.

الالوسي

تفسير : {يَوْمَ يَأْتِ} أي ذلك اليوم المؤخر بانقضاء أجله المضروب حسبما تقتضيه الحكمة وهو المروي عن ابن جريج، وقيل: الضمير للجزاء أيضاً، وقيل: لله تعالى، وفيه من تفخيم شأن اليوم ما لا يخفى، ويعضده قراءة ـ وما يؤخره ـ بالياء، ونسبة الإتيان ونحوه إليه سبحانه أتت في غير ما آية، واعترض الأول بأن التقدير عليه يوم إتيان ذلك اليوم ولا يصح لأن تعرف اليوم بالإتيان يأبـى تعرف الإتيان به، ولأن إتيان اليوم لا ينفك عن يوم الإتيان فيكفي الإسناد وتلغو الإضافة، ونقل العلامة الطيبـي نصاً على عدم جوازه كما لا تقول: جئتك يوم بشرك، وأجيب أن كل زمان له شأن يعتبر تجدده كالعيد والنيروز والساعة مثلاً، يجري مجرى الزماني وإن كان في نفسه زماناً فباعتبار تغاير الجهتين صحت الإضافة والإسناد كما يصح أن يقال: يوم تقوم الساعة ويوم يأتي العيد والعيد في يوم كذا، فالأول زمان وضميره أعني فاعل الفعل زماني، وإذاً حسن مثل قوله: شعر : فسقى الغضى والساكنيه وإن هم شبوه بين جوانحي وضلوعي تفسير : فهذا أحسن. وقرأ النحويان ونافع {يَأْتِيَ} بإثبات الياء وصلاً وحذفها وقفاً، وابن كثير بإثباتها وصلاً ووقفاً وهي ثابتة في مصحف أبـي، وقرأ باقي السبعة بحذفها وصلاً ووقفاً، وسقطت في مصحف عثمان رضي الله تعالى عنه، وإثباتها وصلاً ووقفاً هو الوجه، ووجه حذفها في الوقف التشبيه بالفواصل، ووصلا ووقفاً التخفيف كما قالوا: لا أدر ولا أبال، وذكر الزمخشري ((أن الاجتزاء بالكسرة عن الياء كثير في لغة هذيل)) ومن ذلك قوله: شعر : كفاك ما تليق درهماً جوداً وأخرى تعط بالسف الدما تفسير : وقرأ الأعمش ـ يوم يأتون ـ بواو الجمع، وكذا في مصحف عبد الله أي يوم يأتي الناس أو أهل الموقف. {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ} أي لا تتكلم بما ينفع وينجي من جواب أو شفاعة، وهذا الفعل على الأظهر هو الناصب للظرف السابق. وجوز أن يكون منصوباً بالانتهاء المضاف إلى الأجل وأن يكون مفعولاً به ـ لا ذكر ـ محذوفاً، وهذه الجملة في موضع الحال من ضمير اليوم، وأجاز الحوفي وابن عطية كونها نعتاً ليوم، وتعقب بأنه يقتضي أن إضافته لا تفيده تعريفاً وهو ممنوع ولعل من يدعي ذلك يقول: إن الجمل بمنزلة النكرات حتى أطلقوا عليها ذلك فالاضافة إليها كالإضافة إليها {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي إلا باذن الله تعالى شأنه وعز سلطانه في التكلم كقوله سبحانه: {أية : لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ } تفسير : [النبأ: 38] وهذا في موقف من مواقف ذلك اليوم، وقوله تبارك وتعالى: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ }تفسير : [المرسلات: 35-36] في موقف آخر من مواقفه كما أن قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَـٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا} تفسير : [النحل: 111] في آخر منها، وروي هذا عن الحسن. وقد ذكر غير واحد أن المأذون فيه الأجوبة الحقة والممنوع منه الأعذار الباطلة، نعم قد يؤذن فيها / أيضاً لإظهار بطلانها كما في قول الكفرة: {أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 32] ونظائره، والقول بأن هذا ليس من قبيل الأعذار وإنما هو إسناد الذنب إلى كبرائهم وأنهم أضلوهم ليس بشيء كما لا يخفى. وفي «الدرر والغرر» للسيد المرتضى أن بين قوله سبحانه: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} وقوله سبحانه: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ}تفسير : [المرسلات: 35-36] وكذا قوله جل وعلا: {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ}تفسير : [الصافات: 27] اختلافاً بحسب الظاهر، وأجاب قوم من المفسرين عن ذلك بأن يوم القيامة يوم طويل ممتد فيجوز أن يمنعوا النطق في بعضه ويؤذن لهم في بعض آخر منه، ويضعف هذا الجواب أن الإشارة إلى يوم القيامة بطوله فكيف يجوز أن تكون الآيات فيه مختلفة، وعلى ما ذكروه يكون معنى {هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ} هذا يوم لا ينطقون في بعضه وهو خلاف الظاهر، والجواب السديد عن ذلك أن يقال: إنما أريد نفي النطق المسموع المقبول الذي ينتفعون به ويكون لهم في مثله إقامة حجة وخلاص لا نفي النطق مطلقاً بحيث يعم ما ليس له هذه الحالة، ويجري هذا المجرى قولهم: خرس فلان عن حجته وحضرنا فلاناً يناظر فلاناً فلم نره قال شيئاً وإن كان الذي وصف بالخرس والذي نفى عنه القول قد تكلم بكلام كثير إلا أنه من حيث لم يكن فيه حجة ولم يتضمن منفعة جاز إطلاق ما حكيناه عليه، ومثله قول الشاعر: شعر : أعمى إذا ما جارتي خرجت حتى يوارى جارتي الخدر ويصم عما كان بينهما سمعي وما بي غيره وقر تفسير : وعلى هذا فلا اختلاف لأن التساؤل والتلاؤم مثلا لا حجة فيه، وأما قوله سبحانه: {أية : وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ }تفسير : [المرسلات: 36] فقد قيل فيه: إنهم غير مأمورين بالاعتذار فكيف يعتذرون، ويحمل الإذن على الأمر وإنما لم يؤمروا به لأن تلك الحالة لا تكليف فيها والعبادة ملجأون عند مشاهدة الأهوال إلى الاعتراف والإقرار، وأحسن من هذا أن يحمل {يُؤْذَنُ لَهُمْ} أنه لا يسمع لهم ولا يقبل عذرهم انتهى. وأنت تعلم أن تضعيفه لما أجاب به القوم من امتداد يوم القيامة وجواز كون المنع من النطق في بعض منه والإذن في بعض آخر ليس بمرتضى عند ذي الفكر الرضى لظهور صحة وقوع الزمان الممتد ظرفاً للنقيضين فيما إذا لم يقتض كل منهما أو أحدهما جميع ذلك الزمان، وقد شاع دفع التناقض بين الكلامين بمثل ما فعلوا ومرجعه إلى القول باختلاف الزمان كما أن مرجع ما روي عن الحسن إلى القول باختلاف المكان، واتحاد الزمان والمكان من شروط تناقض القضيتين وليس هذا الذي فعلوه بأبعد مما فعله المرتضى على أن في كلامه بعد مّا لا يخفى. وقال بعض الفضلاء: لا منافاة بين هذه الآية والآيات التي تدل على التكلم يوم القيامة لأن المراد من (يوم يأتي) حين يأتي، والقضية المشتملة على ذلك وقتية حكم فيها بسلب المحمول عن جميع أفراد الموضوع في وقت معين وهذا لا ينافي ثبوت المحمول للموضوع في غير ذلك الوقت، وقال ابن عطية: لا بد من أحد أمرين: إما أن يقال: إن ما جاء في الآيات من التلاوم والتساؤل والتجادل ونحو ذلك مما هو صريح في التكلم كان عن إذن، وإما أن يحمل التكلم هنا على تكلم شفاعة أو إقامة حجة وكلا القولين كما ترى. والاستثناء قيل: من أعم الأسباب أي لا تكلف نفس بسبب من الأسباب إلا بسبب إذنه تعالى وهو متصل، وجوز أن يكون منقطعاً ويقدر ما لا يتناول المستثنى أي لا تكلم نفس باقتدار من عندها إلا باذنه تعالى، ولا يخفى أن هذا استثناء مفرغ، وقد طرق سمعك ما هو الأصح فيه. وقرىء كما في «المصاحف» لابن الأنباري ـ يوم يأتون لا تكلم دابة إلا بإذنه ـ. {فَمِنْهُمْ} أي / أهل الموقف المدلول عليه بقوله سبحانه: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ} أو الجميع الذي تضمنه {نَفْسٌ} إذ هو اسم جنس أريد به الجميع على ما نقله أبو حيان عن ابن عطية، أو الناس المذكور في قوله سبحانه: {أية : مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ}تفسير : [هود: 103] ونقل ابن الأنباري أن الضمير لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو من الغرابة بمكان وكأنه قصد هذا القائل بذلك تمهيداً لتوجيه الاستثناء الآتي وهو ولله الحمد غني عن ذلك، والظاهر أن {مِنْ} للتبعيض والجار والمجرور خبر مقدم، وقوله سبحانه: {شَقِيٌّ} مبتدأ، وقوله تعالى: {وَسَعِيدٌ} بتقدير ومنهم سعيد، وحذف منهم لدلالة الأول عليه. والسعادة على ما قال الراغب: معاونه الأمور الإلهية للإنسان على نيل الخير ويضادها الشقاوة. وفسر في «البحر» الشقاوة بنكد العيش وسوئه، ثم قال: والسعادة ضدها. وفي «القاموس» ما يقرب من ذلك، فالشقي والسعيد هما المتصفان بما ذكر، وفسر غير واحد الأول بمن استحق النار بمقتضى الوعيد والثاني بمن استحق الجنة بموجب الوعد، وهذا هو المتعارف بين الشرعيين. وتقديم الشقى على السعيد لأن المقام مقام الإنذار والتحذير.

ابن عاشور

تفسير : جملة {يوم يَأتي لا تكلّم نَفْسٌ} تفصيل لمدلول جملة {أية : ذلك يوم مجموع له النّاس}تفسير : [هود: 103] الآية، وبينت عظمة ذلك اليوم في الشرّ والخير تبعاً لذلك التفصيل. فالقصد الأوّل من هذه الجملة هو قوله: {فمنهم شقيّ وسعيد} وما بعده، وأمّا ما قبله فتمهيد له أفصح عن عظمة ذلك اليوم. وقد جاء نظم الكلام على تقديم وتأخير اقتضاه وضع الاستطراد بتعظيم هول اليوم في موضع الكلام المتّصل لأنّه أسعد بتناسب أغراض الكلام، والظروف صالحة لاتّصال الكلام كصلاحيّة الحروف العاطفة وأدوات الشرط. و{يوم} من قوله: {يوم يأتي} مستعمل في معنى (حين) أو (ساعة)، وهو استعمال شائع في الكلام العربيّ في لفظ (يوم) و(ليلة) توسّعاً بإطلاقهما على جزء من زمانهما إذ لا يخلو الزّمان من أن يقع في نهار أو في ليل فذلك يوم أو ليلة فإذا أطلقا هذا الإطلاق لم يستفد منهما إلاّ معنى (حين) دون تقدير بمدّة ولا بنهار وَلاَ لَيْلٍ، ألاَ ترى قول النابغة: شعر : تخيّرن من أنهار يوم حليمة تفسير : فأضاف (أنهار) جمع نهار إلى اليوم. وروي: من أزمان يوم حليمة. وقول توبة بن الحُميّر: شعر : كأن القلب ليلة قيل: يُغدَى بليلى الأخيلية أو يراح تفسير : أراد ساعة، قيل: يُغدى بليلى، ولذلك قال: يغدى أو يراح، فلم يراقب ما يناسب لفظ ليلة من الرّواح. فقوله تعالى: {يوم يأتي} معناه حين يأتي. وضمير (يأتي) عائد إلى {أية : يوم مشهود}تفسير : [هود: 103] وهو يوم القيامة. والمراد بإتيانه وقوعه وحلوله كقوله: {أية : هل ينظرون إلاّ الساعة أن تأتيهم}تفسير : [الزخرف: 66]. فقوله: {يوم يأتي} ظرف مُتَعلّق بقوله: {لا تكلّم نفس إلاّ بإذنه}. وجملة {لا تكلم نفس} مستأنفة ابتدائية. قدّم الظرف على فعلها للغرض المتقدم. والتّقدير: لا تكلّم نفس حينَ يحلّ اليوم المشهود. والضّمير في {بإذنه} عائد إلى الله تعالى المفهوم من المقام ومن ضمير {أية : نؤخّره}تفسير : [هود: 104]. والمعنى أنّه لا يتكلّم أحد إلاّ بإذن من الله، كقوله: {أية : يوم يقوم الروح والملائكة صفّاً لا يتكلّمون إلاّ من أذن له الرّحمٰن وقال صواباً}تفسير : [النبأ: 38]. والمقصود من هذا إبطال اعتقاد أهل الجاهلية أنّ الأصنام لها حقّ الشفاعة عند الله. و{نفس} يَعمّ جميع النفوس لوقوعه في سياق النفي، فشمل النفوس البرة والفاجرة، وشمل كلام الشافع وكلام المجادل عن نفسه. وفُصّل عموم النفوس باختلاف أحوالها. وهذا التفصيل مفيد تفصيل الناس في قوله: {أية : مجموع له النّاس}تفسير : [هود: 103]، ولكنّه جاء على هذا النسج لأجل ما تخلّل ذلك من شبه الاعتراض بقوله: {أية : وما نؤخّره إلاّ لأجل معدود}تفسير : [هود: 104] إلى قوله: {بإذنه} وذلك نسيج بديع. والشقيّ: فعيل صفة مشبهة من شَقِيَ، إذا تلبّس بالشّقاء والشقاوة، أي سوء الحالة وشرّها وما ينافر طبع المتّصف بها. والسّعيد: ضدّ الشقيّ، وهو المتلبّس بالسّعادة التي هي الأحوال الحسنة الخيّرة الملائمة للمتّصف بها. والمعنى: فمنهم يومئذٍ من هو في عذاب وشدّة ومنهم من هو في نعمة ورخاء. والشّقاوة والسّعادة من المواهي المقولة بالتّشكيك فكلتاهما مراتب كثيرة متفاوتة في قوّة الوصف. وهذا إجمال تفصيله {فأمّا الذين شقُوا} إلى آخره. والزّفير: إخراج الأنفاس بدفع وشدّة بسبب ضغط التنفّس. والشّهيق: عكسه وهو اجتلاب الهواء إلى الصّدر بشدّة لقوة الاحتياج إلى التنفس. وخص بالذّكر من أحوالهم في جهنّم الزّفير والشّهيق تنفيراً من أسباب المصير إلى النّار لما في ذكر هاتين الحالتين من التّشويه بهم وذلك أخوف لهم من الألم. ومعنى {ما دامت السّماوات والأرض} التأييد لأنّه جرى مجرى المثَل، وإلاّ فإنّ السّماوات والأرض المعرُوفة تضمحلّ يومئذٍ، قال تعالى: {أية : يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسماوات}تفسير : [إبراهيم: 48] أو يراد سماوات الآخرة وأرضها. و{إلاّ ما شاء ربك} استثناء من الأزمان التي عمّها الظرف في قوله: {ما دامت} أي إلاّ الأزمان التي شاء الله فيها عدم خلودهم، ويستتبع ذلك استثناء بعض الخالدين تبعاً للأزمان. وهذا بناء على غالب إطلاق {ما} الموصولة أنّها لغير العاقل. ويجوز أن يكون استثناء من ضمير {خالدين} لأنّ {ما} تطلق على العاقل كثيراً، كقوله: {أية : ما طاب لكم من النّساء}تفسير : [النساء: 3]. وقد تكرّر هذا الاستثناء في الآية مرّتين. فأمّا الأوّل منهما فالمقصود أنّ أهل النّار مراتب في طول المدة فمنهم من يعذّب ثمّ يعفى عنه، مثل أهل المعاصي من الموحّدين، كما جاء في الحديث: حديث : أنّهم يقال لهم الجهنميون في الجنّة، ومنهم الخالدون وهم المشركون والكفّارتفسير : . وجملة {إنّ ربّك فعّال لما يريد} استئناف بيانيّ ناشىء عن الاستثناء، لأنّ إجمال المستثنى ينشىء سؤالاً في نفس السّامع أن يقول: ما هو تعيين المستثنى أو لماذا لم يكن الخلود عاماً. وهذا مظهر من مظاهر التفويض إلى الله. وأمّا الاستثناء الثاني الواقع في جانب {الذّين سعدوا} فيحتمل معنيين: أحدهما أن يراد: إلاّ ما شاء ربك في أوّل أزمنة القيامة، وهي المدّة التي يدخل فيها عصاة المؤمنين غير التّائبين في العذاب إلى أن يعفو الله عنهم بفضله بدون شفاعة، أو بشفاعة كما في الصّحيح من حديث أنس: «حديث : يدخل ناسٌ جهنّم حتى إذا صاروا كالحُمَمَة أخرجوا وأدخلوا الجنّة فيقال: هؤلاء الجهنميون»تفسير : . ويحتمل أن يقصد منه التّحذير من توهّم استحقاق أحد ذلك النعيم حقاً على الله بل هو مظهر من مظاهر الفضل والرّحمة. وليس يلزم من الاستثناء المُعلّق على المشيئة وقوع المشيئة بل إنّما يقتضي أنّها لو تعلّقت المشيئة لوقع المستثنى، وقد دلّت الوعود الإلهية على أنّ الله لا يشاء إخراج أهل الجنة منها. وأيّاً ما كان فهم إذا أدخلوا الجنّة كانوا خالدين فيها فلا ينقطع عنهم نعيمها. وهو معنى قوله: {عطاء غير مجذوذ}. والمجذوذ: المقطوع. وقرأ الجمهور {سَعِدوا} ـ بفتح السّين ـ، وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف ـ بضم السّين ـ على أنّه مبني للنائب، وإن كان أصل فعله قاصراً لا مفعول له؛ لكنّه على معاملة القاصر معاملة المتعدّي في معنى فُعِل به ما صيّره صاحب ذلك الفعل، كقولهم: جُنّ فلان، إذا فُعل به ما صار به ذَا جنون، فـ{سُعِدوا} بمعنى أسعدوا. وقيل: سَعِد متعدّ في لغة هذيل وتميم، يقولون: سَعِدَه اللّهُ بمعنى أسْعَدَهُ. وخُرّج أيضاً على أن أصله أسعدوا، فحُذف همز الزيادة كما قالوا مجنُوب (بموحدة في آخره)، ومنه قولهم: رجل مَسعود.

د. أسعد حومد

تفسير : (105) - وَحِينَ يَأْتِي يَوْمُ القِيَامَةِ بِأَهْوالِهِ، لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَتَكَلَّمَ إِلاَّ بِإذْنِ اللهِ، فَمِنْ أَهْلِ الجَمْعِ شَقِيٌّ بِمَا يَنْتَظِرُهُ مِنَ العَذَابِ، وَمِنْهُمْ سَعِيدٌ بِمَا يَنْتَظِرُهُ مِنَ النَّعِيمِ الذِي أَعَدَّهُ اللهُ لِلْمُتَّقِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا جمع الحق سبحانه جماعة في حكم واحد، فقوله تعالى: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ ..} [هود: 105]. يعني: لا تتكلم أي نفس إلا بإذن الله، وقد كانوا يتكلمون في الحياة الدنيا بطلاقة القدرة التي منحهم إياها الله سبحانه حين أخضع لهم جوارحهم. وجعل الحق سبحانه الجوارح مؤتمرة بأمر الإنسان؛ وشاء سبحانه أن يجعل بعضاً من خلقه نماذج لقدرته على سلب بعض تلك الجوارح؛ فتجد الأخرس الذي لا يستطيع الكلام؛ وتجد المشلول الذي لا يستطيع الحركة؛ وتجد الأعمى الذي لا يبصر، وغير ذلك.. وبتلك النماذج يتعرف البشر على حقيقة واضحة هي أن ما يتمتعون به من سيطرة على جوارحهم هو أمر موهوب لهم من الله تعالى؛ وليست مسألة ذاتية فيهم. وقول الحق سبحانه: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ..} [هود: 105]. يبيِّن لنا سبحانه حقيقة تسخير الجوارح لطاعتنا في الدنيا، فهي ترضخ لإرادتنا؛ لأنه سبحانه شاء أن يسخرها لأوامرنا ولانفعالاتنا، ولا أحد فينا يتكلم إلا في إطار الإذن العام للإرادة أن تنفعل لها الجوارح. وقد يسلب الله سبحانه هذا الإذن فلا تنفعل الجوارح للإرادة، فتجد الحق سبحانه يقول في آية أخرى: {أية : لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً}تفسير : [النبأ: 38]. ويقول الحق عز وجل في آية أخرى: {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ}تفسير : [الصافات: 27]. وهناك آية أخرى يقول فيها الحق سبحانه: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ}تفسير : [المرسلات: 35-36]. ويقول الحق سبحانه أيضاً: {أية : يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا ..}تفسير : [النحل: 111]. وفي موضع آخر يقول سبحانه: {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ}تفسير : [الصافات: 24]. وهكذا قد يُخيَّل للبعض أن هناك آيات تناقض بعضها؛ فهناك آيات تسمح بالكلام، وهناك آيات تنفي القدرة على الكلام. وأقول: يجب أن نفهم أن الكلام الذي سيعجز الأشقياء عن نطقه يوم القيامة هو الكلام المجدي النافع، وسيتكلم البعض كلام السفسطة الذي لا يفيد، مثل لومهم بعضهم البعض؛ وذكره لنا القرآن في قوله سبحانه: {أية : وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا ..}تفسير : [فصلت: 29]. وهذا كلام لا يشفع لصاحبه ولا يجدي. إذن: فالممنوع هو الكلام المجدي المفيد، أو أن مقامات القيامة متفاوتة؛ فوقت يتكلمون فيه؛ ووقت يؤخذون فيه، فينبهرون ولا يتكلمون، ويأمر الحق سبحانه الجوارح المنفعلة أن تتكلم وتشهد عليهم. ويقسِّم الحق سبحانه أحوال الناس قسمين، كما في قوله تعالى في آخر الآية: {.. فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105]. وجاء بالاسم المحدد لكل من القسمين: "شقي" و"سعيد"؛ لأن الاسم يدل على الثبوت، فالشقاء ثابت لمن نُعت بالشقي؛ والسعادة ثابتة لمن نُعت بالسعيد. ثم يبيِّن لنا الحق سبحانه منازل مَنْ شَقُوا، ومنازل مَنْ سُعِدوا؛ ولذلك يعدل عن استخدام الاسم إلى استخدام الفعل، فيقول سبحانه: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ ...}.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [105] 266- أنا علي بن حجر، نا يزيد بن هارون، عن فطر، عن سلمة بن كُهيل، عن زيد بن وهب، ونا شريك، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، ونا شريك، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود قال: (حدثنا) رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: "حديث : إن خلق ابن آدم يُجْمع في بطن أُمِّه لأربعين ثم يكون عَلَقة مثل ذلك، ثم يكون مُضغة مثل ذلك، ثم يَبْعث إليه ملكا فيكتب أربعاً: أَجَله، وعمله ورزقه، وشقياٍّ أم سعيداً ".