Verse. 1598 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

اِنَّاۗ اَنْزَلْنٰہُ قُرْءٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُوْنَ۝۲
Inna anzalnahu quranan AAarabiyyan laAAallakum taAAqiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنا أنزلناه قرآنا عربيا» بلغة العرب «لعلكم» يا أهل مكة «تعقلون» تفقهون معانيه.

2

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} يجوز أن يكون المعنى: إنا أنزلنا القرآن عربياً؛ نصب «قرآنا» على الحال؛ أي مجموعاً. و «عربيّاً» نعت لقوله «قرآناً». ويجوز أن يكون توطئة للحال، كما تقول: مررت بزيد رجلاً صالحاً، و «عربيّاً» على الحال، أي يُقرأ بلغتكم يا معشر العرب. أَعْرَبَ بَيَّنَ، ومنه: «حديث : الثَّيِّبُ تُعرِب عن نفسها»تفسير : . {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تعلموا معانيه، وتفهموا ما فيه. وبعض العرب يأتي بأن مع «لعل» تشبيهاً بعسى. واللام في «لعل» زائدة للتوكيد؛ كما قال الشاعر:شعر : يا أَبَتَا عَلَّكَ أَوْ عَسَاكا تفسير : وقيل: «لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» أي لتكونوا على رجاء من تدبّره؛ فيعود معنى الشّك إليهم لا إلى الكتاب، ولا إلى الله عز وجل. وقيل: معنى «أَنْزَلْنَاهُ» أي أنزلنا خبر يوسف؛ قال النحاس: وهذا أشبه بالمعنى؛ لأنه يروى أن اليهود قالوا: سلوه لم ٱنتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر؟ وعن خبر يوسف؛ فأنزل الله عز وجل هذا بمكة موافقاً لما في التوراة، وفيه زيادة ليست عندهم. فكان هذا للنبي صلى الله عليه وسلم ـ إذ أخبرهم ولم يكن يقرأ كتاباً (قط) ولا هو في موضع كتاب ـ بمنزلة إحياء عيسى عليه السلام الميت على ما يأتي فيه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيّاً } بلغة العرب {لَعَلَّكُمْ } يا أهل مكة {تَعْقِلُونَ } تفقهون معانيه.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَنزَلْنَاهُ} خبر يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ، أو الكتاب عند الجمهور.

السيوطي

تفسير : أخرج الطبراني وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أحب العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي ". تفسير : وأخرج الحاكم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلا {قرآناً عربياً} ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهاماً ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: نزل القرآن بلسان قريش، وهو كلامهم.

القشيري

تفسير : في إنزال الكتاب عليه، وإرسالِ الرسول إليه - تحقيقٌ لأحكام المحبة، وتأكيدٌ لأسباب الوصلة؛ فإنَّ مَنْ عَدِمَ حقيقة الوصول استأنس بالرسول، وَمنْ بَقِيَ عن شهود الأحباب تَسَلّى بوجود الكتاب، قال قائلهم: شعر : وكتُبكَ حَوْلي لا تُفارقُ مضجعي ففيها شفاءٌ للذي أنا كاتِمُ

اسماعيل حقي

تفسير : فقيل {انا انزلناه} اى الكتاب المتضمن قصة يوسف وغيرها فى حال كونه {قرآنا عربيا} بلغتكم فعربيا نعت لقرآنا نعت نسبة لا نعت لزوم لانه كان قرآنا قبل نزوله فلما نزل بلغة العرب نسب اليها كما فىالكواشى. وقرآنا حال موطئة اى توطئة للحال التى هى عربيا لانه فى نفسه لا يبين الهيئة وانما بينها للغير وهى ما يتبعها من الصفة فان الحال الموطئة اسم جامد موصوف بصفة هى الحال فى الحقيقة فكان الاسم الجامد وطأ الطريق لما هو حال الحقيقة بمجيئه قبلها موصوفا بها كما فى شرح الكافية للعلامة {لعلكم تعقلون} اى لكى تفهموا معانيه وتحيطوا بما فيه وتطلعوا على انه خارج عن طوق البشر منزل من عند خلاق القوى والقدر والعقل ادراك معنى الكلام والعلة على التشبيه والاستعارة فان افعال الله تعالى لا تعلل بالاغراض عند اهل السنة. وقال فى بحر العلوم لعل مستعار لمعنى الارادة لتلاحظ العرب معناه او معنى الترجى اى انزلنا قرآنا عربيا ارادة ان تعقله العرب ويفهموا منه ما يدعوهم اليه فلا يكون لهم حجة على الله ولا يقولوا لنبيهم ما خوطبنا به كما قال {أية : لو جعلناه قرآنا اعجميا لقالوا لولا فصلت آياته } تفسير : وفى التأويلات النجمية {أية : الر} تفسير : يشير بالف الى الله وباللام الى جبريل وبالراء الى الرسول اى ما انزل الله تعالى على لسان جبريل على قلب الرسول دلالات الكتاب من المحبوب الى المحب ليهتدى المحب بالبيان طريق الوصول الى المحبوب انا كسوناه للقراءة كسوة العربية {لعلكم تعقلون} حقائق معانيه واسراره ومبانيه واشاراته بما اذهى لغتكم كما انزلنا التوراة على اهلها بلغة العبرى والانجيل بلغة السريانى يشير به الى ان حقيقة كلام الله تعالى منزهة فى كلاميته عن كسوة الحروف والاصوات واللغات ولكن الخلق يحتاجون فى تعقل معانيه الى كسوة الحروف واللغات. وفى الآيات دليل على شرف اللسان العربى وفى كلام الفقهاء العرب اولى الامم لانهم المخاطبون اولا والدين عربى وفى الحديث "حديث : احب العرب لثلاث لانى عربى والقرآن عربى وكلام اهل الجنة عربى" تفسير : وفى الحديث "حديث : ان لواء يوم القيامة بيدى وان اقرب الخلق من لوائى يومئذ العرب" تفسير : وفى الحديث "حديث : اذا ذلت العرب ذل الاسلام" تفسير : وفى الحديث "حديث : ان الله حيث خلق الخلق بعث جبريل فقسم الناس قسمين قسم العرب قسما وقسم العجم قسما وكانت خيرة الله فى العرب ثم قسم العرب قسمين قسم اليمن قسما وقسم مضر قسما وكانت خيرة الله فى مضر وقسم مضر قسمين فكانت قريش قسما وكانت خيرة الله فى قريش ثم اخرجنى من خير من انا منه" شعر : تازئ يثربى لقب مكئ هاشمى نسب معتكف سراى وحى امئ امتى سراى تفسير : يقوال الفقير ولكون رسول الله صلى الله عليه وسلم عربيا جاء وارثه الاكمل من العرب وهو حضرة الشيخ الاكبر والمسك الاذفر والكبريت الاحمر محى الدين بن عربى قدس الله نفسه الزاكية وانما قلت بكونه الوارث الا كمل لكونه خاتمة الولاية الخاصة المحمدية فهو من اكمل مظاهر هذه المرتبة وفيه ظهر التفضيل الذى لم يظهر فى غيره ومن عداه طفيلى مائدته فى هذا الباب وبهذا المعنى تصرح به ولا نكنى وليمت المنكر بغيظه وغضبه ونعوذ بالله من سوء الاعتقاد

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى أنه انزل هذا الكتاب قرآناً عربياً لكي يعقلوا معانيه وأغراضه، وسمّاه {قرآناً} لما تضمن مجموع خبر يوسف وغير ذلك. و (القرآن) كلام في أعلا طبقة البلاغة، ووجه بلاغة القرآن كونه في نهاية التلاؤم المنافي للتنافر في تأليف اللفظ والمعنى: مع تشاكل المقاطع في الفواصل بما يقتضيه المعنى ومع تصريف القول على احسن ما تصرف به المعنى. والعقل مجموعة علوم يتمكن معها من الاستدلال بالشاهدين على الغائب، ويفصل به بين الحسن والقبيح. ثم يجري على كل ما يعقله الانسان في نفسه من المعاني. وفي الآية دليل على ان كلام الله محدث، لانه وصفه بالانزال وبأنه عربي، ولا يوصف بذلك القديم. وفيه دلالة على أن القرآن غير الله، لأنه وصفه بأنه عربي، ومن يزعم أن الله عربي، فقد كفر، وما كان غير الله فهو محدث. والهاء في قوله {إنا أنزلناه} كناية عن الكتاب الذي تقدم ذكره. قال الزجاج: ويجوز ان يكون المعنى إنا انزلنا خبر يوسف، وقصته، لأن علماء اليهود، قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً صلى الله عليه وسلم لم انتقل يعقوب من الشام الى مصر، وعن قصة يوسف، فانزل الله الآية ودليله قوله {لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين}.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ} اى الكتاب فى صورة الحروف والنّقوش {قُرْآناً} جامعاً لجهتى الوحدة والكثرة والامر والخلق {عَرَبِيّاً} بلغة العرب او عربيّاً ذا علم وفقه لا اعرابيّاً ذا جهل وسبعيّة وبهيميّة {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} اى يسهل عليم تعقّله لكونه بلغتكم او تصيرون ذا عقلٍ وفقه لاشتماله على ما يحصل به عقل وفقه.

اطفيش

تفسير : {إنَّا انزلناهُ} أى الكتاب، سواء فسرنا بالقرآن أو بالسورة، وعلى الأول فلا إشكال فى قوله: {قُرآنا عَربيّاً} وعلى الثانى فوجهه أن القرآن فى الأصل اسم جنس إفرادى، ويطلق على القليل والكثير، كالعسل واللبن، والسكر والماء والزيت، لأنه مصدر، ثم سمى به التنزيل. وكان علما للغلبة، فقد يبقى على أصله، وقد يخرج، وقرآنا حال ولو كان جامدا، لأنه وصف بما نزل منزلة المشتق، فإن الاسم مع ياء النسب بمنزلة المشتق، والحال الجامدة الموصوفة بمشتق، أو بمنزل منزلته تسمى موطئة بكسر الطاء، لأنها ذكرت توطئة للنعت بالمشتق أو شبهه، قاله ابن هشام. وقال ابن باب: شاذ الصفة والموصوف كشئ واحد، فكان الموصوف الذى هو حال شبيها بالمشتق لوصفه بما، فنزل منزلة المشتق، فالصفة هى الموطئة، قاله بمعناه، وعليه جرى القاضى، أو وقع حالا كأنه بمعنى مفعول أى مقروءاً، فهو من المصادر الواقعة فى معنى اسم مفعول، وعليه، فعربيّاً حال ثانية مترادفة، أو حال من الضمير المعتبر فيه من حيث إنه بمعنى مفعول متداخلة، وقيل: لا يعتبر فيه ضمير، لأن لفظه مصدر، وقيل: نعت لقرآن بمعنى مقروءاً، وقيل: اسم الفاعل واسم المفعول ونحوهما، وما بمعنى ذلك لا يكون منعوتا، وقيل: لا تعدد الحال بترادف وهو ضعيف. {لَعلَّكم تعْقِلُون} تقيمون معانيه، لأنه بلغتكم، وتستعملون فيه عقولكم، وسواء فى ذلك أريد بإنزاله إنزاله مفردا أو مجموعا، أو أريد خصوص السورة فى هذا المقام، وكانت قصة يوسف عند اليهود بالعبرانية، فبذلك يعلمون أن اقتصاص مثل ذلك ممن نشأ فيهم عربيّاً، ولم يتعلم القصص ولا لغة العجم، ولا درس الكتب، معجز لا يتصور إلا بإيحاء، وعن ابن مسعود رضى الله عنه: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا: لو قصصت علينا يا رسول الله فنزل: {نحنُ نقصُّ عَليْكَ...}

اطفيش

تفسير : {إِنَّا أَنْزَلْناهْ قُرْآناً عَرَبياً} هذا يقوى أَن المراد بالكتاب القرآن أَنزلنا هذه السورة عربية، نعم الخطاب فى قوله: {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} يتقوى به التفسير بالسورة، على أَن المعنى؛ أَنزلنا ما سأَلتم عنه يا أَهل مكة بأَمر اليهود من شأَن يعقوب وأَولاده، ومن بعدهم، وشأن يوسف، بلفظ عربى بلغتكم لا بلفظ العجمة لعلكم تفهمون معانيها ومع ذلك فتعميم القرآن أَولى من السورة؛ لأَن خطابهم بتغافل الأَوامر والنواهى، أَولى من خطابهم بتغافل يعقوب ويوسف وشأْنهما، نعم يناسب جداً أَن يقال: أَنزلنا السورة لتدركوا بعقولكم أًن من أَتاكم بهذه القصص مع أَنه لم يجاور من عرفها هو نبى حق من الله - عز وجل - أخبره بها، ولعل بمعنى كى استعارة تبعية، ولا دليل فى الآية على أَن الله - عز وجل - أَراد الإِيمان ممن لا يؤمن - تعالى الله عن أَن تتخلف إِرادته، وقبح الله المعتزلة إِذ أَجازوا ذلك، والقرآن كله عربى؛ بمعنى أنه نزل بما تتكلم به العرب من لغتها وما يجرى على أَلسنتهم من أَلفاظ يحكونها بيانا لها، ولو حكيت بلفظ آخر لم تفهم، كما ينادى العربى من هو عجمى باسمه فى العجمة ويخبر عنه باسمه، ولا يسمى ذلك خروجاً عن العربية، وأيضاً قد يعربون اللفظ العربى، وقيل: اتفقت لغة العرب والعجم فيما شهر بالعجمة كسجيل، ومشكاة، وإِسبترق، ويرده منع الصرف فى الأَعلام التى هى مثل: إِبراهيم، وأُجيب بأَنها منعت مع العلمية بصحة العجمة وعن سعيد بن جبير لما نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يتلوه على قومه، قالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا، فنزلت السورة فتلاها عليهم، فقالوا: يا رسول الله حدثنا، فنزل قوله تعالى: {أية : الله نزل أَحسن الحديث كتاباً} تفسير : [الزمر: 23] فقالوا: لو ذكرتنا، فنزل قوله: {أَلم يأْن} إِلخ. وقرآناً، حال من الهاءِ العائدة إِلى الكتاب موطئَة لقوله: {عربيا} لأَن الفائدة منه تمت بقوله: {عربيا} ولا داعى إلى جعل الهاءِ مفعولا مطلقاً، وقرآنا مفعولا به، ولا إِلى جعله بدلا من الهاءِ، وعربيا نعت لقرآنا، ولا حاجة إِلى جعله حالا من ضمير قرآنا على أنه بمعنى اسم مفعول، ولا إِلى جعله حالا ثانياً والأَولى قرآنا، والقرآن يطلق على الكل وعلى البعض كما أَن بعض الزيت زيت وكله زيت.

الالوسي

تفسير : {إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} وصف له باعتبار الشرف الإضافي. وضمير الغائب للكتاب السابق ذكره فإن كان المراد به القرآن كله كما هو الظاهر المناسب للحال فذاك وإن كان المراد به هذه السورة فتسميته قرآناً لأنه اسم جنس يقع على الكثير والقليل فكما يطلق على الكل يطلق على البعض، نعم إنه غلب على الكل عند الإطلاق معرفاً لتبادره. وهل وصل بالغلبة إلى حد العلمية أولا؟ فيه خلاف، وإلى الأول ذهب البيضاوي قدس سره فتلزمه الألف واللام ومع ذلك لم يهجر المعنى الأول، ووقع في كتب الأصول أنه وضع تارة للكل خاصة وأخرى لما يعمه، والبعض أعني الكلام المنقول في المصحف تواتراً، ونظر فيه بأن الغلبة ليس لها وضع ثان وإنما هي تخصيص لبعض أفراد الموضوع له، ولذا لزمت العلم بها اللام أو الإضافة إلا أن يدعى أن فيها وضعاً تقديرياً كذا قيل؛ وممن صرح ـ بأن التعيين بالغلبة قسيم للتعيين بالوضع ـ العلامة الزرقاني وغيره لكن تعقبه الحمصي فقال: إن دلالة الأعلام بالغلبة على تعيين مسماها بالوضع وإن كان غير الوضع الأول فليتأمل. وعن الزجاج وابن الأنباري أن الضمير لنبأ يوسف وإن لم يذكر في النظم الكريم، وقيل: هو للإنزال المفهوم من الفعل، ونصبه على أنه مفعول مطلق، و {قُرْآناً} هو المفعول به، والقولان ضعيفان كما لا يخفى، ونصب {قُرْآناً} على أنه حال وهو بقطع النظر عما بعده وعن تأويله بالمشتق حال موطئة للحال التي هي {عَرَبِيّاً} وإن أول بالمشتق أي مقروءاً فحال فير موطئة؛ و {عَرَبِيّاً} إما صفته على رأي من يجوز وصف الصفة، وإما حال من الضمير المستتر فيه على رأي من يقول بتحمل المصدر الضمير إذا كان مؤولا باسم المفعول مثلاً، وقيل: {قُرْآناً} بدل من الضمير، و {عَرَبِيّاً} صفته، وظاهر صنيع أبـي حيان يقتضي اختياره. ومعنى كونه / {عَرَبِيّاً} أنه منسوب إلى العرب باعتبار أنه نزل بلغتهم وهي لغة قديمة. أخرج ابن عساكر في «التاريخ» عن ابن عباس أن آدم عليه السلام كان لغته في الجنة العربية فلما أكل من الشجرة سلبها فتكلم بالسريانية فلما تاب ردّها الله تعالى عليه، وقال عبد الملك بن حبيب: كان اللسان الأول الذي هبط به آدم عليه السلام من الجنة عربياً إلى أن بعد وطال العهد حرف وصار سريانياً وهو منسوب إلى أرض سورية وهي أرض الجزيرة وبها كان نوح عليه السلام وقومه قبل الغرق، وكان يشاكل اللسان العربـي إلا أنه محرف وكان أيضاً لسان جميع من في السفينة إلا رجلاً واحداً يقال له: جرهم فإنه كان لسانه العربـي الأول فلما خرجوا من السفينة تزوج إرم بن سام بعض بناته وصار اللسان العربـي في ولده عوص أبـي عاد وعبيل وجاثر أبـي ثمود وجديس، وسميت عاد باسم جرهم لأنه كان جدّهم من الأم وبقي اللسان السرياني في ولد أرفخشد بن سام إلى أن وصل إلى قحطان من ذريته وكان باليمن فنزل هناك بنوا إسماعيل عليه السلام فتعلم منهم بنو قحطان اللسان العربـي. وقال ابن دحية: العرب أقسام: الأول عاربة وعرباء وهم الخلص وهم تسع قبائل من ولد إرم بن سام بن نوح، وهي عاد، وثمود وأميم وعبيل وطسم وجديس وعمليق وجرهم ووبار، ومنهم تعلم إسماعيل عليه السلام العربية، والثاني المتعربة قال في «الصحاح»: وهم الذين ليسوا بخلص وهم بنو قحطان، والثالث المستعربة وهم الذين ليسوا بخلص أيضاً وهم بنو إسماعيل وهم ولد معد بن عدنان بن أدد اهـ. وقال ابن دريد في «الجمهرة» العرب العاربة سبع قبائل: عاد وثمود وعمليق وطسم وجديس وأميم وجاسم وقد انقرض أكثرهم إلا بقايا متفرقين في القبائل، وأول من انعدل لسانه عن السريانية إلى العربية يعرب بن قحطان وهو مراد الجوهري بقوله: إنه أول من تكلم بالعربية، واستدل بعضهم على أنه أول من تكلم بها بما أخرجه ابن عساكر في «التاريخ» بسند رواه عن أنس بن مالك موقوفاً ولا أراه يصح ذكر فيه تبلبل الألسنة ببابل وأنه أول من تكلم بالعربية. وأخرج الحاكم في «المستدرك» وصححه والبيهقي في «شعب الإيمان» من طريق سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية {إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيّا} الخ ثم قال: «حديث : ألهم إسمعيل عليه السلام هذا اللسان العربـي إلهاماً» تفسير : وقال الشيرازي في كتاب «الألقاب»: أخبرنا أحمد بن إسمٰعيل المداني أخبرنا محمد بن أحمد بن إسحاق الماشي حدثنا محمد بن جابر حدثنا أبو يوسف بن السكيت قال: حدثني الأثرم عن أبـي عبيدة حدثنا مسمع بن عبد الملك عن محمد بن علي بن الحسين عن آبائه رضي الله تعالى عنهم أجمعين عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسمٰعيل عليه السلام وهو ابن أربع عشرة سنة» تفسير : وروي أيضاً عن ابن عباس أن إسمٰعيل عليه السلام أول من تكلم بالعربية المحضة، وأريد بذلك ـ على ما قاله بعض الحفاظ ـ عربية قريش التي نزل بها القرآن وإلا فاللغة العربية مطلقاً كانت قبل إسمٰعيل عليه السلام وكانت لغة حمير وقحطان، وقال محمد بن سلام: أخبرني يونس عن أبـي عمرو بن العلاء قال: العرب كلها ولد إسماعيل إلا حميراً وبقايا جرهم وقد جاورهم وأصهر إليهم، وذكر ابن كثير أن من العرب من ليس من ذريته كعاد وثمود وطسم وجديس وأميم وجرهم والعماليق وأمم غيرهم لا يعلمهم / إلا الله سبحانه كانوا قبل الخليل عليه السلام وفي زمانه وكان عرب الحجاز من ذريته وأما عرب اليمن ـ وهم حمير ـ فالمشهور كما قال ابن ماكولا: إنهم من قحطان واسمه مهزم وهو ابن هود، وقيل: أخوه، وقيل: من ذريته، وقيل: قحطان هو هود، وحكى ابن إسحاق وغيره أنه من ذرية إسماعيل، والجمهور على أن العرب القحطانية من عرب اليمن وغيرهم ليسوا من ذريته عليه السلام وأن اللغة العربية مطلقاً كانت قبله وهى إحدى اللغات التي علمها آدم عليه السلام وكان يتكلم بها وبغيرها أيضاً وكثر تكلمه فيما قيل: بالسريانية، وادعى بعضهم أنها أول اللغات وأن كل لغة سواها حدثت بعدها إما توقيفاً أو اصطلاحاً، واستدلوا على أسبقيتها وجوداً بأن القرآن كلام الله تعالى وهو عربي وفيه ما فيه. وهي أفضل اللغات حتى حكى شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام أبـي يوسف عليه الرحمة كراهة التكلم بغيرها لمن يحسنها من غير حاجة، وبعدها في الفضل على ما قيل: الفارسية الدرية حتى روي عن الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه جواز قراءة القرآن بها سواء في ذلك ما كان ثناءاً كالإخلاص وغيره وسواء كانت عن عجز عن العربية أم لا. وروي عن صاحبيه جواز القراءة في الصلاة بغير العربية لمن لا يحسنها، وفي «النهاية» و«الدارية» أن أهل فارس كتبوا إلى سلمان الفارسي أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية فكتب فكانوا يقرأون ما كتب في الصلاة حتى لانت ألسنتهم. وقد عرض ذلك على النبـي عليه الصلاة والسلام ولم ينكر عليه، نعم الصحيح أن الإمام رجع عن ذلك، وفي «النفحة القدسية في أحكام قراءة القرآن وكتابته بالفارسية» للشرنبلالي ما ملخصه: حرمة كتابة القرآن بالفارسية إلا أن يكتبه بالعربية ويكتب تفسير كل حرف وترجمته وحرمة مسه لغير الطاهر اتفاقاً كقراءته وعدم صحة الصلاة بافتتاحها بالفارسية وعدم صحتها بالقراءة بها إذا كانت ثناءً واقتصاره عليها مع القدرة على العربية وعدم الفساد بما هو ذكر وفسادها بما ليس ذكراً بمجرد قراءته ولا يخرج عن كونه أمياً وهو يعلم الفارسية فقط وتصح الصلاة بدون قراءة للعجز عن العربية على الصحيح عند الإمام وصاحبيه، وأطال الكلام في ذلك. وفي «معراج الدراية» من تعمد قراءة القرآن أو كتابته بالفارسية فهو مجنون أو زنديق والمجنون يداوى والزنديق يقتل، وروي ذلك عن أبـي بكر محمد بن الفضل البخاري ومع هذا لا ينكر فضل الفارسية، ففي الحديث «حديث : لسان أهل الجنة العربـي والفارسي الدري»تفسير : وقد اشتهر ذلك لكن ذكر الذهبـي في «تاريخه» عن سفيان أنه قال: بلغنا أن الناس يتكلمون يوم القيامة بالسريانية فإذا دخلوا الجنة تكلموا بالعربية. وأخرج الطبراني والحاكم والبيهقي وآخرون عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أحبوا العرب لثلاث لأني عربـي والقرآن عربـي وكلام أهل الجنة عربي».تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبـي هريرة ما يعضده، ولا يخفى على الخبير بمزايا الكلام أن في الكلام العربـي من لطائف المعاني ودقائق الأسرار ما لا يستقل بأدائه لسان ويليه في ذلك الكلام الفارسي فإن كان هذا مدار الفضل فلا ينبغي أن يتنازع اثنان في أفضلية العربـي ثم الفارسي مما وصل إلينا من اللغات وإن كان شيئاً آخر فالظاهر وجوده في العربـي الذي اختار سبحانه إنزال القرآن به لا غير، وقد قسم لنبينا / صلى الله عليه وسلم من هذا اللسان ما لم يقسم لأحد من فصحاء العرب، فقد أخرج ابن عساكر في «تاريخه» حديث : عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: «يا رسول الله مالك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ قال: كانت لغة إسماعيل قد درست فجاء بها جبريل عليه السلام فحفظنيها فحفظته. ا»تفسير : وأخرج البيهقي من طريق يونس عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي عن أبيه من حديث فيه طول قال رجل:حديث : يا رسول الله ما أفصحك ما رأينا الذي هو أعرب منك؟ قال: حق لي فإنما أنزل القرآن علي بلسان عربـي مبين» تفسير : ، هذا وجوز أن يكون العربـي منسوباً إلى عربة وهي ناحية دار إسماعيل عليه السلام قال الشاعر:شعر : (وعربة) أرض ما يحا حرامها من الناس إلا اللوذعي الحلاحل تفسير : والمراد لغة أهل هذه الناحية. واستدل جماعة منهم الشافعي رضي الله تعالى عنه وابن جرير وأبو عبيدة والقاضي أبو بكر بوصف القرآن بكونه عربياً على أنه لا معرب فيه، وشدد الشافعي النكير على من زعم وقوع ذلك فيه، وكذا أبو عبيدة فإنه قال: من زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول. ووجه ابن جرير ما ورد عن ابن عباس وغيره في تفسير ألفاظ منه أنها بالفارسية أو الحبشية أو النبطية كذا بأن ذلك مما اتفق فيه توارد اللغات، وقال غيره: بل كان للعرب التي نزل القرآن بلغتهم بعض مخالطة لأهل سائر الألسنة في أسفار لهم فعلقت من لغاتهم ألفاظ غيرت بعضها بالنقص من حروفها واستعملتها في أشعارها ومحاورتها حتى جرت مجرى العربـي الفصيح ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن. وقال آخرون: كل تلك الألفاظ عربية صرفة ولكن لغة العرب متسعة جداً ولا يبعد أن تخفى على الأكابر الأجلة، وقد خفي على ابن عباس معنى فاطر وفاتح، ومن هنا قال الشافعي في الرسالة (ص 42): لا يحيط باللغة إلا نبـي. وذهب جمع إلى وقوع غير العربـي فيه، وأجابوا عن الآية بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن العربية، فالقصيدة الفارسية لا تخرج عن كونها فارسية بلفظة عربية. وقال غير واحد: المراد أنه عربـي الأسلوب، واستدلوا باتفاق النحاة على أن منع صرف نحو إبراهيم للعلمية والعجمة، ورد بأن الأعلام ليست محل خلاف وإنما الخلاف في غيرها، وأجيب بأنه إذا اتفق على وقوع الأعلام فلا مانع من وقوع الأجناس ونظر فيه، واختار الجلال السيوطي القول بالوقوع، واستدل عليه بما صح عن أبـي ميسرة التابعي الجليل أنه قال: في القرآن من كل لسان، وروي مثله عن سعيد بن جبير ووهب بن منبه. وذكر أن حكمة وقوع تلك الألفاظ فيه أنه حوى علوم الأولين والآخرين ونبأ كل شيء فلا بد أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات لتتم إحاطته بكل شيء فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالاً للعرب وأيضاً لما كان النبـي صلى الله عليه وسلم مرسلاً إلى كل أمة ناسب أن يكون في كتابه المبعوث به من لسان كل قوم شيء، وقد أشار إلى الوجه الأول ابن النقيب. وقال أبو عبد الله القاسم بن سلام بعد أن حكى القول بالوقوع عن الفقهاء والمنع عن أهل العربية الصواب تصديق القولين جميعاً وذلك أن هذه الأحرف أصولها عجمية كما قال الفقهاء لكنها وقعت للعرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية ثم نزل القرآن، وقد اختلطت هذه الأحرف بكلام العرب فمن قال: إنها عربية فهو صادق، ومن قال: إنها عجمية فهو صادق، ومال إلى هذا القول الجواليقي وابن الجزري وآخرون، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة إبراهيم عليه السلام [الآية: 4] ما يتعلق بهذا المبحث أيضاً فليتفطن وليتأمّل. / واحتج الجبائي بالآية على كون القرآن مخلوقاً من أربعة أوجه: الأول وصفه بالإنزال، والقديم لا يجوز عليه ذلك، الثاني وصفه بكونه عربياً، والقديم لا يكون عربياً ولا فارسياً، الثالث أن قوله تعالى: {إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيّا} يدل على أنه سبحانه قادر على إنزاله غير عربـي وهو ظاهر الدلالة على حدوثه. الرابع أن قوله عز شأنه: {أية : تِلْكَ آيَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [يوسف: 1] يدل على تركبه من الآيات والكلمات وكل ما كان مركباً كان محدثاً ضرورة أن الجزء الثاني غير موجود حال وجود الجزء الأول. وأجاب الأشاعرة عن ذلك كله بأن قصارى ما يلزم منه أن المركب من الحروف والكلمات محدث وذلك مما لا نزاع لنا فيه، والذي ندعي قدمه شيء آخر نسميه الكلام النفسي وهو مما لا يتصف بالإنزال ولا بكونه عربياً ولا غيره ولا بكونه مركباً من الحروف ولا غيرها، وقد تقدم لك في المقدمات ما ينفعك هنا فلا تغفل. {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تفهموا معانيه وتحيطوا بما فيه من البدائع أو تستعملوا فيه عقولكم فتعلموا أنه خارج عن طوق البشر مشتمل على ما يشهد له أنه منزل من عند خلاق القوى والقدر، وهذا بيان لحكمة إنزاله بتلك الصفة، وصرح غير واحد أن لعل مستعملة بمعنى لام التعليل على طريق الاستعارة التبعية، ومرادة من ذلك ظاهر، وجعلها للرجاء من جانب المخاطبين وإن كان جائزاً لا يناسب المقام. وزعم الجبائي أن المعنى أنزله لتعقلوا معانيه في أمر الدين فتعرفوا الأدلة الدالة على توحيده وما كلفكم به. وفيه دليل على أنه تعالى أراد من الكل الإيمان والعمل الصالح من حصل منه ذلك ومن لم يحصل، وفيه أنه بمعزل عن الاستدلال به على ما ذكر كما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : استئناف يفيد تعليل الإبانة من جهتي لفظه ومعناه، فإنّ كونه قرآناً يدل على إبانة المعاني، لأنّه ما جعل مقروءاً إلاّ لما في تراكيبه من المعاني المفيدة للقارىء. وكونه عربياً يفيد إبانة ألفاظه المعانيَ المقصودة للّذين خوطبوا به ابتداء، وهم العرب، إذ لم يكونوا يتبيّنون شيئاً من الأمم التي حولهم لأنّ كتبهم كانت باللغات غير العربية. والتّأكيد بـــ (إنّ) متوجّه إلى خبرها وهو فعل {أنزلناه} ردّاً على الذين أنكروا أن يكون منزلاً من عند الله. وضمير {أنزلناه} عائد إلى {الكتاب} في قوله: {الكتاب المبين} [سورة يوسف: 1]. و{قرآناً} حال من الهاء في {أنزلناه}، أي كتاباً يقرأ، أي منظماً على أسلوب معدّ لأنْ يقْرأ لا كأسلوب الرسائل والخطب أو الأشعار، بل هو أسلوب كتاب نافع نفعاً مستمراً يقرأه الناس. و{عربيّاً} صفة لـــ {قرآناً}. فهو كتاب بالعربيّة ليس كالكتب السّالفة فإنّه لم يسبقه كتاب بلغة العرب. وقد أفصح عن التعليل المقصود جملة {لعلّكم تعقلون}، أي رجاء حصول العلم لكم من لفظه ومعناه، لأنّكم عرب فنزوله بلغتكم مشتملاً على ما فيه نفعكم هو سبب لعقلكم ما يحتوي عليه، وعُبّرَ عن العلم بالعقل للإشارة إلى أنّ دلالة القرآن على هذا العلم قد بلغت في الوضوح حدّ أن ينزّل من لم يَحصل له العلم منها منزلة من لا عقل له، وأنّهم ما داموا معرضين عنه فهم في عداد غير العقلاء. وحذف مفعول {تعقلون} للإشارة إلى أنّ إنزاله كذلك هو سبب لحصول تعقل لأشياء كثيرة من العلوم من إعجاز وغيره. وتقدّم وَجه وقوع (لعلّ) في كلام الله تعالى، ومحمل الرجاء المفاد بها على ما يؤول إلى التعليل عند قوله تعالى: { أية : ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلّكم تشكرون } تفسير : في سورة البقرة (52)، وفي آيات كثيرة بعدها بما لا التباس بعده.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَنْزَلْنَاهُ} {قُرْآناً} (2) - لَقَدْ أَنْزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، لُغَةِ القَوْمِ الذِينَ أَنْزِلَ إِلَيْهِمْ، لِيَفْهَمُوهُ، وَيَتَدَبَّرُوهُ، وَيَعْقِلُوهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وبالنسبة للقرآن نجد الحق - سبحانه - يقول: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193]. فنسب النزول مرة لجبريل كحامل للقرآن ليبلغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومرة يقول: {أية : نُزِّلَ ..} تفسير : [محمد: 2]. والنزول في هذه الحالة منسوب لله وجبريل والملائكة. أما قول الحق - سبحانه: {أية : أُنْزِلَ ..} تفسير : [البقرة: 91]. فهو القول الذي يعني أن القرآن قد تعدى كونه مَكْنوناً في اللوح المحفوظ ليباشر مهمته في الوجود ببعث رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم. هذا هو معنى الإنزال للقرآن جملةً واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزل من بعد ذلك نجوماً متفرقة؛ ليعالج كل المسائل التي تعرَّض لها المسلمون. وهكذا يؤول الأمر إلى أن القرآن نزل أو نزل به الروح الأمين. والحق - سبحانه - يقول: {أية : وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ..} تفسير : [الإسراء: 105]. أي: أن الحق - سبحانه - أنزله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم أنزله مفرقاً ليعالج الأحداث ويباشر مهمته في الوجود الواقعي. وفي هذه الآية يقول - سبحانه: {إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ..} [يوسف: 2]. وفي الآية السابقة قال: {أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ..}تفسير : [يوسف: 1]. فمرَّة يَصِفه بأنه قرآن بمعنى المقروء، ومرَّة يَصِفه بأنه كتاب؛ لأنه مسطور، وهذه من معجزات التسمية. ونحن نعلم أن القرآن حين جُمِع ليكتب؛ كان كاتب القرآن لا يكتب إلا ما يجده مكتوباً، ويشهد عليه اثنان من الحافظين. ونحن نعلم أن الصدور قد تختلف بالأهواء، أما السطور فمُثْبتة لا لَبْسَ فيها. وهو قرآن عربي؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سيجاهر بالدعوة في أمة عربية، وكان لابد من وجود معجزة تدل على صدق بلاغه عن الله، وأن تكون مِمَّا نبغ فيه العرب؛ لأن المعجزة مشروطة بالتحدي، ولا يمكن أن يتحداهم في أمر لا ريادة لهم فيه ولا لهم به صلة؛ حتى لا يقولن أحد: نحن لم نتعلم هذا؛ ولو تعلمناه لجئنا بأفضل منه. وكان العرب أهل بيان وأدب ونبوغ في الفصاحة والشعر، وكانوا يجتمعون في الأسواق، وتتفاخر كل قبيلة بشعرائها وخطبائها المُفوَّهين، وكانت المباريات الآدائية تُقَام، وكانت التحديات تجرى في هذا المجال، ويُنصَب لها الحكام. أي: أن الدُّرْبَة على اللغة كانت صناعة متواترة ومتواردة، محكوم عليها من الناس في الأسواق، فَهُم أمة بيان وبلاغة وفصاحة. لذلك شاء الحق - سبحانه - أن يكون القرآن معجزة من جنس ما نبغ فيه العرب، وهم أول قوم نزل فيهم القرآن، وحين يؤمن هؤلاء لن يكون التحدي بفصاحة الألفاظ ونسق الكلام، بل بالمبادىء التي تطغى على مبادىء الفرس والروم. وهي مبادىء قد نزلت في أمة مبتدِّية ليس لها قانون يجمعها، ولا وطن يضمهم يكون الولاء له، بل كل قبيلة لها قانون، وكلهم بَدْو يرحلون من مكان إلى مكان. وحين نزل فيهم القرآن عَلِم أهل فارس والروم أن تلك الأمة المُبتدِّية قد امتلكتْ ما يبني حضَارة ليس لها مثيل من قَبْل، رغم أن النبي أمِيٌّ وأن الأمة التي نزل فيها القرآن كانت أمية. وفارس والروم يعلمون أن الرسول الذي نزل في تلك الأمة تحدَّاهم بما نبغُوا فيه، وما استطاع واحد منهم أن يقوم أمام التحدي، ومن هنا شعروا أنهم أمام تحد حضاري من نوع آخر لم يعرفوه. ويشاء الحق - سبحانه - أن ينزل القرآن عربياً؛ لأن الحق لم يكن ليرسل رسولاً إلا بلسان قومه، فهو القائل: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ..} تفسير : [إبراهيم: 4]. وأُرسِلَ محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن، الذي تميَّز عن سائر كتب الرسل الذين سبقوه؛ بأنه كتاب ومعجزة في آنٍ واحد، بينما كانت معجزات الرسل السابقين عليه صلى الله عليه وسلم مُنْفصلةً عن كُتب الأحكام التي أُنزِلَتْ إليهم. ويظلُّ القرآن معجزة تحمل منهجاً إلى أنْ تقومَ الساعة، وما دام قد آمنَ به الأوائل وانساحوا في العالم، فتحقق بذلك ما وعد به الله أن يكون هذا الكتابُ شاملاً، يجذب كل مَنْ لم يؤمن به إلى الانبهار بما فيه من أحكام. ولذلك حين يبحثون عن أسباب انتشار الإسلام في تلك المدة الوجيزة، يجدون أن الإسلام قد انتشر لا بقوة مَنْ آمنوا به؛ بل بقوة مَنْ انجذبوا إليه مَشْدُوهِين بما فيه من نُظُمٍ تُخلِّصهم من متاعبهم. ففي القرآن قوانين تُسعِد الإنسانَ حقاً، وفيه من الاستنباءات بما سوف يحدث في الكون؛ ما يجعل المؤمنين به يذكرون بالخشوع أن الكتاب الذي أنزله الله على رسولهم لم يفرط في شيء. وإذا قال قائل من المستشرقين: كيف تقولون: إن القرآن قد نزل بلسان عربي مبين؛ رغم وجود ألفاظ أجنبية مثل كلمة "آمين" التي تُؤمِّنُون بها على دعاء الإمام؛ كما توجد ألفاظ رومية، وأخرى فارسية؟ وهؤلاء المستشرقون لم يلتفتوا إلى أن العربي استقبل ألفاظاً مختلفة من أمم متعددة نتيجة اختلاطه بتلك الأمم، ثم دارتْ هذه الألفاظ على لسانه، وصارت تلك الألفاظ عربية، ونحن في عصورنا الحديثة نقوم بتعريب الألفاظ، وندخل في لغتنا أيَّ لفظ نستعمله ويدور على ألسنتنا، ما دُمْنا نفهم المقصود به. ويُذيِّل الحق - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]. ليستنهض همة العقل، ليفكر في الأمر، والمُنْصف بالحق يُهِمه أن يستقبل الناس ما يعرضه عليهم بالعقل، عكس المدلس الذي يهمه أن يستر العقل جانباً؛ لينفُذَ من وراء العقل. وفي حياتنا اليومية حين ينبهك التاجر لسلعة ما، ويستعرض معك مَتَانتها ومحاسنها؛ فهو يفعل ذلك كدليل على أنه واثق من جودة بضاعته. أما لو كانت الصَّنْعة غير جيدة، فهو لن يدعوك للتفكير بعقلك؛ لأنك حين تتدبر بعقلكَ الأمر تكتشف المُدلس وغير المُدلس؛ لذلك فهو يدلس عليك، ويُعمِّي عليك، ولا يدع لك فرصة للتفكير. ويقول الحق - سبحانه - من بعد ذلك: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ ...}.