Verse. 1599 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ اَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَاۗ اَوْحَيْنَاۗ اِلَيْكَ ھٰذَا الْقُرْاٰنَ۝۰ۤۖ وَاِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِہٖ لَمِنَ الْغٰفِلِيْنَ۝۳
Nahnu naqussu AAalayka ahsana alqasasi bima awhayna ilayka hatha alqurana wain kunta min qablihi lamina alghafileena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا» بإيحائنا «إليك هذا القرآن وإن» مخففة أي وإنه «كنت من قبله لمن الغافلين».

3

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: روى سعيد بن جبير أنه تعالى لما أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يتلوه على قومه، فقالوا يا رسول الله لو قصصت علينا فنزلت هذه السورة فتلاها عليهم فقالوا لو حدثتنا فنزل: { أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰباً } تفسير : [الزمر: 23] فقالوا لو ذكرتنا فنزل: { أية : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [الحديد: 16]. المسألة الثانية: القصص اتباع الخبر بعضه بعضاً وأصله في اللغة المتابعة قال تعالى: { أية : وَقَالَتْ لاخْتِهِ قُصّيهِ } تفسير : [القصص: 11] أي اتبعي أثره وقال تعالى: { أية : فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ ءاثَارِهِمَا قَصَصًا } تفسير : [الكهف: 64] أي اتباعاً وإنما سميت الحكاية قصصاً لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئاً فشيئاً كما يقال تلا القرآن إذا قرأه لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية والقصص في هذه الآية يحتمل أن يكون مصدراً بمعنى الاقتصاص يقال قص الحديث يقصه قصاً وقصصاً إذا طرده وساقه كما يقال أرسله يرسله إرسالاً ويجوز أن يكون من باب تسمية المفعول بالمصدر كقولك هذا قدرة الله تعالى أي مقدوره وهذا الكتاب علم فلان أي معلومه وهذا رجاؤنا أي مرجونا فإن حملناه على المصدر كان المعنى نقص عليك أحسن الاقتصاص، وعلى هذا التقدير فالحسن يعود إلى حسن البيان لا إلى القصة والمراد من هذا الحسن كون هذه الألفاظ فصيحة بالغة في الفصاحة إلى حد الإعجاز ألا ترى أن هذه القصة مذكورة في كتب التواريخ مع أن شيئاً منها لا يشابه هذه السورة في الفصاحة والبلاغة وإن حملناه على المفعول كان معنى كونه أحسن القصص لما فيه من العبر والنكت والحكم والعجائب التي ليست في غيرها فإن إحدى الفوائد التي في هذه القصة أنه لا دافع لقضاء الله تعالى ولا مانع من قدر الله تعالى وأنه تعالى إذا قضى للإنسان بخير ومكرمة فلو أن أهل العالم اجتمعوا عليه لم يقدروا على دفعه. والفائدة الثانية: دلالتها على أن الحسد سبب للخذلان والنقصان. والفائدة الثالثة: أن الصبر مفتاح الفرج كما في حق يعقوب عليه السلام فإنه لما صبر فاز بمقصوده، وكذلك في حق يوسف عليه السلام. فأما قوله: {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ } فالمعنى بوحينا إليك هذا القرآن، وهذا التقدير إن جعلنا «ما» مع الفعل بمنزلة المصدر. ثم قال: {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ } يريد من قبل أن نوحي إليك {لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ } عن قصة يوسف وإخوته، لأنه عليه السلام إنما علم ذلك بالوحي، ومنهم من قال: المراد أنه كان من الغافلين عن الدين والشريعة قبل ذلك كما قال تعالى: { أية : مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ } تفسير : [الشورى: 52].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ} ابتداء وخبر. {أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} بمعنى المصدر، والتقدير: قصصنا أحسن القَصَص. وأصل القَصَص تتبع الشيء، ومنه قوله تعالى: {أية : وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ} تفسير : أي تتبعي أثره؛ فالقاصّ يتبع الآثار فيخبر بها. والحسن يعود إلى القَصَص لا إلى القصّة. يقال: فلان حسن الاقتصاص للحديث أي جيّد السّياقة له. وقيل: القَصَص ليس مصدراً، بل هو في معنى الاسم، كما يقال: الله رجاؤنا، أي مرجوّنا فالمعنى على هذا: نحن نخبرك بأحسن الأخبار. {بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} أي بوحينا فـ«ـما» مع الفعل بمنزلة المصدر. {هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} نصب القرآن على أنه نعت لهذا، أو بدل منه، أو عطف بيان. وأجاز الفراء الخفض؛ قال: على التكرير؛ وهو عند البصريين على البدل من «ما». وأجاز أبو إسحاق الرفع على إضمار مبتدأ؛ كأن سائلاً سأله عن الوحي فقيل له: هو (هذا) القرآن. {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} أي من الغافلين عما عرّفناكه. مسألة: وٱختلف العلماء لِمَ سُمِيت هذه السورة أحسن القَصَص من بين سائر الأقاصيص؟ فقيل: لأنه ليست قصة في القرآن تتضمن من العِبر والحِكم ما تتضمن هذه القصّة؛ وبيانه قوله في آخرها: {أية : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [يوسف: 111]. وقيل: سماها أحسن القَصص لحسن مجاوزة يوسف عن إخوته، وصبره على أذاهم، وعفوه عنهم ـ بعد الالتقاء بهم ـ عن ذكر ما تعاطوه، وكرمه في العفو عنهم، حتى قال: {أية : لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ} تفسير : [يوسف: 92]. وقيل: لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين، والجنّ والإنس والأنعام والطّير، وسير الملوك والممالك، والتّجار والعلماء والجهّال، والرجال والنّساء وحِيلهنّ ومكرهنّ، وفيها ذكر التّوحيد والفقه والسِّيرَ وتعبير الرؤيا، والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش، وجمل الفوائد التي تصلح للدين والدنيا. وقيل: لأن فيها ذكر الحبيب والمحبوب وسيرهما. وقيل: «أَحْسَنَ» هنا بمعنى أعجب. وقال بعض أهل المعاني: إنما كانت أحسن القَصَص لأن كل من ذكر فيها كان مآله السعادة؛ ٱنظر إلى يوسف وأبيه وإخوته، وٱمرأة العزيز؛ قيل: والملك أيضاً أسلم بيوسف وحسن إسلامه، ومستعبر الرؤيا الساقي، والشاهد فيما يقال؛ فما كان أمر الجميع إلا إلى خير.

المحلي و السيوطي

تفسير : {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ } بإيحائنا {إِلَيْكَ هَذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن } مخففة أي وإنه {كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَٰفِلِينَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {نَقُصُّ} نبين والقاص الذي يأتي بالقصة على حقيقتها.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} الآية. {نَحْنُ نَقُصُّ}: مبتدأ وخبر، والقاصُّ: الذي يتتبَّعُ الآثار ويأتي بالخبر على وجهه، قال تعالى: {أية : وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ}تفسير : [القصص:11]، أي: أتَّبعي أثرهُ، {أية : فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً}تفسير : [الكهف:64]، أي اتِّباعاً، وسميت الحكايةَ قصصاً؛ لأنَّ الذي يقصُّ الحديث، يذكرُ تلك القصَّة شيئاً فشيئاً، كما يقال: تلا القرآنَ إذا قرأهُ؛ لأنَّه يتلُو، أي: يتبعُ ما حَفِظَ مِنهُ آيةً بعد آيةٍ، والمعنى: نُبين لكَ أخبارَ الأممِ السَّالفةِ، والقرُونِ الماضية. روى سعدُ بن أبي وقَّاصٍ ـ رضي الله عنه ـ قال: لمَّا أنْ نَزلَ القُرآنُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتَلاهُ عَليْهِمْ زمَاناً، فقالوا: يَا رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لوْ حَدَّثتنَا ـ فأنْزَل اللهُ ـ عز وجل ذكره ـ {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ}تفسير : [الزمر:23] فقالوا: يا رسول الله، لو ذكرتنَا، فأنزل الله ـ عزَّ وجلَّ ـ {أية : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الحديد:16]. قوله: {أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} في انتصابه وجهان: أحدهما: أن يكُونَ منصُوباً على المفعول به، وذلك إذا جعلتَ القصص مصدراً واقعاً موقع المفعول، كالخلقِ بمعنى: المخلُوقِ، أو جعلته فعلاً بمعنى: مفعُول، كالقَبْضِ، والنَّقْضِ بمعنى: المَقْبُوض، والمَنْقُوض، أي: نقصُّ عليك أحسن الأشياءِ المقتصة، فيكون معنى قوله: {أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ}: لِمَا فيه من العبرة، والنُّكتة، والحكمةِ، والعجائب التي ليست في غيرها. فإحدى الفوائد في هذه القصة: أنه لا دافع لقضاءِ الله، ولا مانع من قدر الله، وأنَّه ـ تعالى ـ إذا قضى لإنسان بخير؛ فلو اجتمع العالمُ، لمْ يقدروا على دفعه. والفائدة الثانية: أنََّها تدلُّ على أنَّ الحسد سببُ الخُذلانِ، والنُقصَانِ. والفائدة الثالثة: أنَّ الصَّبر مفتاحُ الفرج، كما في حقِّ يعقُوب عليه الصلاة والسلام؛ فإنَّه لما صبر، نال مقصُوده، وكذلك يُوسُف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ. والوجه الثاني: أن يكون منصوباً على المصدر المبين، إذا جعلتَ القصص مصدراً غير مراد به المفعُول، ويكون المقصُوص على هذا محذوفاً، أي: نقُصُّ عليك أحسن الاقتصاص. وعلى هذا؛ فالحسنُ يعُود إلى حسنِ البيان، لا إلى القصَّة، والمراد بهذا الحسن: كون هذه الألفاظ فصيحة بالغة في الفصاحة إلى حدِّ الإعجاز، ألا ترى أنَّ هذه القصَّة مذكورةٌ في كتب التَّواريخ، مع أنَّ شيئاً منها لا يشبه هذه السورة في الفصاحة، والبلاغة. و"أحْسَنَ": يجوز أن يكون: أفعل تفضيل على بابها، وأن يكُون لمُجرَّد الوصف بالحسن، وتكون من باب إضافة الصِّفة لموصوفها، أي: القصص الحسن. قال العلماء ـ رضي الله عنهم ـ: ذكر الله أقاصيصَ الأنبياء في القرآن، وكرَّرها بمعنى واحدٍ، في وجوهٍ مختلفة، بألفاظ متباينة على درجاتِ المبالغة، وقد ذكر قصة يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولم يكرِّرها؛ فلم يقدر مخالفٌ على معارضة ما تكرر، ولا على معارضة غير المتكرِّر. فصل قال القرطبيُّ: وذكر العُلماءُ لكَوْنِ هذه القصَّة أحسنَ القصصِ وجوهاً: أحدها: أنه ليست قصَّة في القرآن تتضمنُ من العبر والحكم، ما تتضمن هذه القصَّة؛ لقوله ـ تعالى ـ في آخرها {أية : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [يوسف:111]. وثانيها: لحُسن مجاوزة يوسف إخوته، وصبْرِه على أذاهُم، وعفوه عنهُم بعد التقائهم عن ذكر فعلهم،وكرمه في العفو عنهُم، حتَّى قال: {أية : لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ}تفسير : [يوسف:92]. وثالثها: أن فيها ذكر الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ والصَّالحين، والملائكةِ، والجنِّ، والشياطين، والإنسِ، والطيرِ، وسير الملوكِ، والمماليكِ، والتُّجارِ، والعلماءِ، والجهال، والرِّجال، والنِّساء وحيلهنَّ ومكرهنَّ، وذكر التَّوحيد، والفقهِ، والسِّير، وتعبيرِ الرُّؤيا، والسِّياسةِ، والمعاشرةِ، وتدبير المعاشِ، وجُمَل الفوائد تصلُح للدِّين والدُّنيا. ورابعها: أنَّ فيها ذكر الحبيب، والمحبُوب، وسيرهما. وخامسها: أنَّ "أحْسنَ" هنا بمعنى: أعجب. وسادسها: سُمِّيت أحسن القصص؛ لأنَّ كل من ذكر فيها كان مآله إلى السَّعادة، وانظُر إلى يوسف، وأبيه وإخوته، وامرأة العزيز، قيل: والملكُ أيضاً أسلم بيُوسُف، وحسن إسلامهُ، ومستعبر الرؤيا، والسَّاقي، والشَّاهد فيما يقال، فما كان أمْر الجَمِيع إلاَّ إلى خير، والله ـ تعالى ـ أعلم. قوله: {بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} "الباء سببيَّة"، وهي متعلقةٌ بـ "نَقُصُّ" و"مَا" مصدريَّة، أي: بسبب إيحائنا. قوله: {هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أن ينتصب على المفعولية بـ "أَوْحَيْنَا". والثاني: أن تكون المسألة من باب التنازع، أعني: بَيْن "نَقُصُّ" وبين "أوْحَيْنَا" فإن كلاًّ منهما يطلب "هذا القُرآنَ" وتكون المسألةُ من إعمال الثاني، وهذا إنما يتأتَّى على جعلنا "أحْسنَ": منصوباً على المصدر، ولم يقدَّر لـ"نَقُصُّ" مفعولاً محذوفاً. قوله: {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} [يوسف:3] تقدّم إعراب نظيره، والمعنى: قد كنت من قبله، أي: من قبل وحينا، لمن الغافلين، أي: لمن الساهين عن هذه القصَّة لا تعلمُهَا. وقيل: لمن الغافلين: عن الدِّين والشَّريعة قبل ذلك، كقوله ـ تعالى ـ: {أية : مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ}تفسير : [الشورى:52]. قال بعض المفسرين: سمى قصَّة يُوسف خاصَّة أحسن القصص؛ لما فيها من العبر، والحكم، والنُّكتِ، والفوائد التي تصلُح للدِّين والدُّنيا، من سير الملوكِ، والمماليكِ، والعلماء، ومكرِ النِّساء، والصبْر على أذى الأعداء، وحسن التَّجاوُزِ عنهم بعد الالتقاء، وغير ذلك من الفوائد. قال خالد بن معدان: "سورة يوسف، وسورة مريم يتفكَّه بهما أهل الجنَّة في الجنَّة". وقال عطاء ـ رحمه الله ـ: "لا يَسْمع سُورةَ يُوسف محْزُونٌ إلا استراح لهَا". قوله تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ} الآية. رُوِي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلْوا محمَّداً لم انتقل يعقوب من الشَّام إلى مصر؟ وعن كيفيَّة قصَّة يوسف؟ فأنزل الله ـ تعالى ـ هذه السورة. وفي العامل في "إذْ" أوجهٌ: أظهرها: أنه منصُوب بـ "قَالَ يَا بُنَيَّ" أي: قال يعقوب: يا بني وقت قول يُوسف لهُ: كَيْتَ وكَيْتَ، وهذا أسهل الوجوه؛ إذ فيه إبقاء "إذْ" كونها ظرفاً ماضياً. وقيل: الناصب له: "الغَالفينَ" قاله مكيٌّ. وقيل: هو منصوبٌ بـ"نَقُصُّ" أي: نقصُّ عليك وقتَ قوله كَيْتَ وكَيْتَ، وهذا فيه [إخراج] "إذْ" عن المضيِّ، وعن الظرفيَّة، وإن قدَّرت المفعول محذوفاً، أي: نقصُّ عليك الحال وقت قوله، لزم إخراجها عن المضيِّ. وقيل: هو منصوب بمضمر، أي: اذكُر. وقيل: هو منصُوب على أنَّه بدل من "أحسن القصص" بدل اشتمال. قال الزمخشري: "لأنَّ الوقت يشتمل على القصص وهو المقصوص" و"يُوسفُ" اسم عبرانيٌّ، ولذلك لا ينصرف، وقيل: هو عربيٌّ، فقال الزمخشريُّ: "الصحيحُ أنه اسم عبرانيٌّ؛ لأنه لو كان عربيًّا، لانصرف" وسئل أبو الحسن الأقطع عن الأسف فقال: "الأسف في اللغة: الحُزن، والأسف: العَبْد، واجتمعا في يوسف؛ فسُمِّي بهما". روي ابن عمر عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الكَرِيمُِ ابنُ الكَريمِ ابْنِ الكريمِ ابن الكريم، يُوسف بنُ يعقُوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبْراهيمَ ـ صَلواتُ اللهِ وسلامه عليهم أجمعين ـ ". تفسير : قوله: "يَا أبَتِ" قرأ ابن عامر: بفتح التَّاء، والباقون بكسرها، وهذه التَّاء عوض عن ياء المتكلم؛ ولذلك لا يجوز الجمع بينهما. وهذا مختصٌّ بلفظتين: يا أبَتِ ويَا أمَّتِ، ولا يجُوز في غيرهما من الأسماء، لو قلت: "يَا صَاحِبتِ" لم يجُز ألبتَّة؛ كما اختصَّت لفظة الأم والعم بحكم في نحو: "يا ابْنَ أمَّ" ويجوز الجمع بين هذه التَّاء، وبين كلِّ من الياءِ والألفِ ضرورةً؛ كقوله: [الرجز] شعر : 3044ـ يَا أبَتَا عَلَّكَ أوْ عَسَاكَا تفسير : وقول الآخر: [المتقارب] شعر : 3045ـ أيَا أبَتَا لا تَزلْ عِنْدنَا فإنَّا نَخافُ بأنْ تُخْتَرَمْ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 3046ـ أيَا أبَتِي لا زلْتَ فينَا فإنَّمَا لنَا أمَلٌ فِي العَيْشِ ما دُمْتَ عَائِشَا تفسير : وكلامُ الزمخشريِّ يؤذن بأنَّ الجمع بين التَّاء والألفِ ليس ضرورةً؛ فإنَّه قال: "فإن قلت: فما هَذه الكسْرة؟ قلتُ: هي الكسْرة الَّتي كَانتْ قبل الياءِ في قولك: "يا أبي" قد زُحلقَتْ إلى التاء؛ لاقتضاء تاءِ التَّأنيث أن يكُون ما قبْلَها مفتوحاً. فإن قلت: فما بالُ الكسرة لم تَسْقُطْ بالفَتْحَة الَّتي اقْتَضَتْهَا التَّاء، وتبقَى التَّاءُ ساكنةً؟. قلت: امتنع ذلك فيها؛ لأنَّها اسم، والأسماءُ حقُّها التحريكُ؛ لأصالتها في الإعراب، وإنما جاز تسكينُ الياء، وأصلها أن تحرَّك تخفيفاً؛ لأنها حرف لين، وأما التاء، فحرفٌ صحيحٌ، نحو كافِ الضمير؛ فلزم تحريكها. فإن قلت: يشبه الجمع بين هذه التَّاء وبين هذه الكسرة الجمع بين العوض والمعوَّض منه؛ لأنَّها في حكم الياء، إذا قلت: يا غُلام، فكَمَا لا يَجُوز: "يا أبتي" لا يجوز "يا أبتِ" قلت: الياءُ والكسرة قبلها شيئان، والتَّاء عوض من أحد الشيئين، وهو الياء، والكسرة متعرَّض لها؛ فلا يجمع بين العوض والمعوَّض منه، إلا إذا جُمِعَ بين التَّاء والياء لاغير؛ ألا ترى إلى قولهم: "يَا أبَتَا" مع كونِ الألف فيه بدلاً من الياءِ، كيف جاز الجمع بينها وبين التاء، ولم يعدَّ ذلك جمعاً بين العوض والمعوَّض منه؟ فالكسرة أبعد من ذلك. فإن قلت: قد دلَّت الكسرة في "يا غُلامِ" على الإضافة؛ لأنَّها قرينة الياءِ ولصيقتها، فإن دلَّت على مثل ذلك في: "يا أبت" فالتَّاء الَمعوَّضة لغو، وجودها كعدمها. قلت: [بل] حالها مع التَّاء كحالها مع الياءِ إذا قلت: "يا أبِي". وكذا عبارة أبي حيَّان، فإنه قال: وهذه التَّاء عوض من ياءِ الإضافةِ فلا تجتمعان، وتجامع الألف التي هي بدل من التاء، كما قال: [الرجز] شعر : 3047ـ يَا أبَتَا عَلَّكَ أوْ عَسَاكَا تفسير : وفيه نظر؛ من حيث إن الألف كالتاء لكونها بدلاً منها، فينبغي أن لا يجمع بينهما، وهذا تاء أصلها للتأَنيث. قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: ما هذه التَّاء؟ قلت: تاءُ التأنيث وقعت عوضاً من ياء الإضافة، والدَّليل على أنَّها تاء التَّأنيث: قلبُهَا هاءً في الوقف". قال شهاب الدِّين: وما ذكرهُ من كونها تقلب هاءً في الوقف، قرأ به ابنُ كثير، وابن عامرٍ، والباقُون وقفوا عليها بالتَّاء، كأَنَّهم أجروها مجرى تاء الإلحاق في "بِنْت وأخْت" وممن نصَّ على كونها للتَّأنيث: سيبويه؛ فإنه قال: "سَألْت الخليل عن التَّاء في: "يَا أبتِ" فقال: هي بِمنزِلَة التَّاء في تاء "يا خالة وعمَّة" يعنى: أنَّها للتَّأنيث" ويدلُّ أيضاً على كونها للتأنيث: كتبُهم إيَّاها هاءً، وقياس من وقف بالتَّاء: أن يكُبهَا تاء، كـ"بِنْت وأخْت". ثم قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز إلحاق تاءِ التَّأنيث بالمذكَّر؟. قلت: كما جاز نحو قولك: حمامة ذكر، وشاةٌ ذكر، ورجل ربعة، وغلامٌ يفعة قلت: يعني: أنها جيء بهَا لمُجرَّد تأنيث اللفظ، كما في الأسماء المستشهد بها. ثم قال الزمخشري: "فإن قلت: فلم ساغ تعويض تاءِ التأنيث من ياءِ الإضافةِ؟. قلت: لأن التأنيث والإضافة تناسبان؛ في أنَّ كل واحدةٍ منهما زيادة مضمومة إلى الاسم في آخره". قال شهاب الدين: "وهذا قياسٌ بعيدٌ لا يعمل به عند الحُذاق، فإنَّه يسمَّى الشَّبه الطَّردِي، أي: أنه شَبَهٌ في الصُّورة". وقال الزمخشري: إنه قرىء "يَا أبتِ" بالحركات الثلاث: فأما الفتح والكسر فقد تقدَّم ذكر من قرأ بهما. وأما الضم فغريبٌ جدًّا وهو يشبه من يبني المنادى المضاف لياء المتكلِّم على الضمِّ؛ كقراءة من قرأ: {أية : قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الأنبياء:112] بضم الباء، وسيأتي توجيهها هناك ـ إن شاء الله تعالى ـ ولما قلنا: إنَّه مضافٌ للياءِ، ولم نجعله مفرداً من غير إضافةٍ. وقد تقدَّم توجيهُ كسر هذه التَّاء بما ذكره الزمخشريُّ من كونها هي الكسرة التي قبل الياء زحلقت إلى التاء وهذا أحدُ المذهبين. والمذهبُ الآخر: أنَّها كسرة أجنبيَّة، جيء بها لتدُلَّ على الياءِ المعوَّض منها. فأما الفتح ففيه أربعة أوجه، ذكر الفارسي منها وجهين: أحدهما: أنه اجتزأ بالفتحة عن الألف المنقلبة عن الياءِ؛ كما اجتزَأ عنها الآخرُ بقوله: [الوافر] شعر : 3048ـ ولَسْتُ بِراجِعٍ ما فَاتَ منِّي بِلهْفَ ولا بِليْتَ ولا لَوَنِّي تفسير : وكما اجتزأ بها في: "يَا بْنَ أمَّ" و "يَا بْنَ عَمّ". والثاني: أنه رخم بحذف التاء، ثم أقحمت التَّاءُ مفتوحة؛ كقول النابغة الجعديِّ: [الطويل] شعر : 3049ـ كِلِينِي لِهمِّ يا أمَيْمةَ نَاصبِ وليْلٍ أقَاسيهِ بَطيءِ الكَواكبِ تفسير : بفتح تاء أميمة. الثالث: ما ذكره الفرَّاء، وأبو عبيدة، وأبو حاتم، وقطرب في أحد قوليه: وهو أن الألف في: "يَا أبَتَا" للنُّدبة، ثم حذفها مجتزئاً عنها بالفتحة، وهذا قد ينفع في الجواب بين العوض والمعوض منه، ورد بعضهم هذا؛ بأنَّ الموضع ليس موضع نُدبة. الرابع: أن الأصل "يا أبَة" بالتنوين، فحذف التنوين، لأنَّ النداء بابُ حذفٍ، وإلى هذا ذهب قطرُب في القول الثاني. وردَّ هذا: بأن التَّنوين لا يحذف من المنادى المنصُوب نحو: "يَا ضَارِباً رجُلاً". وقرأ أبو جعفر: "يا أبِي" بالياءِ ولم يعوض منها التَّاء، وقرأ الحسن، والحسين، وطلحة بن سليمان، ـ رضي الله عنهم ـ "أحَدَ عَشَر" بسُكُون العين؛ كأنَّهم قصدُوا التنبيه بهذا التَّخفيفِ على أنَّ الاسمين جُعِلا اسماً واحداً. قوله {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن تكون الواو عاطفة، وحينئذ: يحتمل أن يكُون من باب ذكر الخاصِّ بعد ذكر العام تفصيلاً له؛ لأن الشَّمس والقمر دخلا في قوله: {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً} فهذا كقوله: {أية : وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ}تفسير : [البقرة:98] بعد قوله: "ومَلائِكتهِ" ويحتمل أن لا تكون كذلك، وتكون الواوُ لعطف المغايرة؛ فيكون قد رأى الشمس والقمر زيادة على الـ "أحَدَ عَشَرَ" ومن جملتها الشمس والقمر، وهذان الاحتمالان نقلهما الزمخشريُّ. والوجه الثاني: أن تكون الواو بمعنى: "مَعَ" إلا أنَّه مرجوحٌ؛ لأنَّه متى أمكن العطف من غير ضعفٍ، ولا أخلال بمعنى، رُجِّح على المعيَّة؛ وعلى هذا فيكون كالوجه الذي قبله، بمعنى: أنه رأى الشمس، والقمر زيادةً على الأحد عشر كوكباً. قوله: {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} يحتمل وجهين: أحدهما: أنَّها جملة كُرِّرت للتوكيد؛ لما طال الفصل بالمفاعيل، كما كُرِّرت "أنكُم" في قوله تعالى: {أية : أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ}تفسير : [المؤمنون:35]. كذا قالهُ أبو حيَّان، وسيأتي تحقيقه ـ إن شاء الله تعالى ـ. والثاني: أنه ليس [بتأكيد]، وإليه نحا الزمخشريُّ؛ فإنه قال: "فإن قلت: ما معنى تكرار "رَأيْتهُمْ"؟ قلتُ: ليس بتكرار؛ إنَّما هو كلام مُستأنَف على تقدير سؤالٍ وقع جواباً له؛ كأنَّ يعقُوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال لهُ عند قوله: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} كيف رأيتها؟ سائلاً عن حال رؤيتها، فقال: (رأيتهم لي ساجدين) وهذا أظهر؛ لأنَّه متى دار الكلام بين الحمل على التأكيد والتأسيس، فحمله على التَّأسيس أولى". و"سَاجِدينَ": صفة جُمِعَ جَمْع العقلاء، فقيل: لأنَّه لما عاملهُم معاملة العقلاء في إسناد فعلهم إليهم، جمعهم جمع العقلاء، لأنَّ الشيء قد يعامل مُعالمة شيء آخر، إذا شاركه في صفةٍ ما؛ كما قال في صفة الأصنام: {أية : وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}تفسير : [الأعراف:198]، وكقوله عز وجل: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ}تفسير : [النمل:18]. والرُّؤية هنا: مناميَّة، وقد تقدم أنَّها تنصب مفعولين؛ كالعلميَّة؛ وعلى هذا قد حذف المعفول الثاني من قوله: {رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً}، ولكن حذفه اقتصاراً ممتنع، فلم يبق إلا اختصاراً، وهو قليلٌ، أو ممتنع عند بعضهم. وقال بعضهم: إن إحداهما من الرُّؤية، والأخرى من الرُّؤيا. قال القفَّال: ذكر الرُّؤية الأولى؛ ليدل على أنَّه شاهد الكواكبِ، والشَّمس والقمر، والثانية؛ ليدل لا على مشاهدة كونها ساجدة لهُ. فصل ذكر المفسرون: أنَّ يوسف ـ عليه السلام ـ رأى في المنام أحد عشر كوكباً، والشمس والقمر يسجدون لهُ، كان لهُ أحد عشر من الإخوة يُسْتضَاء بهم؛ كما يُسْتضاء بالنُّجوم، ففسَّر الكواكب: بالإخوة، والشمس والقمر: بالأب والأم، والسجُود: بتواضعهم له، ودخولهم تحت أمره، وإنما حملنا الرُّؤية على رُؤية المنام؛ لأن الكواكب لا تسجُد في الحقيقَة، ولقول يعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {لاَ تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ}. وقال السديُّ: "القمر: خالته، والشَّمس: أبُوه؛ لأن أمَّه راحِيل كانت قد ماتت". وقال ابن جريج: القَمَر: أبُوه، والشَّمسُ أمُّه؛ لأن الشمس مؤنثة، والقمر مذكَّر. وقال وهب بن مُنبِّه ـ رضي الله عنه ـ: "إن يُوسفُ ـ عليه الصلاة والسلام ـ رأى وهو ابنُ سبع سنين، إحدى عشرة عصاً طوالاً كانت مركُوزة في الأرض كهيئة الدَّائرة، وإذا عَصاً صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعتها، فذكر ذلك لأبيه؛ فقال: إيَّاك أن تذكر هذا لإخوتِك، ثمَّ رأى وهو ابن اثنتي عشرة سنة، الشَّمس، والقمر والكواكب، تسجُد له؛ فقصَّها على أبيه؛ فقال: لا تذكرها له فيَكيدُوا لَك كَيْداً". روى الزمخشريُّ: ـ رحمه الله ـ: "حديث : أن يهُودِيًّا جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه سولم، فقال يا محمَّد: أخبرني عن النُّجُوم التي رآهُن يوسف، فسكت النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ؛ فنزل جبريل ـ عليه السلام ـ فأخبره بذلك؛ فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ لليهوديَّ:إن أخبرتك بذلك هل تسلم؟ قال: نَعمْ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم: حرثان، والطارق والذيال، وقابس، وعمودان، والفليق، والمصبح، والقرع، والضروح ووثاب، وذو الكتفين ـ رآها يوسف، والشمس والقمر [نَزلْنَ] من السَّماء، وسجدن لهُ، فقال اليهوديُّ: أي والله إنَّها لأسماؤها ". تفسير : واعلم أن كثيراً من هذه الأسماء غير مذكورة في الكتب المصنفة في صُور الكواكب. فصل زعمت طائفةٌ من العلماء: أنه لم يكن في أولاد يعقُوب نبيٌّ غير يُوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ وباقي إخوته لم يوح إليهم، واستدلُّوا بظاهر ما ذُكر من أفعالهم، وأحوالهم في هذه القصَّة، ومن استدلَّ على نُبوتهم، استدلَّ بقوله ـ تعالى ـ: {أية : آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ}تفسير : [البقرة:136] وزعم أنَّ هؤلاء: هم الأسباط، وهذا استدلال ضعيفٌ؛ لأن المراد بالأسباط: شُعوب بني إسرائيل، ما كان يوجد فيهم من الأنبياء الذين نزل عليهم الوحي، وأيضاً: فإنَّ يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ هو المخصُوص من بين إخوته بالنبوة والرسالة؛ لأنَّه نصَّ على نُبوَّته، والإيحاء إليه في آيات من القرآن ولم ينصَّ على أحد إخوته سواه؛ فدلَّ على ما ذكرنا. فصل في الآية دليل على تحذير المسلم أخاهُ المسلم، ولا يكُون ذلك داخلاً في معنى الغيبة؛ لأنَّ يعقُوب قد حذَّر يوسف أن يقُصَّ رُؤياه على إخوته؛ فيَكِيدُوا لهُ كيْداً، وفيها أيضاً: دليل على جواز ترك إظهار النِّعمة عند من يخشى غائلته حسداً، وفيها أيضاً: دليلٌ على معرفة يعقُوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ بتأويلِ الرُّؤيا؛ فإنه علم من تأويلها: أنَّه سيظهر عليْهم. قوله {يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ} قرأ حفص: "يا بُنيَّ" بفتح الياءِ، والباقون بكسرها، وقرأ العامة: بفك الصادين، و هي لغةُ الحجاز، وقرأ زيد بن علي: بصادٍ واحدة مشددة، والإدغام لغة تميم، وقد تقدَّم تحقيق هذا في المائدة، عند قوله: {أية : مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ}تفسير : [المائدة:54] والرُّؤيا مصدر كالبُقْيَا. وقال الزمخشريٌّ: "الرُّؤيا بمعنى: الرُّؤية، إلا أنَّها مختصةٌ بما كان في النَّوم دون اليقظةِ، فُرِّق بينهما بحرفي التأنيث؛ كما قيل: القربة والقربى". وقرأ العامَّة: "الرُّؤيا" مهموزة من غير إمالةٍ، وقرأها الكسائيُّ في رواية الدُّوريِّ عنه بالإمالةِ: وأما (الرؤيا) [يوسف:100]: و"رُؤيَاي" الاثنتان في هذه السورة، فأمالهما الكسائيُّ من غير خلافِ في المشهور، وأبو عمرو يبدل هذه الهمزة واواً في طريق السوسيِّ. وقال الزمخشري: وسمع الكسائيُّ: "رُيَّايَ وريَّاكَ" بالادغام، وضم الرَّاء، وكسرها، وهي ضعيفة؛ لأن الواو في تقدير الهمزة؛ فلم يقو إدغامها؛ كما لم يقو إدغام "اتَّزَر" من الإزارِ، و "اتَّجرَ" من "الأجْر". يعنى: أن العارض لا يعتدُّ به، وهذا هو الغالبُ، وقد اعتدَّ القراء بالعارض في مواضع يأتي بعضها ـ إن شاء الله تعالى ـ نحو قوله: "رِئْياً" في قوله: {أية : أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً}تفسير : [مريم:74] عند حمزة، و {أية : عَاداً ٱلأُولَىٰ}تفسير : [النجم:50] وأما كسر "ريَّاكَ" فلئلا يُؤدِّي إلى ياء ساكنة بعد ضمَّة، وأما الضمُّ فهو الأصل، والياء قد استهلكت بالإدغام. قوله "فيَكِيدُوا": منصُوب في جواب النَّهي، وهو في تقدَير شرطٍ وجزاءٍ، وذلك قدَّره الزمخشريُّ بقوله: "إن قصَصْتهَا عليْهِم كادُوكَ". و"كَيْداً" فيه وجهان: أظهرهما: أنه مصدر مؤكدٌ، وعلى هذا ففي اللام في قوله: "لَكَ" خمسة أوجه: أحدها: أن يكون "يَكيدُ" ضمن معنى ما يتعدَّى باللاَّم؛ لأنَّه في الأصل يتعدَّى بنفسه، وقال: {أية : فَكِيدُونِي جَمِيعاً}تفسير : [هود:55] والتقدير: فيحتالوا لك بالكيد. قال الزمخشري مقدِّراً لهذا الوجه: "فإن قلت: هلا قيل: "فَيَكيدُوكَ" كما قيل: فَكِيدُونِي [هود:55]؟. قلت: ضُمِّن معنى فعلٍ يتعدَّى باللاَّم؛ ليُفِيد معنى فِعْل الكيد مع إفادةِ معنى الفعل المضمَّن، فيكون آكد وأبلغ في التَّخويف، وذلك نحو: فيَحْتالُوا لك؛ ألا ترى إلى تأكيده بالمصدر". الوجه الثاني من أوجه اللاَّم: أن تكون اللاَّم معدية، ويكون هذا الفعل ممَّا يعتدَّى بحرف الجرِّ تارة، وبنفسه أخرى؛ كـ"نَصَحَ" و"شَكَرَ" كذا قالهُ أبو حيَّان، وفيه نظر؛ لأنَّ ذلك باب لا ينقاس، إنَّما يقتصر فيه على ما ذكره النُّحاة، ولم ْ يذكُروا منه كَادَ. والثالث: أن تكون اللاَّمُ زائدة في المفعول به؛ كزيادتها في قوله: {أية : رَدِفَ لَكُم}تفسير : [النمل:72]، قاله أبو البقاء؛ وهو ضعيفٌ؛ لأن اللام لا تزاد إلا بأحد شرطين: تقديم المعمول، أو كون العامل فرعاً. الرابع: أن تكون اللام للعلَّة، أي: فيَكِيدوا لأجْلِك؛ وعلى هذا فالمفعُول محذوفٌ اقتصاراً، أو اختصاراً. الخامس: أن تتعلَّق بمحذُوف؛ لأنَّها حالٌ من "كَيْداً" إذ هي في الأصل يجوز أن تكون صفة له لو تأخَّرت. الوجه الثاني من وجهي "كَيْداً": أن يكون مفعولاً به، أي: فيصنعُوا لك كيداً، أي: أمراً يكيدُونك به، وهو مصدر في موضع الاسم، ومنه: {أية : فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ}تفسير : [طه:64]، أي: ما تكيدُون به؛ ذكره أبو البقاء، وعلى هذا ففِي اللاَّم في: "لَكَ" وجهان فقط: كونُها صفة في الأصل، ثم صارت حالاً، أو هي للعلَّة، وأما الثلاثة الباقية، فلا تتأتَّى بعد، فامتناعها واضحٌ. ثمّ قال: {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي: يزيِّن لهم الشيطان، ويحملهم على الكيد بعداوته القديمة. فصل قال أبو سلمة: كنت أرى الرُّؤيا تهُمُّنِي، حتى سمعتُ أبا قتادة يقول: كنت أرى الرُّؤيا، فتُمْرضُنِي، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الرُّؤيا الصَّالحة من الله، فإذا رأى أحَدكُمْ ما يُحِبُّ، فلا يُحدِّثْ به إلاَّ من يحبُّ، وإذا رَأى ما يكرهُ، فلا يُحدِّثْ به، وليتفُل عن يساره، وليَتَعوَّذْ باللهِ من الشيطانِ الرَّجيم، من شر ما رأى فإنَّها لنْ تَضْره"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الرُّؤيا جُزءٌ من أربعينَ أو ستَّة وأربعينَ جُزءاً من النُّبوَّةِ، وهيَ على رجل طائرٍ فإذا حدَّث بها وقعتْ". قال الراوي: وأحسبه قال: "لاتُحدِّثْ بِهَا حَبِيباً، أوْ لَبِيباً ". تفسير : قال الحكماء: الرؤيا الرَّديئة يظهرُ تعبيرُها عن قُرب، والرُّؤيا الجيَّدة، إنَّما يظهر تعبيرُها بعد حين، قالوا: والسَّبب فيه أنَّ رحمة الله تقتضي ألاَّ يحصل الإعلام بوصُول الشَّر، إلا عند قُرب وصُوله حتى يقل الحُزْنُ، والغَمُّ الحاصِل بسبب توقُّعِه، وأمَّا الإعلام بالخير، فإنه يحصُل متقدِّماً على ظهوره، بزمانٍ طويلٍ؛ حتى يكون السُّرورُ الحاصِل بسبب توقُّع حصُولهِ كَثِيراً. فصل قال القرطبيُّ: "الرُّؤيا حالةٌ شريفة، ومنزِلةٌ رفيعَةٌ، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَمْ يَبقَ بعدي من المبشراتِ إلاَّ الرُّؤيا الصَّالحة، يَراهَا [الرجل] الصَّالحُ، أو ترى له" حديث : وقال صلى الله عليه وسلم: [أصْدقُكم رُؤيَا، أصدقكُمْ حَديثاً تفسير : وحكم صلى الله عليه وسلم] بأنَّها جزءٌ من ستَّةٍ وأرْبعينَ جُزءاً من النُّبوَّة وروي: من سبعين، وروي: من [تسعة] وأرْبعينَ، وروي: من خَمسِينَ جُزءاً، وروي: من ستَّةٍ وعشْرينَ جُزءاً من النُبوَّةِ، وروي: من أرْبعينَ، والصحيح: حديث السِّت والأربعين، ويتلوه في الصِّحة حديث السَّبعين. فإن قيل: إن يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان صغيراً، والصغير لا حكم لفعله، فكيف يكون لرُّؤياه حكم، حتى يقول له أبو: {لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ}. فالجواب: أن الرُّؤيا إدراكُ حقيقةٍ، فتكون من الصَّغير كما يكُون منه الإدراك الحقيقيُّ في اليقظة، وإذا أخبر عمَّا رأى في اليقظة، صدق؛ فكذلك إذا أخبر عمَّا رأى في المنامِ، ورُوِي: أن يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان ابن اثنتي عشر سنة. فصل في الآية دليلٌ على أن الرُّؤيا لا تقصُّ على غير شقيق ولا ناصح، ولا على امرىءٍ لا يحسن التأويل فيها. وروى الترمذيُّ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الرُّؤيَا برجْل طائرٍ، ما لَمْ يحدِّث بها صَاحبُهَا، فإذا حدَّث بها، وقعتْ، فلا تُحدِّثُوا بهَا إلا عارفاً، أو مُحبًّا، أوْ ناصحاً ". تفسير : قوله {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} الكاف في موضع نصب، أو رفع. فالنَّصبُ إما على الحال من ضمير المصدر المقدَّر، وقد تقدم أنه رأي سيبويه، وإمَّا على النعت لمصدر محذوف، والمعنى: مثل ذلك الاجتباء العظيم يجتبيك. والرَّفع على أنَّه خبر ابتداء مضمر، يعني: الأمر كذلك، وقد تقدم نظيره. قوله: {وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} مستأنف ليس داخلاً في حيِّز التشبيه، والتقدير: وهو يعلمك، والأحاديث: جمع تكسير، فقيل: لواحد ملفوظٍ به، وهو "حَدِيث" ولكنَّه شذَّ جمعه على: أحاديث، وله أخوات في الشُّذُوذ؛ كأباطيل، وأقَاطِيع، وأعَارِيض، في "بَاطل وقَطيع وعَرُوض". [وزعم] أبو زيد: "أن لهَا واحداً مقدراً، وهو "أحْدُوثة" ونحوه، وليس باسم جمع؛ لأن هذه الصِّيغة مختصًّة بالتكسير، وإذا كانوا قد التزمُوا ذلك فيما لم يصرح له مفردٌ من لفظه، نحو: "شَماطِيط"، و {أية : أَبَابِيلَ}تفسير : [الفيل:3] ففي أحاديث أولى". ولهذا ردَّ على الزمخشري قوله: "وهي اسمُ جمع للحديث، وليس بجمع أحدوثة" بما ذكرنا، ولكن قوله: "ليس بجمع أحدُوثة" صحيح؛ لأن مذهب الجمهُور خلافه، على أنَّ كلامه قد يُريد به غير ظاهره من قوله: "اسم جمع". فصل قال الزجاج: الاجتباء مشتقٌّ من جببتُ الشيء: إذا أخلصته لنفسِك، ومنه: جَبُبت الماء في الحوض، والمعنى: كما رفع منزلتك بهذه الرُّؤيَا العظيمة الدَّالة على الشَّرفِ والعز، كذلك يَجْتَبِيك ربُّك، ويصْطَفِيك ربُّك بالنُّبوَّة. وقيل: بإعلاء الدَّرجة (ويعلمك من تأويل الأحاديث): يريد تعبير الرُّؤيا، وسُمِّي تأويلاً؛ لأنَّه يئول أمره إلى ما رأى في منامه، والتأويل: ما يئول إليه عاقبة الأمْر، كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ غاية في علم التَّعبير. وقيل: في تأويل الأحاديثِ في كتبه ـ تعالى ـ، والأخبار المرويَّة عن الأنبياء المتقدمين ـ عليهم الصلاة والسلام ـ. وقيل: الأحاديث: جمع "حَدِيث"، والحديث هو الحَادثُ، وتأويلُها: مآلهُا ومآل الحوادث إلى قُدرَة الله ـ تعالى ـ، وتكوينه، وحكمته، والمراد من تأويل الأحاديث: كيفية الاستدلالِ بأصناف المخلوقات على قدرة الله ـ تعالى ـ وحكمته، وجلاله. قوله: {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} يجوز أن يتعلق "عَليْكَ" بـ "يُتِمُّ" وأن يتعلق بـ "نِعْمتَهُ"، وكرَّر "عَلَى في قوله: "وعَلى آلِ" لتمكنِ العطف على الضمير المجرور، وهذا مذهبُ البصريِّين. وقوله {مِن قَبْلُ} أي: من قبلك: واعلم: أنَّ من فسر الاجتباء بالنُّبوَّة، لا يمكِنُه أن يفسِّر إتمام النِّعمة ههنا بالنبوة، وإلا لزم التكرار، بل يفسر إتمام النِّعمة ههنا: بسعادات الدنيا والآخرة. أما سعادات الدنيا؛ فالإكثار من الولدِ، والخدمِ، والأتباع، والتَّوسُّع في المال والجاه، والجلال في قلوب الخلقِ، وحسن الثَّناء والحمد، وَأما سعادات الآخرة، فالعُلُوم الكثيرة، والأخلاق الفاضلة. وقيل: المراد من إتمام النِّعمة: خلاصته من المحن، ويكون وجه التَّشبيه بـ "إبراهيم وإسحاق ـ عليهما الصلاة والسلام ـ" وهو إنعام الله ـ تعالى ـ على إبراهيم بإنجائه من النَّار، وعلى ابنه إسحاق بتخليصه من الذَّبح. وقيل: إن إتْمَام النَّعمة هو: وصْل نعم الدُّنْيَا بنِعَم الآخرة؛ بأن جعلهُم في الدُّنيَا أنبياء مُلُوكاً، ونقلهُم عنها إلى الدَّرجات العُلَى في الآخرة. وقيل::إتمام النِّعمة على إبراهيم: خُلَّتهُ، وعلى إسحاق بإخراج يعقُوب والأسباط من صلبه. ومن فسر الاجتباء: بالدَّرجات العالية؛ فسَّر إتمام النِّعمة: بالنُّبوَّة؛ لأنَّ الكمال المطلق، والتَّمام المطلق في حقِّ البشرِ ليْس إلاَّ النُّبوَّة، يدلُّ عليه قوله تعالى: {وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ} أي: على أولاده؛ لأن أولاده كلهم كانُوا أنبياء، وقوله: {كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} والنِّعمة التَّامة التي بها حصل امتياز إبراهيم وإسحاق من سائر النَّاس ليس إلا النبوة؛ فوجب أن يكون المرادُ بإتمام النِّعمة: هو النبوة، وعلى هذا فيلزم الحكم بأنَّ أولاده يعقوب كلهم كانوا أنبياء؛ كقوله ـ تعالى ـ: {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ}. فإن قيل: كيف يجوز أن يكُونُوا أنبياء، وقد أقدموا على ما أقدمُوا عليه في حقِّ يُوسُف ـ عليه السلام ـ؟. فالجواب: أنَّ ذلك وقع قبل النبوَّة، والعصمة، إنَّما تثبتُ في وقتِ النُّبوَّة، لا قبلها. قوله {إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} "يجُوز أن يكونا بدلاً من "أبَويْكَ" أو عطف بيان، أو على إضمار أعني"، ثم لما وعد ـ عليه الصلاة والسلام ـ بهذه الدرجات الثلاث، ختم [الآية] بقوله: {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} فقوله "عَلِيمٌ" إشارة إلى قوله: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}تفسير : [الأنعام:124]، وقوله: "حَكِيمٌ" إشارةٌ إلى أنه مقدَّس عن العبث، فلا يضع النبوة إلا في نفسٍ قُدسيَّة. فإن قيل: هذه البشارات التي ذكرها يعقوب هل كان قاطعاً بصحَّتها، أم لا؟ فإن كان قاطعاً بصحَّتها، فكيف حزن على يوسف؟ وكيف جاز أن يشتبه عليه أنَّ الذئب أكلهُ؟ وكيف خاف عليه من إخوته أن يهلكوه؟ وكيف قال لإخوته: {أية : وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ}تفسير : [يوسف:13] مع علمه بأن الله ـ تعالى ـ سيُنَجِّيه، ويبعثُه رسولاً؟. وإن قلت: إنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ما كان عالماً بهذه الأحوال، فكيف قطع بها؟ وكيف حكم بوقوعها جزماً من غير تردُّدٍ؟. فالجواب قال ابنُ الخطيب: "لا يبعُد أن يكون قوله: {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} مشروطاً بألا يكيدُوه؛ لأن ذكر ذلك قد تقدَّم، وأيضاً: فيبعُد أن يقال: إنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ سيصلُ إلى هذه المناصب، إلا أنه لا يمتنعُ أن يقع في المضايق الشديدة، ثم يتخلَّص منها، أو يصل إلى تلك المناصب، وكان خوفه بهذا السَّبب، ويكُون معنى قوله: {أية : وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ}تفسير : [يوسف:13] الزَّجز عن التهاون في حقِّه وإن كان يعلم أن الذئب لا يصل إليه".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالوا يا رسول الله، لو قصصت علينا، فنزلت {نحن نقص عليك أحسن القصص} . وأخرج إسحق بن راهويه والبزار وأبو يعلى وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه، وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فتلا عليهم زماناً فقالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا، فأنزل الله {الر تلك آيات الكتاب المبين} هذه السورة، ثم تلا عليهم زماناً، فأنزل الله {أية : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} تفسير : [الحديد: 16]. وأخرج ابن مردويه من طريق عون بن عبد الله، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قالوا يا رسول الله، لو قصصت علينا، فنزلت {نحن نقص عليك أحسن القصص} . وأخرج ابن جرير، عن عون بن عبد الله رضي الله عنه قال: مل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملة، فقالوا: يا رسول الله، حدثنا، فأنزل الله تعالى {أية : الله نزل أحسن الحديث} تفسير : [الزمر: 23] ثم ملوا ملة أخرى فقالوا: يا رسول الله، حدثنا فوق الحديث ودون القرآن - يعنون القصص - فأنزل الله {الر تلك آيات الكتاب المبين} هذه السورة، فأرادوا الحديث، فدلهم على أحسن الحديث. وأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص. وأخرج أبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم ونصر المقدسي في الحجة والضياء في المختارة، عن خالد بن عرفطة قال: كنت جالساً عند عمر إذ أتاه رجل من عبد القيس فقال له عمر: أنت فلان العبدي؟ قال نعم. فضربه بقناة معه، فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟! قال اجلس، فجلس؛ فقرأ عليه بسم الله الرحمن الرحيم {الر تلك آيات الكتاب المبين} إلى قوله {لمن الغافلين} فقرأها عليه ثلاثاً وضربه ثلاثاً، فقال له الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟! فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال. قال: مرني بأمرك أتبعه، قال: انطلق فامحه بالحميم والصوف، ثم لا تقرأه ولا تقرئه أحداً من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحداً من الناس لأنهكنك عقوبة، ثم قال: اجلس. فجلس بين يديه. فقال: انطلقت أنا فانتسخت كتاباً من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "ما هذا في يدك يا عمر؟" فقلت يا رسول الله، كتاب نسخته لنزداد به علماً إلى علمنا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه، ثم نودي بالصلاة جامعة. فقالت الأنصار: أغضب نبيكم السلاح. فجاؤوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أيها الناس، إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي اختصاراً، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية، فلا تتهوّكوا ولا يغرنكم المتهوّكون""تفسير : قال عمر رضي الله عنه: فقمت فقلت: رضيت بالله ربًّا، وبالإِسلام ديناً، وبك رسولاً، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن الضريس عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه قال: كان بالكوفة رجل يطلب كتب دانيال وذلك الضرب، فجاء فيه كتاب من عمر بن الخطاب أن يدفع إليه، فلما قدم على عمر رضي الله عنه علاه بالدرة، ثم جعل يقرأ عليه {الر تلك آيات الكتاب المبين} حتى بلغ {الغافلين} قال: فعرفت ما يريد، فقلت يا أمير المؤمنين، دعني. فوالله لا أدع عندي شيئاً من تلك الكتب إلا حرقته. قال فتركه. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه {نحن نقص عليك أحسن القصص} ل: من الكتب الماضية وأمور الله السالفة في الأمم {وإن كنت من قبله} أي من قبل هذا القرآن {لمن الغافلين} . وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه {نحن نقص عليك أحسن القصص} قال القرآن.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ}. {أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ}: لخلوِّه عن الأمر والنهي الذي سماعه يوجب اشتغال القلب بما هو يعرِّض لوقوع التقصير. {أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ}: ففيه ذكر الأحباب. {أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ}: لأن فيه عفوَ يوسف عن جناياتِ إخوته. {أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ}: لما فيه من ذِكْرِ تَرْكِ يوسف لامرأة العزيز وإعراضه عنها عندما راودته عن نفسه. {أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ}: بالإضافة إلى ما سألوه أن يقص عليهم من أحوال الناس. {أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ}: لأنه غير مخلوق. ويقال لمَّا أخبره الله - سبحانه - أن هذه القصةَ أحسنُ القصص وجد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه مزايا وزوائد لتخصيصه؛ فَعَلِمَ أن الله تعالى لم يُرَقِّ أحداً إلى مثل ما رقاه. قوله جلّ ذكره: {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ}. أي الذاهبين عن فهم هذه القصة. أي ما كنتَ إلا من جملة الغافلين عنها قبل أن أوحينا إليك بها، إي إنك لم تَصِلْ إلى معرفتها بكدَّك وجهدك، ولا بطلبك وجِدِّك.. بل هذه مواهبُ لا مكاسب؛ فبعطائِنا وَجَدْتَها لا بعنائك، وبِتَفَضُّلِنَا لا بتعلُّمِكَ، وبِتَلَطُّفِنا لا بتكلٌّفِك، وبنا لا بك.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} ان الله سبحانه لما اراد ان يوقع عنقاء همته العاب قوسيبنية الى شبكة عشق زينب وسقاها من مشارب سواقى الالتباس زلال بحر تجلى صفة الجمال باقداح الافعال راى قدس همته عن علل الانسانية فى ذلك وغيرته على معهد مشاهدة الازل تسلى قلبه بهذه القصبة التى هى مطية رواحل اسرار العاشقين والوامقين وهو تعالى بجوده واختياره له سيادة الكونين ورسالة العالمين براسيه لئلا يضيق صدقه فى محل الامتحان لان امتحان بالعشق الانسانى مراقى مشاهدة جمال الزال والاباد ليسير فى ميادين القدم والابد بمواكب العشق فان بالعشق بلغوا الى العشق وحسن القصة بيان عشق الانسانى فى مراتب الارواح العاشقة وطيرانها من هذه المقامة الى عشق الالوهية ومشاهدة الازلية بين تعالى ان قصة العاشق والمعشوق احسن القصص لما فيا من الامثال والعبر والذوق و الشوق والفراق والوصاف والبلاء والعناء وشان يوسف عليه السلام كله عشق به ابوه وهكذا كل من راه لان حسن جمال القديم البس وجهه وكان مرآة الله فى بلاد الله تجلى الحق منها للعباد وكيف لا يكون احسن والمستحسن ومن كمال حسنها انه تعالى اخرجها من تحت التكليف ولم يذكر فى قصة العاشق والمعشوق الامر والنهى كانها خير الوصال واثر الجمال ومثل لعشاقه معه وله المثل الاعلى وهو العزيز الحكيم قال بعضهم اعجب القصص وفيه تعزية وسلوة للنبي صلى الله عليه وسلم لما لقى من اهل بيته ان يوسف لقى من اخوانه اكثر مما لقى هو من اهل بيته فلم يخرج عليهم بنفسه منتقما بل راى ذلك كله من موارد القضاء ومواجب القدر فلما رجعوا اليه قال لا تثريب عليكم كيف يكون عليكم فيه غيب وكنتم الجبورين عليه وكبت المقصود به من حيث القضاء والقدر قال على بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر قال اشتغل العوام لسماع القصص واشتغل الخواص بالاعتبار فيه لقوله لقد كان فى قصصهم عبرة لاولى الالباب وقال بعضهم هذا يدل على صدق احوال المؤمنين ومعانى صفة المتقين والى حقائق محبة المحبين وصفاء سر العارفين === على حسن عواقب الصابرين وحثا على سلوك الصادقين وبعثا على سبيل المتوكلين والاقتداء بزهد الزاهدين ودلالة على الانقطاع الى الله والاعتماد عليه عند نزول الشدائد وكشفا عن احوال الخائبين وقبح طريق الكاذبين وابتلاء الخواص بانواع المحن والفتن وكشف تلك المحن وعواقبها عن الاعزاز والاكرام وتبديل تلك الشدة بالراحة والبوس بالنعمت والعبودية بالملك وفيه ما يدل على سياسة الملوك فى مماليكهم وحفظ رعاياتهم وغير ذلك وقال الاستاد احسن القصص لانا نحن نقص عليك احسن القصص لخلوه عن الامر والنهى الذى سماعه يوجب اشغال القلب وقيل احسن القصص لانه غير مخلوق وقيل لا فيها ذكر الحبيب والمحبوب ولما كان يوسف بتلك المثابة التى ذكرتها وانه كان مرآة حسن الحق وان حسنه تاثير معادن حسن الازل يخضع له الحدثان لما عليه من كسوة جمال الرحمن اخبر عن رؤياه وما راى فيها بقوله {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} جمع الله فى اسم يوسف اربعة حرف الياء والواو والسين والفاء الياء يسار ملكه والواو وضاحة وجهه والسين اطلاعه على اسرار الغيب بحسن تاويل الرؤيا والمكاشفات والفاء وفاءه فى عهد الرسالة فاذا اجتمعت هذه الاوصاف فى يوسف سمى يوسف وايضا كان فيه خالص العبودية والحزن فى شوقه الى جمال الربوبية قال بعضهم سمى يوسف يوسف لانه الاسيف === وتعبد يوسف ويقال لحزنه والاسف الحزن جئنا الى معنى رؤياه رؤياه اول مقام المكاشفة كان احوال المكاشفين او ايلها المنامات فاذا قوى الحال يصير الرؤيا كشفا وبين الرؤيا والمكاشفات مقامات ذكرتها فى الكتاب المكاشفة وافهم رزقك الله فهم معانى المكاشفات ان الله سبحانه مثل عالم الملكوت وما فيها مع اسرار الجبروت بنيرات الكواكب والشموس والاقمار وايضا مثل بها احكام اكابر الانبياء والاولياء فالشمس مثل الذات والقمر مثل الصفات والكواكب مثل الاوصاف والنعوت والاسماء وليس غرضى ههنا بيان اشكال المكاشفات برقتها لكن اقول بعون الله وتائيده نبذة مما كوشف ليوسف عليه السلام كان يوسف ادم الثانى لان عليه كان من كسوة الربوبية ما كان على ادم فرات الملائكة على ادم ما رات فسجدوا له كلهم وههنا سجد له اشراف الانبياء وهم خير من الملائكة وكيف لا يسجدون لهما ومن وجهها يتلالأ انوار القدوسية وجلال السبوحية ويسمعون كما سمعت حديثها خروا لعزة ركعا وسجدا وفيه بشارة لطيفة ان الخليل عليه السلام راى ذلك المعنى من جبين الشمس وعارض القمر ونو رالكواكب فقال هذا ربى وهذا عذر الملائكة والانبياء فى سجودهم لآدم ويوسف لان هناك يتجلى الحق سبحانه من اجرام الفلك التى معادنها الافعال وههنا يتجلى الحق منها وهما من خصائص تجلى الصفات صادران الا ترى الى قوله تعالى وخلقت بيدى ونفخت فيه من روحى البس انوار الهيبة على اجرام الفلك فهاج االيها سرايرهم كما البس على طور انوار الهيبة فهيج الله سر موسى اليها والبس انوار الجمال آدم ويوسف فهاج اليهما اسرار الملائكة والانبياء فيا ليت لو راى الخليل يوسف وادم لراى فيها اكثر مما راى فى اجرام الفلك شعر : خليلى وعد احسن الناس كلهم ويحسدها من حسن شمس والبدر تفسير : ويا ليت الجميع لو راوا جمال سيد الانبياء والمرسلين صلوات الله عليه لهاموا فى البوادى والقفار وغرقوا فى الغيافى والبحار ويطير الملائكة من السما ءلان نوره انور وشمسه ازهر وبدره اشرق نوره كان من معادن جمال القدم وسراجه اسرج من سمة الكوم وفيه نكتة عجيبة من حقائق التوحيد ان مشار الخليل ما قال هذا ربى سجدت لبعض نبيه بيانا لتنزيه جلال الكبرياء وتنزيه ساحة العزة والبقاء عن الاضداد والانداد راى الخليل هذا المعنى بنور النبوة فقال انى برئ مما تشركون وفيه ادب المريدان المكاشفة يذكر عند استاده ليفرق بين الكشف والخيال قال بعضهم اعجبه حسن رؤياه حتى قصه على ابيه فكانه فيه اول بلية ومحنة الى ان بلغ الى تحقيق ما راى فلما راى يعقوب اسرار الرويا وتاويلها خاف على ابنه قَالَ {يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ} وهكذا شان اهل قصة المعرفة لا يجوز للمريد ان === سر المكاشفة الا عند استاده والا نفع فى بحر الحجاب ومحن الدعاوى ويكون مرتهنا بعيون الغيرة كان يعقوب فى ذلك الوقت فى رؤية العلم من رؤية اما جرى فى الازل فدبر وقاية ابنه بحسن التدبير وفتح من صورة التدبير الى عين التقدير قال بعضهم ان يعقوب دبر ليوسف فى ذلك الوقت خوفا عليه ان يقع من اخوته فى شئ فوكل الى تدبيره ووقع به ما وقع ولو ترك التدبير ورجع الى التسليم لحفظ ولما قال ان ياكله الذئب وقال لا تقصص رؤياك اراه الله فيه ما كان يخافه عليه لذلك قيل ان التفويض والتسليم خير من ملازمة التدبير ولما وصاه وقال لا تقصص الرؤيا عرفه اختصاصه فى الرسالة والنبوة والحسن والجمال والخَلق والخُلق بقوله {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} اجتباه بان كساه من نوره نور الجمال ورباه بمفرح الكمال ورزقه الرسالة والكشف وعلوم المدينة الالفية التى قال ويعلمك من تاويل الاحاديث وتمام نعمته عليه ان بلغ الى مقام التمكين ورؤية التحقيق وفاز من التلوين وذاق طعم الاستقامة وبلغ اشده الى ما بلغ الذبيح والخليل وخروجه من درك امتحان العشق بنعت القدس والطيارة كما كان وصف الانبياء والصديقين قال ابن هند اجتباؤه ما منحه به من حسن الخلق ولطيف الصحبة مع اوليائه واعدائه وترك الانتقام لنفسه مجال وقال بعضهم اجتباك ربك فصرف عنك كيدهن ولولا اجتباه لورد عليك منهن ما ورد وقال يحيى بن معاذ من تمام نعمت الله على يوسف ان جعله منعما على اخوانه واضطرهم الى الخضوع له والتذلل بين يديه بقوله وان كنا بخاطئين وقال سهل ويتم نعمته عليك بتصديق الرؤيا الذى رايته لك وقال بعضهم ويتم نعمته عليك فى ان عصمك عن ارتكاب ما لا يليق بك ولآبائك وقال الاستاد من اتمام النعمة توفيق الشكر على النعمة ومن اتمام النعمة ان يصونك عن شهود النعمة برؤية المنعم فلما اعظم شان يوسف فى حسنه وجماله وقدسه وطهارته وظلافته مع اخوانه فى احتمال البلاء منهم وترك الانتقام منهم لنفسه عظم الله ذلك وقال {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ} آيات يوسف سواطع نور الحق من وجهه وظهور علوم الغيب فى قلبه ومعرفته بذات الله وصفاته وكريم الاية ونعمائه ولطيف افعاله وصنايعه وما وضع الله فى النفس الامارة من عظيم قهر شهواتها واستيلاء هوانها وفترتها ودقائق خدعتها ولطيفة ما بينها وبين طبائع الشياطين وحسن عاقبته وبلوغه الى محل التمكين وما بدأ من اخوته من الغيرة والفرقة وهذه البراهين تذكرة وتبصرة للمريدين والمحبين والفارقين قال حمدون القصار للخلق فى يوسف آيات وله فى نفسه آية وهو اعظم الآيات وهو معرفته بمكر النفس وغدرها قال ان النفس لامارة بالسوء وقال بعضهم ان من الايات التى فى يوسف امه حجة على كل من حسن الله خلقه ان لا يدنسه بمعصية وقال ابن عطا اياته ان لا يسمع قسته محزون الا استراح اليه واخرج منه ما فيه راحة لما هو فيه.

اسماعيل حقي

تفسير : {نحن نقص عليك} نخبرك ونحدثك. وبالفارسة [ماميخوانيم برتو] من قصى اثره اذا اتبعه لان من يقص الحديث ويرويه يتبع ما حفظ منه شيأ فشيأ كم يقال تلا القرآن اذا قرأه لان من يتلو يتبع ما حفظ منه آية بعد آية {احسن القصص} مفعول به لنقص على ان يكون القصص مصدرا بمعنى المقصوص اى نبين لك احسن ما يقص من الانباء والاحاديث وهو قصة آل يعقوب والظاهر انه احسن ما يقص فى بابه كقولك فلان اعلم الناس وافضلهم تريد فى فنه كما فى بحر العلوم اى فلا يلزم ان يكون احسن من قصة سيد الكونين والمرسلين صلوات الله عليهم اجمعين ويمكن ان يقال قد يراد بافعل الزيادة من وجه كما فى قوله تعالى {أية : اكبر من اختها} تفسير : كما فى حواشى سعدى المفتى قال محيى السنة سمى الله قصة يوسف احسن القصص لما فيها من العبر والحكم والنكت والفوائد التى تصلح للدين والدنيا من سير الملوك والمماليك ومكر النساء والصبر على اذى الاعداء والتجاوز عنهم بعد الاقتدار وغير ذلك من الفوائد وقال بعضهم لان يوسف عليه السلام كان احسن ابناء بنى اسرائيل ونسبه احسن الانساب كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم" تفسير : والكرم اسم جامع لكل ما يحمد به واجتمع فى يوسف مع كونه ابن ثلاثة انبياء متراسلين شرف النبوة وحسن الصورة وعلم الرؤيا ورياسة الدنيا وحياطة الرعايا فى القحط والبلايا فاى رجل اكرم من هذا وقال بعضهم لان دعاءه كان احسن الادعية توفنى مسلما والحقنى بالصالحين وهو اول من تمنى لقاء الله تعالى بالموت شعر : غافلان ازموت مهلت خواستند عاشقان كفتند نى نى زود باش تفسير : وتزويجه احسن التزويج وفى قصة تزويجه صفة فرقة ووصلة وصلة وغربة وتلطيف وتعنيف وعشق وعاشق ومعشوق وحبس وخلاص وقيد وعبودية وعتق وتعارف وتناكر واقبال وفرار ونفحة وجذبة واشارة وبشارة وتعبير وتفسير وتعسير وتيسير واودع فى قصته ما لم يودع فى غيرها من اللطائف وانواع المعاملات مما يروح الارواح ويهيج الاشباح. يقول الفقير لا يبعد ان يقال ان قصة يوسف احسن الاقاصيص السالفة فى سورة هود فى باب تسلية النبى صلى الله عليه وسلم وفى نفسها ايضا اذ ما يتعلق بالمحبوب محبوب وما ينبئ عن الاحسن احسن كما قال المولى الجامى شعر : بس دلكش است قصة خوبان وزان ميان تو يوسفى وقصة احسن القصص تفسير : وسيجيئ ذكر الملاحقة المتعلقة بجناب يوسف وحضرة الرسالة عليهما السلام. وقال بعضهم هى اول قصة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى اوجز لفظا واجمع معنى مترجمة فى الحقيقة عن اسرار الوراثة والخلافة والروح والقلب والقوى وتصفية النفس الامارة التى ظهرت اولا فى صورة زليخا ثم اسلمت وتزكت وصفت الى ان وصلت الى مقام الرضى والامتنان بعد همها باماريتها ثم اجتمعت بالروح اليوسفى بعد انقياد قواها فى صورة الاخوة. قال فى التأويلات النجمية انما كانت احسن القصص لان اول مناسبة ومشابهة باحوال الانسان ورجوعه الى الله ووصوله اليه وذلك لانها تشير الى معرفة تركيب الانسان من الروح والقلب والسر والنفس وحواسه الخمس الظاهرة وقواء الست الباطنة والبدن وابتلائه بالدنيا وغير ذلك الى ان يبلغ الانسان اعلى مراتبه فاشار يوسف الى القلب ويعقوب الى الروح وراحيل الى النفس واخوة يوسف الى القوى والحواس ثم ان القرآن مع اشتماله على مثل هذه القصة البديعة وغيرها من عجائب البيان طعن فيه الكفار لكونهم من غير اولى الابصار: وفى المثنوى شعر : جون كتاب الله بيامد هم بران اينجنين طعنه زدند آن كافران كه اساطير است وافسانه نزند نيست تعميقى وتحقيقى بلند ذكر يوسف ذكر زلف زبرجمش ذكر يعقوب وزليخاى غمش تفسير : ونعم ما قال حضرة الشيخ السعدى قدس سره شعر : كسى بديده انكار نكاه كند نشان صورت يوسف دهدبناخوبى وكربجشم ارادت نكه كند درديو فرشته اش بنمايد بجشم كروبى تفسير : {بما اوحينا} متعلقة بنقص وما مصدرية اى بايحائنا {اليك هذا القرآن وان} مخففة من الثقيلة اى وان الشان {كنت من قبله} اى من قبل ايحائنا اليك هذا القرآن {لمن الغافلين} الغفلة عن الشيء هى ان لا يخطر ذلك بباله اى لمن الغافلين عن هذه القصة لم تخطر ببالك ولم تقرع سمعك قط وهو تعليل لكونه موحى والتعبير عن عدم العلم بالغفلة لا جلال شأنه عليه السلام كما فى الارشاد فليست هى الغفلة المتعارفة بين الناس ولله ان يخاطب حبيبه بما شاء ألا ترى الى قوله {أية : ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان} تفسير : وقوله {أية : ووجدك ضالا} تفسير : ونحوهما ان مثل هذا التعبير انما هو بالنسبة الى الله تعالى وقد تعارفه العرب من غير ان يخطر ببالهم نقص ويجب علينا حسن الاداء فى مثل هذا المقام رعاية للادب فى التعبير وتقرير الكلام مع ان الزمان واهله قد مضى وانقضت الايام والانام اللهم اجعلنا فيمن هديتهم الى لطائف البيان ووفقتهم لما هو الادب فى كل امر وشان انك انت المنان

الطوسي

تفسير : أخبر الله انه يقص على نبيه احسن القصص، و {القصص} يتعدى بحرف الجر في عليك لان معناه يتلو بعض الحديث بعضاً، ولو قال: نخبرك، لتعدى بنفسه وقوله {أحسن القصص} يدل على ان الحسن يتفاضل ويتعاظم، لأن لفظ أفعل حقيقتها ذلك، وانما يتعاظم بكثرة استحقاق المدح عليه. وقوله {بما أوحينا إليك هذا القرآن} دخلت الباء في بما اوحينا، لتبيين أن القصص يكون قرآناً وغير قرآن، والقصص - ها هنا - بالوحي: القرآن كأنه قال أوحينا اليك هذا القرآن، ونصب القرآن بايقاع الوحي عليه، وكان يجوز فيه الجر على البدل من (ما) والرفع على ان يكون جواب (ما) (هذا) في قول الزجاج، ولم يقرأ بغير النصب. وقوله {وإن كنت من قبله لمن الغافلين} بمعنى كنت يا محمد صلى الله عليه وسلم قبل وحينا اليك غافلاً عن الاحكام التي ذكرناها في القرآن حتى أتيناك بها، ودللناك عليها، ولم تكن تهتدي اليها. وقيل معناه من الغافلين عن قصة يوسف وأخوته، حتى أخبرناك بها.

الجنابذي

تفسير : {نَحْنُ نَقُصُّ} نملى {عَلَيْكَ} لا غيرنا على ان يكون تقديم المسند اليه لافادة الحصر والمقصود النّهى عن الاصغاء الى الغير بايّاك اعنى واسمعى يا جارة، او المقصود النّهى عن النّظر الى الواسطة من الملك الاتى به {أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} املاء احسن من كلّ املاء، واحسنيّة الاقتصاص امّا باحسنيّة اللّفظ المقتصّ به او بأحسنيّة الاخبار المقتصّة لاغريبيّتها او ابعديّتها عن الاذهان او اكثريّة فوائدها وانفعيّتها او احسنيّة موضوعاتها، او كون محمولاتها اشهى والذّ عند النّفس ولا يخفى انّ الكلّ مجتمعة فى القرآن خصوصاً فى سورة يوسف (ع) وقد ذكر لاحسنيّة قصّة يوسف او جه أخر ما ذكرنا أوجهها والمقصود اقتصاص جملة القرآن لانّ فيه اخبار الانبياء (ع) والاخيار والاشرار او اقتصاص سورة يوسف (ع) {بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} جملة القرآن او سورة يوسف (ع) فانّ القرآن كان اسماً لما نزل عليه (ص) آية كان او سورة او جملة القرآن ثمّ غلّب على المجموع بكثرة الاستعمال وهو مفعول اوحينا او نقصّ او كليهما على سبيل التنازع على ان يكون احسن القصص مفعولاً مطلقاً والاّ فهو مفعول اوحينا او بدل من احسن القصص {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} لانّك ما اختلفت الى العلماء ولا الى القصّاص وما تجسّست الكتب والغفلة من الله مذمومة ومن غير الله للاشتغال به ممدوحة والمراد الغفلة من تلك القصّة.

اطفيش

تفسير : {نحنُ نقصُّ عَليْكَ أحسْنَ القَصَصِ} الآية، ثم ملوا ملة أخرى فقالوا: حدثنا يا رسول الله فنزل قوله: {أية : الله نزل أحسن الحديث}تفسير : الآية. وقال سعيد بن جبير فى رواية مقاتل: اجتمع الصحابة إلى سلمان فقالوا: حدثنا عن التوراة فإنها حسنة، حسن ما فيها، فنزل: {نحن نقص عليك أحسن القصص} يعنى إنما فى القرآن أحسن مما فى التوارة، وروى مثل ما مر فى رواية ابن مسعود، وعن سعد بن أبى وقاص: لكن آخر آية هذه السورة، وزاد سعد ثم قالوا: يا رسول الله لو ذكرتنا، فنزل:{أية : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله}. تفسير : والقصص بفتحتين اسم لم يقص، أو مصدر بمعنى اسم مفعول، أو هو مصدر ناطق على المصدرية، وعلى كل وجه فهو من قص الأثر بمعنى اتبعه شيئا فشيئا، كما يقال: تلى القرآن بمعنى تتبعه شيئا فشيئا، وكان متصلا به يقرؤه، وقد بين الله سبحانه وتعالى الخير شيئا فشيئا، وأتى به على وجهه، والمراد إخبار الأمم الماضية فيما قاله قتادة. وقيل: المراد هنا قصة يوسف عليه السلام، وعلى البقاء على المصدرية، فالمعنى أحسن الاقتصاص، لأنه على أبدع طريق، وأعجب أسلوب، ألا ترى أن الحديث واحد، ولا يدخل فى قلبك إذا سمعته من كتب الأولين: أو من غير القرآن مطلقا دخولا كدخوله فيه إذا سمعته من القرآن، وأحسن مفعول مطلق، إضافته للمصدر. وأما على كونه بمعنى اسم مفعول أو اسما لما يقص فالمعنى أحسن ما يقصه قاص لتضمنه عبرا ونكتا، وحكما وعجائب، وفوائد دينية ودنيوية، وسير الملوك والمماليك، والعلماء والصالحين، والأنبياء، الفقه والرؤيا وتعبيرها، وأدب السيالفة، ومكر النساء، والصبر على أذى الأعداء، والعفو بعد القدرة، وغير ذلك مما فى هذه السورة، أو مما فيها ومما فى غيرها، وأحسن مفعول به، ويجوز عندى على هذا الوجه كونه مفعولا مطلقا، لجواز نيابة اسم الشئ عن المصدر، إذا اتفقت مادته ومادة العامل لفظا ومعنى، أو معنى. وقيل: قال أحسن القصص لحسن محاورة يوسف إخوته، وصبره وعفوه، وقيل: لأن فيها حكما وعبرا وعجائب ولطائف لم تتضمن قصة مثل ما تضمنته هذه، وقال أهل الإشارة، لأن فيها ذكر الحبيب والمحبوب، وقيل: أحسن بمعنى حسن. {بما أوحَيْنا إليكَ} ما مصدرية، أى بإيحائنا إليك، والباء للإمالة متعلق بنقص، وقيل: سببية {هَذا القرآنَ} مفعول أوحينا، إذا جعلنا أحسن مفعولا به لنقص، أو قدرنا له مفعولا، أى نقص عليك أخبار الأمم، أو قصة يوسف أحسن الاقتصاص، وإلا تنازعه نقص وأوحينا، ويجوز كون ما موصولة اسمية أو موصوفة، والرابط محذوف، فيكون هذا القرآن مفعولا لنقص، كأنه قيل نحن نقص عليك هذا القرآن أحسن الاقتصاص بما أوحيناه إليك. {وإنْ} مخففة من الثقيلة {كُنتَ مِنْ قبَلهِ} أى من قبل، الإيحاء على أن ما مصدرية، أو من قبل ما أوحينا إليك على أنها اسم، أو من قبل القرآن، أو من قبل الكتاب، سواء فسرناه بالسورة فيكون المراد بالغفلة المذكورة بعد هذه الغفلة عما فيها، أو فسرناه بالقرآن فيكون المراد بها الغفلة عن القصص مطلقا، كما فى باقى الأوجه، وقيل: الضمير للقصص بفتحتين فيحتمل الوجهين فى الغفلة على الخلق فى أحسن القصص، هذا المراد المطلق للقصات أو قصة يوسف. {لمنَ الغَافِلينَ} لم تسمع هذه القصة أو سائر القصص، ولم تخطر بباله، وذلك كناية عن الجاهلين بهن: وهن أحسن من التعبير بلفظ الجهل، والجملة قيل تعليل لكون القرآن، أو ما يقص موحىً، واللام فى قوله: {لمن} فارقه بين أن النافية وأن المخففة.

اطفيش

تفسير : {نَحْنُ} قدم للتقوى لا للحصر؛ لأَن المقام ليس له ولو صح فى المعنى، اللهم إِلا أَن يعتبر، إِنا لا غيرنا ممن يدعى المفترى أَنه أَنزله من جن أَو غيرهم {نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} مفعول مطلق أَى القصص الأَحسن لإِضافة النعت للمنعوت، أَو للإضافة للمصدر الذى شأْنه أَن يكون مفعولا مطلقاً، هكذا نقص عليك قصاً، وفى ذلك تعريض بأَن قص أَهل الكتاب قبيح لأَنه كذب فأَحسن خارجاً عن التفضيل إِذا لا حسن فى قصهم، اللهم إٍلا أَن يعتبر خصوص ما قصوا به دون كذب، ووجه الخروج أَن صدقهم أَفسده كذبهم وأَنه يرتاب فيه، ووجه الأَحسنية؛ اشتمالها على حاسد ومحسود، وعاشق ومعشوق، وشاهد ومشهود، وخصب وجدب، ووثاق وإٍطلاق، وفراق ووصلا، وسقم وصحة، وحل وارتحال، وذل وعز {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} أَى بما أَوحيناه إِليك من الكلام، أَو ما مصدرية أَى بإِيحائِنا إِليك من الكلام {هَذَا القُرْآنَ} مفعول نقص وتنازعه أَوحينا أَو أَحسن مفعول به؛ أَى بما نذكر لك وعلى المقصوص الحسن، وهذا القرآن بدل من أًحسن، أَو مفعول أَوحينا، والإِشارة إِلى السورة، أَو يتنزل نقص أَو تتلوه منزلة اللازم {وَإِنْ} إِنك أَو الشأْن {كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ} قبل الإيحاء أَو القرآن {لَمِنَ الْغَافِلِينَ} يطلق على من علم شيئاً وذهل عنه، ويطلق على من لم يعلمه وهو المراد هنا، لم يعلم صلى الله عليه وسلم قصة يوسف ولم تخطر بباله، روى أَن اليهود فاخروا بأَن الله - عز وجل - بين لهم قصة يوسف عليه السلام فى التوراة، وهى غير مذكورة فى القرآن فنزلت هذه السورة على أَبدع طريق وأَبلغ كلام بلغة العرب فزال افتخار اليهود، وسماها الله أَحسن قصة لما فيها من العبر والأَحكام ومصالح الملوك والعامة، وبيان مكر النساءِ، والصبر والعفو مع القدرة، ويقال: إِن أَهل الجنة يتفكهون بسورة مريم وسورة يوسف، وأَنه لا يسمع سورة يوسف محزون إِلا استراح إِليها، فيناسب أَن يقال هذا؛ لعلها نزلت بعد سورة هود التى شيبته صلى الله عليه وسلم ليزول بها بعض همه، وفيها أَيضاً تسلية له بما لاقى يوسف ممن هو أَقرب إٍليه وهم إِخوته، عمَّا لقى من عمه وقرابته إِليه صلى الله عليه وسلم، وهى كقصص من تقدم كهود؛ إِلا أَن هذه سورة رحمة يستراح إِليها.

الالوسي

تفسير : {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ} أي نخبرك ونحدثك من قص أثره إذا اتبعه كأن المحدث يتبع ما حدث به وذكره شيئاً فشيئاً ومثل ذلك تلى {أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} أي أحسن الاقتصاص فنصبه على المصدرية إما لاضافته إلى المصدر أو لكونه في الأصل صفة مصدر أي قصصا أحسن القصص، وفيه مع بيان الواقع إيهام لما في اقتصاص أهل الكتاب من القبح والخلل، والمفعول به محذوف أي مضمون هذا القرآن، والمراد به هذه السورة، وكذا في قوله عز وجل: {بِمَآ أَوْحَيْنَا} أي بسبب إيحائنا. {إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} والتعرض لعنوان قرآنيتها لتحقيق أن الاقتصاص ليس بطريق الإلهام أو الوحي غير المتلو، ولعل كلمة {هَـٰذَا} للإيماء إلى تعظيم المشار إليه. وقيل: فيها إيماء إلى مغايرة هذا القرآن لما في قوله تعالى: {أية : قُرْآناً عَرَبِيّاً}تفسير : [يوسف: 2] بأن يكون المراد بذلك المجموع وفيه تأمل، وأحسنيته لأنه قد قص على أبدع الطرائق الرائعة الرائقة، وأعجب الأساليب الفائقة اللائقة كما لا يكاد يخفى على من طالع القصة من كتب الأولين وإن كان لا يميز الغث من السمين ولا يفرق بين الشمال واليمين، وجوز أن يكون هذا المذكور مفعول {نَقُصُّ}. وصرح غير واحد أن الآية من باب تنازع الفعلين، والمذهب البصري أولى هنا أما لفظاً فظاهر وأما معنى فلأن القرآن كما سمعت السورة وإيقاع الإيحاء عليها أظهر من أيقاع {نَقُصُّ} باعتبار اشتمالها على القصة وما هو أظهر أولى بإعمال صريح الفعل فيه، وفيه من تفخيم القرآن وإحضار ما فيه من الإعجاز وحسن البيان ما ليس في إعمال {نقص} صريحاً، وجوز تنزيل أحد الفعلين منزلة اللازم، ويجوز أن يكون {أحسن} مفعولاً به لنقص، والقصص: إما فعل بمعنى مفعول كالنبأ والخبر أو مصدر سمي به المفعول كالخلق والصيد أي نقص / عليك أحسن ما يقص من الأنباء وهو قصة آل يعقوب عليه السلام، ووجه أحسنيتها اشتمالها على حاسد ومحسود ومالك ومملوك وشاهد ومشهود وعاشق ومعشوق وحبس وإطلاق وخصب وجدب وذنب وعفو وفراق ووصال وسقم وصحة وحل وارتحال وذل وعز، وقد أفادت أنه لا دافع لقضاء الله تعالى ولا مانع من قدره وأنه سبحانه إذا قضى لإنسان بخير ومكرمة فلو أن أهل العالم اجتمعوا على دفع ذلك لم يقدروا وأن الحسد سبب الخذلان والنقصان وأن الصبر مفتاح الفرج وأن التدبير من العقل وبه يصلح أمر المعاش إلى غير ذلك مما يعجز عن بيانه بنان التحرير. وقيل: إنما كانت {أحسن} لأن غالب من ذكر فيها كان مآله إلى السعادة، وقيل: المقصوص أخبار الإمام السالفة والقرون الماضية لا قصة آل يعقوب فقط، والمراد بهذا القرآن ما اشتمل على ذلك، و {أَحْسَنُ} ليس أفعل تفضيل بل هو بمعنى حسن كأنه قيل: حسن القصص من باب إضافة الصفة إلى الموصوف أي القصص الحسن، والقول عليه عند الجمهور ما ذكرنا، قيل: ولكونها بتلك المثابة من الحسن تتوفر الدواعي إلى نقلها ولذا لم تتكرر كغيرها من القصص، وقيل: سبب ذلك من افتتان امرأة ونسوة بأبدع الناس جمالاً، ويناسب ذلك عدم التكرار لما فيه من الأعضاء والستر، وقد صحح الحاكم في «مستدركه» حديث النهي عن تعليم النساء سورة يوسف، وقال الإستاذ أبو إسحاق: إنما كرر الله تعالى قصص الأنبياء وساق هذه القصة مساقاً واحداً إشارة إلى عجز العرب كأن النبـي صلى الله عليه وسلم قال لهم: إن كان من تلقاء نفسي فافعلوا في قصة يوسف ما فعلت في سائر القصص وهو وجه حسن إلا أنه يبقى عليه أن تخصيص سورة يوسف لذلك يحتاج إلى بيان فإن سوق قصة آدم عليه السلام مثلاً مساقاً واحداً يتضمن الإشارة إلى ذلك أيضاً بعين ما ذكر. وقال الجلال السيوطي: ظهر لي وجه في سوقها كذلك وهو أنها نزلت بسبب طلب الصحابة أن يقص عليهم فنزلت مبسوطة تامة ليحصل لهم مقصود القصص من الاستيعاب وترويح النفس بالإحاطة ولا يخفى ما فيه، وكأنه لذلك قال: وأقوى ما يجاب به أن قصص الأنبياء إنما كررت لأن المقصود بها إفادة إهلاك من كذبوا رسلهم والحاجة داعية إلى ذلك كتكرير تكذيب الكفار للرسول صلى الله عليه وسلم فكلما كذبوا أنزلت قصة منذرية بحلول العذاب كما حل بالمكذبين، ولهذا قال سبحانه في آيات: {أية : فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلأَوَّلِينِ} تفسير : [الأنفال: 38] {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ}تفسير : [الأنعام: 6] وقصة يوسف لم يقصد منها ذلك، وبهذا أيضاً يحصل الجواب عن عدم تكرير قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين وقصة موسى مع الخضر وقصة الذبيح، ثم قال: فإن قلت: قد تكررت قصة ولادة يحيـى وولادة عيسى عليهما السلام مرتين وليست من قبيل ما ذكرت {قُلْتَ} الأولى في سورة {أية : كۤهيعۤصۤ } تفسير : [مريم: 1] وهي مكية أنزلت خطاباً لأهل مكة، والثانية في سورة آل عمران وهي مدنية أنزلت خطاباً لليهود ولنصارى نجران حين قدموا ولهذا اتصل بهذا ذكر المحاجة والمباهلة اهـ. واعترض بأن قصة آدم عليه السلام كررت مع أنه ليس المقصود بها إفادة إهلاك من كذبوا رسلهم، وأجيب بأنها وإن لم يكن المقصود بها إفادة ما ذكر إلا أن فيها من الزجر عن المعصية ما فيها فهي أشبه قصة بتلك القصص التي كررت لذلك فافهم. {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ} أي قبل إيحائنا إليك ذلك {لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ} عنه لم يخطر ببالك ولم يقرع سمعك، وهذا تعليل لكونه موحى كما ذكره بعض المحققين والأكثر في مثله ترك / الواو، والتعبير عن عدم العلم بالغفلة لا جلال شأن النبـي صلى الله عليه وسلم وكذا العدول عن ـ لغافلا ـ إلى ما في النظم الجليل عند بعض، ويمكن أن يقال: إن الشيء إذا كان بديعاً وفيه نوع غرابة إذا وقف عليه قيل للمخاطب: كنت عن هذا غافلاً فيجوز أن يقصد الإشارة إلى غرابة تلك القصة فيكون كالتأكيد لما تقدم إلا أن فيه ما لا يخفى و(إن) مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن واللام فارقة، وجملة {كُنتُ} الخ خبر (إن).

ابن عاشور

تفسير : هذه الجملة تتنزل من جملة { أية : إنّا أنزلناه قرآناً عربيّاً } تفسير : [سورة يوسف: 2] منزلة بدل الاشتمال لأنّ أحسن القصص ممّا يشتمل عليه إنزال القرآن. وكون القصص من عند الله يتنزّل منزلة الاشتمال من جملة تأكيد إنزاله من عند الله. وقوله: {بما أوحينا إليك هذا القرآن} يتضمّن رابطاً بين جملة البدل والجملة المبدل منها. وافتتاح الجملة بضمير العظمة للتّنويه بالخبر، كما يقول كتّاب «الديوان»: أمير المؤمنين يأمر بكذا. وتقديم الضمير على الخبر الفعليّ يفيد الاختصاص، أي نحن نقصّ لا غيرُنا، ردّاً على من يطعن من المشركين في القرآن بقولهم: { أية : إنّما يعلمه بشرٌ } تفسير : [سورة النحل: 103] وقولهم: { أية : أساطير الأولين اكتتبها } تفسير : [سورة الفرقان: 5] وقولهم: يُعلمه رجل من أهل اليمامة اسمه الرّحمان. وقول النضر بن الحارث المتقدّم ديباجة تفسير هذه السورة. وفي هذا الاختصاص توافُق بين جملة البدل والجملة المبدل منها في تأكيد كون القرآن من عند الله المفاد بقوله: { أية : إنّا أنزلناه قرآناً عربيّاً } تفسير : [سورة يوسف: 2]. ومعنى {نَقُصُّ} نخبر الأخبار السّالفة. وهو منقول من قَصّ الأثر إذا تتبّع مواقع الأقدام ليتعرّف منتهى سير صاحبها. ومصدره: القصّ بالإدغام، والقصص بالفكّ. قال تعالى: { أية : فارتدّا على آثارهما قصصاً } تفسير : [سورة الكهف: 64]. وذلك أنّ حكاية أخبار الماضين تشبه اتّبَاعَ خطاهم، ألاَ ترى أنّهم سمّوا الأعمال سِيرة وهي في الأصل هيئة السّير، وقالوا: سار فلان سِيرة فلان، أي فعل مثل فعله، وقد فرّقوا بين هذا الإطلاق المجازي وبين قصّ الأثر فخصّوا المجازي بالصّدر المفكّك وغلبوا المصدر المدغم على المعنى الحقيقيّ مع بقاء المصدر المفكك أيضاً كما في قوله: {فارتدّا على آثارهما قَصصاً}. فـــ {أحسن القصص} هنا إمّا مفعول مطلق مبيّن لنوع فعله، وإمّا أن يكون القصص بمعنى المفعول من إطلاق المصدر وإرادة المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق، وهو إطلاق للقصص شائع أيضاً. قال تعالى: { أية : لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب } تفسير : [سورة يوسف: 111]. وقد يكون وزن فَعْل بمعنى المفعول كالنّبأ والخبر بمعنى المنبّأ به والمخبّر به، ومثله الحَسب والنقَض. وجعل هذا القَصص أحسن القصص لأنّ بعض القصص لا يخلو عن حسن ترتاح له النفوس. وقصص القرآن أحسن من قصص غيره من جهة حسن نظمه وإعجاز أسلوبه وبما يتضمّنه من العبر والحكم، فكلّ قصص في القرآن هو أحسن القصص في بابه، وكلّ قصة في القرآن هي أحسن من كلّ ما يقصّه القاصّ في غير القرآن. وليس المراد أحسن قصص القرآن حتى تكون قصّة يوسف عليه السّلام أحسن من بقيّة قصص القرآن كما دلّ عليه قوله: {بما أوحينا إليك هذا القرآن}. والباء في {بما أوحينا إليك} للسببيّة متعلّقة بـــ {نقُصُّ}، فإنّ القصص الوارد في القرآن كان أحسن لأنّه وارد من العليم الحكيم، فهو يوحي ما يعلم أنّه أحسن نفعاً للسّامعين في أبدع الألفاظ والتراكيب، فيحصل منه غذاء العقل والروح وابتهاج النفس والذّوق ممّا لا تأتي بمثله عقول البشر. واسم الإشارة لزيادة التمييز، فقد تكرّر ذكر القرآن بالتّصريح والإضمار واسم الإشارة ستّ مرّات، وجمع له طرق التعريف كلّها وهي اللاّم والإضمار والعلمية والإشارة والإضافة. وجملة {وإن كنتَ من قبله لمن الغافلين} في موضع الحال من كاف الخطاب. وحرف {إنْ} مخفّف من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف. وجملة {كنتَ من قبله لمن الغافلين} خبر عن ضمير الشأن المحذوف واللاّم الدّاخلة على خبر {كنتَ} لام الفرق بين {إنْ} المخففة و(إنْ) النافية. وأدخلت اللاّم في خبر كان لأنه جزء من الجملة الواقعة خبراً عن (إن). والضمير في {قبله} عائد إلى القرآن. والمراد من قبل نزوله بقرينة السياق. والغفلة: انتفاء العلم لعدم توجّه الذهن إلى المعلوم، والمعنى المقصود من الغفلة ظاهر. ونكتة جعله من الغافلين دون أن يوصف وحده بالغفلة للإشارة إلى تفضيله بالقرآن على كل من لم ينتفع بالقرآن فدخل في هذا الفضل أصحابه والمسلمون على تفاوت مراتبهم في العلم. ومفهوم {من قبله} مقصود منه التعريض بالمشركين المُعْرضين عن هدي القرآن. قال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : مَثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نَقية قبِلت الماء فأنبتت الكلأ والعُشُب الكثير، وكانت منها أجادب أمسَكَتْ الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقَوا وزَرعوا، وأصاب منها طائفةً أخرى إنّما هي قيعان لا تُمسك ماء ولا تُنبت كلأ. فذلك مَثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعَلِم وعلّم. ومثَل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلتُ به »تفسير : ، أي المشركين الذين مثَلُهم كمثل من لا يرفع رأسه لينظر.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقُرْآنَ} {ٱلْغَافِلِينَ} (3) - قَالَ بَعْضُ المُؤْمنينَ: يَا رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ، لَوْ قَصَصْتَ عَلَينا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ هذِهِ الآيَةَ يَدُلُّهُمْ فِيهَا عَلَى أَحْسَنِ القَصَصِ، مِمّا يَحْوِيهِ القُرْآنُ مِنْ قَصَصِ الأَنْبِياءِ الكِرامِ، وَمِنْ أَخْبَارِ الأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَمِنْ أَحْكَامِ الدِّين وَالإِيمَانِ بِاللهِ ... وَقَدْ كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ إِليكَ هذا القُرَآنُ فِي زُمْرَةِ الغَافِلِينَ عَنْهُ مِنْ قَوْمِكَ الأُمِّيِّينَ. نَقُصُّ عَلَيْكَ - نُحَدِّثُكَ، أَوْ نُبَيِّنُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : حين يتحدث الحق - سبحانه - عن فعل من أفعاله؛ ويأتي بضمير الجمع؛ فسبب ذلك أن كل فعل من أفعاله يتطلب وجودَ صفات متعددة؛ يتطلب: علماً؛ حكمة؛ قدرة؛ إمكانات. ومَنْ غيره - سبحانه - له كل الصفات التي تفعل ما تشاء وقْتَ أن تشاء؟ لا أحد سواه قادر على ذلك؛ لأنه - سبحانه - وحده صاحب الصفات التي تقوم بكل مطلوب في الحياة ومُقدَّر. لكن حين يتكلم - سبحانه - عن الذات؛ فهو يؤكد التوحيد فلا تأتي بصيغة الجمع، يقول تعالى: {أية : إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} تفسير : [طه: 14]. وهنا يتكلم - سبحانه - بأسلوب يعبر عن أفعال لا يَقْدر عليها غيره؛ بالدقة التي شاءها هو - سبحانه - فيقول: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ ..} [يوسف: 3]. وحدد - سبحانه - أنه هو الذي يقصُّ، وإذا وُجِد فعل لله؛ فنحن نأخذ الفعل بذاته وخصوصه؛ ولا نحاول أن نشتق منه اسماً نطلقه على الله؛ إلا إذا كان الفعل له صفة من صفاته التي عَلِمْناها في أسمائه الحسنى؛ لأنه الذات الأقدس. وفي كل ما يتعلق به ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً إنما نلتزم الأدب؛ لأننا لا نعرف شيئاً عن ذات الله إلا ما أخبرنا الله عن نفسه، لذلك لا يصح أن نقول عن الله أنه قصَّاص، بل نأخذ الفعل كما أخبرنا به، ولا نشتق منه اسماً لله؛ لأنه لم يصف نفسه في أسمائه الحسنى بذلك. والواجب أن ما أطلقه - سبحانه - اسماً نأخذه اسماً، وما أطلقه فعلاً نأخذه فعلاً. وهنا يقول - سبحانه: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ ..} [يوسف: 3]. ونعلم أن كلمة "قص" تعني الإتباع، وقال بعض العلماء: إن القصة تُسمَّى كذلك لأن كل كلمة تتبع كلمة، ومأخوذة من قَصَّ الأثر، وهو تتبع أثر السائر على الأرض، حتى يعرف الإنسان مصير مَنْ يتتبعه ولا ينحرف بعيداً عن الاتجاه الذي سار فيه مَنْ يبحث عنه. واقرأ قول الحق - سبحانه -: {أية : وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} تفسير : [القصص: 11]. و {أية : قُصِّيهِ ..}تفسير : [القصص: 11]. أي: تتبعي أثره. إذن: فالقَصُّ ليس هو الكلمة التي تتبع كلمة، إنما القَصُّ هو تتبُّع ما حدث بالفعل. ويعطينا الحق سبحانه مثلاً من قصة موسى عليه السلام مع فتاه: {أية : قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً} تفسير : [الكهف: 63-64]. أي: تَابَعا الخطوات. وهكذا نعلم أن القص هو تتبُّع ما حدث بالفعل، فتكون كل كلمة مُصوِّرة لواقع، لا لَبْسَ فيه أو خيال؛ ولا تزيُّد، وليس كما يحدث في القصص الفنيِّ الحديث؛ حيث يضيف القصَّاص لقطاتِ خيالية من أجل الحَبْكة الفنية والإثارة وجَذْب الانتباه. أما قَصَص القرآن فوضْعُه مختلف تماماً، فكلُّ قَصص القرآن إنما يتتبع ما حدث فعلاً؛ لنأخذ منها العبرة؛ لأن القصة نوع من التاريخ. والقصة في القرآن مرةً تكون للحدث، ومرَّة تكون لتثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم تَأْتِ قصة رسول في القرآن كاملة، إلا قصة يوسف - عليه السلام. أما بقية الرسل فقَصَصهم جاءت لقطات في مناسبات لتثبيت فؤاد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فتأتي لقطة من حياة رسول، ولقطة من حياة رسول آخر، وهكذا. ولا يقولن أحد: إن القرآن لم يستطع أن يأتي بقصة كاملة مستوفية؛ فقد شاء الحق - سبحانه - أن يأتي بقصة يوسف من أولها إلى آخرها، مُسْتوفية، ففيها الحدث الذي دارتْ حوله أشخاصٌ، وفيها شخصٌ دارتْ حوله الأحداث. فقصة يوسف - عليه السلام - في القرآن لا تتميز بالحَبْكة فقط؛ بل جمعتْ نَوعَيْ القصة، بالحدث الذي تدور حوله الشخصيات، وبالشخص الذي تدور حوله الأحداث. جاءتْ قصة يوسف بيوسف، وما مَرَّ عليه من أحداث؛ بَدْءً من الرُّؤيا، ومروراً بحقد الإخوة وكيدهم، ثم محاولة الغواية له من امرأة العزيز، ثم السجن، ثم القدرة على تأويل الأحلام، ثم تولِّي السلطة، ولقاء الإخوة والإحسان إليهم، وأخيراً لقاء الأب من جديد. إذن: فقول الحق - سبحانه: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ ..} [يوسف: 3]. يبيّن لنا أن الحُسْن أتى لها من أن الكتب السابقة تحدثت عن قصة يوسف، لكن أحبار اليهود حين قرأوا القصة كما جاءتْ بالقرآن ترك بعضهم كتابه، واعتمد على القرآن في روايتها، فالقصة أحداثها واحدة، إلا صياغة الأداء؛ وتلمُّسات المواجيد النفسية؛ وإبراز المواقف المطْويَّة في النفس البشرية؛ وتحقيق الرُّؤى الغيبية كُلُّ ذلك جاء في حَبْكة ذات أداء بياني مُعْجز جعلها أحسنَ القَصَص. أو: هي أحسن القصص بما اشتملتْ عليه من عِبَر متعددة، عِبَر في الطفولة في مواجهة الشيخوخة، والحقد الحاسد بين الإخوة، والتمرد، وإلقائه في الجبِّ والكيد له، ووضعه سجيناً بظلم، وموقف يوسف عليه السلام من الافتراء الكاذب، والاعتزاز بالحق حتى تمَّ له النصر والتمكين. وكيف ألقى الله على يوسف - عليه السلام - محبَّة منه؛ ليجعل كل مَنْ يلتقي به يحب خدمته. وكيف صانَ يوسف إرثَ النبوة، بما فيها من سماحة وقدرة على العفو عند المقدرة؛ فعفَا عن إخوته بما روتْه السورة: {أية : قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} تفسير : [يوسف: 92]. وقالها سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم لأهله يوم فتح مكة: "حديث : اذهبوا فأنتم الطلقاء ". تفسير : هكذا تمتلىء سورة يوسف بِعِبَر متناهية، يتجلَّى بعضٌ منها في قضية دخوله السجنَ مظلوماً، ثم يأتيه العفو والحكم؛ لذلك فهي أحسنُ القَصص؛ إما لأنها جمعتْ حادثة ومَنْ دار حولها من أشخاص، أو جاء بالشخص وما دار حوله من أحداث. أو: أنها أحسنُ القصص في أنها أدّتْ المُتَّحد والمتفق عليه في كل الكتب السابقة، وجاء على لسان محمد الأمي، الذي لا خبرة له بتلك الكتب؛ لكن جاء عَرْضُ الموضوع بأسلوب جذَّاب مُسْتمِيل مُقْنع مُمْتع. أو: أنها أحسن القصص؛ لأن سورة يوسف هي السورة التي شملت لقطاتٍ متعددةٍ تساير: العمر الزمني؛ والعمر العقلي؛ والعمر العاطفي للإنسان في كل أطواره؛ ضعيفاً؛ مغلوباً على أمره؛ وقوياً مسيطراً، مُمكَّناً من كل شيء. بينما نجد أنباء الرسل السابقين جاءت كلقطات مُوزَّعة كآيات ضمن سُور أخرى؛ وكل آية جاءت في موقعها المناسب لها. إذن: فالحُسْن البالغ قد جاء من أسلوب القرآن المعجز الذي لا يستطيع واحد من البشر أن يأتي بمثله. يقول الحق سبحانه: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} [يوسف: 3]. والمقصود بالغفلة هنا أنه صلى الله عليه وسلم كان أُمِّياً، ولم يعرف عنه أحدٌ قبل نزول القرآن أنه خطيب أو شاعر، وكل ما عُرِف عنه فقط هو الصفات الخُلقية العالية من صدق وأمانة؛ وهي صفات مطلوبة في المُبلِّغ عن الله؛ فما دام لم يكذب من قبل على بشر فكيف يكذب وهو يُبلِّغ عن السماء رسالتها لأهل الأرض؟ إن الكذب أمر مُسْتبعد تماماً في رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعدها. والمثال على تصديق الغير لرسول الله هو تصديق أبي بكر رضي الله عنه له حين أبلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوحي قد نزل عليه، لم يَقُلْ له أكثر من أنه رسول من عند الله، فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: صدقْتَ. وحين حدثتْ رحلة الإسراء؛ وكذَّبها البعض متسائلين: كيف نضرب إليها أكباد الإبل شهراً ويقول محمد إنه قطعها في ليلة؟ فسألهم أبو بكر: أقال ذلك؟ قالوا: نعم. فقال أبو بكر: ما دام قد قال فقد صدق. وهكذا نجد أن حيثية الصِّدْق قبل الرسالة هي التي دَلَّتْ على صدقه حين أبلغ بما نزل عليه من وحي. مثال ذلك: تصديق خديجة رضي الله عنها وأرضاها له؛ حين أبلغها بنزول الوحي، فقالت له: "والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتَصِلُ الرَّحِم، وتحمل الكَلَّ، وتُكسِب المَعْدُوم، وتَقْري الضَّيف، وتعين على نوائب الحق". وكان في صدق بصيرتها، وعميق حساسية فطرتها أسبابٌ تؤيد تصديقها له صلى الله عليه وسلم في نبوته. وحين وقعت بعض الأمور التي لا تتفق مع منطق المقدمات والنتائج، والأسباب والمسببات؛ كانت بعض العقول المعاصرة لرسول الله تقف متسائلة: كيف؟ فيوضح لهم أبو بكر: "انتبهوا إنه رسول الله". مثال هذا: ما حدث في صلح الحديبية، حين يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - متسائلاً - ويكاد أن يكون رافضاً لشروط هذا الصلح -: ألسْنا على الحق؟ عَلام نعطي الدَّنية في ديننا؟ ويرد عليه أبو بكر - رضي الله عنه -: استمسك بِغَرْزِه يا عمر، إنه رسول الله. أي: انتبه واعلم أنك تتكلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في ذلك انصياعٌ أعمى؛ بل هي طاعة عن بصيرة مؤمنة. والحق سبحانه يقول هنا: {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} [يوسف: 3]. والغافل: هو الذي لا يعلم - لا عن جهل، أو قصور عقل - ولكن لأن ما غفل عنه هو أمر لا يشغل باله. أو: أن يكون المقصود بقوله: {لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} [يوسف: 3]. أي: أنك يا محمد لم تكن ممَّنْ يعرفون قصة يوسف؛ لأنك لم تتعلم القراءة فتقرأها من كتاب، ولم تجلس إلى مُعلِّم يروي لك تلك القصة، ولم تجمع بعضاً من أطراف القصة من هنا أو هناك. بل أنت لم تَتَلقَّ الوحي بها إلا بعد أن قال بعض من أهل الكتاب لبعض من أهل مكة: اسألوه عن أبناء يعقوب وأخوة يوسف؛ لماذا خرجوا من الشام وذهبوا إلى مصر؟ وكان ضَرْباً من الإعجاز أن ينزل إليك يا رسول الله هذا البيان العالي بكل تفاصيل القصة، كدليل عمليٍّ على أن مُعلِّم محمدٍ صلى الله عليه وسلم هو الله، وأنه سبحانه هو مَنْ أَوحى بها إليه. والوَحْي - كما نعلم - هو الإعلام بخفاء، وسبحانه يوحي للملائكة فيقول: {أية : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..} تفسير : [الأنفال: 12]. وسبحانه يوحي إلى مَنْ يصطفي من البشر إلى صفوتهم؛ مصداقاً لقوله سبحانه: {أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} تفسير : [المائدة: 111]. ويقذف الحق سبحانه بالإلهام وحياً لا يستطيع الإنسان دَفْعاً له، مثل الوحي لأم موسى بأن تلقي طفلها الرضيع موسى في اليَمِّ: {أية : إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ} تفسير : [طه: 38-39]. ويوحي سبحانه إلى الأرض وهي الجماد، مثل قوله الحق: {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} تفسير : [الزلزلة: 5]. وأوحى سبحانه إلى النحل، فقال الحق: {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً ..} تفسير : [النحل: 68-69]. والحق سبحانه يوحي لمن شاء بما شاء، فالكل؛ جماد ونبات وحيوان وإنسان؛ من خَلْقه، وهو سبحانه يخاطبهم بِسِرِّ خلقه لهم، واختلاف وسائل استيعابهم لذلك. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ ...}.