١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حفص {أَوْ بَنِى } بفتح الياء والباقون بالكسر. المسألة الثانية: أن يعقوب عليه السلام كان شديد الحب ليوسف وأخيه فحسده إخوته لهذا السبب وظهر ذلك المعنى ليعقوب عليه السلام بالأمارات الكثيرة فلما ذكر يوسف عليه السلام هذه الرؤيا وكان تأويلها أن إخوته وأبويه يخضعون له فقال لا تخبرهم برؤياك فإنهم يعرفون تأويلها فيكيدوا لك كيداً. المسألة الثالثة: قال الواحدي: الرؤيا مصدر كالبشرى والسقيا والشورى إلا أنه لما صار اسماً لهذا المتخيل في المنام جرى مجرى الأسماء. قال صاحب «الكشاف»: الرؤيا بمعنى الرؤية إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقطة فلا جرم فرق بينهما بحرفي التأنيث، كما قيل: القربة والقربى وقرىء روياك بقلب الهمزة واواً وسمع الكسائي يقرأ رياك ورياك بالإدغام وضم الراء وكسرها وهي ضعيفة. ثم قال تعالى: {فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا } وهو منصوب بإضمار أن والمعنى إن قصصتها عليهم كادوك. فإن قيل: فلم لم يقل فيكيدوك كما قال: { أية : فَكِيدُونِى } تفسير : [هود: 55]. قلنا: هذه اللام تأكيد للصلة كقوله {لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ }، وكقولك نصحتك ونصحت لك وشكرتك وشكرت لك، وقيل هي من صلة الكيد على معنى فيكيدوا كيداً لك. قال أهل التحقيق: وهذا يدل على أنه قد كان لهم علم بتعبير الرؤيا وإلا لم يعلموا من هذه الرؤيا ما يوجب حقداً وغضباً. ثم قال: {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلإِنْسَـٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } والسبب في هذا الكلام أنهم لو أقدموا على الكيد لكان ذلك مضافاً إلى الشيطان ونظيره قول موسى عليه السلام هذا من عمل الشيطان، ثم إن يعقوب عليه السلام قصد بهذه النصيحة تعبير تلك الرؤيا وذكروا أموراً: أولها: قوله: {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } يعني وكما اجتباك بمثل هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز وكبر شأن كذلك يجتبيك لأمور عظام. قال الزجاج: الاجتباء مشتق من جبيت الشيء إذا خلصته لنفسك ومنه جبيت الماء في الحوض، واختلفوا في المراد بهذا الاجتباء، فقال الحسن: يجتبيك ربك بالنبوة، وقال آخرون: المراد منه إعلاء الدرجة وتعظيم المرتبة فأما تعيين النبوة فلا دلالة في اللفظ عليه. وثانيها: قوله: {وَيُعَلّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } وفيه وجوه: الأول: المراد منه تعبير الرؤيا سماه تأويلاً لأنه يؤل أمره إلى ما رآه في المنام يعني تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم. قالوا: إنه عليه السلام كان في علم التعبير غاية، والثاني: تأويل الأحاديث في كتب الله تعالى والأخبار المروية عن الأنبياء المتقدمين، كما أن الواحد من علماء زماننا يشتغل بتفسير القرآن وتأويله، وتأويل الأحاديث المروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والثالث: الأحاديث جمع حديث، والحديث هو الحادث، وتأويلها مآلها، ومآل الحوادث إلى قدرة الله تعالى وتكوينه وحكمته، والمراد من تأويل الأحاديث كيفية الاستدلال بأصناف المخلوقات الروحانية والجسمانية على قدرة الله تعالى وحكمته وجلالته، وثالثها: قوله: {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ ءالِ يَعْقُوبَ }. واعلم أن من فسر الاجتباء بالنبوة لا يمكنه أن يفسر إتمام النعمة ههنا بالنبوة أيضاً وإلا لزم التكرار، بل يفسر إتمام النعمة ههنا بسعادات الدنيا وسعادات الآخرة. أما سعادات الدنيا فالإكثار من الأولاد والخدم والأتباع والتوسع في المال والجاه والحشم وإجلاله في قلوب الخلق وحسن الثناء والحمد. وأما سعادات الآخرة: فالعلوم الكثيرة والأخلاق الفاضلة والاستغراق في معرفة الله تعالى. وأما من فسر الاجتباء بنيل الدرجات العالية، فههنا يفسر إتمام النعمة بالنبوة ويتأكيد هذا بأمور: الأول: أن إتمام النعمة عبارة عما به تصير النعمة تامة كاملة خالية عن جهات النقصان. وما ذاك في حق البشر إلا بالنبوة، فإن جميع مناصب الخلق دون منصب الرسالة ناقص بالنسبة إلى كمال النبوة، فالكمال المطلق والتمام المطلق في حق البشر ليس إلا النبوة، والثاني: قوله: {كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ } ومعلوم أن النعمة التامة التي بها حصل امتياز إبراهيم وإسحق عن سائر البشر ليس إلا النبوة، فوجب أن يكون المراد بإتمام النعمة هو النبوة. واعلم أنا لما فسرنا هذه الآية بالنبوة لزم الحكم بأن أولاد يعقوب كلهم كانوا أنبياء، وذلك لأنه قال: {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ ءالِ يَعْقُوبَ } وهذا يقتضي حصول تمام النعمة لآل يعقوب، فلما كان المراد من إتمام النعمة هو النبوة لزم حصولها لآل يعقوب ترك العمل به في حق من عدا أبناءه فوجب أن لا يبقى معمولاً به في حق أولاده. وأيضاً أن يوسف عليه السلام قال: {إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا } وكان تأويله أحد عشر نفساً لهم فضل وكمال ويستضيء بعلمهم ودينهم أهل الأرض، لأنه لا شيء أضوأ من الكواكب وبها يهتدى وذلك يقتضي أن يكون جملة أولاد يعقوب أنبياء ورسلاً. فإن قيل: كيف يجوز أن يكونوا أنبياء وقد أقدموا على ما أقدموا عليه في حق يوسف عليه السلام؟ قلنا: ذاك وقع قبل النبوة، وعندنا العصمة إنما تعتبر في وقت النبوة لا قبلها. القول الثاني: أن المراد من قوله: {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } خلاصه من المحن، ويكون وجه التشبيه في ذلك بإبراهيم وإسحق عليهما السلام هو إنعام الله تعالى على إبراهيم بإنجائه من النار وعلى ابنه إسحق بتخليصه من الذبح. والقول الثالث: أن إتمام النعمة هو وصل نعمة الله عليه في الدنيا بنعم الآخرة بأن جعلهم في الدنيا أنبياء وملوكاً ونقلهم عنها إلى الدرجات العلى في الجنة. واعلم أن القول الصحيح هو الأول، لأن النعمة التامة في حق البشر ليست إلا النبوة، وكل ما سواها فهي ناقصة بالنسبة إليها، ثم إنه عليه السلام لما وعده بهذه الدرجات الثلاثة ختم الكلام بقوله: {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } فقوله: {عَلِيمٌ } إشارة إلى قوله: { أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } تفسير : [الأنعام: 124] وقوله: {حَكِيمٌ } إشارة إلى أن الله تعالى مقدس عن السفه والعبث، لا يضع النبوة إلا في نفس قدسية وجوهرة مشرقة علوية. فإن قيل: هذه البشارات التي ذكرها يعقوب عليه السلام هل كان قاطعاً بصحتها أم لا؟ فإن كان قاطعاً بصحتها، فكيف حزن على يوسف عليه السلام، وكيف جاز أن يشتبه عليه أن الذئب أكله، وكيف خاف عليه من إخوته أن يهلكوه، وكيف قال لإخوته وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون، مع علمه بأن الله سبحانه سيجتبيه ويجعله رسولاً، فأما إذا قلنا إنه عليه السلام ما كان عالماً بصحة هذه الأحوال، فكيف قطع بها؟ وكيف حكم بوقوعها حكماً جازماً من غير تردد؟. قلنا: لا يبعد أن يكون قوله: {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } مشروطاً بأن لا يكيدوه، لأن ذكر ذلك قد تقدم، وأيضاً فبتقدير أن يقال: إنه عليه السلام كان قاطعاً بأن يوسف عليه السلام سيصل إلى هذه المناصب إلا أنه لا يمتنع أن يقع في المضايق الشديدة ثم يتخلص منها ويصل إلى تلك المناصب فكان خوفه لهذا السبب ويكون معنى قوله: { أية : وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذّئْبُ } تفسير : [يوسف: 13] الزجر عن التهاون في حفظه وإن كان يعلم أن الذئب لا يصل إليه.
القرطبي
تفسير : فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً} أي يحتالوا في هلاكك؛ لأن تأويلها ظاهر؛ فربما يحملهم الشيطان على قصدك بسوء حينئذ. واللام في «لك» تأكيد، كقوله: {أية : إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} تفسير : [يوسف: 42]. الثانية: الرؤيا حالة شريفة، ومنزلة رفيعة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لم يبق بعدي من المبشِّرات إلا الرؤيا الصالحة الصادقة يراها الرجل الصالح أو تُرى له»تفسير : . وقال: «حديث : أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً»تفسير : . وحكم صلى الله عليه وسلم بأنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة، وروي «حديث : من سبعين جزءاً من النبوّة»تفسير : . وروي من حديث ٱبن عباس رضي الله عنهما«حديث : جزءاً من أربعين جزءاً من النبوّة»تفسير : . ومن حديث ٱبن عمرو «حديث : جزء من تسعة وأربعين جزءاً»تفسير : . ومن حديث العباس «حديث : جزء من خمسين جزءاً من النبوّة»تفسير : . ومن حديث أنس «حديث : من ستة وعشرين»تفسير : . وعن عُبادة بن الصّامت: «حديث : من أربعة وأربعين من النبوّة»تفسير : . والصحيح منها حديث الستة والأربعين، ويتلوه في الصحة حديث السبعين؛ ولم يخرّج مسلم في صحيحه غير هذين الحديثين، أما سائرها فمن أحاديث الشيوخ؛ قاله ٱبن بَطّال. قال أبو عبد الله المازَريّ: والأكثر والأصح عند أهل الحديث «حديث : من ستة وأربعين»تفسير : . قال الطّبريّ: والصواب أن يقال إن عامة هذه الأحاديث أو أكثرها صحاح، ولكل حديث منها مخرج معقول؛ فأما قوله: «إنها جزء من سبعين جزءاً من النبوّة» فإن ذلك قول عام في كل رؤيا صالحة صادقة، ولكل مسلم رآها في منامه على أي أحواله كان؛ وأما قوله: «إنها من أربعين ـ أو ـ ستة وأربعين» فإنه يريد بذلك من كان صاحبها بالحال التي ذكرت عن الصدّيق ـ رضي الله عنه ـ أنه كان بها؛ فمن كان من أهل إسباغ الوضوء في السَّبَرات، والصبر في الله على المكروهات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فرؤياه الصالحة ـ إن شاء الله ـ جزء من أربعين جزءاً من النبوّة، ومن كانت حاله في ذاته بين ذلك فرؤياه الصادقة بين جزءين؛ ما بين الأربعين إلى الستين، لا تنقص عن سبعين، وتزيد على الأربعين؛ وإلى هذا المعنى أشار أبو عمر بن عبد البر فقال: اختلاف الآثار في هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا ليس ذلك عندي اختلاف متضاد متدافع ـ والله أعلم ـ لأنه يحتمل أن تكون الرؤيا الصالحة من بعض من يراها على حسب ما يكون من صدق الحديث، وأداء الأمانة، والدِّين المتين، وحسن اليقين؛ فعلى قدر اختلاف الناس فيما وصفنا تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة العدد؛ فمن خلصت نيته في عبادة ربه ويقينه وصدق حديثه، كانت رؤياه أصدق، وإلى النبوّة أقرب: كما أن الأنبياء يتفاضلون؛ قال الله تعالى: {أية : وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ} تفسير : [الإسراء:55] قلت: فهذا التأويل يجمع شتات الأحاديث، وهو أولى من تفسير بعضها دون بعض وطرحه؛ ذكره أبو سعيد الأَسْفاقُسِي عن بعض أهل العلم قال: معنى قوله: «جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة» فإن الله تعالى أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم في النبوّة ثلاثة وعشرين عاماً ـ فيما رواه عكرمة وعمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ فإذا نسبنا ستة أشهر من ثلاثة وعشرين عاماً وجدنا ذلك جزءاً من ستة وأربعين جزءاً؛ وإلى هذا القول أشار المازَريّ في كتابه «المعلم» واختاره الغزنويّ في تفسيره من سورة «يونس» عند قوله تعالى: {أية : لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [يونس: 64]. وهو فاسد من وجهين: أحدهما ـ ما رواه أبو سَلَمة عن ابن عباس وعائشة بأن مدّة الوحي كانت عشرين سنة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين، فأقام بمكة عشر سنين؛ وهو قول عروة والشعبيّ وابن شهاب والحسن وعطاء الخراساني وسعيد بن المسيّب على اختلاف عنه، وهي رواية ربيعة وأبي غالب عن أنس، وإذا ثبت هذا الحديث بطل ذلك التأويل ـ الثاني: أن سائر الأحاديث في الأجزاء المختلفة تبقى بغير معنى. الثالثة: إنما كانت الرؤيا جزءاً من النبوّة؛ لأن فيها ما يعجز ويمتنع كالطيران، وقلب الأعيان، والاطلاع على شيء من علم الغيب؛ كما قال عليه السلام: «حديث : إنه لم يبق من مبشِّرات النبوّة إلا الرؤيا الصادقة في النوم» تفسير : الحديث. وعلى الجملة فإن الرؤيا الصادقة من الله، وأنها من النبوّة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : الرؤيا من الله والحُلْم من الشيطان» تفسير : وأن التصديق بها حقّ، ولها التأويل الحسن، وربما أغنى بعضها عن التأويل، وفيها من بديع الله ولطفه ما يزيد المؤمن في إيمانه؛ ولا خلاف في هذا بين أهل الدين والحق من أهل الرأي والأثر، ولا ينكر الرؤيا إلا أهل الإلحاد وشِرذمة من المعتزلة. الرابعة: إن قيل: إذا كانت الرؤيا الصادقة جزءاً من النبوّة فكيف يكون الكافر والكاذب والمخلِّط أهلاً لها؟ وقد وقعت من بعض الكفار وغيرهم ممن لا يرضى دينه منامات صحيحة صادقة؛ كمنام رؤيا الملِك الذي رأى سبع بقرات، ومنام الفتيين في السجن، ورؤيا بُخْتُنَصَّر، التي فسّرها دانيال في ذهاب ملكه، ورؤيا كسرى في ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، ومنام عاتكة، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره وهي كافرة، وقد ترجم البخاري «باب رؤيا أهل السجن» ـ فالجواب أن الكافر والفاجر والفاسق والكاذب وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات لا تكون من الوحي ولا من النبوّة؛ إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوّة؛ وقد تقدّم في «الأنعام» أن الكاهن وغيره قد يخبر بكلمة الحق فيصدق، لكن ذلك على الندور والقلة، فكذلك رؤيا هؤلاء؛ قال المهلَّب: إنما ترجم البخاري بهذا لجواز أن تكون رؤيا أهل الشرك رؤيا صادقة، كما كانت رؤيا الفتيين صادقة، إلا أنه لا يجوز أن تضاف إلى النبوّة إضافة رؤيا المؤمن إليها، إذ ليس كل ما يصح له تأويل من الرؤيا حقيقة يكون جزءاً من النبوّة. الخامسة: الرؤيا المضافة إلى الله تعالى هي التي خلصت من الأضغاث والأوهام، وكان تأويلها موافقاً لما في اللوح المحفوظ، والتي هي من خبر الأضغاث هي الحُلْم، وهي المضافة إلى الشيطان، وإنما سميت ضِغثاً؛ لأن فيها أشياء متضادة؛ قال معناه المهلَّب. وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا أقساماً تغني عن قول كل قائل؛ روى عوف ابن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الرؤيا ثلاثة منها أهاويل الشيطان ليُحزِن ٱبن آدم ومنها ما يهتم به في يقظته فيراه في منامه ومنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة»تفسير : . قال قلت: سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعمٰ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. السادسة: قوله تعالى: {قَالَ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ} الآية. الرؤيا مصدر رأى في المنام، رؤيا على وزن فُعلى كالسُّقْيا والبُشْرى؛ وألفه للتأنيث ولذلك لم ينصرف. وقد ٱختلف العلماء في حقيقة الرؤيا؛ فقيل: هي إدراكٌ في أجزاء لم تحلّها آفة، كالنوم المستغرق وغيره؛ ولهذا أكثر ما تكون الرؤيا في آخر الليل لقلة غلبة النوم؛ فيخلق الله تعالى للرائي علماً ناشِئاً، ويخلق له الذي يراه على ما يراه ليصح الإدراك، قال ٱبن العربيّ: ولا يرى في المنام إلا ما يصح إدراكه في اليقظة، ولذلك لا يرى في المنام شخصاً قائماً قاعداً بحال، وإنما يرى الجائزات المعتادات. وقيل: إن لله ملَكاً يعرض المرئيات على المحل المدرِك من النائم، فيمثل له صوراً محسوسة؛ فتارة تكون تلك الصور أمثلة موافقة لما يقع في الوُجُود، وتارة تكون لمعاني معقولة غير محسوسة، وفي الحالتين تكون مُبشّرةً أو مُنذرة؛ قال صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره: «حديث : رأيتُ امرأة سوداء ثائرةَ الرأسِ تَخرج من المدينة إلى مَهْيَعة فأوّلتها الحُمَّى»تفسير : . و «حديث : رأيت سيفي قد ٱنقطع صدرُه وبَقَراً تُنْحَر فأولتُهما رجلٌ من أهل بيتي يُقتل والبقر نفر من أصحابي يُقتلون»تفسير : . و «حديث : رأيت أني أدخلت يدي في دِرعٍ حصِينة فأولتها المدينة ورأيت في يديّ سُوَارين فأولتُهما كذابيّن يَخرجان بعدي»تفسير : . إلى غير ذلك مما ضربتْ له الأمثال؛ ومنها ما يظهر معناه أوّلاً (فأولا)، ومنها ما لا يظهر إلا بعد التفكر؛ وقد رأى النائم في زمن يوسف عليه السلام بقراً فأولها يوسف السنين، ورأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر فأولها بإخوته وأبويه. السابعة: إن قيل: إن يوسف عليه السلام كان صغيراً وقت رؤياه، والصغير لا حكم لفعله، فكيف تكون له رؤيا لها حكم حتى يقول له أبوه: «لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إخْوَتِكَ»؟ فالجواب ـ أن الرؤيا إدراك حقيقةٍ على ما قدّمناه، فتكون من الصغير كما يكون منه الإدراك الحقيقي في اليقظة، وإذا أخبر عما رأى صدق، فكذلك إذا أخبر عما يرى في المنام؛ وقد أخبر الله سبحانه عن رؤياه وأنها وُجدت كما رأى فلا ٱعتراض؛ روي أن يوسف عليه السلام كان ٱبن ٱثنتي عشرة سنة. الثامنة: هذه الآية أصل في ألا تقص الرؤيا على غير شفيق ولا ناصح، ولا على من لا يحسن التأويل فيها. «روى أبو رَزِين العُقَيليّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: حديث : الرؤيا جزء من أربعين جزءاً من النبوّةتفسير : و «حديث : الرؤيا معلقة برجل طائر ما لم يحدّث بها صاحبها فإذا حدّث بها وقعت فلا تحدّثوا بها إلا عاقلاً أو مُحِباً أو ناصحاً» تفسير : أخرجه الترمذيّ وقال فيه: حديث حسن صحيح؛ وأبو رَزِين ٱسمه لَقِيط بن عامر. وقيل لمالك: أيعبر الرؤيا كلّ أحد؟ فقال: أَبِالنبوّة يُلعب؟ وقال مالك: لا يعبّر الرؤيا إلا من يحسنها، فإن رأى خيراً أخبر به، وإن رأى مكروهاً فليقل خيراً أو ليصمت؛ قيل: فهل يعبّرها على الخير وهي عنده على المكروه لقول من قال إنها على ما تأوّلت عليه؟ فقال: لاٰ ثم قال: الرؤيا جزء من النبوّة فلا يتلاعب بالنبوّة. التاسعة: وفي هذه الآية دليل على أن مباحاً أن يحذّر المسلم أخاه المسلم ممن يخافه عليه، ولا يكون داخلاً في معنى الغِيبة؛ لأن يعقوب ـ عليه السلام ـ قد حذّر يوسف أن يقص رؤياه على إخوته فيكيدوا له كيداً، وفيها أيضاً ما يدلّ على جواز ترك إظهار النعمة عند من تخشى غائلته حسداً وكيداً؛ وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : استعينوا على (إنجاح) حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود»تفسير : . وفيها أيضاً دليل واضح على معرفة يعقوب عليه السلام بتأويل الرؤيا؛ فإنه علم من تأويلها أنه سيظهر عليهم، ولم يبال بذلك من نفسه؛ فإن الرجل يودّ أن يكون ولده خيراً منه، والأخ لا يود ذلك لأخيه. ويدلّ أيضاً على أن يعقوب عليه السلام كان أحسّ من بنيه حسد يوسف وبغضه؛ فنهاه عن قصص الرؤيا عليهم خوف أن تَغِلّ بذلك صدورهم، فيعملوا الحيلة في هلاكه؛ ومن هذا ومن فعلهم بيوسف يدلّ على أنهم كانوا غير أنبياء في ذلك الوقت، ووقع في كتاب الطبريّ لابن زيد أنهم كانوا أنبياء، وهذا يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنيويّ، وعن عقوق الآباء، وتعريض مؤمن للهلاك، والتآمر في قتله، ولا التفات لقول من قال إنهم كانوا أنبياء، ولا يستحيل في العقل زلّة نبيّ، إلا أن هذه الزلّة قد جمعت أنواعاً من الكبائر، وقد أجمع المسلمون على عصمتهم منها، وإنما ٱختلفوا في الصغائر على ما تقدّم ويأتي. العاشرة: روى البخاريّ عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لم يبق من النبوّة إلا المبشِّرات قالوا: وما المبشِّرات؟ قال: الرؤيا الصالحة» تفسير : وهذا الحديث بظاهره يدلّ على أن الرؤيا بشرى على الإطلاق وليس كذلك؛ فإن الرؤيا الصادقة قد تكون منذرة من قِبل الله تعالى لا تسر رائيها، وإنما يريها الله تعالى المؤمن رفقاً به ورحمة، ليستعد لنزول البلاء قبل وقوعه؛ فإن أدرك تأوّلها بنفسه، وإلا سأل عنها من له أهلية ذلك. وقد رأى الشافعي رضي الله عنه وهو بمصر رؤيا لأحمد بن حَنْبل تدلّ على محنته فكتب إليه بذلك ليستعد لذلك، وقد تقدّم في «يونس» في تفسير قوله تعالى: {أية : لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [يونس: 64] أنها الرؤيا الصالحة. وهذا وحديث البخاريّ مخرجه على الأغلب، والله أعلم. الحادية عشرة: روى البخاريّ عن أبي سَلَمة قال: لقد كنت أرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت أبا قَتَادة يقول: وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الرؤيا الحسنة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها وليتفل ثلاث مرات ولا يحدّث بها أحداً فإنها لن تضره»تفسير : . قال علماؤنا: فجعل الله الاستعاذة منها مما يرفع أذاها؛ ألا ترى قول أبي قَتَادة: إني كنت لأرى الرؤيا هي أثقل عليّ من الجبل، فلما سمعت بهذا الحديث كنت لا أعدها شيئاً. وزاد مسلم من رواية جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثاً وليتعوّذ بالله من الشيطان ثلاثاً وليتحوّل عن جنبه الذي كان عليه»تفسير : . وفي حديث أبي هُريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل»تفسير : . قال علماؤنا: وهذا كله ليس بمتعارض، وإنما هذا الأمر بالتحوّل، والصلاة زيادة، فعلى الرائي أن يفعل الجميع، والقيام إلى الصلاة يشمل الجميع؛ لأنه إذا صلى تضمن فعله للصلاة جميع تلك الأمور؛ لأنه إذا قام إلى الصلاة تحوّل عن جنبه، وإذا تمضمض تَفَل وبَصَق، وإذا قام إلى الصلاة تعوّذ ودعا وتضرع لله تعالى في أن يكفيه شرها في حال هي أقرب الأحوال إلى الإجابة، وذلك السَحَر من الليل.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن قول يعقوب لابنه يوسف حين قص عليه ما رأى من هذه الرؤيا التي تعبيرها خضوع إخوته له، وتعظيمهم إياه تعظيماً زائداً بحيث يخرون له ساجدين إجلالاً واحتراماً وإكراماً، فخشي يعقوب عليه السلام أن يحدث بهذا المنام أحداً من إخوته فيحسدونه على ذلك، فيبغون له الغوائل حسداً منهم له، ولهذا قال له: {لاَ تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا} أي: يحتالوا لك حيلة يردونك فيها، ولهذا ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا رأى أحدكم ما يحب، فليحدث به، وإذا رأى ما يكره، فليتحول إلى جنبه الآخر، وليتفل عن يساره ثلاثاً، وليستعذ بالله من شرها، ولا يحدث بها أحداً، فإنها لن تضره» تفسير : وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن من رواية معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الرؤيا على رِجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت» تفسير : ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر، كما ورد في حديث: «حديث : استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود».
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ يَا بُنَىَّ لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا } يحتالون في هلاكك حسداً لعلمهم بتأويلها من أنهم الكواكب والشمس أُمّك والقمر أبوك {إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لِلإِنْسَٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة.
الماوردي
تفسير : وقيل إنه كان له عند هذه الرؤيا سبع عشرة سنة، قال ابن عباس: رأى هذه الرؤيا ليلة الجمعة وكانت ليلة القدر، فلما قصها على يعقوب أشفق عليه من حسد إخوته فقال: يا بني هذه رؤيا الليل فلا يعول عليها، فلما خلا به{قا يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً إن الشيطان للإنسان عدوٌّ مبين}. وفي تسميته بيوسف قولان: أحدهما: أنه اسم أعجمي. الثاني: أنه عربي مشتق من الأسف، والأسف في اللغة الحزن.
ابن عطية
تفسير : تقتضي هذه الآية أن يعقوب عليه السلام كان يحس من بنيه حسد يوسف وبغضته، فنهاه عن قصص الرؤيا عليهم خوف أن يشعل بذلك غل صدورهم، فيعملوا الحيلة على هلاكه، ومن هنا ومن فعلهم بيوسف - الذي يأتي ذكره - يظهر أنهم لم يكونوا أنبياء في ذلك الوقت. ووقع في كتاب الطبري لابن زيد: أنهم كانوا أنبياء؛ وهذا يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنياوي وعن عقوق الآباء وتعريض مؤمن للهلاك والتوافر في قتله. ثم أعلمه: {إن الشيطان للإنسان عدو مبين} أي هو يدخلهم في ذلك ويحضهم عليه. وأمال الكسائي {رؤياك}، والرؤيا حيث وقعت وروي عنه: أنه لم يمل: {رؤياك} في هذه السورة وأمال الرؤيا حيث وقعت، وقرأ "روياك" بغير همز - وهي لغة أهل الحجاز - ولم يملها الباقون حيث وقعت. و "الرؤيا" مصدر كثر وقوعه على هذا المتخيل في النوم حتى جرى مجرى الأسماء كما فعلوا في الدر في قولهم: لله درك فخرجا من حكم عمل المصادر وكسروها رؤى بمنزلة ظلم، والمصادر في أكثر الأمر لا تكسر. وقوله: {وكذلك يجتبيك} الآية، فـ {يجتبيك} معناه: يختارك ويصطفيك، ومنه: جبيت الماء في الحوض، ومنه: جباية المال، وقوله: {ويعلمك من تأويل الأحاديث} قال مجاهد والسدي: هي عبارة الرؤيا. وقال الحسن: هي عواقب الأمور. وقيل: هي عامة لذلك وغيره من المغيبات. وقوله: {ويتم نعمته} يريد النبوءة وما انضاف إليها من سائر النعم. وقوله: {آل يعقوب} يريد في هذا الموضع الأولاد والقرابة التي هي من نسله، أي يجعل فيهم النبوءة، ويروى أن ذلك إنما علمه يعقوب من دعوة إسحاق له حين تشبه له بعيصو - والقصة كاملة في كتاب النقاش لكني اختصرتها لأنه لم ينبل ألفاظها وما أظنه انتزعها إلا من كتب بني إسرائيل، فإنها قصة مشهورة عندهم، وباقي هذه الآية بيّن. و "النعمة" على يوسف كانت تخليصه من السجن وعصمته والملك الذي نال؛ وعلى {إبراهيم} هي اتخاذه خليلاً؛ وعلى {إسحاق} فديته بالذبح العظيم، مضافاً ذلك كله إلى النبوءة. و {عليم حكيم} مناسبتان لهذا الوعد.
النسفي
تفسير : {قَالَ يَـا بَنِي } بالفتح حيث كان. حفص {لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ } هي بمعنى الرؤية إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة، وفرق بينهما بحر في التأنيث كما في القربة والقربى {عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ } جواب النهي أي إن قصصتها عليهم كادوك. عرف يعقوب عليه السلام أن الله يصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين فخاف عليه حسد الإخوة. وإنما لم يقل فيكيدوك كما قال {أية : فيكدوني}تفسير : [هود: 55] لأنه ضمن معنى فعل يتعدى باللام ليفيد معنى فعل الكيد مع إفادة معنى الفعل المضمن فيكون آكد وأبلغ في التخويف وذلك نحو «فيحتالوا لك» ألا ترى إلى تأكيده بالمصدر وهو {كَيْدًا إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلإِنْسَـٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة فيحملهم على الحسد والكيد. {وَكَذٰلِكَ } ومثل ذلك الاجتباء الذي دلت عليه رؤياك {يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } يصطفيك، والاجتباء الاصطفاء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض جمعته {وَيُعَلّمُكَ } كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك {مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } أي تأويل الرؤيا، وتأويلها عبارتها وتفسيرها وكان يوسف أعبر الناس للرؤيا، أو تأويل أحاديث الأنبياء وكتب الله وهو اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ ءالِ يَعْقُوبَ } بأن وصل لهم نعمة الدنيا بنعمة الآخرة أي جعلهم أنبياء في الدنيا وملوكاً، ونقلهم عنها إلى الدرجات العلى في الجنة. وآل يعقوب أهله وهم نسله وغيرهم، وأصل آل أهل بدليل تصغيره على« أهيل» إلا أنه لا يستعمل إلا فيمن له خطر، يقال آل النبي وآل الملك ولا يقال آل الحجام، ولكن أهله، وإنما علم يعقوب أن يوسف يكون نبياً وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب فلذا قال {وعلى آل يعقوب} {كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ } أراد الجد وأبا الجد {إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ } عطف بيان لـ {أبويك} {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ } يعلم من يحق له الاجتباء {حَكِيمٌ } يضع الأشياء في مواضعها .
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما {وكذلك يجتبيك ربك} قال يصطفيك. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ويعلمك من تأويل الأحاديث} قال: عبارة الرؤيا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {ويعلمك من تأويل الأحاديث} قال: تأويل العلم والحلم. قال: وكان يومئذ أعبر الناس. وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: {كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق} قال: فنعمته على إبراهيم نجاه من النار، وعلى إسحق أن نجاه من الذبح.
ابو السعود
تفسير : {قَالَ يَـابُنَىَّ} صغّره للشفقة، أو لها ولصِغَر السن, وهو أيضاً استئنافٌ مبنيٌ على سؤال من قال: فماذا قال يعقوبُ بعد سماعِ هذه الرؤيا العجيبةِ؟ ولمّا عرَف يعقوبُ عليه السلام من هذه الرؤيا أن يوسفَ يبلّغه الله تعالى مبلغاً جليلاً من الحكمة ويصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين كما فعل بآبائه الكرامِ خاف عليه حسَدَ الإخوة وبغيَهم فقال صيانةً لهم من ذلك وله من معاناة المشاقِّ ومقاساةِ الأحزان، وإن كان واثقاً بأن الله تعالى سيحقق ذلك لا محالة وطمعاً في حصوله بلا مشقة: {لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ} هي ما في المنام كما أن الرؤيةَ ما في اليقظة، فُرّق بـينهما بحرفي التأنيث كما في القربى والقربة، وحقيقتُها ارتسامُ الصورةِ المنحدرة من أفق المُتخيّلة إلى الحس المشترك، والصادقةُ منها إنما تكون باتصال النفسِ بالملكوت لما بـينهما من التناسب عند فراغِها من تدبـير البدنِ أدنى فراغٍ فتتصور بما فيها مما يليق من المعاني الحاصلةِ هناك ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشتركِ فتصير مشاهِدةً ثم إذا كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوتُ إلا بالكلية والجزئية استغنت الرؤيا عن التعبـير وإلا احتاجت إليه {عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ} نصب بإضمار أن أي فيفعلوا {لَكَ} أي لأجلك ولإهلاكك {كَيْداً} متيناً راسخاً لا تقدر على التفصّي عنه، أو خفياً عن فهمك لا تتصدى لمدافعته وهذا أوفقُ بمقام التحذير وإن كان يعقوبُ عليه السلام يعلم أنهم ليسوا بقادرين على تحويل ما دلت الرؤيا على وقوعه، وهذا الأسلوبُ آكدُ من أن يقال: فيكيدوك كيداً، إذ ليس فيه دِلالةٌ على كون نفس الفعلِ مقصودَ الإيقاع، وقد قيل: إنما جيء باللام لتضمينه معنى الاحتيالِ المتعدِّي باللام ليفيد معنى المضمَّنِ والمضمّن فيه للتأكيد أي فيحتالوا لك ولإهلاكك حيلةً وكيداً، والمرادُ بإخوته هٰهنا الذين يَخشى غوائلَهم ومكايدَهم بنو عَلاّته الأحدَ عشرَ، وهم يهوذا وروبـيلُ وشمعونُ ولاوي وربالون ويشجُرُ ودينة بنو بعقوب من ليا بنت خالته ودان ونفتالي وجاد وآشر بنوه من سريّتين زلفة وبلهة وهؤلاء هم المشارُ إليهم بالكواكب الأحدَ عشر وأما بنيامين الذي هو شقيقُ يوسفَ عليه السلام وأمُّهما راحيل التي تزوجها يعقوبُ عليه السلام بعد وفاة أختها ليّا أو في حياتها إذ لم يكن جمعُ الأختين إذ ذاك محرماً فليس بداخل تحت هذا النهي إذ لا يتوهم مضرّتُه ولا يُخشى معرّتُه ولم يكن معدوداً معهم في الرؤيا إذ لم يكن معهم في السجود ليوسف والمرادُ نهيُه عن اقتصاص الرؤيا عليهم كلاًّ أو بعضاً. {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلإِنْسَـٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ظاهرُ العداوة فلا يألو جهداً في إغواء إخوتِك وإضلالِهم وحملهم على ما لا خير فيه، وهو استئنافٌ كأن يوسف عليه السلام قال: كيف يصدر ذلك عن إخوتي الناشئين في بـيت النبوة؟ فقيل: إن الشيطان يحمِلهم على ذلك، ولما نبهه عليهما السلام على أن لرؤياه شأناً عظيماً يستتبع منافعَ ـ وحذّره إشاعتَها المؤديةَ إلى أن يحول إخوتُه بـينها وبـين ظهورِ آثارِها وحصولِها أو يُوعروا سبـيلَ وصولِها ـ شرع في تعبـيرها وتأويلها على وجه إجمالي فقال:
القشيري
تفسير : إذا جاء القضاءُ لا ينفع الوعظ والحذر؛ فإن النصيحة والحذر لا يزيدان على ما نصح يعقوب ليوسف عليهما السلام، ولكن لمَّا سبق التقديرُ في أمر يوسف - عليه السلام - حصل ما حصل. ويقال إن يوسف خَالَفَ وصية أبيه في إظهارِ رؤياه إذ لو لم يُظْهِرْها لما كادوا له، فلا جَرَم بسبب مخالفته لأبيه - وإن كان صبياً صغيراً - لم يَعْرَ مِنَ البلايا. ويقال لما رأى يوسف في منامه ما كان تأويلُه سجودَ الأخوة له رأى ما تعبيره: وسجود أبيه وخالته حيث قال تعالى: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}؛ فدخل الإخوة الحَسَدَ أما الأب فلم يدخله إلا بنفسه لِفَرْطِ شفقة الأبوة. ويقال صَدَقَ تعبيره في الإخوة فسجدوا له حيث قال: {أية : وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً}تفسير : [يوسف: 100] ولم يسجد الأبُ ولا خالته حيث قال: {أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ}تفسير : [يوسف: 100] فإن يوسفَ صانَهما عن ذلك مراعاةً لحشمة الأبوة.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} استئناف مبنى على سؤال من قال فماذا قال يعقوب بعد سماع هذه الرؤيا العجيبة فقال قال {يا بنى} تصغير ابن صغره للشفقة والمحبة وصغر السن فاذا كان ابن ثنتى عشرة سنة كما مر واصله يا بنيا الذى اصله يا بنى فابدلت ياء الاضافة الفا كما قيل فى يا غلامى يا غلاما بناء على ان الالف والفتحة اخف من الياء والكسرة. قال فى الارشاد ولما عرف يعقوب من هذه الرؤيا ان يوسف يبلغه تعالى مبلغا جليلا من الحكمة ويصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين كما فعل بآبائه الكرام خاف عليه حسد الاخوة وبغيهم فقال صيانة لهم من ذلك ولهم معاناة المشاق ومقاساة الاحزان وان كان واثقا من الله تعالى بان سيتحقق ذلك لا محالة وطمعا فى حصوله بلا مشقة {لا تقصص} [مخوان وبيدا مكن] {رؤياك} كلا او بعضا {على اخوتك} وهم بنوا علاته العشرة كما هو المشهور اذ عدّ دنية من الرجال سهو فان الاصح انها بنت ليا كما سبق فقوله فى تفسير الارشاد المراد باخوته ههنا الذين يخشى غوائلهم ومكايدهم من بنى علاته الاحد عشر. واما بنيامين الذى هو شقيق يوسف وامهما راحيل فليس بداخل تحت هذا النهى لانه لا يتوهم مضرته لا يخشى معرته ولم يكن معهم معدودا فى الرؤيا اذ لم يكن معهم فى السجود ليوسف انتهى ليس بوجيه بل ليس بسديد اذ ليس في الاخوة من يسمى دنية كما فى حواشى سعد المفتى ولا يلزم من عدم كون بنيامين داخلا معهم فى الرؤيا ان لا يكون منهم باعتبار التغليب فهو حادى الاحد عشر {فيكيدوا} نصب باضمار ان اى يفعلوا {لك} اى لاجلك ولا لهلاكك {كيدا} خفيا عن فهمك لا تقدر على مدافعته وهذا اوفق بمقام التحذير وان كان يعقوب يعلم انهم ليسوا بقادرين على تحويل ما دلت الرؤيا على وقوعه والكيد الاحتيال للاغتيال او طلب ايصال الشر بالغير وهو غير عالم به {ان الشيطان للانسان عدو مبين} استئناف كأن يوسف قال كيف يصدر ذلك عن اخوتى الناشئين فى بيت النبوة فقيل ان الشيطان ظاهر العداوة للانسان او مظهرها قد بانت عداوته لك ولابناء جنسك اذ اخرج ابويكم آدم وحواء من الجنة ونزع عنهما لباس النور وحلف انه ليعملن فى نوع الانسان كل حيلة وليأتينهم من كل جهة وجانب فلا يزال مجتهدا فى اغواء اخوتك واضلالهم وحملهم على الاضر فبه علم انهم يعلمون تأويلها فقال ما قال قال بعض العارفين برأ ابناءه من ذلك الكيد فالحقه بالشيطان لعلمه ان الافعال كلها من الله تعالى. ولما كان الشيطان مظهرا لاسم المضل اضاف الفعل السببى اليه وهذه الاضافة ايضا كيد ومكر فان الله تعالى هو الفاعل فى الحقيقة لا المظهر الشيطانى شعر : حق فاعل وهرجه جز حق آلات بود تأثير زآلت از محالات بود
الطوسي
تفسير : قرأ الكسائي الا أبا الحارث وقتيبة، والعبسي، وابن اليزيدي بامالة {رؤياك} والرؤيا في جميع القرآن، وروى ابو الحارث فتح {رؤياك} وامالة الباقي. وقرأ قتيبة امالة "الرؤيا" ونصب {رؤياك}. وقرأ خلف في اختياره بامالة ما فيه ألف ولام. الباقون بالتفخيم. وخفف الهمزة في جميع ذلك أَبو جعفر، وورش، والسموني، وشجاع والترمذي في الادراج، إلا ان أبا جعفر يدغم الواو في الياء فتصير ياء مشددة، قال ابو علي النحوي (الرؤيا) مصدر كالبشرى والسقيا والبقيا والشورى إلا انه لما صار اسماً لهذا التخيل في المنام جرى مجرى الاسماء، كما أن (درّ) لما كثر في كلامهم في قولهم لله درك جرى مجرى الاسماء، وخرج من حكم الاعمال: فلا يعمل واحد منهما اعمال المصدر، ومما يقوي خروجه عن أحكام المصادر تكسيرهم لها (دري) فصادر بمنزلة (ظلم) والمصادر في الاكثر لا تكسر، والرؤيا على تحقيق الهمزة، فان حذفت قلبتها في اللفظ واواً ولم يدغم الواو في الياء، لان الواو في تقدير الهمزة فهي لذلك غير لازمة، فلا يقع الاعتداد بها فلم تدغم، وقد كسر اوّلها قوم فقالوا (ريا) فهؤلاء قلبوا الواو قلباً لا على وجه التخفيف، ومن ثم كسروا الفاء، كما كسروا من قولهم: قرن لوى وقرون لي. في هذه الآية حكاية ما أجاب به يعقوب يوسف حين قصَّ عليه رؤياه ومنامه، فقال له {يا بنيّ لا تقصص رؤياك على أخوتك} أي لا تخبرهم بها فانك إِن أخبرتهم بذلك حسدوك وكادوك واحتالوا عليك، وانما قال ذلك لعلمه بأن تأويل الرؤيا أنهم يخضعون له. وقوله {يا بني} فيه ثلاث يا آت، الياء الاصلية، وياء الاضافة، وياء التصغير. وحذفت ياء الاضافة اجتزاء بالكسرة وادغمت احدى اليائين في الاخرى. وفتح الياء وكسرها لغتان. وانما صغر {بني} مع عظم منزلته، لانه قصد بذلك صغر السن، ولم يقصد به تصغير الذم. والرؤيا تصور المعنى في المنام على توهم الابصار، وذلك أن العقل مغمور بالنوم، فاذا تصور الانسان المعنى توهم أنه يراه. والاخ المساوي في الولادة من أب او أم أو منهما، ويجمع أخوة وآخاء. والكيد طلب الغيظ بأذى الطالب لغيره كاده يكيد كيداً، فهو كائد. وقوله {إن الشيطان للإنسان عدوّ مبين} اخبار منه تعالى بأن الشيطان معاد للانسان، ويلقى العداوة بينهم، واللام في قوله {لك كيداً} لام التعدية، كما يقال قدمت له طعاماً, وقدمت اليه طعاماً. وقال قوم: هو مثل قولهم شكرته وشكرت له، لانه يقال كاده يكيده، وكاد له. وحكى الكسائي أن قوماً يقولون: (الريّا) بكسر الراء وتشديد الياء فيقلبون الهمزة واواً ويدعمون الواو في الياء. و (رؤياً) فيها أربع لغات بضم الراء مع الهمزة وبالواو بلا همزة. وقد قرىء بهما، وبضم الراء والادغام. وبكسر الراء، ولا يقرأ بهاتين.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ يٰبُنَيَّ} صغّره شفقة {لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} لمّا كان شفيقاً على اولاده لم يقتصر على نسبة الكيد اليهم واعتذر عنهم بانّ الكيد كان من تصرّف الشّيطان، نقل انّ يوسف (ع) قال: يا ابت انّ كلماتك تدلّ على انّ اخوتى سيدخلون فى سلك الانبياء (ع) ولا ينبغى الكيد من الانيباء؟ - فقال: لا يتأتّى الكيد من الانبياء (ع) لكن قد يتصرّف الشّيطان فيهم كما وقع منه بالنّسبة الى آدم (ع)، انّ الشّيطان للانسان عدوٌّ مبين، نهاه (ع) عن قصَصَ رؤياه على اخوته لما شاهد منهم من حقدهم وحسدهم على يوسف (ع) وعلم انّهم عالمون بتعبير الرّؤيا وانّهم يحسدونه على ما يتفطّنون من تعبير رؤياه. نقل انّ يعقوب (ع) لمّا منع يوسف (ع) من قصص رؤياه على اخوته قبل تعبير رؤياه تغيّر لون يوسف (ع) وارتعدت فرائصه لما كان قد علم من شدّة صولة اخوته وقوّتهم فأخذه يعقوب (ع) وعبّر رؤياه تسكيناً له فقال: {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ}.
الهواري
تفسير : { قَالَ يَابُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً} يقول: يحسدوك، ظناً منه؛ فكان حقاً، كما ظن. { إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي: بيّن العداوة للإنسان. {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} أي: يصطفيك ويختارك للنبوة. وهذا شيء أعلمه الله يعقوب عليه السلام، أن الله سيعطي يوسفَ النبوةَ. قوله: { وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ}. قال مجاهد: تفسير الرؤيا. وتفسير الحسن: عواقب الأمور التي لا تعلم إلا بوحي النبوة. {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} أي: بالنبوة. {وَعَلَى ءَالِ يَعْقُوبَ} فأعلمه أنه سيعطي ولد يعقوب كلهم النبوة. {كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ}. قال بعضهم: حيث أراد ذبحه، في قول من قال: إنه إسحاق، ففداه الله بكبش. { إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: عليم بخلقه، حكيم في أمره. قوله: {لَّقَدْ كَانَ في يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ} أي: عبرة لمن كان سائلاً عن حديثهم. قوله: { إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي: جماعة {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: من الرأي، أي: في حب يوسف وأخيه، وليس يعنون في ضلال في الدين. ولم يكونوا يوم قالوا هذه المقالة أنبياء، وقد كانوا مسلمين. قوله: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ}. تفسير الحسن قال: يعنون في الدنيا، أي: في صلاح الدنيا، وليس يعنون صلاح الدين. وبعضهم يقول: وتتوبون من بعد قتله، فتكونون قوماً صالحين.
اطفيش
تفسير : {قالَ يا بُنىَّ} تصغير ابن للشفقة أو لصغر سنه، والأصل يا بنيوى بضم الموحدة وفتح النون وإسكان المثناة التحتية وهى للتصغير، وكسر الواو بعد ياء الإضافة، اجتمعت الياء والواو، وسكنت السابقة فقلبت ياء وأدغمت فيها الباء وهى التصغير، وحذفت ياء الإضافة لدلالة الكسرة، وقرأ حفص هنا وفى الصافات بفتح المثناة، كما تقول: يا غلام بالفتح تخفيفا عن كسر، أو دلالة على ألف منقبلة عن ياء الإضافة محذوفة. {لا تَقْصًص رُؤيَاكَ}: بألف التأنيث فرقا بين رؤية العام والبصر على ما مر، وقرئ رؤياك بإبدال الهمزة واوا تمد بها الراء، وسمع الكسائى رياك بضم الراء وكسرها وتشديد الياء وهو ضعيف، لأن الواو فى تقديره الهمزة، فلا يقوى إدغامها. وحقيقة الرؤيا انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحسن المشترك والصادقة منها، إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ، فيتصور بما فيها مما يليق بها من المعانى الحاصلة هناك، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشترك، فتصير مشاهدة، ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية، استغنت الرؤيا عن التعبير، وإلا احتاجت إليه قاله القاضى وهو حسن جدا، والله سبحانه يخلق فى قلب النائم اعتقادات كما يخلقها فى قلب اليقظان. {عَلى إخْوتِكَ} يهودا ورويل وشمعون ولاوى وريالون ودينه ودان ويشجر ويفثالى وجاد وأشر، السبعة الأولى من ليا بنت خالة يعقوب، والأربعة الآخرون من سبريتين زلفة وبلهة، فلما توفيت تزوج أختها راحيل، فولدت له بنيامين ويوسف، وقيل: جمع بينهما [لأنه] لم يكن الجمع بين الأختين محرما فى شريعته، والمعنى لا تخبر إخوتك برؤياك لأنهم يعرفون تأويلها. {فَيَكيدُوا لَكَ كَيداً} نصب الفعل فى جواب النهى، أى إن قصصتها عليهم كادوك، يعنى يحتالوا فى هلاكك لعلمهم بتأويلها، عرف يعقوب من رؤياه أن يوسف يبلغه الله مبلغا من الحكمة، ويفوقه على إخوته، ويصطفيه للنبوة: وينعم عليه بشرف الدارين كما فعل بآبائه، فخاف عليه حسد الإخوة وبغيهم، وعدى يكيد باللام لتضمنه معنى فعل قاصر، وهو يحتال كما ذكر، أو يضم أو هى مثلها فى نصحت لك، وشكرت لك، يقال: نصحتك ونصحت لك، وكذا فى شكر وكاد. {إنَّ الشَّيْطان للإنْسانِ عَدوٌ مُبينٌ} ظاهر العداوة أو مظهرها، ألا ترى ما فعل بآدم وحواء فلا يقصر فى تسويلهم، وإثارة الحسد فيهم حتى يحملهم على الكيد، فما أسرع كيدهم إن قصصت عليهم، إذ تجتمع عداوة الحسن ووسوسة العدو القديم، واستدل بعضهم على عدم نبوة إخوة يوسف بما كادوه. وقال ابن زيد: إنهم أنبياء، وفعلوا ذلك قبل النبوة، وكذلك إنما يرتعون ويلعبون قبل النبوة، ذكر ابن جرير، وابن المنذر، أن أبا عمرو قيل له: كيف تقرأ نرتع ونلعب بالنون وهم أنبياء؟ فقال: لم يكونوا يؤمئذ أنبياء، واتفقوا على أنهم صلحاء، واختلفوا فى نبوتهم، ولذلك ذكرهم البوصرى بالصلاح المتفق عليه، لا بالنبوة المختلف فيها، إذ قال: وسمعتم بكيد أولاد يعقوب أخاهم وكلهم صلحاء أو لاختياره عدم النبوة، والصحيح أنهم أنبياء، لقوله سبحانه وتعالى:{أية : قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط}تفسير : إذا الأسباط هم أولا يعقوب وإنزال الوحى يخص الأنبياء وقوله:{أية : وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط}. تفسير : وأما ما صدر منهم، فإنما هو عن التأويلات، تراها شريعة، وكثير من الأمة بل أكثرها يقولون: إنما عصمة الأنبياء بعد النبوة، ولكن الصحيح عصمتهم قبلها أيضا، وهو مذهبنا، واختلفوا فى الصغائر أيضا بعد النبوة، لأشهر عندنا عصمتهم، والذى عندى عدم عصمتهم عنها بعدها وقبلها، لكثرة أدلته، والتعبير فى إخوة يوسف بنحو الحسد والبغض بناء على عدم نبوتهم، أو لكون أفعالهم على صورة البغض والحسد. قيل للحسن: أيحسد مؤمن؟ قال: ما أنساك بنى يعقوب، ولذلك قيل: الأب جلاب، الأخ سلاب، والحسد ضرورة فى الإنسان، ولكن إذا حسد فلا يبغى، وفي الحديث: "حديث : المؤمن لا يكون حسادا"تفسير : أى ذا حسد أى وإذا صدر منه فليتب. وروى أن يوسف قصها عليه، لأن نهى أبيه له شفقة عليه لا تحريم عليه يقصها، مع أنها له فلا سر لأحد فيها، وذلك أنها لما أخبرتهم قالوا له: يا يوسف أحق لما رأيت؟ فقال فى نفسه: إن أخبرتهم خالفت والدى، وإن قلت لم أر كذبت، ولا يليق الكذب بنبى، فقالوا له: بحق آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ألا ما أخبرتنا لما رأيت؟ فقال: رأيت كذا وكذا، وقيل: نسى استكتام أبيه فأخبرهم.
اطفيش
تفسير : {قَالَ يا بُنَىَّ} صغره لصغر سنه كما مر، أو للترحم أَو لهما {لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلىَ إِخْوَتِك فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً} يحتالون فى إِهلاكك، ولذا عدى باللام كما يتعدى بها يحتال، وإِلا فكاد متعدى كما قال عز جل: " فيكيدون" وقد فعلوا كبائِرِ فى شأْن يوسف، والنبى لا يفعل كيبرة ولا صغيرة قبل النبوة ولا بعدها فالحق أَنهم ليسوا أَنبياءَ، ويناسبه أَنه لم يذكر فى القرآن أَن أَهل مصر، جاءَهم نبى قبل موسى غير يوسف وهم ماتوا فى مصر {إِنَّ الْشَيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌ مُّبِينٌ} ظاهر العداوة أَو مظهرها، ولم يبال اتكالا على قوته، وإخوتك عارفون بتأويل رؤياك، فتميل أَنفسهم مع وسواس الشياطين لهم إِلى إِهلاكك، وقد رأَيت أَيضا قبل هذه الرؤيا ما يحسدونك به إِذ رأى وهو ابن سبع سنين أَو إِحدى عشرة عصا طويلة مركوزة فى الأَرض كدائرة فإِذا عصا صغيرة وثبت عليها فبلعتْها فذكر ذلك لأَبيه وقال: إِياك أَن تذكرها لإِخوتك، ومع ذلك علموا بها، وقال له: النجوم إِخوتك والشمس أُمك والقمر أَبُوك، وهذا مناسب لذكورة القمر وأُنوثة الشمس، ولو كان الأَب أَقوى من الأُم والشمس أَقوى، وذلك قول ابن جريج، وقال السدى: الشمس أبوه والقمر خالته لأَنه أُمه راحيل ماتت أَى فى نفاس بنيامين، وقال قتادة: الشمس أَبوه والقمر أُمه، وفيه مراعاة لقوة الأَب على الأُم ومخالفة فى الذكورة والأُنوثة، ووجهه أَنه نبى رسول فنوره الشرعى أَقوى، وأَكثر المفسرين أَن الشمس خالته والقمر أَبوه وأَن أُمه ماتت فى نفاس بنيامين، وقيل: إِن الله - عز وجل - أَحياها بعد موتها حتى تسجد ليوسف تحقيقا لرؤياه، وفى الحديث: "حديث : الرؤيا ثلاث، حديث النفس وتخويف الشيطان وبشرى من الله الرحمن الرحيم"تفسير : ، والصحيح أَن الشمس خالته، وقال الحسن: إِن المراد أُمه وأَنها لم تمت.
الالوسي
تفسير : {قَالَ يٰبُنَيَّ} صغره للشفقة ويسمي النحاة مثل هذا تصغير التحبيب، وما ألطف قول بعض المتأخرين:شعر : / قد صغر الجوهر في ثغره لكنه تصغير تحبيب تفسير : ويحتمل أن يكون لذلك ولصغر السن، وفتح الياء قراءة حفص، وقرأ الباقون بكسرها، والجملة استئناف مبني على سؤال كأنه قيل: فماذا قال الأب بعد سماع هذه الرؤية العجيبة من ابنه؟ فقيل: قال: {يٰبُنَيَّ} {لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا} أي فيحتالوا لإهلاكك حيلة عظيمة لا تقدر على التقصي عنها أو خفية لا تتصدى لمدافعتها، وإنما قال له ذلك لما أنه عليه السلام عرف من رؤياه أن سيبلغه الله تعالى مبلغاً جليلاً من الحكمة ويصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين فخاف عليه حسد الإخوة وبغيهم فقال له ذلك صيانة لهم من الوقوع فيما لا ينبغي في حقه وله من معاناة المشاق ومقاساة الأحزان وإن كان واثقاً بأنهم لا يقدرون على تحويل ما دلت عليه الرؤيا وأنه سبحانه سيحقق ذلك لا محالة وطمعاً في حصوله بلا مشقة وليس ذلك من الغيبة المحظورة في شيء. والرؤيا مصدر رأى الحلمية الدالة على ما يقع في النوم سواء كان مرئياً أم لا على ما هو المشهور، والرؤية مصدر رأى البصرية الدالة على إدراك مخصوص، وفرق بين مصدر المعنيين بالتأنيثين، ونظير ذلك القربة للتقرب المعنوي بعبادة ونحوها، والقربى للتقرب النسبـي ((وحقيقتها عند أهل السنة كما قال محي الدين النووي نقلاً عن المازني: أن الله سبحانه يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان وهو سبحانه يخلق ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة، وقد جعل سبحانه تلك الاعتقادات علماً على أمور أخر يخلقها في ثاني الحال، ثم إن ما يكون علماً على ما يسر يخلقه بغير حضرة الشيطان وما يكون علماً على ما يضر يخلقه بحضرته، ويسمى الأول رؤيا وتضاف إليه تعالى إضافة تشريف، والثاني حلماً وتضاف إلى الشيطان كما هو الشائع من إضافة الشيء المكروه إليه، وإن كان الكل منه تعالى، وعلى ذلك جاء قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الرؤيا من الله تعالى والحلم من الشيطان» تفسير : وفي الصحيح عن أبـي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها من الله تعالى فليحمد الله تعالى وليحدث بها وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم ومن شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لن تضره»تفسير : . وصح عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فيبصق عن يساره ثلاثاً وليستعذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم وليتحول عن جنبه الذي كان عليه»تفسير : ولا يبعد جعل الله تعالى ما ذكر سبباً للسلامة عن المكروه كما جعل الله الصدقة سبباً لدفع البلاء وإن لم نعرف وجه مدخلية البصق عن اليسار والتحول عن الجنب الذي كان عليه مثلاً في السببية، وقيل: هي أحاديث الملك الموكل بالأرواح إن كانت صادقة ووسوسة الشيطان والنفس إن كانت كاذبة، ونسب هذا إلى المحدثين، وقد يجمع بين القولين بأن مقصود القائل بأنها اعتقادات يخلقها الله تعالى في قلب الخ أنها اعتقادات تخلق كذلك بواسطة حديث الملك أو بواسطة وسوسة الشيطان مثلاً، والمسببات في المشهور عن الأشاعرة مخلوقة له تعالى عند الأسباب لا بها فتدبر. وقال غير واحد من المتفلسفة هي انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك، والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ فتتصور بما فيها مما يليق بها من المعاني الحاصلة هناك، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبها فترسلها إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة، ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية استغنت عن التعبير وإلا احتاجت إليه. / وذكر بعض أكابر الصوفية ما يقرب من هذا، وهو: أن الرؤيا من أحكام حضرة المثال المقيد المسمى بالخيال وهو قد يتأثر من العقول السماوية والنفوس الناطقة المدركة للمعاني الكلية والجزئية فيظهر فيه صور مناسبة لتلك المعاني وقد يتأثر من القوى الوهمية المدركة للمعاني الجزئية فقط فيظهر فيه صورة تناسبها، وهذا قد يكون بسبب سوء مزاج الدماغ وقد يكون بسبب توجه النفس بالقوة الوهمية إلى إيجاد صورة من الصور كمن يتخيل صورة محبوبه الغائب عنه تخيلاً قوياً فتظهر صورته في خياله فيشاهده، وهي أول مبادي الوحي الإلهي في أهل العناية لأن الوحي لا يكون إلا بنزول الملك وأول نزوله في الحضرة الخيالية ثم الحسية، وقد صح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «حديث : أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح» تفسير : والمرئي على ما قال بعضهم: سواء كان على صورته الأصلية أو لا يكون بإرادة المرئي وقد يكون بإرادة الرائي، وقد يكون بإرادتهما معاً وقد يكون لا بإرادة من شيء منهما، فالأول كظهور الملك على نبـي من الأنبياء عليهم السلام في صورة من الصور وظهور الكمل من الأناسي على بعض الصالحين في صورة غير صورهم، والثاني كظهور روح من الأرواح الملكية أو الإنسانية باستنزال الكامل إياه إلى عالمه ليكشف معنى ما مختصاً علمه به، والثالث كظهور جبريل عليه السلام للنبـي صلى الله عليه وسلم باستنزاله إياه وبعث الحق سبحانه إياه إليه صلى الله عليه وسلم، والرابع كرؤية زيد مثلاً صورة عمرو في النوم من غير قصد وإرادة منهما، وكانت رؤيا يوسف عليه السلام من هذا القسم لظهور أنها لو كانت بإرادة الإخوة لعلموا فلم يكن للنهي عن الاقتصاص معنى، ويشير إلى أنها لم تكن بقصده قوله بعد: {أية : قَدْ جَعَلَهَا رَبّي حَقّا}تفسير : [يوسف: 100]. هذا والمنقول عن المتكلمين أنها خيالات باطلة وهو من الغرابة بمكان بعد شهادة الكتاب والسنة بصحتها، ووجه ذلك بعض المحققين بأن مرادهم أن كون ما يتخيله النائم إدراكاً بالبصر رؤية، وكون ما يتخيله إدراكاً بالسمع باطلاً فلا ينافي حقيقة ذلك بمعنى كونه أمارة لبعض الأشاء كذلك الشيء نفسه أو ما يضاهيه ويحاكيه، وقد مر الكلام في ذلك فتيقظ. والمشهور الذي تعاضدت فيه الروايات أن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، ووجه ذلك عند جمع أنه صلى الله عليه وسلم بقي حسبما أشارت عائشة رضي الله تعالى عنها ستة أشهر يرى الوحي مناماً ثم جاءه الملك يقظة وستة أشهر بالنسبة إلى ثلاث وعشرين سنة جزء من ست وأربعين جزءاً. وذكر الحليمي أن الوحي كان يأتيه عليه الصلاة والسلام على ستة وأربعين نوعاً مثل النفث في الروع وتمثل الملك له بصورة دحية رضي الله تعالى عنه مثلاً. وسماعه مثل صلصلة الجرس إلى غير ذلك، ولذا قال صلى الله عليه وسلم ما قال، وذكر الحافظ العسقلاني أن كون الرؤيا الصادقة جزء من كذا من النبوة إنما هو باعتبار صدقها لا غير وإلا لساغ لصاحبها أن يسمى نبياً وليس كذلك، وقد تقدم لك أن في بعض الروايات ما فيه مخالفة لما في هذه الروايات من عدة الأجزاء، ولعل المقصود من كل ذلك على ما قيل: مدح الرؤيا الصادقة والتنويه برفعة شأنها لا خصوصية العدد ولا حقيقة الجزئية. وقال ابن الأثير في «جامع الأصول»: روى قليل أنها جزء من خمسة وأربعين جزءاً وله وجه مناسبة بأن عمره صلى الله عليه وسلم لم يستكمل ثلاثاً وستين بأن يكون توفي عليه الصلاة والسلام بأثناء السنة الثالثة والستين / ورواية أنها جزء من أربعين جزءاً تكون محمولة على كون عمره عليه الصلاة والسلام ستين وهو رواية لبعضهم، وروي أنها جزء من سبعين جزءاً ولا أعلم لذلك وجهاً ا هـ. وأنت تعلم أن سبعين كثيراً ما يستعمل في التكثير فلعله هو الوجه، والغرض الإشارة إلى كثرة أجزاء النبوة فتدبر. والمراد بإخوته هٰهنا على ما قيل: الإخوة الذين يخشى غوائلهم ومكايدهم من بني علاته الأحد عشر، وهم يهوذا، وروبيل وشمعون ولاوي وريالون ويشجر ودينه بنو يعقوب من ليا بنت ليان بن ناهر وهي بنت خالته، ودان وتفتالي وجاد وآشر بنوه عليه السلام من سريتين له زلفة وبلهة وهم المشار إليهم بالكواكب، وأما بنيامين الذي هو شقيق يوسف عليه السلام وأمهما راحيل التي تزوجها يعقوب عليه السلام بعد وفات أختها ليا أو في حياتها إذ لم يكن جمع الأختين إذ ذاك محرماً فليس بداخل تحت هذا النهي إذ لا تتوهم مضرته ولا تخشى معرته ولم يكن معهم في الرؤيا إذ لم يكن معهم في السجود. وتعقب بأن المشهور أن بني علاته عليه السلام عشرة وليس فيهم من اسمه دينه، ومن الناس من ذكر ذلك في عداد أولاد يعقوب إلا أنه قال: هي أخت يوسف، وبناء الكلام عليه ظاهر الفساد بل لا تكاد تدخل في الإخوة إلا باعتبار التغليب لأنه جمع أخ فهو مخصوص بالذكور، فلعل المختار أن المراد من الإخوة ما يشمل الأعيان والعلات، ويعد بنيامين بدل دينه إتماماً لأحد عشر عدة الكواكب المرئية، والنهي عن الاقتصاص عليه ـ وإن لم يكن ممن تخشى غوائله ـ من باب الاحتياط وسد باب الاحتمال، ومما ذاع كل سر جواز الاثنين شاع، ويلتزم القول بوقوع السجود منه كسائر أهله وإسناد الكيد إلى الإخوة باعتبار الغالب فلا إشكال كذا قيل، وهو على علاته أولى مما قيل: إن المراد بإخوته ما لا يدخل تحته بنيامين ودينه لأنهما لا تخشى معرتهما ولا يتوهم مضرتهما فهم حينئذ تسعة وتكمل العدة بأبيه وأمه أو خالته ويكون عطف الشمس والقمر من قبيل عطف جبريل وميكائيل على الملائكة [البقرة: 98]، وفيه من تعظيم أمرهما ما فيه لما أن في ذلك ما فيه. ونصب {يَكِيدُواْ} بأن مضمرة في جواب النهي وعدي باللام مع أنه مما يتعدى بنفسه كما في قوله تعالى: {أية : فَكِيدُونِي }تفسير : [هود: 55] لتضمينه ما يتعدى بها وهو الاحتيال كما أشرنا إليه، وذلك لتأكيد المعنى بإفادة معنى الفعلين المتضمن والمضمن جميعاً ولكون القصد إلى التأكيد والمقام مقامه أكد الفعل بالمصدر وقرر بالتعليل بعد، وجعل اللام زائدة كجعله مما يتعدى بنفسه وبالحرف خلاف الظاهر، وقيل: إن الجار والمجرور من متعلقات التأكيد على معنى فيكيدوا كيداً لك وليس بشيء؛ وجعل بعضهم اللام للتعليل على معنى فيفعلوا لأجلك وإهلاكك كيداً راسخاً أو خفياً؛ وزعم أن هذا الأسلوب آكد من أن يقال: فيكيدوك كيداً إذ ليس فيه دلالة على كونه نفس الفعل مقصود الإيقاع وفيه نوع مخالفة للظاهر أيضاً فافهم. وقرأ الجمهور {رؤياك} بالهمز من غير إمالة، والكسائي {روياك} بالإمالة وبغير همز وهي لغة أهل الحجاز. {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلإِنْسَـٰنِ} إي لهذا النوع {عَدّوٌّ مبينٌ} ظاهر العداوة فلا يألو جهداً في تسويل إخوتك وإثارة الحسد فيهم حتى يحملهم على ما لا خير فيه وإن كانوا ناشئين في بيت النبوة، والظاهر أن القوم كانوا بحيث يمكن أن يكون للشيطان عليهم سبيل، ويؤيد هذا أنهم لم يكونوا أنبياء، والمسألة خلافية ((فالذي عليه الأكثرون سلفاً وخلفاً أنهم لم يكونوا أنبياء أصلاً، أما السلف فلم ينقل عن الصحابة منهم أنه قال بنبوتهم ولا يحفظ عن أحد من التابعين أيضاً، وأما أتباع التابعين فنقل عن ابن زيد أنه قال بنبوتهم وتابعه شرذمة قليلة، وأما الخلف فالمفسرون فرق فمنهم من قال بقول ابن زيد كالبغوي، ومنهم من بالغ في رده كالقرطبـي وابن كثير، ومنهم من حكى القولين بلا ترجيح كابن الجوزي، ومنهم من لم يتعرض للمسألة لكن ذكر ما يشعر بعدم كونهم أنبياء كتفسيره الأسباط بمن نبىء من بني إسرائيل والمنزل إليهم بالمنزل إلى أنبيائهم كأبـي الليث السمرقندي والواحدي، ومنهم من لم يذكر شيئاً من ذلك ولكن فسر الأسباط بأولاد يعقوب فحسبه ناس قولاً بنبوتهم وليس نصاً فيه لاحتمال أن يريد بالأولاد ذريته لا بنيه لصلبه، وذكر الشيخ ابن تيمية في مؤلف له خاص في هذه المسألة ما ملخصه: الذي يدل عليه القرآن واللغة والاعتبار أن إخوة يوسف عليه السلام ليسوا بأنبياء وليس في القرآن ولا عن النبـي صلى الله عليه وسلم بل ولا عن أحد من أصحابه رضي الله تعالى عنهم خبر بأن الله تعالى نبأهم وإنما احتج من قال: بأنهم نبئوا بقوله تعالى في آيتي البقرة [136، 140] والنساء [163]: {والأسباط} وفسر ذلك بأولاد يعقوب والصواب أنه ليس المراد بهم أولاده لصلبه بل ذريته كما يقال لهم: بنو إسرائيل، وكما يقال لسائر الناس: بنو آدم، وقوله تعالى: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ }تفسير : [الأعراف: 159] {أية : وَقَطَّعْنَـٰهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا } تفسير : [الأعراف: 160] صريح في أن الأسباط هم الأمم من بني إسرائيل وكل سبط أمة، وقد صرحوا بأن الأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من بني إسماعيل، وأصل السبط كما قال أبو سعيد الضرير: شجرة واحدة ملتفة كثيرة الأغصان فلا معنى لتسمية الأبناء الاثني عشر أسباطاً قبل أن ينتشر عنهم الأولاد، فتخصيص الأسباط في الآية ببنيه عليه السلام لصلبه غلط لا يدل عليه اللفظ ولا المعنى ومن ادعاه فقد أخطأ خطأ بيناً والصواب أيضاً أنهم إنما سموا أسباطاً من عهد موسى عليه السلام، ومن حينئذ كانت فيهم النبوة فانه لم يعرف فيهم نبـي قبله إلا يوسف، ومما يؤيد ذلك أنه سبحانه لما ذكر الأنبياء من ذرية إبراهيم قال: {أية : وَمِن ذُرّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ} تفسير : [الأنعام: 84] الآيات فذكر يوسف ومن معه ولم يذكر الأسباط ولو كان إخوة يوسف قد نبئوا كما نبىء لذكروا كما ذكر، وأيضاً إن الله تعالى ذكر للأنبياء عليهم السلام من المحامد والثناء ما يناسب النبوة وإن كان قبلها؛ وجاء في الحديث «حديث : أكرم الناس يوسف بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم نبـي ابن نبي» تفسير : فلو كان إخوته أنبياء كانوا قد شاركوه في هذا الكرم، وهو سبحانه لما قص قصتهم وما فعلوا بأخيهم ذكر اعترافهم بالخطيئة وطلبهم الاستغفار من أبيهم ولم يذكر من فضلهم ما يناسب النبوة وإن كان قلبها، بل ولا ذكر عنهم توبة باهرة كما ذكر عمن ذنبه دون ذنبهم، ولم يذكر سبحانه عن أحد من الأنبياء قبل النبوة ولا بعدها أنه فعل مثل هذه الأمور العظيمة من عقوق الوالد وقطيعة الرحم وإرقاق المسلم وبيعه إلى بلاد الكفر والكذب البين إلى غير ذلك مما حكاه عنهم، بل لو لم يكن دليل على عدم نبوتهم سوى صدور هذه العظائم منهم لكفى لأن الأنبياء معصومون عن صدور مثل ذلك قبل النبوة وبعدها عند الأكثرين، وهي أيضاً أمور لا يطيقها من هو دون البلوغ فلا يصح الاعتذار بأنها صدرت منهم قبله وهو لا يمنع الاستنباء بعد، وأيضاً ذكر أهل السير أن إخوة يوسف كلهم ماتوا بمصر وهو أيضاً مات بها لكن أوصى بنقله إلى الشام فنقله موسى عليه السلام ولم يذكر في القرآن أن أهل مصر قد جاءهم نبـي قبل موسى غير يوسف ولو كان منهم نبـي لذكر، وهذا دون ما قبله في الدلالة كما لا يخفى. / والحاصل أن الغلط في دعوى نبوتهم إنما جاء من ظن أنهم هم الأسباط وليس كذلك إنما الاسباط أمة عظيمة، ولو كان المراد بالأسباط أبناء يعقوب لقال سبحانه ويعقوب وبنيه فإنه أبين وأوجز لكنه عبر سبحانه بذلك إشارة إلى أن النبوة حصلت فيهم من حين تقطيعهم أسباطاً من عهد موسى عليه السلام فليحفظ. هذا ولما نبهه عليه السلام على أن لرؤياه شأناً عظيماً وحذره مما حذره شرع في تعبيرها وتأويلها على وجه إجمالي فقال: {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ...}.
ابن عاشور
تفسير : جاءت الجملة مفصولة عن التي قبلها على طريقة المحاورات. وقد تقدّمت عند قوله تعالى: { أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } تفسير : في سورة البقرة (30). والنّداء مع حضور المخاطب مستعمل في طلب إحضار الذهن اهتماماً بالغرض المخاطب فيه. و{بُنَيّ} ـــ بكسر الياء المشدّدة ـــ تصغير ابن مع إضافته إلى ياء المتكلم وأصله بُنَيْوي أو بُنَيْيي على الخلاف في أنّ لام ابن الملتزمَ عدمُ ظهورها هي واو أم ياء. وعلى كلا التقديرين فإنّها أدغمت فيها ياء التصغير بعد قلب الواو ياء لتقارب الياء والواو، أو لتمَاثلهما فصار (بنَيّي). وقد اجتمع ثلاث ياءات فلزم حذف واحدة منها فحذفت ياء المتكلم لزوماً وألقيت الكسرة التي اجتلبت لأجلها على ياء التصغير دلالة على الياء المحذوفة. وحذفُ ياء المتكلم من المنادى المضاف شائع، وبخاصة إذا كان في إبقائها ثقل كما هنا، لأنّ التقاء ياءات ثلاث فيه ثقل. وهذا التّصغير كناية عن تحبيب وشفقة. نزل الكبير منزلة الصغير لأنّ شأن الصغير أن يحب ويشفق عليه. وفي ذلك كناية عن إمحاض النصح له. والقصّ: حكاية الرؤيا. يقال: قص الرؤيا إذا حكاها وأخبر بها. وهو جاءٍ من القصص كما علمت آنفاً. والرؤيا ـــ بألف التأنيث ـــ هي: رؤية الصور في النوم، فرّقوا بينها وبين رؤية اليقظة باختلاف علامتي التأنيث، وهي بوزن البشرى والبقيَا. وقد علم يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ أن إخوة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ العشرة كانوا يغارون منه لفرط فضله عليهم خَلقا وخلقا، وعلم أنّهم يعبرون الرؤيا إجمالاً وتفصيلاً، وعلم أن تلك الرؤيا تؤذن برفعة ينالها يوسف ـــ عليه السّلام ـــ على إخوته الذين هم أحدَ عَشَرَ فخشي إن قصّها يوسف ــــ عليه السلام ــــ عليهم أن تشتد بهم الغيرة إلى حدّ الحسد، وأن يعبّروها على وجهها فينشأ فيهم شرّ الحاسد إذا حسد، فيكيدوا له كيداً ليسلموا من تفوقّه عليهم وفضله فيهم. والكيد: إخفاء عمل يضرّ المكيد. وتقدّم عند قوله تعالى: { أية : وأُمْلِي لهم إن كيدي متين } تفسير : في سورة الأعراف (183). واللاّم في {لك} لتأكيد صلة الفعل بمفعوله كقوله: شكرت لك النعمى. وتنوين {كيداً} للتعظيم والتهويل زيادة في تحذيره من قص الرؤيا عليهم. وقصد يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ من ذلك نجاة ابنه من أضرار تلحقه، وليس قصده إبطال ما دلّت عليه الرؤيا فإنّه يقع بعد أضرار ومشاق. وكان يعلم أن بنيه لم يبلغوا في العلم مبلغ غوص النظر المفضي إلى أن الرّؤيا إن كانت دالة على خير عظيم يناله فهي خبر إلهي، وهو لا يجوز عليه عدم المطابقة للواقع في المستقبل، بل لعلّهم يحسبونها من الإنذار بالأسباب الطبيعية التي يزول تسببها بتعطيل بعضها. وقول يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ هذا لابنه تحذير له مع ثقته بأنّ التحذير لا يثير في نفسه كراهة لإخوته لأنّه وثق منه بكمال العقل، وصفاء السريرة، ومكارم الخلق. ومن كان حاله هكذا كان سمحاً، عاذراً، معرضاً عن الزلاّت، عالماً بأثر الصبر في رفعة الشأن، ولذلك قال لإخوته { أية : إنّه من يتّق ويصبر فإنّ الله لا يضيع أجر المحسنين } تفسير : [سورة يوسف: 90] وقال: { أية : لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين } تفسير : [سورة يوسف: 92]. وقد قال أحد ابني آدم عليه السّلام لأخيه الذي قال له لأقتلنّك حسداً { أية : لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنّي أخاف الله رب العالمين } تفسير : [سورة المائدة: 28]. فلا يشكل كيف حذّر يعقوبُ يوسفَ عليهما السّلام من كيد إخوته، ولذلك عقب كلامه بقوله: {إن الشيطان للإنسان عدوّ مبين} ليعلم أنه ما حذّره إلاّ من نزغ الشيطان في نفوس إخوته. وهذا كاعتذار النبي صلى الله عليه وسلم للرّجلين من الأنصار اللذين لقياه ليلاً وهو يشيّع زوجه أمّ المؤمنين إلى بيتها فلمّا رأياه ولّيَا، فقال: « حديث : على رسلكما إنها صفية، فقالا: سبْحان الله يا رسول الله وأكبرا ذلك، فقال لهما: إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في نفوسكما »تفسير : . فهذه آيةُ عبرة بتوسّم يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ أحوال أبنائه وارتيائه أن يكفّ كيدَ بعضهم لبعض. فجملة {إن الشيطان للإنسان} الخ واقعة موقع التعليل للنهي عن قصّ الرؤيا على إخوته. وعداوة الشيطان لجنس الإنسان تحمله على أن يدفعهم إلى إضرار بعضهم ببعض. وظاهر الآية أن يوسف ـــ عليه السّلام ـــ لم يقص رؤياه على إخوته وهو المناسب لكماله الذي يبعثه على طاعة أمْر أبيه. ووقع في الإسرائيليات أنه قصّها عليهم فحسدوه.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰبُنَيَّ} {رُؤْيَاكَ} {ٱلشَّيْطَانَ} {لِلإِنْسَانِ} (5) - فَخَشِيَ يَعْقُوبُ أَنْ يُحَدِّثَ يُوسُفُ أَحَداً مِنْ إِخْوَتِهِ لأَِبِيهِ بِرُؤْيَاهُ هذِهِ فَيَحْسُدُوهُ عَلَيْهَا، وَيَأَخْذُوا فِي الكَيْدِ لَهُ لإِهْلاَكِهِ، لِذَلِكَ طَلَبَ إِليهِ أَنْ لاَ يَقُصَّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ إِخْوَتِهِ شَيْئاً مِنْ رُؤْيَاهُ، مَخَافَةَ أَنْ يُغْرِيَهُمُ الشَّيْطَانُ بِالإِسَاءَةِ إِليهِ، لأَِنَّ الشَّيْطَانِ عَدُوٌّ للإِنْسَانِ، بَيِّنُ العَدَاوَةِ وَوَاضِحُها.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وحين يُورِد القرآن خطاب أب لابن لا نجد قوله {يٰبُنَيَّ} وهو خطابُ تحنينٍ، ويدل على القرب من القلب، و"بُني" تصغير "ابن". أما حين يأتي القرآن بحديث أب عن ابنه فهو يقول "ابني" مثل قول الحق سبحانه عن نوح يتحدث عن ابنه الذي اختار الكفر على الإيمان: {أية : إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي ..} تفسير : [هود: 45]. وكلمة "يا بني" بما فيها من حنان وعطف؛ ستفيدنا كثيراً فيما سوف يأتي من مواقف يوسف؛ ومواقف أبيه منه. وقول يعقوب ليوسف "يا بني" يُفْهم منه أن يوسف عليه السلام ما زال صغيراً، فيعقوب هو الأصل، ويوسف هو الفرع، والأصل دائماً يمتلئ بالحنان على الفرع، وفي نفس الوقت نجد أيَّ أب يقول: مَنْ يأكل لقمتي عليه أن يسمع كلمتي. وقول الأب: يا بني، يفهم منه أن الابن ما زال صغيراً، ليست له ذاتية منفصلة عن الأب ليقرر بها ما هو المناسب، وما هو غير المناسب. وحين يفزع يوسف مما يُزعِجه أو يُسيء إليه؛ أو أي أمر مُعْضَل؛ فهو يلجأ إلى مَنْ يحبه؛ وهو الأب؛ لأن الأب هو - الأقدر في نظر الابن - على مواجهة الأمور الصعبة. وحين روى يوسف عليه السلام الرؤيا لأبيه؛ قال يعقوب عليه السلام: {قَالَ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ ..} [يوسف: 5]. ونفهم من كلمة "رؤيا" أنها رؤيا منامية؛ لأن الشمس والقمر والنجوم لا يسجدون لأحد، وهذا ما يوضح لنا دقة اللغة العربية، فكلمة واحدة هي "رأى" قد يختلف المعنى لها باختلاف ما رُؤى؛ فرؤيتك وأنت يقظانُ يُقال عنها "رؤية"؛ ورؤيتك وأنت نائم يُقال عنها "رؤيا". والرؤية مصدر مُتفق عليه من الجميع: فأنت ترى ما يراه غيرك؛ وأما "الرؤيا" فهي تأتي للنائم. وهكذا نجد الالتقاء في "رأى" والاختلاف في الحالة؛ هل هي حالة النوم أو حالة اليقظة. وفي الإعراب كلاهما مؤنث؛ لأن علامة التأنيث إما: "تاء"، أو "ألف ممدودة"، أو "ألف مقصورة". وأخذت الرؤية الحقيقية التي تحدث في اليقظة "التاء" وهي عمدة التأنيث؛ أما الرؤيا المنامية فقد أخذت ألف التأنيث. ولا يقدح في كلمة "رؤيا" أنها منامية إلا آية واحدة في القرآن حيث تحدث الحق سبحانه عن لحظة أن عُرِجَ به صلى الله عليه وسلم؛ فقال: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ..}تفسير : [الإسراء: 60]. ولكن مَنْ يقولون: "إنها رؤيا منامية" لم يفقهوا المعنى وراء هذا القول؛ فالمعنى هو: إن ما حدث شيء عجيب لا يحدث إلا في الأحلام، ولكنه حدث في الواقع؛ بدليل أنه قال عنها: أنها "فتنة للناس". فالرسول صلى الله عليه وسلم لو كان قد قال إنها رؤيا منامية لما كذَّبه أحد فيما قال: لكنه أعلن أنها رؤيا حقيقية؛ لذلك عَبّر عنها القرآن بأنها فتنة للناس. وهنا يقول يعقوب عليه السلام: {قَالَ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ ..} [يوسف: 5]. لأن يعقوب عليه السلام كأب مأمونٌ على ابنه يوسف؛ أما إخوة يوسف فهم غير مأمونين عليه، وحين يقصُّ يوسف رؤياه على أبيه، فهو سينظر إلى الصالح ليوسف ويدلُّه عليه. أما إن قصَّ الرؤيا على إخوته؛ فقد تجعلهم الأغيار البشرية يحسدون أخاهم، وقد كان. وإن تساءل أحد: ولماذا يحسدونه على رؤيا منامية، رأى فيها الشمس والقمر وأحدَ عشرَ كوكباً يسجدون له؟ نقول: لا بُدَّ أن يعقوب عليه السلام قد عَلِم تأويل الرُّؤيا؛ وأنها نبوءة لأحداث سوف تقع؛ ولا بُدَّ أن يعقوب عليه السلام قد علم أيضاً قدرة إخوة يوسف على تأويل تلك الرؤيا، ولو قالها يوسف لهم لَفهِموا المقصود منها، ولا بد حينئذ أن يكيدوا له كيداً يُصيبه بمكروه. فهم قد أصابهم الضيق من يوسف وهو ما زال طفلاً، فما باله بضيقهم إنْ عَلِموا مثل هذه الرؤيا التي سيجد له فيها الأب والأم مع الإخوة. ولا يعني ذلك أن نعتبر إخوة يوسف من الأشرار؛ فهم الأسباط؛ وما يصيبهم من ضيق بسبب عُلُو عاطفة الأب تجاه يوسف هو من الأغيار التي تصيب البشر، فهم ليسوا أشراراً بالسَّليقة؛ لأن الشرير بالسَّليقة تتصاعد لديه حوادثُ السوء، أما الخيِّر فتتنزَّل عنده حوادث السوء. والمثال على ذلك: أنك قد تجد الشرير يرغب في أن يصفع إنساناً آخر صفعة على الخَدِّ؛ ولكنه بعد قليل يفكر في تصعيد العدوان على ذلك الإنسان، فيفكر أن يصفعه صفعتين بدلاً من صفعة واحدة؛ ثم يرى أن الصفعتين لا تكفيان؛ فيرغب أن يُزيد العدوان بأن يصوِّب عليه مسدساً؛ وهكذا يُصعِّد الشرير تفكيره الإجرامي. أما الخَيِّر فهو قد يفكر في ضرب إنسان أساء إليه "علقة"؛ ولكنه يُقلِّل من التفكير في رَدِّ الاعتداء بأن يكتفي بالتفكير في ضربه صفعتين بدلاً من "العلقة"، ثم يهدأ قليلاً ويعفو عَمَّنْ أساء إليه. وإخوة يوسف - وهم الأسباط - بدءوا في التفكير بانتقام كبير من يوسف، فقالوا لبعضهم: {أية : ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ ..} تفسير : [يوسف: 9]. ثم هبطوا عن هذه الدرجة المُؤْلمة من تعبيرهم عن الغيرة من زيادةِ محبة أبيهم ليوسف، فقالوا: {أية : أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ..} تفسير : [يوسف: 9]. وحينما أرادوا أن يطرحوه أرضاً ترددوا؛ واستبدلوا ذلك بإلقائه في الجُبِّ لعل أن يلتقطه بعض السَّيارة. فقالوا: {أية : وَأَلْقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ ..} تفسير : [يوسف: 10]. وهذا يدل على أنهم تنزَّلوا عن الانتقام الشديد بسبب الغيرة؛ بل إنهم فكروا في نجاته. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: {لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً ..} [يوسف: 5]. والكيد: احتيال مستور لمَنْ لا تقوى على مُجَابهته، ولا يكيد إلا الضعيف؛ لأن القوي يقدر على المواجهة. ولذلك يُقَال: إن كيد النساء عظيم؛ لأن ضعفهن أعظم. ويُذيِّل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [يوسف: 5]. وهذه العداوة معروفة لنا تماماً؛ لأنه خرج من الجنة ملعوناً مطروداً؛ عكس آدم الذي قَبِل الله توبته؛ وقد أقسم الشيطان بعزة الله لَيُغْوِينَّ الكُلَّ، واستثنى عبادَ اللهِ المخلصين. ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد أعانني الله على شيطاني فأسلم ". تفسير : ويصف الحق سبحانه عداوة الشيطان للإنسان أنها عداوةٌ مُبينة. أي: محيطة. وحين نقرأ القرآن نجد إحاطة الشيطان للإنسان فيها يقظة: {أية : ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ..} تفسير : [الأعراف: 17]. ولم يَأْتِ ذِكْر للمجيء من الفوقية أو من التحتية؛ لأن مَنْ يحيا في عبودية تحتية؛ وعبادية فوقية؛ لا يأتيه الشيطان أبداً. ونلحظ أن الحق سبحانه جاء بقول يعقوب عليه السلام مخاطباً يوسف عليه السلام في هذه الآ ية: {فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً ..} [يوسف: 5]. ولم يقل: فيكيدوك، وهذا من نَضْح نبوة يعقوب عليه السلام على لسانه؛ لأن هناك فارقاً بين العبارتين، فقول: "يكيدوك" يعني أن الشرَّ المستور الذي يدبرونه ضدك سوف يصيبك بأذى. أما {فَيَكِيدُواْ لَكَ .. } [يوسف: 5]. فتعني أن كيدهم الذي أرادوا به إلحاق الشر بك سيكون لحسابك، ويأتي بالخير لك. ولذلك نجد قوله الحق في موقع آخر بنفس السورة: {أية : كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ..} تفسير : [يوسف: 76]. أي: كدنا لصالحه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):