Verse. 1596 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَلِلہِ غَيْبُ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ وَاِلَيْہِ يُرْجَعُ الْاَمْرُ كُلُّہٗ فَاعْبُدْہُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْہِ۝۰ۭ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُوْنَ۝۱۲۳ۧ
Walillahi ghaybu alssamawati waalardi wailayhi yurjaAAu alamru kulluhu faoAAbudhu watawakkal AAalayhi wama rabbuka bighafilin AAamma taAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولله غيب السماوات والأرض» أي علم ما غاب فيهما «وإليه يَرجع» بالبناء للفاعل يعود وللمفعول يرد «الأمر كله» فينتقم ممن عصى «فاعبده» وحده «وتوكل عليه» ثق به فإنه كافيك «وما ربك بغافل عما يعملون» وإنما يؤخرهم لوقتهم وفي قراءة بالفوقانية.

123

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} خاصة لا يخفى عليه خافية مما فيهما. {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ} فيرجع لا محالة أمرهم وأمرك إليه. وقرأ نافع وحفص و«يُرْجَعُ» على البناء للمفعول. {فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } فإنه كافيك. وفي تقديم الأمر بالعبادة على التوكل تنبيه على أنه إنما ينفع العابد. {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } أنت وهم فيجازي كلاً ما يستحقه. وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالياء هنا وفي آخر «النمل». عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ سورة هود أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح ومن كذب به وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وكان يوم القيامة من السعداء إن شاء الله تعالى».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } أي علم ما غاب فيهما {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ } بالبناء للفاعل: يعود، وللمفعول (يُرَدُّ) {ٱلأَمْرُ كُلُّهُ } فينتقم ممن عصى {فَٱعْبُدْهُ } وحِّده {وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } ثق به فإنه كافيك {وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } وإنما يؤخرهم لوقتهم. وفي قراءة (يعملون) بالتحتانية.

البقاعي

تفسير : ولما تضمن هذا التهديد العلم والقدرة، قال عاطفاً على ما تقديره: فلله كل ما شوهد من أمرنا وأمركم وأمر عالم الغيب والشهادة كله ما كان من ابتداء أمورنا {ولله} أي المحيط وحده بكل شيء مع ذلك {غيب السماوات والأرض} أي جميع ما غاب علمه عن العباد فهو تام العلم، ومنه ما ينهى عنه وإن ظن الجهلة أنه خارج عن قدرته لما أظهر من الزجر عنه ومن كراهيته. ولما كان السياق هنا لأنه سبحانه خلق الخلق ذواتهم ومعانيهم للاختلاف، وكان تهديدهم على المعاصي ربما أوهم أنه بغير إرادته، فكان ربما قال جاهل: أنا بريء من المخالفين لأوليائه كثيراً جداً، وعادة الخلق أن من خالفهم خارج عن أمرهم، كان الجواب على تقدير التسليم لهذا الأمر الظاهر: فله كان الأمر كله ظاهراً وباطناً {وإليه} أي وحده {يرجع} بعد أن كان ظهر للجاهل أن خرج عنه؛ والرجوع: ذهاب الشيء إلى حيث ابتدأ منه {الأمر كله} في الحال على لبس وخفاء، وفي المال على ظهور واتضاح وجلاء، فهو شامل القدرة كما هو شامل العلم، فلا بد من أن يرجع إليه أمرك وأمر أعدائك، أي يعمل فيه عمل من يرجع إليه الأمر فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولذلك سبب عن إسناد الأمور كلها إليه قوله: {فاعبده} أي وحده عبادة لا شوب فيها {وتوكل} معتمداً في أمورك كلها {عليه} فإنه القوي المتين، وفي تقديم الأمر بالعبادة على التوكل تنبيه على أنه إنما ينفع العابد. ولما كانت العادة جارية بأن العالم قد يغفل، نزه عن ذلك سبحانه نفسه فقال مرغباً مرهباً: {وما ربك} أي المحسن إليك بما يعمله بإحاطة عمله إحساناً، وأغرق في النفي فقال: {بغافل عما تعملون*} ولا تهديد أبلغ من العلم، وهذا بعينه مضمون قوله تعالى {أية : كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير الا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير}تفسير : [هود 1 - 2].

القشيري

تفسير : عمَّى عن قلوبهم العواقبَ، وأخفى دونهم السوابق، وألزمهم القيامَ بما كَلَّفهم في الحال، فقال: {فَٱعْبُدْهُ} فإنْ تقسَّمَ القلبُ وتَرَجَّمَ الظَنُّ وخيف سوءُ العاقبة.. فتوكَّلْ عليه أي اسْتَدْفِعْ البلاَءَ عنك بِحُسْنِ الظَّنِّ، وجميل الأمل، ودوام الرجاء. {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}: أحاط بكل شيءٍ عِلْماً، وأمضى في كل أمرٍ حُكْماً.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} غيب سماوات الارواح وغيب ارض القلوب يعلم ما اودع الارواح من علوم كنوز الذات ويعلم ما اودع القلوب من اسرار الصفات وايضا غيب السماوات ما فى قلوب الملائكة من علوم المقادير التى تجرى بنعوت القضاء والقدر على افعال العباد وغي الارض علوم معرفة ذاته وصفاته فى قلوب الانبياء والمرسلين والعارفين والصادقين وقوله {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ} الامر هو الارواح يرجع اليه على قدر مشاربها من عيون الصفات وانوار الذات ثم رغبة الى عبوديته التى تورث الحرية والحرية تورث التوحيد والتوحيد يورث التجريد والتجريد يورث التفريد والتفريد يورث المحو فى الذات والصحو فى الصفات فاذا === هذه المقامات يؤمنه من زوال الشرف ومحو المحو عنه به فقال {وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} اى هو حسبك ارجع من قهره الى لطفه ومنه اليه ولذلك قال صلى الله عليه وسلم اعوذ بك منك قال النهرجورى فى قوله ولله غيب === لا يعلمها الا هو ولا يطلع عليه الا الامناء من عباده وهم الذين يصلحون القرب والمجالسة وحفظ الاسرار والنظر الى المغيبات وهم الذين لم يبق عليهم منهم حظ ولا لهم فيهم مطالبة فكانوا بلا كون وشهدوا بلا شهود بل يكونون بالتكوين ويشهدون بالاشهاد فلا هم هم ولا هم لا هم فهم من حيث الوجود ولا هم من حيث الاتحاد هؤلاء اهل الغيبة الذين غيبوا عنهم فلا لهم فى انفسهم حظ ولا للخلق اليهم سبيل لانهم اخرجوا عن حدود التفرقة الى عين الجمع فلا ثم كلام ولا عنه عبارة بحال وقيل فى قوله واليه يرجع الامر كله مرجع الكل لان منه مبدأ الكل فاعبده اسقط عنك حظوظ نفسك وقف مع الامر بشرط الادب والسنة وتوكل عليه لا تهتم بما قد كفيته واهتم بما ندبت اليه وما ربك بغافل عما يعملون كيف يغفل عنك من قدر عليك عملك وما انت لاقيه الى آخر انفاسك والله اعلم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولله} اللام للاختصاص {غيب السموات والارض} الغيب فى الاصل مصدر واضافة المصدر من صيغ العموم والاضافة بمعنى فى اى يختص به علم ما غاب فيهما عن العباد وخفى عليهم علمه فكيف يخفى عليه اعمالكم {واليه} تعالى وحده {يرجع الامر كله} بضم الياء وفتح الجيم بمعنى يرد وبفتح الياء وكسر الجيم بمعنى يعود عواقب الامور كلها يوم القيامة فيرجع امرك يا محمد وامر الكفار اليه فينتقم لك منهم {فاعبده} اى اطعه واستقم على التوحيد {وتوكل عليه} فوض اليه جميع امورك فانه كافيك وعاصمك من شرهم فعليك تبليغ ما اوحينا اليك بقلب فسيح غير مبال بعداوتهم وعتوهم وسفههم وفى تأخير الامر بالتوكل على الامر بالعبادة اشعار بانه لا ينفع بدونها {وما ربك بغافل عما تعملون} وكل عمل تعمله انت وهم اى الكفار فالله تعالى عالم به غير غافل عنه لان الغفلة والسهو لا يجوزان على من لا يخفى عليه شيء فى السماوات والارض فيجاوى كل منك ومنهم بموجب الاستحقاق وعن كعب الاحبار ان فاتحة التوراة سورة الانعام وخاتمتها هذه الآية وهى {ولله غيب السموات والارض} الخ اعلم ان علم الغيوب بالذات مختص بالله تعالى واما اخبار الانبياء والاولياء صلوات الله عليهم اجمعين فبواسطة الوحدة والالهام وتعليم الله تعالى. ومن هذا القبيل اخباره عليه السلام عن حال العشرة المبشرة. وكذا عن حال بعض الناس. وعن محمد بن كعب انه قال قال رسول الله صلى الله عليه "حديث : ان اول من يدخل من هذا الباب رجل من اهل الجنة " فدخل عبد الله ابن سلام فقام اليه الناس من اصحاب رسول الله فاخبروه بذلك قالوا لو اخبرتنا باوثق عمل ترجو به فقال انى ضعيف ومن اوثق ما ارجو به سلامة الصدر وترك ما لا يعنى. تفسير : وكذا اخباره عليه السلام عن اشراط الساعة وما يظهر فى آخر الزمان من غلبة البدع والهوى واماتة الصلاة واتباع الشهوات وعن سيد الطائفة جنيد البغدادى رحمه الله قال قال لى خالى سرى السقطى تكلم على الناس وكنت اتهم نفسى فى استحقاق ذلك ورأيت النبى عليه السلام وكان ليلة الجمعة فقال تكلم على الناس فانتبهت واتيت بابه العامى فقال لم تصدقنا حتى قيل لك فقعدت من غد للناس اى بطريق العظة والتذكير فقعد على غلام نصرانى متنكرا وقال ايها الشيخ ما معنى قوله عليه السلام "حديث : اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله" تفسير : قال فاطرقت رأسى ورفعت فقلت اسلم فقد حان وقت اسلامك فاسلم الغلام فمثل هذا العلم والوقوف على احوال الناس لا يحصل الا باخبار الله تعالى والا فكل ولى متحير فى امره وامر غيره كما قال المولى الجامى شعر : اى دل توكه آن فضولى وبو العجبى ازمن جه نشان عافيت مى طلبى سركشته بود خواه ولى خواه نبى در وادى وما أدرى ما يفعل بى تفسير : ثم ان التوكل عبارة عن الاعتصام به تعالى فى جميع الامور ومحله القلب وحركة الظاهر لا تنافى توكل القلب بعد ما تحقق عند العبد ان التقدير من قبل الله تعالى ويعتمدوا عليه كل الاعتماد لا على الجاه والعقل والاموال والاولاد فان الله تعالى خالق كل مخلوق وزارق كل مرزوق وفى الحديث "حديث : ما من زرع على الارض ولا ثمر على الاشجار الا وعليه مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم هذا رزق فلان ابن فلان" تفسير : وفى الحديث "حديث : خلق الله الارزاق قبل الاجساد بالف عام فبسطها بين السماء والارض فضربتها الرياح فوقعت فى مشارق الارض ومغاربها فمنهم من وقع رزقه فى الف موضع ومنهم من وقع فى مائة ومنهم من وقع على باب داره يغدو ويروح حتى يأتيه"تفسير : : قال المولى الجامى قدس سره شعر : حرص جه ورزى كه نبودت اوسود هيج دوشش كرد دوهشت تونه رنج طلب راهمه برخود مكير يطلبك الرزق كما تطلبه تفسير : وافضل العبادات فى مقام التوكل هو التوكل وفى مقام الرضى هو الرضى وفى مقام الفناء هوالفناء وعلى هذا ثم ان العبادة وان كثرت انواعها ولكن العبادة فى الحقيقة ترك العادات ومخالفة النفس بالمجاهدات والانقطاع عما سوى الله تعالى حتى يترقى العبد من مقام العبادة الى مقام العبودية ولا يحصل ذلك الا بكمال التوحيد وكمال التوحيد لا يحصل الا بالمداومة للعبادات والملازمة الى ذكر الله تعالى فى جميع الحالات شعر : يا رب ز دوكون بى تيازم كردان واز افسر فقر سر فرازم كردان درراه طلب مجرم رازم كردان زان ره كه نه سوى تست بازم كردان تفسير : والله ولى التوفيق واليه تعود العواقب على التحقيق تمت سورة هود بفضل الله الودود فى سحر ليلة السبت الرابع والعشرين من شهر ربيع الاول من سنة ثلاث ومائة والف

الطوسي

تفسير : قرأ نافع وحفص يرجع - بضم الياء وفتح الجيم - وقرأ أهل المدينة، وابن عامر، وحفص، ويعقوب {يعملون} بالياء - ها هنا، وفي النمل. الباقون بالتاء. من ضم الياء فلقوله {أية : ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق}،تفسير : والمعنى رد أمرهم الى الله. ومن فتح الياء فلقوله {أية : والأمر يومئذ لله}،تفسير : والمعنيان متقاربان. ومن قرأ بالتاء في {تعملون} جعل الخطاب للنبيّ ولأمته، وهو أعمّ فائده. ومن قرأ بالياء في {يعملون} جعل ذلك متوجهاً الى من تقدم ذكره من الكفار، وفيه ضرب من التهديد. أخبر الله تعالى في هذه الآية بأن له غيب السموات والارض، وخص الغيب بذلك لاحد امرين: احدهما - لان ذلك يدل على ان له شهادة ايضاً. الثاني - لعظم شأن الغيب الذي له. ومن كان له الغيب كان له الشهادة، والغيب كون الشيء بحيث لا يلحقه الحس، ومنه {أية : عالم الغيب والشهادة}. تفسير : أي عالم الموجود والمعدوم، وما يغيب عن احساس الناس وما يظهر لها، ومعنى {وإليه يرجع الأمر كله} أي يذهب الى حيث ابتدأ منه، فرجوع الأمر الى الله بالاعادة بعد النشأة الاولى. وقيل ترجع الأمور الى ان لا يملكها سواه تعالى - في قول أبي علي الجبائي. وقوله {فاعبده} أي وجه عبادتك اليه وحده {وما ربك بغافل عما تعملون} فالغفلة السهو، الا ان الغفلة يغلب عليها ان تكون بعد اليقظة، كالنوم بعد الانتباه، والسهو نقيض الذكر من غير علة في الصفة. والمعنى انه ليس ربك يا محمد صلى الله عليه وسلم بساه عن اعمال عباده، بل هو عالم بها ومجاز كلاً على ما يستحقه من ثواب أو عقاب، فلا يحزنك إعراضهم عنك، وترك قبولهم منك. وقال كعب الاحبار خاتمه التوراة خاتمه هود.

الجنابذي

تفسير : {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ} اثبات لمبدئيّته ومرجعيّته تمهيداً للامر بالعبادة ولذلك اتى بالفاء السّببيّة فيه اى اذا كان الامر كذلك {فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} انتم ومخالفوكم؛ ترغيب وتهديد وتعليل للعبادة.

اطفيش

تفسير : {وَلِلَّهِ} لا لغيره {غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} علم ما غاب فيهما عنكم أَو عنكم وعن غيركم لا يخفى عنه شىءٌ فيهما، لا يفوته عقابكم ولا بعضه، كما قال {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ} وحده {وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} فإِنه كافيك نعم المولى ونعم النصير، وإِنما ينفع التوكل العابد، العبادة لا تنفع بلا توكل، فردفها به، والتوكل لا ينفع بلا عبادة فقدمها عليه وأَيضا توكل عليه فى العبادة وغيرها ومنها التبليغ فبلغ ولا تبال بهم والله حافظك {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} يا محمد وأُمته المطيعين والعاصين، فيثيب كلا بما يستحق وليس تأْخير عقابكم عجزا أَو جهلا بعملكم وإِنما أَخرهم لأَجلهم الموعود ولا يتخلف، قال كعب الأَحبار "خاتمة التوراة خاتمة هود" ولا حول ولا قوة إِلا بالله العلى العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الالوسي

تفسير : {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي أنه سبحانه يعلم كل ما غاب في السماوات والأرض ولا يعلم ذلك أحد سواه جل وعلا {وَإِلَيْهِ} لا إلى غيره عز شأنه {يُرْجَعُ ٱلاْمْرُ} أي الشأن {كُلُّهُ} فيرجع لا محالة أمرك وأمرهم إليه. وقرأ أكثر السبعة {يُرْجَعُ} بالبناء للفاعل من رجع رجوعاً {فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} فانه سبحانه كافيك، والفاء لترتيب الأمر بالعبادة والتوكل على كون مرجع / الأمور كلها إليه، وقيل: على ذلك، وكونه تعالى عالماً بكل غيب أيضاً، وفي تأخير الأمر بالتوكل عن الأمر بالعبادة تنبيه على أن التوكل لا ينفع دونها وذلك لاْن تقدمه في الذكر يشعر بتقدمه في الرتبة أو الوقوع. وقيل: التقديم والتأخير لأن المراد من العبادة امتثال سائر الأوامر من الإرشاد والتبليغ وغير ذلك؛ ومن التوكل التوكل فيه كأنه قيل: امتثل ما أمرت به وداوم على الدعوة والتبليغ وتوكل عليه في ذلك ولا تبال بالذين لا يؤمنون ولا يضق صدرك منهم. {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} بتاء الخطاب على تغليب المخاطب، وبذلك قرأ نافع وأبو عامر وحفص وقتادة والأعرج وشيبة وأبو جعفر والجحدري أي وما ربك بغافل عما تعمل أنت وما يعملون هم فيجازي كلا منك ومنهم بموجب الاستحقاق، وقرأ الباقون من السبعة بالياء على الغيبة وذلك ظاهر، هذا وفي «زوائد الزهد» لعبد الله بن أحمد بن حنبل و«فضائل القرآن» لابن الضريس عن كعب أن فاتحة التوراة فاتحة الأنعام وخاتمتها خاتمة هود {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} إلى آخر السورة، والله تعالى أعلم. ومن باب الإشارة في الآيات: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ} كامل الشقاوة {و} منهم {أية : سعيد} تفسير : [هود: 105] كامل السعادة {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ }تفسير : [هود: 106] أي نار الحرمان عن المراد وآلام ما اكتسبوه من الآثام وهو عذاب النفس {خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبَّكَ} فيخرجون من ذلك إلى ما هو أشد منه من نيران القلب وذلك بالسخط والاذلال ونيران الروح وذلك بالحجب واللعن والقهر {أية : إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } تفسير : [هود: 107] لا حجر عليه سبحانه {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ} أي جنة حصول المرادات واللذات وهي جنة النفس {أية : خَـٰلِدِينَ فِيهَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآء رَبُّكَ } تفسير : [هود: 108] فيخرجون من ذلك إلى ما هو أعلى وأعلى من جنات القلب في مقام تجليات الصفات وجنات الروح في مقام الشهود وهناك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقد يحمل التنوين على النوعية ويؤول الاستثناء بخروج الشقي من النار بالترقي من مقامه إلى الجنة بزكاء نفسه عما حال بينه وبينها {فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} أي في القيام بحقوق الحق والخلق وذلك بالمحافظة على حقوقه تعالى والتعظيم لأمره والتسديد لخلقه مع شهود الكثرة في الوحدة والوحدة في الكثرة من غير إخلال ما بشرط من شرائط التعظيم {وَمَن تَابَ} عن إنيته وذنب وجوده {معك} من المؤمنين الموحدين إلى مقام البقاء بعد الفناء، وقيل: إن الاستقامة المأمور بها صلى الله عليه وسلم فوق الاستقامة المأمور بها من معه عليه الصلاة والسلام والعطف لا يقتضي أكثر من المشاركة في مطلق الفعل كما يرشد إليه قوله تعالى مطلق الفعل كما يرشد إليه قوله تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لآ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ }تفسير : [آل عمران: 18] على قول، ومن هنا قال الجنيد قدس سره: الاستقامة مع الخوف والرجاء حال العابدين والاستقامة مع الهيبة والرجاء حال المقربين والاستقامة مع الغيبة عن رؤية الاستقامة حال العارفين {أية : وَلاَ تَطْغَوْاْ }تفسير : [هود: 112] ولا تخرجوا عما حدّ لكم من الشريعة فإن الخروج عنها زندقة {وَلاَ تَرْكَنُواْ} أي لا تميلوا أدنى ميل {إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} وهي النفوس المظلمة المائلة إلى الشرور في أصل الخلقة كما قيل:شعر : الظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لم يظلم تفسير : وروي ذلك عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر رضي الله تعالى عنهم، وقيل: المعنى لا تقتدوا بالمرائين والجاهلين وقرناء السوء، وقيل: لا تصحبوا الأشرار ولا تجالسوا أهل البدع {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَي ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} أمر بإقامة الصلاة المفروضة على ما علمت، وقد ذكروا أن الصلاة معراج المؤمن، وفي الأخبار / ما يدل على علو شأنها والأمر غني عن البيان {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ }تفسير : [هود: 114] قال الواسطي: أنوار الطاعات تذهب بظلم المعاصي. وقال يحيـى بن معاذ: إن الله سبحانه لم يرض للمؤمن بالذنب حتى ستر ولم يرض بالستر حتى غفر ولم يرض بالغفران حتى بدل فقال سبحانه: {إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ} [هود: 114] وقال تعالى: {أية : فَأُوْلَٰـئِكَ يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ } تفسير : [الفرقان: 70] ذلك الذي ذكر من إقامة الصلاة في الأوقات المشار إليها وإذهاب الحسنات السيآت ذكرى للذاكرين تذكير لمن يذكر حاله عند الحضور مع الله تعالى في الصفاء والجمعية والأنس والذوق {وَٱصْبِرْ} بالله سبحانه في الاستقامة ومع الله تعالى بالحضور في الصلاة وعدم الركون إلى الغير {أية : فإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } تفسير : [هود: 115] الذين يشاهدونه في حال القيام بالحقوق {أية : فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [هود: 116] فيه حض على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } تفسير : [هود: 117] قيل: القرى فيه إشارة إلى القلوب {وَأَهْلُهَا} إشارة إلى القوى {وَلَوْ شَآء رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} متساوية في الاستعداد متفقة على دين التوحيد {أية : وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} تفسير : [هود: 118] في الوجهة والاستعداد {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} بهدايته إلى التوحيد وتوفيقه للكمال فإنهم متفقون في المذهب والمقصد متوافقون في السيرة والطريقة قبلتهم الحق ودينهم التوحيد والمحبة وإن اختلفت عباراتهم كما قيل:شعر : عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل إلى ذاك الجمال يشير تفسير : {وَلِذٰلِكَ} الاختلاف {خَلْقَهُمْ} وذلك ليكونوا مظاهر جماله وجلاله ولطفه وقهره، وقيل: ليتم نظام العالم ويحصل قوام الحياة الدنيا {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} أي أحكمت وأبرمت {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [هود: 119] لأن جهنم رتبة من مراتب الوجود لا يجوز في الحكمة تعطيلها وإبقاؤها في كتم العدم مع إمكانها {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآء ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} لما اشتملت عليه من مقاساتهم الشدائد من أممهم مع ثباتهم وصبرهم وإهلاك أعدائهم {وَجَآءكَ فِي هَـٰذِهِ} السورة {ٱلْحَقّ} الذي لا ينبغي المحيد عنه {أية : وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [هود: 120] وتخصيص هذه السورة بالذكر لما أشرنا إليه، وقيل: للتشريف، وإلا فالقرآن كله كذلك، والكل يغرف من بحره على ما يوافق مشربه، ومن هنا قيل: العموم متعلقون بظاهره والخصوص هائمون بباطنه وخصوص الخصوص مستغرقون في تجلي الحق سبحانه فيه {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} على اختلاف معانيها {وٱلأَرْضِ} كذلك {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلاْمْرُ كُلُّهُ} أي كل شأن من الشؤون فإن الكل منه {فَٱعْبُدْهُ} أسقط عنك حظوظ نفسك وقف مع الأمر بشرط الأدب {وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} لا تهتم بما قد كفيته واهتم بما ندبت إليه {أية : وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون} تفسير : [هود: 123] فيجازي كلاً حسبما تقتضيه الحكمة والله تعالى ولي التوفيق وبيده أزمة التحقيق لا رب غيره ولا يرجى إلا خيره. انتهى ما وفقنا له من تفسير سورة هود بمنّ من بيده الكرم والجود، ونسأله سبحانه أن ييسر لنا إتمام ما قصدناه، ويوفقنا لفهم معاني كلامه على ما يحبه ويرضاه، والحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على من لا نبي من بعده، وعلى آله وصحبه وجنده وحزبه، ما غردت الأقلام في رياض التحرير، ووردت الأفهام من حياض التفسير.

ابن عاشور

تفسير : كلام جامع وهو تذييل للسورة مؤذن بختامها، فهو من براعة المقطع. والواو عاطفة كلاماً على كلام، أوْ واو الاعتراض في آخر الكلام ومثله كثير. واللاّم في {لله} للملك وهو ملك إحاطة العلم، أي لله ما غاب عن علم الناس في السماوات والأرض. وهذا كلام يجمع بشارة المؤمنين بما وُعدوا من النعيم المغيب عنهم، ونذارة المشركين بما تُوعَدوا به من العذاب المغيب عنهم في الدنيا والآخرة. وتقديم المجروريْن في {ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر} لإفادة الاختصاص، أي الله لا غيره يملك غيب السماوات والأرض، لأنّ ذلك ممّا لا يشاركه فيه أحد. وإلى الله لا إلى غيره يرجع الأمر كله، وهو تعريض بفساد آراء الذين عبدوا غيره، لأنّ من لم يكن كذلك لا يستحق أن يعبد، ومن كان كذلك كان حقيقاً بأن يفرد بالعبادة. ومعنى إرجاع الأمر إليه: أنّ أمر التّدبير والنصر والخذلان وغير ذلك يرجع إلى الله، أي إلى علمه وقدرته، وإنْ حسَب الناس وهيّأوا فطالما كانت الأمور حاصلة على خلاف ما استعد إليه المستعد، وكثيراً ما اعتزّ العزيز بعزّته فلقي الخذلان من حيث لا يرتقب، وربّما كان المستضعفون بمحل العزة والنصرة على أولي العزة والقوة. والتعريف في {الأمر} تعريف الجنس فيعمّ الأمور، وتأكيد الأمر بـ{كله} للتّنصيص على العموم. وقرأ مَن عدا نافعاً {يرجع} ببناء الفعل بصيغة النائب، أي يرجع كل ذي أمر أمره إلى الله. وقرأه نافع بصيغة الفاعل على أن يكون (الأمر) هو فاعل الرجوع، أي يرجع هو إلى الله. وعلى كلتا القراءتين فالرجوع تمثيل لهيئة عجز الناس عن التصرف في الأمور حسب رغباتهم بهيئة متناول شيء للتصَرّف به ثم عدم استطاعته التصرف به فيرجعه إلى الحري بالتصرف به، أو تمثيل لهيئة خضوع الأمور إلى تصرف الله دون تصرّف المحاولين التصرف فيها بهيئة المتجوّل الباحث عن مكان يستقرّ به ثم إيوائه إلى المقرّ اللائق به ورجوعه إليه، فهي تمثيلية مكنية رُمز إليها بفعل {يرجع} وتعديته بـ{إليه}. وتفريع أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعبادة الله والتوكّل عليه على رجوع الأمر كله إليه ظاهر، لأنّ الله هو الحقيق بأن يعبد وأن يتوكّل عليه في كلّ مهم. وهو تعريض بالتخطئة للذين عبدوا غيره وتوكّلوا على شفاعة الآلهة ونفعها. ويتضمّن أمر النبي عليه الصلاة والسّلام بالدّوام على العبادة والتوكّل. والمراد أن يعبده دون غيره ويتوكّل عليه دون غيره بقرينة {وإليه يرجع الأمر كلّه}، وبقرينة التفريع لأنّ الذي يرجع إليه كل أمر لا يعقل أن يصرف شيء من العبادة ولا من التوكّل إلى غيره، فلذلك لم يؤْتَ بصيغة تدل على تخصيصه بالعبادة للاستغناء عن ذلك بوجوب سبب تخصيصه بهما. وجملة {وما ربك بغافل عَمّا تعملون} فذلكة جامعة، فهو تذييل لما تقدّم. والواو فيه كَالْوَاو في قوله: {ولله غيبُ السّماوات والأرض} فإنّ عدم غفلته عن أيّ عمل أنّه يعطي كل عامل جزاء عمله إنْ خيراً فخير وإنْ شراً فشرّ، ولذلك علّق وصف الغافل بالعمل ولم يعلّق بالذوات نحو: بغافل عنكم، إيماء إلى أنّ على العمل جزاء. وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، ويعقوب «عمّا تعملون» ـ بتاء فوقية ـ خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم والناس معه في الخطاب. وقرأ من عداهم بالمثنّاة التحتيّة على أن يعود الضمير إلى الكفّار فهو تسلية للنبي ـ عليه الصلاة والسّلام ـ وتهديد للمشركين.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 123- ولله - وحده - علم كل غيب فى السموات والأرض، فيعلم ما سيحل بكم، وما يكون لنا، وإليه وحده يرجع تصريف كل أمر من الأمور، وإذا كان الأمر كذلك، فاعبد - ربك وحده - وتوكل عليه، ولا تخش أحداً سواه، وما ربك بغافل عما تعملون جميعاً - أيها المؤمنون والكافرون - وسيجازى كلا بما يستحقه فى الدنيا والآخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {بِغَافِلٍ} (123) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ وَحْدَهُ الذِي يَعْلَمُ الغَيْبَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَأَنَّ المَرْجِعَ وَالمَآبَ إِلَيهِ، وَأَنَّهُ سَيُؤْتِي كُلَّ عَامِلٍ جَزَاءَ عَمَلِهِ يَوْمَ الحِسَابِ، فَلَهُ الخَلْقُ وَلَهُ الأَمْرُ كُلُّهُ. ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيهِ، فَإِنَّهُ كَافٍ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيهِ وَأَنَابَ إِلَيهِ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّهُ لاَ يَخْفَى عَلَى رَبِّكَ حَالُ مُكَذِّبِيكَ يَا مُحَمَّدُ، فَهُوَ عَالِمٌ، بِأَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَتَمَّ الجَزَاءِ، فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، وَسَيَنْصُرُكَ وَحِزْبَكَ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: أن ما جاء من ذكر حكيم هو أمر غائب عنكم، يخبركم به الله - سبحانه - من خلال ما يُنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد شاء الحق - سبحانه - أن يحفظ هذا الذِّكْر الحكيم، ثقة منه - سبحانه - أنه إذا أخبرنا في القرآن بخبر لم يجيء أوانه، فَلْنفهم أنه قد أخبر بما له من أزلية علم بالكون وما يجري فيه، وبما له من قدرة مطلقة تتحكم فيما يؤول إليه أمر المُختار من الكائنات - مؤمنهم وكافرهم - فإذا حدثنا القرآن بشيء مما يغيب عن الإنسان، فلنعلم أنه إخبار بصدق مطلق. وهناك الكثير مما يغيب عن الإنسان، وهناك حجاب بين وسائل إدراك الإنسان وبين بعض المُدْركات، ومرة يكون الحجاب حجابَ زمنٍ، فإذا أخبر الله - تعالى - عن أمر لم نشهده من قديم قد أَوْغَلَ في الزمن، ولم يقرأه النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب ولم يسمعه من معلِّم؛ فهذا كَشْف لحجاب الماضي. ولذلك فبعض سور القرآن الكريم يسميها العلماء "ماكُنات القرآن" مثل قوله الحق: {أية : وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}تفسير : [آل عمران: 44]. وغير ذلك من الآيات التي تبدأ بقوله الحق: {مَا كُنْتَ}. وقد كان هناك أناس في ذلك الماضي يدركون ما صار غيباً عن الرسول ومَنْ معه؛ لكن الحق - سبحانه - أظهر هذا الغيب للرسول الذي لم يجلس إلى مُعلِّم بشهادة أعدائه، وكذلك كشف الحق - سبحانه - لرسوله حجاب الزمان وحجاب المكان. ومَنْ ينكشف له حجاب الزمان وحجاب المكان؛ إنما ينكشف له حجاب المستقبل أيضاً، والذي كشف هذا هو الحق - سبحانه - الذي قدَّر مجيء هذا العالم، وما سوف يحدث فيه إلى أن تقوم الساعة. وقد طمر الحق - سبحانه - في القرآن أموراً لو كُشف عنها في زمن بَعْثة الرسول؛ لكان الحديث عنها فوق مستوى العقول والإدراك؛ وتحدث - سبحانه - عن وقائع مستقبلية بالنسبة للمعاصرين لرسول الله صلى عليه وسلم؛ لم يكن أحد يتوقعها. وكانت هناك معركة بين أرقى حضارتين معاصرتين للإسلام؛ حضارة فارس وحضارة الروم، وكانت الحضارتان تتنازعان السيطرة وتوسيع مناطق النفوذ. وهَزَمَتْ فارس - التي لا تؤمن بإله - امبراطورية الروم التي تعتنق المسيحية، ولا تؤمن برسالة محمد الخاتمة. لذلك حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهزيمة الذين يؤمنون بإله في السماء؛ فَيُسرِّي الله - سبحانه - الأمر على رسوله، ويُنزِل الحق - سبحانه - قرآناً يُتلَى على مَرِّ العصور وكل الأزمان؛ يحمل نبوءة انتصار الروم بعد هزيمتهم من الفرس. ويقول سبحانه: {أية : الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [الروم: 1-5]. هكذا تأتي النبوءة في القرآن تحمل التحديد لميعاد نصر الروم في بضع سنين؛ و"البِضْع" يقصد به من ثلاث لتسع سنوات. وإنْ قيل: تلك نبوءة محمد، نقول: ما عِلْم محمد بأخبار المعسكرين ولا بأسرار السياسة الداخلية لهما؟ وقد جاء نصر الروم كما حدد القرآن، وكان هذا هَتْكا للحجب، حجاب الزمان، وحجاب المكان، وحجاب الناس، وأوحى به الحق سبحانه عالم الغيب المطلق لرسوله صلى الله عليه وسلم. والغيب المطلق هو الذي لا يعرفه إلا الحق - تبارك وتعالى - وليس له مقدمات، ويكشفه الله لمن يرتضيه، مصداقاً لقوله - سبحانه: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ..}تفسير : [الجن: 26-27]. وهذا الغيب المطلق يختلف عن الغيب المقيّد الذي له مقدمات؛ ما إن يأخذ بها الإنسان ويرتبها حتى يصل إلى اكتشاف سرٍّ من أسرار الكون. والحق - سبحانه - هو القائل: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ ..}تفسير : [البقرة: 255]. وهكذا نعلم أن كل المكتشفات كانت موجودة في الكون ومطمورة فيه؛ وجعل الله - تعالى - لكل مستور منها ميلاداً، فالبخار واستخدامه في الحركات كان له ميلاد؛ والكهرباء كان لها ميلاد؛ واكتشاف الذرة كقوة ومصدر للطاقة كان له ميلاد، وكل مُكْتَشف ومُخْتَرع له ميلاد، وتتوالى مواليد الغيب مستقبلاً، وفي ميلادها إيمان اليقين بمن أخفاه وأظهره، وهو الله الحكيم. وقد يأتي هذا الميلاد بكشف وبحث؛ وقد يُظهره الله بدون بَحْث؛ أو يُظهره صدفة؛ مثلما أظهر قانون الطفو النابع من قاعدة "أرشميدس" ومثلما أظهر الحق - سبحانه - قانون الجاذبية صدفة؛ أي: أنه سبب من الأسباب جعل عبداً من عباده يبحث في شيء، فيظهر له شيء لم يكن يبحث عنه؛ ولذلك نسب الحق - سبحانه - الإحاطة له - سبحانه. وهنا يقول الحق - سبحانه: {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ ..} [هود: 123]. ولم يقل: "إليه يَرْجع الأمر كله"، لأنه سبحانه ضبط كل مخلوق على قدر. ولله المثل الأعلى: كما تضبط أنت المنبه على ميقات معين، وكما يضبط المقاتل القنبلة لتنفجر في توقيت معين، والكون كله مُرتَّب على هذا الترتيب. والله - سبحانه - القائل: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [يس: 82]. فكل شيء إنما يرجع إلى الله في التوقيت الذي شاءه الله. أو: أن الأمر هو كل ما يتعلق بكائن حي؛ لأن الحق - سبحانه - قد خلق في الكون أشياء وترك ملكيتها له - سبحانه - والحق - سبحانه - لا ينتفع بها، أما الإنسان فينتفع بها، وإن كان لا يقربها ولا يملكها، مثل: الشمس التي ترسل أشعتها، ويستفيد الإنسان بضوئها وحرارتها، وهي لا تدخل في ملكية الإنسان؛ لأنها من أساسيات الحياة؛ لذلك لم يجعل للإنسان الذي خَصَّه الله بخاصية الاختيار حق ملكيتها أو الاقتراب منها؛ حتى لا يعبث بها. وكذلك كل أساسيات الحياة جعلها الحق - سبحانه - في سلطته وحده، ولم يَأْمَنْ أحداً من خلقه عليها، مثل الأرض بعناصرها، وكذلك الماء والهواء حتى لا يعبث أحد بأنفاس الهواء لأحد آخر. شاء الحق سبحانه أن يجعل الأساسيات في يده دون أن يُملِّكها لأحد؛ رحمةً منه بنا، ذلك أنه - سبحانه - عَلِمَ أن الإنسان بما تعتريه من أغيار قد يسيء استخدام تلك الأساسيات. وسَخَّر الله هذه الأساسيات لخدمة كل المخلوقات، وسخَّر بعض المخلوقات ليسُوسها الإنسان، وبعض المخلوقات الآخر لم يستطع الإنسان تسخيره، وحتى قوة الإنسان نفسه؛ شاء الحق - سبحانه - أن يجعلها أغياراً؛ فالقوي يسير إلى الضَّعْف، والفقير قد يصبح غنياً. وهكذا يَثْبت لنا أن كل ما نملك موهوب لنا من الله - تعالى - وليس هناك ما هو ذاتيٌّ فِينا، وما نملكه اليوم لا يخرج عن الملكية الموقوتة، فإذا جاء يوم القيامة؛ رجع كل ما نملك لله - سبحانه وتعالى. ولذلك يقول الحق - سبحانه: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16]. ولذلك أيضاً تشهد الجوارح على الإنسان؛ لأنها تخرج عن التسخير الذي كانت عليه في الدنيا. وإذا كان الحق - سبحانه - يقول هنا: {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [هود: 123]. فهو - سبحانه - يقول في آية أخرى: {أية : لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ}تفسير : [طه: 6]. وكأن الحق - سبحانه - ينبه البشر منذ نزول القرآن إلى أهمية ما تحت الثرى من كنوز يمتنُّ الله - تعالى - بها على عباده أنه يملكها. ونحن نعيش الآن باستخراج المكنوز الذي تحت الثرى. وحين يقول الحق - سبحانه هنا - في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها -: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ ..} [هود: 123]. ففي ذلك تنبيه لكل إنسان، ليعمل مُسْتهدفاً النجاة حين لا يكون لنفسه على نفسه سبيل يوم القيامة. وليعلم كل إنسان أن كل ما يستمتع به هو من فيوضات الحق الأعلى الذي أعطى الإنسان قدرة من باطن قوته - سبحانه - وأعطاه غِنًى من باطن غِنَاه - سبحانه - وأعطاه حكمة من باطن حكمته - سبحانه - وأعطاه قبضاً وبسطاً من باطن قدرته - سبحانه - وكذلك أعطى لعبيده من كل صفة بعضاً من فَيْضها، ثم تظل الفيوضات للحق - سبحانه وتعالى. وحين يشاء فهو يسلب كل الفيوضات ويعود الأمر إليه، لأن الأمر كله له سبحانه. فإنْ حُدِّثتَ في القرآن بأمر تغيب عنك مقدماتُه، فاعلمْ أن الذي أنزل هذا الكتاب لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم على ثقة أن الحق - سبحانه - حين أمره أن يتوعد أعداء الدين فهو يُطمئنه أن المرجع في كل الأمور إليه - سبحانه. واطمأن الرسول صلى الله عليه وسلم والذين معه أن أعداء الدين إنْ لم يُجازَوْا في الدنيا، فغداً ترجع الأمور كلها إلى الله، وإن كان الحق قد مَلَّكهم أشياء؛ فسيسلُبهم هذه الملكية في الآخرة، وإنْ كان قد أعطاهم الخِيَار في الدنيا؛ خِيَار أنْ يؤمنوا ويطيعوا، أو أنْ يكفروا ويعصوا؛ فهذا الاختيار سيزول عنهم في الآخرة، وكل مالك لمُلْك يصير مُلْكه بعده إلى الله. وما دام الأمرُ كذلك فلنعبد الله وحده - سبحانه - لأنه صاحبُ الأمر فيما مضى؛ وله الأمر الآن؛ وله الأمر فيما يأتي. وهو - سبحانه - الذي شاء، فجعل للإنسان ثلاثةَ أزمان: زمان سَبقَ وجود آدم؛ وزمان من بعد آدم إلى وجود أيٍّ منا؛ ثم زمان مستقبل إلى ما لا نهاية؛ وبذلك يكون لكل منا زمان ماضٍ؛ وزمان حاضر وزمان مستقبل، وكل منا يدور في فلك الأحداث. ومن المنطقي بعد أن تستمتع بوجودك في الحياة؛ وتنضج عقلياً أن تتساءل عن ماضيك، وتاريخ الجنس البشري. وأنت - في هذه الحالة - تكون رَهْناً بثقة المحدِّث: هل يقول الصدق أم يقول الكذب؟ خُصوصاً إذا كان الحديث عن تاريخ ما قبل آدم، ولا بد أنْ تقول لنفسك: لا يمكن أن يُحدِّثني عن ذلك إلا مَنْ خلقني. وساعة يُبلِّغُكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بداية الخلق قائلاً: "حديث : كان الله، ولم يكُنْ شيء غيره ". تفسير : ومعنى ذلك أن الصادق الوحيد الذي يمكن أن نقبل منه كلاماً عمَّا فاتَ قبل آدم هو الله - سبحانه وتعالى. وإنْ سألتَ: لماذا وُجِدتُ في زمني هذا، ولم أوجد في زمن آخر؟ هنا ستقول لنفسك إنْ كنت مؤمناً: "إن مشيئة وإرادة مَنْ أوجدني هي التي رجَّحتْ وجودي في هذا الزمن عن أي زمن آخر". ولا بد أن تسأل نفسك: وما المطلوب مني؟ وستجد أن المطلوب منك هو حركة الحياة؛ لأن تلك الحركة هي الفاصل بين الحياة والموت، والحق يقول: {أية : هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ..}تفسير : [هود: 61]. فقد أعطاك الحق - سبحانه - العقل لتفكر، وأعطاك الطاقة لتفعل، وسخَّر لك الكون بالمطمور فيه من الرزق؛ لتستخرجه وتتعيش منه. وهكذا يتضح لك أن كل شيء يحتاج منك أن تتحرك، وأنت في حركتك تحتاج لطاقة تأخذها من الأعلى منك وتعطي للأدنى منك؛ لذلك أنت تأخذ طاقة من الأعلى منك، وتُعطي للأدنى منك. وأنت تعلم أن قمة المطلوب منك أن تُصلي بين يدي الله خمس مرات كل يوم؛ لتشحن طاقتك وتخرج للحياة بعد أن تُجدِّد ولاءك لمن خلقك وخلق الأكوان كلها، وإنْ أحسنتَ الوقوف بين يدي الله سيأتي مستقبلك مبنياً على هذا الإحسان. والحق - سبحانه - يعطينا مثلاً لهاتين الحركتين، فيقول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ..}تفسير : [الجمعة: 9]. هذه حركة يأخذ فيها الإنسان طاقة من الأعلى، فالسعي إلى ذكر الله وترك البيع من أجل ذلك يعطي الإنسان طاقة إيمانية، يظهر أثرها في الحركة الثانية من حركات الإنسان. ولذلك يقول الحق - سبحانه - بعد هذا: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}تفسير : [الجمعة: 10]. ولذلك يقول الحق - سبحانه - في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود: 123]. أي: أطِع الله في أمره؛ لأنه - سبحانه - الأعلى منك، بأن تؤدي المطلوب العبادي من: صلاة، وزكاة، وصيام، وحج إنِ استطعتَ لذلك سبيلاً، لتأخذ من المدد الأعلى ما يعينك في حركتك الثانية التي تتحركها في الكون. ومن العجيب أن حركتك في الكون الأدنى تُعينك على حركتك لاستمداد الطاقة من مُكوِّن الكون - سبحانه. فأنت حين تصلي تحتاج لِسَتْر عورتك بثوب، وحتى تأتي بالثوب لا بد لك من أن تعتمد على حركة الفلاح في الزراعة، وحركة العامل في النَسْج، وحركة التاجر في البيع، وحركتك في عملك الذي يتيح لك أجراً تشتري منه الثوب. وبذلك تكون قد أخذتَ كل علوم الحياة؛ لكي تذهب للصلاة لتأخذ المدد من المدد الأعلى. وهكذا تجد أنك في حركة دائرة؛ تأخذ المدد من الأعلى لتعطي الكون الأدنى، وتأخذ من الأدنى ما يتيح لك الوقوف بين يدي صاحب المدد الأعلى. وبهذا يثبت لك أن الحركة في الحياة الحاضرة لكل إنسان بالنسبة لعمره في الحياة، هي استقبال من المدد الأعلى، وانفعال مع المدد الأدنى، وكل منهما يعين على الآخر؛ لذلك فعليك أن تعبد الله بأن تنظِّم حركة حياتك على ضوء منهجه - سبحانه. واعلم أنه ستصادفك المصاعب فإن صادفتك فتوكل على الله، وتلك فائدة من فوائد استمرار ولائك لله الذي تأخذ منه المدد. ولذلك "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة ". تفسير : ومعنى "حزبه" أي خرج عن أسبابه، لذلك فهو يذهب إلى المسبب الأعلى، فإنْ عبدتَ الله وتوكلتَ عليه؛ فهو يعينك؛ لأنه - سبحانه لا يغفل عما نعمل. وهذه الآية تدلُّك على السعادة في الحاضر والمستقبل؛ لأنك إن كنت ترعى الله فسبحانه يكتب لك الحسنة بعشر أمثالها، وقد يضاعف عن ذلك، وتُكتب السيئة بمثلها. وبذلك تكون هذه الآية قد استوعبت وانتظمت حال الإنسان: قبل حياته، وحاضر حياته، ومستقبل حياته إلى أن تقوم الساعة. يقول الحق - سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ..}تفسير : [الأنفال: 24]. فدعوة الله بالطاعة، ودعوة الرسول بالسلوك السَّويّ يعطي للمؤمن حياة الحياة، وهي حياة تعيش في معية الله.