١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : وقد ذكرنا في أول سورة يونس تفسير: { أية : الر تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ } تفسير : [يونس: 1] فقوله: {تِلْكَ } إشارة إلى آيات هذه السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة المسماة {الر } هي {ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ إِنَّا } وهو القرآن، وإنما وصف القررن بكونه مبيناً لوجوه: الأول: أن القرآن معجزة قاهرة وآية بينة لمحمد صلى الله عليه وسلم. والثاني: أنه بين فيه الهدى والرشد، والحلال والحرام، ولما بينت هذه الأشياء فيه كان الكتاب مبيناً لهذه الأشياء. الثالث: أنه بينت فيه قصص الأولين وشرحت فيه أحوال المتقدمين. ثم قال: {إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون وفيه مسائل: المسألة الأولى: روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين، سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر، وعن كيفية قصة يوسف، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وذكر فيها أنه تعالى عبر عن هذه القصة بألفاظ عربية، ليتمكنوا من فهمها ويقدروا على تحصيل المعرفة بها. والتقدير: إنا أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف في حال كونه قرآناً عربياً، وسمى بعض القرآن قرآناً، لأن القرآن اسم جنس يقع على الكل والبعض. المسألة الثانية: احتج الجبائي بهذه الآية على كون القرآن مخلوقاً من ثلاثة أوجه: الأول: أن قوله: {إنا أنزلناه} يدل عليه، فإن القديم لا يجوز تنزيله وإنزاله وتحويله من حال إلى حال، الثاني: أنه تعالى وصفه بكونه عربياً والقديم لا يكون عربياً ولا فارسياً. الثالث: أنه لما قال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْانًا عَرَبِيّا } دل على أنه تعالى كان قادراً على أن ينزله لا عربياً، وذلك يدل على حدوثه. الرابع: أن قوله: {تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ } يدل على أنه مركب من الآيات والكلمات، وكل ما كان مركباً كان محدثاً. والجواب عن هذه الوجوه بأسرها أن نقول: إنها تدل على أن المركب من الحروف والكلمات والألفاظ والعبارات محدث وذلك لا نزاع فيه، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر فسقط هذا الاستدلال. المسأل الثالثة: احتج الجبائي بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } فقال: كلمة «لعل» يجب حملها على الجزم والتقدير: إنا أنزلناه قرآناً عربياً لتعقلوا معانيه في أمر الدين، إذ لا يجوز أن يراد بلعلكم تعقلون؟ الشك لأنه على الله محال، فثبت أن المراد أنه أنزله لإرادة أن يعرفوا دلائله، وذلك يدل على أنه تعالى أراد من كل العباد أن يعقلوا توحيده وأمر دينه، من عرف منهم، ومن لم يعرف، بخلاف قول المجبرة. والجواب: هب أن الأمر ما ذكرتم إلا أنه يدل على أنه تعالى أنزل هذه السورة، وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة ولكن لم قلتم إنها تدل على أنه تعالى أراد من الكل الإيمان والعمل الصالح.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {الۤر} تقدّم القول فيه؛ والتقدير هنا: تلك آيات الكتاب، على الابتداء والخبر. وقيل: «الۤر» ٱسم السورة؛ أي هذه السورة المسماة «الر» {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} يعني (بالكتاب المبين) القرآن المبين؛ أي المبين حلاله وحرامه، وحدوده وأحكامه وهُداه وبركته. وقيل: أي هذه تلك الآيات التي كنتم توعدون بها في التوّراة.
البيضاوي
تفسير : {الر تِلْكَ ءايَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } {تِلْكَ } إشارة إلى آيات السورة وهي المراد بـ {ٱلْكِتَـٰبِ }، أي تلك الآيات آيات السورة الظاهرة أمرها في الإِعجاز أو الواضحة معانيها، أو المبينة لمن تدبرها أنها من عند الله، أو لليهود ما سألوا إذ روي أن علماءهم قالوا لكبراء المشركين سلوا محمداً لم أنتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف عليه السلام فنزلت: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ } أي الكتاب. {قُرْءاناً عَرَبِيّاً } سمى البعض {قُرْءاناً } لأنه في الأصل اسم جنس يقع على الكل والبعض وصار علماً للكل بالغلبة، ونصبه على الحال وهو في نفسه إما توطئة للحال التي هي {عَرَبِيّاً } أو حال لأنه مصدر بمعنى مفعول، و {عَرَبِيّاً } صفة له أو حال من الضمير فيه أو حال بعد حال وفي كل ذلك خلاف. {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } علة لإنزاله بهذه الصفة أي أنزلناه مجموعاً أو مقروءاً بلغتكم كي تفهموه وتحيطوا بمعانيه، أو تستعملوا فيه عقولكم فتعلموا أن اقتصاصه كذلك ممن لم يتعلم القصص معجز لا يتصور إلا بالإِيحاء. {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} أحسن الاقتصاص لأن اقتص على أبدع الأساليب، أو أحسن ما يقص لاشتماله على العجائب والحكم والآيات والعبر فعل بمعنى مفعول كالنقص والسلب، واشتقاقه من قص أثره إذا أتبعه {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} أي بإيحائنا. {هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ} يعني السورة، ويجوز أن يجعل هذا مفعول نقص على أن أحسن نصب على المصدر. {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ } عن هذه القصة لم تخطر ببالك ولم تقرع سمعك قط، وهو تعليل لكونه موحى وإن هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة. {إِذْ قَالَ يُوسُفُ } بدل من {أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ } إن جعل مفعولاً بدل الاشتمال، أو منصوب باضمار اذكر و {يُوسُفَ } عبري ولو كان عربياً لصرف. وقرىء بفتح السين وكسرها على التلعب به لا على أنه مضارع بني للمفعول أو الفاعل من آسف لأن المشهورة شهدت بعجمته. {لأَبِيهِ } يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام وعنه عليه الصلاة السلام «حديث : الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم»تفسير : . {يَا أَبَتِ} أصله يا أبي فوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في الزيادة ولذلك قلبها هاء في الوقف ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وكسرها لأنها عوض حرف يناسبها، وفتحها ابن عامر في كل القرآن لأنها حركة أصلها أو لأنه كان يا أبتا فحذف الألف وبقي الفتحة، وإنما جاز «يا أبتا» ولم يجز يا أبتي لأنه جمع بين العوض والمعوض. وقرىء بالضم إجراء لها مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء من غير اعتبار التعويض، وإنما لم تسكن كأصلها لأنها حرف صحيح منزل منزلة الاسم فيجب تحريكها ككاف الخطاب. {إِنّى رَأَيْتُ} من الرؤيا لا من الرؤية لقوله: {أية : لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ }تفسير : [يوسف: 5] ولقوله: {أية : هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَـٰى مِن قَبْلُ }تفسير : [يوسف: 100] {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ }. روي عن جابر رضي الله تعالى عنه (أن يهودياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أخبرني يا محمد عن النجوم التي رآهن يوسف، فسكت فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بذلك فقال إذا أخبرتك هل تسلم قال نعم، قال جريان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له فقال اليهودي إي والله إنها لأسماؤها) {رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ} استئناف لبيان حالهم التي رآهم عليها فلا تكرير وإنما أجريت مجرى العقلاء لوصفها بصفاتهم. {قَالَ يَـا بُنَيَّ} تصغير ابن صغرهَ للشفقة أو لصغر السن لأنه كان ابن اثنتي عشرة سنة. وقرأ حفص هنا وفي «الصافات» بفتح الياء. {لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا } فيحتالوا لإِهلاكك حيلة، فهم يعقوب عليه السلام من رؤياه أن الله يصطفيه لرسالته ويفوقه على إخوته، فخاف عليه حسدهم وبغيهم والرؤيا كالرؤية غير أنها مختصة بما يكون في النوم، فرق بينهما بحرفي التأنيث كالقربة والقربى وهي انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك، والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ، فتتصور بما فيها مما يليق بها من المعاني الحاصلة هناك، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة، ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية استغنت الرؤيا عن التعبير وإلا احتاجت إليه، وإنما عدى كاد باللام وهو متعد بنفسه لتضمنه معنى فعل يتعدى به تأكيداً ولذلك أكد بالمصدر وعلله بقوله: {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلإِنْسَـٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة لما فعل بآدم عليه السلام وحواء فلا يألوا جهداً في تسويلهم وإثارة الحسد فيهم حتى يحملهم على الكيد.
ابن كثير
تفسير : أما الكلام على الحروف المقطعة، فقد تقدم في أول سورة البقرة. وقوله: {تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ} أي: هذه آيات الكتاب، وهو القرآن المبين، أي: الواضح الجلي الذي يفصح عن الأشياء المبهمة، ويفسرها ويبينها { إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها، وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدىء إنزاله في أشرف شهور السنة، وهو رمضان، فكمل من كل الوجوه، ولهذا قال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ} بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن. وقد ورد في سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن جرير: حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، حدثنا حكام الرازي عن أيوب، عن عمرو، هو ابن قيس الملائي، عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا؟ فنزلت: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ}، ورواه من وجه آخر عن عمرو بن قيس مرسلاً. وقال أيضاً: حدثنا محمد بن سعيد القطان، حدثنا عمرو بن محمد، أنبأنا خالد الصفار عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن. قال: فتلاه عليهم زماناً، فقالوا: يارسول الله لو قصصت علينا؟ فأنزل الله عز وجل: { الۤر تِلْكَ ءايَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ} إلى قوله: {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ثم تلاه عليهم زماناً، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا، فأنزل الله عز وجل: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} تفسير : [الزمر: 23] الآية، وذكر الحديث، ورواه الحاكم من حديث إسحاق بن راهويه عن عمرو بن محمد القرشي المنقري به، وروى ابن جرير بسنده عن المسعودي، عن عون بن عبد الله قال: مل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مَلَّة فقالوا: يا رسول الله حدثنا، فأنزل الله {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} ثم ملوا ملة، أخرى، فقالوا: يا رسول الله حدثنا فوق الحديث، ودون القرآن، يعنون: القصص، فأنزل الله عز وجل: {الۤر تِلْكَ ءايَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} الآية، فأرادوا الحديث، فدلهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص. ومما يناسب ذكره عند هذه الآية الكريمة المشتملة على مدح القرآن، وأنه كاف عن كل ما سواه من الكتب، ما رواه الإمام أحمد: حدثنا سريج بن النعمان، أنبأنا هشيم، أنبأنا مجالد عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال: فغضب وقال: «حديث : أمتهوّكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق، فتكذبونه، أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيّاً ما وسعه إلا أن يتبعني»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان عن جابر، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن ثابت: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً. قال: فسري عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى، ثم اتبعتموه وتركتموني، لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين»تفسير : وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير، حدثنا علي بن مُسْهِر عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن خليفة بن قيس، عن خالد بن عرفطة قال: كنت جالساً عند عمر، إذ أتي برجل من عبد القيس، مسكنه بالسوس، فقال له عمر: أنت فلان بن فلان العبدي؟ قال: نعم. قال: وأنت النازل بالسوس؟ قال: نعم، فضربه بقناة معه، قال: فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال له عمر: اجلس، فجلس، فقرأ عليه {بسم الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ الۤر تِلْكَ ءايَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} - إلى قوله - {لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} فقرأها عليه ثلاثاً، وضربه ثلاثاً، فقال له الرجل: ما لي ياأمير المؤمنين؟ فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال. قال: مرني بأمرك أتبعه، قال: انطلق فامحه بالحميم والصوف الأبيض، ثم لا تقرأه ولا تقرئه أحداً من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته، أو أقرأته أحداً من الناس، لأنهكنك عقوبة، ثم قال له: اجلس، فجلس بين يديه، فقال: انطلقت أنا فانتسخت كتاباً من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما هذا في يدك يا عمر؟» تفسير : قال: قلت: يا رسول الله كتاب نسخته لنزداد به علماً إلى علمنا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه، ثم نودي بالصلاة جامعة، فقالت الأنصار: أغضب نبيكم صلى الله عليه وسلم؟ السلاح السلاح، فجاؤوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي اختصاراً، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية، فلا تتهَّوكوا، ولا يغرنكم المتهوكون» تفسير : قال عمر: فقمت فقلت: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبك رسولاً، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رواه ابن أبي حاتم في تفسيره مختصراً من حديث عبد الرحمن بن إسحاق به، وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وعبد الرحمن بن إسحاق هو أبو شيبة الواسطي، وقد ضعفوه وشيخه. قال البخاري: لا يصح حديثه، قلت: وقد روي له شاهد من وجه آخر، فقال الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي: أخبرني الحسن بن سفيان، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي، حدثني عمرو بن الحارث، حدثنا عبد الله بن سالم الأشعري عن الزبيدي، حدثنا سليم ابن عامر: أن جبير بن نفير حدثهم: أن رجلين كانا بحمص في خلافة عمر رضي الله عنه، فأرسل إليهما فيمن أرسل من أهل حمص، وكانا قد اكتتبا من اليهود صلاصفة، فأخذاها معهما يستفتيان فيها أمير المؤمنين يقولون: إن رضيها لنا أمير المؤمنين ازددنا فيها رغبة، وإن نهانا عنها رفضناها، فلما قدما عليه، قالا: إنا بأرض أهل الكتاب، وإنا نسمع منهم كلاماً تقشعر منه جلودنا، أفنأخذ منه أو نترك؟ فقال: لعلكما كتبتما منه شيئاً؟ فقالا: لا، قال: سأحدثكما: انطلقت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتيت خيبر، فوجدت يهودياً يقول قولاً أعجبني، فقلت: هل أنت مكتبي مما تقول؟ قال: نعم، فأتيت بأديم، فأخذ يملي علي حتى كتبت في الأكرُع، فلما رجعت قلت: يا نبي الله وأخبرته. قال: «حديث : ائتني به» تفسير : فانطلقت أرغب عن المشي رجاء أن أكون جئت رسول الله ببعض ما يحب، فلما أتيت به قال: «حديث : اجلس اقرأ علي» تفسير : فقرأت ساعة، ثم نظرت إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يتلون، فتحيرت من الفَرَق، فما استطعت أن أجيز منه حرفاً، فلما رأى الذي بي، رفعه، ثم جعل يتبعه رسماً رسماً، فيمحوه بريقه، وهو يقول: «حديث : لا تتبعوا هؤلاء؛ فإنهم قد هوكوا وتهوكوا» تفسير : حتى محا آخره حرفاً حرفاً. قال عمر رضي الله عنه: فلو علمت أنكما كتبتما منه شيئاً، جعلتكما نكالاً لهذه الأمة، قالا: والله ما نكتب منه شيئاً أبداً، فخرجا بصلاصفتهما، فحفرا لها، فلم يألوا أن يعمقا، ودفناها، فكان آخر العهد منها، وهكذا روى الثوري عن جابر بن يزيد الجعفي عن الشعبي عن عبد الله ابن ثابت الأنصاري عن عمر بن الخطاب بنحوه، وروى أبو داود في المراسيل من حديث أبي قلابة عن عمر نحوه، والله أعلم. قوله تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ }. يقول تعالى: اذكر لقومك يا محمد في قصصك عليهم من قصة يوسف إذ قال لأبيه، وأبوه هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» تفسير : انفرد بإخراجه البخاري، فرواه عن عبد الله بن محمد عن عبد الصمد به، وقال البخاري أيضاً: حدثنا محمد، أنبأنا عبدة عن عبيد الله عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: الناس أكرم؟ قال: «حديث : أكرمهم عند الله أتقاهم» تفسير : قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «حديث : فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله» تفسير : قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: «حديث : فعن معادن العرب تسألوني؟» تفسير : قالوا: نعم. قال: «حديث : فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» تفسير : ثم قال: تابعه أبو أسامة عن عبيد الله. وقال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي، وقد تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام: أن الأحد عشر كوكباً عبارة عن إخوته، وكانوا أحد عشر رجلاً سواه، والشمس والقمر عبارة عن أمه وأبيه. روي هذا عن ابن عباس والضحاك وقتادة وسفيان الثوري وعبد الرحمن ابن زيد بن أسلم، وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة، وقيل: ثمانين سنة، وذلك حين رفع أبويه على العرش، وهو سريره، وإخوته بين يديه {أية : وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَـٰىۤ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا} تفسير : [يوسف: 100] وقد جاء في حديث تسمية هذه الأحد عشر كوكباً، فقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني علي بن سعيد الكندي، حدثنا الحكم بن ظهير عن السدي عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من يهود يقال له بستانة اليهودي، فقال له: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له، ما أسماؤها؟ قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ساعة فلم يجبه بشيء. ونزل عليه جبريل عليه السلام، فأخبره بأسمائها، قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فقال: «حديث : هل أنت مؤمن إذا أخبرتك بأسمائها؟» تفسير : فقال: نعم. قال: «حديث : جريان، والطارق، والذيال، وذو الكنفات، وقابس، ووثاب، وعمودان، والفليق، والمصبح، والضروح، وذو الفرغ، والضياء، والنور» تفسير : فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها. ورواه البيهقي في الدلائل من حديث سعيد بن منصور عن الحكم بن ظهير. وقد روى هذا الحديث الحافظان أبو يعلى الموصلي وأبو بكر البزار في مسنديهما، وابن أبي حاتم في تفسيره، أما أبو يعلى، فرواه عن أربعة من شيوخه عن الحكم بن ظهير به، وزاد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما رآها يوسف، قصها على أبيه يعقوب، فقال له أبوه: هذا أمر متشتت يجمعه الله من بعد، - قال - والشمس أبوه، والقمر أمّه» تفسير : تفرد به الحكم بن ظهير الفزاري، وقد ضعفه الأئمة، وتركه الأكثرون، وقال الجوزجاني: ساقط، وهو صاحب حديث حُسْن يوسف، ثم ذكر الحديث المروي عن جابر: أن يهودياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكواكب التي رآها يوسف، ما أسماؤها؟ وأنه أجابه، ثم قال: تفرد به الحكم بن ظهير، وقد ضعفه الأربعة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {الر } اللّهُ أعلم بمراده بذلك {تِلْكَ } هذه الآيات {ءَايَاتُٱلْكِتَٰبِ } القرآن، والإضافة بمعنى( مِنْ) {ٱلْمُبِينُ } المظهر للحق من الباطل.
الشوكاني
تفسير : قوله: {الر }: قد تقدّم الكلام فيه في فاتحة سورة يونس، والإشارة بقوله: {تِلْكَ } إلى آيات السورة، و{الكتاب المبين}: السورة، أي: تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم. والمبين من أبان، بمعنى بان، أي: الظاهر أمره في كونه من عند الله وفي إعجازه، أو المبين بمعنى: الواضح المعنى بحيث لا يلتبس على قارئه وسامعه، أو المبين لما فيه من الأحكام. {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ }: أي الكتاب المبين حال كونه {قُرْءاناً عَرَبِيّاً }، فعلى تقدير أن الكتاب: السورة تكون تسميتها قرآناً باعتبار أن القرآن اسم جنس يقع على الكل، وعلى البعض، وعلى تقدير أن المراد بالكتاب كل القرآن، فتكون تسميته قرآناً واضحة، و{عربياً} صفة لـ {قرآناً}، أي: على لغة العرب، {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } أي: لكي تعلموا معانيه، وتفهموا ما فيه. {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ } القصص: تتبع الشيء، ومنه قوله تعالى: {أية : وَقَالَتْ لاخْتِهِ قُصّيهِ } تفسير : [القصص: 11]، أي: تتبعي أثره وهو مصدر، والتقدير: نحن نقصّ عليك قصصاً أحسن القصص، فيكون بمعنى الاقتصاص، أو بمعنى المفعول، أي: المقصوص، {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } أي: بإيحائنا إليك {هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ } وانتصاب القرآن على أنه صفة لاسم الإشارة، أو بدل منه، أو عطف بيان، وأجاز الزجاج الرفع على تقدير مبتدأ، وأجاز الفراء الجرّ، ولعل وجهه أن يقدّر حرف الجرّ في {بما أوحينا} داخلاً على اسم الإشارة، فيكون المعنى: نحن نقص عليك أحسن القصص بهذا القرآن، {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ } "إن" هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة بينها وبين النافية، والضمير في {من قبله} عائد على الإيحاء المفهوم من أوحينا، والمعنى: أنك قبل إيحائنا إليك من الغافلين عن هذه القصة. واختلف في وجه كون ما في هذه السورة هو أحسن القصص، فقيل: لأن ما في هذه السورة من القصص يتضمن من العبر والمواعظ والحكم ما لم يكن في غيرها. وقيل: لما فيها من حسن المحاورة، وما كان من يوسف عليه السلام من الصبر على أذاهم وعفوه عنهم، وقيل: لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والجنّ والإنس والأنعام والطير وسير الملوك والمماليك، والتجار، والعلماء والجهال، والرجال والنساء وحيلهنّ ومكرهنّ. وقيل: لأن فيها ذكر الحبيب والمحبوب، وما دار بينهما. وقيل: إن {أحسن} هنا بمعنى: أعجب. وقيل: إن كل من ذكر فيها كان مآله السعادة. قوله: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ } "إذ" منصوب على الظرفية بفعل مقدّر، أي: اذكر وقت قال يوسف. قرأ الجمهور: {يوسف} بضم السين، وقرأ طلحة بن مصرف بكسرها مع الهمز مكان الواو، وحكى ابن زيد الهمز وفتح السين، وهو غير منصرف للعجمة والعلمية. وقيل: هو عربي، والأول أولى بدليل عدم صرفه، {لأبِيهِ } أي: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم {يا أبت} بكسر التاء في قراءة أبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ونافع وابن كثير، وهي عند البصريين علامة التأنيث ولحقت في لفظ أب في النداء خاصة بدلاً من الياء وأصله: يا أبي، وكسرها للدلالة على أنها عوض عن حرف يناسب الكسر، وقرأ ابن عامر بفتحها؛ لأن الأصل عنده يا أبتا، ولا يجمع بين العوض والمعوّض، فيقال: يا أبتى، وأجاز الفراء (يا أبت) بضم التاء، {إِنّى رَأَيْتُ} من الرؤيا النومية لا من الرؤية البصرية كما يدل عليه {لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ }. قوله: {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا } قرىء بسكون العين تخفيفاً لتوالي الحركات، وقرأ بفتحها على الأصل {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } إنما أخرهما عن الكواكب لإظهار مزيتهما وشرفهما، كما في عطف جبريل وميكائيل على الملائكة. وقيل: إن الواو بمعنى: "مع"، وجملة: {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } مستأنفة لبيان الحالة التي رآهم عليها. وأجريت مجرى العقلاء في الضمير المختص بهم لوصفها بوصف العقلاء، وهو كونها ساجدة، كذا قال الخليل وسيبويه، والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل، إذا أنزلوه منزلته. {قَالَ يَـا بَنِى لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ} الرؤيا مصدر رأى في المنام، رؤيا على وزن فعلى، كالسقيا والبشرى وألفه للتأنيث ولذلك لم يصرف. نهى يعقوب عليه السلام ابنه يوسف عن أن يقصّ رؤياه على إخوته؛ لأنه قد علم تأويلها وخاف أن يقصها على إخوته فيفهمون تأويلها ويحصل منهم الحسد له، ولهذا قال: {فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا } وهذا جواب النهي وهو منصوب بإضمار أن، أي: فيفعلوا لك، أي: لأجلك كيداً مثبتاً راسخاً لا تقدر على الخلوص منه، أو كيداً خفياً عن فهمك. وهذا المعنى الحاصل بزيادة اللام آكد من أن يقال: فيكيدوا كيداً. وقيل: إنما جيء باللام لتضمينه معنى الاحتيال المتعدى باللام، فيفيد هذا التضمين معنى الفعلين جميعاً، الكيد والاحتيال، كما هو القاعدة في التضمين أن يقدر أحدهما أصلاً والآخر حالاً، وجملة: {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلإِنْسَـٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } مستأنفة، كأن يوسف عليه السلام قال: كيف يقع منهم؟ فنبهه بأن الشيطان يحملهم على ذلك؛ لأنه عدو للإنسان مظهر للعدواة، مجاهر بها. قوله: {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } أي مثل ذلك الاجتباء البديع الذي رأيته في النوم من سجود الكواكب والشمس والقمر يجتبيك ربك، ويحقق فيك تأويل تلك الرؤيا، فيجعلك نبياً، ويصطفيك على سائر العباد، ويسخرهم لك كما تسخرت لك تلك الأجرام التي رأيتها في منامك فصارت ساجدة لك. قال النحاس: والاجتباء: أصله من جبيت الشيء حصلته، ومنه جبيت الماء في الحوض جمعته، ومعنى الاجتباء: الاصطفاء، وهذا يتضمن الثناء على يوسف، وتعديد نعم الله عليه، ومنها: {وَيُعَلّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } أي: تأويل الرؤيا. قال القرطبي: وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا، وقد كان يوسف عليه السلام أعلم الناس بتأويلها. وقيل المراد: ويعلمك من تأويل أحاديث الأمم والكتب. وقيل المراد به: إحواج إخوته إليه. وقيل: إنجاؤه من كل مكروه، وقيل: إنجاؤه من القتل خاصة. {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } فيجمع لك بين النبوة والملك، كما تدل عليه هذه الرؤيا التي أراك االله، أو يجمع لك بين خيري الدنيا والآخرة {وَعَلَىٰ ءالِ يَعْقُوبَ } وهم قرابته من إخوته وأولاده ومن بعدهم، وذلك أن الله سبحانه أعطاهم النبوة كما قاله جماعة من المفسرين، ولا يبعد أن يكون إشارة إلى ما حصل لهم بعد دخولهم مصر، من النعم التي من جملتها كون الملك فيهم، مع كونهم أنبياء {كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ } أي: إتماماً مثل إتمامها على أبويك: وهي نعمة النبوّة عليهما، مع كون إبراهيم اتخذه الله خليلاً، ومع كون إسحاق نجاه الله سبحانه من الذبح وصار لهما الذرية الطيبة وهم: يعقوب، ويوسف، وسائر الأسباط. ومعنى {مِن قَبْلُ } من قبل هذا الوقت الذي أنت فيه، أو من قبلك، وإبراهيم وإسحق عطف بيان لأبويك، وعبر عنهما بالأبوين مع كون أحدهما جداً وهو إبراهيم؛ لأن الجدّ أب، {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ } بكل شيء {حَكِيمٌ } في كل أفعاله. والجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها تعليلاً له، أي فعل ذلك لأنه عليم حكيم، وكان هذا كلام من يعقوب مع ولده يوسف تعبيراً لرؤياه على طريق الإجمال، أو علم ذلك من طريق الوحي، أو عرفه بطريق الفراسة وما تقتضيه المخايل اليوسفية. وقد أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: {تِلْكَ ءايَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } قال: بين الله حلاله وحرامه، وأخرج ابن جرير عن معاذ قال: بين الله الحروف التي سقطت عن ألسن الأعاجم، وهي ستة أحرف، وأخرج الحاكم عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا {قرآناً عربياً}، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهاماً»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: نزل القرآن بلسان قريش، وهو كلامهم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قالوا يا رسول الله، لو قصصت علينا، فنزلت: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ }. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود مثله. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ } قال: من الكتب الماضية، وأمور الله السالفة في الأمم {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ } أي: من قبل هذا القرآن {لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ }. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ } قال: القرآن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا } قال: رؤيا الأنبياء وحي. وأخرج سعيد بن منصور، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والعقيلي، وابن حبان في الضعفاء، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال: «جاء بستاني اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ساجدة له ما أسماؤها؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشيء، فنزل عليه جبريل فأخبره بأسمائها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهودي فقال: حديث : هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟، قال: نعم، قال: خرثان، والطارق، والذيال، وذو الكنفات، وقابس، ووثاب، وعمودان، والفيلق، والمصبح، والضروح، وذو الفرغ، والضياء، والنور: رآها في أفق السماء ساجدة له، فلما قص يوسف على يعقوب قال: هذا أمر مشتت يجمعه الله من بعد»تفسير : ، فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها. هكذا ساقه السيوطي في الدر المنثور. وأما ابن كثير فجعل قوله: «فلما قص...» إلخ رواية منفردة؛ وقال: تفرد بها الحكم بن ظهيرة الفزاري، وقد ضعفوه وتركه الأكثرون. وقال الجوزجاني: ساقط. وقال ابن الجوزي: هو موضوع. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا } قال: إخوته {والشمس} قال: أمه، {والقمر} قال: أبوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن السديّ نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } قال: يصطفيك. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد {وَيُعَلّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } قال: عبارة الرؤيا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد {وَيُعَلّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } قال: تأويل العلم والحلم، وكان يوسف من أعبر الناس. وأخرج ابن جرير عن عكرمة {كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ } قال: فنعمته على إبراهيم: أن نجاه من النار، وعلى إسحاق: أن نجاه من الذبح.
الماوردي
تفسير : قوله عزوجل: {الر تلك آيات الكتاب المبين}فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أنها الآيات المتقدم ذكرها في السورة التي قبلها. الثاني: الآيات التي في هذه السورة، ويكون معنى قوله تعالى {تلك آيات الكتاب المبين}أي هذه آيات الكتاب المبين. الثالث: أن تلك الآيات إشارة إلى ما افتتحت به السورة من الحروف وأنها علامات الكتاب العربي، قاله ابن بحر. وفي قوله تعالى: {الكتاب المبين}ثلاثة تأويلات: أحدها: المبين حلاله وحرامه، قاله مجاهد. الثاني: المبين هداه ورشده، قاله قتادة. الثالث: المبين للحروف التي سقطت من ألسن الأعاجم وهي ستة أحرف، قاله معاذ. قوله عز وجل: {إنا أنزلناه قرآناً عربياً}فيه وجهان: أحدهما: إنا أنزلنا الكتاب قرآناً عربياً بلسان العرب، وهو قول الجمهور. الثاني: إنا أنزلنا خبر يوسف قرآناً، أي مجموعاً عربياً أي يعرب عن المعاني بفصيح من القصص وهو شاذ. {لعلكم تعقلون}. {نحن نقص عليك أحسن القصص}أي نبين لك أحسن البيان، والقاصّ الذي يأتي بالقصة على حقيقتها.
ابن عطية
تفسير : تقدم القول في فواتح السور، و {الكتاب} القرآن، ووصفه بـ {المبين} قيل: من جهة أحكامه وحلاله وحرامه، وقيل: من جهة مواعظه وهداه ونوره، وقيل: من جهة بيان اللسان العربي وجودته إذ فيه ستة أحرف لم تجتمع في لسان - روي هذا القول عن معاذ بن جبل - ويحتمل أن يكون مبيناً لنبوة محمد بإعجازه. والصواب أنه "مبين" بجميع هذه الوجوه. والضمير في قوله: {أنزلناه} لـ {الكتاب}، والإنزال: إما بمعنى الإثبات، وإما أن تتصف به التلاوة والعبارة؛ وقال الزجاج: الضمير في {أنزلناه} يراد به خبر يوسف. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقوله: {لعلكم} يحتمل أن تتعلق بـ {أنزلناه} أي أنزلناه لعلكم، ويحتمل أن تتعلق بقوله: {عربياً} أي جعلناه {عربياً لعلكم تعقلون}، إذ هو لسانكم. و {قرآناً} حال، و {عربياً} صفة له، وقيل: إن {قرآناً} بدل من الضمير - وهذا فيه نظر - وقيل: {قرآناً} توطئة للحال و {عربياً} حال، وهذا كما تقول: مررت بزيد رجلاً صالحاً، وقوله: {نحن نقص عليك} الآية، روى ابن مسعود أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا: لو قصصت علينا يا رسول الله، فنزلت هذه الآية، ثم ملوا ملة أخرى فقالوا: لو حدثتنا يا رسول الله، فنزلت {أية : الله نزل أحسن الحديث كتاباً} تفسير : [الزمر: 23]. و {القصص}: الإخبار بما جرى من الأمور، كأن الأنباء تتبع بالقول، وتقتص بالأخبار كما يقتص الآخر، وقوله: {بما أوحينا إليك} أي بوحينا. و {القرآن} نعت لـ {هذا}، ويجوز فيه البدل، وعطف البيان فيه ضعيف. و {إن} هي المخففة من الثقيلة واللام في خبرها لام التأكيد - هذا مذهب البصريين - ومذهب أهل الكوفة أن {إن} بمعنى ما، واللام بمعنى إلا. والضمير في {قبله} للقصص العام لما في جميع القرآن منه. و {من الغافلين}، أي عن معرفة هذا القصص. ومن قال: إن الضمير في {قبله} عائد على {القرآن}، جعل {من الغافلين} في معنى قوله تعالى: {أية : ووجدك ضالاً فهدى} تفسير : [الضحى: 7] أي على طريق غير هذا الدين الذي بعثت به، ولم يكن عليه السلام في ضلال الكفار ولا في غفلتهم لأنه لم يشرك قط، وإنما كان مستهدياً ربه عز وجل موحداً، والسائل عن الطريق المتخير يقع عليه في اللغة اسم ضال.
ابن عبد السلام
تفسير : {تِلْكَ ءَايَاتُ} هذه السورة، أو السورة التي قبلها، أو إشارة إلى ما افتتح به السورة من الحروف، علامات {الْكِتَابِ} العربي {الْمُبِينِ} حلاله وحرامه، أو هداه ورشده، أو المبين للأحرف الساقطة من ألسنة الأعاجم وهي ستة قاله معاذ بن جبل ـ رضي الله تعالى عنه ـ.
النسفي
تفسير : {الر تِلْكَ ءايَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } {تلك} إشارة إلى آيات هذه السورة، و{الكتاب المبين} السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب، أو التي تبين لمن تدبَّرها أنها من عند الله لا من عند البشر، أو الواضحة التي لا تشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبيِّن فيها ما سألت عنه اليهود من قصة يوسف عليه السلام، فقد رُوي أن علماء اليهود قالوا للمشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف عليه السلام {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْانًا عَرَبِيّا } أي أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف عليه السلام في حال كونه قرآناً عربياً، وسمي بعض القرآن قرآنا لأنه اسم جنس يقع على كله وبعضه {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } لكي تفهموا معانيه {أية : ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته}تفسير : [فصلت: 44] {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ } نبين لك أحسن البيان. والقاص الذي يأتي بالقصة على حقيقتها عن الزجاج، وقيل: القصص يكون مصدراً بمعنى الاقتصاص نقول: قص الحديث يقصه قصصاً، ويكون فعلاً بمعنى مفعول كالنفض والحسب، فعلى الأول معناه نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ } أي بإيحائنا إليك هذه السورة على أن يكون {أحسن} منصوباً نصب المصدر لإضافته إليه والمقصوص محذوف لأن {بما أوحينا إليك هذا القرآن} مغن عنه. والمراد بأحسن الاقتصاص أنه اقتص على أبدع طريقة وأعجب أسلوب فإنك لا ترى اقتصاصه في كتب الأولين مقارباً لاقتصاصه في القرآن. وإن أريد بالقصص المقصوص فمعناه نحن نقص عليك أحسن ما يقص من الأحاديث، وإنما كان أحسن لما يتضمن من العبر والحكم والعجائب التي ليس في غيره. والظاهر أنه أحسن ما يقتص في بابه كما يقال «فلان أعلم الناس» أي في فنه، واشتقاق القصص من قص أثره إذا تبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ } الضمير يرجع إلى {ما أوحينا} {لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ } عنه «إن» مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية يعني وإن الشأن والحديث كنت من قبل إيحائنا إليك من الجاهلين به .
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {آلر} تقدم تفسيره في أول سورة يونس عليه الصلاة والسلام {تلك} إشارة إلى آيات هذه السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة المسماة بالر هذه {آيات الكتاب المبين} وهو القرآن أي البين حلاله وحرامه وحدوده وأحكامه وقال قتادة: مبين بينه الله ببركته وهداه ورشده فهذا من بان أي ظهر، وقال الزجاج: مبين الحق من الباطل والحلال من الحرام فهذا من أبان بمعنى أظهر وقيل إنه يبين فيه قصص الأولين وشرح أحوال المتقدمين {إنا أنزلناه} يعني هذا الكتاب {قرآناً عربياً} أي أنزلناه بلغتكم لكي تعلموا معانيه وتفهموا ما فيه وقيل لما قالت اليهود لمشركي مكة سلوا محمداً صلى الله عليه وسلم عن أمر يعقوب وقصة يوسف وكانت عند اليهود بالعبرانية فأنزل الله هذه السورة وذكر فيها قصة يوسف بالعربية لتفهمها العرب ويعرفوا معانيها والتقدير إنا أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف في حال كونه عربياً فعلى هذا القول يجوز إطلاق اسم القرآن على بعضه لأنه اسم جنس يقع على الكل والبعض واختلف العلماء هل يمكن أن يقال في القرآن شيء بغير العربية، فقال أبو عبيدة: من زعم أن في القرآن لساناً غير العربية فقد قال بغير الحق وأعظم على الله القول واحتج بهذه الآية إنا أنزلناه قرآناً عربياً. وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة: أن فيه من غير لسان العربية مثل سجيل والمشكاة واليم واستبرق ونحو ذلك وهذا هو الصحيح المختار لأن هؤلاء أعلم من أبي عبيده بلسان العرب وكلا القولين صواب إن شاء الله تعالى ووجه الجمع بينهما أن هذه الألفاظ لما تكلمت بها العرب ودارت على ألسنتهم صارت عربية فصيحة وإن كانت غير عربية في الأصل لكنهم لما تكلموا بها نسبت إليهم وصارت لهم لغة، فظهر بهذا البيان صحة القولين وأمكن الجمع بينهما {لعلكم تعقلون} يعني تفهمون أيها العرب لأنه نازل بلغتكم قوله تعالى: {نحن نقص عليك أحسن القصص} الأصل في معنى القصص اتباع الخبر بعضه بعضاً والقاص هو الذي يأتي بالخبر على وجهه وأصله في اللغة من قص الأثر إذا تتبعه وإنما سميت الحكاية قصة لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئاً فشيئاً والمعنى نحن نبين لك يا محمد أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية أحسن البيان وقيل المراد منه قصة يوسف عليه الصلاة والسلام خاصة وإنام سماها أحسن القصص لما فيها من العبر والحكم والنكت والفوائد التي تصلح للدين والدنيا وما فيها من سير الملوك والمماليك والعلماء ومكر النساء والصبر على أذى الأعداء وحسن التجاوز عنهم بعد اللقاء وغير ذلك من الفوائد المذكورة في هذه السورة الشريفة. قال خالد بن معدان: سورة يوسف وسورة مريم يتفكه بهما أهل الجنة في الجنة. قال عطاء: لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استراح إليها. وقوله تعالى: {بما أوحينا إليك} يعني بإيحائنا إليك يا محمد {هذا القرآن وإن كنت} أي وقد كنت {من قبله} يعني من قبل وحينا إليك {لمن الغافلين} يعني عن هذه القصة وما فيها من العجائب قال سعد بن أبي وقاص: أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زماناً فقالوا يا رسول الله لو حدثتنا فأنزل الله عز وجل: {أية : الله نزل أحسن الحديث}تفسير : [الزمر: 23] فقالوا يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله تعالى: {نحن نقص عليك أحسن القصص} فقالوا يا رسول الله لو ذكرتنا فأنزل الله عز وجل: {أية : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله}تفسير : [الحديد: 16].
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {يا أبت} بفتح التاء والوقف بالهاء: يزيد وابن عامر. وقرأ ابن كثير ويعقوب بكسر التاء والوقف بالهاء. الباقون بالكسر في الحالين {أحد عشر} بسكون العين: يزيد وابن عباس والخزاز {لي ساجدين} بفتح الياء: الأعشى والبرجمي {يا بني} بفتح الياء أياً كان: حفص والمفضل. الباقون بكسرها {رؤياك} بالإمالة: عليّ غير قتيبة وليث. وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وقرأ يزيد وأبو عمر غير شجاع، وورش من طريق الأصبهاني والأعشى وحمزة في الوقف بغير همزة {آية للسائلين} على التوحيد: ابن كثير: الآخرون {آيات} على الجمع. {يخل لكم} بالإدغام: شجاع من طريق أبي غالب وأبو شعيب {غيابات} وما بعده على الجمع: أبو جعفر ونافع. الباقون {غيابة} على التوحيد {لا تأمنا} بغير إشمام ضمة النون: يزيد والحلواني عن قالون. الآخرون بإشمام {الذئب} وما بعده بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعشى وورش وخلف وعلي وحمزة في الوقف {يرتع ويلعب} بالياء فيهما وبالجزم: عاصم وحمزة وعليّ وخلف. بكسر العين في الأول: أبو جعفر ونافع. بالنون فيهما بالجزم: ابن عامر وأبو عمرو. وبكسر العين: ابن كثير سوى الهاشمي وأبي ربيعة عن قنبل فإنهما {نرتعي} بالكسر مع الياء بعده {نرتع ويلعب} بالجزم فيهما مع النون في الأول والياء في الثاني: يعقوب عن رويس {ليحزنني أن} بفتح الياء أبو جعفر ونافع وابن كثير. وقرأ نافع {ليحزنني أن} بفتح الياء أيضاً ولكن من باب الأفعال {بل سولت} وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام. {يا بشرى} بالإمالة غير مضافة: حمزة وعليّ وخلف وحماد والخزاز عن هبيرة. {يا بشرى} بغير إمالة وإضافة: عاصم غير حماد والخزاز. الباقون {يا بشراي} بالإضافة إلى ياء المتكلم. الوقوف: {آلر} قف كوفي {المبين} ه ط كوفي أيضاً وغيرهم لا يقفون عليها لأنهم يجعلون إنا جواب معنى القسم في {آلر} {القرآن} ق والوصل أصح لأن الواو للحال {الغافلين} ه {ساجدين} ه {كيداً} ط {مبين} ه {وإسحق} ط {حكيم} ه {للسائلين} ه {عصبة} ط {مبين} ه ج والعربية توجب الوقف وإن قيل إن الابتداء به لا يحسن {صالحين} ه {فاعلين} ه {لناصحون} ه {لحافظون} ه {غافلون} ه {لخاسرون} ه {في غيابة الجب} ج لاحتمال أن يكون جواب "لما" محذوفاً والواو في {وأوحينا} للاستئناف تقديره فعلوا وأمضوا عليه، وأن تكون الواو مقحمة والجواب {أوحينا} {لا يشعرون} ه {يبكون} ه ط {فأكله الذئب} ج لابتداء النفي مع واو العطف {صادقين} ه {كذب} ط {أمراً} ط {جميل} ط {تصفون} ه {دلوه} ط {غلام} ط {بضاعة} ط {يعملون} ه {معدودة} ج لاحتمال الواو والحال {الزاهدين} ه. التفسير: قال في الكشاف: {تلك} إشارة إلى {آيات} السورة و{الكتاب المبين} السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، أو التي بين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر، أو الواضحة التي لا يشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبين فيها ما سألت اليهود عنه من قصة يوسف، فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف. أقول: مدار هذه التفاسير على أن أبان لازم ومتعد يقال: أبان الشيء وأبان هو بنفسه {إنا أنزلناه} أي هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف يعني هذه السورة في حال كونه {قرآناً عربياً} والقرآن اسم جنس يقع على كله وعلى بعضه. وقوله: {قرآناً عربياً} يسمى حالاً موطئة لأن المراد وصفه بالعربية. احتج الجبائي بإنزال القرآن وبكونه عربياً وآيات على أن أنه محدث لأن هذه من أوصاف المحدثات. وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الألفاظ وإنما النزاع في الكلام النفس ومعنى {لعلكم تعقلون} إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم لأنه بلغتكم. قال الجبائي: فيه دليل على أنه أراد من المكلفين كلهم أن يعقلوا توحيده وأمر دينه. وأجيب بأن الآية لا تدل إلا على أنه أنزل هذه السورة وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة، ولا دلالة فيه على أنه أراد من الكل الإيمان العمل الصالح. قال أهل اللغة: القصص اشتقاقه من قص أثره إذا اتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، ومثله التلاوة لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية، ثم إن كان القصص مصدراً بمعنى الاقتصاص فيكون {أحسن} مثله لإضافته إلى المصدر، ويكون المفعول أي المقصوص محذوفاً وهو الوحي لدلالة {أوحينا} عليه، أو يكون هذا القرآن مفعوله ومفعول {أوحينا} محذوفاً كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إياه إليك. وعلى هذا فالحسن يرجع إلى المنطق لا إلى القصة. وحسن المنطق كونه على أبدع طريق وأعجب أسلوب لأن هذه الحكاية مقتصة في كتب الأولين وفي كتب التواريخ ولم يبلغ شيء منه إلى حد الإعجاز، وإن أريد بالقصص المقصوص كما يراد بالنبأ والخبر المنبأ والمخبر، فالحسن يرجع إلى القصة ولا سيما فيما يرجع إلى صلاح حال المكلف في الدارين، ووجه حسنها اشتمالها على الغرائب والعجائب والنكت والعبر وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن ما قضى الله كائن لا محالة لا يردّه كيد كائد ولا حسد حاسد. ويروى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا. فأنزل الله عز وجل {أية : الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً}تفسير : [الزمر: 23] ثم إنهم ملوا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله {نحن نقص عليك أحسن القصص} كل ذلك يؤمرون بالقرآن {وإن كنت} هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة. والمعنى وإن الشأن كنت أنت من قبل إيحائنا إليك {لمن الغافلين} عن هذ القصة أو عن الدين والشريعة {إذ قال} بدل اشتمال من أحسن القصص لأن الوقت مشتمل على القصص فإذاً قص وقته فقد قص المقصوص أو منصوب بإضمار "اذكر". و{يوسف} ليس عربياً على الأصح إذ لا سبب فيه بعد التعريف إلا العجمة فهو اسم عبراني، ومن ظن أنه من آسف يؤسف بناء على أنه قرىء بكسر السين وبفتحها فيوجد فيه وزن الفعل أيضاً فقد أخطأ، لأن القراءة المشهورة تأباه ولن يكون الاسم عربياً تارة وأعجمياً أخرى. وهذا الخلاف روي في "يونس" أيضاً. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم"تفسير : قال النحويون: التاء في {يا أبت} عوض من ياء الإضافة وهي للتأنيث لأنها قد تقلب هاء في الوقف. ويجوز إلحاق التاء بالمذكر نحو "حمامة" ذكر والكسرة فيه لمناسبة الياء التي هي بدل منها. والفتحة إما فتحة الياء فيمن يفتحها أو الفتحة الباقية بعد حذف الألف من ياء يا أبتا {إني رأيت} هو من الرؤيا التي تختص بالمنام لا من الرؤية التي تشمل اليقظة بدليل قول يعقوب له {ولا تقصص رؤياك} ولأن ذلك لو كان في اليقظة لكانت آية عظيمة ولم تخف على أحد. من قرأ {أحد عشر} بسكون العين فلكراهة توالي المتحركات فيما هو في حكم كلمة، وكذا الى تسعة عشر إلا اثني عشر لئلا يلتقي ساكنان. قال في الكشاف: روى جابر أن يهودياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل فأخبره بذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم لليهودي:إن أخبرتك هل تسلم؟ قال: نعم. قال: جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين. رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له. فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها. وأقول: إن أكثر هذه الأسماء ليست مما اشتهر عند أهل الهيئة، فإن صح الخبر فهي من العلوم التي تفرد بها الأنبياء. وإفراد الشمس والقمر من الكواكب بعد ذكرها دليل على شرفهما كقوله {أية : وملائكته وجبريل وميكائيل}تفسير : [البقرة: 98] وإنما كرر الفعل لطول الكلام أو على تقدير سؤال كأنه قيل له: كيف رأيتها؟ فقال: رأيتهم لي ساجدين. والظاهر أن هذه السجدة كانت بمعنى وضع الجبهة إذ لا مانع من حملها على الحقيقة لكنها كانت على وجه التواضع. وإنما أجريت الكواكب مجرى العقلاء في عود الضمير إليها لأن السجود من شأن العقلاء كقوله للأصنام: {أية : وتراهم ينظرون إليك}تفسير : [الأعراف: 198] وعند الفلاسفة هم أحياء ناطقة فلا حاجة إلى العذر. عبر أبوه رؤياه بأن إخوته سيسجدون له وهم أحد عشر، وكذا أبواه وهما الشمس والقمر. وقيل: هما أبوه وخالته لأن أمه لم تدخل مصر وتوفيت قبل ذلك. وعن وهب أن يوسف رأى - وهو ابن سبع سنين - أن إحدى عشرة عصاً طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة التي حول القمر وهي الهالة، وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك. ثم رأى - وهو ابن اثنتي عشرة سنة - الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل. وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة. وقيل ثمانون. قال علماء التعبير: إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب كيلا يبقى المؤمن في الغم والحزن، والرؤيا الجيدة يبطىء أثرها لتكون بهجة المؤمن أدوم. قوله {فيكيدوا} منصوب بإضمار "أن" جواباً للنهي. واللام في {لك} لتأكيد الصلة مثل "نصحتك" و "نصحت لك". وقال في الكشاف: ضمن الكيد معنى الاحتيال ليفيد معى الفعلين فيكون أبلغ في التخويف. وقيل: متعلق بالمصدر الذي بعده. ثم إنه وصل بهذه النصيحة شيئاً من تعبير رؤياه فقال: {وكذلك} أي ومثل اجتبائك لهذه الرؤيا الشريفة {يجتبيك ربك} لأمور عظام. والاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض جمعته، وخصص الحسن الاجتباء بالنبوة. قال في الكشاف {ويعلمك} كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك. أقول: ولعل إدخاله في حكم التشبيه ليس بضائر. وفي {تأويل الأحاديث} وجوه منها: أنه تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم، سمى التعبير تأويلاً لأنه يؤول أمره إلى ما رآه في المنام أو يؤول أمر ما رآه في المنام إلى ذلك. والأحاديث اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة لأنها التي يتحدث بها الناس. ومنها أنه تبيين معاني كتب الله وسنن الأنبياء لأن المفسر والمحدّث يحدّثان عن الله ورسوله فيقولان: قال الله كذا وقال الرسول كذا. ومنها أن الحديث بمعنى الحادث والمراد كيفية الاستدلال بالحادث على القديم سبحانه. وأما إتمام النعمة فيمن فسر الاجتباء بالنبوة فسر الإتمام بالسعادات الدنيوية والأخروية من المال والجاه والعلوم والأخلاق الفاضلة، ومن فسر ذلك بالدرجات العالية فسر هذا بالنبوة لأن التمام المطلق في حق البشر ليس إلا بالنبوة، ولأن إتمام النعمة عليه مشبه بإتمامها على إبراهيم وإسحق، ومن المعلوم أن الامتياز بينهما وبين أقرانهما لم يكن إلا بالنبوة وقد يفسر إتمام النعمة على إبراهيم بالخلة والإنجاء من النار ومن ذبح الولد، وعلى إسحق بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه، ويكون وجه التشبيه إنجاءه من السجن والمحن كإنجائهما من النار والذبح. والمراد بآل يعقوب نسله قيل: علم يعقوب أن يوسف وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب. واعترض بما فرط منهم في حق يوسف. وأجيب بأن ذلك قبل النبوة. وقيل: إتمام النعمة وصل نعمة الدنيا بنعم الآخرة وذلك أنه جعلهم ملوكاً وأنبياء و{إبراهيم وإسحاق} عطف بيان لأبويك لأن أبا الجد في حكم الأب {إن ربك عليم} بمن يستحق الاجتباء {حكيم} لا يضع الشي إلا في موضعه فلا يجعل الرسالة إلا في نفس قدسية وجوهر مشرق. قيل: حكم يعقوب بوقوع هذه الأمور دليل على جزمه بها فكيف خاف بعدها على يوسف حتى قال: {وأخاف أن يأكله الذئب}؟ والجواب لعل جزمه بذلك كان مشروطاً بعدم كيد إخوته، ولعل قوله: {أخاف أن يأكله الذئب} كيلا يتهاونوا في حفظه فإن للوسائط والأسباب مدخلاً عظيماً في وجود الأشياء وحصولها {لقد كان في يوسف وإخوته} أي في قصتهم وحديثهم {آيات للسائلين} لمن سأل عن تلك القصة وعرفها، أو آيات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم بها من غير سماع العلم. وفيه أنه صلى الله عليه وسلم يجب أن يصبر على بغي قومه إلى أن يظهر أمره كما فعل يوسف. يروى أن أسامي إخوته: يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وربالون ويشجر ودينة - وهؤلاء من ليا بنت خالة يعقوب - ودان ونفتالي وجاد وآشر - وهم من سريتين زلفة وبلهة - فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف. {إذ قالوا} ظرف لكان أو منصوب بإضمار "اذكر" {ليوسف} في لام الابتداء تحقيق لمضمون الجملة. {وأخوه} أي لأبيه وأمه عنوا بنيامين {أحب} إذا كان أفعل التفضيل مستعملاً بمن لم يتصرف فيه {ونحن عصبة} الواو للحال والعصبة العشرة فصاعداً لأن الأمور تعصب بكفايتهم أي إنه يفضلهما في المحبة علينا وهما ابنان صغيران. لا كفاية فيهما ولا منفعة ونحن جماعة نكفي مهماته ونقوم بمصالحه {إن إبانا لفي ضلال مبين} أرادوا ضلالاً خاصاً وهو البعد عن طريق الصلاح وحسن المعاشرة مع الأولاد، ولم يعلموا أن المحبة أمر يتعلق بالقلب وليس لله فيه تكليف، ولعل يعقوب تفرس في يوسف ما أوجب اختصاصه بمزيد البر. ومن جملة أقوالهم أنهم قالوا لما تشاوروا في أمره {اقتلوا يوسف} قيل: الآمر بالقتل شمعون أو دان ورضي به الباقون فجعلوا جميعاً آمرين. والظاهر أنه قال بعضه بذلك بدليل أنه لم يقع القتل ولقولهم {أو اطرحوه} فكان بعضهم أشار إلى القتل وبعضهم إلى الطرح ومهما صدر أمر من بعض القوم صح إسناده إليه كقوله {أية : وإذ قتلتم نفسا}تفسير : [البقرة: 72] وانتصب {أرضاً} على الظرف كالظروف المبهمة أي أرضاً مجهولة بعيدة عن العمارة {يخل لكم وجه أبيكم} تخلص محبته لكم سليمة عن التنازل فيها وكان ذرك الوجه تصويراً لإقباله عليهم بالكلية، ويجوز أن يراد بالوجه ذاته أو المراد يفرغ لكم من الشغل بيوسف {وتكونوا} مجزوم لأنه معطوف على جواب الأمر {من بعده} من بعد قتله أو إطراحه أو من بعد يوسف إذا قتل أو غرب {قوماً صالحين} تائبين إلى الله أو إلى أبيه لعذر تمهدونه مما جنيتم عليه، أو المراد صلاح دنياهم وانتظام أمورهم وتفرغهم لمهماتهم بعد يوسف بفراغ البال {قال قائل منهم} هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً وأدباً وهو الذي قال: {أية : فلن أبرح الأرض}تفسير : [يوسف: 80] {لا تقتلوا يوسف} لأن القتل عظيم ولا سيما قتل الأخ وخاصة إذا كان القاتل والمقتول من أولاد الأنبياء {وألقوه في غيابت الجب} سمى البئر جباً لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها شيء سوى القطع للأرض، والغيابة غور البئر وما غاب منها عن عين الناظر وأظلم من أسفلها. ومن قرأ على الجمع فلأن للجب أقطاراً ونواحي {يلتقطه بعض السيارة} أي الرفقة السائرة قال ابن عباس: أي المارة، والالتقاط تناول الشيء من الطريق ونحوه يستعمل في الإنسان وغيره ومنه اللقيط للمنبوذ {إن كنتم فاعلين} إن لم يكن من فعل هذا الأمر بد فهذا هو الرأي. ثم إن يعقوب كان خائفاً على يوسف من كيدهم وكان يظهر أمارات ذلك على صحائف أعماله وأقواله فلذلك قالوا: {ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون} ما وجد منا في بابه سوى النصح والإشفاق على الإطلاق {أرسله معنا غداً يرتع ويلعب} من قرأ بالجزم فمن الرتعة كالأمنة وهي الخصب والسعة، ومن قرأ بالكسر فعلى حذف الياء من يرتعي مستعاراً من ارتعاء الإبل والماشية. واللعب ترك ما ينفع إلى ما لا ينفع. فمن قرأ بالياء فلا إشكال لأن الصبي لا تكليف عليه، ومن قرأ بالنون قال كان لعبهم الاستباق والانتضال بدليل قوله {إنا ذهبنا نستبق} سمي لعباً لأنه في صورته، أو اللعب قد يطلق على استعمال المباحات لأجل انشراح الصدر قال صلى الله عليه وسلم لجابر:حديث : فهلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك.تفسير : {قال إني ليحزنني} لام الابتداء للتأكيد أو لتخصيص المضارع بالحال {وأخاف أن يأكله الذئب} أصله الهمز ولهذا قال بعضهم: إنه مشتق من تذأبت الريح إذا أتت من كل جهة. قيل: كان أرضهم مذأبة فلذلك قال: {أخاف}. وقيل: رأى في النوم أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره فلقنهم العذر كما جاء في أمثالهم البلاء موكل بالمنطق. قوله: {إنا إذاً} جواب للقسم ساد مسد جواب الشرط، حلفوا له أن كان ما خافه وحالهم أنهم رجال كفاة وحماة فهم إذ ذاك خاسرون عاجزون أو مستحقون للدعاء عليهم بالخسار، أو المراد إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا وخسرناها. كان يعقوب قد اعتذر إليهم بأمرين: أحدهما أن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني خوفه عليه من الذئب فلم يجيبوا عن الأول لأنه هو الذي كان يغيظهم فلم يعبئوا بذلك الكلام فخصوا الجواب بالثاني، وههنا إضمار والتقدير فأذن لهم وأرسله معهم {فلما ذهبوا به وأجمعوا} عزموا على {أن يجعلوه في غيابت الجب} قيل: هو بئر ببيت المقدس. وقيل: بأرض الأردن. وقيل: بين مصر ومدين: وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوبٍ. ثم إن كان جواب "لما" محذوفاً ففي الآية إضمار آخر كما تقدم في الوقوف. قال السدي: إن يوسف عليه السلام لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء. فقال يهوذا أما أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه، فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخواه بالدم ويحتالوا به على أبيهم. فقال: يا إخوتاه ردّوا عليّ قميصي أتوارى به فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً حتى ينقذوك ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام. وروي أنه عليه السلام لما ألقي في الجب قال: يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب، اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً. وحكي أن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فجاء جبرائيل فأخرجه وألبسه إياه {وأوحينا إليه} في صغر السن كما أوحي إلى يحيى وعيسى. وقيل: كان إذ ذاك بالغاً وعن الحسن كان له سبع عشر سنة {لتنبئنهم} لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك {وهم لا يشعرون} أنك يوسف لعلو شأنك وبعد حالك عن أوهامهم ولطول العهد المنسي المغير للهئيات والأشكال.. يروى أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم ويقال له يوسف وكان يدنيه دونكم وإنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس. ويجوز أن يراد وهم لا يشعرون أنا آنسناه بالوحي وأزلنا الوحشة عن قلبه فتتعلق الجملة بقوله {وأوحينا} روي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي؟ قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة وما ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية. عن مقاتل: إنما جاءوا عشاء لئلا تظهر أمارة الخجل والكذب على وجوههم. ولما سمع صوتهم يعقوب فزع وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا لا. قال: فما لكم وأين يوسف {قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق} أي نتسابق في العدو أو في الرمي وقيل ننتضل {وما أنت بمؤمن لنا} أي بمصدق لشدة محبتك ليوسف، وفيه دليل لمن يزعم أن الإيمان هو التصديق {ولو كنا صادقين} ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا {وجاؤوا على قميصه} نصب على الظرف أي فوق قميصه لا على الحال المتقدمة لأن حال المجرور لا تتقدم عليه {بدم كذب} ذي كذب أو دم هو الكذب بعينة مبالغة. يروى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، ويروى أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟ فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص. وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه. وقيل: كان في قميص يوسف ثلاث آيات آية ليعقوب على كذبهم، وآية حين ألقاه البشير على وجهه فارتد بصيراً، وآية على براءة يوسف حين قدّ من دبر. ولما تبين يعقوب بالآيات المذكورة أو بالوحي أنهم كاذبون قال على سبيل الإضراب. {بل سوّلت} قال ابن عباس بل زينت {لكم أنفسهم أمراً} في شأنه وهو تفعيل من السول الأمنية. قال الأزهري: وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة. وقال في الكشاف: سوّلت سهلت من السول بفتحتين وهو الاسترخاء والتنكير دليل التعظيم {فصبر جميل} لا بد من تقدير مبتدأ أو خبر أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أمثل. وفي الحديث أنه الذي لا شكوى فيه أي إلى الخلق لقوله: {أية : إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله}تفسير : [يوسف: 86] وقيل: أي لا أعايشكم على كآبة الوجه بل أكون لكم كما كنت. يحكى أنه سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل له: ما هذا؟ فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان. فأوحى الله تعالى إليه يا يعقوب أتشكوني؟ قال: يا رب خطيئة فاغفرها لي. ثم بين أن الصبر على ما وصفوه من هلاك يوسف لا يمكن إلا بمعونة الله تعالى فقال: {والله المستعان على ما تصفون} فالقرينتان كقوله: {أية : إياك نعبد وإياك نستعين}تفسير : {الفاتحة: 5] ويعلم من الآية أن الصبر إن كان لأجل الرضا بقضاء الله تعالى أو لاستغراقه في شهود نور الحق بحيث يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء فذلك صبر جميل وإلا فلا. واعترض بأن هذا الصبر كان فيه إعانة الظالمين وإهمال لتخليص المظلوم من المحن والشدائد والترقية فكيف جاز صبر يعقوب حتى لم يبالغ في التفتيش والتنقير، ولو بالغ لظهر عليه الأمر لشهرته وعظم قدره؟ وأجيب بأن الله سبحانه لعله منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، أو لعله إن بالغ في البحث أقدموا على قتله، أو علم أن الله تعالى يصون يوسف وسيعظم أمره بالآخرة فلم يرد هتك ستر أولاده وإلقاءهم في ألسنة الناس كقول القائل: شعر : فإذا رميت يصيبني سهمي تفسير : فكان الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى. ثم شرع في حكاية خلاص يوسف فقال: {وجاءت سيارة} عن ابن عباس: قوم يسيرون من مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة. وقيل: كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف. {فأرسلوا واردهم} رجلاً يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء. ومعنى الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم {فأدلى دلوه} أرسلها في البئر. قال الواحدي: فإذا نزعها وأخرجها قيل دلا يدلو. {قال يا بشرى} التقدير فظهر يوسف فقال الوارد: يا بشرى كأنه ينادي البشرى ويقول تعالي فهذا أوانك. ومتى قال الوارد هذا الكلام؟ قال جمع من المفسرين: حين رأى يوسف متعلقاً بالحبل. وقال آخرون: لما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به. قال السدي: كان للوارد صاحب يقال له بشرى فنادى يا بشرى كما يقال يا زيد. والأكثرون على أنها بمعنى البشارة. فقال أبو علي: يحتمل أن يكون منادى مضموماً مثل يا رجل وأن يكون منصوباً مثل يا رجلاً كأنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى. ومن قرأ بالإضافة فنصبه ظاهر. والضمير في {وأسروه} إما عائد إلى الوارد وأصحابه أي أخفوه من الرفقة لئلا يدعوا المشاركة في الالتقاط، أو في الشراء إن قالوا اشتريناه. وطريق الإخفاء أنهم كتموه من الرفقة أو قالوا إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر، وإما عائد الى إخوة يوسف بناء على ما روي عن ابن عباس أنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد آبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه، ولعل الوجه الأول أولى بدليل قوله {بضاعة} وهي نصب على الحال أي أخفوه متاعاً للتجارة. وأصل البضع القطع والبضاعة قطعة من المال للتجارة والله تعالى أعلم. {والله عليم بما يعملون} فيه وعيد إما للوارد وأصحابه حيث استبضعوا ما ليس لهم أو لإخوة يوسف وذلك ظاهر، وفيه أن كيد الأعداء لا يدفع شيئاً مما علم الله من حال المرء. والضمير في قوله: {وشروه} إما أن يعود إلى الوارد وأصحابه أي باعوه {بثمن} قليل لأن الملتقط للشيء متهاون به {وكانوا فيه من الزاهدين} ممن يرغب عما في يده. قال أهل اللغة: زهد فيه معناه رغب عنه وزهد عنه معناه رغب فيه، وإما أن يعود إلى الإخوة والمعنى باعوه، أو إلى الرفقة والمعنى اشتروه، وهكذا الضمير في {وكانوا} إن عاد إلى الإخوة فقلة رغبتهم في يوسف ظاهرة وإلا لم يفعلوا به ما فعلوا، وإن عاد إلى الرفقة فذلك أنهم اعتقدوا أنه أبق فخافوا إعطاء الثمن الكثير. عن ابن عباس أن إخوته عادوا إلى الجب بعد ثلاثة أيام يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبد أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، ولعلهم عرفوا أنه ولد يعقوب فكرهوا اشتراءه خوفاً من الله ومن ظهور تلك الواقعة إلا إنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة بثمن بخس أي مبخوس ناقص عن القيمة أو ناقص العيار. وقال ابن عباس: البخس هنا الحرام لأن ثمن الحر حرام دراهم لا دنانير معدودة قليلة تعد عدّاً. ولا توزن لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية وهي الأربعون. عن ابن عباس كانت عشرين درهماً. وعن السدي اثنين وعشرين أخذ كل واحد من الإخوة درهمين إلا يهوذا فإنه لم يأخذ شيئاً. ويروى أن إخوته اتبعوهم يقولون استوثقوا منه لا يأبق. والظاهر أن الضمير في {فيه} عائد إلى يوسف. ويحتمل أن يعود إلى الثمن البخس أي أخذوا في ثمنه ما ليس يرغب فيه. قال النحويون: قوله: {فيه} ليس من متعلقات الزاهدين لأن الألف واللام فيه موصول وزاهدين صلة، وكما لا تتقدم نفس الصلة فكذا ما هو متعلق به فلا يقال مثلاً: وكانوا زيداً من الضاربين فهو بيان كأنه قيل في أي شيء زهدوا؟ فقيل: زهدوا فيه والله تعالى أعلم. التأويل: {تلك آيات الكتاب} دلالات كتاب المحبوب إلى المحب للهداية إلى طريق الوصال ولهذا كانت أحسن القصص لأنها أتم قصص القرآن مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان {إذ قال يوسف} القلب {لأبيه} يعقوب الروح {إني رأيت أحد عشر كوكباً} هن الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة أي المذكرة والحافظة والمتخيلة والمتوهمة والحسن المشترك مع المفكرة، وبكل من هذه إضاءة أي أدراك للمعنى المناسب له وهم إخوة يوسف القلب لأنهم تولدو بازدواج يعقوب الروح وزوج النفس والشمس والقمر الروح والنفس {رأيتهم لي ساجدين} وهذا مقام كمالية الإنسان أن يصير القلب سلطاناً يسجد له الروح والنفس والحواس والقوى {وكذلك يجتبيك ربك} على سائر المخلوقات وهذا كمال حسن يوسف {ويعلمك من تأويل الأحاديث} العلم اللدني المختص بالقلب {ويتم نعمته عليك} بأن يتجلى لك ويستوي لك إذ القلب عرش حقيقي للرب {وعلى آل يعقوب} أي متولدات الروح من القوى والحواس {كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم} السر {وإسحاق} الخفي وبهما يستحق القلب لقبول فيض التجلي، وهناك لله ألطاف خفية لا يتبع الإنسان فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل. {آيات للسائلين} عن طريق الوصول إلى الله {ليوسف} القلب {وأخوه} بنيامين الحس المشترك فإن له اختصاصاً بالقلب {أحب إلى أبينا منا} لأن القلب عرض الروح ومحل استوائه عليه، والحس المشترك بمثابة الكرسي للعرش. {اقتلوا يوسف} القلب بسكين الهوى وبسم الميل إلى الدنيا {أو اطرحوه} في أرض البشرية {يخل لكم وجه أبيكم} يقبل الروح بوجهه إلى الحواس والقوى لتحصيل شهواتها {وتكونوا} بعد موت القلب {قوماً صالحين} للنعم الحيواني والنفساني. {قال قائل منهم} هو يهوذا القوة المفكرة {لا تقتلوا يوسف} القلب {وألقوه في غيابت الجب} القالب وسفل البشرية {يلتقطه بعض} سيارة الجواذب النفسانية. {يرتع} في المراتع البهيمية {ويلعب} في ملاعب الدنيا {وإنا له لحافظون} من فتنة الدنيا وآفاتها {لئن أكله الذئب} الشيطان {إنا إذا لخاسرون} لأن خسران جميع أجزاء الإنسان في هلاك القلب وربحها في سلامة القلب {وهم لا يشعرون} فيه إشارة إلى أن من خصوصية تعلق الروح بالقالب أن يتولد منهما القلب العلوي والنفس السفلية والحواس والقوى فيحصل التجاذب. فإن كانت الغلبة للروح سعد، وإن كانت للنفس شقي {وجاؤوا أباهم عشاء} أي في النصف الآخر من مدّة العمر {نستبق} نتشاغل باللهو في أيام الشباب {وتركنا يوسف} أي قالب مهملاً معطلاً عن الاستكمال {فأكله} ذئب الشيطان. {وجاؤا على قميصه} أي قالب القلب {بدم كذب} هو آثار الملكات الردية، زعموا أنها قد سرت إلى القلب وأزالت نور الإيمان عنه بالكلية. {قال} يعقوب الروح {بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل} على ما قضى الله وقدر {والله المستعان على ما تصفون} من رين القلب وموته {وجاءت سيارة} هي هبوب نفحات ألطاف الحق {فأرسلوا واردهم} وارداً من واردات الحق {فأدلى دلوه} جذبه من جذبات الرحمن {قال يا بشرى} فيه إشارة إلى أن للجذبة بشارة في تعلقها بالقلب كما أن للقلب بشارة في خلاصة من جب الطبيعة كما قال تعالى: {أية : يحبهم ويحبونه}تفسير : [المائدة: 54] {والله عليم} بحكمة البشارتين و {بما يعملون} من شرائه {بثمن بخس} هو الحظوظ الفانية في أيام معدودة {وكانوا فيه من الزاهدين} لأنهم ما عرفوا قدره وإنما ميلهم إلى استجلاب المنافع الردية العاجلة والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : وقولهُ عزَّ وجلَّ: {الۤر تِلْكَ آيَٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ} {ٱلْكِتَـٰبِ }؛ هنا القرآن، ووصفه بـــ {ٱلْمُبِينِ} من جهة بيان أحكامه وحَلاَله وحرامِهِ ومَواعِظِهِ وهُدَاهُ ونُوره، ومِنْ جهة بيانِ اللسانِ العربيِّ وجودَتِهِ، والضميرُ في {أَنزَلْنَـٰهُ }: للكتاب، و{قُرْآناً } حالٌ، و{عَرَبِيّاً }: صفةٌ له، وقيل: {قُرْآناً }: توطئةٌ للحال، و{عَرَبِيّاً } حالٌ. وقوله سبحانه: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ...} الآية: روى ابن مسعودٍ، أنَّ أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم مَلُّوا مَلَّةً، فقالوا: لَوْ قَصَصْتَ علينا، يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ، ثم مَلُّوا ملَّةً أخْرَى، فقالوا: لَوْ حَدَّثْتَنَا، يَا رَسُولَ اللَّه، فنزلَتِ: { أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً } تفسير : [الزمر:23] {وٱلْقَصَصُ}: الإخبار بما جَرَى من الأمور. وقوله: {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}: أي: بوحينا إِليك هذا، و{ٱلْقُرْآنَ }: نعت لـــ «هذا» ويجوز فيه البَدَلُ، والضمير في «قبله»: للقصص العامِّ؛ لما في جميع القرآن منه، و{مِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ }، أي: عن معرفة هذا القصص، وعبارةُ المَهْدَوِيِّ: قال قتادة: أي: نقصُّ عليك من الكُتُب الماضيةِ، وأخبارِ الأممِ السالفةِ أحْسَنَ القصص؛ بوحينا إِليك هذا القرآن، {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ } عنْ أخبار الأمم، انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} قد تقدم الكلام على قوله: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} في أول سورة يونس، فالإشارة بـ"تِلْكَ" إلى آيات هذه السورة على الابتداء والخبر. وقيل: "الر" اسم للسورة، أي: هذه السورة المسمَّاة: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} والمراد بـ"الكِتَاب": القرآن، وأما قوله: "المُبِين" فيحتمل أن يكون من بانَ، بمعنى: ظهر، أي: المبين حلاله، وحرامه، وحدوده، وأحكامه قال قتادة ـ رحمه الله ـ: "المبين والله بركته، وهداه ورشده". وقال الزجاج: "من أبَان بمعنى: أظهر، أي: أبان الحقَّ من الباطل، والحلال من الحرام، وقصص الأولين والآخرين". ويحتمل أن يكون من البينونة بمعنى: التَّفريق، أي: فرَّق بين الحق والباطل، والحلال والحرام. قوله تعالى: {إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} يعنى: الكتاب، في نصب: "قُرْآناً" ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بدلاً من ضمير "أنْزلْنَاهُ" أو حالاً موطئة منه، والضمير في: "أنْزَلْنَاهُ" على هذين القولين يعود على الكتاب، وقيل: "قُرْآناً" مفعول به، والضمير في "أنْزَلْنَاهُ" ضمير المصدر، و"عربياً" نعت للقرآنِ، وجوَّز أبو البقاء: أن يكون حالاً من الضمير في: "قُرْآناً" إذا تحمَّل ضميراً، يعنى: إذا جعلناهُ حالاً مؤولاً بمشتقِّ، أي: أنزَلنَاه مُجْتمعاً في حال كونهِ عَربيًّا, والعربيّ منسُوب إلى العرب؛ لأنَّه نزل بلغتهم، وواحِد العرب: عربيٌّ، كما أن واحد الرُّوم: رُومِيٌّ، أي: أنزلناه بلغتكم، لكي تعلمُوا مَعانيَهُ، وتفهَمُوا ما فيه، و"عَرَبَة" ـ بفتح الرَّاء ـ ناحية دار إسماعيل ـ عليه السلام ـ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 3043ـ وعَرْبَةُ أرْضٍ مَا يُحِلُّ حَرامَهَا مِنَ النَّاسِ إلاَّ اللَّوذَعِيُّ الحُلاحِلُ تفسير : سكن راءها ضرورة؛ فيجوزُ أن يكون العربي منسُوباً إلى هذه البقعة. فصل احتج الجُبَّائيُّ بهذه الآية: على كون القرآن مخلوقاً، لقوله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ} والقديم لا يجوزُ إنزالهُ وتحويله من حالٍ إلى حالٍ؛ ولأنَّه ـ تعالى ـ وصفهُ بكونه: "عَرَبيًّا" والقديم لا يكون عربيًّا؛ ولأنَّ قوله ـ تعالى ـ {إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} يدلُّ على أنَّه سبحانه وتعالى ـ قادرٌ على أن ينزله لا عربيًّا؛ ولأنَّ قوله: {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} يدلُّ على أنَّه مركبٌ من الآيات والكلمات، والمركَّبُ محدثٌ. قال ابن الخطيب: "والجواب عن هذه الوجوه أن نقول: المركَّب من الحروف والكلمات محدثٌ، وذلك لا نزاع فيه، إنَّما الذي ندَّعي قدمه شيء آخر، فسقط هذا الاستدلال". قوله: {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}: قال الجبائي: "كلمة "لعَلَّ" نحملها على اللاَّم، والتقدير: إنَّا أنزلناهُ قُرآناً عربيًّا لتعقلُوا معانيه في أمْر الدِّين، إذ لايجوز أن يراد بـ "لعَلَّكُم تعْقِلُونَ": الشَّك؛ لأنَّه على الله ـ تعالى ـ محالٌ، فثبت أنَّ المراد: لكي تعرفوا الأدلَّة، وذلك يدلُّ على أنَّهُ ـ سبحانه وتعالى ـ أراد من كلِّ العباد أن يعقلوا توحيده، وأمر دينه، من عرف منهم، ومن لم يعرف". قال ابن الخطيب: "والجواب: هَبْ أنَّ الأمْر كمَا ذَكْرتُمْ، إلاَّ أنَّهُ يدلُّ على أنه ـ تعالى ـ أنزل هذه السورة وأراد منهم معرفة كيفيَّة هذه القصَّة، لكن لِمَ قلتم: إنَّها تدلُّ على أنه ـ تعالى ـ أراد من الكُلِّ الإيمان والعمل الصالح"؟.
البقاعي
تفسير : {بسم الله} الذي وسع كل شيء قدرة وعلماً {الرحمن} الذي لم يدع لبساً لعموم رحمته في طريق الهدى {الرحيم *} الذي خص حزبه بالإبعاد عن موطىء الردى. لما خلل سبحانه تلك مما خللها به من القصص والآيات القاطعة بأن القرآن من عنده وبإذنه نزل، وأنه لا يؤمن إلاّ من شاء إيمانه، وأنه مهما شاءه كان، وبيّن عظيم قدرته على مثل ما عذب به الأمم وعلى التأليف بين من أراد وإيقاع الخلاف بين من شاء، وأشار إلى أنه حكم بالنصرة لعابديه فلا بد أن يكون ما أراد لأنه إليه يرجع الأمر كله، تلاها بهذه السورة لبيان هذه الأغراض بهذه القصة العظيمة الطويلة التي لقي فيها يوسف علية الصلاة والسلام ما لقي من أقرب الناس إليه ومن غيرهم ومن الغربة وشتات الشمل، ثم كانت له العاقبة فيه على أتم الوجوه لما تدرع به من الصبر على شديد البلاء والتفويض لأمر الله جلَّ وعلا تسلية لهذا النبي الأمين وتأسية بمن مضى من إخوانه المرسلين فيما يلقى في حياته من أقاربه الكافرين وبعد وفاته ممن دخل منهم في الدين في آل بيته كما وقع ليوسف عليه السلام من تعذيب عقبه وعقب إخوته ممن بالغ في الإحسان إليهم، وقد وقع ليوسف عليه السلام بالفعل ما همّ الكفار من أقارب النبي صلى الله عليه وسلم بفعله به كما حكاه سبحانه في قوله{أية : ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك}تفسير : [الأنفال: 30] فنجا منهم أن يكون شيء منه بأيديهم إلاّ ما كان من الحصر في شعب أبي طالب ومن الهجرة بأمر الحكيم العليم، ثم نصر الله يوسف عليه السلام على إخوته الذين فعلوا به ذلك وملكه قيادهم، فكان في سوق قصته عقب الإخبار بأن المراد بهذه القصص تثبيته صلى الله عليه وسلم وتسلية فؤاده إشارة إلى البشارة بما وقع له صلى الله عليه وسلم يوم الفتح من ملك قيادهم ورد عنادهم ومنّه عليهم وإحسانه إليهم، وفي إشارتها بشارة بأن المحسود يعان ويعلى إن عمل ما هو الأحرى به والأولى، ومن فوائد ذكرها التنبيه على أن الحسد داء عظيم شديد التمكن في النفوس حتى أنه بعزم تمكنه وكثرة مكانه وتعدد كائنه ربما غلب أهل الصلاح ألاّ من بادر منهم بالتوبة داعي الفلاح، وتركت إعادتها دون غيرها من القصص صوناً للأكابر عن ذكر ما ربما أوجب اعتقاد نقص، أو توجيه طعن أو غمص، أو هون داء الحسد، عند ذي تهور ولدد، وخللها سبحانه ببليغ الحكم وختمها بما أنتجت من ثبوت أمر القرآن ونفي التهمة عن هذا النبي العظيم. هذا مناسبة ما بين السورتين، وأما مناسبة الأول للآخر فإنه تعالى لما أخبر في آخر تلك بتمام علمه وشمول قدرته، دل على ذلك أهل السبق من الفصاحة والفوت في البلاغة في أول هذه بما فعل في كلامه من أنه تعالى يقدر على أن يأتي بما تذهب الأفهام والعقول - على كرِّ الأزمان وتعاقب الدهور وتوالي الأيام وتمادي الليالي - في معناه كل مذهب وتطير كل مطار مع توفر الدواعي واستجماع القوى، ولا تقف من ذلك على أمر محقق ولا مراد معلوم وعلى أن يأتي بما يفهم بأوائل النظر أدنى معناه فهما يوثق بأنه مراد، ثم لا يزال يبرز منه من دقائق المعاني كلما كرر التأمل وتغلغل الفهم إلى حد يعلم أنه معجوز عن كل ما فيه من جليل معانيه ولطيف مبانيه فقال تعالى: {الر} قال الروماني: لم تعد الفواصل لأنها لا تشاكل رؤوس الآيات لأنها على حرفين، فأجريت مجرى الأسماء الناقصة، وإنما يؤم بالفواصل التمام، وأما "طه" فيعد لأنه يشبه رؤوس آيها - انتهى. وهذا قول من ذهب سهواً إلى أن السجع مقصود في القرآن، وهو قول مردود غير معتد به كما مضى القول فيه في آخر سورة براءة، فإنه لا فرق بين نسبته إلى أنه شعر وبين نسبته إلى أنه سجع، لأن السجع صنع الكهان فيؤدي ذلك إلى ادعاء أنه كهانة وذلك كفر لا شك فيه، وقد أطنبت فيه في كتابي مصاعد النظر، وبينت مذاهب العادين للآيات وأن مرجعها التوقيف مثل نقل القراءات سواء - والله الهادي. ولما ابتدئت السورة الماضية بأن هذا الكتاب محكم، وختمت بالحكمة المقصودة من قص أنباء الرسل، وكان السياق للرد عليهم في تكذيبهم به في قوله {أية : أم يقولون افتراه}تفسير : [السجدة:3 ] ودل على أنه أنزل بعلمه، ابتدئت هذه لإتمام تلك الدالة بالإشارة إلى ما له من علو المحل وبعد الرتبة، فعقب سبحانه هذه المشكلة التي ألقاها بالأحرف المقطعة وبان أنها مع إِشكالها عند التأمل واضحة بقوله مشيراً إلى ما تقدم من القرآن وإلى هذه السورة: {تلك} أي الآيات العظيمة العالية {آيات الكتاب} أي الجامع لجميع المرادات. ولما تقدم أول سورتي يونس وهود وصفة بالحكمة والإحكام والتفصيل، وصف هنا بأخص من ذلك فقال تعالى: {المبين*} أي البين في نفسه أنه جامع معجز لا يشتبه على العرب بوجه، والموضح لجميع ما حوى، وهو جميع المرادات لمن أمعن التدبر وأنعم التفكير، ولأنه من عند الله {أية : ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه}تفسير : [يوسف: 111] و{أية : موعظه وذكرى للمؤمنين}تفسير : [هود: 120]؛ والبيان: إظهار المعنى للنفس بما يفصله عن غيره وهو غرض كل حكيم في كلامه، ويزيد عليه البرهان بأنه إظهار صحة المعنى بما يشهد به، وأبان - لازم متعد؛ ثم علل المبين بقوله معبراً بالإنزال لأنه في سياق تكذيبهم به بخلاف ما عبر فيه بالجعل كما يأتي في الزخرف: {إنا أنزلناه} بنون العظمة أي الكتاب المفسر بهذه السورة أو بالقرآن كله {قرآنا} سمي بعضه بذلك لأن القرآن اسم جنس يقع على الكل والبعض {عربياً} وعلل إنزاله كذلك بقوله: {لعلكم تعقلون *} أي لتكونوا على رجاء من أن تكونوا من ذوي العقل أو من أن تعقلوا ما يراد منكم؛ قال: أبو حيان و"لعل" ترجّ فيه معنى التعليل. وهذه الآية تدل على أن اللسان العربي أفصح الألسنة وأوسعها وأقوامها وأعدلها، لأن من المقرر أن القول - وإن خص بخطابه قوم - يكون عاماً لمن سواهم. ولما بين أنه يقص عليه من أنباء الرسل ما يثبت به فؤاده، قال مثبتاً ومعللاً بأنه الكتاب بعلة أخرى مشاهدة هي أخص من الأول: {نحن نقص عليك} وعظم هذه القصة بمظهر العظمة وأكد ذلك بقوله تعالى: {أحسن القصص} أي الاقتصاص أو المقصوص بأن نتبع بعض الحديث كما نعلمه بعضاً فنبينه أحسن البيان - لأنه من قص الأثر - تثبيتاً لفؤادك وتصديقاً لنبوتك وتأييداً على أحسن ترتيب وأحكم نظام وأكمل أسلوب وأوفى تحرير وأبدع طريقة مع ما نفصلها به من جواهر الحكم وبدائع المعاني من الأصول والفروع، وهي قصة يوسف عليه السلام قصة طويلة هي في التوراة في نيف وعشرين ورقة لا يضبطها إلاّ حذاق أحبارهم، من تأمل اقتصاصها فيها أو في غيرها من تواريخهم ذاق معنى قوله تعالى{أية : أحسن القصص}تفسير : [يونس: 3] حتى لقد أسلم قوم من اليهود لما رأوا من حسن اقتصاصها، روى البيهقي في أواخر الدلائل بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما "حديث : أن حبراً من اليهود دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وكان قارئاً للتوراة فوافقه وهو يقرأ سورة يوسف عليه السلام كما أنزلت على موسى عليه السلام في التوراة فقال له الحبر: يا محمد! من علمكها؟ قال: الله علمنيها، فرجع إلى اليهود فقال لهم: أتعلمون والله أن محمداً ليقرأ القرآن كما أنزل في التوراة! فانطلق بنفر منهم حتى دخلوا عليه فعرفوه بالصفة ونظروا إلى خاتم النبوة بين كتفيه، فجعلوا يستمعون إلى قراءته لسورة يوسف، فتعجبوا منه وقالوا: يا محمد! من علمكها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علمنيها الله، فأسلم القوم عند ذلك ". تفسير : وقد ضمنها سبحانه من النكت والعبر والحكم أمراً عظيماً، وذكر فيها حسن مجاورة يوسف عليه الصلاة والسلام لإخوته وصبره على أذاهم وحلمه عنهم وإغضاءه عند لقائهم عن تبكيتهم وكرمه في العفو، والأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والإنس والجن والأنعام والطير وسير الملوك والمماليك والتجار والعلماء والجهال والرجال والنساء ومكرهن والتوحيد والنبوة والإعجاز والتعبير والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش وجميع الفوائد التي تصلح للدين والدنيا، وذكر الحبيب والمحبوب، ولم يدخل فيها شيئاً من غيرها دون سائر القصص، وكان عقابها إلى خير وسلامة واجتماع شمل وعفو من الله وتجاوز عن الكل {بما أوحينا} أي بسبب إيحائنا {إليك}. ولما كان إنزال القرآن مجمع الخيرات، عين المراد بالإشارة واسم العلم فقال: {هذا القرآن} الذي قالوا فيه: إنه مفترى، فنحن نتابع فيه القصص بعد قصة بعد قصة والحكم حكمة في أثر حكمة حتى لا يشك شاك ولا يمتري ممتر في أنه من عندنا وبإذننا ويكون أمره في البعد من اللبس أظهر من الشمس. ولما كانوا مع معرفتهم به صلى الله عليه وسلم عارفين بأنه كان مباعداً للعلم والعلماء، وكان فعلهم في التكذيب فعل من ينكر ذلك، قال: {وإن} أي وإن الشأن والحديث {كنت} ولما كان كونه لم يستغرق الزمان الماضي، أثبت الجار فقال: {من قبله} أي هذا الكتاب أو إيحائنا إليك به {لمن الغافلين} أي عن هذه القصة وغيرها، مؤكداً له بأنواع التأكيد، وهو ناظر إلى قوله آخرها { وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} بعد التفاته عن كثب إلى آخر التي قبلها {وما ربك بغافل عما تعملون} والحسن: معنى يتقبله العقل ويطرق إلى طلب المتصف به أنواع الحيل، ومادة، غفل، بكل ترتيب تدور على الستر والحجب، من الغلاف الذي يوضع فيه الشيء فلا ينظر منه شيئاً ولا ينظره شيء ما دام فيه، ومنه الغفلة - للجلدة التي التي على الكمرة، والغفل - بالضم: ما لا علاقة له من الأرض، ودابة غفل، لا سمة لها، لأن عدم العلامة مؤدٍ إلى الجهل بها فكأنها في غلاف لا ينظر منه، ومنه رجل غفل: لا حسب عنده، لأن ذلك أقرب إلى جهله، والتغفل: الختل، أي أخذ الشيء من غير أن يشعر، فقد ظهر أن مقصود السورة وصف الكتاب بعد الحكمة والتفصيل بالإبانة عن جميع المقاصد المنزل لها؛ وقال الإمام ابو جعفر بن الزبير: هذه السورة من جملة ما قص عليه صلى الله عليه وسلم من أنباء الرسل وأخبار من تقدمه مما فيه التثبيت الممنوح في قوله سبحانه وتعالى { أية : وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} تفسير : [هود: 120] ومما وقعت الإحالة عليه في سورة الأنعام - كما تقدم - وإنما أفردت على حدتها ولم تنسق على قصص الرسل مع أنهم في سورة واحدة لمفارقة مضمونها تلك القصص، ألا ترى أن تلك قصص إرسال من تقدم ذكرهم عليهم الصلاة والسلام وكيفية تلقي قومهم لهم وإهلاك مكذبيهم، أما هذه القصة فحاصلها فرج بعد شدة وتعريف بحسن عاقبة الصبر، فإنه تعالى امتحن يعقوب عليه الصلاة والسلام بفقد ابنيه وبصره وشتات بنيه، وامتحن يوسف عليه الصلاة والسلام بالجب والبيع وامرأة العزيز وفقد الأب والإخوة والسجن، ثم امتحن جميعهم بشمول الضر وقلة ذات اليد { أية : مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا} تفسير : [يوسف:88] ثم تداركهم الله بالفهم وجمع شملهم ورد بصر أبيهم وائتلاف قلوبهم ورفع ما نزع به الشيطان وخلاص يوسف عليه الصلاة والسلام من كيد كاده واكتنافه بالعصمة وبراءته عند الملك والنسوه، وكل ذلك مما أعقبه جميل صبره وجلالة اليقين في حسن تلقي الأقدار بالتفويض والتسليم على توالي الامتحان وطول المدة، ثم انجرَّ في أثناء هذه القصة الجليلة إنابة امرأة العزيز ورجوعها إلى الحق وشهادتها ليوسف عليه الصلاة والسلام بما منحه الله من النزاهة عن كل ما يشين، ثم استخلاص العزيز إياه - إلى ما انجرّ في هذه القصة الجليلة من العجائب والعبر { أية : لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} تفسير : [ يوسف: 111] فقد انفردت هذه القصة بنفسها ولم تناسب ما ذكر من قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى عليهم الصلاة والسلام وما جرى في أممهم، فلهذا فصلت عنهم، وقد أشار في سورة برأسها إلى عاقبة من صبر ورضى وسلم ليتنبه المؤمنون على ما في طيّ ذلك، وقد صرح لهم مما أجملته هذه السورة من الإشارة في قوله تعالى {أية : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} تفسير : [النور:55] - إلى قوله {أية : آمنا}تفسير : [ النور: 55] وكانت قصة يوسف عليه الصلاة والسلام بجملتها أشبه شيء بحال المؤمنين في مكابدتهم في أول الأمر وهجرتهم وتشققهم مع قومهم وقلة ذات أيديهم إلى أن جمع الله شملهم {أية : اذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً}تفسير : [ آل عمران:103] وأورثهم الله الأرض وأيدهم ونصرهم، ذلك بجليل إيمانهم وعظيم صبرهم، فهذا ما أوجب تجرد هذه القصة عن تلك القصص - والله أعلم، وأما تأخر ذكرها عنها فمناسب لحالها ولأنها إخبار بعاقبة من آمن واتعظ ووقف عند ما حد له، فلم يضره ما كان، ولم تذكر إثر قصص الأعراف لما بقي من استيفاء تلك القصص الحاصل ذلك في سورة هود؛ ثم إن ذكر أحوال المؤمنين مع من كان معهم من المنافقين وصبرهم عليهم مما يجب أن يتقدم ويعقب بهذه القصة من حيث عاقبة الصبر والحض عليه - كما مر، فأخرت إلى عقب سورة هود عليه الصلاة والسلام لمجموع هذا - والله تعالى أعلم؛ ثم ناسبت سورة يوسف عليه الصلاة والسلام أيضاً أن تذكر إثر قوله تعالى {أية : إنّ الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين}تفسير : [هود:114]، وقوله {أية : واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} تفسير : [هود:115] وقول{ أية : ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} تفسير : - [هود:118] الآية، وقوله{ أية : وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون} تفسير : [هود:121] فتدبر ذلك، إما نسبتها للأولى فإن ندم إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام واعترافهم بخطاء فعلهم وفضل يوسف عليه الصلاة والسلام عليهم { أية : لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين}تفسير : [يوسف:91] وعفوه عنهم {أية : لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم} تفسير : [يوسف:92] وندم امرأة العزيز وقولها{ أية : الآن حصحص الحق} تفسير : [يوسف:51] - الآية، كل هذا من باب إذهاب الحسنة السيئة، وكأن ذلك مثال لما عرف المؤمنون من إذهاب الحسنة السيئة؛ وأما نسبة السورة لقوله تعالى {واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} فإن هذا أمر منه سبحانه لنبيه عليه الصلاة والسلام بالصبر على قومه، فأتبع بحال يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام وما كان من أمرهما وصبرهما مع طول المدة وتوالى امتحان يوسف عليه الصلاة والسلام بالجب ومفارقة الأب والسجن حتى خلصه الله أجمل خلاص بعد طول تلك المشقات، ألا ترى قول نبينا وقد ذكر يوسف عليه الصلاة والسلام فشهد له بجلالة الحال وعظيم الصبر فقالحديث : " ولو لبثتُ في السجن ما لبث اخي يوسف لأجبت الداعي"تفسير : فتأمل عذره له عليهما الصلاة والسلام وشهادته بعظيم قدر يوسف عليهما الصلاة والسلام { أية : وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} تفسير : [هود:120]. لما قيل له {أية : واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} تفسير : [هود:115] أتبع بحال يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام من المحسنين { أية : ووهبنا له إسحاق ويعقوب}تفسير : [الأنعام:84] - إلى قوله {أية : وكذلك نجزي المحسنين}تفسير : [الأنعام:84] وقد شملت الآية ذكر يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام، ونبينا عليه أفضل الصلاة والسلام قد أمر بالاقتداء في الصبر بهم، وقيل له {أية : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} تفسير : [الأحقاف:35] ويوسف عليه الصلاة والسلام من أولي العزم؛ ثم إن حال يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام - في صبرهما ورؤية حسن عاقبة الصبر في الدنيا مع ما أعد الله لهما من عظيم الثواب - أنسب شيء لحال نبينا عليه الصلاة والسلام في مكابدة قريش ومفارقة وطنه، ثم تعقب ذلك بظفره بعدوه وإعزاز دينه وإظهار كلمته ورجوعه إلى بلده على حالة قرت بها عيون المؤمنين وما فتح الله عليه وعلى أصحابه - فتأمل ذلك، ويوضح ما ذكرنا ختم السورة بقوله تعالى { أية : حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاء نصرنا} تفسير : [يوسف: 110] الآيه فحاصل هذا كله الأمر بالصبر وحسن عواقب أولياء الله فيه؛ وأما النسبة لقوله {أية : ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين} تفسير : [هود:118] فلا أنسب لهذا ولا أعجب من حال إخوة فضلاء لأب واحد من أنبياء الله تعالى وصالحي عباده جرى بينهم من التشتت ما جعله الله عبرة لأولي الألباب؛ وأما النسبة لآية التهديد فبينة، وكأن الكلام في قوة { أية : اعملوا على مكانتكم - وانتظروا} تفسير : [هود: 121 - 122] فلن نصبر عليكم مدة صبر يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام، فقد وضح بفضل الله وجهُ ورود هذه السورة عقب سورة هود - والله أعلم. انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {تلك آيَٰتُ الكتاب المبين} قال: أي والله يبين بركته وهداه ورشده. وفي لفظ، يبين الله رشده وهداه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {تلك آيَٰتُ الكتاب المبين} قال: يبين حلاله وحرامه. وأخرج ابن جرير عن خالد بن معدان عن معاذ رضي الله عنه أنه قال في قول الله {تلك آيَٰتُ الكتاب المبين} قال: يبين الله الحروف التي سقطت عن ألسن الأعاجم، وهي ستة أحرف.
ابو السعود
تفسير : (سورة يوسف عليه السلام مكية إلا الآيات 1 و 2 و 3 و 7 فمدنية وآياتها 111) {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} {الر} الكلامُ فيه وفي محله وفيما أريد بالإشارة والآياتِ والكتابِ في قوله تعالى: {تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ} عيْنُ ما سلف في مطلع سورةِ يونسَ {ٱلْمُبِينِ} من أبان بمعنى بان أي الظاهرِ أمرُه في كونه من عند الله تعالى وفي إعجازه بنوعيه لا سيما الإخبارُ عن الغيب، أو الواضحِ معانيه للعرب بحيث لا يشتبه عليهم حقائقُه ولا يلتبس لديهم دقائقُه لنزوله على لغتهم أو بمعنى بـيّن أي المبـين لِما فيه من الأحكام والشرائعِ وخفايا المُلكِ والملكوتِ وأسرارِ النشأتين في الدارين وغيرِ ذلك من الحِكَم والمعارف والقصص، وعلى تقدير كونِ الكتاب عبارةً عن السورة فإبانتُه إنباؤُه عن قصة يوسفَ عليه السلام، فإنه قد رُوي أن أحبارَ اليهودِ قالوا لرؤساء المشركين: سلوا محمداً صلى الله عليه وسلم لماذا انتقل آلُ يعقوبَ من الشام إلى مصر، وعن قصة يوسفَ عليه السلام ففعلوا ذلك. فيكون وصفُ الكتابِ بالإبانة من قبـيل براعةِ الاستهلالِ لما سيأتي ولمّا وُصف الكتابُ بما يدل على الشرف الذاتي عُقِّب ذلك بما يدل على الشرف الإضافي فقيل: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ} أي الكتابَ المنعوتَ بما ذكر من النعوت الجليلةِ، فإن كان عبارةً عن الكل وهو الأظهرُ الأنسبُ بقوله تعالى: {قُرْءاناً عَرَبِيّاً} إذ هو المشهورُ بهذا الاسم المعروفِ بهذا النعت المتسارعِ إلى الفهم عند إطلاقِهما فالأمرُ ظاهرٌ، وإنْ جُعل عبارةً عن السورة فتسميتُها قرآناً لما عَرفته فيما سلف، والسرُّ في ذلك أنه اسمُ جنسٍ في الأصل يقع على الكل والبعضِ كالكتاب، أو لأنه مصدرٌ بمعنى المفعول أي أنزلناه حالَ كونِه مقروءاً بلغتكم {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تفهموا معانيَه طراً وتحيطوا بما فيه من البدائع خُبْراً وتطّلعوا على أنه خارجٌ عن طوق البشر منزَّلٌ من عند خلاق القُوى والقدر. {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ} أي نخبرك ونحدّثك، واشتقاقُه من قصَّ أثرَه إذا اتّبعه لأن مَنْ يقُصّ الحديثَ يتْبع ما حفِظ منه شيئاً فشيئاً كما يقال: تلا القرآن لأنه يتْبع ما حفِظ منه آيةً بعد آية {أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} أي أحسن الاقتصاص فنصبُه على المصدرية وفيه مع بـيان الواقعِ إيهامٌ لما في اقتصاص أهلِ الكتاب من القُبح والخلل، وتركُ المفعولِ إما للاعتماد على انفهامه من قوله عز وجل: {بِمَا أَوْحَيْنَا} أي بإيحائنا {إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} أي هذه السورةَ فإن كونَها مُوحاةً منبىءٌ عن كون ما في ضمنها مقصوصاً، والتعرضُ لعنوان قرآنيتِها لتحقيق أن الاقتصاصَ ليس بطريق الإلهامِ أو الوحي غيرَ المتلوِّ وإما لظهوره من سؤال المشركين بتلقين علماءِ اليهودِ، وأحسنيّتُه لأنه قد اقتُصّ على أبدع الطرائق الرائعةِ الرائقةِ وأعجبِ الأساليب الفائقةِ اللائقةِ كما لا يكاد يخفى على من طالع القصةَ من كتب الأولين والآخرين وإن كان لا يميز الغثّ من السمين، ولا يفرّق بـين الشمال واليمين، وفي كلمة هذا إيماءٌ إلى مغايرة هذا القرآنِ لما في قوله تعالى: {قُرْءاناً عَرَبِيّاً} بأن يكون المرادُ بذلك المجموعَ فتأمل. أو نقص عليك أحسنَ ما نقص من الأنباء وهو قصةُ آلِ يعقوبَ عليه السلام على أن القَصصَ فَعَلٌ بمعنى المفعول كالنبأ والخبر، أو مصدرٌ سُمّي به المفعولُ كالخلْق والصيد، ونصبُ أحسنَ على المفعولية وأحسنيتُها لتضمنها من الحِكم والعِبر ما لا يخفى كمالُ حسنه {وَإِن كُنتُ} إن مخففةٌ من الثقيلة، وضميرُ الشأنِ الواقعُ اسماً لها محذوفٌ واللامُ فارقةٌ والجملةُ خبرٌ والمعنى وإنّ الشأن {مِن قَبْلِهِ} من قبل إيحائِنا إليك هذه السورةَ {لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ} عن هذه القصة لم تخطُر ببالك ولم تقرَعْ سمعَك قطُّ، وهو تعليلٌ لكونه مُوحى، والتعبـيرُ عن عدم العلم بالغفلة لإجلال شأنِ النبـيِّ عليه السلام وإن غفَل عنه بعضُ الغافلين.
القشيري
تفسير : التخاطُب بالحروف المتفرقة غير المنظومة سُنَّةُ الأحباب في سَتْر المحابِّ؛ فالقرآنُ - وإنْ كان المقصودُ منه الإيضاحَ والبيانَ - ففيه تلويح وتصريح، ومُفَصَّلٌ ومُجْمَلٌ، قال قائلهم: شعر : أبكي إلى الشرق إنْ كانت منازِلُكم مما يلي الغربَ خوفَ القيل والقالِ تفسير : ويقال وقفت فهُومُ الخَلْق عن الوقوف على أسراره فيما خاطب به حبيبه - صلى الله عليه وسلم -، فهم تعبدوا به وآمنوا به على الجملة أفرد الحبيبَ بفهمه، فهو سِرُّ الحبيب عليه السلام بحيث لا يطلع عليه الرقيب، يقول قائلهم: شعر : بين المحيين سِرُّ ليس يُفْشيه قولٌ، ولا قلم للخْلق يحكيه تفسير : وفي إنزال هذه الحروف المقطعة إشارة: وهي أنَّ منْ كان بالعقل والصحو استنبط من اللفظ اليسير كثيراً من المعاني، ومن كان بالغيبة والمحو يسمع الكثير فلا يفهم منه اليسير؛ ذاك لكمال عقله وهذا لتمام وَصْلِه؛ فأنزل اللَّهُ هذه الحروف التي لا سبيلَ إلى الوقوف على معانيها، ليكون للأحباب فُرْجَةٌ حينما لا يقفون على معانيها بِعَدَم السبيل إليها فلا تتوجه عليهم مُطَالَبةٌ بالفهم، وكان ذلك لائقاً بأحوالهم إذا كانوا مستغرِقين في عين الجَمْع، ولذا قيل: استراح من العقل له. وقوله تعالى: {تِلْكَ} يحتمل أن يكون إشارة إلى أن هذا خَبَرُ الوعد الذي وعدناك. وقيل هذا تعريفنا: إليك بالتخصيص، وإفرادُنا لك بالتقريب - قد حقَّقْناه لكَ؛ فهذه الحروف بيانٌ للإنجاز ولتحقيق الموعود. والإشارة من {ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} ها هنا إلى حُكْمِه السابق له بأَنْ يُرَقِّيَه إلى الرتبة التي لا يبلغها غيرُه، وقد قال تعالى: {أية : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا}تفسير : [القصص: 46] أي حين كلَّمنا موسى عليه السلام، وأخبرناه بعلوِّ قَدْرِك، ولم تكن حاضراً، وأخبرناه بأننا نُبَلِّغُك هذا المقامَ الذي أنت فيه الآن. وكذلك كلُّ مَنْ أوحينا إليه ذَكَرْنَا له قِصَتَكَ، وشَرَحْنَا له خِلقَتك، فالآنَ وقتُ تحقيق ما أخبرنا به، وفي معناه أنشدوا: شعر : سُقْياً لمعهدِكَ الذي لو لم يكن ما كان قلبي للصبابةِ معهدا تفسير : قال الله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ}تفسير : [الأنبياء: 105] يعني بعد التوراة {أية : أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} تفسير : [الأنبياء: 105] يعني أمة محمد.
البقلي
تفسير : {الۤر} الالف اشارة الى انائية التوحيد واللام اشارة الى نكرة اهل التجريد والراء اشارة الى ربانية اهل التفريد قوله تعالى {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} اى مظنات الاشارات فى الاحرف الثلاث علامات المعارف المعرفة فى الصفات القديمة المبينة انوارها فى قلوب الصديقين واثارها فى شواهد الملك والملكوت وما ذكر فى القرآن قوله تلك ايات الكتاب المبين اوصاف ونعوت واسماء وصفات مبينة اسرار الخطاب لاهل المكاشفات والمشاهدات من العارفين والمقربين والحكمة فى الخطاب بالحروف كتمان الاسرار عن الاغيار وهى سنة الاحباب فى رفع النقاب فى الحجاب شعر : ابكى الى الشرق ان كانت منازلكم من جانب الغرب خوف القيل والقال اقول بالخد خال حين اذكره خوف الرقيب وبالخد من خال تفسير : وهذا سر الحبيب مع الحبيبة ولا يطلع عليه الا من له شرب من بحره وسقى من نهره وطلوع من شرقه واقول فى غربه لان لهذه الطائفة رموز واشارات لا يقف عليها الاطيار فى الملكوت وسيار فى الجبروت قال الاستاد فى انزال هذه الحروف المقطعة اشارة وهو ان من كان بعين الغفل والصحو استنبط من اللفظة اليسيرة كثيرا من المعانى ومن كان يشاهد الغيبة والمحو يسمع الكثير فلا يفهم منه اليسير وقال ايضا الاشارة من الكتاب المبين ههنا الى حكمة السابق له بان يرقيه الى الرتبة التى لم يبلغها غيره
اسماعيل حقي
تفسير : {الر} اى انا الله ارى واسمع سؤالهم اياك عن هذه القصة ويقال انا الله ارى صنيع اخوة يوسف ومعاملتهم معه. ويقال انا الله ارى ما يرى الخلق وما لا يرى الخلق. ويقال الر تعديد للحروف على سبيل التحدى فلا محل له من الاعراب او خبر مبتدأ محذوف اى هذه السورة الراى مسماة بهذا الاسم. يقول الفقير اصلحه الله القدير الحروف المقطعة من الاسرار المكتومة التى يحرم افشاؤها لغير اهلها. وقول بعضهم هذه الحروف من المتشابهات القرآنية لا يعلم معانيها الا الله سلوك الى الطريق الاسلم وتسليم للامر الى اهله وليس ببعيد من كرم الله تعالى الى ان يفيض معانيها على قلوب الكمل لكنهم انما يرمزون بها ويشيرون بغير تصريح بحقائقها صونا للعقول الضعيفة وحفظا للعهد المأخوذ منهم شعر : قدر كوهر جوكوهرى داند جه نهى در دكان خرده فروش تفسير : قال الحافظ شعر : قيمت در كرانما يه جه دانند عوام حافظا كوهر يكدانه مده جز بخواص تفسير : وعن على رضى الله عنه لو حدثتكم ما سمعته من فم ابى القاسم لخرجتم من عندى وتقولون ان عليا اكذب الكذابين وافسق الفاسقين كما فى شرح المثنوى: قال حضرة الشيخ العطار قدس سره شعر : دلى بر كوهر اسرار دائم ولى اندر زبان مسمار دارم تفسير : وقال حضرة مولانا قدس سره شعر : هركه را اسرار كار آموختند مهر كردند ودهانشى دوختند تفسير : وكون هذه الحروف المبسوطة مما ليس لها وضع لغوى او عرفى معلوم لا ينافى ان يكون لها معان حقيقية فة الحقيقة فان الواضع هو الله تعالى فيحتمل انه وضع لها معانى معلومة لخص عباده بل الاحتمال مرفوع حيث ان نزول حرف التهجى على ابينا آدم عليه السلام يحقق موضعيتها فقول العلماء انها تعديد على نمط التحديد ليس له كثير معنى فافهم جدا وفى الحديث "حديث : سألنى ربى" تفسير : اى ليلة المعراج "حديث : فلم استطع ان اجيبه فوضع يده بين كتفى بلا تكييف ولا تحديد" تفسير : اى يد قدرته لانه سبحانه منزه عن الجارحة "حديث : فوجدت بردها فاورثنى علوم الاولين والآخرين وعلمنى علوما شتى فعلم اخذ علىّ كتمانه اذ علم انه لا يقدر على حمله غيرى وعلم خيرنى فيه وعلم امرنى بتبليغه الى العام والخاص من امتى" تفسير : وهى الانس والجن والملك كما فى انسان العيون {تلك} السورة واشير اليها بما يشير الى البعيد لانه وصل من المرسل الى المرسل فصار كالمتباعد او لان الاشارة لما كانت الى الموجود فى الذهن اشير بما ايماء الى بعده عن حيز الاشارة لما انها تكون بمحسوس مشاهد وهو مبتدأ خبره قوله {آيات الكتاب} اى القرآن {المبين} من ابان بمعنى بان اى وضح وظهر اى الظاهر امره فى كونه من عند الله تعالى وفى اعجازه او بمعنى بين واضح اى المبين لما فيه من الاحكام والشرائع وخفايا الملك والملكوت واسرار النشأتين وغير ذلك من الحكم والمعارف والقصص. وفى بحر العلوم الكتاب المبين هو اللوح وابانته انه قد كتب وبين كل ما هو كائن فهو يبينه للناظرين فيه ابانة ولما وصف الكتاب بما يدل على الشرف الذاتى عقب ذلك بما يدل على الشرف الاضافى
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (قرآناً): حال، و(عربياً): نعت له، و(لعلكم): يتعلق بأنزلناه أو بعربياً. و(أحسن): مفعول (نَقُصُّ)، و(بما أوحينا): مصدرية، ويجوز أن يكون (هذا القرآن): مفعول (نَقُصُّ)، و(أحسن القصص): مصدر. يقول الحق جل جلاله: أيها الرسول المجتبى، والمحبوب المنتقى {تلك} الآيات التي تُتلى عليك هي {آيات الكتاب} المنزل عليك من حضرة قدسنا، {المبين} أي: الظاهر صدقه، الشهير شأنه. أو الظاهر أمره في الإعجاز والبلاغة، الواضح معانيه في الفصاحة، والبراعة. أو المبين للأحكام الظاهرة والباطنة. أو البَينُ لمن تدبره أنه من عند الله. أو المبين لمن سأل تَعنُّتاً من أحبار اليهود سؤالهم؛ إذ رُوي أنهم قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً: لِمَ انتقلَ يعقوب من الشام؟ وعن قصة يوسف. فنزلت السورة. {إنا أنزلناه} أي: الكتاب، {قرآناً} أي: مقروءاً، أو مجموعاً، {عربياً} بلغة العرب، {لعلكم تعقلون} أي: أنزلناه بلغتكم كي تفهموه وتستعملوا عقولكم في معانيه؛ فتعلموا أن اقتصاصه كذلك ممن لم يتعلم القصص، ولم يخالط من يعلم ذلك، معجز؛ إذ لا يتصور إلا بالإيحاء. {نحن نقصُّ عليك أحسن القَصَص}؛ أحسن الاقتصاص؛ لأنه اقتص على أبدع الأساليب، أو أحسن ما يُقص؛ لاشتماله على العجائب والحِكَمٍ والآيات والعِبَر، {بما أوحينا إليك هذا القرآن} مشتملاً على هذه السورة التي فيها قصة يوسف، التي هي من أبدع القصص، {وإن كنتَ من قبله لَمِنَ الغافلين} عن هذه القصة، لم تخطر ببالك، ولم تقرع سمعك. قال البيضاوي: وهو تعليل لكونه موحى، و"إنْ" هذه: مخففة واللام هي الفارقة. هـ. الإشارة: ما نزل القرآن بلسان عربي مبين إلا لنعقل عظمة ربنا ونعرفه، وذلك لا يكون إلا بعد استعمال العقول الصافية، والأفكار المنورة، في الغوص على درر معانيه. فحينئذٍ تطلع على أنوار التوحيد وأسرار التفريد، وعلى أنوار الصفات، وأسرار الذات، وعلى توحيد الأفعال وتوحيد الصفات، وتوحيد الذات. وقال تعالى: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ}تفسير : [الأنعام: 38]، لكن لا يحيط بهذا إلا أهل التجريد، الذين صفت عقولهم من الأكدار، وتطهرت من الأغيار، وملئت بالمعارف والأسرار. قال تعالى: {أية : لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [ص: 29]. وهم: أهل العقول الصافية المتفرغة من شواغل الحس. والله تعالى أعلم. ثم شرع في القصة، فقال: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ}.
الطوسي
تفسير : لم يعدوا {الر} آية، لأنه على حرفين، ولا يشاكل رؤوس الآي، فيعد من الفواصل بالوجهين، لأنه بالحرفين يجري مجرى الاسماء الناقصة، وإِنما يؤمّ بالفواصل التمام، وانما يعد (طه) لأنه يشبه رؤوس الآي. وقد بينا فيما تقدم اختلاف المفسرين في مبادىء السور بهذه الحروف. وقلنا أن أقوي الأقوال قول من قال إنها اسماء للسور، فلا وجه، لاعادة القول فيها. قوله {تلك آيات} قال قوم: هو اشارة الى ما تقدم من ذكره السورة في قول {الر} كأنه قال سورة يوسف {تلك آيات الكتاب المبين}. الثاني - انه اشارة الى ما يأتي من ذكرها على وجه التوقع لها. وقال قوم: معناه هذه تلك الآيات التي وعدتم بها في التوراة، كما قال {الم ذلك الكتاب المبين} معناه المظهر لحلال الله وحرامه والمعاني المرادة به، وهو قول مجاهد وقتادة، ويروي عن معاذ أنه قال {المبين} قال بين الحروف التي سقطت عن ألسن الاعاجم، وهي ستة يعني حروف الحلق. والبيان هو الدلالة. وقال الرماني البيان: إظهار المعنى من الطريق التي من جنسه. والبرهان إنما هو إظهار صحة المعنى بما يشهد به، وإنما سميت (آيات) لما فيها من الدلالة القاطعة على صحة ما تضمنته الآية الدالة.
الجنابذي
تفسير : {الۤر} قد سبق انّ تلك الحروف تعبير عن مراتب العالم او مراتب وجوده (ص) المشهودة له حين انسلاخه عن غواشى الطّبع ولذلك عدّت من اسمائه (ص) فصحّ جعلها مناداة وجعلها مبتدءً وما بعدها خبرها وجعلها منقطعة غير عاملة ولا معمولة لمحض اظهار تلك المراتب فى نظره وعلى وجه الابتداء فقوله {تِلْكَ} بدل منها و {آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} خبرها او تلك مبتدء ثان وآيات الكتاب {ٱلْمُبِينِ} خبره والجملة خبرها والمبين بمعنى الظّاهر او المظهر والمراد القلم العالى او اللّوح الكلّىّ او عالم المثال او عالم الطّبع او القرآن او جملة العالم.
الأعقم
تفسير : {الر}، قيل: اسم السورة، وقيل: إسم القرآن، وقيل: أنا الرب لا رب غيري، وقيل: اسم لله تعالى، وقيل: إنه قسم كأنه قال: والله، وقد تقدم الكلام فيه {تلك} إشارة إلى آيات السورة و{الكتاب المبين} السورة، وقيل: المبين حلاله وحرامه وما يحتاجون إليه {انا أنزلناه} يعني الكتاب {قرآنا عربياً} يعني بلغة العرب {لعلكم تعقلون} يعني لتعلموا معانيه وأحكامه {نحن نقص عليك أحسن القصص} لأنه بلغ النهاية في الفصاحة مع حسن المعاني وصدق الحديث والفائدة العظيمة، وقيل: لأن فيه أخبار الأمم الماضية، ويقال: أحسن القصص قصة يوسف، قوله تعالى: {بما أوحينا إليك هذا القرآن} الذي أنزل عليك {وإن كنت من قبله لمن الغافلين} أي من قبل إنزال الوحي عليك غافلاً عن قصة يوسف {إذ قال يوسف لأبيه} أي اذكر إذ قال، روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "حديث : إذا قيل من الكريم فقولوا الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم" تفسير : {يا أبت إني رأيت} يعني في منامي باتفاق المفسرين {أحد عشر كوكباً والشمس والقمر} قال ابن عباس والحسن: الشمس والقمر أبواه والكواكب أخوته الأحد عشر، وقيل: كان بين رؤياه وبين أن وصل أبوه وأخوته إلى مصر أربعون سنة عن أكثر المفسرين، وقيل: ثمانون سنة، وقيل: رأى هذه الرؤيا وهو ابن اثني عشر سنة، وقيل: ابن سبع سنين، قيل: رأى يوسف أن الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً تسجد له، وقيل: الشمس والقمر أبواه، وقيل: أبوه وخالته لأن أمه راحيل كانت قد ماتت والكواكب إخوته. فقال يعقوب: {لا تقصص رؤياك على إخوتك} أي لا تخبرهم بذلك ظن أنهم يحسدونه.
الهواري
تفسير : تفسير سورة يوسف وهي مكية كلها { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الۤر تِلْكَ ءَايَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ} قد فسّرناه في غير هذا الموضع. {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً} أي: بلسان عربي مبين {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: لكي تعقلوا ما فيه فتؤمنوا به. قوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} من الكتب الماضية وأمور الله السالفة في الأمم {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ} [أي: بوحينا إليك هذا القرآن] {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ} أي: من قبل أن ينزل عليك القرآن {لَمِنَ الغَافِلِينَ}. وهو كقوله: (أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ) تفسير : [الشورى:52]، وكقوله: (أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى). تفسير : [الضحى: 7]. قوله: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبَاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}. فتأّوّلها يعقوب إن إخوة يوسف، وكانوا أحد عشر رجلاً، وأبويه سيسجدون له؛ أعلمه الله بذلك. فإخوته هم الأحد عشر كوكباً، والشمس والقمر أبواه.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {الر} إلى آخر السورة، روى ذلك عن سعد بن أبى وقاص، وقال ابن عباس فى رواية الضحاك: سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر يعقوب وأولاده فنزلت: وقيل: إن علماءهم أمروا أكابر كفار مكة أن يسألوه عن سبب حلول بنى إسرائيل بمصر من الشام، وقصة يوسف فنزلت. وقيل: نزلت تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يفعل به قومه بما فعل إخوة يوسف بيوسف عليه السلام، ولم يتكرر مما فى هذه السورة شئ فى القرآن، وفيها رد على من ادعى أن المصاحبة تمكنت بترداد القصد، تقدم معنى {الر} فى سورة يونس عليه السلام، ومما قيل فيه إنه اسم للسورة. {تلك} إشارة إلى آيات السورة كما أخبر عن ذلك بقوله: {آياتُ الكتابِ} والكتاب السورة، أو أراد بالكتاب القرآن، وآيات السورة بعضه، فتكون الإضافة للتبعيض {المبِينِ} الواضح أمره فى الإعجاز، أو الواضحة معانيه لنزولها بلغة العرب على أنه من أبان اللام بمعنى بان، أو الكاشف الحلال والحرام الموضح إياهما، والحدود والأحكام، والحق والباطل، أو الكاشف لمن تدبر آياته أنها من الله سبحانه وتعالى، أو الكاشف الجواب لمن سأل عن أمر يوسف، وحلول بنى إسرائيل بمصر، أو الكاشف لقصص الأوائل على انه من أبان المتعدى.
اطفيش
تفسير : الر تعديد للحروف أَى تهيأْ يا محمد لجنس ما يتركب من نحو هذه الحروف ينزل عليك، والإِشارة إِليها أَو اسم لهذه السورة والإِشارة إِليها، وعلى كلا الوجهين يحضر فى ذهن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الآيات التى تتضمن السورة إِجمالا، فصحح الإِشارة لأَن الإِشارة كما تكون إِلى ما فى الخارج، تكون إِلى ما فى الذهن، والكتاب السورة كأَنه قيل: آيات السورة آية السورة، وتمت الفائِدة بقوله المبين، كما تمت بقريشى من قولك رجل قريشى، والمعنى الكتاب الواضح فى نفسه معنى ولفظاً، أَو واضح الإٍعجاز وذلك من أَبان اللازم، أَو الكتاب المبين الحق أَو المبين أَنه من الله لمن تدبره أَو المبين لليهود ما سأَلتموه، كما روى أَن علماءَ اليهود قالوا لأَكابر قريش: سلو محمداً؛ لم انتقل يعقوب وأَهله من الشام إِلى مصر وعمروا فيها وتناسوا وكثروا إِلى عهد موسى، وعن قصة يوسف - من أَبان المتعدى كما رأيت مفعوله المقدر، وكذا إِن جعلناه من المتعدى وجعلنا الكتاب مطلق القرآن؛ ويكون التقدير المبين الحلال والحرام والحق والباطل وقصص الأًولين، وتحصل الفائِدة ولو لم يذكر المبين، على حد "أَنا أَبو النجم وشعرى شعرى" أَى أَنا المعروف المشهور، وشعرى أَى شعرى؛ هو الذى عرف بالفصاحة والبلاغة لم أَتغير ولم يتغير - أَى تلك الآيات هى الآيات المعروفة بأَنها لا كلام يعادلها، وروى البيهقى بسنده إِلى ابن عباس: أَن حبرا سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة يوسف فقال: حديث : من علمك؟ فقال: الله تعالىتفسير : ، فقال لليهود سمعت محمداً يقرأُ ما فى التوراة، فجاءَ بنفر فدخلوا فسمعوه يقرؤها وعرفوه بالصفة وخاتم النبوة فأَسلموا، فإِما أَن سمعوا ما أَدركوا منها، أَو كررها صلى الله عليه وسلم.
الالوسي
تفسير : {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} {الۤر} الكلام فيه وفي نظائره شهير وقد تقدم لك منه ما فيه إقناع. والإشارة في قوله سبحانه: {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} إليه في قول، وإلى آيات هذه السورة في آخر، وأشير إليها مع أنها لم تذكر بعد لتنزيلها لكونها مترقبة منزلة المتقدم أو لجعل حضورها في الذهن بمنزلة الوجود الخارجي والإشارة بما يشار به للبعيد. أما على الثاني فلأن ما أشير إليه لما لم يكن محسوساً نزل منزلة البعيد لبعده عن حيز الإشارة أو العظمة وبعد مرتبته وعلى غيره لذلك، أو لأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه صار كالمتباعد. وزعم بعضهم أن الإشارة إلى ما في اللوح وهو بعيد، وأبعد من ذلك كون الإشارة إلى التوراة والإنجيل أو الآيات التي ذكرت في سورة هود. والمراد بالكتاب إما هذه السورة أو القرآن، وقد تقدم لك في يونس ما يؤنسك تذكره هنا فتذكر. {ٱلْمُبِينِ} من أبان بمعنى بان أي ظهر فهو لازم أي الظاهر أمره في كونه من / عند الله تعالى وفي إعجازه أو الواضح معانيه للعرب بحيث لا تشتبه عليهم حقائقه ولا تلتبس عليهم دقائقه وكأنه على المعنيين حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع واستتر ولا يعد هذا من حذف الفاعل المحظور فلا حاجة إلى القول بأن الإسناد مجازي فراراً منه. أو بمعنى بين بمعنى أظهر فهو متعد والمفعول مقدر أي المظهر ما فيه هدى ورشد أو ما سألت عنه اليهود أو ما أمرت أن تسئل عنه من السبب الذي أحل بني إسرائيل بمصر أو الأحكام والشرائع وخفايا الملك والملكوت وأسرار النشأتين وغير ذلك من الحكم والمعارف والقصص. وعن ابن عباس ومجاهد الاقتصار على الحلال والحرام وما يحتاج إليه في أمر الدين، وأخرج ابن جرير عن خالد بن معدان عن معاذ رضي الله تعالى عنه أنه قال في ذلك: بين الله تعالى فيه الحروف التي سقطت عن ألسن الأعاجم، وهي ستة أحرف: الطاء والظاء والصاد والضاد والعين والحاء المهملتان، والمذكور في «الفرهنك» وغيره من الكتب المؤلفة في اللغة الفارسية أن الأحرف الساقطة ثمانية، ونظم ذلك بعضهم فقال:شعر : هشت حرفست أنكه أندر فارسي نايدهمي تاينا موزى بناشى أندرين معنى معاف بشنوا كنون تاكدام أست أن حروف ويا دكير ثا وحا وصاد ضاد وطا وظا وعين وقاف تفسير : ومع هذا فالأمر مبني على الشائع الغالب وإلا فبعض هذه الأحرف موجود في بعض كلماتهم كما لا يخفى على المتتبع، ولعل الوصف على الأقوال الأول أمدح منه على القول الأخير، والظاهر أن ذلك وصف له باعتبار الشرف الذاتي.
سيد قطب
تفسير : هذا الدرس هو المقدمة، ثم الحلقة الأولى من القصة، وتتألف من ستة مشاهد، وتبدأ من رؤيا يوسف إلى نهاية مؤامرة إخوته عليه، ووصوله إلى مصر.. وسنواجه النصوص الواردة فيه مباشرة، بعد ذلك التقديم السابق للسورة، وفيه غناء: {الر. تلك آيات الكتاب المبين. إنا أنزلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون. نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هـذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين}.. ألف. لام. را...{تلك آيات الكتاب المبين}.. هذه الأحرف وما من جنسها وهي قريبة للناس متداولة بينهم. هي هي بعينها تلك الآيات البعيدة المتسامية على الطاقة البشرية. آيات الكتاب المبين. ولقد نزله الله كتاباً عربياً مؤلفاً من هذه الأحرف العربية المعروفة: {لعلكم تعقلون}.. وتدركون أن الذي يصنع من الكلمات العادية هذا الكتاب المعجز لا يمكن أن يكون بشراً، فلا بد عقلاً أن يكون القرآن وحيا. والعقل هنا مدعو لتدبر هذه الظاهرة ودلالتها القاهرة. ولما كان جسم هذه السورة قصة فقد أبرز ذكر القصص من مادة هذا الكتاب، على وجه التخصيص: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن}.. فبإيحائنا هذا القرآن إليك قصصنا عليك هذا القصص ـ وهو أحسن القصص ـ وهو جزء من القرآن الموحى به. {وإن كنت من قبله لمن الغافلين}.. فقد كنت أحد الأميين في قومك، الذين لا يتجهون إلى هذا النحو من الموضوعات التي جاء بها القرآن، ومنها هذا القصص الكامل الدقيق. هذه المقدمة إشارة البدء إلى القصة.. ثم يرفع الستار عن المشهد الأول في الحلقة الأولى، لنرى يوسف الصبي يقص رؤياه على أبيه: {إذ قال يوسف لأبيه: يا أبت، إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر. رأيتهم لي ساجدين. قال: يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك، فيكيدوا لك كيداً. إن الشيطان للإنسان عدو مبين. وكذلك يجتبيك ربك، ويعلمك من تأويل الأحاديث، ويتم نعمته عليك، وعلى آل يعقوب، كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق، إن ربك عليم حكيم}.. كان يوسف صبياً أو غلاماً؛ وهذه الرؤيا كما وصفها لأبيه ليست من رؤى الصبية ولا الغلمان؛ وأقرب ما يراه غلام ـ حين تكون رؤياه صبيانية أو صدى لما يحلم به ـ أن يرى هذه الكواكب والشمس والقمر في حجره أو بين يديه يطولها. ولكن يوسف رآها ساجدة له، متمثلة في صورة العقلاء الذين يحنون رؤوسهم بالسجود تعظيماً. والسياق يروي عنه في صيغة الإيضاح المؤكدة: {إذ قال يوسف لأبيه: يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر}.. ثم يعيد لفظ رأى: {رأيتهم لي ساجدين}. لهذا أدرك أبوه يعقوب بحسه وبصيرته أن وراء هذه الرؤيا شأناً عظيماً لهذا الغلام. لم يفصح هو عنه، ولم يفصح عنه سياق القصة كذلك. ولا تظهر بوادره إلا بعد حلقتين منها. أما تمامه فلا يظهر إلا في نهاية القصة بعد انكشاف الغيب المحجوب. ولهذا نصحه بألا يقص رؤياه على إخوته، خشية أن يستشعروا ما وراءها لأخيهم الصغير ـ غير الشقيق ـ فيجد الشيطان من هذا ثغرة في نفوسهم، فتمتلئ نفوسهم بالحقد، فيدبروا له أمراً يسوؤه: {قال: يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً}.. ثم عللَّ هذا بقوله: {إن الشيطان للإنسان عدو مبين}.. ومن ثم فهو يوغر صدور الناس بعضهم على بعض، ويزين لهم الخطيئة والشر. ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وقد أحس من رؤيا ابنه يوسف أن سيكون له شأن، يتجه خاطره إلى أن هذا الشأن في وادي الدين والصلاح والمعرفة؛ بحكم جو النبوة الذي يعيش فيه، وما يعلمه من أن جده إبراهيم مبارك من الله هو وأهل بيته المؤمنون. فتوقع أن يكون يوسف هو الذي يختار من أبنائه من نسل إبراهيم لتحل عليه البركة وتتمثل فيه السلسلة المباركة في بيت إبراهيم. فقال له: {وكذلك يجتبيك ربك، ويعلمك من تأويل الأحاديث، ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب، كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق، إن ربك عليم حكيم}.. واتجاه فكر يعقوب إلى أن رؤيا يوسف تشير إلى اختيار الله له، وإتمام نعمته عليك وعلى آل يعقوب، كما أتمها على أبويه من قبل إبراهيم وإسحاق (والجد يقال له أب).. هذا طبيعي. ولكن الذي يستوقف النظر قوله: {ويعلمك من تأويل الأحاديث}.. والتأويل هو معرفة المآل. فما الأحاديث؟. أقصد يعقوب أن الله سيختار يوسف ويعلمه ويهبه من صدق الحس ونفاذ البصيرة ما يدرك به من الأحاديث مآلها الذي تنتهي إليه، منذ أوائلها. وهو إلهام من الله لذوي البصائر المدركة النافذة، وجاء التعقيب: {إن ربك عليم حكيم}.. مناسباً لهذا في جو الحكمة والتعليم؟ أم قصد بالأحاديث الرؤى والأحلام كما وقع بالفعل في حياة يوسف فيما بعد؟ كلاهما جائز، وكلاهما يتمشى مع الجو المحيط بيوسف ويعقوب. وبهذه المناسبة نذكر كلمة عن الرؤى والأحلام وهي موضوع هذه القصة وهذه السورة. إننا ملزمون بالاعتقاد بأن بعض الرؤى تحمل نبوءات عن المستقبل القريب أو البعيد. ملزمون بهذا أولاً من ناحية ما ورد في هذه السورة من وقوع مصداق رؤيا يوسف، ورؤيا صاحبيه في السجن، ورؤيا الملك في مصر. وثانياً من ناحية ما نراه في حياتنا الشخصية من تحقق رؤى تنبؤية في حالات متكررة بشكل يصعب نفي وجوده.. لأنه موجود بالفعل!.. والسبب الأول يكفي.. ولكننا ذكرنا السبب الثاني لأنه حقيقة واقعة لا يمكن إنكارها إلا بتعنت.. فما هي طبيعة الرؤيا؟ تقول مدرسة التحليل النفسي: إنها صور من الرغبات المكبوتة تتنفس بها الأحلام في غياب الوعي. وهذا يمثل جانباً من الأحلام. ولكنه لا يمثلها كلها. (وفرويد) ذاته ـ على كل تحكمه غير العلمي وتمحله في نظريته ـ يقرر أن هناك أحلاماً تنبؤية. فما طبيعة هذه الأحلام التنبؤية؟ وقبل كل شيء نقرر أن معرفة طبيعتها أوعدم معرفته لا علاقة له بإثبات وجودها وصدق بعضها. إنما نحن نحاول فقط أن ندرك بعض خصائص هذا المخلوق البشري العجيب، وبعض سنن الله في هذا الوجود. ونحن نتصور طبيعة هذه الرؤى على هذا النحو.. إن حواجز الزمان والمكان هي التي تحول بين هذا المخلوق البشري وبين رؤية ما نسميه الماضي أو المستقبل، أو الحاضر المحجوب. وأن ما نسميه ماضياً أو مستقبلاً إنما يحجبه عنا عامل الزمان، كما يحجب الحاضر البعيد عنا عامل المكان. وأن حاسةً ما في الإنسان لا نعرف كنهها تستيقظ أو تقوى في بعض الأحيان، فتتغلب على حاجز الزمان وترى ما وراءه في صور مبهمة، ليست علماً ولكنها استشفاف، كالذي يقع في اليقظة لبعض الناس، وفي الرؤى لبعضهم، فيتغلب على حاجز المكان أو حاجز الزمان، أو هما معاً في بعض الأحيان. وإن كنا في نفس الوقت لا نعلم شيئاً عن حقيقة الزمان. كما أن حقيقة المكان ذاتها ـ وهي ما يسمى بالمادة ـ ليست معلومة لنا على وجه التحقيق: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً}! على أية حال لقد رأى يوسف رؤياه هذه، وسنرى فيما بعد ما يكون تأويل الرؤيا. ويسدل السياق الستار على مشهد يوسف ويعقوب هنا ليرفعه على مشهد آخر: مشهد إخوة يوسف يتآمرون، مع حركة تنيبه لأهمية ما سيكون: {لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين. إذ قالوا: ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة. إن أبانا لفي ضلال مبين. اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين. قال قائل منهم: لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين }.. لقد كان في قصة يوسف وإخوته آيات وأمارات على حقائق كثيرة لمن ينقلب عن الآيات ويسأل ويهتم. وهذا الافتتاح كفيل بتحريك الانتباه والاهتمام. لذلك نشبهه بحركة رفع الستار عما يدور وراءه من أحداث وحركات. فنحن نرى وراءه مباشرة مشهد إخوة يوسف يدبرون ليوسف ما يدبرون. ترى حدثهم يوسف عن رؤياه كما يقول كتاب "العهد القديم"؟ إن السياق هنا يفيد أن لا. فهم يتحدثون عن إيثار يعقوب ليوسف وأخيه عليهم. أخيه الشقيق. ولو كانوا قد علموا برؤياه لجاء ذكرها على ألسنتهم، ولكانت أدعى إلى تلهج ألسنتهم بالحقد عليه. فما خافه يعقوب لو قص رؤياه على إخوته قد تم عن طريق آخر، وهو حقدهم عليه لإيثار أبيهم له. ولم يكن بد أن يتم لأنه حلقة في سلسلة الرواية الكبرى المرسومة، لتصل بيوسف إلى النهاية المرسومة، والتي تمهد لها ظروف حياته، وواقع أسرته، ومجيئه لأبيه على كبرة. وأصغر الأبناء هم أحب الأبناء، وبخاصة حين يكون الوالد في سن الكبر. كما كان الحال مع يوسف وأخيه، وإخوته من أمهات. {إذ قالوا: ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة}.. أي ونحن مجموعة قوية تدفع وتنفع.. {إن أبانا لفي ضلال مبين}.. إذ يؤثر غلاماً وصبياً صغيرين على مجموعة الرجال النافعين الدافعين! ثم يغلي الحقد ويدخل الشيطان، فيختل تقديرهم للوقائع، وتتضخم في حسهم أشياء صغيرة، وتهون أحداث ضخام. تهون الفعلة الشنعاء المتمثلة في إزهاق روح. روح غلام بريء لا يملك دفعاً عن نفسه، وهو لهم أخ. وهم أبناء نبي ـ وإن لم يكونوا هم أنبياء ـ يهون هذا. وتضخم في أعينهم حكاية إيثار أبيهم له بالحب. حتى توازي القتل. أكبر جرائم الأرض قاطبة بعد الشرك بالله: {اقتلوا يوسف. او اطرحوه ارضاً}.. وهما قريب من قريب. فطرحه في أرض نائية مقطوعة مفض في الغالب إلى الموت.. ولماذا؟ {يخل لكم وجه أبيكم}.. فلا يحجبه يوسف. وهم يريدون قلبه. كأنه حين لا يراه في وجهه يصبح قلبه خالياً من حبه، ويتوجه بهذا الحب إلى الآخرين! والجريمة؟ الجريمة تتوبون عنها وتصلحون ما أفسدتم بارتكابها: {وتكونوا من بعده قوماً صالحين}!.. هكذا ينزغ الشيطان، وهكذا يسول للنفوس عندما تغضب وتفقد زمامها، وتفقد صحة تقديرها للأشياء والأحداث. وهكذا لما غلا في صدورهم الحقد برز الشيطان ليقول لهم: اقتلوا.. والتوبة بعد ذلك تصلح ما فات! وليست التوبة هكذا. إنما تكون التوبة من الخطيئة التي يندفع إليها المرء غافلاً جاهلاً غير ذاكر؛ حتى إذا تذكر ندم، وجاشت نفسه بالتوبة. أما التوبة الجاهزة! التوبة التي تعد سلفاً قبل ارتكاب الجريمة لإزالة معالم الجريمة، فليست بالتوبة، إنما هي تبرير لارتكاب الجريمة يزينه الشيطان! ولكن ضميراً واحداً فيهم، يرتعش لهول ما هم مقدمون عليه. فيقترح حلاً يريحهم من يوسف، ويخلي لهم وجه أبيهم، ولكنه لا يقتل يوسف، ولا يلقيه في أرض مهجورة يغلب فيها الهلاك. إنما يلقيه في الجب على طريق القوافل، حيث يرجح أن تعثر عليه إحدى القوافل فتنقذه وتذهب به بعيداً: {قال قائل منهم: لا تقتلوا يوسف، وألقوه في غيابة الجب، يلتقطه بعض السيارة. إن كنتم فاعلين}.. ونحس من قوله: {إن كنتم فاعلين}.. روح التشكيك والتثبيط. كأنه يشككهم في أنهم مصرون على إيقاع الأذى بيوسف. وهو أسلوب من أساليب التثبيط عن الفعل، واضح فيه عدم الارتياح للتنفيذ. ولكن هذا كان أقل ما يشفي حقدهم؛ ولم يكونوا على استعداد للتراجع فيما اعتزموه.. نفهم هذا من المشهد التالي في السياق.. فها هم أولاء عند أبيهم، يراودنه في اصطحاب يوسف معهم منذ الغداة. وها هم أولاء يخادعون أباهم، ويمكرون به وبيوسف. فلنشهد ولنستمع لما يدور: {قالوا: يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف؟ وإنا له لناصحون؛ أرسله معنا غدا يرتعْ ويلعبْ، وإنا له لحافظون. قال: إني ليحزنني أن تذهبوا به، وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون. قالوا: لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذن لخاسرون}.. والتعبير يرسم بكلماته وعباراته كل ما بذلوه ليتدسسوا به إلى قلب الوالد المتعلق بولده الصغير الحبيب، الذي يتوسم فيه أن يكون الوارث لبركات أبيه إبراهيم.. {يا أبانا}.. بهذا اللفظ الموحي المذكر بما بينه وبينهم من آصرة. {مالك لا تأمنا على يوسف؟}.. سؤال فيه عتب وفيه استنكار خفي، وفيه استجاشة لنفي مدلوله من أبيهم، والتسليم لهم بعكسه وهو تسليمهم يوسف. فهو كان يستبقي يوسف معه ولا يرسله مع إخوته إلى المراعي والجهات الخلوية التي يرتادونها لأنه يحبه ويخشى عليه ألا يحتمل الجو والجهد الذي يحتملونه وهم كبار، لا لأنه لا يأمنهم عليه. فمبادرتهم له بأنه لا يأتمنهم على أخيهم وهو أبوهم، مقصود بها استجاشته لنفي هذا الخاطر؛ ومن ثم يفقد إصراره على احتجاز يوسف. فهي مبادرة ماكرة منهم خبيثة! {مالك لا تأمنا على يوسف؟ وإنا له لناصحون}.. قلوبنا له صافية لا يخالطها سوء ـ وكاد المريب أن يقول خذوني ـ فذكر النصح هنا وهو الصفاء والإخلاص يشي بما كانوا يحاولون إخفاءه من الدغل المريب.. {أرسله معنا غداً يرتع ويلعب وإنا له لحافظون}.. زيادة في التوكيد، وتصويراً لما ينتظر يوسف من النشاط والمسرة والرياضة، مما ينشط والده لإرساله معهم كما يريدون. ورداً على العتاب الاستنكاري الأول جعل يعقوب ينفي ـ بطريق غير مباشر ـ أنه لا يأمنهم عليه، ويعلل احتجازه معه بقلة صبره على فراقه وخوفه عليه من الذئاب: {قال: إني ليحزنني أن تذهبوا به، وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون}.. {إني ليحزنني أن تذهبوا به}.. إنني لا أطيق فراقه.. ولا بد أن هذه هاجت أحقادهم وضاعفتها. أن يبلغ حبه له درجة الحزن لفراقه ولو لبعض يوم، وهو ذاهب كما قالوا له للنشاط والمسرة. {وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون}.. ولا بد أنهم وجدوا فيها عذراً كانوا يبحثون عنه، أو كان الحقد الهائج أعماهم فلم يفكروا ماذا يقولون لأبيهم بعد فعلتهم المنكرة، حتى لقنهم أبوهم هذا الجواب! واختاروا أسلوباً من الأساليب المؤثرة لنفي هذا الخاطر عنه: {قالوا: لئن أكله الذئب ونحن عصبة، إنا إذن لخاسرون}.. لئن غلبنا الذئب عليه ونحن جماعة قوية هكذا فلا خير فينا لأنفسنا وإننا لخاسرون كل شيء، فلا نصلح لشيء أبداً! وهكذا استسلم الوالد الحريص لهذا التوكيد ولذلك الإحراج.. ليتحقق قدر الله وتتم القصة كا تقتضي مشيئته! والآن لقد ذهبوا به، وها هم أولاء ينفذون المؤامرة النكراء. والله سبحانه يلقي في روع الغلام أنها محنة وتنتهي، وأنه سيعيش وسيذكّر إخوته بموقفهم هذا منه وهم لا يشعرون أنه هو: {فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب. وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هـذا وهم لا يشعرون}.. فقد استقر أمرهم جميعاً على أن يجعلوه في غيابة الجب، حيث يغيب فيه عنهم. وفي لحظة الضيق والشدة التي كان يواجه فيها هذا الفزع، والموت منه قريب، ولا منقذ له ولا مغيث. وهو وحده صغير وهم عشرة أشداء. في هذه اللحظة اليائسة يلقي الله في روعة أنه ناج، وأنه سيعيش حتى يواجه إخوته بهذا الموقف الشنيع، وهم لا يشعرون بأن الذي يواجههم هو يوسف الذي تركوه في غيابة الجب وهو صغير. وندع يوسف في محنته في غيابة الجب، يؤنسه ولا شك ما ألقى الله في روعه ويطمئنه، حتى يأذن الله بالفرج. ندعه لنشهد إخوته بعد الجريمة يواجهون الوالد المفجوع: {وجاءوا أباهم عشاء يبكون، قالوا: يا أبانا إنا ذهبنا نستبق، وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب. وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين. وجاءوا على قميصه بدم كذب. قال: بل سولت لكم أنفسكم أمراً، فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون}.. لقد ألهاهم الحقد الفائر عن سبك الكذبة، فلو كانوا أهدأ أعصاباً ما فعلوها منذ المرة الأولى التي يأذن لهم فيها يعقوب باصطحاب يوسف معهم! ولكنهم كانوا معجلين لا يصبرون، يخشون ألا تواتيهم الفرصة مرة أخرى. كذلك كان التقاطهم لحكاية الذئب المكشوفة دليلاً على التسرع، وقد كان أبوهم يحذرهم منها أمس، وهم ينفونها، ويكادون يتهكمون بها. فلم يكن من المستساغ أن يذهبوا في الصباح ليتركوا للذئب الذي حذرهم أبوهم منه أمس! وبمثل هذا التسرع جاءوا على قميصه بدم كذب لطخوه به في غير إتقان، فكان ظاهر الكذب حتى ليوصف بأنه كذب.. فعلوا هذا. {وجاءوا أباهم عشاء يبكون قالوا: يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب}.. ويحسون أنها مكشوفة، ويكاد المريب أن يقول خذوني، فيقولون: {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين}.. أي وما أنت بمطمئن لما نقوله، ولو كان هو الصدق، لأنك تشك فينا ولا تطمئن لما نقول. وأدرك يعقوب من دلائل الحال، ومن نداء قلبه، أن يوسف لم يأكله الذئب، وأنهم دبروا له مكيدة ما. وأنهم يلفقون له قصة لم تقع، ويصفون له حالاً لم تكن. فواجههم بأن نفوسهم قد حسنت لهم أمراً منكراً وذللته ويسرت لهم ارتكابه؛ وأنه سيصبر متحملاً متجملاً لا يجزع ولا يفزع ولا يشكو، مستعيناً بالله على ما يلفقونه من حيل وأكاذيب: {قال: بل سولت لكم أنفسكم أمراً. فصبر جميل. والله المستعان على ما تصفون}. ثم لنعد سريعاً إلى يوسف في الجب، لنرى المشهد الأخير في هذه الحلقة الأولى من حلقات القصة: {وجاءت سيارة، فأرسلوا واردهم، فأدلى دلوه قال: يا بشرى. هـذا غلام. وأسروه بضاعة، والله عليم بما يعملون. وشروه بثمن بخس دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزاهدين}.. لقد كان الجب على طريق القوافل، التي تبحث عن الماء في مظانه، في الآبار وفي مثل هذا الجب الذي ينزل فيه ماء المطر ويبقى فترة، ويكون في بعض الأحيان جافاً كذلك: {وجاءت سيارة}.. أي قافلة سميت سيارة من السير الطويل كالكشافة والجوالة والقناصة... {فأرسلوا واردهم}.. أي من يرد لهم الماء ويكون خبيراً بمواقعه.. {فأدلى دلوه}.. لينظر الماء أو ليملأ الدلو ـ ويحذف السياق حركة يوسف في التعلق بالدلو احتفاظاً بالمفاجأة القصصية للقارئ والسامع ـ: {قال: يا بشرى! هذا غلام!}.. ومرة أخرى يحذف السياق كل ما حدث بعد هذا وما قيل، وحال يوسف، وكيف ابتهج للنجاة، ليتحدث عن مصيره مع القافلة: {وأسروه بضاعة}.. أي اعتبروه بضاعة سرية وعزموا على بيعه رقيقاً. ولما لم يكن رقيقاً فقد أسروه ليخفوه عن الأنظار. ثم باعوه بثمن قليل: {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة}.. وكانوا يتعاملون في القليل من الدراهم بالعد، وفي الكثير منها بالوزن.. {وكانوا فيه من الزاهدين}.. لأنهم يريدون التخلص من تهمة استرقاقه وبيعه.. وكانت هذه نهاية المحنة الأولى في حياة النبي الكريم.
ابن عاشور
تفسير : {الۤر}. تقدم الكلام على نظاير {الر} ونحوها في أوّل سورة البقرة. {الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} الكلام على {تلك آيات الكتاب} مضى في سورة يونس. ووُصف الكتاب هنا بـــ {المبين} ووصف به في طالعة سورة يونس بـــ {الحكيم} لأنّ ذكر وصف إبانته هنا أنسب، إذ كانت القصّة التي تضمّنتها هذه السّورة مفصّلة مبيّنة لأهمّ مَا جرى في مدة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ بمصر. فقصّة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ لم تكن معروفة للعرب قبل نزول القرآن إجمالاً ولا تفصيلاً، بخلاف قصص الأنبياء: هود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب ـــ عليهم السّلام أجمعين ـــ، إذ كانت معروفة لديهم إجمالاً، فلذلك كان القرآن مبيّناً إيّاها ومفصّلاً. ونزولها قبل اختلاط النبي صلى الله عليه وسلم باليهود في المدينة معجزة عظيمة من إعلام الله تعالى إيّاه بعلوم الأوّلين، وبذلك ساوى الصحابةُ علماءَ بني إسرائيل في علم تاريخ الأديان والأنبياء وذلك من أهم ما يعلمه المشرعون. فالمبين: اسم فاعل من أبان المتعدي. والمراد: الإبانة التامّة باللفظ والمعنى.
الواحدي
تفسير : {الر} أنا الله الرَّحمن {تلك} هذه {آيات الكتاب المبين} للحلال والحرام، والأحكام، يعني: القرآن. {إنا أنزلناه} يعني: الكتاب {قرآنا عربياً} بلغة العرب {لعلكم تعقلون} كي تفهموا. {نحن نقصُّ عليك أحسن القصص} نبيِّن لك أحسن البيان {بما أوحينا} بإيماننا {إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين} وما كنتَ من قبل أن يُوحى إليك إلاَّ من الغافلين. {إذ قال} اذكر إذ قال {يوسف لأبيه يا أبتِ إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم...} الآية. رأى يوسف عليه السَّلام هذه الرُّؤيا، فلمَّا قصَّها على أبيه أشفق عليه من حسد إخوته له، فقال: {يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً} يحتالوا في هلاكك؛ لأنهم لا يعلمون تأويلها. {وكذلك} ومثل ما رأيت {يجتبيك ربك} يصطفيك ويختارك {ويعلمك من تأويل الأحاديث} تعبير الأحلام {ويتم نعمته عليك} بالنبُّوَّة {وعلى آل يعقوب} يعني: المُختَصِّين منهم بالنُّبوَّة {على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إنَّ ربك عليم} حيث يضع النبوَّة {حكيم} في خلقه. {لقد كان في يوسف وإخوته} أَيْ: في خبرهم وقصصهم {آيات} عبرٌ وعجائبُ {للسائلين} الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأخبرهم بها وهو غافلٌ عنها لم يقرأ كتاباً، فكان في ذلك أوضح دلالةٍ على صدقه. {إذ قالوا} يعني: إخوة يوسف: {ليوسفُ وأخوه} لأبيه وأُمِّه {أحبُّ إلى أبينا منا ونحن عصبة} جماعةٌ {إنَّ أبانا لفي ضلالٍ مبين} ضلَّ بإيثاره يوسف وأخاه علينا. ضلالٍ: خطأ. {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً} في أرضٍ يبعد فيها عن أبيه {يخلُ لكم وجه أبيكم} يُقبل بكليته عليكم {وتكونوا من بعده قوماً صالحين} تُحدثوا توبةً بعد ذلك يقبلها الله سبحانه منكم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- ألف. لام. راء. تلك الحروف وأمثالها يتكون منها كلامكم - أيها العرب - هى التى تتكون منها آيات الكتاب المعجز بكل ما فيه. الواضح الموضح لمن يسترشد به، ويستهديه. وفى هذه الحروف الصوتية تنبيه لهم، فيستمعوا ولو اتفقوا على عدم السماع. 2- إنا أنزلنا على رسولنا بلغتكم - أيها العرب - كلاماً عربياً يُقرأ ويحفظ، لكى تفهموه وتبلغوا الناس ما فيه. 3- نحن نلقى عليك - أيها النبى - أحسن القصص بإيحائنا إليك هذا الكتاب، وقد كنت قبل تلقيه من الذين غفلوا عما فيه، وعما اشتمل عليه من عظات وآيات بينات. 4- من ذلك القصص - أيها النبى - قصة يوسف، إذ قال لأبيه: يا أبت، إنى رأيت فى منامى أحد عشر كوكباً، والشمس والقمر، رأيتهم جميعاً خاضعين لى ساجدين أمامى. 5- قال أبوه: يا بُنى، لا تَحْك لإخوتك هذه الرؤيا، فإنها تثير فى نفوسهم الحسد، فيغريهم الشيطان بتدبير الحيل ضدك. يحتالون للكيد لك ويمكرون بك، إن الشيطان للإنسان عدو ظاهر العداوة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ألر: تكتب ألر وتقرأ: ألف، لام، را، والله أعلم بمراده بذلك. الكتاب المبين: أي القرآن المظهر للحق في الاعتقادات والعبادات والشرائع. قرآنا عربيا: أي بلغه العرب العدنانيّون والقحطانيون سواء. نحن نقص: نحدثك متتبعين آثار الحديث على وجهه الذي كان عليه وتم به. بما أوحينا: أي بإِيحائنا إليك فالوحي هو أداة القصص. من قبله: أي من قبل نزوله عليك. لمن الغافلين: أي من قبل إيحائنا إليك غافلا عنه لا تذكره ولا تعلم منه شيئاً. معنى الآيات: إن المناسبة بين سورتي هود ويوسف عليهما السلام أن الثانية تتميم للقصص الذي اشتملت عليه الأولى إذ سورة يوسف اشتملت على أطول قصص في القرآن الكريم أوله {أية : إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ} تفسير : [الآية: 4] رابع آية وآخره {أية : وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ}تفسير : [الآية: 102] الآية الثانية بعد المائة وأما سبب نزول هذه السورة فقد قيل للرسول صلى الله عليه وسلم لو قصصت علينا فأنزل الله تعالى {الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} إلى قوله {أية : وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ}تفسير : [الآية: 102] فقص أحداث أربعين سنة تقريباً، فقوله تعالى {الۤر} من هذه الحروف المقطعة تألفّت آيات القرآن الكريم، فأشار إليها بقوله {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} أي المبيّن للحق المُظهر له ولكل ما الناس في حاجة إليه مما يصلح دينهم ودنياهم. وقوله تعالى {إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ} أي القرآن {قُرْآناً عَرَبِيّاً} أي بلسان العرب ليفهموه ويعقلوا معانيه فيهتدوا عليه فيكملوا ويسعدوا. وقوله {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي ليمكنكم فهمه ومعرفة ما جاء فيه من الهدى والنور. وقوله تعالى {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ} يا رسول الله {أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} أي أصحه وأصدقه وأنفعه وأجمله {بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} أي بواسطة إيحائنا إليك هذا القرآن، {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ} أي من قبل إيحائه إليك {لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} عنه لا تذكره ولا تعلمه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير إعجاز القرآن إذ هو مؤلف من مثل الۤر، وطسۤ، وقۤ، ومع هذا لم يستطع العرب أن يأتوا بسورة مثله. 2- بيان الحكمة في نزول القرآن باللغة العربية وهي أن يعقله العرب ليبلغوه إلى غيرهم. 3- القرآن الكريم اشتمل على أحسن القصص فلا معنى لسماع قصص غيره. 4- تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وإثباتها بأقوى برهان عقليّ وأعظم دليل نقليّ.
القطان
تفسير : الف. لام. را. سبقت الاشارة الى تلك الحروف وأمثالها في القرآن الكريم. المبين: الواضح المرشد الى مصالح الدنيا وسبيل الوصول الى سعادة الآخرة. {إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. لقد انزلنا هذا الكتاب على النبي العربي ليبّين لكم بلُغتكم نفسِها ما لم تكونوا تعلمونه، فعلنا ذلك تسهيلاً عليكم في أن تعقلوا معانيه وتفهموا ما ترشد اليه آياته من مطالب الروح، ومدارك العقل. {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ}. نحن نروي لك يا محمد أحسنَ الأخبار التي تتضمن العِبر والحِكَم، بإيحائنا اليك هذا القرآن، وكنتَ قبل نزوله عليك لا تعلم شيئا عنها، وبخاصة أنك في مجتمع أميّ جاهل لا يعرف شيئاً من أمور الماضين ولاِأخبار الأنبياء واقوامهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتُ} {ٱلْكِتَابِ} (1) - أَلِفْ، لاَمْ رَا - وَتُقْرأُ مُقَطَّعَةً، كُلُّ حَرْفٍ عَلَى حِدَةٍ، اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ. هذِهِ الآيَاتُ هِيَ آيَاتُ القرآنِ (الكِتَابِ) الجَلِيِّ الوَاضِح، الذِي يُفصِحُ عَنِ الأَشْيَاءِ المُبْهَمَةِ مِنْ حَقَائِقِ الدِّينِ، وَأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَيُفَسِّرُها، وَيُبَيِّنُها لِمَنْ يُريدُ أَنْ يِسْتَرْشِدَ بِهَا.
الثعلبي
تفسير : {الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} يعني البيّن حلاله وحرامه وحدوده وأحكامه وهداه وبركته، قال معاذ بن جبل: بيّن فيه الحروف التي سقطت من ألسن الأعاجم وهي ستة أحرف. {إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ} يعني الكتاب {قُرْآناً عَرَبِيّاً} بلغتكم يا معشر العرب {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} لكي تعلموا معانيه وتقيموا ما فيه {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ} أي نقرأ، وأصل القصص تتبع الشيء، ومنه قوله تعالى {أية : وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ}تفسير : [القصص: 11] فالقاص يتتبع الآثار ويخبر بها. {أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} يعني قصة يوسف {بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} و {ما} المصدر أي بإيحائنا إليك هذا القرآن {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ} من قبل وحينا {لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} قال سعد بن أبي وقاص: أُنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زماناً، وكأنهم ملّوا فقالوا: لو قصصت علينا، فأنزل الله تعالى {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} الآية، فقالوا: يا رسول الله لو ذكرتنا وحدثتنا فأنزل الله تعالى {أية : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الحديد: 16]الآية، فقال الله تعالى على هذه الآية: أحسن القصص. واختلف الحكماء فيها لم سميت أحسن القصص من بين الأقاصيص؟ فقيل: سماها أحسن القصص لأنه ليست قصة في القرآن تتضمن من العبر والحكم والنكت ما تتضمن هذه القصة، وقيل: سمّاها أحسن لامتداد الأوقات فيما بين مبتداها إلى منتهاها، قال ابن عباس: كان بين رؤيا يوسف ومصير أبيه وأخوته إليه أربعون سنة، وعليه أكثر المفسرين، وقال الحسن البصري: كان بينهما ثمانون سنة. وقيل: سماها أحسن القصص لحسن مجاورة يوسف إخوته، وصبره على أذاهم،وإغضائه عند الإلتقاء بهم عن ذكر ما تعاطوه، وكرمه في العفو عنهم وقيل: لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والأنس والجن والأنعام والطير، وسير الملوك والمماليك، والتجار والعلماء والجهال، والرجال والنساء،وحيلهن ومكرهن، وفيها أيضاً ذكر التوحيد والعفة والسير وتعبير الرؤيا السياسة وتدبير المعاش، وجعلت أحسن القصص لما فيها من المعاني الجزيلة والفوائد الجليلة التي تصلح للدين والدنيا، وقيل: لأن فيها ذكر الحبيب المحبوب. وقيل: أحسن القصص هاهنا بمعنى أعجب. {إِذْ قَالَ يُوسُفُ} قراءة العامة يوسف بضم السين، وقرأ طلحة بن مصرف بكسر السين، واختلفوا فيه فقال أكثرهم: هو اسم عبريّ فلذلك لا يجري، وقال بعضهم: هو اسم عربي. سمعت أبا القاسم الحبيبي، قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبا الحسن الأقطع، وكان حكيماً، وسئل عن يوسف، فقال: الأسف: الحزن، والأسيف: العبد واجتمعا في يوسف فلذلك سمي يوسف. {لأَبِيهِ} يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليهم السلام). روى أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليهم السلام) ". تفسير : {يٰأَبتِ} قرأ أبو جعفر وابن عامر بفتح التاء في جميع القرآن على تقدير يا أبتاه، وقرأ الباقون بالكسر، لأنه أصله يا أبه على هاء الوقف والجر. {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً} نصب الكوكب على التمييز، {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} ولم يقل: رأيتها لي ساجدة، والهاء والميم والياء والنون من كنايات ما يعقل؛ لأن السجود فعل ما يعقل فعبّر عنها بكنايتها كقوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ}تفسير : [النمل: 18] الآية. روى السدّي عن عبد الرحمن بن [ساريا]، عن جابر، قال: حديث : سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ من اليهود يقال له بستان، فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ساجدة له ما أسماؤها، فسكت؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هل أنت مؤمن إن أخبرتُ بأسمائها؟" قال: نعم، فقال: "حرثان والطارق والذيال وذو النقاب وقابس ووثاب وعمودان والمصبح والفليق والضروح وذو الفرغ، رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء فسجدن له فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها . تفسير : قال ابن عباس: الشمس والقمر أبواه والكواكب إخوته الأحد عشر. وقال قتادة: الشمس أبوه والقمر خالته، وذلك أن أمه راحيل كانت قد ماتت، قال وهب: وكان يوسف رأى وهوابن سبع سنين، أن احدى عشرة عصاً طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة وإذا عصا صغيرة ثبتت عليها حتى اقتلعتها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه، فقال له: إياك أن تذكر هذا لإخوتك، ثم رأى وهو ابن اثني عشرة سنة أنّ أحد عشر كوكباً والشمس والقمر سجدن له فقصّها على أبيه فقال له: {لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً} فيبغوا لك الغوايل ويحتالوا في إهلاكك، لأنهم يعلمون تأويلها فيحسدونك {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}. واختلف النحاة في وجه دخول اللام في قوله لك، فقال بعضهم: معناه فيكيدوك واللام صلة، كقوله {أية : لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}تفسير : [الأعراف: 154] وقال آخرون: هو مثل قولهم: نصحتك ونصحت لك، وشكرتك وشكرت لك، وحمدتك وحمدت لك، وقصدتك وقصدت لك. {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} كقوله: [يصطفيك ويختارك] ليوسف {وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} تعبير الرؤيا وسمي تأويلا لأنه يؤوّل أمره إلى ما رأى في منامه {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ} بالخلة وإنجائه من النار قال عكرمة: بأن نجّاه من الذبح وفداه بذبح عظيم. وقال الباقون: بإخراج يعقوب، والأسباط من صلبه. {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ولهذا قيل: العرق نزّاع والأصل لا يخطئ، فلمّا بلغت هذه الرؤيا إخوة يوسف حسدوه، قال ابن زيد: كانوا أنبياء، وقالوا: ما رضي أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه، فبغوه بالعداوة.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد تعرضنا من قبل لفواتح السور؛ من أول سورة البقرة، وسورة آل عمران، وقلنا: إن فواتح بعض من سور القرآن تبدأ بحروف مُقطَّعة؛ ننطقها ونحن نقرؤها بأسماء الحروف، لا بمسميات الحروف. فإن لكل حرف اسماً ومُسمَّى، واسم الحرف يعرفه الخاصة الذين يعرفون القراءة والكتابة، أما العامة الذين لا يعرفون القراءة أو الكتابة؛ فهم يتكلمون بمسميات الحروف، ولا يعرفون أسماءها. فإن الأمي إذا سُئل أن يتهجى أيَّ كلمة ينطقها، وأن يفصل حروفها نطقاً؛ لما عرف، وسبب ذلك أنه لم يتعلم القراءة والكتابة، أما المتعلم فهو يعرف أسماء الحروف ومُسمَّياتها. ونحن نعلم أن القرآن قد نزل مسموعاً، ولذلك أقول: إياك أن تقرأ كتاب الله إلا أن تكون قد سمعته أولاً؛ فإنك إذا قرأته قبل أن تسمعه فسيستوي عندك حين تقرأ في أول سورة البقرة: {أية : الۤمۤ}تفسير : [البقرة: 1]. مثلما تقرأ في أول سورة الشرح: {أية : أَلَمْ} تفسير : [الشرح: 1]. أما حين تسمع القرآن فأنت تقرأ أول سورة البقرة كما سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبريل - عليه السلام - "ألف لام ميم"، وتقرأ أول سورة الشرح "ألم". وأقول ذلك لأن القرآن - كما نعلم - ليس كأي كتاب تُقبِل عليه لتقرأه من غير سماع، لا. بل هو كتاب تقرؤه بعد أن تسمعه وتصحح قراءتك على قارئ؛ لتعرف كيف تنطق كل قَوْل كريم، ثم من بعد ذلك لك أن تقرأ بعد أن تعرفتَ على كيفية القراءة؛ لأن كل حرف في الكتاب الكريم موضوع بميزان وبقدر. ونحن نعلم أيضا أن آيات القرآن منها آياتٌ مُحْكمات وأُخَر مُتَشابهات. والآيات المُحْكماتُ تضم الأحكام التي عليك أن تفعلها لِتُثاب عليها، وإنْ لم تفعلها تُعاقب، وكل ما في الآيات المُحْكمات وَاضح. أما الآيات المُتَشابهات إنما جاءت متشابهة لاختلاف الإدراك من إنسان لآخر، ومن مرحلة عُمرية لأخرى، ومن مجتمع لآخر، والإدراكات لها وسائل يتشابه فيها الناس، مثل: العين، والأذن، والأنف، واللسان، واليد. ووسائل الإدراك هذه؛ لها قوانين تحكمها: فعيْنُك يحكمها قانون إبصارك، الذي يمتد إلى أن تلتقي خطوط الأشعة عند بؤرة تمتنع رؤيتُك عندها؛ ولذلك تصغُر الأشياء تدريجياً كلما ابتعدت عنها إلى أن تتلاشى من حدود رؤيتك. وصوتُك له قانون؛ تحكمه ذبذبات الهواء التي تصل إلى أدوات السمع داخل أذنك. وكذلك الشَّمُّ له حدود؛ لأنك لا تستطيع شَمَّ وردة موجودة في بلد بعيدة. وكذلك العقل البشري له حدود يُدرك بها، وقد علم الله كيف يدرك الإنسان الأمور، فلم يمنع تأمل وردة جميلة، لكنه أمر بغضِّ البصر عند رؤية أي امرأة. وهكذا يُحدِّد لكَ الحق الحلال الذي تراه، ويُحدِّد لك الحرام الذي يجب أن تمتنع عن رؤيته. وكذلك في العقل؛ قد يفهم أمراً وقد لا يفهم أمراً آخر، وعدم فَهْمك لذلك الأمر هو لَوْن من الفهم أيضاً، وإنْ تساءلتَ كيف؟ انظر إلى موقف تلميذ في الإعدادية؛ وجاء له أستاذه بتمرين هندسي مما يدرسه طلبة الجامعة؛ هنا سيقول التلميذ الذكي لأستاذه: نحن لم نأخذ الأسس اللازمة لحلِّ مثل هذا التمرين الهندسي، هذا القول يعني أن التلميذ قد فهم حدوده. وهكذا يُعلِّمنا الله الأدب في استخدام وسائل الإدراك؛ فهناك أمر لك أن تفهمه؛ وهناك أمر تسمعه من ربك وتطيعه، وليس لك أن تفهمه قبل تنفيذه؛ لأنه فوق مستوى إدراكك. ودائما أقول هذا المثل - ولله المثل الأعلى - إنك حين تنزل في فندق كبير، تجد أن لكل غرفة مفتاحاً خاصاً بها، لا يفتح أي غرفة أخرى، وفي كل دَوْر من أدوار الفندق يوجد مفتاح يصلح لفتْح كل الأدوار، ولا يفهم هذا الأمر إلا المتخصص في تصميم مثل تلك المفاتيح. فما بالنا بكتاب الله تعالى، وهو الكتاب الجامع في تصميم مثل تلك المفاتيح. فما بالنا بكتاب الله - تعالى - وهو الكتاب الجامع الذي يقول فيه الحق - تبارك وتعالى: {أية : مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [آل عمران: 7]. إذن: فهذا المتشابه يعتبره أهل الزيغ فرصة لتحقيق مَأْربهم، وهو إبطال الدين بأيِّ وسيلة وبأي طريقة، ويحاولون ممارسة التكبر على كتاب الله. ولهؤلاء نقول: لقد أراد الله أن يكون بعضٌ من سور الكتاب الكريم مُبْتدئةً بحروف تُنطق بأسمائها لا بمُسمَّياتها. وقد أرادها الحق - سبحانه - كذلك ليختبر العقول؛ فكما أطلق - سبحانه - للعقل البشري التفكير في أمور كثيرة؛ فهناك بعض من الأمور يخيب فيها التفكير، فلا يستطيع العقل إدراك الأشياء التي تفوق حدود عقله. والحق - سبحانه وتعالى - يصنع للإنسان ابتلاءات في وسائل إدراكه؛ وجعل لكل وسيلة إدراك حدوداً، وشاء أن يأتي بالمتشابه ليختبر الإنسان، ويرى: ماذا يفعل المؤمن؟ وقوله الحق - سبحانه: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ ..}تفسير : [آل عمران: 7]. قد يُفْهم منه أنه عطف؛ بمعنى أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله؛ وبالتالي سيُعلِّمون الناس ما ينتهون إليه من علم بالتأويل. ولكن تأويل الراسخين في العلم هو قولهم: {أية : كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ..} تفسير : [آل عمران: 7]. إذن: فنهاية تأويلهم: هو من عند ربنا، وقد آمنا به. وجاء لنا قوله صلى الله عليه وسلم لِيَحُل لنا إشكال المُتَشابَه: "حديث : ما تشابه منه فَآمِنوا به ". تفسير : لأن المتشابه من ابتلاءات الإيمان. والمثل الذي أضربه هنا هو أمره صلى الله عليه وسلم لنا أن نستلم الحجر الأسود وأن نُقبِّله، وأن نَرْجُم الحجر الذي يمثل إبليس، وكلاهما حجر، لكننا نمتثل بالإيمان لما أمرنا به صلى الله عليه وسلم. وأنت لو أقبلتَ على كل أمر بحُكْم عقلك، وأردتَ أن تعرف الحكمة وراء كل أمر، لَعبدْتَ عقلك، والحق - سبحانه - يريد أن تُقبِل على الأمور بِحُكْمِه هو - سبحانه. وأنت إن قلتَ لواحد: إن الخمر تهري الكبد. ووضعت على كبده جهاز الموجات فوق الصوتية الذي يكشف صورة الكبد، ثم ناولتَ الرجل كأس خمر؛ فرأى ما يفعله كأس الخمر في الكبد، ورَاعَه ذلك؛ فقال: والله لن أشربها أبداً. هل هو يفعل ذلك لأنه مؤمن؟ أم أنه ربط سلوكه بالتجربة؟ لقد ربط سلوكه بالتجربة، وهو يختلف عن المؤمن الذي نفَّذ تعاليم السماء، فامتنع عن الخمر لأن الله أمر بذلك، فلا يمكن أن نؤجل تعاليم السماء إلى أن تظهر لنا الحكمة منها. إذن: فعِلَّة المُتَشابه؛ الإيمان به. وقد يكون للمُتَشابه حكمة؛ لكِنَّا لن نُؤجِّل الإيمان حتى نعرف الحكمة. وأقول دائماً: يجب أن يعامل الإنسانُ إيمانَه بربه معاملته لطبيبه، فالمريض يذهب إلى طبيبه ليعرض عليه شكواه من مرض يؤلمه؛ ليصفَ الطبيب له الدواء، كذلك عمل عقلك؛ عليه أن ينتهي عند عتبة إيمانك بالله. ونجد من أقوال أهل المعرفة بالله مَنْ يقول: إن العقل كالمطيَّة، يُوصِّلك إلى باب السلطان، لكنه لا يدخل معك. إذن: فالذي يناقش في عِلَل الأشياء هو مَنْ يرغب في الحديث مع مُسَاوٍ له في الحكمة، وهل يوجد مُسَاوٍ لله؟ طبعا لا، لذلك خُذْ افتتاحيات السور التي جاءت بالحروف المقطعة كما جاءت، واختلافنا على معانيها يؤكد على أنها كَنْز لا ينفذ من العطاء إلى أن تُحل إنْ - شاء الله - من الله. ومن العجيب أن آيات القرآن كلها مبنيةٌ على الوَصْل، ففي آخر سورة هود نجد قول الحق - سبحانه: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تفسير : [هود: 123]. وكان من المفترض أن نقف عليها فننطق كلمة "تعملون" ساكنة النون، لكنها موصولة بـ"بسم الله الرحمن الرحيم"؛ لذلك جاءت النون مفتوحة. وأيضاً ما دامت الآياتُ مبنية على الوصل، كان من المفروض أن ننطق بدء سورة يوسف "ألفٌ لامٌ رَاءٌ" لكن الرسول صلى الله عليه وسلم علَّمنَا أن نقرأها "ألفْ لامْ راءْ" وننطقها ساكنة. وهذا دليل على أنها كلمة مبنية على الوقف، ودليل على أن لله - سبحانه - حكمة في هذا وفي ذاك. ونحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يراجع القرآن مرة كل رمضان مع جبريل - عليه السلام - وراجعه مرتين في رمضان الذي سبق وفاته صلى الله عليه وسلم. وهكذا وصلنا القرآن كما أنزله الحق - سبحانه - على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. وهنا يقول الحق: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} [يوسف: 1]. و"تلك" إشارة لما بَعْدَ (الۤر)، وهي آيات الكتاب. أي: خذوا منها أن آيات القرآن مُكوَّنة من مثل هذه الحروف، وهذا فَهْم البعض لمعنى: {الۤر ..} [يوسف: 1]. لكنه ليس كل الفهم. مثل: صانع الثياب الذي يضع في واجهة المحل بعضاً من الخيوط التي تم نَسْج القماش منها؛ ليدلنا على دِقَّة الصنعة. فكأنَّ الله - سبحانه - يُبيِّن لنا أن {الۤر ..} [يوسف: 1] أسماء لحروف هي من أسماء الحروف التي نتكلم بها، والقرآن تكوَّنت ألفاظه من مثل تلك الحروف، ولكن آيات القرآن معجزة، لا يستطيع البشر - ولو عاونهم الجن - أن يأتوا بمثله. إذن: فالسُّمو ليس من ناحية الخامة التي تُكوِّن الكلام، ولكن المعجزة أن المتكلم هو الحق - سبحانه - فلا بد أن يكون كلامه مُعجزاً؛ وإن كان مُكوَّناً من نفس الحروف التي نستخدمها نحن البشر. وهناك معنى آخر: فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينطق أسماء الحروف "ألِفْ لام رَاء"، وهو صلى الله عليه وسلم الأمي بشهادة المعاصرين له بما فيهم خصومه، رغم أن القادر على نُطْق أسماء الحروف لا بُدَّ أن يكون مُتعلِّماً، ذلك أن الأمي ينطق مُسمَّيات الحروف ولا يعرف أسماءها، وفي هذا النطق شهادة بأن مَنْ علَّمه ذلك هو ربه الأعلى. ويقول الحق - سبحانه: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} [يوسف: 1]. كلمة "الكتاب" عندما تُطلق فمعناها ينصرف إلى القرآن الكريم. ونجد كلمة "المبين"، أي: الذي يُبيِّن كل شيء تحتاجه حركة الإنسانِ الخليفةِ في الأرض، فإن بانَ لك شيء وظننتَ أن القرآن لم يتعرَّض له، فلا بد أن تبحث عن مادة أو آية تلفتك إلى ما يبين لك ما غابَ عنك. ويُروى عن الإمام محمد عبده أنه قابل أحد المستشرقين في باريس؛ ووجَّه المستشرق سؤالاً إلى الإمام فقال: ما دامتْ هناك آية في القرآن تقول: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ ..} تفسير : [الأنعام: 38]. فَدعْنِي أسألك: كم رغيفاً ينتجه أردبُّ القمح؟ فقال الإمام للمستشرق: انتظر. واستدعى الإمام خبازاً، وسأله: كم رغيفاً يمكن أن نصنعه من أردب القمح؟ فأجاب الخباز على السؤال. هنا قال المستشرق: لقد طلبتُ منك إجابة من القرآن، لا من الخباز. فردَّ الإمامُ: إذا كان القرآن قد قال: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ ..} تفسير : [الأنعام: 38]. فالقرآن قال أيضاً: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 43]. لقد فَطِن الإمام محمد عبده إلى أن العقل البشري أضيق من أن يسع كل المعلومات التي تتطلبها الحياة؛ لذلك شاء الحق - سبحانه - أن يوزِّع المواهب بين البشر؛ ليصبح كل متفوق في مجال ما، هو من أهل الذكر في مجاله. ونحن - على سبيل المثال - عندما نتعرض لمسألة ميراث؛ فنحن نلجأ إلى مَنْ تخصص في المواريث، ليدلنا على دقة توزيع أنصبة هذا الميراث. وحين يؤدي المسلم من العامة فريضة الحج، فيكفيه أن يعلم أن الحج فريضة؛ ويبحث عند بَدْء الحج عمَّنْ يُعلِّمه خُطوات الحج كما أدَّاها صلى الله عليه وسلم. وهذا سؤال لأهل الذكر، مثلما نستدعي مهندساً ليصمم لنا بيتاً حين نشرع في بناء بيت، بعد أن نمتلك الإمكانات اللازمة لذلك. وهكذا نرى أن علوم الحياة وحركتها أوسع من أن يتسع لها رأس؛ ولذلك وزَّع الله أسباب فضله على عباده، ليتكاملوا تكاملَ الاحتياج، لا تكامل التفضُّل، ويصير كل منهم مُلْتحماً بالآخرين غَصبْاً عنه. وبعد ذلك يقول الحق - سبحانه: {إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ...}.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {ٱلْمُبِينِ} الظاهر الجلي {ٱلْقَصَصِ} إتباعُ الخبر بعضُه بعضاً وأصلُه في اللغة المتابعة {أية : وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ} تفسير : [القصص: 11] أي اتبعي أثَره والمراد بالقَصَص الأخبار التي قصها علينا الله في كتابه العزيز {الرؤيا} خاصة بالمنام وأما باليقضة فهي بالتاء الرؤية قال الألوسي: مصدر رأى الحلمية الرؤيا ومصدر البصرية الرؤية ولهذا خُطّىء المتنبي في قوله "ورؤياكَ أحلى في العيون من الغَمْض" {يَجْتَبِيكَ} الاجتباء: الاصطفاء والاختيار وأصله من جبيتُ الشيء أي حصَّلته {عُصْبَةٌ} جماعة قال الفراء: ما زاد على العشرة، والعصبةُ والعصابة العشرة فصاعداً {ٱطْرَحُوهُ} الطرح: رمي الشيء وإلقاؤه {غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ} قعره وغوره سمي به لغيبته عن عين الناظر {يَرْتَعْ} يتسع في أكل ما لذَّ وطاب قال الراغب: الرتع حقيقته في أكل البهائم ويستعار للإِنسان إذا أريد به الأكل الكثير قالت الخنساء: شعر : ترتَعُ ما رتَعَتْ حتَّى إذا ادكرتْ فإِنَّما هيَ إقبالٌ وإدبار تفسير : {ٱلسَّيَّارَةِ} المسافرين {سَوَّلَتْ} زيَّنت {وَارِدَهُمْ} الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم. سَبَبُ النّزول: روي أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف وما حصل له مع إخوته من أولاد يعقوب فنزلت السورة. التفسِير: {الۤر} إشارة إلى الإِعجاز، فمن هذه الحروف وأمثالها تتألف آيات الكتاب المعجز {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} أي تلك الآيات التي أنزلت إليك يا محمد هي آيات الكتاب المعجز في بيانه، الساطع في حججه وبراهينه، الواضح في معانيه، الذي لا تشتبه حقائقه، ولا تلتبس دقائقُه {إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} أي أنزلناه بلغة العرب كتاباً عربياً مؤلفاً من هذه الأحرف العربية {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تعقلوا وتدركوا أن الذي يصنع من الكلمات العادية هذا الكتاب المعجز ليس بشراً، وإنما هو إله قدير، وهذا الكلام وحيٌ منزل من رب العالمين {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} أي نحن نحدثك يا محمد ونروي لك أخبار الأمم السابقة، بأصدق كلام، وأحسن بيان {بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} أي بإيحاءتنا إليك هذا القرآن المعجز {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} أي وإنَّ الحال والشأن أنك كنتَ من قبل أن نوحي إليك هذا القرآن لمن الغافلين عن هذه القصة، لم تخطر ببالك، ولم تقرعْ سمعك، لأنك أميٌّ لا تقرأ ولا تكتب {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً} من هنا بدايةُ القصة، أي اذكر حين قال يوسفُ لأبيه يعقوب يا أبي إني رأيت في المنام هذه الرؤيا العجيبة، رأيت أحد عشر كوكباً من كواكب السماء خرّت ساجدةً لي {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} أي ورأيت في المنام الشمس والقمر ساجدةً لي مع الكواكب قال ابن عباس: كانت الرؤيا فيهم وحياً قال المفسرون: الكواكب الأحد عشر كانت إخوته، والشمس والقمر أبواه، وكان سنه إذ ذاك اثنتي عشرة سنة، وبين هذه الرؤيا واجتماعه بأبيه وإخوته في مصر أربعون سنة {قَالَ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ} أي قال له يعقوب: لا تخبرْ بهذه الرؤيا إخوتك {فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً} أي فيحتالوا لإِهلاكك حيلةً عظيمة لا تقدر على ردّها {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي ظاهر العداوة قال أبو حيان: فهم يعقوب من رؤيا يوسف أن الله تعالى يبلّغه مبلغاً من الحكمة، ويصطفيه للنبوة، وينعم عليه بشرف الدارين، فخاف عليه من حسد إخوته فنهاه أن يقصَّ رؤياه عليهم {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} أي وكما أراك مثل هذه الرؤيا العظيمة كذلك يختارك ربك للنبوة {وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} أي يعلمك تفسير الرؤيا المناميَّة {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ} أي يتمم فضله وإنعامه عليك وعلى ذرية أبيك يعقوب {كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} أي كما أكمل النعمة من قبل ذلك على جدك إبراهيم وجدك إسحاق بالرسالة والاصطفاء {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عليمٌ بمن هو أهلٌ للفضل، حكيم في تدبيره لخلقه {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ} أي لقد كان في خبر يوسف وإخوته الأحد عشر عبرٌ وعظاتٌ للسائلين عن أخبارهم {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا} هذه هي المحنة الأولى ليوسف عليه السلام أي حين قالوا: والله ليوسف وأخوه "بنيامين" أحبُّ منَّا عند أبينا، أرادوا أن زيادة محبته لهما أمر ثابتٌ لا شبهة فيه، وإنما قالوا {وَأَخُوهُ} وهم جميعاً إخوة لأن أمهما كانت واحدة {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي والحال نحن جماعة ذوو عدد، نقدر على النفع والضر، بخلاف الصغيرين {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي إنه في خطأٍ وخروجٍ عن الصواب بيّن واضح، لإِيثاره يوسف وأخاه علينا بالمحبة قال القرطبي: لم يريدوا ضلال الدين إذ لو أرادوه لكفروا، وإنما أرادوا أنه في خطأٍ بيِّن في إيثار اثنين على عشرة {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً} أي أُقتلوا يوسف أو ألقوه في أرض بعيدة مجهولة {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} أي فعند ذلك يخلصْ ويصفو لكم حبُّ أبيكم، فيُقْبل عليكم قال الرازي: المعنى إن يوسف شغله عنا وصرف وجهه إليه، فإذا فقده أقبل علينا بالمحبة والميل {وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ} أي وتتوبوا من بعد هذا الذنب وتصبحوا قوماً صالحين {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ} أي قال لهم أخوهم "يهوذا" وهو أكبر ولد يعقوب: لا تقتلوا يوسف بل ألقوه في قعر الجب وغوره {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ} أي يأخذه بعض المارَّة من المسافرين {إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} أي إن كان لا بدَّ من الخلاص منه فاكتفوا بذلك، وكان رأيه فيه أهون شراً من رأي غيره {قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ} المعنى أيُّ شيء حدث لك حتى لا تأمنا على أخينا يوسف، ونحن جميعاً أبناؤك؟ {وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} أي ونحن نشفق عليه ونريد له الخير قال المفسرون: لما أحكموا العزمْ ذكروا هذا الكلام وأظهروا عند أبيهم أنهم في غاية المحبة ليوسف، وفي غاية الشفقة عليه، ليستنزلوه عن رأيه في تخوفه منهم وكأنهم قالوا: لِمَ تخافنا عليه ونحن نحبه ونريد الخير به!! {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} أي أرسله معنا غداً إلى البادية، يتسع في أكل ما لذَّ وطاب ويلهو ويلعب بالاستباق وغيره {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} أي ونحن نحفظه من كل سوء ومكروه، أكّدوا كلامهم بإنَّ واللام وهم كاذبون {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ} أي قال لهم يعقوب: إنه ليؤلمني فراقُه لقلة صبري عنه {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} أي وأخاف أن يفترسه الذئب في حال غفلتكم عنه، وكأنه لقنهم الحجة قال الزمخشري: إعتذر إليهم بشيئين: أحدهما: أن ذهابهم به ومفارقته إيّاه مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني: خوفه عليه من الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم {قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ} اللام للقسم أي والله لئن أكله الذئب ونحن جماعة أقوياء أشداء إنا لمستحقون أن يُدعى علينا بالخسارة والدمار {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ} في الكلام محذوف أي فأرسله معهم فلما أخذوه وابتعدوا به عن أبيه {وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ} أي عزموا واتفقوا على إِلقائه في غور الجب {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي أوحينا إلى يوسف لتخبرنَّ إخوتك بفعلهم هذا الذي فعلوه بك وهم لا يشعرون في ذلك الوقت أنك يوسف، قال الرازي: وفائدة هذا الوحي تأنيسُه، وتسكينُ نفسه، وإزالةُ الغمّ والوحشةِ عن قلبه، بأنه سيحصل له الخلاص من هذه المحنة {وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ} أي رجعوا إلى أبيهم وقت العشاء ليلاً وهم يبكون، روي أنه لما سمع يعقوب بكاءهم فزع، وقال: ما لكم يا بَنيَّ، وأين يوسف؟ {قَالُواْ يَٰأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} أي نتسابق في العَدْو، أو في الرمي {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ} أي تركنا يوسف عند ثيابنا وحوائجنا ليحفظها فجاء الذئب فافترسه {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} أي لست بمصدّق لنا في هذه المقالة ولو كنا في الواقع صادقين، فكيف وأنت تتهمنا وغير واثق بقولنا؟ وهذا القول منهم يدل على الارتياب، وكما قيل: يكاد المريبُ يقول خذوني {وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} أي جاءوا على ثوبه بدمٍ كاذب، وُصِفَ بالمصدر مبالغةً كأنه نفسُ الكذب وعينُه قال ابن عباس: ذبحوا شاة ولطخوا بدمها القميص فلما جاءوا يعقوب قال: كذبتم لو أكله الذئب لخرقَ القميص وروي أنه قال: "ما أحلم هذا الذئب أكل ابني ولم يشقَّ قميصه"؟! {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} أي زيَّنت لكم أنفسكم أمراً في يوسف وليس كما زعمتم أن الذئب أكله {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي أمري صبرٌ جميل لا شكوى فيه {وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} أي وهو سبحانه عوني على تحمل ما تصفون من الكذب {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ} أي قوم مسافرون مروا بذلك الطريق قال ابن عباس: جاء قوم يسيرون من مدين إلى مصر فأخطئوا الطريق فانطلقوا يهيمون حتى هبطوا على الأرض التي فيها جب يوسف، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ} أي بعثوا من يستقي لهم الماء {فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ} أي أرسل دلوه في البئر قال المفسرون: لما أدلى الواردُ دلوه وكان يوسف في ناحيةٍ من قعر البئر تعلَّق بالحبل فخرج فلما رأى حسنه وجماله نادى {قَالَ يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ} قاله على سبيل السرور والفرح لتبشير نفسه وجماعته قال أبو السعود: كأنه نادى البشرى وقال تعاليْ فهذا أوانك حيث فاز بنعمة جليلة {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} أي أخفوا أمره عن الناس ليبيعوه في أرض مصر متاعاً كالبضاعة، والضمير يعود على الوارد وجماعته {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي لا يخفى عليه سبحانه أسرارهم، وما عزموا عليه في أمر يوسف {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} هذه هي المحنة الثانية في حياة يوسف الصدّيق وهي محنة الاسترقاق أي باعه أولئك المارة الذين استخرجوه من البئر بثمنٍ قليل منقوص هو عشرون درهماً كما قال ابن عباس {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ} أي وكانوا في يوسف من الزاهدين الذين لا يرغبون فيه لأنهم التقطوه وخافوا أن يكون عبداً آبقاً فينتزعه سيّده من أيديهم، ولذلك باعوه بأبخس الأثمان {وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} أي وقال الذي اشتراه من مدينة مصر لزوجته أكرمي إقامته عندنا قال ابن عباس: كان اسم الذي اشتراه "قطفير" وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر "عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} أي عسى أن يكفينا بعض المهمات إذا بلغ أو نتبناه حيث لم يكن يولد لهما ولد {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} أي وكما نجيناه من الجب جعلناه متمكناً في أرض مصر يعيش فيها بعز وأمان {وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} أي نوفقه لتعبير بعض المنامات {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} أي لا يعجزه تعالى شيء {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون لطائف صنعه وخفايا فضله {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} أي بلغ منتهى شدته وقوته وهو ثلاثون سنة {آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} أي أعطيناه حكمةً وفقهاً في الدين {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} أي المحسنين في أعمالهم. البَلاَغَة: 1- {تِلْكَ آيَاتُ} الاشارة بالبعيد لبعد مرتبته في الكمال وعلو شأنه. 2- {كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ} تشبيه مرسل مجمل. 3- {رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} قال الشريف الرضي: هذه استعارة لأن الكواكب والشمس والقمر مما لا يعقل فكان الوجه أن يقال: ساجدة، ولكنها لما أطلق عليها فعل من يعقل جاز أن توصف بصفة من يعقل لأن السجود من فعل العقلاء. 4- {بِدَمٍ كَذِبٍ} الدم لا يوصف بالكذب والمراد بدم مكذوبٍ فيه أو دمٍ ذي كذب وجيء بالمصدر على طريق المبالغة. لطيفَة: روي أن امرأةً تحاكمت إلى شريحٍ فبكت فقال الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي؟ فقال الشعبي: لقد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمةٌ كذبة، لا ينبغي للإنسان أن يقضي إلا بالحق. تنبيه: ذهب بعض المفسرين إلى أن إخوة يوسف أنبياء واستدلوا على ذلك بأنهم الأسباط المذكورون في قوله تعالى {أية : قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ} تفسير : [آل عمران: 84] والصحيح أن الأسباط ليسوا أولاد يعقوب وإنما هم القبائل من ذرية يعقوب كما نبّه عليه المحققون، ولو كان إخوة يوسف أنبياء لما أقدموا على مثل هذه الأفعال الشنيعة، فالحسد، والسعي بالفساد، والإِقدام على القتل، والكذبُ، وإلقاء يوسف في الجب، كل ذلك من الكبائر التي تنافي عصمة الأنبياء، فالقول بأنهم أنبياء - مع هذه الجرائم - لا يقبله عقل حصيف، وانظر ما قاله العلامة ابن كثير رحمه الله في هذا الشأن، فإِنه لطيف ودقيق.
الأندلسي
تفسير : {الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ * إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} هذه السورة مكية كلها وقال ابن عباس وقتادة الا ثلاث آيات من اولها وسبب نزولها ان كفار مكة امرتهم اليهود ان يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السبب الذي احل بني اسرائيل بمصر ووجه من سنتها لما قبلها. وارتباطها ان في اخر السورة التي قبلها وكلا نقص عليك الآية، وكان في تلك الأنباء المقصوصة فيها ما لاقى الأنبياء عليهم السلام من قومهم فاتبع ذلك بقصة يوسف وما لاقاه عليه السلام من إخوته، وما آلت إليه حاله من حسن العاقبة، ليحصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم التسلية الجامعة لما يلاقيه من أذى البعيد والقريب. وجاءت هذه القصة مطولة مستوفاة فلذلك لم يتكرر في القرآن إلا ما أخبر به مؤمن آل فرعون في سورة غافر. والإِشارة بتلك آيات إلى {الۤر} وسائر حروف المعجم التي تركبت منها آيات القرآن. والظاهر أن المراد بالكتاب المبين اما المبين في نفسه الظاهر أمره في إعجاز العرب وتبكيتهم، واما المبّين الحلال والحرام والحدود والأحكام وما يحتاج إليه من أمر الدين، قاله ابن عباس. والضمير في {أَنْزَلْنَاهُ} عائد على الكتاب الذي فيه قصة يوسف عليه السلام. وانتصب قرآناً على البدل من الضمير. وعربياً صفة له وهو منسوب إلى العرب. والعرب جمع عربي كروم ورومي، لعلكم تعقلون ما تضمن من المعاني واحتوى عليه من البلاغة والإِعجاز فتؤمنون. ولعل ترج فيه معنى التعليل لقوله: {أنزلنا}. {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} الآية، القصص مصدر قص والمراد بكونه أحسن أنه اقتص على أبدع طريقة وأحسن أسلوب، ألا ترى أن هذا الحديث مقتص في كتب الأولين وفي كتب التواريخ، ولا ترى اقتصاصه في كتاب منها مقارناً لاقتصاصه في القرآن، وانتصب أحسن على المصدر لإِضافته إلى المصدر. {بِمَآ أَوْحَيْنَآ} الباء: للسبب. وما مصدرية. {إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} تنازعه عاملان أحدهما نقص، والثاني أوحينا. واعمل الثاني جرياً على الأفصح في باب التنازع. والضمير في قبله يعود على الإِيماء. ومعنى من الغافلين لم يكن لك شعور بهذه القصة ولا سبق لك علم فيها. والعامل في إذ قال يا بني كما تقول: إذ قام زيد قام عمرو، وتبقى إذ على وضعها الأصلي من كونها ظرفاً لما مضى. وللزمخشري وابن عطية أقوال في العامل في إذ ردّت في البحر لضعفها. ويوسف اسم عبراني وامتنع من الصرف للعلمية والعجمة وتقدمت فيه لغات. وقرىء: {يا أبت} بفتح التاء, وجمهور القراء على كسرها وهي عوض من ياء الإِضافة فلا يجتمعان، لا يقال: يا أبتي. {إِنِّي رَأَيْتُ} معمول للقول فهو في موضع نصب ورأيت هي حُامية لدلالة متعلقها على أنه منام. والظاهر أنه رأى في منامه كواكب والشمس والقمر. ومن حديث جابر بن عبد الله حديث : أن يهودياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أخبرني عن أسماء الكواكب التي رآها يوسف فسكت عنه ونزل جبريل عليه السلام فأخبره بأسمائها فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهودي، فقال: هل أنت مؤمن إن أخبرتك بذلك؟ قال: نعم. فقال: جريان والطارق والذيال وذو الكتفين وقابس ووثاب وعمودان والفليق والمصبح والضروح وذو الفرع والضياء والنور. فقال اليهودي: أي والله إنها لأسماؤهاتفسير : . قال الزمخشري: فإِن قلت: لم أخر الشمس والقمر؟ قلت: أخرهما لعطفهما على الكواكب على طريق الاختصاص بياناً لفضلهما واستبدادهما بالمزية على غيرهما من الطوالع كما أخبر جبريل وميكائيل عن الملائكة، ثم عطفهما عليهما لذلك. ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع أي أرأيت الكواكب مع الشمس والقمر. "انتهى". الذي يظهر أن التأخير إنما هو من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى، ولم يقع الترقي في الشمس والقمر جرياً على ما استقر في القرآن من أنه إذا اجتمعا قدمت عليه ولامتناع أن يجتمع الشمس والقمر في أحد عشر كوكباً لأنهم أخوته فليس المكنى عنه بالشمس والقمر داخلاً فيهم. والظاهر أن رأيتم كرر على سبيل التوكيد للطول بالمفاعيل. وجاء الضمير ضمير من يعقل لأنه صدر منهم السجود لأنه من صفات من يعقل. "ولي" متعلق بساجدين، وساجدين منصوب على الحال، ولما خاطب يوسف عليه السلام أباه بقوله: يا أبت، وفيه إظهار الطواعية والبر والتنبيه على محل الشفقة بطبع الأبوة خاطبه أبوه: يا بني تصغير التحبيب والتقريب والشفقة. {فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً} منصوب بإِضمار انْ على جواب النهي. وعدي فيكيدوا باللام. وهو متعد بنفسه فاحتمل أن يكون من باب التضمين ضمن فيكيدوا معنى ما يتعدى باللام، فكأنه قال: فيحتالوا لك بالكيد. والتضمين أبلغ لدلالته على معنى الفعلين وللمبالغة أكد بالمصدر ونبه يعقوب عليه السلام على سبب الكيد وهو ما يزينه الشيطان للإِنسان ويسوله له، وذلك للعداوة التي بينهما فهو يجتهد دائماً أن يوقعه في المعاصي ويدخله فيها ويخصه عليها وكان يعقوب دلته رؤيا يوسف عليه السلام على أن الله تعالى يبلغه مبلغاً من الحكمة ويصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين كما فعل بآبائه فخاف عليه من حسد إخوته، فنهاه عن أن يقص رؤياه لهم. وفي خطاب يعقوب ليوسف بنهيه عن أن يقص على أخوته مخالفة كيدهم دلالة على تحذير المسلم أخاه ممن يخافه عليه، والتنبيه على بعض ما لا يليق ولا يكون ذلك داخلاً في باب الغيبة.
الجيلاني
تفسير : {الۤر} أيها الإنسان الكامل اللائق، الرشيد لرفع لواء سرائر الربوبية ورموز التوحيد، وتمييز أجل لباب الرؤيا والروايات الواردة لتبيينه عن قشورها {تِلْكَ} العبر والأمثال والقصص والآثار المذكورة لك فيمايتلى عليك يا أكمل الرسل لتأييدك وارتفاع شأنك {آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} [يوسف: 1] الذي هو حضرة علمنا المشتمل على جميع مراداتنا ومقدوراتنا. {إِنَّآ} من مقام جودنا ولطفنا {أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً} منظماً على صور الألفاظ والعبارات، مترجماً عما عليه الأمر في حضرة علمنا الحضوري {عَرَبِيّاً} أسلوبه عاناية منا إليكم {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2] معناها وتطلعون على مرموزاتها وإشاراتها وتطرحون عقولكم الموهوبة لكم لكشف سرائرها وخفياتها. {نَحْنُ} من كمال لطفنا معك {نَقُصُّ عَلَيْكَ} يا أكمل الرسل، تأييداً لأمرك وتعظيماً لشأنك {أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} استماعاً وأكملها انتفاعاً وأشملها عبرة وأتمها فائدة وأعمها عائدة؛ إذ الفطن اللبيب استفاد منها من العبر والتذكيرات والرموز والإشارات ما يكفي مؤونة سلوكه في أمر دينه لو كا من ذوي الرشد وأهل الخبرة والبصيرة، وإنما علمناه لك ونبهناه عليك ملتبساً {بِمَآ أَوْحَيْنَآ} أي: بأيحائنا وإنزالنا {إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} المخبر عن المغيبات المكنونة في حضرة علمنا {وَإِن كُنتَ} في نفسك {مِن قَبْلِهِ} أي: قبل وحينا وألهامنا إياك {لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} [يوسف: 3]. اذكر يا أكم الرسل {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ} حين بلغ الحلم وترقى من الطفولية: {يٰأَبتِ} ناداه تحنناً إليه {إِنِّي رَأَيْتُ} في المنام {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً} من الكواكب العظام {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} أيضاً معهن {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] واضعين جباههم على تراب المذلة عندي تعظيمً وترحيباً - جمعها جمع العقلاء باعتبار ما يؤول إليه ويؤول به - ثم لما تفرس أبوه من الرؤيا ما تفرس، بادر إلى نهيه عن الإفشاء والانتشار لإخوته حيث {قَالَ} له قبل أن يشتغل بتأويلها وتعبيرها: {يٰبُنَيَّ} صغره؛ تلطفاً له وإشفاقاً عليه وتخوفاً من كبد إخوته {لاَ تَقْصُصْ} ولا تذكر {رُؤْيَاكَ} التي رأيتها {عَلَىٰ إِخْوَتِكَ} لئلا يحسجوا لك من ارتفاع شأنك {فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً} بإغواء الشيطان إياهم ويختالوا لمقتك وهلاكك، حسداً لك ولعلو شأنك {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ} المغوي المضل {لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [يوسف: 5] ظاهر العداوة، محيل عظيم، يعاديهم في لباب الصدقة ويفسدهم في سورة الإصلاح. ثم لما سارع يعقوب عليه السلام بالهي عن الانتشار والإفشاء تحذيراً وتخويفاً له من كيد إخوته، اشتغل بتأويل رؤيته، فقال: {وَكَذٰلِكَ} أي: مثل إراءتك هذه الرؤيا وتخصيصك بها {يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} أي: ينتخبك من بين الناس ويخصك بالرئاسة العظمى والمرتبة العليا، وهي النبوة والنيابة الإلهية {وَ} بعدما يجتبيك ويصطفيك {يُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} أي: يخصصك بعلم الرؤيا وتعبيرها إلى حيث انكشف لك حضرة الخيال انكشافاً تاماً {وَ} بالجملة: {يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ} بواسطتك {عَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ} أي: بنيه وأحفاده ومن ينتمي إليه وإن سفل {كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ} أي: جديك {مِن قَبْلُ} في سالف الزمان؛ يعني {إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} أعطاهما من الإنعام والأفضال ما لم يعط أحداً من الخلة والإنجاء والإنقاذ والفدية والخلاص، وغير ذلك من النعم الجسام {إِنَّ رَبَّكَ} الذي رباك بأنواع اللطف والكرم {عَلِيمٌ} بعلمه الحضوري لاستعدادات عباده على مقتضى ما ثبت في لوح قضائه إجمالاً {حَكِيمٌ} [يوسف: 6] في صورة تفضيه على وفق إجماله، لا يشذ عن حيطة علمه شيء.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {الۤر} [يوسف: 1] يشير بالألف إلى الله، وباللام إلى جبريل، وبالراء إلى الرسول؛ أي: ما أنزل الله تعالى على لسان جبريل على قلب الرسول، {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} [يوسف: 1] أي: تلك دلالة كتاب المحبوب؛ ليهدي أعجب البيان طريق الوصول إلى المحبوب، {إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ} [يوسف: 2] أي: كتابنا، {قُرْآناً عَرَبِيّاً} [يوسف: 2] أي: كسوناه للقراءة كسوة العربية. {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2] حقائق معانيه وأسراره ومبانيه وإشاراته بما أزهى لغتكم كما أنزلنا التوراة على أهلها بلغة العبري، والإنجيل بلغة السرياني يشير به إلى أن حقيقة كلام الله تعالى منزهة في كلاميته عن كسوة الحروف والأصوات واللغات؛ ولكن الخلق يحتاجون في تعقل معانيه إلى كسوة الحروف واللغات. {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} [يوسف: 3] أي: أحسن قصة تدل المحب على طريق الرجوع والسلوك والوصول إلى المحبوب، وإن كان في كل قصة من القصص التي ذكرناها في القرآن نوع من هذا، ولكن قصة يوسف أحسنها وأجملها وأكملها وأتمها مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان، ورجوعه إلى الله ووصوله إليه؛ وذلك لأنها تشير إلى معرفة تركيب الإنسان من الروح والقلب والسر والنفس، وخواصه الخمسة الظاهرة، وقواه الستة الباطنة، والبدن وابتلائه بالدنيا، وغير ذلك إلى أن يبلغ الإنسان أعلى مراتبه كما سيجيء شرحه في مواضعه إن شاء الله تعالى وحده. {بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} [يوسف: 3] أي: ندلك بنور إيحاء القرآن إليك على أحسنية هذه القصة، {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ} [يوسف: 3] أي: قبل نور الإيحاء، {لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} [يوسف: 3] عن هذه الحقائق والدقائق؛ لأنها لا تدرك إلا بنور الوحي. {إِذْ قَالَ} [يوسف: 4] عالم الأرواح، {يُوسُفُ} [يوسف: 4] القلب، {لأَبِيهِ} [يوسف: 4] يعقوب الروح، {يٰأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ} [يوسف: 4] بنور الروحانية، {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً} [يوسف: 4] وهي: الحواس الخمس من السمع والبصر والشم والذوق واللمس، والقوى الستة من المتفكرة والمتذكرة والحافظة والمتخلية والمتوهمة والحس المشترك، فإن كل واحد من هذه الحواس والقوى كوكب مضيء يدرك به معنى مناسب به وهم إخوة يوسف القلب؛ لأنهم تولدوا بازدواج يعقوب الروح وراحيل النفس كلهم بنواب واحد، {وَٱلشَّمْسَ} [يوسف: 4] شمس الروح والنفس والحواس والقوى. {قَالَ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً} [يوسف: 5] يشير إلى أن للحواس والقوى حسداً على القلب لما أودع الله فيه من استدارة قبول الفيض الإلهي ما لم يودع فيها، فلها كيد على حسب حسدها مع القلب بتقوية الشيطان وأعوانه، {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [يوسف: 5].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أن آيات القرآن هي { آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ } أي: البين الواضحة ألفاظه ومعانيه. ومن بيانه وإيضاحه: أنه أنزله باللسان العربي، أشرف الألسنة، وأبينها، [المبين لكل ما يحتاجه الناس من الحقائق النافعة ] وكل هذا الإيضاح والتبيين { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } أي: لتعقلوا حدوده وأصوله وفروعه، وأوامره ونواهيه. فإذا عقلتم ذلك بإيقانكم واتصفت قلوبكم بمعرفتها، أثمر ذلك عمل الجوارح والانقياد إليه، و { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } أي: تزداد عقولكم بتكرر المعاني الشريفة العالية، على أذهانكم،. فتنتقلون من حال إلى أحوال أعلى منها وأكمل. { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } وذلك لصدقها وسلاسة عبارتها ورونق معانيها، { بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ } أي: بما اشتمل عليه هذا القرآن الذي أوحيناه إليك، وفضلناك به على سائر الأنبياء، وذاك محض منَّة من الله وإحسان. { وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ } أي: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان قبل أن يوحي الله إليك، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا. ولما مدح ما اشتمل عليه هذا القرآن من القصص، وأنها أحسن القصص على الإطلاق، فلا يوجد من القصص في شيء من الكتب مثل هذا القرآن، ذكر قصه يوسف، وأبيه وإخوته، القصة العجيبة الحسنة فقال: { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 1269- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ}: [الآية: 1]، قال: بيَّنت الله تعالى رشده وهداه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):