Verse. 1600 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

اِذْ قَالَ يُوْسُفُ لِاَبِيْہِ يٰۗاَبَتِ اِنِّىْ رَاَيْتُ اَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَّالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَاَيْتُہُمْ لِيْ سٰجِدِيْنَ۝۴
Ith qala yoosufu liabeehi ya abati innee raaytu ahada AAashara kawkaban waalshshamsa waalqamara raaytuhum lee sajideena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

اذكر «إذ قال يوسف لأبيه» يعقوب «يا أبت» بالكسر دلالة على ياء الإضافة المحذوفة والفتح دلالة على ألف محذوفة قلبت عن الياء «إني رأيت» في المنام «أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم» تأكيد «لي ساجدين» جمع بالياء والنون للوصف بالسجود الذي هو من صفات العقلاء.

4

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: تقدير الآية: اذكر {إِذْ قَالَ يُوسُفُ } قال صاحب «الكشاف»: الصحيح أنه اسم عبراني، لأنه لو كان عربياً لانصرف لخلوه عن سبب آخر سوى التعريف، وقرأ بعضهم {يُوسُفَ } بكسر السين {وَيُوسُفَ } بفتحها. وأيضاً روى في يونس هذه اللغات الثلاث، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إذا قيل من الكريم فقولوا الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام » تفسير : . المسألة الثانية: قرأ ابن عامر {يا أبت} بفتح التاء في جميع القرآن، والباقون بكسر التاء. أما الفتح فوجهه أنه كان في الأصل يا أبتاه على سبيل الندبة، فحذفت الألف والهاء. وأما الكسر فأصله يا أبي، فحذفت الياء واكتفى بالكسرة عنها ثم أدخل هاء الوقف فقال: {يا أبت} ثم كثر استعماله حتى صار كأنه من نفس الكلمة فأدخلوا عليه الإضافة، وهذا قول ثعلب وابن الأنباري. واعلم أن النحويين طولوا في هذه المسألة، ومن أراد كلامهم فليطالع «كتبهم». المسألة الثالثة: أن يوسف عليه السلام رأى في المنام أن أحد عشر كوكباً والشمس والقمر سجدت له، وكان له أحد عشر نفراً من الأخوة، ففسر الكواكب بالأخوة، والشمس والقمر بالأب والأم، والسجود بتواضعهم له ودخولهم تحت أمره، وإنما حملنا قوله: {لاِبِيهِ يٰأَبتِ إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا } على الرؤيا لوجهين: الأول: أن الكواكب لا تسجد في الحقيقة، فوجب حمل هذا الكلام على الرؤيا. والثاني: قول يعقوب عليه السلام: { أية : لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ } تفسير : [يوسف: 5] وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: قوله: {رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } فقوله: {سَـٰجِدِينَ } لا يليق إلا بالعقلاء، والكواكب جمادات، فكيف جازت اللفظة المخصوصة بالعقلاء في حق الجمادات. قلنا: إن جماعة من الفلاسفة الذين يزعمون أن الكواكب أحياء ناطقة احتجوا بهذه الآية، وكذلك احتجوا بقوله تعالى: { أية : وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } تفسير : [الأنبياء: 33] والجمع بالواو والنون مختص بالعقلاء. وقال الواحدي: إنه تعالى لما وصفها بالسجود صارت كأنها تعقل، فأخبر عنها كما يخبر عمن يعقل كما قال في صفة الأصنام { أية : وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } تفسير : [الأعراف: 198] وكما في قوله: { أية : يـٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ } تفسير : [النمل: 18]. السؤال الثاني: قال: {إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } ثم أعاد لفظ الرؤيا مرة ثانية، وقال: {رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } فما الفائدة في هذا التكرير؟ الجواب: قال القفال رحمه الله: ذكر الرؤية الأولى لتدل على أنه شاهد الكواكب والشمس والقمر، والثانية لتدل على مشاهدة كونها ساجدة له، وقال بعضهم: إنه لما قال: {إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } فكأنه قيل له: كيف رأيت؟ فقال: رأيتهم لي ساجدين، وقال آخرون: يجوز أن يكون أحدهما من الرؤية والآخر من الرؤية، وهذا القائل لم يبين أن أيهما يحمل على الرؤيا وأيهما الرؤيا فذكر قولاً مجملاً غير مبين. السؤال الثالث: لم أخر الشمس والقمر؟ قلنا: أخرهما لفضلهما على الكواكب، لأن التخصيص بالذكر يدل على مزيد الشرف كما في قوله: { أية : وَمَلـٰئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } تفسير : [البقرة: 98]. السؤال الرابع: المراد بالسجود نفس السجود أو التواضع كما في قوله: شعر : ترى الأكم فيه سجداً للحوافر تفسير : قلنا: كلاهما محتمل، والأصل في الكلام حمله على حقيقته ولا مانع أن يرى في المنام أن الشمس والقمر والكواكب سجدت له. السؤال الخامس: متى رأى يوسف عليه السلام هذه الرؤيا؟ قلنا: لا شك أنه رآها حال الصغر، فأما ذلك الزمان بعينه فلا يعلم إلا بالأخبار. قال وهب: رأى يوسف عليه السلام وهو ابن سبع سنين أن إحدى عشرة عصاً طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى ابتلعتها فذكر ذلك لأبيه فقال إياك أن تذكر هذا لأخوتك ثم رأى وهو ابن ثنتي عشرة سنة الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال لا تذكرها لهم فيكيدوا لك كيداً. وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومصير أخوته إليه أربعون سنة وقيل: ثمانون سنة. واعلم أن الحكماء يقولون إن الرؤيا الرديئة يظهر تعبيرها عن قريب، والرؤيا الجيدة إنما يظهر تعبيرها بعد حين. قالوا: والسبب في ذلك أن رحمة الله تقتضي أن لا يحصل الإعلام بوصول الشر إلا عند قرب وصوله حتى يكون الحزن والغم أقل، وأما الإعلام بالخير فإنه يحصل متقدماً على ظهوره بزمان طويل حتى تكون البهجة الحاصلة بسبب توقع حصول ذلك الخير أكثر وأتم. السؤال السادس: قال بعضهم: المراد من الشمس والقمر أبوه وخالته فما السبب فيه؟ قلنا: إنما قالوا ذلك من حيث ورد في الخبر أن والدته توفيت وما دخلت عليه حال ما كان بمصر قالوا: ولو كان المراد من الشمس والقمر أباه وأمه لما ماتت لأن رؤيا الأنبياء عليهم السلام لا بد وأن تكون وحياً وهذه الحجة غير قوية لأن يوسف عليه السلام ما كان في ذلك الوقت من الأنبياء. السؤال السابع: وما تلك الكواكب؟ قلنا: روى صاحب «الكشاف» أن يهودياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل عليه السلام وأخبره بذلك فقال عليه الصلاة والسلام لليهودي: « حديث : إن أخبرتك هل تسلم » تفسير : قال نعم قال: « حديث : جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين رآها يوسف والشمس والقمر نزلت من السماء وسجدت له » تفسير : فقال اليهودي: أي والله إنها لأسماؤها. واعلم أن كثيراً من هذه الأسماء غير مذكور في الكتب المصنفة في صورة الكواكب والله أعلم بحقيقة الحال.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ} «إذْ» في موضع نصب على الظرف؛ أي ٱذكر لهم حين قال يوسف. وقراءة العامة بضم السين. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف «يُؤْسِف» بالهمز وكسر السين. وحكى أبو زيد «يؤسَف» بالهمز وفتح السين. ولم ينصرف لأنه أعجميّ؛ وقيل: هو عربيّ. وسئل أبو الحسن الأقطع ـ وكان حكيماً ـ عن «يوسف» فقال: الأسف في اللغة الحزن والأسِيف العبد، وقد ٱجتمعا في يوسف؛ فلذلك سمي يوسف. {لأَبِيهِ يٰأَبتِ} بكسر التاء قراءة أبي عمرو وعاصم ونافع وحمزة والكسائي، وهي عند البصريين علامة التأنيث أدخلت على الأب في النداء خاصة بدلاً من ياء الإضافة، وقد تدخل علامة التأنيث على المذكر فيقال: رجل نُكَحَة وهُزأة؛ قال النحاس: إذا قلت «يَا أَبَتِ» بكسر التاء فالتاء عند سيبويه بدل من ياء الإضافة؛ ولا يجوز على قوله الوقف إلا بالهاء، وله على قوله دلائل: منها ـ أن قولك: «يا أبه» يؤدّي عن معنى «يا أبي»؛ وأنه لا يقال: «يا أبت» إلا في المعرفة؛ ولا يقال: جاءني أبت، ولا تستعمل العرب هذا إلا في النداء خاصة، ولا يقال: «يا أبتي» لأن التاء بدل من الياء فلا يُجمع بينهما. وزعم الفراء أنه إذا قال: «يَا أَبتِ» فكسر دلّ على الياء لا غير؛ لأن الياء في النية. وزعم أبو إسحاق أن هذا خطأ، والحق ما قال؛ كيف تكون الياء في النية وليس يقال: «يا أبتي»؟ٰ وقرأ أبو جعفر والأعرج وعبد الله بن عامر «يا أبَت» بفتح التاء؛ قال البصريون: أرادوا «يا أبتي» بالياء، ثم أبدلت الياء ألفاً فصارت «يا أبتا» فحذفت الألف وبقيت الفتحة على التاء. وقيل: الأصل الكسر، ثم أبدل من الكسرة فتحة، كما يبدل من الياء ألف فيقال: يا غلاماً أقبل. وأجاز الفراء «يا أبتُ» بضم التاء. {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً} ليس بين النحويين اختلاف أنه يقال: جاءني أحدَ عشَر، ورأيت ومررت بأحدَ عشر، وكذلك ثلاثةَ عشَر وتسعةَ عشَر وما بينهما؛ جعلوا الاسمين ٱسماً واحداً وأعربوهما بأخف الحركات. قال السّهيليّ: أسماء هذه الكواكب جاء ذكرها مسنداً؛ رواه الحرث بن أبي أسامة قال: جاء بستانة ـ وهو رجل من أهل الكتاب ـ فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأحد عشر كوكباً الذي رأى يوسف فقال: «الحرثان والطارق والذيال وقابِس والمصبح والضروح وذو الكنفات وذو القرع والفَلِيق ووَثَّاب والعَمُودَان؛ رآها يوسف عليه السلام تسجد له». قال ٱبن عباس وقَتَادة: الكواكب إخوته، والشمس أمه، والقمر أبوه. وقال قَتَادة أيضاً: الشمس خالته، لأن أمه كانت قد ماتت، وكانت خالته تحت أبيه. {رَأَيْتُهُمْ} توكيد. وقال: «رَأَيْتُهُمْ ليِ سَاجِدِينَ» فجاء مذكراً؛ فالقول عند الخليل وسيبويه أنه لما أخبر عن هذه الأشياء بالطاعة والسّجود وهما من أفعال من يعقل أخبر عنها كما يخبر عمن يعقل. وقد تقدم هذا المعنى في قوله: {أية : وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ}. تفسير : [الأعراف: 198] والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل إذا أنزلوه منزلته، وإن كان خارجاً عن الأصل.

المحلي و السيوطي

تفسير : اذكر {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَِبِيهِ } يعقوب {يَا أَبَتِ} بالكسر دلالة على ياء الإضافة المحذوفة والفتح دلالة على ألف محذوفة قلبت عن الياء { إِنِّى رَأَيْتُ } في المنام {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ } تأكيد {لِى سَاجِدِينَ } جمع بالياء والنون للوصف بالسجود الذي هو من صفات العقلاء.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحَدَ عشر كوكباً والشمس والقمر} فيه قولان: أحدهما: أنه رأى إخوته وأبويه ساجدين له فثنى ذكرهم، وعنى بأحد عشر كوكباً إخوته وبالشمس أباه يعقوب، وبالقمر أمه راحيل رآهم له ساجدين، فعبر عنه بما ذكره، قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: أنه رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدين له فتأول الكواكب إخوته، والشمس أباه، والقمر أمه، وهو قول الأكثرين. وقال ابن جريج: الشمس أمه والقمر أبوه، لتأنيث الشمس وتذكير القمر. وروى السدي عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من اليهود يقال له بستانة فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رأها يوسف أنها ساجدة له ما أسماؤها، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجب بشيء، فنزل عليه جبريل بأسمائها قال فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وقال "حديث : أنت تؤمن إن أخبرتك بأسمائها"؟ تفسير : فقال نعم، فقال: "حديث : جريان، والطارق والذيال وذو الكتفين وقابس والوثّاب والعمودان والفليق والمصبح والضروح وذو الفرع والضياء والنور" تفسير : فقال اليهودي: بلى والله إنها لأسماؤها. وفي إعادة قوله {رأيتهم لي ساجدين} وجهان: أحدهما: تأكيداً للأول لبعد ما بينهما قاله الزجاج. الثاني: أن الأول رؤيته لهم والثاني رؤيته لسجودهم. وفي قوله {ساجدين}وجهان: أحدهما: أنه السجود المعهود في الصلاة إعظاماً لا عبادة. الثاني: أنه رآهم خاضعين فجعل خضوعهم سجوداً، كقول الشاعر: شعر : ... ... ... ... ترى الأكم فيه سُجّداً للحوافر

ابن عطية

تفسير : العامل في {إذ} فعل مضمر تقديره: اذكر {إذ} ويصح أن يعمل فيه {أية : نقص} تفسير : [يوسف: 3] كأن المعنى: نقص عليك الحال {إذ} وحكى مكي أن العامل فيه {أية : لمن الغافلين} تفسير : [يوسف: 3]، وهذا ضعيف. وقرأ طلحة بن مصرف "يؤسَف" بالهمز وفتح السين - وفيه ست لغات: "يُوسُف" بضم الياء وسكون الواو وبفتح السين وبضمها وبكسرها وكذلك بالهمز. وقرأ الجمهور "يا أبتِ" بكسر التاء حذفت الياء من أبي وجعلت التاء بدلاً منها، قاله سيبويه، وقرأ ابن عامر وحده وأبو جعفر والأعرج: "يا أبتَ" بفتحها، وكان ابن كثير وابن عامر يقفان بالهاء؛ فأما قراءة ابن عامر بفتح التاء فلها وجهان: إما أن يكون: "يا أبتا"، ثم حذفت الألف تخفيفاً وبقيت الفتحة دالة على الألف، وإما أن يكون جارياً مجرى قولهم: يا طلحة أقبل، رخموه ثم ردوا العلامة ولم يعتد بها بعد الترخيم، وهذا كقولهم: اجتمعت اليمامة ثم قالوا: اجتمعت أهل اليمامة، فردوا لفظة الأهل ولم يعتدوا بها، وقرأ أبو جعفر والحسن وطلحة بن سليمان: "أحد عْشر كوكباً" بسكون العين لتوالي الحركات، ويظهر أن الاسمين قد جعلا واحداً. وقيل: إنه قد رأى كواكب حقيقة والشمس والقمر فتأولها يعقوب إخوته وأبويه، وهذا قول الجمهور، وقيل: الإخوة والأب والخالة لأن أمه كانت ميتة، وقيل إنما كان رأى إخوته وأبويه فعبر عنهم بالكواكب والشمس والقمر، وهذا ضعيف ترجم به الطبري، ثم أدخل عن قتادة والضحاك وغيرهما كلاماً محتملاً أن يكون كما ترجم وأن يكون مثل قول الناس، وقال المفسرون: {القمر} تأويله: الأب، و {الشمس} تأويلها: الأم، فانتزع بعض الناس من تقديمها وجوب بر الأم وزيادته على بر الأب، وحكى الطبري عن جابر بن عبد الله أن يهودياً يسمى بستانة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني عن أسماء الكواكب التي رآها يوسف عليه السلام، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل جبريل عليه السلام فأخبره بأسمائها، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهودي، فقال: حديث : هل أنت مؤمن إن أخبرتك بذلك؟ قال: نعم، قال: حربان، والطارق، والذيال، وذا الكنفان، وقابس، ووثاب، وعمودان والفيلق، والمصبح، والضروح، وذو الفرغ، والضياء، والنور تفسير : فقال اليهودي: أي والله إنها لأسماؤها. وتكرر {رأيتهم} لطول الكلام وجرى ضمائر هذه الكواكب في هذه الآية مجرى ضمائر من يعقل إنما كان لما وصفت بأفعال هي خاصة بمن يعقل. وروي أن رؤيا يوسف كانت ليلة القدر ليلة جمعة، وأنها خرجت بعد أربعين سنة، وقيل: بعد ثمانين سنة.

ابن عبد السلام

تفسير : {رَأَيْتُ} رأى أبويه وإخوته ساجدين له فعبّر عنهم بالشمس والقمر والكواكب فالشمس أبوه والقمر أمه راحيل "ع" أو رأى الكواكب والشمس والقمر فتأولهم بإخوته والقمر بأُمه والشمس بأبيه عند الأكثرين، أو الشمس أمه والقمر أبوه لتأنيثها وتذكير القمر، {رَأَيْتُهُمْ} تأكيد {رَأَيْتُ} الأول لبعد ما بينهما، أو رؤيته الأولى لهم والثانية لسجودهم، {سَاجِدِينَ} كسجود الصلاة إعظاماً لا عبادة، أو عبّر عن الخضوع بالسجود. وكانت رؤياه ليلة القدر في ليلة الجمعة، فلما قصّها على يعقوب خاف عليه حسد إخوته، فقال: هذه رؤيا ليل فلا تعمل عليها، فلما خلا به قال: {أية : لاَ تَقْصُصْ رُءْيَاكَ}تفسير : [يوسف: 5]، وقيل كان عمره عند الرؤيا سبع عشرة سنة. ويوسف أعجمي عبراني، أو عربي من الأسف لأنه حزن وأحزن.

النسفي

تفسير : {إِذْ قَالَ } بدل اشتمال من {أحسن القصص} لأن الوقت مشتمل على القصص أو التقدير: أذكر إذ قال {يُوسُفَ } اسم عبراني لا عربي إذ لو كان عربياً لانصرف لخلوه عن سبب آخر سوى التعريف {لأَبِيهِ } يعقوب {يَاأبَتِي} {أبتَ} شامي وهي تاء تأنيث عوضت عن ياء الإضافة لتناسبهما، لأن كل واحدة منهما زائدة في آخر الاسم ولهذا قلبت هاء في الوقف. وجاز إلحاق تاء التأنيث بالمذكر كما في رجل ربعة، وكسرت التاء لتدل على الياء المحذوفة. ومن فتح التاء فقد حذف الألف من «يا أبتا» واستبقى الفتحة قبلها كما فعل من حذف الياء في «يا غلام» { إِنّى رَأَيْتُ } من الرؤيا لا من الرؤية {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا } أسماؤها ببيان النبي عليه السلام: جريان والذيال والطارق وقابس وعمودان والفليق والمصبح والصروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } هما أبواه أو أبوه وخالته والكواكب إخوته. قيل: الواو بمعنى «مع» أي رأيت الكواكب مع الشمس والقمر. وأجريت مجرى العقلاء في {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } لأنه وصفها بما هو المختص بالعقلاء وهو السجود وكررت الرؤيا لأن الأولى تتعلق بالذات والثانية بالحال، أو الثانية كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جواباً له كأن أباه قال له: كيف رأيتها؟ فقال: رأيتهم لي ساجدين أي متواضعين وهو حال، وكان ابن ثنتي عشرة سنة يومئذ وكان بين رؤيا يوسف ومصير إخوته إليه أربعون سنة أو ثمانون.

الخازن

تفسير : {إذ قال يوسف لأبيه} أي اذكر يا محمد لقومك قول يوسف لأبيه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلى الله عليه وعليهم أجمعين (خ) عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم"تفسير : ويوسف اسم عبري ولذلك لا يجري فيه الصرف وقيل هو عربي سئل أبو الحسن الأقطع عن يوسف فقال الأسف أشد الحزن والأسيف العبد واجتمعا في يوسف فسمي به {يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} معناه قال أهل التفسير: رأى يوسف في منامه كأن أحد عشر كوكباً نزلت من السماء ومعها الشمس والقمر فسجدوا له وكانت هذه الرؤيا ليلة الجمعة وكانت ليلة القدر وكان النجوم في التأويل إخوته وكانوا أحد عشر رجلاً يستضاء بهم كما يستضاء بالنجوم والشمس أبوه والقمر أمه في قول قتادة، وقال السدي: القمر خالته لأن أمه راحيل كانت قد ماتت. وقال قتادة وابن جريج: القمر أبوه والشمس أمه لأن الشمس مؤنثة والقمر مذكر وكان يوسف عليه السلام ابن اثنتي عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة سنة وقيل سبع سنين وأراد بالسجود تواضعهم له ودخولهم تحت أمره وقيل أراد به حقيقة السجود لأنه كان في ذلك الزمان التحية فيما بينهم السجود. فإن قلت: إن الكواكب جماد لا تعقل فكيف عبر عنها بكناية من يعقل في قوله رأيتهم ولم يقل رأيتها وقوله: ساجدين ولم يقل ساجدات. قلت: لما أخبرنا عنها بفعل من يعقل وهو السجود كنى عنها بكناية من يعقل فهو كقوله {أية : يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم}تفسير : [النمل: 18] وقيل إن الفلاسفة والمنجمين يزعمون أن الكواكب أحياء نواطق حساسة فيجوز أن يعبر عنها بكناية من يعقل وهذا القول ليس بشيء والأول أصح فإن قلت قد قال {إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر} ثم أعاد لفظ الرؤيا ثانياً فقال {رأيتهم لي ساجدين} فما فائدة هذا التكرار. قلت: معنى الرؤيا الأولى أنه رأى أجرام الكواكب والشمس والقمر ومعنى الرؤيا الثانية أنه أخبر بسجودها له وقال بعضهم. معناه أنه لمَّا قال: {إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر} فكأنه قيل له: وكيف رأيت؟ قال: {رأيتهم لي ساجدين} وإنما أفرد الشمس والقمر بالذكر وإن كانا من جملة الكواكب للدلالة على فضلهما وشرفهما على سائر الكواكب قال أهل التفسير: إن يعقوب عليه الصلاة والسلام كان شديد الحب ليوسف عليه الصلاة والسلام فحسده إخوته لهذا السبب وظهر ذلك ليعقوب، فلما رأى يوسف هذه الرؤيا وكان تأويلها أن إخوته وأبويه يخضعون له فلهذا {قال} يعقوب {يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك} يعني لا تخبرهم برؤياك فإنهم يعرفون تأويلها {فيكيدوا لك كيداً} أي: فيحتالوا في إهلاكك فأمره بكتمان رؤياه عن إخوته لأن رؤيا الأنبياء وحي وحق واللام في فيكيدوا لك كيداً تأكيداً للصلة كقولك: نصحتك ونصحت لك وشكرتك وشكرت لك {إن الشيطان للإنسان عدو مبين} يعني أنه بيّن العداوة، لأن عداوته قديمة فهم إن أقدموا على الكيد كان ذلك مضافاً إلى تزيين الشيطان ووسوسته (ق) عن أبي قتادة قال: كنت أرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب وإذا رأى أحدكم ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثاً وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم وشرها فإنها لن تضره"تفسير : (خ). عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها من الله فليحمد الله عليها وليحدِّث بها وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من الشيطان ومن شرِّها ولا يذكرها لأحد فإنها لن تضره"تفسير : (م) عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثاً وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثاً وليتحول عن جنبه الذي كان عليه"تفسير : عن أبي رزين العقيلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رؤيا المؤمن جزء من أربعين وفي رواية جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا حدث بها سقطت قال وأحسبه قال ولا يحدث بها إلا لبيباً أو حبيباً"تفسير : أخرجه الترمذي، ولأبي داود نحوه قال الشيخ محيي الدين النووي قال المازري مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه جعلها علماً على أمور أخر يجعلها في ثاني الحال والجميع خلق الله تعالى ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي يجعلها علماً على ما سر بغير حضرة الشيطان فإذا خلق ما هو علم على ما يضر يكون بحضرة الشيطان فينسب إلى الشيطان مجازاً وإن كان لا فعل له في الحقيقة فهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : الرؤيا من الله والحلم من الشيطان"تفسير : لا على أن الشيطان يفعل شيئاً والرؤيا اسم للمحبوب والحلم اسم للمكروه، وقال غيره: إضافة الرؤيا المحبوبة إلى الله تعالى إضافة تشريف بخلاف الرؤيا المكروهة وإن كانتا جميعاً من خلق الله وتدبيره وإرادته ولا فعل للشيطان فيها ولكنه يحضر المكروهة ويرتضيها فيستحب إذا رأى الرجل في منامه ما يحب أن يحدث به من يحب وإذا رأى ما يكره فلا يحدث به وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن شرها وليتفل ثلاثاً وليتحول إلى جنبه الآخر فإنها لا تضره فإن الله تعالى جعل هذه الأسباب سبباً لسلامته من المكروه كما جعل الصدقة سبباً لوقاية المال وغيره من البلاء والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَٰأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ }: قيل: إِنه رأَى كواكِبَ حقيقةً، والشمْسَ والقَمَرَ، فتأوَّلها يعقوبُ إِخْوَتَهُ وأَبَوَيْهِ، وهذا هو قولُ الجمهور، وقيل: الإِخوةُ والأَبُ والخالةُ؛ لأَنَّ أُمَّه كانتْ ميِّتة، وروي أن رُؤْيَا يوسُفَ خَرَجَتْ بَعْدَ أربعينَ سَنَةً، وقيل: بعد ثمانينَ سَنَةً. وقوله: {قَالَ يَٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا } مِنْ هنا ومِنْ فعْل إِخوة يوسُفَ بيوسُفَ: يظهر أنَّهم لم يكُونوا أَنبياءَ في ذلك الوقْتِ، وما وَقَعَ في «كتاب الطَّبريِّ» لابْنِ زَيْد؛ أنهم كانُوا أنبياءَ يردُّه القطْعُ بعصمة الأنبياءِ عن الحَسَدِ الدنيوي، وعن عقوقِ الآباءِ، وتعريض مؤمنٍ للهلاكِ، والتآمرِ في قتله. {وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ }: أي: يختارُكَ ويصطفيك. {وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } قال مجاهد وغيره: هي عبارةُ الرؤيا وقال الحسن: هي عواقِبُ الأمور وقيل: هي عامَّة لذلك وغيره من المغيَّبات. {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ...} الآية: يريد بالنبوَّة وما ٱنضاف إِلَيْها من سائر النِّعَم، ويروَى: أَنَّ يعقُوبَ عَلِمَ هَذا مِنْ دَعْوَة إِسْحَاقَ لَهُ حِينَ تشبَّه بـــ «عِيصُو»، وباقي الآية بيِّن.

البقاعي

تفسير : ولما تم ما أراد تعالى من تعليل الوصف بالمبين أبدل من قوله "أحسن القصص" قوله: {إذ} أي نقص عليك خبر إذ، أي خبر يوسف إذ {قال يوسف} أي ابن يعقوب إسرائيل الله عليهما الصلاة والسلام {لأبيه} وبين أدبه بقوله - مشيراً بأداة البعد إلى أن أباه عالي المنزلة جداً، وإلى أن الكلام الآتي مما له وقع عظيم، فينبغي أن يهتم بسماعه والجواب عليه، وغير ذلك من أمره: {يأبت} تاءه للتأنيث لأنه يوقف عليها عند بعض القراء بالهاء، وكسرتها عند من كسر دالة على ياء الإضافة التي عوض عنها تاء التأنيث، واجتماع الكسرة معها كاجتماعها مع الياء، وفتحها عند من فتح عوض عن الألف القائمة مقام ياء الإضافة. ولما كان صغيراً، وكان المنام عظيماً خطيراً، اقتضى المقام التأكيد فقال: {إني رأيت} أي في منامي، فهو من الرؤيا التي هي رؤية في المنام، فرق بين حال النوم واليقظة في ذلك بألف التأنيث {أحد عشر كوكباً} أي نجماً كبيراً ظاهراً جداً مضيئاً براقاً، وفي عدم تكرار هذه القصة في القرآن رد على من قال: كررت قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تمكيناً لفصاحتها بترادف السياق، وفي تكرير قصصهم رد على من قال: إن هذه لم تكرر لئلا تفتر فصاحتها، فكأن عدم تكريرها لأن مقاصد السور لم تقتض ذلك - والله أعلم. ولما كان للنيرين اسمان يخصانهما هما في غاية الشهرة، قال معظماً لهما: {والشمس والقمر} ولما تشوفت النفس إلى الحال التي رآهم عليها، فكان كأنه قيل: على أيّ حال؟ وكانت الرؤيا باطن البصر الذي هو باطن النظر، فكان التعبير بها للإشارة إلى غرابة هذا الأمر، زاد في الإشارة إلى ذلك بإعادة الفعل، وألحقه ضمير العقلاء لتكون دلالته على كل من عجيب أمر الرؤيا ومن فعل المرتى الذي لا يعقل فعل العقلاء من وجهين فقيل: {رأيتهم لي} أي خاصة {ساجدين *} أجراهم مجرى العقلاء لفعل العقلاء. فكأنه قيل: ماذا قال له أبوه؟ فقيل: {قال} عالماً بأن إخوته سيحسدونه على ما تدل عليه هذه الرؤيا إن سمعوها {يابني} فبين شفقته عليه، وأكد النهي بإظهار الإدغام فقال: {لا تقصص رؤياك} أي هذه {على إخوتك} ثم سبب عن النهي قوله: {فيكيدوا} أي فيوقعوا {لك كيداً} أي يخصك، فاللام للاختصاص. وفي الآية دليل على أنه لا نهي عن الغيبة للنصيحة، بل هي مما يندب إليه؛ قال الرماني: والرؤيا: تصور المعنى في المنام على توهم الإبصار، وذلك أن العقل مغمور بالنوم، فإذا تصور الإنسان المعنى توهم أنه يراه؛ وقال الإمام الرازي في اللوامع: هي ركود الحواس الظاهرة عن الإدراك والإحساس، وحركة المشاعر الباطنة إلى المدارك، فإن للنفس الإنسانية حواسَّ ظاهرة ومشاعر باطنة، فإذا سكنت الحواس الظاهرة استعملت الحواس الباطنة في إدراك الأمور الغائبة، فربما تدركها على الصورة التي هي عليها، فلا يحتاج إلى تعبير، وربما تراها في صورة محاكية مناسبة لها فيحتاج إلى التعبير، مثال الأول رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل المسجد الحرام، والثاني كرؤيا يوسف عليه الصلاة والسلام هذه. وقال الرماني: والرؤيا الصادقة لها تأويل، والرؤيا الكاذبة لا تأويل لها - انتهى. وهذا لمن ينام قلبه وهم من عدا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ولما كانت العادة جارية بأن شفقة الإخوة تمنع من مثل ذلك، علله تقريباً له بقوله: {إن الشيطان} أي المحترق المبعد {للإنسان} أي عامة ولا سيما الأكابر منهم {عدو مبين *} أي واضح العداوة وموضحها لكل واع فيوقع العداوة بما يخيله من فوت الحظوظ بتركها، وفي الآية دليل على أن أمر الرؤيا مشكل، فلا ينبغي أن تقص إلا على شفيق ناصح.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد والبخاري عن ابن عمر رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وابن مردوية عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إني رأيت أحد عشر كوكباً} قال رؤيا الأنبياء وحي. وأخرج سعيد بن منصور والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والعقيلي وابن حبان في الضعفاء، وأبو الشيخ والحاكم وصححه، وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في دلائل النبوة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: حديث : جاء بستاني يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا محمد، أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف عليه السلام ساجدة له، ما أسماؤها؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشيء. فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بأسمائها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البستاني اليهودي فقال: هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟ قال نعم. قال: حرثان والطارق والذيال وذو الكفتان وقابس ودثان وهودان والفيلق والمصبح والضروح والفريخ والضياء والنور، رآها في أفق السماء ساجدة له، فلما قص يوسف على يعقوب قال: هذا أمر مشتت يجمعه الله من بعد، فقال اليهودي: أي والله، أنها لأسماؤها . تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {أحد عشر كوكباً} قال: إخوته. والشمس قال امه، والقمر: قال أبوه، ولأمه راحيل ثلث الحسن. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {أحد عشر كوكباً والشمس والقمر} قال: الكواكب إخوته، والشمس والقمر أبواه. وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه في قوله {إني رأيت أحد عشر كوكباً} الآية. قال: رأى أباه وإخوته سجوداً له. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في الآية قال: قال إخوته - وكانوا أنبياء - ما رضي أن يسجد له إخوته حتى سجد له أبواه حين بلغهم. وأخرج أبو الشيخ عن ابن منبه عن أبيه قال: كانت رؤيا يوسف عليه السلام ليلة القدر.

ابو السعود

تفسير : {إِذْ قَالَ يُوسُفُ} نُصب بإضمار اذكرْ وشروعٌ في القصة إنجازاً للوعد بأحسنِ الاقتصاصِ، أو بدلٌ من أحسنَ القصصِ على تقدير كونِه مفعولاً بدلَ اشتمالٍ فإن اقتصاصَ الوقتِ المشتملِ على المقصوص من حيث اشتمالُه عليه اقتصاصٌ للمقصوص، ويوسُفُ اسمٌ عبريٌّ لا عربـيٌّ لخلوّه عن سبب آخرَ غيرِ التعريف، وفتح السين وكسرها على بعض القراءات بناءً على التلعّب به لا على أنه مضارعٌ بُني للمفعول أو الفاعلِ من آسَف لشهادة المشهورة بعجمته {لأَبِيهِ} يعقوبَ بنِ إسحاقَ بن إبراهيمَ عليهم الصلاة والسلام، وقد روي عنه عليه السلام: «حديث : إن الكريمَ ابنَ الكريمِ ابنِ الكريمِ ابن الكريم يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ»تفسير : {يا أبت} أصله يا أبـي فعوِّض عن الياء تاءُ التأنيثِ لتناسُبهما في الزيادة فلذلك قُلبت هاءً في الوقف على قراءة ابن كثير، وأبـي عمرو، ويعقوبَ، وكسرتُها لأنها عوضٌ عن حرف يناسبها وفتحها ابنُ عامر في كل القرآن لأنها حركةُ أصلها، أو لأن الأصلَ يا أبتا فحُذف الألفُ وبقيت الفتحة، وإنما لم يُجز يا أبتي لأنه جمعٌ بـين العِوض والمعوَّض، وقرىء بالضم إجراءً لها مُجرى الألفاظِ المؤنثة بالتاء من غير اعتبار التعويضِ وعدم تسكينها كأصلها لأنها حرفٌ صحيحٌ منزلٌ منزلةَ الاسمِ فيجب تحريكها ككاف الخطاب. {إِنّى رَأَيْتُ} من الرؤيا لا من الرؤية لقوله: {أية : لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ}تفسير : [يوسف: 5] {أية : هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَـٰى} تفسير : [يوسف: 100] ولأن الظاهرَ أن وقوعَ مثلِ هذه الأمور البديعةِ في عالم الشهادةِ لا يختص برؤية راءٍ دون راءٍ فيكون طامّةً كبرى لا يخفى على أحد من الناس {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} روي عن جابر رضي الله عنه: (حديث : أن يهودياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني يا محمد عن النجوم التي رآهن يوسُف عليه السلام، فسكت النبـيُّ عليه السلام فنزل جبريلُ عليه السلام فأخبره بذلك فقال عليه السلام: "إذا أخبرتك بذاك هل تسلم؟" فقال: نعم، قال عليه السلام: "جريانُ والطارقُ والذيال وقابسُ وعمودان والفليقُ والمصبحُ والضّروحُ والفرعُ ووثّابُ وذو الكتفين، رآها يوسف عليه السلام والشمس والقمر ونزلن من السماء وسجَدْن له" فقال اليهوديُّ: إي والله إنها لأسماؤها)تفسير : وقيل: الشمس والقمرُ أبواه، وقيل: أبواه، وقيل: أبوه وخالتُه والكواكبُ إخوتُه، وإنما أُخِّر الشمسُ والقمر عن الكواكب لإظهار مزيتِهما وشرفِهما على سائر الطوالعِ بعطفهما عليهما كما في عطف جبريلَ وميكائيلَ على الملائكة عليهم السلام وقد جُوِّز أن تكون الواو بمعنى مع أي رأيت الكواكبَ مع الشمس والقمر، ولا يبعُد أن يكون ذلك إشارةً إلى تأخر ملاقاتِه عليه السلام لهما عن ملاقاته لإخوته. وعن وهب أن يوسفَ عليه السلام رأى وهو ابنُ سبعِ سنين أن إحدى عشرةَ عصاً طِوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الداوة وإذا عصاً صغيرةٌ تثب عليها حتى اقتلعتْها وغلبتْها فوصف ذلك لأبـيه فقال: إياك أن تذكرَ هذا لإخوتك، ثم رأى وهو ابن ثنتي عشرةَ سنةً الشمسَ والقمرَ والكواكبَ تسجُد له فقصّها على أبـيه، فقال: لا تقصَّها عليهم فيبغوا لك الغوائل، وقيل: كان بـين رؤيا يوسفَ ومصير إخوتِه إليه أربعون سنةً، وقيل: ثمانون {رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ} استئنافٌ ببـيان حالِهم التي رآهم عليها كأن سائلاً سأل فقال: كيف رأيتهم؟ فأجاب بذلك، وإنما أُجريت مُجرى العقلاءِ في الضمير لوصفها بوصف العقلاءِ السجود، وتقديمُ الجار والمجرور لإظهار العنايةِ والاهتمام بما هو الأهمُّ مع ما في ضمنه من رعاية الفاصلة.

القشيري

تفسير : لما ذكر يوسف - عليه السلام - رؤياه لأبيه عَلِمَ يعقوبُ - عليه السلام صِدْقَ تعبيرها، ولذلك كان دائم التذكُّر ليوسف مدةَ غيبته، وحين تطاولتْ كان يَذْكُرُه حتى قالوا: {أية : تَاللهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ}تفسير : [يوسف: 85] فقال: {أية : إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [يوسف: 96] فهو كان على ثقةٍ من صِدْقِ رؤياه. فإنْ قيل: فإذا كان الصبيُّ لا حُكْم لِفْعلِه فكيف يكون حكم لرؤياه؟ وما الفرق؟ فيقال: إن الفعل بِتَعَمُّدٍ يحصل فيكون مُعْرَّضاً لتقصير فاعله، أمَّا الرؤيا فلا تكون بتعمد منه فتنسب إلى نقصان. ويقال إنَّ حقَّ السِّرِّ ولو كان على مَنْ هو قريب منك؛ فإن يوسف لما أظهر سِرَّ رؤياه على أبيه اتصل به البلاءُ.

اسماعيل حقي

تفسير : {اذ قال يوسف} اى اذكر يا محمد وقت قول يوسف وهو اسم عبرى ولذا لم ينصرف للعجمة والتعريف ولو كان عربيا لانصرف والعبرى والعبرانى لغة ابراهيم عليه السلام كما ان السريانى هى اللغة التى تكلم بها آدم عليه السلام. قال السيوطى السريانى منسوب الى سريانة وهى ارض الجزيرة التى كان نوح وقومه قبل الغرق فيها وكان لسانهم سريانيا الا رجلا واحدا يقال له جرهم وكان لسانه عربيا. قال فى انوار المشارق من اللطائف الاتفاقية ان الاسف فى اللغة الحزن والاسيف العبد وقد اتفق اجتماعهما فى يوسف {لابيه} يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم. قال بعض من مال الى الاشتقاق فى هذه الاسماء انما سمى يعقوب لان يعقوب وعيصا كانا توأمين فاقتتلا فى بطن امهما حيث أراد يعقوب ان يخرج فمنعه عيص وقال لئن خرجت قبلى لاعترضن فى بطن امى فلا قتلنها فتأخر يعقوب فخرج عيص فاخذ يعقوب بعقب عيص فخرج بعده فلذا سمى به وسمى الآخر عيصا لما عصى وخرج قبل يعقوب وكان عيص رجلا اشعر وكان يعقوب اجرد وكان عيص احبهما الى ابيه وكان يعقوب احبهما الى امه وكان عيص صاحب صيد وكان يعقوب صاحب غنم فلما كبر اسحاق وعمى قال لعيص يوما يا بنى اطعمنى لحم صيد واقترب منى ادع لك بدعاء دعالى به ابى هو دعاء النبوة وكان لكل نبى دعوة مستجابة وآخر رسولنا صلى الله عليه وسلم دعاءه للشفاعة العظمى يوم القيامة فخرج عيص لطلب صيد فقالت امه ليعقوب يا بنى اذهب الى الغنم فاذبح منها شاة ثم اشوها والبس جلدها وقدمها الى ابيك قبل اخيك وقال له انا ابنك عيص يدعو لك ما وعده لاخيك فلما جاء يعقوب بالشواء قال يا ابت كل قال من انت قال ابنك عيص فمسه فقال المس مس عيص والريح ريح يعقوب. يقول الفقير والاسلم ان يقال ان امه احضرت الشواء بين يدى اسحاق وقالت ان ابنك جاءك بشواء فادع له فظن اسحاق انه عيص فاكل منه ثم دعا لمن جاء به ان يجعل الله فى ذريته الانبياء والملوك فذهب يعقوب ولما جاءه عيص قالت يا ابت قد جئتك بالصيد الذى اردت فعلم اسحاق الحال وقال يا بنى قد سبقك اخوك ولكن بقيت لك دعوة فهلم ادعو لك بها فدعا ان يكون ذريته عدد التراب فاعطى الله له نسلا كثيرا وجملة الروم من ولده روم وكان اسحاق متوطنا فى كنعان واسماعيل مقيما فى مكة فلما بلغ اسحاق الى مائة وثمانين من العمر وحضرته الوفاة وصى سرا بان يخرج يعقوب الى خاله فى جانب الشام حذرا من ان يقتله اخوه عيص حسدا لانه اقسم بالله فى قصة الشواء ان يقتل يعقوب فانطلق الى خاله ليا بن ناهز واقام عنده وكان لخاله بنتان احداهما لايا وهى كبراهما والاخرى راحيل وهى صغراهما فخطب يعقوب الى خاله بان يزوجه احداهما فقال له خاله هل هلك مال قال لا ولكن اعمل لك فقال نعم صداقها ان تخدمنى سبع سنين فقال يعقوب اخدمك سبع سنين على ان تزوجنى راحيل قال ذلك بينى وبينك فرعى له يعقوب سبع سنين فزوجه الكبرى وهى لايا قال له يا يعقوب انك خدعتنى انما اردت راحيل فقال له خاله انا لا ننكح الصغيرة قبل الكبيرة فهلم فاعمل سبع سنين اخرى فازوجك اختها وكان الناس يجمعون بين الاختين الى ان بعث الله موسى عليه السلام فرعى له سبع سنين اخرى فزوجه راحيل فجمع بينهما وكان خاله حين جهزها دفع الى كل من واحدة منهما امة تخدمها اسم احداهما زلفة والاخرى بلهة فوهبتا الامتين ليعقوب فولدت لايا ستة بنين وبنتا واحدة روبيل. شمعون. يهودا. لاوى. يسجر. زيالون. دنية وولدت زلفة ابنين دان. يغثالى وولدت بلهة ايضا ابنين جاد. آشر وبقيت راحيل عاقرا سنين ثم حملت وولدت يوسف وليعقوب من العمر احدى وتسعون سنة واراد يعقوب ان يهاجر الى موطن ابيه اسحاق بكل الحواشى وكان ليوسف خال له اصنام من ذهب فقالت لايا ليوسف اذهب واسترق منه صنما لعلنا نستنفق منه فذهب يوسف فأخذ صنما. يقول الفقير والاسلم ان خاله وهو ابو امرأته جهزه كما فى بعض الكتب فخرج وقد رفع الله ما فى قلب عيص من العداوة شعر : كفر ايمان كشت وديواسلام يافت آن طرف كان نور بى اندازه يافت تفسير : فلما التقيا تعانقا وكانا على المصافاة وفى سنة الهجرة حملت راحيل بنيامين وماتت فى نفاسها ويوسف ابن سنتين وكان احب الاولاد الى يعقوب وحين صار ابن سبع سنين رأى فى المنام ان احدى عشرة عصا طوالا كانت مركوزة فى الارض كهيئة الدائرة واذا عصا صغيرة تثب عليها حتى اقتلعتها وغلبتها فوصف ذلك لابيه فقال اياك ان تذكر هذا لاخوتك ثم رأى ليلة الجمعة وكانت ليلة القدر وهو ابن ثنتى عشرة سنة او سبع عشرة ما حكى الله تعالى عنه بقوله {يا ابت} [كويند يوسف دركنار بدر در خواب بود ناكاه سراسيمه از خواب در آمد بس يعقوب كفت اى بسر تراجه رسيد كفت] يا ابت واصله يا ابى فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما فى ان كل واحدة زيادة مضمومة الى آخر الاسم او لان التاء تدل فى بعض المواضع على التفخيم كما فى علامة ونسابة والاب والام مظنتا التفخيم كما اختاره الرضى. والمعنى بالفارسية [اى بدر خواب عجب ديدم] {انى رأيت} فى المنام فهو من الرؤيا لا من الرؤية لقوله {أية : لا تقصص رؤياك } تفسير : قال فى الكواشى الرؤيا فى المنام والرؤية فى العين والرأى فى القلب {احد عشر كوكبا والشمس والقمر} [ومن برسر كوهى بلند بودم كه حوالئ او نهار جارى واشجار سبزبود] وعطف الشمس والقمر على كوكبا تخصيصا اى لاظهار شرفهما على سائر الطوالع كعطف الروح على الملائكة ثم استأنف على تقدير كيف رأيت فقال {رأيتهم لى ساجدين} [اين ستار كان وتيرين فرود آمدند ومن در ايشان نكرستم ديدم مرا سجود كنند كان] اى سجدة تحية لا سجدة عبادة. قال ابن الشيخ لفظ السجود يطلق على وضع الجبهة على الارض سواء كان على وجه التعظيم والاكرام او على وجه العبادة ويطلق ايضا علىالتواضع والخضوع وانما اجريت مجرى العقلاء فى الضمير لوصفها بوصف العقلاء اعنى السجود - حديث : روى - عن جابر ان يهوديا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اخبرنى يا محمد عن النجوم التى رآهن يوسف فسكت النبى عليه الصلاة والسلام فنزل جبريل فاخبره بذلك فقال عليه السلام"اذا اخبرتك بذلك هل تسلم" قال نعم قال عليه السلام "جريان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكفتين رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له" فقال اليهودى اى والله انها لا سماؤها تفسير : واعلم ان يوسف رأى اخوته فى صورة الكواكب لانه يستضاء بالاخوة ويهدى كما يهدى بالكواكب ورأى اباه وخالته ليا فى صورة الشمس والقمر وانما قلنا خالته لان امه ماتت فى نفاس بنيامين كما مر وسجودهم له دخولهم تحت سلطنته وانقيادهم كما سيأتى فى آخر القصة. قال فى الارشاد ولا يبعد ان يكون تاخير الشمس والقمر اشارة الى تأخر ملاقاته لهما من ملاقاته لاخوته. والاشارة بالاحد عشر كوكبا الى الحواس الخمس الظاهرة من السمع والبصر والشم والذوق واللمس والقوى الست الباطنة من المفكرة والمذكرة والحافظة والمخيلة والواهمة والحس المشترك فان كل واحدة ومن هذه الحواس والقوى كوكب مضيء يدرك به معنى مناسب له وهو اخوة يوسف القلب لانهم تولدوا بازدواج يعقوب والروح واحيل النفس كلهم بنوا اب واحد والاشارة بالشمس والقمر الى الروح والنفس ومقام كمالية الانسان ان يكون للقلب سلطان يسجد له الروح والنفس والحواس والقوى كما سجد الملائكة لآدم اى تنقاد وتصير مسخرة مقهورة تحت يده وهذا هو الفتح المطلق الى اشارت اليه سورة النصر وليس لوارث هذا المقام بقاء فى الدنيا غالبا اى بعد ان تحقق بحقيقته فافهم جدا وكان شيخنا الاجل الا كمل من هذا القسم روح الله روحه وافاض علينا فتوحه وهم يختارون المقام عند ربهم اذا وصلوا الى نهاية مطالبهم كما قال المولى الجامى شعر : اكركنند بمن عرض دنيى وعقبى من آستان تربرهرد وجاى بكزينم تفسير : والموت انسب لكونهم فى مقام العندية لكون التفصيل البرزخى اكثر من التفصيل الدنيوى والا فهم ليسوا فى الدنيا ولا فى العقبى فى حياتهم ومماتهم. ثم اعلم ان الرؤيا عبارة عن ارتسام صورة المرئى وانتقاشها فى مرآة القلب فى النوم دون اليقظة فالرؤيا من باب العلم ولكل علم معلوم ولكل معلوم حقيقة وتلك الحقيقة صورته والعلم عبارة عن وصول تلك الصورة الى القلب وانطباعها فيه سواء كان فى النوم او فى اليقظة فلا محل له غير القلب ولما كان عالم الروح متقدما بالوجود والمرتبة على عالم الاجسام وكان الامداد الربانى الواصل الى الاجسام موقوفا على توسط الارواح بينها وبين الحق وتدبير الاجسام مفوض الى الارواح وتعذر الارتباط بين الارواح والاجسام للمباينة الذاتية الثابتة بين المركب البسيط فان الاجسام كلها مركبة والارواح بسيطة فلا مناسبة بينهما فلا ارتباط وما لم يكن ارتباط لا يحصل تأثير ولا تأثر ولا امداد ولا استمداد فلذلك خلق الله عالم المثال برزخا جامعا بين عالم الارواح وعالم الاجسام ليصح ارتباط احد العالمين بالآخر فيتأتى حصول التأثر والتأثير ووصول الامداد والتدبير وهكذا شان روح الانسان مع جسمه الطبيعى العنصرى الذى يدبره ويشتمل عليه علما وعملا فانه لما كانت المباينة ثابتة بين روحه وبدنه وتعذر الارتباط الذى يتوقف عليه التدبير ووصول المدد اليه خلق الله نفسه الحيوانية برزخا بين البدن والروح المفارق فنفسه الحيوانية من حيث انها قوة معقولة هى بسيطة تناسب الروح المفارق ومن حيث انها مشتملة بالذات على قوى مختلفة متكثرة منبثة فى اقطار البدن متصرفة بتصرفات مختلفة ومحمولة ايضا فى البخار الضبابى الذى فى التجويف الايسر من القلب الصنوبرى تناسب المزاج المركب من العناصر فحصل الارتباط والتأثر والتأثير وتأتى وصول المدد. واذا وضح هذا فاعلم ان القوة الخالية التى فى نشأة الانسان من كونه نسخة من العالم بالنسبة الى العالم المثالى المطلق كالجزء بالنسبة الى الكل وكالجدول بالنسبة الى النهر الذى هو مشرعه وكما ان طرف الجدول الذى يلى النهر متصل به كذلك عالم الخيال الانسانى من حيث طرفه الاعلى متصل بعالم المثال. والمثال نوعان مطلق ومقيد. فالمطلق ما حواه العرش المحيط من جميع الآثار الدنيوية والاخروية. والمقيد نوعان نوع هو مقيد بالنوع ونوع غير مقيد بالنوم مشروط بحصول غيبة وفتور ما فى الحس كما فى الواقعات المشهورة للصوفية واول ما يراه الانبياء عليهم السلام انما هو الصور المثالية المرئية فى النوم والخيال ثم يترقون الى ان يروا الملك فى المثال المطلق او المقيد فى غير حال النوم لكن مع نوع فتور فى الحس وكونهم ماخوذين عن الدنيا عند نزول الوحى انما هو مع بقاء العقل والتمييز ولذا لا ينتقض حينئذ وضوؤهم ولانهم تنام اعينهم ولا تنام قلوبهم لكون بواطنهم محلاة بصفات الله متخلقة باخلاقه مطهرة عن اوصاف البشرية من الحرص والعجز والامل والضعف وغير ذلك مما فيه نقص ظاهرة بالاضافة الى ذروة الكمال فضلا عن النوم لان النوم عجز وضعف وآفة ولو حلت الآفة قلب النبى لجاز ان يحله سائر الآفات من توهم فى الوحى وغفلة عنه وسآمة منه وفزع يمنعه عن واجب عليه. قال بعضهم ان الله قد وكل بالرؤيا ملكا يضرب من الحكمة الامثال وقد اطلعه الله سبحانه على قصص ولد آدم من اللوح المحفوظ فهو ينسخ منها ويضرب لكل قصة مثلا فاذا نام يمثل له تلك الاشياء على طريق الحكمة لتكون بشارة له او نذارة او معاتبة ليكونوا على بصيرة من امرهم وفى شرح الشرعة ان اللوح المحفوظ فى المثال كمرآة ظهر فيها الصور ولو وضع مرآة فى مقابلة اخرى ورفع الحجاب بينهما كانت صورة تلك المرآة تتراءى فى تلك والقلب مرآة تقب رسوم العلوم واشتغاله بشهواته ومقتضى حواسه كأنه حجاب مرسل بينه وبين مطالعة اللوح الذى هو من عالم الملكوت فان هبت ريح الرحمة حرك هذا الحجاب ورفع فيتلألأ فى مرآة القلب شيء من عالم الملكوت كالبرق الخاطف وقد يثبت ويدوم وما دام متيقظا فهو مشغول بما يورده الحس عليه من عالم الشهادة الا من شاء الله تعالى من المؤيدين من عند الله تعالى فاذا ركدت الحواس عند النوم وتخلص القلب من شغلها ومن الخيال وكان صافيا فى جوهوه وارتفع الحجاب وقع فى القلب من اللوح بحسب صفاته الا ان النوم لا يمنع الخيال عن عمله وحركته فما وقع فى القلب من اللوح يبتدره الخيال فيحاكيه بمثال يقاربه وتكون التخيلات اثبت فى الحفظ من غيرها فاذا انتبه من النوم لا يتذكر الا الخيال فيحتاج الرائى الى معبر لينظر بفراسته ان هذا الخيال حكاية أى معنى من المعانى ولهذا السرّ كان من السنة لمن يرى فى منامه شيئا ان يقصه على عالم ناصح والرؤيا ثلاثة. احدها حديث النفس كمن يكون فى امره او حرفة يرى نفسه فى ذلك الامر وكالعاشق يرى معشوقه ونحو ذلك. وثانيها تخويف الشيطان بان يلعب بالانسان فيريه ما يحزنه ومن لعبه به الاحتلام الموجب للغسل وهذان لا تأويل لهما. وثالثها بشرى من الله تعالى بان يأتيك ملك الرؤيا من نسخة ام الكتاب يعنى من اللوح المحفوظ وهو الصحيح وما سوى ذلك اضغاث احلام

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (إذ قال): معمول لاذكر، أو بدل من (أحسن القصص)؛ إن جعل مفعولاً، بدل اشتمال، و(يا أبت): أصله: يا أبي، عوض من الياء تاء التأنيث؛ لتناسبهما في الزيادة، ولذلك قلبت في الوقف هاء، في قراءة ابن كثير وأبي عمر ويعقوب. وإنما أعاد العامل في "رأيتهم"؛ لطول الكلام، وجمع الشمس والقمر والكواكب جمع العقلاء؛ لوصفهم بصفاتهم. يقول الحق جل جلاله: {إذ قال يوسفُ لأَبيهِ} يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم: {يا أبتِ إني رأيتُ} في النوم {أحداً عَشَر كوكباً والشمسَ والقَمَرَ رأيتُهم لي ساجدين}. وقد ذكر البيضاوي حديثاً في تفسير هذه الكواكب فانظره. قيل: إن يوسف عليه السلام كان نائماً في حجر أبيه، فنظر فيه، وقال في نفسه: أترى هذا الوجه أحسن ام الشمس أم القمر؟ فإذا بيوسف قد انتبه من نومه، وقال: {يا أبتِ إني رأيت أحد عشر كوكباً...} الخ، فلما قص الرؤيا على أبيه بكى، فقال يوسف: لم تبكي يا أبتي؟ قال: يا بني لم يسجد مخلوق لمخلوق إلا عند المحنة، والبلاء، ألا ترى الملائكة لما أسجدهم الله لآدم، كيف ابتلي بالخروج من الجنة؟ ثم قال له: يا بني، الشمس والقمر أنا وخالتك ـ وكانت أمه قد ماتت ـ والإحدى عشر كوكباً إخوتك. هـ. {قال يا بنيَّ}، وهو تصغير ابن صغر للشفقة أو لصغر السن، وكان ابن ثنتي عشرة سنة، {لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً}؛ فيحتالوا لإهلاكك حيلة. فَهِمَ يعقوبُ عليه السلام من رؤياه أن الله يصطفيه لرسالته، ويفوقه على إخوته، فخاف عليه حسدهم. ومن خاف من شيء سلط عليه. والرؤيا تختص بالنوم، والرؤية، بالتاء بالبصر. قال البيضاوي: وهي انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك، المصادفة منها إنما يكون باتصال النفس بالملكوت؛ لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ. انظر تمامه فيه. وأخرج الحاكم في المستدرك، والطبراني في الأوسط، عن ابن عمر قال: لقي عمر عليَّاً ـ رضي الله عنهما ـ فقال: يا أبا الحسن، الرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق، ومنها ما يكذب، قال: نعم. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:حديث : ما من عبد ولا أمة ينام فيمتلي نوماً إلا عرج بروحه إلى السماء. فالتي لا تستيقظ إلا عند العرش فتلك الرؤيا التي تصدقُ، والتي تستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذبُ"تفسير : . هـ. فمنها ما تكون واضحة المعنى لا تحتاج إلى تعبير، ومنها ما تكون خفية تحتاج إلى تعبير. والمعبر يحتاج إلى علم وفراسة وزيادة إلهام، فعلم التعبير علم مستقل، وقد أعطى الله منه ليوسف عليه السلام حظاً وافراً. ولما قال يعقوب لابنه: {لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً} قال: يا أبت، الأنبياء لا يكيدون، قال له: {إن الشيطان للإنسان عدو مبين}؛ ظاهر العداوة؛ لأجل ما فعل بـآدم وحواء، فلا يألوا جهداً في تسويلهم وإثارة الحسد فيهم، حتى يحملهم على الكيد. قيل: لم يسمع كلام يوسف في رؤياه إلا خالته ـ أم شمعون ـ فقالت لإخوته: التعب عليكم، والإقبال على يوسف. فحركهم ذلك حتى فعلوا ما فعلوا. وقيل: أخبرت بذلك ولدها شمعون، فأخبر شمعون إخوته، فخلوا به وقالوا له: إنك لم تكذب قط. فأخبرنا بما رأيت في نومك، فأبى، فأقسموا عليه، فأخبرهم. فوقعوا فيما فعلوا به. ثم قال له: {وكذلك} أي: وكما اجتَباك لهذه الرؤية الدالة على شرف وعز وكمال نفس، {يجتبيك ربُّك} للنبوة والملك، أو لأمور عظام، {ويُعلِّمك} أي: هو يعلمك {من تأويل الأحاديث}؛ من تعبير الرؤيا؛ لأنها أحاديث المَلك إن كانت صادقة، وأحاديث الشيطان إن كانت كاذبة. أو يعلمك من تأويل غوامض علوم كتب الله، وسنن الأنبياء وحكم الحكماء. {ويُتمُّ نعمتَه عليك} بالنبوة، أو بأن يجمع لك بين نعمة الدنيا، ونعمة الآخرة، {وعلى آل يعقوب} يريد: سائر بنيه. ولعله استدل على نبوتهم بضوء الكواكب، {كما أتمها على أبويك من قبلُ}؛ من قبلك، أو من قبل هذا الوقت. فأتمها على إبراهيم بالرسالة والخلة والإنجاء من النار، وإسحاق بالرسالة والإنقاذ من الذبح، وهم: {إبراهيمَ وإسحاقَ}، فهما عطف بيان لأبويك {إن ربك عليمٌ} بمن يستحق الاجتباء، {حكيم} لا يخلو فعله من حكمة، نعمة كانت أو نقمة. الإشارة: البداية مجلاة النهاية، يوسف عليه السلام نزلت له أعلام النهاية في أول البداية. وكذلك كل من سبق له شيء من العناية، لا بد تظهر أعلامه في أول البداية؛ "من أشرقت بدايته أشرقت نهايته". من كانت بالله بدايته كانت إليه نهايته. وأوصاف النهاية تأتي على ضد أوصاف البداية؛ فكمال العز في النهاية لا يأتي إلا بعد كمال الذل في البداية. وتأمل قول الشاعر: شعر : تَذَلَّلَ لِمَنْ تَهوَى لِتَكسِبَ عِزَّةً فَكَم عِزَّةٍ قَدْ نَالَها المرْء بِالذُّلِّ تفسير : وتأمل قضية سيدنا يوسف عليه السلام؛ ما نال العز والملك حتى تحقق بالذل، والملك وكمال الغنى في النهاية لا يأتي إلا بعد كمال الفقر في البداية، وكمال العلم لا يأتي إلا بعد إظهار كمال الجهل، وكمال القوة لا يأتي إلا بعد كمال الضعف.. وهكذا جعل الله تعالى بحكمته الأشياء كامنة في أضدادها؛ "تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه". فالاجتباء يكون بعد الابتلاء، وإتمام النعم يكون بعد تقديم النقم، وذلك لتكون أحلى وأشهى، فيعرف قدرها ويتحقق منه شكرها، وهذا السر في تقديم أهوال يوم القيامة على دخول الجنة؛ ليقع نعيمها في النفس كل موقع. ولا فرق بين جنة الزخارف، وجنة المعارف. (حُفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات). والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عامر وابو جعفر {يا أبت} بفتح التاء في جميع القرآن. الباقون بكسر التاء، وابن كثير يقف بالهاء. الباقون يقفون بالتاء، وقرأ ابو جعفر أحد عشر وتسعة عشر بسكون العين فيها. الباقون بفتحها. العامل في (إذ) أَحد أمرين: احدهما - اذكر {إذ قال يوسف}. والثاني - نقص عليك {إذ قال}, في قول الزجاج، ولا يكون على هذا الوجه ظرفاً للقصص في معنى نذكره، ويجوز في {يا أبت} ثلاثة أوجه من الاعراب: احدهما - الكسر على حذف ياء الاضافة. الثاني - {يا أبت} بفتح التاء على حذف الألف المنقلبة عن ياء الاضافة، كأنه أراد يا أَبتا، فحذف الالف كما تحذف الياء، فتبقى الفتحة دالة على الالف، كما ان الكسرة دالة على الياء، قال رؤبة: شعر : يا أَبتا علّك أَو عساكا تفسير : فلما كثرت هذه الكلمة في كلامهم ألزموه القلب، قال ابو علي الفارسي: ويحتمل ان يكون مثل يا طلحة اقبل، ووجهه ان الاسماء التي فيها تاء التأنيث أكثر ما ينادى مرخماً، فلما كان كذلك رد التاء المحذوفة في الترخيم وترك الامر يجري على ما كان يجري عليه في الترخيم من الفتح، فلم يعتد بالهاء، واقحامها كما قالوا: واجمعت اليمامة يريدون أَهل اليمامة، قالوا: أجمعت أَهل اليمامة، فلم يعتدوا برد اهل. الثالث - يا أَبة بضم الهاء في قول الفراء ولم يجره الزجاج، قال: لأن التاء عوض من ياء الاضافة. قال الرماني هذا جائز لأن العوض لا يمنع من الحذف، والوقف يجوز على التاء، لان الاضافة مقدّرة بعدها، وان قدر على حذف الالف لم يجز الوقف، الا بالتاء وان قدر على الاقحام جاز الوقف كقول النابغة: شعر : كليني لهم يا أميمة ناصب وليل اقاسيه بطيء الكواكب تفسير : وانما دخلت الهاء في {يا أَبت} للعوض من ياء الاضافة اذ يكثر في النداء، مع لزوم معنى الاضافة، فكان أَحق بالعلامة لهذه العلة. وقال أَبو علي: إنما وقف ابن كثير بالهاء، فقال يا أَبة، لأن التاء التي للتأنيث تبدل منها الهاء في الوقف، ولم يجز على تقدير الاضافة، لأنه اذا وقف عليها سكنت للوقف واذا سكنت كانت بمنزلة ما لا يراد به الاضافة فأبدل منها الهاء كما إِذا قال يا طلحة أَقبل بفتح التاء، واذا وقف عليها أَبدل الهاء ياء. وإنما - أعاد ذكر {رأيتهم} لامرين: احدهما - للتوكيد حيث طال الكلام. الثاني - ليدل انه رآهم ورأى سجودهم، وفي معنى سجودهم قولان: احدهما - هو السجود المعروف على الحقيقة تكرمة له لا عبادة له. الثاني - الخضوع - في قول ابي علي - كما قال الشاعر: شعر : ترى الا كم فيه سجدا للحوافر تفسير : وهو ترك للظاهر، وقال الحسن: الاحد عشر اخوته، والشمس والقمر أبواه، وانما قال ساجدين بالياء والنون، وهو جمع ما لا يعقل، لأنه لما وصفها بفعل ما يعقل من السجود أجرى عليها صفات ما يعقل، كما قال {أية : يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم}تفسير : لما أمروا امر من يعقل. و {كوكباً} منصوب على التمييز و {أَحد عشر} الاسمان جعلا اسماً واحداً، وكذلك الى تسعة عشر، واللغة الجيدة عند البصريين فتح العين، وحكي سكون العين، وحكى الزجاج احدى عشر وهي لغة ردية.

الجنابذي

تفسير : {إِذْ قَالَ} اذ اسم خالص مفعول نقصّ او اوحينا او بدل من احسن القصص او هذا القرآن، او بتقدير الامر من الذّكر وعلى اىّ تقدير فليقدّر مثل المثل والحكاية مضافاً الى كلمة اذ قال {يُوسُفُ لأَبِيهِ} يعقوب (ع) بن اسحاق (ع) بن ابراهيم (ع) وكان لقبه اسرائيل وهو فى لغة العبرىّ خالص الله {يٰأَبتِ} الحالق التّاء بالاب والامّ مناديين لاظهار الشّفقة والاستعطاف كتصغير الابن منادى {إِنِّي رَأَيْتُ} من الرّؤيا {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} رأيتهم تأكيد لرأيت ولى ساجدين مفعول ثان لرأيت الاوّل او رأيتهم جواب سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: على اىّ حال رأيتهم؟ - او جواب سؤالٍ كان مذكوراً فى المحكىّ فحذف من الحكاية كما قيل: انّ يعقوب (ع) قال على اىّ حال رأيتهم؟ وتأخير الشّمس والقمر للاشارة الى التّرتيب فى الرّؤيا، وقيل: كان تحقّق تعبير الرّؤيا ايضاً كذلك لانّ اخوته سجدوا اوّلاً ثمّ سجد ابوه وامّه، او للاهتمام بالشّمس والقمر شبه التّخصيص بعد التّعميم، والاتيان بضمير ذوى العقول وجمعهم لنسبة السّجدة الّتى هى من افعال ذوى العقول اليهم.

اطفيش

تفسير : {إذْ قالَ يُوسفُ} إذ بدل اشتمال من أحسن،إن جعلنا أحسن مفعولا به، لأن وقت مقال يوسف مشتمل على المخصوص، أو مفعول به باذكر، ويوسف بضم السين عبرى، فمنع الصرف للعملية والعجمة، ولو كان عربيّاً كما قيل لم يمنع صرفه لتجرد العلمية عن غيرها. قال فى عرائس القرآن: أكثر العلماء على أنه عبرانى، وقيل: عربى، سمعت الأستاذ أبا القاسم الحبيبى يقول: سمعت أبا الحسن الأقطع، وكان حكيما، سئل عنه فقال: الأسف الحزن، أو الأسيف العبد، واجتماعا فيه انتهى. وقرئ بفتح السين، وذلك لغتان، وفيه لغة ثالثة بكسرها، وقرئ بها أيضا، ولا يقال: إنه على لغة الفتح عربى منقول من الفعل المضارع المبنى للمفعول، وعلى لغة الكسر من المضارع المبنى للفاعل من آسف بالمد، فيمنع الصرف للعلمية ووزن الفعل، لأنا نقول: قراءة الضم، وهى المشهورة، شاهد بالعجمة، فلا يقدم على أن تكون الكلمة أعجمية تارة، عربية أخرى، لأن هذا خلاف الأصل، ومثله يونس، فان فيه ثلاث اللغات. وإن قلت: فإذا كان عجميا نافى قوله عز وجل: {قرآنا عربيّاً}؟ قلت: لا ينافيه، فكم من لفظة أعجمية فى الأصل عربتها العرب، فجرت فى ألسنتها، فنزلت فى القرآن فعدت عربية، فإن العربى قسمان: أحدهما عربى أصل، والآخر عربى بالتعريب، ومن قال: القرآن شئ من كلام العجم بلا تعريب فقد أعظم على الله القول، فيوسف أعجمى تلعبت به العرب بلغتها، فمن كاسر وفاتح وضام وهو أكثر. {لأبِيهِ} يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم"تفسير : وفى رواية: "حديث : إذ قيل: من الكريم؟ فقولوا: الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم"تفسير : وروى أبى هريرة مثل رواية ابن عمر. {يا أبتِ} أصله يا أبى، حذفت ياء المتكلم وعوض عنها التاء، وهى تاء التأنيث فى الأصل: ولو انسلخت عند التعويض عن التاء نيب، ولذلك قلبها فى الوقف هاء ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، كما لحقت تاء التأنيث المذكر فى قولهم: رجل ربعة، وغلام يفعة، وحمامة ذكر، وشاءة ذكر، ولو كان لا يقال: يا أبتى تقومين، بل تقوم كما يقال: جاءت حمامة، وجاءت شاة فى التأنيث، وجاز التذكير، ولا يقال أيضا جاءت ربعة أو يفعة إذ أريد مذكر، وخص فى الباء لأنها مناسبة للياء فى كون كل منهما زائدة آخر الأسم فى نية الانفصال، فإن تاء التأنيث فى نية أكثر من غيرها، وكسرت لتدل عليها كذا قيل، أو لأن الكسرة تناسب الياء المعوض عنها، أو لأنها حركة ما قبل الياء، فإنه مكسور، لكن لما دخلت التاء فتح وزحلقت كسرته إليها. وقرأ ابن عامر بفتحها فى كل القرآن، لأن الفتحة حركت ياء المتكلم إذا حركت فى الأصل والغالب، أو لأن الأصل يا أبتا بالألف المبدلة عن ياء، وإنما صح أن تجتمع التاء المعوضة عن الياء والألف المبدلة عنها، مع أنه كالجمع بين العوض والمعوض عنه، لأن الألف ليست نفس المعوض عنه، فلا يجوز يا أبى، لأن فيه الجمع بين المعوض والمعوض عنه. ولا يقال: فى يا أبت بالكسر الجمع بين العوض وشبيه المعوض عنه وهو الكسرة، لأنا نقول ذلك لا يضر، وذلك أنه وجد قبل مجئ التاء كسر وياء، فالتاء عوض عن الياء، والكسر غير متعرض له فهو على أصله، وقد جمع بين التاء والألف التى هو بدل الياء، فكيف لا يجمع بينها وبين حركة تناسبها، فحال الكسر فى يا أبت كحاله فى يا أبى، فلا يقال: الكسر دل على الياء فما الحاجة إلى التاء فهى كالعدم؟ لأنا نقول: كما علمت أنها العوض وكسرها ككسر ما قبل الياء، وقرئ بضم التاء إجراء لها مجرى التاء بالأسماء المختومة بتاء التأنيث المنكرة المقصودة من غير اعتبار التعويض، ولم تسكن كما يسكن ما عوضت عنه وهو الياء، لأنها حرف صحيح نزلت بمنزلة الاسم، ولأنها فى آخر الاسم المعرب، والاسم حقه التحريك، فحركت كما حركت الكاف فى نحو: جاء غلامك، لخلاف الياء فإنها ولو كانت أهل لأن تحرك لأنها حرف لين فسكنت تخفيفا. {إنِّى} وقرئ بفتح الياء {رأيتُ} فى المنام بدليل: {لا تقصص رؤياك} "وهذا تأويل رؤياى" فهو من الرؤيا لا من الرؤية، والدليل فى تخصيص تأويل قاطع، وفى لفظة الرؤيا على الأشهر فى استعمال لها فى الرؤية الحلمية، قال ابن هشام: لا تختص الرؤيا بمصرد الحلمية، بل قد تقع مصدرا للبصرية خلافا للحريرى، وابن مالك إلى آخر، والرواية غالب فى البصرية قليل فى الحلمية. {أحَدَ عَشَرَ} وقرئ بإسكان عين الهجاء المتصلة بالدال تحقيقا لطول الاسم بالتركيب {كَوْكباً والشَّمسَ والقَمرَ} رأى يوسف فى منامه، وهو ابن اثنتى عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة، وقيل: سبع، ليلة جمعة، ليلة قدر، أحد عشر كوكبا، والشمس والقمر نزلت من السماء. روى جابر بن عبد الله: حديث : أن يهوديا اسمه قيسان، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أخبرنى عن النجوم التى رآهن يوسف؟ فلم يجبه بشئ، فنزل جبريل فأخبره بأسمائهن، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "إن أخبرتك فهل تسلم؟" قال: نعم،تفسير : وفى رواية حكيم بن حزام، عن السدى، عن عبد الرحمن: عن جابر بن عبد الله: أنه لم يقل نعم، بل قال: أخبرنى. قال: "جربان بالموحدة، والطارق، والذيال بذال معجمة، أو بزاى فمثناة تحتية، وقابس، وعمودان، والفيلق، والمضئ، والضروح، والفرع، ووثاب، وذو الكتفين، رآها يوسف، والشمس والقمر نزلت من السماء، وسجدت له" فقال اليهودى: إيها والله لأسماؤها. وفى رواية: هؤلاء المذكورين عن جابر أنه رآها فى أفق السماء ساجدة له، ويحتمل الجمع بين ذلك بأنها نزلت وبقيت فى الأفق لم تصل الأرض، ولكن كلام بعض كالصريح فى وصلها الأرض، وهو أشد مناسبة للسجود. قال فى عرائس القرآن: إن يعقوب لم يكن يأمن أحدا على يوسف، وكان ينوِّمه إلى جنبه، فبينما هو نائم ليلة جمعة، انتبه فزعا مرعوبا، فالتزمه يعقوب وضمه إلى صدره، وقبله بين عينيه، وقال: يا حبيب أبية ما الذى أصابك؟ قال: يا أبت رأيت رؤيا أفزعتنى. قال: يا بنى خيرا رأيت ما الذى رأيت؟ قال: رأيت كأن أبواب السماء فتحت، وقد أشرق منها نور، فاستنارت النجوم، وأشرقت الجبال، وزخرت البحار، وهدأت أمواجها، وضجت الحيتان بأنواع اللغات، ورأيت كأنى ألبست رداء أشرقت الأرض من حسنه ونوره، ورأيت كل مفاتيح خزائن الأرض ألقيت بين يدى. فبينما أنا كذلك إذا رأيت أحد عشر كوكبا انقضت من السماء، ومعها الشمس والقمر فخروا لى ساجدين. فقال يعقوب: {أية : يا بنى لا تقصص رؤياك على إخوتك}تفسير : الآية. وسمعت امرأة يعقوب سمعون خالة يوسف ذلك فقال لها: اكتمى ما قال يوسف، ولا تخبرى أولادى. فقالت: نعم، فلما أٌقبل أولاد يعقوب من مراعيهم، أخبرتهم بالرؤيا، فانتفخت أوداجهم، واقشعرت جلودهم على يوسف غيظا. فقالوا: ما عنى بالشمس غير أبينا، ولا بالقمر غيرك، ولا بالكواكب غيرنا ابن راحيل، يريد أن يتملك علينا ويقول: أنا سيدكم وأنتم عبيدى، فحسدوه على ذلك، فلذلك قيل فى الحكمة: لا تأمنن قارئا على صحيفة، ولا شابا على امرأة، ولا امرأة على سر، انتهى. قال قتادة: النجوم إخوته وهم أحد عشر يستضاء بهم، كما يهدى بالنجوم، والشمس أبوه والقمر أمه، وكذا روى عن يعقوب عليه السلام، وهو قول الجمهور، وهو موافق لقول أخوته، إلا أنهم قالوا: القمر زوجة يعقوب، وهى غير أمهم وغير أم يوسف، وعن يعقوب أيضا: إن القمر خالته، وعن السدى: القمر خالته، وكانت تحت يعقوب، لأن [أم] يوسف راحيل قد ماتت. وعن قتادة وابن جريج: القمر أبوه، والشمس أمه، لأن الشمس مؤنثة، ومن قال: إنها أبوه اعتبر الفضل والقوة. وروى أن يوسف نام فى حجر يعقوب، وقال يعقوب: أترى هذا الوجه أحسن أم الشمس أم القمر؟ فانتبه من منامه وقال: يا أبت ما قدر الشمس والقمر، إنى رأيتهما يسجدان لرؤيتى. وروى أنه لما قال: يا أبت زعق يعقوب فقال له يوسف: مالك؟ فقال: ما نطق بهذه الكلمة أحد إلا وقعت محبته، فقال: يا أبت إن كنت لى حبيبا فأخبرنى بتأويلها، فأخبره، وإنما أخر الشمس والقمر لفضلهما بذكرهما بعد لفظ لو شاء لعمهما به بأن يقول: رأيت ثلاثة عشر كوكبا فإنهما كوكبان، ولأن الواو بمعنى مع، أى مع الشمس والقمر، كما تقول: جاء الجند مع الأمير والسلطان. قال فى عرائس القرآن: كان ابتداء أمر يعقوب ويوسف وبدوّ محبته له، وإيثاره على سائر أولاده، أن الله تعالى أنبت ليعقوب شجرة فى صحن داره، فكان كلما كبر الغلام وشبّ طال القضيب وغلظ، ودفعه إلى ولده حتى تم له عشرة أولاد بعشرة قضبان، فلما ولد يوسف، لم يخرج الله له قضيبا، ولما كبر وشب قال لأبيه: يا نبىّ الله إنه ليس أحد من إخوتى إلا وله قضيب، وأنا ليس لى قضيب، فادعو الله أن يخصنى بقضيب من الجنة. فرفع يعقوب يديه إلى السماء وقال: إلهى إنى أسألك أن تهب ليوسف قضيبا من الجنة، يفتخر به على جميع إخوته، فهبط جبريل ومعه قضيب من الجنة، من الزبرجد الأخضر، فقال ليوسف: خذها، فكان يوسف يأخذه ويخرج به مع إخوته، فرأى يوسف فى منامه وهو إذ ذاك صبى، كأن قضيبه غرس من الأرض، فعلق وتدلت أغصانه، وأثمر كل غصن، ثم جئ بعصى إخوته فغرست حولها، فلم تعلق، ولم تتفرع، ولم تثمر، وإذا بعصى يوسف أقصرها، فلم تزل تعلوا حتى طالت عليهن، ثم هبت الريح فقلعتهن فألقتهن فى البحر، وثبتت عصى يوسف، فانتبه فزعا مرعوبا. فقال له أبوه ما الذى دهاك؟ فقص عليه رؤياه، فبلغ ذلك إخوته فقالوا: يا ابن راحيل لقد رأيت عجبا يوشك أن تدعى أنك مولانا ونحن عبيدك، فشق ذلك عليهم وحسدوه. قال وهب بن منبه: رأى هذه الرؤيا وهو ابن سبع، ثم رأى الكواكب والشمس، والقمر، وهو ابن اثنتى عشرة انتهى. وذكر جار الله، عن وهب: أنه رأى وهو ابن سبع، أن إحدى عشرة عصى طولا لا مركوزة فى الأرض كهيئة الدائرة، وإذا عصى صغيرة تثب عليها، حتى أقلعتها وغلبتها، فوصف ذلك لأبيه، فقال: إياك أن تذكرها لإخوتك، وقيل: كان بين رؤيا يوسف للنجوم والقمرين، ومصير إخوته إليه أربعون سنة، وهو قول ابن عباس، وقيل: ثمانون وهو قول الحسن. {رأيتُهم لى سَاجِدينَ} الرؤية الأولى مجرد إخبار بأنه رأى ذلك، وهذه بيان لما وقفت عليه حالها، وما رآها إلا مرة واحدة، كما تقول: جاء زيد مريدا لمجرد الإخبار بمجيئه ثم تقول: جاء راكبا والمجئ واحد، ولكن أردت بذكر مجيئه ثانيا بيانا لحاله، فجملة {رأيتهم لى ساجدين} مستأنفة. وقيل: رأيتهم تأكيد لقوله: {رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر} وعليه الشيخ خالد، وقيل: إن ذلك من باب الاشتغال، وإنه قد جمع بين المفسِّر والمفسَّر لجواز الجميع بينهما، وهو قول ضعيف، وعلى ما ذكرته أولا وهو الصحيح عندى يكون ساجدين مفعولا ثانيا لرؤيا الثانى، على أن الرؤيا تتعدى لاثنين، أو حالا على أنها تتعدى لواحد. وصاحب الحال الهاء، ولا مفعول ثانيا ولا حال للرأى الأول، لأن المراد به مجرد إخبار بأنه رأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر. وعلى القول الثانى والثالث يكون ساجدين مفعولا للأول، أو حالا من مفعوله الأول، وما عطف عليه، ولا مفعولا ثانيا ولا حالا للثانى، وإنما عبر عن الكواكب والشمس والقمر بقوله هم، ولجمع المذكر السالم لتنزيلها منزلة العقلاء إذا وصفت بما يخص العاقل، وهو السجود، ولولا أنك لقال رأيتها أو رأيتهن ساجدة أو ساجدات. وزعمت الفلاسفة المنجمة أن الكواكب والشمس والقمر لها عقل ونطق وإحساس وحياة، وكذبوا وأراد بسجودهم له حقيقة السجود، لأن تحية أهل ذلك الزمان فى اليقظة السجود، وقيل: أراد تواضعها ودخولها تحت أمره، وعلى كل فذلك كناية عن علو شأنه.

اطفيش

تفسير : {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ} يعقوب بن إِسحاق بن إِبراهيم، الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إِسحاق بن إِبراهيم، إِذ قيل: بدل من أَحسن بدل اشتمال، إِذا جعلنا القصص بمعنى المقصوص وأَحسن مفعول به، وفيه أَنه لا ضمير فيه يعود إِلى أَحسن، ويجاب بأَنه إِذا حصلت الملابسة معنى اكتفى بها رابطاً، ولا يعترض بأَن الوقت لا يقص؛ لأَن المراد قصة بما وقع فيه فهو مقصوص باعتبار ما فيه، وليس يعنى الاشتمال المعنوى أَو مفعول لا ذكر؛ أَى اذكر وقت قول يوسف، لا متعلق بغافلين كما قيل: لأَنه صلى الله عليه وسلم غير موجود فى زمان يوسف، فضلا عن أَن يوصف بالغفلة فيه فلا تهم، ويوسف عبرى فمنع صرفه للعجمة والعلمية، لا لوزن الفعل والعلمية، أى لا يوجد فعل مضارع مضموم الأَول والثالث، وكذلك منع إِذا قرىء بفتح السين كالمبين للمفعول أًو كسرها كمضارع الرباعى لأَنه فيهما أَعجمى أَيضاً بدليل قراءَة الضم، ولا مانع من كونه من معنى الأَسف بمعنى الحزن مع أَنه عبرى؛ لأَن العبرية كثيراً ما تقارب العربية، ويصرف الأَعجمى الثلاثى الساكن الوسط بفتح أَوله أَو كسر أو ضم نحو شيث بكسر الشين وإِسكان الياءِ وبعدها ثاءٌ مثلثة وعاش يوسف مائة وعشرين سنة، وأَبوه يعقوب مائة وسبعا وأَربعين وجده إِسحاق مائةً وثمانين، وجده إِبراهيم مائة وخمسا وسبعين، قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إِسحاق بن إِبراهيم" تفسير : ، رواه البخارى، ووجه الكرم توالى الأَنبياء، نبى وابن نبى ونبى وأَبى نبى. {يَا أَبَتِ} التاءُ عوض عن ياءِ الإِضافة، واختيرت التاءُ لأَنها للتأْنيث والياءُ فى هذى وتفعلين وافعلى للتأْنيث مع أَن كلا منهما زيادة فى آخر كغلامِى وقائمة، وأَما أَن يقتصر فى التعليل على مجرد كونهما زائِدتين فى آخر الاسم فلا، وأَصل هذه التاءِ تاءُ التأْنيث ولو كانت للتعويض بدليل أن ابن كثير وأَبا عمرو ويعقوب يقفون عليها بالهاءِ ومن لم يراع هذه الأَصالة، أَو قال إِنها ليست أَصلها التأْنيث وقف بالتاءِ وبه العمل، وحركت، قيل: لأَنها عوض عن اسم، والاسم أَصله الحركة ولو كان هنا ضمير أَصله البناءُ على السكون، وكانت كسرة لمناسبة الياءِ التى عوضت هى عنها فليقتصر على هذا، ويترك قولهم حركت لكذا بأَن يقال: حركت بالكسرة لتناسب الكسرة ما عوضت هى عنه، ولو سكنت أَو فتحت أَو ضمت لم تناسب، أَويقال: حركت لأَنها حرف صحيح فنزل منزلة الاسم ككاف الخطاب، وقيل: كسرت بكسر ما قبل الياءِ وفتح ما قبلها؛ لأَن أَصلها التأْنيث وأَشبهت تاءُ التأْنيث، وما قبل تاءِ التأْنيث يفتح تحقيقا أَو حكما، وقيل: هذه التاءُ عوض عن الأَلف المبدلة عن الياء فبقيت الفتحة التى قبل الأَلف والأَصل يا أَبا، وقال الكوفيون: هى تاءُ تأْنيث غير عوض والياءُ مقدرة بعدها، وروى بندور يا أَبتى {إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} رأى هذه الرؤيا وهو ابن اثنتى عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة، وقيل: سبع، وبين هذه الرؤيا وتحقيقها باجتماعه مع أَبويه وإِخوته فى مصر أَربعون سنة عند الجمهور وابن عباس، وثمانون سنة عند الحسن البصرى، روى الحاكم فى مستدركه بسنده إِلى جابر ابن عبد الله: أَن يهوديا جاءَ إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أَخبرنى يا محمد عن النجوم التى رآهن يوسف، فسكت، فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بهن، فقال: أَلى إِن أَخبرتك تؤمن؟ قال: نعم، وقال الجوزى: حديث موضوع، وقال زرعة: منكر موضوع، وذكروا أن اسم اليهودى سنان أَو بسنان، قال: هن جريان - بكسر الراءِ الحرث بن أَبى أُسامة: النطح بدل المصبح، والضروح - بضاد معجمة وحاءَ مهملة - والفزغ - بغين معجمة - وهو عند الدلو وثاب بالشد، وذو الكتفين وهو نجم عظيم، وقدم النجوم هكذا لأَنهن على ترتيبهن فى النزول هكذا، ثم نزلت الشمس والقمر ولذلك أُخرت فى الآية، وأَيضاً هما أَبواه ليسا من جنس الأُخوة المعبر عنها بالنجوم وإخوته أَنسب بالسجود له من أَبويه لعظمهما فأَخرا لأَن سجودهما أَبلغ ولأَنهما لم يجنيا عليه كإِخوته، قال صلى الله عليه وسلم لليهودى: نزلت من السماءِ فسجدت ونزلت الشمس والقمر فسجدا له، فقال: والله إِنها لأَسماؤها، ولم يذكروا أَنه أَسلم (وضبط تلك الكواكب وتفسير ما فسر منها ليس من الحديث) وقدم الشمس لأَنها أَعظم جرما وضوءاً وأَكثر نفعا وأَرفع مكانا لأَنها فى السماءِ الرابعة، والقمر فى الأُولى؛ ولأَن نوره منها على ما شهر، وكذا قدمت فى سائٍر القرآن، والشمس أَبوه لتلك الفضائل، وقيل: أُمه للتأْنيث، وكأَنه قال يعقوب له: ما شأنهن إِذ رأَيتهن؟ فقال: على الاستئْناف البيانى {رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ} لم يقل: رأيتهن، أَو رأَيتها، ولا ساجدات, وساجدة أَو ساجد؛ لأَنهن منزلة منزلة الذكور العقلاءِ؛ لأَنهن الإِخوة والأَبوان؛ ولأَن السجود من فعل العاقل، والأَب يغلب على الأُم لذكورته، وكذا الإِخوة، ويجوز أَن يكون رأيتهم تكريرا للأول، كرر للفضل ولتجديد العهد وتطريته كما أُعيد أَنكم لذاك فى قوله تعالى: " أية : أَيعدكم أَنكم"تفسير : [المؤمنون: 35] الآية، وعلى هذا ليس من الاستئناف البيانى، وساجدين، وحال للأَول وعلى الاستئناف البيانى لم يعمل رأيت الأَول فى حال ولم يؤت له بحال، بل أَجملت الرؤيا وجىءَ بالحال الثانى، والسجود الخضوع أَو حقيقته لكنه لله ويوسف قبلة، وهذا خضوع أَيضا شبههن بعقلاءِ ورمز للتشبيه بلازمهم وهو السجود فذلك مكنية أَو شبه أَحوالها بأَحوال الساجدين فذلك تمثيلية.

الالوسي

تفسير : {إِذْ قَالَ يُوسُفُ} نصب بإضمار ـ اذكر ـ بناءً على تصرفها، وذكر الوقت كناية عن ذكر ما حدث فيه والكلام شروع في إنجاز ما وعد سبحانه، وحكى مكي أن العامل في {إِذْ}{أية : ٱلْغَافِلِينَ}تفسير : [يوسف: 3]. وقال ابن عطية: يجوز أن يكون العامل فيها {أية : نَقُصُّ }تفسير : [يوسف: 3]، وروي ذلك عن الزجاج على معنى نقص عليك الحال إِذْ الخ وهي للوقت المطلق المجرد عن اعتبار المضي، وفي كلا الوجهين ما فيه. واستظهر أبو حيان بقاءها على معناها الأصلي وأن العامل فيها {أية : قَالَ يٰبُنَيَّ}تفسير : [يوسف: 5] كما تقول: إذ قام زيد قام عمرو، ولا يخلو عن بعد، وجوز الزمخشري كونها بدلاً من {أية : أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ}تفسير : [يوسف: 3] على تقدير جعله مفعولاً به وهو بدل اشتمال، وأورد أنه إذا كان بدلاً من المفعول يكون الوقت مقصوصاً ولا معنى له، وأجيب بأن المراد لازمه وهو اقتصاص قول يوسف عليه السلام فإن اقتصاص وقت القول ملزوم لاقتصاص القول. واعترض بأنه يكون بدل بعض أو كل لا اشتمال، وأجيب بأنه إنما يلزم ما ذكر لو كان الوقت بمعنى القول وهو إما عين المقصوص أو بعضه، أما لو بقي على معناه وجعل مقصوصاً باعتبار ما فيه فلا يرد الاعتراض. هذا ولم يجوزوا البدلية على تقدير نصب {أية : أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} تفسير : [يوسف: 3] على المصدرية، وعلل ذلك بعدم صحة المعنى حينئذ وبقيام المانع عربية، أما الأول فلأن المقصوص في ذلك الوقت لا الاقتصاص، وأما الثاني فلأن أحسن الاقتصاص مصدر فلو كان الظرف بدلاً وهو المقصود بالنسبة لكان مصدراً أيضاً وهو غير جائز لعدم صحة تأويله بالفعل، وأورد على هذا أن المصدر كما يكون ظرفاً نحو أتيتك طلوع الشمس يكون الظرف أيضاً مصدراً ومفعولاً مطلقاً لسدّه مسدّ المصدر كما في قوله:شعر : لم تغتمض عيناك ليلة أرمد تفسير : فإنهم صرحوا ـ كما في «التسهيل» و«شروحه» ـ أن ليلة مفعول مطلق أي اغتماض ليلة، وما ذكر من حديث التأويل بالفعل فهو من الأوهام الفارغة، نعم إذا ناب عن المصدر ففي كونه بدل اشتمال شبهة وهو شيء آخر غير ما ذكر، وعلى الأول أنه وإن لم يشتمل الوقت على الاقتصاص فهو مشتمل على المقصوص فلم لم تجز البدلية بهذه الملابسة؟ ورد بأن مثل هذه الملابسة لا تصحح البدلية، ونقل عن الرضي أن الاشتمال ليس كاشتمال الظرف على المظروف بل كونه دالاً عليه إجمالاً ومتقاضياً له بوجه مّا بحيث تبقى النفس عند ذكر الأول متشوقة إلى الثاني منتظرة له فيجيء الثاني مبيناً لما أجمل فيه فإن لم يكن كذلك يكن بدل غلط وعلى هذا يقال في عدم صحة البدلية: إن النفس إنما تتشوق لذكر وقت الشيء لا لذكر وقت لازمه ووقت القول ليس وقتاً للاقتصاص. ويوسف علم أعجمي لا عربـي مشتق من الأسف وسمي به لأسف أبيه عليه، أو أسفه على أبيه. أو أسف من يراه على مفارقته لمزيد حسنه كما قيل، وإلا لانصرف لأنه ليس فيه غير العلمية ولا يتوهمن أن فيه وزن الفعل أيضاً إذ ليس لنا فعل مضارع مضموم الأول والثالث، وكذا يقال في يونس، وقرىء بفتح السين وكسرها على ما هو الشائع في الأسماء الأعجمية من التغيير لا على أنه مضارع بني للمفعول أو للفاعل من آسف لأن القراءة المشهورة شهدت بعجميته ولا يجوز أن يكون أعجمياً وغير أعجمي قاله غير واحد لكن / في «الصحاح» أن يعفر ولد الأسود الشاعر إذا قلته بفتح الياء لم تصرفه لأنه مثل يقتل. وقال يونس: سمعت رؤبة يقول: أسود بن يعفر بضم الياء وهذا ينصرف لأنه قد زال عنه شبه الفعل ا هـ. وصرحوا بأن هذا مذهب سيبويه، وأن الأحفش خالفه فمنه صرفه لعروض الضم للاتباع، وعلى هذا يحتمل أن يقال: إنه عربـي ومنع من الصرف على قراءة الفتح والكسر للعلمية ووزن الفعل، وكذا على قراءة الضم بناءاً على ما يقوله الأخفش ويلتزم كون ضم ثالثه اتباعاً لضم أوله، وأجيب بأنه لو كان عربياً لوقع فيه الخلاف كما وقع في يعفر، والظاهر أن أعجميته متحققة عندهم ولذا التزموا منعه من الصرف لها وللعلمية ولا التفات لذلك الاحتمال. وقرأ طلحة بن مصرف ـ يؤسف ـ بالهمز وفتح السين، وقد جاء فيه الضم والكسر مع الهمز أيضاً فيكون فيه ست لغات. {لأَِبِيهِ} يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وفي «الصحيح» عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم».شعر : نسب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن ضوء الصباح عموداً تفسير : {يٰأَبَتِ} أصلح يا أبـي فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في كون كل منهما من حروف الزيادة ويضم إلى الإسم في آخره ولهذا قلبها هاءاً في الوقف ابن كثير وابن عامر، وخالف الباقون فأبقوها تاءاً في الوقف وكسرت لأنها عوض عن الياء التي هي أخت الكسرة فحركت بحركة تناسب أصلها لا لتدل على الياء ليكون ذلك كالجمع بين عوضين أو بين العوض والمعوض، وجعل الزمخشري هذه الكسرة كسرة الياء زحلقت إلى التاء لما فتح ما قبلها للروم فتح ما قبل تاء التأنيث، وقرأ ابن عامر وأبو جعفر والأعرج بفتحها لأن أصلها وهو الياء إذا حرك حرك بالفتح، وقيل: لأن أصل {يٰأَبَتِ} يا أبتا بأن قلبت الياء ألفاً ثم حذفت وأبقيت فتحتها دليلاً عليها، وتعقب بأن يا أبتا ضعيف كيا أبتي حتى قيل: إنه يختص بالضرورة كقوله:شعر : يا أبتا علك أو عساكا تفسير : وقال الفراء وأبو عبيدة: وأبو حاتم: إن الألف المحذوفة من يا أبتا للندبة، ورد بأن الموضع ليس موض ندبة، وعن قطرب أن الأصل ـ يا أبة ـ بالتنوين فحذف والنداء باب حذف، ورد بأن التنوين لا يحذف من المنادى المنصوب نحو يا ضارباً رجلاً، وقرىء بضم التاء إجراءاً لها مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء من غير اعتبار التعويض، وأنت تعلم أن ضم المنادي المضاف شاذ وإنما لم تسكن مع أن الباء التي وقعت هي عوضاً عنها تسكن لأنها حرف صحيح منزل منزلة الاسم فيجب تحريكها ككاف الخطاب. وزعم بعضهم أن الياء أبدلت تاءاً لأنها تدل على المبالغة والتعظيم في نحو علامة ونسابة والأب والأم مظنة التعظيم فعلى هذا لا حذف ولا تعويض، والتاء حينئد اسم، فقد صرحوا أن الاسم إذا كان على حرف واحد وأبدل لا يخرج عن الاسمية، وقال الكوفيون: إن التاء لمجرد التأنيث وياء الإضافة مقدرة، ويأباه عدم سماع يا أبتي في السعة، وكذا سماع فتحها على ما قيل، وتعقب بأن تاء لات للتأنيث عند الجمهور وكذا تاء ربت وثمت / وهي مفتوحة {إِنّى رَأَيْتُ} أي في المنام كما يقتضيه كلام ابن عباس وغيره، وكذا قوله سبحانه: {أية : لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ} تفسير : [يوسف: 5] و {أية : هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ }تفسير : [يوسف: 100]، فإن مصدر رأى الحلمية الرؤيا ومصدر البصرية الرؤية في المشهور، ولذا خطىء المتنبـي في قوله:شعر : ورؤياك أحلى في العيون من الغمض تفسير : وذهب السهيلي وبعض اللغويين إلى أن الرؤيا سمعت من العرب بمعنى الرؤيا ليلاً ومطلقاً، واستدل بعضهم لكون رأى حلمية بأن ذلك لو وقع يقظة وهو أمر خارق للعادة لشاع وعد معجزة ليعقوب عليه السلام أو إرهاصاً ليوسف عليه السلام، وأجيب بأنه يجوز أن يكون في زمان يسير من الليل والناس غافلون، والحق أنها حلمية، ومثل هذا الاحتمال مما لا يلتفت إليه. وقرأ أبو جعفر {إني} بفتح الياء {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا} وهي جريان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفيلق والمصبح والفرغ ووثاب وذو الكتفين والضروح، فقد روي عن جابر أن سناناً اليهودي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني يا محمد عن النجوم التي رآهن يوسف فسكت فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بذلك فقال عليه الصلاة والسلام: هل أنت مؤمن إن أخبرتك؟ قال: نعم فعد صلى الله عليه وسلم ما ذكر فقال اليهودي: أي والله إنها لأسماؤها. وأخرج السهيلي عن الحرث بن أبـي أسامة نحو ذلك إلا أنه ذكر النطح بدل المصبح، وأخرج الخبر الأول جماعة من المفسرين وأهل الأخبار وصححه الحاكم، وقال: إنه على شرط مسلم، وقال أبو زرعة وابن الجوزي: إنه منكر موضوع. وقرأ الحسن وطلحة بن سليمان وغيرهما {أحد عشر} بسكون العين لتاولي الحركات وليظهر جعل الاسمين إسماً واحداً. {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} عطف على ما قبل. وزعم بعضهم أن الواو للمعية وليس بذاك وتخصيصهما بالذكر وعدم الاندراج في عموم الكواكب لاختصاصهما بالشرف وتأخيرهما لأن سجودهما أبلغ وأعلى كعباً فهو من باب لا يعرفه فلان ولا أهل بلده، وتقديم الشمس على القمر لما جرت عليه عادة القرآن إذا جمع الشمس والقمر، وكان ذلك إما لكونها أعظم جرماً وأسطع نوراً وأكثر نفعاً من القمر وإما لكونها أعلى مكاناً منه وكون فلكها أبسط من فلكه على ما زعمه أهل الهيئة وكثير من غيرهم، وإما لأنها مفيضة النور عليه كما ادعاه غير واحد، واستأنس له بقوله سبحانه: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآء وَٱلْقَمَرَ نُوراً} تفسير : [يونس: 5] وإنما أورد الكلام على هذا الأسلوب ولم يطو ذكر العدد لأن المقصود الأصلي أن يتطابق المنام ومن هو في شأنهم وبترك العدد يفوت ذلك. {رَأَيْتُهُمْ لِي سَـٰجِدِينَ} استظهر في «البحر» أن {رَأَيْتَهُمْ} تأكيد لما تقدم تطرية للعهد كما في قوله تعالى: {أية : أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظـٰماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ}تفسير : [المؤمنون: 35] واختار الزمخشري التأسيس وأن الكلام جواب سؤال مقدر كأن يعقوب عليه السلام قال له عند قوله: {رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} كيف رأيتها؟ سائلاً عن حال رؤيتها فقال: {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} وكأنه لا يرى أن رأي الحلمية مما تتعدى إلى مفعولين كالعلمية ليلتزم كون المفعول الثاني للفعل الأول محذوفاً، ويرى أنه تتعدى لواحد كالبصرية فلا حذف، و {سَـٰجِدِينَ} حال عنده كما يشير إليه كلامه، والمشهور عند الجمهور أنه تتعدى إلى مفعولين ولا يحذف ثانيهما اقتصاراً. وجوز أن يكون مذهبه القول بالتعدي إلى ما ذكر إلا أنه يقول بجواز ما منعوه من الحذف، وأنت تعلم / أن استظهره في «البحر» سالم عن المخالفة والنظرية أمر معهود في الكتاب الجليل وإنما أجريت هذه المتعاطفات مجرى العقلاء في الضمير جمع الصفة لوصفها بصفة العقلاء أعني السجود سواء كان المراد منه التواضع أو السجود الحقيقي وءعطاء الشيء الملابس لآخر من بعض الوجوه حكماً من أحكامه إظهاراً لأثر الملابسة والمقاربة شائع في الكلام القديم والحديث. وفي الكلام على ما قيل: استعارة مكنية بتشبيه المذكورات بقوم عقلاء ساجدين والضمير والسجود قرينة أو أحدهما قرينة تخييلية والآخر ترشيح. وذهب جماعة من الفلاسفة إلى أن الكواكب أحياء ناطقة، واستدل لهم بهذه الآية ونظائرها وكثير من ظواهر الكتاب والسنة يشهد لهم، وليس في القول بذلك إنكار ما هو من ضروريات الدين، وتقديم الجار والمجرور لإظهار العناية والاهتمام مع ما في ضمنه على ما قيل: من رعاية الفواصل، وكانت هذه الرؤية فيما قيل: ليلة الجمعة، وأخرج أبو الشيخ عن ابن منبه أنها كانت ليلة القدر، ولعله لا منافاة لظهور إمكان كون ليلة واحدة ليلة القدر وليلة الجمعة، واستشكل كونها في ليلة القدر بأنها من خواص هذه الأمة، وأجيب بأن ما هو من الخواص تضعيف ثواب العمل فيها إلى ما قص الله سبحانه وكان عمره عليه السلام حين رأى ذلك اثنتي عشرة سنة فيما يروى عن وهب. وقيل: سبع عشرة سنة، وكان قد رأى قبل وهو ابن سبع سنين أن إحدى عشرة عصا طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة وإذا عصا صغيرة تثب عليها حتى اقتلعتها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك، وتعبير هذه العصي لإحدى عشرة هو بعينه تعبيراً لأحد عشر كوكباً فإن كلا منهما إشارة إلى إخوته، وليس في الرؤيا الأولى ما يشير إلى ما يشير إليه الشمس والقمر في الرؤية الثانية، ولا ضرورة إلى التزام القول باتحاد المنامين بأن يقال: إنه عليه السلام رأى في كل أحد عشر شيثاً إلا أن ذلك في الأول عصي وفي الثاني كواكب، ويكون عطف الشمس والقمر على ما قبله من قبيل عطف ميكائيل وجبريل عليهما السلام على الملائكة كما يوهمه كلام بعضهم، وعبرت الشمس بأبيه والقمر بأمه اعتباراً للمكان والمكانة. وروي ذلك عن قتادة وعن السدي أن القمر خالته لأن أمه راحيل قد ماتت، والقول: بأن الله تعالى أحياها بعد لتصديق رؤياه لا يخفى حاله، وعن ابن جريج أن الشمس أمّه والقمر أبوه وهو اعتبار للتأنيث والتذكير، وقد تعبر الشمس بالملك وبالذهب وبالزوجة الجميلة، والقمر بالأمير، والكواكب بالرؤساء وكذا بالعلماء أيضاً. وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أن رؤية القمر تؤوّل على أحد سبعة عشر وجهاً، ملك أو وزير أو نديم الملك أو رئيس أو شريف أو جارية أو غلام أو أمر باطل أو وال أو عالم مفسد أو رجل معظم أو والد أو والدة أو زوجة أو بعل لها أو ولد أو عظمة، ولعل ذلك مبني على اختلاف الرائي وكيفية الرؤية، وزعم بعضهم أنه عليه السلام لم يكن رأى الكواكب ولا الشمس والقمر وإنما رأى إخوته وأبويه إلا أنه عبر عنهم بذلك على طريقة الاستعارة التصريحة وهو خلاف الظاهر جداً ويكاد يعدّ من كلام النائم، ويؤيد ظاهر ما نقله كثير من المفسرين أنه عليه السلام رأى الكواكب والشمس والقمر قد نزلت فسجدت له فقص ذلك على أبيه.

ابن عاشور

تفسير : {إذ قال} بدل اشتمال أو بَعْض من { أية : أحْسَن القصص } تفسير : [سورة يوسف: 3] على أن يكون أحسن القصص بمعنى المفعول، فإنّ أحسن القصص يشتمل على قصَص كثير، منه قَصص زمان قول يوسفَ عليه السّلام لأبيه {إني رأيت أحَدَ عَشَرَ كوكباً} وما عقب قوله ذلك من الحوادث. فإذا حمل { أية : أحسن القصص } تفسير : [سورة يوسف: 3] على المصدر فالأحسن أن يكون {إذْ} منصوباً بفعل محذوف يدلّ عليه المقام، والتّقدير: اذْكر. ويُوسف اسم عبراني تقدم ذكر اسمه عند قوله تعالى: { أية : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } تفسير : الخ في سورة الأنعام (83). وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق من زوجه (راحِيل). وهو أحد الأسباط الذين تقدم ذكرهم في سورة البقرة. وكان يوسف أحب أبناء يعقوب ـــ عليهما السّلام ـــ إليه وكان فَرْط محبة أبيه إياه سَببَ غيرة إخوته منه فكادُوا له مكيدة فسألوا أباهم أن يتركه يخرج معهم. فأخرجوه معهم بعلّة اللعب والتفسح، وألقَوْهُ في جبّ، وأخبروا أباهم أنّهم فقدوه، وأنهم وجدوا قميصه ملوّثاً بالدّم، وأروه قميصه بعد أن لطّخوه بدم، والتقطه من البئر سيارة من العرب الإسماعيليين كانوا سائرين في طريقهم إلى مصر، وباعوه كرقيق في سوق عاصمة مصر السفلى التي كانت يومئذٍ في حكم أمّة من الكنعانيين يعرفون بالعمالقة أو (الهكْصوص). وذلك في زمن الملك (أبو فيس) أو (ابيبي). ويقرب أن يكون ذلك في حدود سنة تسع وعشرين وسبعمائة وألف قبل المسيح ـــ عليه السّلام ـــ فاشتراه (فوطيفار) رئيس شرطة فرعون الملقّبُ في القرآن بالعزيز، أي رئيس المدينة. وحدثت مكيدة له من زوج سيّده ألقي بسببها في السجن. وبسبب رؤيا رآها الملِكُ وعَبّرها يوسف ـــ عليه السّلام ـــ وهو في السِجن، قَرّبه الملك إليه زُلفى، وأولاه على جميع أرض مصر، وهو لقب العزيز وسَمّاه (صفنات فعنيج)، وزوّجه (أسنات) بنت أحد الكهنة وعمره يومئذٍ ثلاثون سنة. وفي مدة حكمه جَلَب أباه وأقاربه من البريّة إلى أرض مصر، فذلك سبب استيطان بني إسرائيل أرض مصر. وتوفي بمصر في حدود سنة خمس وثلاثين وستمائة وألف قبل ميلاد عيسى ـــ عليه السّلام ـــ. وحنّط على الطريقة المصرية. ووُضع في تابوت، وأوصى قبل موته قومه بأنهم إذا خرجوا من مصر يرفعون جسده معهم. ولمّا خرج بنو إسرائيل من مصر رفعوا تابوت يوسف ـــ عليه السّلام ـــ معهم وانتقلوه معهم في رحلتهم إلى أن دفنوه في (شكِيم) في مدة يوشع بن نون. والتاء في (أبَت) تاء خاصّة بكلمة الأب وكلمة الأم في النداء خاصة على نية الإضافة إلى المتكلم، فمفادها مفاد: يا أبي، ولا يكاد العرب يقولون: يا أبي. وورد في سَلام ابن عمر على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه حين وقف على قبورهم المنوّرة. وقد تحيّر أيمّة اللغة في تعليل وصلها بآخر الكلمة في النداء واختاروا أن أصلها تاء تأنيث بقرينة أنهم قد يجعلونها هاء في الوقف، وأنها جعلت عوضاً عن ياء المتكلم لِعلة غير وجيهة. والذي يظهر لي أنّ أصلها هاء السكت جلبوها للوقف على آخر الأب لأنّه نقص من لام الكلمة، ثم لما شابهت هاء التأنيث بكثرة الاستعمال عوملت معاملة آخر الكلمة إذا أضافوا المنادى فقالوا: يا أبتي، ثم استغنوا عن ياء الإضافة بالكسرة لكثرة الاستعمال. ويدل لذلك بقاء الياء في بعض الكلام كقول الشاعر الذي لا نعرفه: شعر : أيَا أبتي لا زلتَ فينا فإنّمَا لنا أملٌ في العيْش ما دمت عائشاً تفسير : ويجوز كسر هذه التّاء وفتحها، وبالكسر قرأها الجمهور، وبفتح التّاء قرأ ابن عامر وأبو جعفر. والنداء في الآية مع كون المنادى حاضراً مقصود به الاهتمام بالخبر الذي سيلقى إلى المخاطب فينزل المخاطب منزلة الغائب المطلوب حضوره، وهو كناية عن الاهتمام أو استعارة له. والكوكب: النجم، تقدّم عند قوله تعالى: { أية : فلمّا جن عليه الليل رأى كوكباً } تفسير : في سورة الأنعام (76). وجملة {رأيتهم} مؤكدة لجملة {رأيتُ أحدَ عَشَرَ كوكباً}، جيء بها على الاستعمال في حكاية المرائي الحلمية أن يعاد فعل الرؤية تأكيداً لفظياً أو استئنافاً بيانياً، كأن سامع الرؤيا يستزيد الرائي أخباراً عمّا رأى. ومثال ذلك ما وقع في «الموطّأ» أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : أراني الليلة عند الكعبة فرأيت رجلاً آدم » تفسير : الحديث. وفي البخاري أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : رأيت في المنام أني أهاجر من مكّة إلى أرض بها نخل، ورأيت فيها بقرا تذبح، ورأيت.. واللّهُ خير »تفسير : . وقد يكون لفظ آخر في الرؤيا غير فعلها كما في الحديث الطّويل « حديث : إنّه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنّهما قالا لي: انطلق، وإنّي انطلقت معهما، وإنّا أتينا على رجل مضطجع » تفسير : الحديث بتكرار كلمة (إنّ) وكلمة (إنّا) مراراً في هذا الحديث. وقرأ الجمهور {أحَدَ عَشَرَ} ـــ بفتح العين ـــ من {عَشَرَ}. وقرأه أبو جعفر ـــ بسكون العين ـــ. واستعمل ضمير جمع المذكر للكواكب والشمس والقمر في قوله: {رأيتهم لي ساجدين}، لأن كون ذلك للعقلاء غالب لا مطرد، كما قال تعالى في الأصنام { أية : وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } تفسير : [سورة الأعراف: 198]، وقال: { أية : يا أيها النمل ادخلوا } تفسير : [سورة النمل: 18]. وقال جماعة من المفسّرين: إنه لمّا كانت الحالة المرئية من الكواكب والشمس والقمر حالة العقلاء، وهي حالة السجود نزّلها منزلة العقلاء، فأطلق عليها ضمير (هم) وصيغة جمعهم. وتقديم المجرور على عامله في قوله: {لي ساجدين} للاهتمام، عبّر به عن معنى تضمّنه كلام يوسف ـــ عليه السّلام ـــ بلغته يدل على حالة في الكواكب من التعظيم له تقتضي الاهتمام بذكره فأفاده تقديم المجرور في اللغة العربيّة. وابتداء قصة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ بذكر رؤياه إشارة إلى أنّ الله هيّأ نفسه للنبوءة فابتدأه بالرؤيا الصّادقة كما جاء في حديث عائشة «أنّ أوّلَ ما ابتدىء رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فَلق الصبح». وفي ذلك تمهيد للمقصود من القصة وهو تقرير فضل يوسف ـــ عليه السّلام ـــ من طهارة وزكاء نفس وصبر. فذكر هذه الرؤيا في صدر القصّة كالمقدّمة والتّمهيد للقصّة المقصودة. وجعل الله تلك الرؤيا تنبيهاً ليوسف ـــ عليه السّلام ـــ بعلو شأنه ليتذكرها كلما حلت به ضائقة فتطمئن بها نفسه أن عاقبتهُ طيبة. وإنما أخبر يوسف ـــ عليه السّلام ـــ أباه بهاته الرؤيا لأنّه علم بإلهام أو بتعليم سابق من أبيه أن للرؤيا تعبيراً، وعلم أنّ الكواكب والشّمس والقمر كناية عن موجودات شريفة، وأنّ سجود المخلوقات الشّريفة له كناية عن عظمة شأنه. ولعلّهُ علم أنّ الكواكب كناية عن موجودات متماثلة، وأنّ الشمس والقمر كناية عن أصلين لتلك الموجودات فاستشعر على الإجمال دلالة رؤياه على رفعة شأنه فأخبر بها أباه. وكانوا يعدّون الرؤيا من طرق الإنباء بالغيب، إذا سلمت من الاختلاط وكان مزاج الرائي غير منحرف ولا مضطرب، وكان الرائي قد اعتاد وقوع تأويل رؤياه، وهو شيء ورثوه من صفاء نفوس أسلافهم إبراهيم وإسحاق ـــ عليهم السّلام ـــ. فقد كانوا آل بيت نبوءة وصفاء سريرة. ولمّا كانت رؤيا الأنبياء وَحْياً، وقد رأى إبراهيم ـــ عليه السّلام ـــ في المنام أنّه يذبح وَلَدَه فلمّا أخبره { أية : قال يا أبت افْعل ما تؤمَر } تفسير : [سورة الصافات: 102]. وإلَى ذلك يشير قول أبي يوسف عليه السّلام: { أية : ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق } تفسير : [سورة يوسف: 6]. فلا جرم أن تكون مرائي أبنائهم مكاشفة وحديثاً ملكياً. وفي الحديث: ( حديث : لم يَبق من المبشرات إلاّ الرؤيا الصّالحة يراها المسلم أو ترى له ) تفسير : . والاعتداد بالرؤيا من قديم أمور النبوءة. وقد جاء في التّوراة أن الله خاطب إبراهيم عليه السّلام في رؤيا رآها وهو في طريقه ببلاد شاليم بلد ملْكي صَادق وبشّره بأنه يهبه نسلاً كثيراً، ويعطيه الأرض التي هو سائر فيها (في الإصحاح 15 من سفر التكوين). أما العرب فإنهم وإن لم يرد في كلامهم شيء يفيد اعتدادهم بالأحلام، ولعل قول كعب بن زهير: شعر : إن الأماني والأحلام تضليل تفسير : يفيد عدم اعتدادهم بالأحلام، فإن الأحلام في البيت هي مرائي النوم. ولكن ذكر ابن إسحاق رؤيا عبد المطلب وهو قائم في الحِجْر أنه أتاه آت فأمره بحفر بئر زمزم فوصَف له مكانها، وكانت جرهم سَدَموها عند خروجهم من مكة. وذكر ابن إسحاق رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب أن: راكباً أقبل على بعير فوقف بالأبطح ثم صرخ: يا آل غُدَر أُخرُجوا إلى مصارعكم في ثلاث فكانت وقعة بدر عقبها بثلاث ليال. وقد عدت المرائي النوميّة في أصول الحكمة الإشراقية وهي من تراثها عن حكمة الأديان السّالفة مثل الحنيفية. وبالغ في تقريبها بالأصول النفسية شهاب الدّين الحكيم السهروردي في هياكل النور وحكمة الإشراق، وأبو علي بن سينا في الإشارات بما حاصله: وأصله: أنّ النفس الناطقة (وهي المعبّر عنها بالروح) هي من الجواهر المجرّدة التي مَقرها العالم العلوي، فهي قابلة لاكتشاف الكائنات على تفاوت في هذا القبول، وأنّها تودع في جسم الجنين عند اكتمال طور المضغة، وأنّ للنفس الناطقة آثاراً من الانكشافات إذا ظهرت فقد ينتقش بعضها بمدارك صاحب النفس في لوح حسّه المشترك، وقد يصرفه عن الانتقاش شاغلان: أحدهما حِسّيّ خارجيّ، والآخر باطنيّ عقليّ أو وهميّ، وقوَى النفس متجاذبة متنازعة فإذا اشتدّ بعضُها ضعف البعضُ الآخر كما إذا هاج الغضب ضعفت الشهوة، فكذلك إنْ تَجَرّدَ الحس الباطن للعمل شغل عن الحسّ الظاهر، والنوم شاغل للحسّ، فإذا قلّت شواغل الحواس الظاهرة فقد تتخلّص النفس عن شغل مخيلاتها، فتطلّع على أمور مغيبة، فتكونُ المنامات الصادقة. والرؤيا الصادقةُ حالةٌ يكرم الله بها بعض أصْفيائه الذين زكت نفوسهم فتتّصل نفوسهم بتعلّقات من علم الله وتعلّقات من إرادته وقدرته وأمره التكوينيّ فتنكشف بها الأشياء المغيبة بالزّمان قبل وقوعها، أو المغيبة بالمكان قبل اطلاع الناس عليها اطلاعاً عاديّاً، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : الرؤيا الصالحة من الرّجل الصالح جزء من ستّة وأربعين جزءاً من النبوءة»تفسير : . وقد بُيّن تحديد هذه النسبة الواقعة في الحديث في شروح الحديث. وقال: «حديث : لم يبق من النبوءة إلاّ المبشّرات وهي الرؤيا الصّالحة للرجل الصالح يراها أو ترى له»تفسير : . وإنّما شرطت المرائي الصادقة بالنّاس الصّالحين لأنّ الارتياض على الأعمال الصّالحة شاغل للنفس عن السيّئات، ولأنّ الأعمال الصّالحات ارتقاءات وكمالات فهي معينة لجوهر النفس على الاتّصال بعالَمها الذي خلقت فيه وأنزلت منه، وبعكس ذلك الأعمال السيّئة تبعدها عن مألوفاتها وتبلدها وتذبذبها. والرؤيا مراتب: منها أن: ترى صور أفعال تتحقّق أمثالها في الوجود مثل رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أنه يهاجر من مكّة إلى أرض ذات نخل، وظنّه أنّ تلك الأرض اليمامة فظهر أنّها المدينة، ولا شك أنّه لمّا رأى المدينة وجَدَها مطابقة للصّورة التي رآها، ومثل رؤياه امرأة في سَرَقَة من حرير فقيل له اكشِفْها فهي زوجك فكشف فإذا هي عائشة، فعلم أن سيتزوجها. وهذا النوع نادر وحالة الكشف فيه قوية. ومنها أن ترى صُورٌ تكون رموزاً للحقائق التي ستحصل أو التي حصلت في الواقع، وتلك من قبيل مكاشفة النفس للمعاني والمواهي وتشكيل المخيّلة تلك الحقائق في أشكال محسوسة هي من مظاهر تلك المعاني، وهو ضرب من ضروب التشبيه والتمثيل الذي تخترعه ألباب الخطباء والشعراء، إلاّ أنّ هذا تخترعه الألباب في حالة هدوّ الدمَاغ من الشواغل الشاغلة، فيكون أتقن وأصدق. وهذا أكثر أنواع المرائي. ومنه رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أنّه يشرب من قدح لَبن حتى رأى الريّ في أظفاره ثم أعطَى فضلَه عمرَ بن الخطّاب ـــ رضي الله عنه ـــ. وتعبيره ذلك بأنّه العلم. وكذلك رؤياه امرأة سوداء ناشرة شَعَرَهَا خارجة من المدينة إلى الجحفة، فعبّرها بالحمى تنتقل من المدينة إلى الجحفة، ورئِيَ عبد الله بن سلام أنه في روضة، وأنّ فيها عموداً، وأنّ فيه عروة، وأنّه أخذ بتلك العروة فارتقى إلى أعلى العمود، فعبّره النبي صلى الله عليه وسلم بأنّه لا يزال آخذاً بالإيمان الذي هو العروة الوثقى، وأنّ الروضة هي الجنّة، فقد تَطابَق التمثيل النوميّ مع التمثيل المتعارف في قوله تعالى: { أية : فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } تفسير : [سورة البقرة: 256]، وفي قول النبي: ( حديث : ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ) تفسير : . وسيأتي تأويل هذه الرؤيا عند قوله تعالى: { أية : وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل } تفسير : [سورة يوسف: 100].

الشنقيطي

تفسير : لم يبين هنا تأويل هذه الرؤيا، ولكنه بينه في هذه السورة الكريمة في قوله: {أية : فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً} تفسير : [يوسف: 99 - 100] الآية. ومن المعلوم أن رؤيا الأنبياء وحي.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لأبيه: أي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام. إني رأيت: أي في منامي. أحد عشر كوكبا: أي من كواكب السماء. ساجدين: أي نزل الكل من السماء وسجدوا ليوسف وهو طفل. فيكيدوا لك: أي يحتالوا عليك بما يضرك. عدو مبين: أي بين العداوة ظاهرها. يجتبيك ربك: أي يصطفيك له لتكون من عباده المخلصين. من تاويل الأحاديث: أي تعبير الرؤيا. ويتم نعمته عليك: أي بأن ينبّئك ويرسلك رسولاً. معنى الآيات: قوله تعالى {إِذْ قَالَ يُوسُفُ} هذا بداية القصص أي اذكر أيها الرسول إذ قال يوسف بن يعقوب لأبيه يعقوب {يٰأَبتِ} أي يا أبي {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً} أي من كواكب السماء {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} أي نزلوا من السماء وسجدوا له تحيّة وتعظيما. وسيظهر تأويل هذه الرؤيا بعد أربعين سنة حيث يجمع الله شمله بأبويه وإخوته الأحد عشر ويَسجدُ الكل له تحيّة وتعظيما. وقوله تعالى {قَالَ يٰبُنَيَّ} أي قال يعقوب لولده يوسف {لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ} وهم إخوة له من أبيه دون أمه {فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً} أي يحملهم الحسد على أن يكيدوك بما يضرك بطاعتهم للشيطان حين يغريهم بك {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} إذ أخرج آدم وحواء من الجنة بتزيينه لهما الأكل من الشجرة التي نهاهما الله تعالى عن الأكل منها. وقوله {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} وكما أراك ربك الكواكب والشمس والقمر ساجدين لك يجتبيك أي يصطفيك له لتكون من عباده المخلصين. وقوله {وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} أي ويعلمك معرفة ما يؤول إليه أحاديث الناس ورؤياهم المنامية، ويتم نعمته عليك بالنبوة وعلى آل يعقوب أي أولاده. {كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} إسحاق جد يوسف الأدنى وإبراهيم جده الأعلى حيث أنعم عليهما بانعامات كبيرة أعظمها النبوة والرسالة، وقوله تعالى {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ} أي بخلقه {حَكِيمٌ} أي في تدبيره فيضع كل شيء في موضعه فيكرم من هو أهل للاكرام، ويحرم من هو أهل للحرمان. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- ثبوت الرؤيا شرعاً ومشروعية تعبيرها. 2- قد تتأخر الرؤيا فلا يظهر مصداقها إلا بعد السنين العديدة. 3- مشروعية الحذر والأخذ بالحيطة في الأمور الهامة. 4- بيان إفضال الله على آل إبراهيم بما أنعم عليهم فجعلهم أنبياء آباء وأبناء وأحفاداً.

القطان

تفسير : أحد عشر كوكبا: هم اخوة يوسف. والشمس والقمر: ابوه وامه. الرؤيا: ما يراه النائم في المنام. يجتبيك ربك: يختارك ويصطفيك. تأويل الاحاديث: تعبير الرؤيا. قال يوسف لأبيه يعقوب: لقد رأيتُ في منامي أحد عشر كوكبا ساجدة لي، ومعهما الشمس والقمر ساجدين أيضاً. (وهذا السجود سجودُ تعظيم لا سجودَ عبادة) وقد عِلَمَ أبوه ان هذه الرؤيا سيكونُ لها شأنٌ عظيم، وان يوسفَ سيكون له مستقبل وسلطان يسود به أهلَه والناس، فقال لولده: يا بنيّ، لا تقصَّ على إخوتك هذه الرؤيا، فإنها تثير في نوسهم الحسدَ ويكيدون لك كيداً عظيما، فالشيطان بالمرصاد للانسان وهو عدوه الظاهر على الدوام. لقد اصطفاك ربك يا يوسف فأراك هذه الرؤيا التي تبشّر بخير عظيم، وسيختارك أيضاً للنبوة والملك، ويعلّمك الرؤيا، فيعظُم قدرُك وذكرك. وتتم نعمة الله عليك بالنبوّة، كما أتمّها من قبلُ على أبويك: ابرهيم واسحاق. إنه عليم بمن يصطفيه حكيم في تدبيره. ان بعض الرؤى حقّ، ويتحقق كثير منها في المستقبل، وما ورد في هذه السورة من وقوع مصداق رؤيا يوسف وصاحبيه في السجن، ورؤيا ملك مصر - يجعلنا نؤمن بها. وقد حصل معنا الكثير من الرؤى ومع اشخاص عرفناهم، وتحقق بعضها في حالات متكررة. قراءات: قرأ ابن عامر: "يا ابت" بفتح التاء والباقون: "يا ابت" بكسر التاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَبتِ} {سَاجِدِينَ} (4) - اذْكُرْ، يَا مُحَمَّدُ، لِقَوْمِكَ فِي قَصَصِكَ عَلَيهِمْ، قِصَّةَ يُوسُفَ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَعْقُوبَ، عَلَيهِمَا السَّلاَمُ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي أَنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَأَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً تَسْجُدُ لِي. فَفَسَّرَها يَعْقُوبُ أَنَّ ابْنَهُ يُوسُفَ سَيَحْتَلُّ مَرْكَزاً رَفِيعاً مَرْمُوقاً، وَأَنَّهُ وَزَوْجَتَهُ أُمَّ يُوسُفَ، وَإِخْوَتَهُ الأَحَدَ عَشَرَ، سَيَكُونُونَ مِمَّنْ يُعَظِّمُونَ مَرْكَزَهُ تَعْظِيماً زَائِداً، حَتَّى لَيَصِلُوا إِلى حَدِّ السُّجُودِ لَهُ إِجْلالاً وَاحْتِرَاماً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهكذا تبدأ قصة يوسف، حين يقول لأبيه يعقوب عليهما السلام "يا أبت"، وأصل الكلمة "يا أبي"، ونجد في اللغة العربية كلمات "أبي" و"أبتِ" و"أبتَاهُ" و"أَبَة" وكلها تؤدي معنى الأبوة، وإن كان لكل منها مَلْحظ لغوي. ويستمر يوسف في قوله: {يٰأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4]. وكلنا رأينا الشمس والقمر؛ كُلٌّ في وقت ظهوره؛ لكن حلُم يوسف يُبيِّن أنه رآهما معاً، وكلنا رأينا الكواكب متناثرة في السماء آلافاً لا حَصْرَ لها، فكيف يرى يوسف أحد عشر كوكباً فقط؟ لا بُدَّ أنهم اتصفوا بصفات خاصة ميَّزتهم عن غيرهم من الكواكب الأخرى؛ وأنه قام بعدِّهِم. ورؤيا يوسف عليه السلام تبيِّن أنه رآهم شمساً وقمراً وأحد عشر كوكباً؛ ثم رآهم بعد ذلك ساجدين. وهذا يعني أنه رآهم أولاً بصفاتهم التي نرى بها الشمس والقمر والنجوم بدون سجود؛ ثم رآهم وهم ساجدون له؛ بملامح الخضوع لأمر من الله، ولذلك تكررت كلمة "رأيت" وهو ليس تكراراً، بل لإيضاح الأمر. ونجد أن كلمة: {سَاجِدِينَ} [يوسف: 4]. وهي جمع مذكر سالم؛ ولا يُجمع جَمْع المذكر السالم إلا إذا كان المفرد عاقلاً، والعقل يتميز بقدرة الاختيار بين البدائل؛ والعاقل المؤمن هو مَنْ يجعل اختياراته في الدنيا في إطار منهج الدين، وأسْمَى ما في الخضوع للدين هو السجود لله. ومَنْ سجدوا ليوسف إنما سجدوا بأمر من الله، فَهُم إذن يعقلون أمر الحق سبحانه وتعالى. مثلهم في ذلك مَثَلْ ما جاء في قول الحق سبحانه: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 1-2]. هذه السماء تعقل أمر ربها الذي بناها. وقال عنها أنها بلا فُرُوجٍ: {أية : أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} تفسير : [ق: 6]. وهي أيضاً تسمع أمر ربها، مصداقاً لقوله سبحانه: {أية : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 2]. أي: أنها امتلكت حاسة السمع؛ لأن "أذنت" من الأذن؛ وكأنها بمجرد سماعها لأمر الله؛ تنفعل وتنشق. وهكذا نجد أن كل عَالَم من عوالم الكون أُمَم مثل أمة البشر، ويتفاهم الإنسان مع غيره من البشر ممَّن يشتركون معه في اللغة، وقد يتفاهم مع البشر أمثاله ممن لا يعرف لغتهم بالإشارة، أو من خلال مُترجم، أو من خلال تعلُّم اللغة نفسها. ولكن الإنسان لا يفهم لغة الجماد، أو لغة النبات، أو لغة الحيوان؛ إلا إذا أنعم الله على عبد بأن يفهم عن الجماد، أو أن يفهم الجماد عنه. والمثل: هو تسبيح الجبال مع داود، ويُشكِّل تسبيحه مع تسبيحها "جُوقة" من الانسجام مُكَوَّن من إنسان مُسبِّح؛ هو أعلى الكائنات، والمُردِّد للتسبيح هي الجبال، وهي من الجماد أدنى الكائنات. ونحن نعلم أن كل الكائنات تُسبِّح، لكننا لا نفقه تسبيحها، ولكن الحق سبحانه يختار من عباده مَنْ يُعلِّمه مَنْطِق الكائنات الأخرى، مثلما قال سبحانه عن سليمان: {أية : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ ..} تفسير : [النمل: 16]. وهكذا عَلِمْنا أن للطير منطقاً. وعلَّم الحقُّ سبحانه سليمان لغة النمل؛ لأننا نقرأ قول الحق: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [النمل: 18-19]. إذن: فلكُلِّ أُمَّة من الكائنات لغة، وهي تفهم عن خالقها، أو مَنْ أراد له الله سبحانه وتعالى أن يفهم عنها، وبهذا نعلم أن الشمس والقمر والنجوم حين سجدتْ بأمر ربها ليوسف في رؤياه؛ إنما فهمتْ عن أمر ربها. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {قَالَ يٰبُنَيَّ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : واعلم أن الله ذكر أنه يقص على رسوله أحسن القصص في هذا الكتاب، ثم ذكر هذه القصة وبسطها، وذكر ما جرى فيها، فعلم بذلك أنها قصة تامة كاملة حسنة، فمن أراد أن يكملها أو يحسنها بما يذكر في الإسرائيليات التي لا يعرف لها سند ولا ناقل وأغلبها كذب، فهو مستدرك على الله، ومكمل لشيء يزعم أنه ناقص، وحسبك بأمر ينتهي إلى هذا الحد قبحا، فإن تضاعيف هذه السورة قد ملئت في كثير من التفاسير، من الأكاذيب والأمور الشنيعة المناقضة لما قصه الله تعالى بشيء كثير. فعلى العبد أن يفهم عن الله ما قصه، ويدع ما سوى ذلك مما ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم ينقل. فقوله تعالى: { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأبِيهِ } يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام: { يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } فكانت هذه الرؤيا مقدمة لما وصل إليه يوسف عليه السلام من الارتفاع في الدنيا والآخرة. وهكذا إذا أراد الله أمرا من الأمور العظام قدم بين يديه مقدمة، توطئة له، وتسهيلا لأمره، واستعدادا لما يرد على العبد من المشاق، لطفا بعبده، وإحسانا إليه، فأوَّلها يعقوب بأن الشمس: أمه، والقمر: أبوه، والكواكب: إخوته، وأنه ستنتقل به الأحوال إلى أن يصير إلى حال يخضعون له، ويسجدون له إكراما وإعظاما، وأن ذلك لا يكون إلا بأسباب تتقدمه من اجتباء الله له، واصطفائه له، وإتمام نعمته عليه بالعلم والعمل، والتمكين في الأرض. وأن هذه النعمة ستشمل آل يعقوب، الذين سجدوا له وصاروا تبعا له فيها، ولهذا قال: { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } أي: يصطفيك ويختارك بما يمنُّ به عليك من الأوصاف الجليلة والمناقب الجميلة،. { وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ } أي: من تعبير الرؤيا، وبيان ما تئول إليه الأحاديث الصادقة، كالكتب السماوية ونحوها، { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } في الدنيا والآخرة، بأن يؤتيك في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، { كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ } حيث أنعم الله عليهما، بنعم عظيمة واسعة، دينية، ودنيوية. { إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } أي: علمه محيط بالأشياء، وبما احتوت عليه ضمائر العباد من البر وغيره، فيعطي كلا ما تقتضيه حكمته وحمده، فإنه حكيم يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها. ولما بان تعبيرها ليوسف، قال له أبوه: { يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا } أي: حسدا من عند أنفسهم، أن تكون أنت الرئيس الشريف عليهم. { إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ } لا يفتر عنه ليلا ولا نهارا، ولا سرا ولا جهارا، فالبعد عن الأسباب التي يتسلط بها على العبد أولى، فامتثل يوسف أمر أبيه، ولم يخبر إخوته بذلك، بل كتمها عنهم.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 381 : 1 : 2 - سفين عن رجل عن مجاهد {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} قال، أبوه واخوته وخالته. [الآية 4]. 382 : 2 : 3 - قال سفين، وكان غيره يقول، أبوه واخوته وخالته.

همام الصنعاني

تفسير : 1270- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله: {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ}: [الآية: 4]، قال: الكواكب إخوته، والشمس والقمر أبَواهُ. 1271- قال معمر، وقال بعض أهل العلم: أبوه وخالته. 1272- حدثنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن أبي سنان، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، قا ل: كان بين رؤيا يوسف وبين تعبيرها أربعون سنة، وذلك أقصى منتهى الرؤيا. 1273- عبد الرزاق، عن ابن التَّيْمي عن أبيه، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: كان بين رؤيا يوسف وتعبيرها أربعون سنة.