Verse. 1602 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيْكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَاْوِيْلِ الْاَحَادِيْثِ وَيُـــتِمُّ نِعْمَتَہٗ عَلَيْكَ وَعَلٰۗي اٰلِ يَعْقُوْبَ كَـمَاۗ اَتَمَّــہَا عَلٰۗي اَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ اِبْرٰہِيْمَ وَاِسْحٰقَ۝۰ۭ اِنَّ رَبَّكَ عَلِيْمٌ حَكِيْمٌ۝۶ۧ
Wakathalika yajtabeeka rabbuka wayuAAallimuka min taweeli alahadeethi wayutimmu niAAmatahu AAalayka waAAala ali yaAAqooba kama atammaha AAala abawayka min qablu ibraheema waishaqa inna rabbaka AAaleemun hakeemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكذلك» كما رأيت «يجتبيك» يختارك «ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث» تعبير الرؤيا «ويتم نعمته عليك» بالنبوة «وعلى آل يعقوب» أولاده «كما أتمها» بالنبوة «على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم» بخلقه «حكيم» في صنعه بهم.

6

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} الكاف في موضع نصب؛ لأنها نعت لمصدر محذوف، وكذلك الكاف في قوله: {كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ} و «ما» كافّة. وقيل: «وَكَذَلِكَ» أي كما أكرمك بالرؤيا فكذلك يجتبيك، ويحسن إليك بتحقيق الرؤيا. قال مقاتل: بالسجود لك. الحسن: بالنبوّة. والاجتباء اختيار معالي الأمور للمجْتَبَى، وأصله من جَبَيْتُ الشيء أي حصّلته، ومنه جبيت الماء في الحوض؛ قاله النحاس. وهذا ثناءٌ من الله تعالى على يوسف عليه السلام، وتعديد فيما عدده عليه من النعم التي أتاه الله تعالى؛ من التمكين في الأرض، وتعليم تأويل الأحاديث؛ وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا. قال عبد الله بن شدّاد بن الهاد: كان تفسير رؤيا يوسف صلى الله عليه وسلم بعد أربعين سنة؛ وذلك منتهى الرؤيا. وعَنَى بالأحاديث ما يراه الناس في المنام، وهي معجزةٌ له؛ فإنه لم يلحقه فيها خطأ. وكان يوسف عليه السلام أعلم الناس بتأويلها، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم نحو ذلك، وكان الصدّيق رضي الله عنه من أعبر الناس لها، وحَصَل لابن سيرين فيها التقدُّم العظيم، والطبع والإحسان، ونحوه أو قريب منه كان سعيد بن المسيّب فيما ذكروا. وقد قيل في تأويل قوله: {وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} أي أحاديث الأمم والكتب ودلائل التوحيد، فهو إشارة إلى النبوّة، وهو المقصود بقوله: {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} أي بالنبوّة. وقيل: بإخراج إخوتك إليك؛ وقيل: بإنجائك من كل مكروه. {كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ} بالخلة، وإنجائه من النار. {وَإِسْحَاقَ} بالنبوّة. وقيل: من الذبح؛ قاله عِكرمة. وأعلمه الله تعالى بقوله: {وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ} أنه سيعطي بني يعقوب كلهم النبوّة؛ قاله جماعة من المفسرين. {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ} بِما يعطيك. {حَكِيمٌ } في فعله بك.

البيضاوي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} أي وكما اجتباك لمثل هذه الرؤيا الدالة على شرف وعز وكمال نفس. {يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } للنبوة والملك أو لأمور عظام، والاجتباء من جبيب الشيء إذا حصلته لنفسك. {وَيُعَلّمُكَ } كلام مبتدأ خارج عن التشبيه كأنه قيل وهو يعلمك. {مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } من تعبير الرؤيا لأنها أحاديث الملك إن كانت صادقة، وأحاديث النفس أو الشيطان إن كانت كاذبة. أو من تأويل غوامض كتب الله تعالى وسنن الأنبياء وكلمات الحكماء، وهو اسم جمع للحديث كأباطيل اسم جمع للباطل. {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } بالنبوة أو بأن يصل نعمة الدنيا بنعمة الآخرة. {وَعَلَىٰ ءالِ يَعْقُوبَ } يريد به سائر بنيه، ولعله استدل على نبوتهم بضوء الكواكب أو نسله. {كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ } بالرسالة وقيل على إبراهيم بالخلة والإِنجاء من النار وعلى إسحاق بانقاذه من الذبح وفدائه بذبح عظيم. {مِن قَبْلُ } أي من قبلك أو من قبل هذا الوقت. {إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ } عطف بيان لأبويك. {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ } بمن يستحق الاجتباء. {حَكِيمٌ } يفعل الأشياء على ما ينبغي.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن قول يعقوب لولده يوسف: إنه كما اختارك ربك وأراك هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدة لك {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} أي: يختارك ويصطفيك لنبوته {وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلاَْحَادِيثِ} قال مجاهد وغير واحد: يعني: تعبير الرؤيا {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} أي: بإرسالك والإيحاء إليك، ولهذا قال: {كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ} وهو الخليل {وَإِسْحَـٰقَ} ولده، وهو الذبيح في قول، وليس بالرجيح {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: هو أعلم حيث يجعل رسالته، كما قال في الآية الأخرى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ } كما رأيت {يَجْتَبِيكَ } يختارك {رَبُّكَ وَيُعَلِمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } تعبير الرؤيا {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } بالنبوّة {وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ } أولاده {كَمَآ أَتَمَّهَا } بالنبوّة {عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ } بخلقه {حَكِيمٌ } في صنعه بهم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{وكذلك يجتبيك ربك}فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: بحسن الخَلق والخُلق. الثاني: بترك الإنتقام. الثالث: بالنبوة، قاله الحسن. {ويعلمك من تأويل الأحاديث} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: عبارة الرؤيا، قاله مجاهد. الثاني: العلم والحكمة، قاله ابن زيد. الثالث: عواقب الأمور، ومنه قول الشاعر: شعر : وللأحبة أيام تذكّرُها وللنوى قبل يوم البيْن تأويل تفسير : {ويتم نعمته عليك}فيه وجهان: أحدهما: باختيارك للنبوة. الثاني: بإعلاء كلمتك وتحقيق رؤياك، قال مقاتل. وفيه وجه ثالث: أن أخرج إخوته إليه حتى أنعم عليهم بعد إساءتهم إليه. {وعلى آل يعقوب} بأن جعل فيهم النبوة. {كما أتمها على أبويك من قبل ابراهيم وإسحاق} قال عكرمة: فنعمته على إبراهيم أن أنجاه من النار، وعلى إسحاق أن أنجاه من الذبح.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَجْتَبِيكَ} بالنبوة، أو بحسن الخَلْق والخُلُق، أو بترك الانتقام. {تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} عواقب الأمور، أو عبارة الرؤيا، أو العلم والحكمة. {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} بالنبوة، أو بإعلاء كلمتك وتحقيق رؤياك {وَعَلَى ءَالِ يَعْقُوبَ} بأن يجعل فيهم البنوة {كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ} نعمته على إبراهيم بالنجاة من النار وعلى إسحاق بالنجاة من الذبح.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وكذلك يجتبيك ربك} يعني يقول يعقوب ليوسف عليه الصلاة والسلام أي وكما رفع منزلتك بهذه الرؤيا الشريفة العظيمة كذلك يجتبيك ربك يعني يصطفيك ربك واجتباء الله تعالى العبد تخصيصه إياه بفيض إلهي تحصل له منه أنواع الكرامات بلا سعي من العبد وذلك مختص بالأنبياء أو ببعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء والصالحين {ويعلمك من تأويل الأحاديث} يعني به تعبير الرؤيا سمي تأويلاً لأنه يؤول أمره إلى ما رأى في منامه، يعني يعلمك تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم وكان يوسف عليه السلام أعلم الناس بتعبير الرؤيا. وقال الزجاج: تأويل أحاديث الأنبياء والأمم السالفة والكتب المنزلة. وقال ابن زيد: يعلمك العلم والحكمة {ويتم نعمته عليك} يعني بالنبوة، قاله ابن عباس لأن منصب النبوة أعلى من جميع المناصب وكل الخلق دون درجة الأنبياء فهذا من إتمام النعمة عليهم، لأن جميع الخلق دونهم في الرتب والمناصب {وعلى آل يعقوب} المراد بآل يعقوب أولاده فإنهم كانوا أنبياء وهو المراد من إتمام النعمة عليهم {كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق} بأن جعلهما نبيين وهو المراد من إتمام النعمة عليهما وقيل: المراد من إتمام النعمة على إبراهيم صلى الله عليه وسلم بأن خلصه الله من النار واتخذه خليلاً والمراد من إتمام النعمة على الأصح بأن إتمام النعمة عليهما بالنبوة لأنه لا أعظم من منصب النبوة فهو من أعظم النعم على العبد {إن ربك عليم} يعني بمصالح خلقه {حكيم} يعني أنه تعالى لا يفعل شيئاً إلا بحكمة، وقيل: إنه تعالى حكم بوضع النبوة في بيت إبراهيم صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس رضي الله عنهما كان بين رؤيا يوسف هذه وبين تحقيقها بمصر واجتماعه بأبويه وإخوته أربعون سنة وهذا قول أكثر المفسرين، وقال الحسن البصري: كان بينهما ثمانون سنة فلما بلغت هذه الرؤيا إخوة يوسف حسدوه وقالوا ما رضي أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه. قوله عز وجل: {لقد كان في يوسف وإخوته} يعني في خبره وخبر إخوته وأسماؤهم روبيل وهو أكبرهم وشمعون ولاوى ويهوذا وزبولول ويشجر وأمهم ليا بنت ليان وهي ابنة خال يعقوب وولد يعقوب من سريتين اسم إحداهما زلفة والأخرى بلهة أربعة أولاد وأسماؤهم دان ونفتالي وجاد وآشر، ثم توفيت ليا فتزوج يعقوب أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين فهؤلاء بنو ليعقوب وهم الأسباط، وعددهم اثنا عشر نفراً {آيات للسائلين} وذلك أن اليهود لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف وقيل سألوه عن سبب انتقال ولد يعقوب من أرض كنعان إلى أرض مصر ذكر قصة يوسف مع إخوته فوجدوها موافقة لما في التوراة فعجبوا منه فعلى هذا تكون هذه القصة دالة على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لم يقرأ الكتب المتقدمة ولم يجالس العلماء والأحبار، ولم يأخذ عن أحد منهم شيئاً فدل ذلك على أن ما أتي به وحي سماوي وعلم قدسي أوحاه الله إليه وشرفه به، ومعنى آيات للسائلين أي عبرة للمعتبرين فإن هذه القصة تشتمل على أنواع من العبر والمواعظ والحكم ومنها رؤيا يوسف وما حقق الله فيها ومنها حسد إخوته له وما آل إليه أمرهم من الحسد ومنها صبر يوسف على إخوته وبلواه مثل إلقائه في الجب وبيعه عبداً وسجنه بعد ذلك وما آل إليه أمره من الملك ومنها ما تشتمل عليه من حزن يعقوب وصبره على فقد ولده وما آل إليه أمره من بلوغ المراد وغير ذلك من الآيات التي إذا فكر فيها الإنسان اعتبر واتعظ.

البقاعي

تفسير : ولما علم يعقوب عليه الصلاة والسلام من هذه الرؤيا ما سيصير إليه ولده من النبوة والملك قال: {وكذلك} أي قد اجتباك ربك للإطلاع على هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز، ومثل ما اجتباك لها {يجتبيك} أي يختارك ويجمع لك معالي الأمور {ربك} المربي لك بالإحسان للملك والنبوة {ويعلمك من} أي بعض {تأويل الاحاديث} من الرؤيا وغيرها من كتب الله وسنن الأنبياء وغوامض ما تدل عليه المخلوقات الروحانية والجسمانية، لأن الملك والنبوة لا يقومان إلا بالعلم والتأويل المنتهي الذي يصير إليه المعنى، وذلك فقه الحديث الذي هو حكمة لأنه إظهار ما يؤول إليه أمره مما عليه معتمد فائدته، وأكثر استعماله في الرؤيا {ويتم نعمته} بالنبوة {عليك} بالعدل ولزوم المنهج السوي {وعلى آل يعقوب} أي جميع إخوتك ومن أراد الله من ذريتهم، فيجعل نعمتهم في الدنيا موصولة بنعمة الآخرة، لأنه عبر عنهم في هذه الرؤيا بالنجوم المهتدي بها، ولا يستعمل الآل إلا فيمن له خطر وشرف، وإضافته مقصورة على إعلام الناطقين، قال الراغب: وأما آل الصليب إن صح نقله فشاذ، ويستعمل فيمن لا خطر له الأهل {كما أتمها على أبويك}. ولما كان وجودهما لم يستغرق الماضي، أدخل الجار فقال: {من قبل} أي من قبل هذا الزمان؛ ثم بين الأبوين بجده وجد أبيه فقال: {إبراهيم} أي بالخلة وغيرها من الكرامة {و} ولده {إسحاق} بالنبوة وجعل الأنبياء والملوك من ولده، وإتمام النعمة: الحكم بدوامها على خلوصها من شائب فيها بنقصها. ولما كان ذلك لا يقدر عليه إلا بالعلم المحيط بجميع الأسباب ليقام منها ما يصلح، والحكمة التي بها يحكم ذلك السبب عن أن يقاومه سبب غيره، وكان السياق بالعلم أولى لما ذكر من علم التأويل مع ما تقدم من قوله آخر تلك { أية : ولله غيب السماوات والأرض }تفسير : [هود: 123] الآية وما شاكل ذلك أول هذه، قال: {إن ربك عليم} أي بليغ العلم {حكيم *} أي بليغ الحكمة، وهي وضع الأشياء في أتقن مواضعها. ولما كان ذلك، توقع السامع له ما يكون بينه وبين إخوته هل يكتمهم الرؤيا أو يعلمهم بها؟ وعلى كلا التقديرين ما يكون؟ فقال جواباً لمن كأنه قال: ما كان من أمرهم؟ - مفتتحاً له بحرف التوقع والتحقيق بعد لام القسم تأكيداً للأمر وإعلاماً بأنه على أتقن وجه -: {لقد كان} أي كوناً هو في أحكم مواضعه {في يوسف وإخوته} أي بسبب هذه الرؤيا وما كان من تأويلها وأسباب ذلك {آيات} أي علامات عظيمة دالات على وحدانية الله تعالى ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما تضمنته القصة {للسائلين *} أي الذين يسألون عنها من قريش واليهود وغيرهم، وآيات عظمة الله وقدرته في تصديق رؤيا يوسف عليه الصلاة والسلام ونجاته ممن كاده وعصمته وإعلاء أمره، والمراد بإخوته هنا العشرة الذين هم من أبيه وهم: روبيل وشمعان - بمعجمة أوله، ولاوي، ويهوذا، وزيلون - بزاي وموحدة، وإيساخار، بهمزة مكسورة وتحتانية وسين مهملة وخاء معجمة، ودان - بمهملة، وجاد بجيم. بينها وبين الكاف، وآشير - بهمزة ممدودة وشين معجمة ثم تحتانية ومهملة. ونفتالي - بنون مفتوحة وفاء ساكنة ومثناة فوقانية ولام بعدها ياء. وشقيقه بنيامين - بضم الموحدة، هكذا ذكرهم في التوراة، وحررت التلفظ بهم من العلماء بها، وقد تقدم ذلك في البقرة بزيادة. والآية: الدلالة على ما كان من الأمور العظيمة، ومثلها العلامة والعبرة، والحجة أخص منها، لأنها معتمد البينة التي توجب الثقة بصحة المعنى الذي فيه أعجوبة. ولما تقرر ذلك، ابتدأ بذكر الآيات الواقعة في ظرف هذا الكون فقال: {إذ قالوا} أي كان ذلك حين قال الإخوة بعد أن قص الرؤيا عليهم وسوّل لهم الشيطان - كما ظن يعقوب عليه الصلاة والسلام - مقسمين دلالة على غاية الاهتمام بهذا الكلام، وأنه مما حركهم غاية التحريك، أو هي لام الابتداء المؤكدة المحققة لمضمون الجملة {ليوسف وأخوه} أي شقيقه بنيامين {أحب} وحددا لأن أفعل ما يستوي فيه الواحد وما فوقه مذكراً كان أو مؤنثاً إذا لم يعرف أو يضف {إلى أبينا منا} أي يحبهما أكثر مما يحبنا؛ والحب: ميل يدعو إلى إرادة الخير والنفع للمحبوب بخلاف الشهوة، فإنها ميل النفس ومنازعتها إلى ما فيه لذتها {و} الحال أنا {نحن عصبة} أي أشداء في أنفسنا ويشد بعضنا بعضاً، وأما هما فصغيران لا كفاية عندهما؛ والعصبة من العشرة إلى الأربعين، فكأنه قيل: فكان ماذا؟ - على تقدير أن يكونا أحب إليه، فقالوا مؤكدين لأن حال أبيهما في الاستقامة والهداية داع إلى تكذيبهم: {إن أبانا لفي ضلال} أي ذهاب عن طريق الصواب في ذلك {مبين *} حيث فضلهما علينا، والقرب المقتضي للحب في كلنا واحد، لأنا في البنوة سواء، ولنا مزية تقتضي تفضيلنا، وهي أنا عصبة، لنا من النفع له والذب عنه والكفاية ما ليس لهما؛ قال الإمام أبو حيان: وأحب أفعل التفضيل، وهو مبني من المفعول شذوذاً، ولذلك عدي بـ " إلى" لأنه إذا كان ما تعلق به فاعلاً من حيث المعنى عدي إليه بـ "إلى" وإذا كان مفعولاً عدي إلية بـ "في"، تقول زيد أحب إلى عمرو من خالد، فالضمير في "أحب" مفعول من حيث المعنى، وعمرو هو المحب، وإذا قلت: زيد أحب في عمرو من خالد، كان الضمير فاعلاً وعمرو هو المحبوب، ومن خالد - في المثال الأول محبوب، وفي المثال الثاني فاعل، قال: والضلال هنا هو الهدى - قاله ابن عباس رضي الله عنهما - انتهى.

ابو السعود

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} أي ومثلَ ذلك الاجتباءِ البديعِ الذي شاهدتَ آثارَه في عالم المثالِ من سجود تلك الأجرامِ العلوية النيِّرةِ لك، وبحسَبه وعلى وَفْقه {يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} يختارك لجناب كبريائِه ويستنبئك افتعال من جباه إذا جمعه، ويصطفيك على أشراف الخلائقِ وسَراةِ الناس قاطبةً ويُبرز مصداق تلك الرؤيا في عالم الشهادة حسب ما عاينته من غير قصور، والمرادُ بالتشبـيه بـيانُ المضاهاةِ المتحققةِ بـين الصور المرئيةِ في عالم المثالِ وبـين ما وقعت هي صوراً وأشباحاً له من الكائنات الظاهرةِ بحسبها في عالم الشهادة أي كما سُخّرت لك تلك الأجرامُ العظامُ يسخِّرْ لك وجوهَ الناس ونواصيَهم مذعنين لطاعتك خاضعين لك على وجه الاستكانة، ومرادُه بـيانُ إطاعةِ أبويه وإخوتِه له لكنه إنما لم يصرّح به حذراً من إذاعته {وَيُعَلّمُكَ} كلامٌ مبتدأٌ غيرُ داخل تحت التشبـيه أراد به عليه السلام تأكيدَ مقالته وتحقيقَها وتوطينَ نفسِ يوسفَ عليه السلام بما أخبر به على طريقة التعبـيرِ والتأويل، كأنه قال وهو يعلمك {مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} أي ذلك الجنسِ من العلوم أو طرفاً صالحاً منه فتطلّع على حقيّة ما أقول، ولا يخفى ما فيه من تأكيد ما سبق والبعثِ على تلقي ما سيأتي بالقبول، والمرادُ بتأويل الأحاديث تعبـيرُ الرؤيا إذ هي أحاديثُ الملَكِ إن كانت صادقةً أو أحاديثُ النفس أو الشيطان إن لم تكن كذلك، والأحاديثُ اسم جمعٍ للحديث كالأباطيل اسم جمع للباطل لا جمع أُحدوثة، وقيل: كأنهم جمعوا حديثاً على أحْدِثة ثم جمعوا الجمعَ على أحاديث كقطيع وأقطِعة وأقاطيع، وقيل: هو تأويلُ غوامضِ كتب الله تعالى وسنن الأنبـياء عليهم السلام، والأولُ هو الأظهرُ، وتسميةُ التعبـير تأويلاً لأنه جُعل المرئيُّ آيلاً إلى ما يذكره المعبِّرُ بصدد التعبـير ورجْعِه إليه فكأنه عليه الصلاة والسلام أشار بذلك إلى ما سيقع من يوسف عليه السلام من تعبـيره لرؤيا صاحبَـيْ السجنِ ورؤيا الملِك وكون ذلك ذريعةً إلى ما يبلّغه الله تعالى إليه من الرياسة العظمى التي عبر عنها بإتمام النعمة، وإنما عرَف يعقوبُ عليه السلام ذلك منه من جهة الوحي، أو أراد كونَ هذه الخَصلةِ سبباً لظهور أمرِه عليه السلام على الإطلاق فيجوز حينئذ أن تكون معرفتُه عليه السلام لذلك بطريق الفِراسةِ والاستدلال من الشواهد والدلائل والأَمارات والمخايل بأن مَن وفقه الله تعالى لمثل هذه الرؤيا لا بد من توفيقه لتعبـيرها وتأويل أمثالِها وتميـيز ما هو آفاقيٌّ منها مما هو أنفُسيٌّ. كيف لا وهي تدل على كمال تمكّن نفسِه عليه السلام في عالم المثال وقوةِ تصرفاتِها فيه فيكون أقبلَ لفيضان المعارفِ المتعلّقة بذلك العالم وبما يحاكيه من الأمور الواقعةِ بحسبها في عالم الشهادةِ وأقوى وقوفاً على النِّسب الواقعة بـين الصور المعاينةِ في أحد ذينك العالمين وبـين الكائنات الظاهرةِ على وفقها في العالم الآخر، وأن هذا الشأنَ البديلَ لا بد أن يكون أنموذجاً لظهور أمرِ من اتصف به ومداراً لجريان أحكامِه فإن لكل نبـيَ من الأنبـياء عليهم الصلاة والسلام معجزةً بها تظهر آثارُه وتجري أحكامُه {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} بأن يضم إلى النبوة المستفادةِ من الاجتباء المُلكَ ويجعله تتمة لها، وتوسيطُ ذكر التعليم المذكور بـينهما لكونه من لوازم النبوةِ والاجتباءِ ولرعاية ترتيبِ الوجود الخارجي ولِما أشرنا إليه من كون أثرِه وسيلةً إلى تمام النعمةِ ويجوز أن يعدّ نفسُ الرؤيا من نعم الله تعالى عليه فيكون جميعُ النعم الواصلة إليه من كون أثرِه وسيلةً إلى تمام النعمةِ، ويجوز أن يُعدَّ نفس الرؤيا من نعم الله تعالى عليه فيكون جميع النعم الواصلة إليه بحسبها مصداقاً لها تماماً لتلك النعمة. {وَعَلَىٰ ءالِ يَعْقُوب} وهم أهلُه من بنيه وغيرهم فإن رؤيةَ يوسفَ عليه السلام إخوتَه كواكبَ يُهتدىٰ بأنوارها من نعم الله تعالى عليهم لدِلالتها على مصير أمرِهم إلى النبوة فيقع كلُّ ما يخرج من القوة إلى الفعل من كمالاتهم بحسب ذلك تماماً لتلك النعمةِ لا محالة، وأما إذا أريد بتمام تلك النعمةِ المُلكُ فكونُه كذلك بالنسبة إليهم باعتبار أنهم يغتنمون آثارَه من العزِ والجاهِ والمال، {كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ} نصبٌ على المصدرية أي ويتم نعمتَه عليك إتماماً كائناً كإتمام نعمتِه على أبويك وهي نعمةُ الرسالةِ والنبوةِ وإتمامُها على إبراهيمَ عليه السلام باتخاذه خليلاً وإنجائه من النار ومن ذبح الولدِ، وعلى إسحاقَ بإنجائه من الذبح وفدائِه بذِبْحٍ عظيم وبإخراج يعقوبَ والأسباطِ من صُلبه وكلُّ ذلك نعمٌ جليلة وقعت تتمةً لنعمة النبوة. ولا يجب في تحقيق التشبـيهِ كونُ ذلك في جانب المشبّه به مثلَ ما وقع في جانب المشبه من كل وجه {مِن قَبْلُ} أي من قبل هذا الوقت أو من قبلك {إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ} عطفُ بـيانٍ لأبويك، والتعبـيرُ عنهما بالأب من كونهما أبا جدِّه وأبا أبـيه للإشعار بكمال ارتباطِه بالأنبـياء الكرام عليهم الصلاة والسلام وتذكيرِ معنى: الولدُ سرُّ أبـيه ليطمئن قلبُه بما أخبر به في ضمن التعبـيرِ الإجمالي لرؤياه، والاقتصارُ في المشبه به على ذكر إتمام النعمةِ من غير تعرض للاجتباء من باب الاكتفاء فإن إتمامَ النعمةِ يقتضي سابقةَ النعمة المستدعيةِ للاجتباء لا محالة {إِنَّ رَبَّكَ} استئنافٌ لتحقيق مضمونِ الجُمل المذكورةِ أي يفعل ما ذكر لأنه {عَلِيمٌ} بكل شيءٍ فيعلم من يستحق الاجتباءَ وما يتفرَّع عليه من التعليم المذكورِ وإتمامِ النعمةِ العامة على الوجه المذكور {حَكِيمٌ} فاعلٌ لكل شيءٍ حسبما تقتضيه الحكمةُ والمصلحة فيفعل ما يفعل كما يفعل جرياً على سنن علمِه وحكمتِه، والتعرضُ لعنوان الربوبـيةِ في الموضعين لتربـية تحققِ وقوعِ ما ذكر من الأفاعيل. هذا وقد قيل في تفسير الآية الكريمةِ: أي وكما اجتباك لمثل هذه الرؤيا الدالةِ على شرف وعزَ وكمالِ نفس يجتبـيك ربُّك للنبوة والمُلك أو لأمور عِظامٍ ويُتمُّ نعمتَه عليك بالنبوة أو بأن يصل نعمةَ الدنيا بنعمة الآخرة حيث جعلهم في الدنيا أنبـياءَ وملوكاً ونقلهم عنها إلى الدرجات العلا في الجنة كما أتمها على أبويك بالرسالة فتأمل والله الهادي.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ}[6] يعني بتصديق الرؤيا التي رأيتها لنفسك.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ}. أي كما أمرك بهذه الرؤيا التي أَرَاكَها يجتبيك ويُحْسِنُ إليك بتحقيق هذه الرؤيا، وكما أكرمك بوعد النعمة أكرمك بتحقيقها. ويقال الاجتباء ما ليس للمخلوق فيه أثر، فما يحصل للعبد من الخيرات - لا بتكلفه ولا بتعمده - فهو قضية الاجتباء. ويقال من الاجتباء المذكور أَنْ عَصَمَه عن ارتكاب ما راودته امرأة العزيز عن نفسه. ويقال من قضية الاجتباء إسباله الستر على فعل إخوته حيث قال: {أية : وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ}تفسير : [يوسف: 100]، ولم يذكر خلاصَه من البئر ومن قضية الاجتباء توفيقه لسرعة العفو عن إخوته حيث قال: {أية : لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ}تفسير : [يوسف: 92]. قوله جلّ ذكره: {وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ}. أي لتعرِفَ قَدْرَ كلِّ أحد، وتقفَ على مقدار كلِّ قائلٍ بما تسمع من حديثه.. لا مِنْ قوله بل لِحدَّةِ كياستك وفَرْطِ فراستك. قوله جلّ ذكره: {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. مِنْ إتمامِ النعمة توفيقُ الشكر على النعمة، ومن إتمام النعمة صَوْنُها عن السَّلبِ والتغيير، ومن إتمام النعمة التَّحرز منها حتى تَسْهُلَ عليكَ السماحةُ بها.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكذلك} اى مثل اجتبائك واختيارك من بين اخوتك لمثل هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز وكبرياء شأنك فالكاف فى محل النصب على انه صفة مصدر محذوف {يجتبيك ربك} يختارك ويصطفيك لما هو اعظم منها كالنبوة ويبرز مصداق تلك الرؤيا فى عالم الشهادة اذ لا بد لكل صورة مرئية فى عالم المثال حقيقة واقعة فى عالم الشهادة وان كانت الدنيا كلها خيالا كما سيتأتى تحقيقه شعر : خيال جملة جهانرا بنور جشم يقين بجنب بحر حقيقت سراب مى بينم تفسير : {ويعلمك} كلام مبتدأ داخل فى حكم التشبيه كأنه قيل وهو لا يعلمك لان الظاهر ان يشبه الاجتباء بالاجتباء والتعليم غير الاجتباء فلو كان داخلا فى حكم التشبيه كان المعنى ويعلمك تعليما مثل الاجتباء بمثل هذه الرؤيا وظاهر سماجته فان الاجتباء وجه الشبه بين المشبه والمشبه به ولم يلاحظ فى التعليم ذلك كذا قالوا. يقوال الفقير هذا هو منهما نعمة جسيمة من الله تعالى كما يدل عليه مقام الامتنان فلا سماجة {من تأويل الاحاديث} اى ذلك الجنس من العلوم فتطلع على حقيقة ما اقول فان من وفقه الله تعالى لمثل هذه الرؤيا لا بد من توفيقه لتعبيرها فان علم التعبير من لوازم الاجتباء غالبا والمراد بتأويل الاحاديث تعبير الرؤى جمع الرؤيا اذ هى اما احاديث الملك ان كانت صادقة او احاديث النفس والشيطان ان لم تكن كذلك وتسميتها تأويلا لانه يؤول امرها اليه اى يرجع الى ما يذكره المعبر من حقيقتها. والاحاديث اسم جمع للحديث ومنه احاديث الرسول والحديث فى اللغة الجديد وفى عرف العامة الكلام وفى عرف المحدثين ما يحدث عن النبى عليه السلام فكأنه لوحظ فيه مقابلة القرآن اذ ذاك قديم وها حادث. وفى الصحاح الحديث ضد القديم ويستعمل فى قليل الكلام وكثيره لانه يحدث شيئا فشيئا {ويتم نعمته عليك} يا يوسف يجوز ان يتعلق بقوله يتم وان يتعلق بنعمته اى بان يضم الى النبوة المستفادة من الاجتباء الملك ويجعله تتمة لها وتوسيط التعليم لرعاية الوجود الخارجى {وعلى} كرر على ليمكن العطف على الضمير المجرور {آل يعقوب} الآل وان كان اصله الاهل الا انه لا يستعمل الا فى الاشراف بخلاف الاهل وهم اهله من بيته وغيرهم فان رؤية يوسف اخوته كواكب يهتدى بانوارها من نعم الله عليهم لدلالتها على مصي امرهم الى النبوة فيقع كل ما يخرج من القوة الى الفعل اتماما لتلك النعمة. وقال سعدى المفتى غاية ما تدل رؤيتهم على صور الكواكب الى نبوتهم لان الفرد الكامل للهداية ان يكون ذلك بالنبوة ولذلك قد قال الله تعالى فى حق الانبياء {أية : وجعلناهم ائمة يهدون بامرنا}تفسير : فاعرف ذلك {كما اتمها على ابويك} نصب على المصدرية اى ويتم نعمته عليك اتماما كائنا كاتمام نعمته على ابويك وهى نعمة الرسالة والنوبة {من قبل} اى من قبل هذا الوقت او من قبلك {ابراهيم واسحق} عطف بيان لابويك والتعبير عنهما بالاب مع كونهما ابا جده وابا ابيه للاشعار بكمال ارتباطه بالانبياء الكرام. قال فى الكواشى الجد اب فى الاصالة يقال فلان بن فلان وبينهما عدة آباء انتهى اما اتمامها على ابراهيم فباتخاذه خليلا وبانجائه من النار ومن ذبح الولد. واما على اسحاق فباخراج يعقوب والاسباط من صلبه وكل ذلك نعم جليلة وقعت تتمة لنعمة النبوة ولا يجب في تحقيق التشبيه كون ذلك في جانب المشبه به مثل ما وقع في جانب المشبه به من كل وجه. والاشارة ان اتمام النعمة على يوسف القلب بان يتجلى له ويستوى عليه اذ هو عرش حقيقى للرب تعالى دون ما سواه كما قال تعالى "حديث : لا يسعنى ارضى وسمائى وانما يسعنى قلب عبدى المؤمن" شعر : دردل مرمن بكنجم اى عجب كرمرا جوئى دران دلها طلب تفسير : ولهذا الاستحقاق كان يويف القلب مختصا بكمال الحسن واذا تجلى الله تعالى للقلب تنعكس انوار التجلى من مرآة القلب على جميع المتولدات من الروح كالحواس والقوى وغيرهما من آل يعقوب الروح {ان ربك} اى يفعل ما ذكر لان ربك {عليم} اى عليم {حكيم} اى حكيم وهو معنى مجيئهما نكرتين اى واسع العلم باهر الحكمة يعلم من يحق له الاجتباء ولا يتم نعمته الا على من يستحقها او يفعل كما يفعل على مقتضى الحكمة والصواب. اعلم ان الله تعالى قدم فى بعض المواضع الاسم الحكيم على الاسم العليم وعكس فى بعضها كما فى هذا المقام. اما الاول فباعتبار حضرة العلم لان العلم فى تعلقه فى الاعيان والحقائق العلمية تابع للحكمة وذلك عبارة عن كونه تابعا للعلوم حيث تعلق به فى تلك الحضرة على وجه ما اعطاه اياه من نفسه. واما الثانى فهو اعتبار حضرة العين لان الحكمة فى تعلقها بالتعينات والصور المعينة تابعة للعلم وهذا عبارة عن كون المعلوم تابعا للعلم حيث انما تعلقت بها فى هذه الحضرة على وجه ما اعطاه العلم اياها من نفسه على الوجه الاول فلا جرم ان المتبوع فى أية مرتبة كان له التقدم والتابع كذلك له التأخر جدا ولا شك ان المعتبر انما هو تقدم المعلومات على تعلق العلم بالذات فى الحضرة الاولى وتأخرها عنه فى الثانية والحكمة انما هى ترتب تلك المعلومات فى مراتبها ووضعها فى مواضعها فى اية حضرة كانت وهذا الترتيب والوضع فى اى مرتبة كان اذا وقع من الحكيم العليم بحسب اقتضاءات استعداداتها الكلية الازلية وبقدر استدعاءات قابليتها الجزئية الابدية فى النشاءات الدنيوية والبرزخية والنشرية والحشرية والنيرانية والجنانية والجسمانية والروحانية وغير ذلك من سائر النشاءات فافهم هداك الله الى الفهم عن الله كذا فى بعض تحريرات شيخنا الاجل ومرشدنا الاكمل قدس الله نفسه الزاكية وروح روحه فى جميع المواطن كلها آمين

الطوسي

تفسير : هذه حكاية ما قال يعقوب لابنه يوسف (ع) وقوله له ان الله يجتبيك، ويختارك، ويصطفيك ويكرمك بذلك، كما أكرمك بأن اراك في منامك هذه الرؤيا، فوجه التشبيه وهو اعطاء الرؤيا باعطاء الاجتباء مع ما انضاف اليه من الصفات الكريمة المحمودة التي ذكرها. والاجتباء إختيار معالي الأمور للمجتبى مثل ما اختاره الله تعالى ليوسف من الخصال الكريمة والأمور السنية، وقال الحسن: اجتباه الله بالنبوّة، وبشره بذلك. وأصله من جبيت الشيء اذا اخلصته لنفسك، ومنه جبيت الماء في الحوض. وموضع الكاف من و {كذلك} نصب، والمعنى مثل ما رأيت تأويله يجتبيك ربك. {ويعلمك من تأويل الأحاديث} معناه أنه تعالى يعرفك عبارة الرؤيا - في قول قتادة، ومجاهد - وذلك تأويل أحاديث الناس عما يرونه في منامهم، وقيل كان أعبر الناس للرؤيا، ذكره ابن زيد. وقال الزجاج، والجبائي: معناه يعلمك تأويل الاحاديث في آيات الله تعالى ودلائلة على توحيده، وغير ذلك من أمور دينه. والتأويل في الأصل هو المنتهى الذي يؤل اليه المعنى. وتأويل الحديث فقهه الذي هو حكمه، لأنه اظهار ما يؤل اليه أمره مما يعتمد عليه وفائدته. وقوله {ويتم نعمته عليك} فاتمام النعمة هو أن يحكم بداومها على اخلاصها من شائب بها فهذه النعمة التامة بخلوصها مما ينغصها، ولا تطلب الا من الله تعالى لانه لا يقدر عليها سواه. وقوله {كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق} اخبار من يعقوب ليوسف أن الله تعالى يديم عليه هذه النعمة، كما أدامها على أبويه قبله: ابرهيم وإسحق، واصطفائه إياهما وجعله لهما نبيين رسولين الى خلقه ثم أخبر مع ذلك أن الله تعالى عليم بمن يصلح أَن يجتبى، حكيم في اجتبائه من يجتبيه واضع للشيء في موضعه، وفي غير ذلك من افعاله. قال الفراء: قوله {وكذلك يجتبيك ربك} جواب لقوله إِني رأيت أحد عشر كوكبا، فقيل له، وهكذا يجتبيك ربك (فكذلك، وهكذا) سواء في المعنى، وقال ابن اسحاق إنما قص الله تعالى قصة يوسف علي محمد (صلى الله عليه وسلم) ليعلمه أنه بغى عليه أخوته وحسدوه، فيسليه بذلك من بغي قومه عليه وحسدهم اياه.

الجنابذي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} عطف على محذوفٍ اى يرفعك وكذلك يجتبيك ربّك، ويحتمل انّه كان مذكوراً فى المحكىّ فأسقطه الله عن الحكاية ايجازاً، او استيناف شبه العطف بلحاظ المعنى لانّه بعد ما قال: لا تقصص رؤياك استنبط منه انّ تلك الرّؤيا دليل رفعته والمشار اليه الاجتباء باراءة سجدة الكواكب {وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} أتى بمن للاشعار بأنّ لتأويل الاحاديث مراتب عديدة لا يحيط بجملتها الاّ الله، والاحاديث، قيل: اسم جمعٍ للحديث، وقيل: جمعٌ له على خلاف القياس، وقيل: جمع الاحداث وهو جمع الحديث او جمع الحدث بمعنى ما يحدث آناً فآناً، وتأويل الاحاديث عبارة عمّا تؤل اليه من مبدئها وغايتها ان كان التّأويل بمعنى المؤوّل اليه وان كان بمعناه المصدرىّ فالمقصود كيفيّة ارجاعها الى مبدئها ومنتهاها، ومبدء الكلّ وكذا غايته هو الله بتوسّط المبادى والغايات المتوسّطة فهو مبدء المبادى وغاية الغايات، وتأويل الاحاديث بهذا المعنى امر عظيم غامض جدّاً لا يتيسّر الاّ لمن كان رسولاً بعد ما كان عبداً وليّاً، والاحاطة بجميع مراتب التّأويل خاصّة بالله وبمن كان خاتم الكلّ فى كلّ الكمالات كما قال تعالى: لا يعلم تأويله الا الله خاصّة على ان يكون والرّاسخون ابتداء كلام او لا يعلم اجمال تأويل ما تشابه منه الاّ الله والرّاسخون فى العلم خاصّة {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} اصل النّعمة هو الولاية والنّبوّة صورتها المكمّلة لها وهكذا الرّسالة والنّعم الدّنيويّة والاخرويّة صورتها الدّانية والمراد باتمام نعمته عليه اتمام نعمة الولاية بنعمة النّبوّة والرّسالة والسّلطنة فى الدّنيا والآخرة هذا بالنّسبة الى من تحقّق بقبول الولاية او بحقيقة الولاية وامّا النّعمة واتمامها بالنّسبة الى من لم يقبل النّبوّة بعد او قبل النّبوّة بعد ولم يقبل الولاية فهى قبول النّبوّة واتمامها قبول الولاية كما فى قوله: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} تفسير : [المائدة:3] يعنى باتّصال البيعة الاسلاميّة النّبويّة بالبيعة الايمانيّة الولويّة {وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ} بواسطتك واتمام النّعمة عليهم جمع خير الدّنيا والآخرة لهم بعد ما ازلّهم الشّيطان {كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ} باستحقاق كلّ وقدره {حَكِيمٌ} ينظر الى دقائق الاستحقاق فيعطى بحسبها وانت مستحقّ بحسب فطرتك فيعطيك ما تستحقّه.

الأعقم

تفسير : {وكذلك يجتبيك ربك} أي يختارك للنبوة {ويعلمك من تأويل الأحاديث}، قيل: تعبير الرؤيا أنه كان أعبر الناس، وقيل: تأويل الأحاديث في كتب الله تعالى ودلائله على توحيده {ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك} من قبل {إبراهيم وإسحاق} ومعنى اتمام النعمة أنه وصل لهم نعمة الدنيا بنعمة الآخرة بأن جعلهم أنبياء في الدنيا وملوكاً ونقلهم عنها إلى الدرجات العلا في الجنة، وقيل: إتمامها على إبراهيم بالخلة والانجاء من النار ومن ذبح الولد، وعلى إسحاق بإنجائه من الذبح وفدائه من الذبح بذبح عظيم، وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه {لقد كان في يوسف وإخوته} أي في قصصهم وأحاديثهم {آيات} علامات ودلائل على قدرة الله تعالى وحكمته في كل شيء {للسائلين} لمن سأل عن قصة يوسف وعرفها، وقيل: آيات على نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم بالصحة من غير سماع من أحد ولا قراءة كتاب {إذ قالوا ليوسف وأخوه} هو بنيامين وإنما قالوا أخوه وهم أخوة جميعاً لأن أمهما كانت واحدة {ونحن عصبة} أي جماعة وكانوا عشرة {إن أبانا لفي ضلال مبين} أي في ذهاب عن طريق الصواب {وتكونوا من بعده قوماً صالحين} يعني تائبين يعني نتوب بعد قتله ونعود إلى الصلاح {قال قائل منهم} على وجه المشورة قيل: هو روبيل {لا تقتلوا يوسف}، قيل: الآمِر بالقتل شمعون والباقون كانوا راضين، وقوله: {يخلُ لكم وجه أبيكم} أي يقبل عليكم إقبالة واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم، والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها، واختلفوا كيف جاز هذا عليهم وهم أنبياء، قيل: كانوا مراهقين ولم يكونوا بالغين، عن أبي علي يدل عليه قوله تعالى: {يرتع ويلعب}، وقيل: كانوا بالغين وكان ذلك منهم صغيرة عن الحسن، وقيل: كان الذي قال: لا تقتلوا يوسف يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً وهو الذي قال: {أية : لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي} تفسير : [يوسف: 80] الآية قال لهم: القتل عظيم {وألقوه في غيابَت الجب}، قيل: في قعر الجب بحيث يغيب، والجب قيل: هو بئر بيت المقدس، وقيل: أرض الأردن، وقيل: هو بئر بين مصر ومدين على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب {يلتقطه بعض السيَّارة} مارة الطريق والمسافرين {إن كنتم فاعلين} شيئاً مما قلتم في يوسف فليكن هذا، ثم بيَّن تعالى أنَّهم بعد اتفاق رأيهم فيما تآمروا فيه من أمر يوسف كيف سألوا أباهم فقال سبحانه: {قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنَّا له لناصحون أرسله معنا غداً يرتع ويلعب} قرئ بالنون إضافة إليهم وبالياء أي يوسف (عليه السلام)، قيل: ننبسط ونتسع فيما نريد، وقيل: نرعى مواشينا ونلعب، وقيل: نشبع من أكل الفواكه وغيرها، وأصل الرتعة الخصب والسعة {وإنا له} يعني ليوسف {لحافظون}، قال: يعني يعقوب {إني ليحزنني أن تذهبوا به} يعني أخاف عليه شغلكم بالمرعى وانفرادي عنكم لأنه كان لا يصبر عنه ساعة واحدة {وأخاف أن يأكله الذئب} روي أنه رأى في النوم أن الذئب قد سد على يوسف فكان يحذره فمن ثم قال لهم ذلك فلقنهم العلة، وفي أمثالهم البلاء موكل بالمنطق، وقيل: عليه إذا ذهبوا عنه {انا إذا لخاسرون}، قيل: كالذي ذهب رأس ماله.

اطفيش

تفسير : {وكذلِكَ} أى كما اجتباك ربك لمثل هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرفك وعزك {يجْتَبيكَ} يختارك {ربُّكَ} للنبوة أو الملك، أو الأمور العظام، أو يجتبيك ربك لما ذكر على طبق ما تضمنته الرؤيا من الإشارة والاحتباء فى الأصل، من جبيت الشئ إذا حصلته لنفسك، ولا مانع من بقائه فى الآية على هذا المعنى. ويجوز أن يكون بمعنى تخصيص الله لعبده بفيض إلهى، تحصل منه أنواع المكرمات بلا سعى منه، وذلك مختص بالأنبياء، وبعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء والصالحين. {ويُعلِّمكَ} مستأنف غير باق فى حين التشبيه، كأنه قيل: وهو يعلمك كذا، قالوا قلت: يجوز كونه فى حيرة فيعطف على يجتبيك، فيكون المعنى يجتبيك للأمور العظام، أو للنبوة والملك وللتعليم لك، كما اجتباك لمثل هذه الرؤيا، أو كما اجتباك لهذه الرؤيا يجتبيك لما ذكر، ولتعليم تأويل الرؤى جمع رأى كهدى. {مِنْ تأويلِ} تعبير أى شيئا من تأويل، أو من اسم بمعنى بعض على ما قيل، أو أغنى الجار والمجرور عن تقدير مفعول (الأحَادِيثِ) أى الرؤى، وكان أعلم الناس بتأويلها ذكر ذلك مجاهد وغيره، وقال الحسن: هى عواقب الأمور، وقيل: تعم ذلك وغيره من المغيبات، وقال الزجاج: معانى كتب الله وسنن الأنبياء، وما غمض واشتبه على الناس من مقاصدها، وعليه فإنما سميت أحاديث لأنه يحدث بها عن الله ورسوله. وعن ابن عباس: يعلمك العلم والحكمة، وهو اسم جمع الحديث، وقيل: جمع أحدوثة، فانظر المرادى وحاشيتى عليه، والصحيح أن بالأحاديث الرؤى، وسمى تفسيرها تأويلا لأن الأمر يكون يئول إلى ما رأى النائم، والرؤيا إما حديث نفس أو ملك أو شيطان. قال على بن أبى طالب: ما بال الإنسان يرى الشئ فى النوم فيكون، ويريد الشئ فلا يكون؟ فقال القوم: ما سمعنا فى ذلك شيئا، فقال عمر: أنا أخبركم، إن الإنسان إذا نام عرج روحه إلى السماء، فما رأى قبل أن تصل السماء فذلكم حلم يعنى من الشيطان، وكذا ما يرى بعد رجوعها وخروجها من السماء، وما يرى فى السماء فذلك الذى يكون. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أصدقكم رؤياه أصدقكم حديثا"تفسير : . وعن أبى قتادة: حديث : كنت أرى الرؤيا يمرضنى حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السيئة من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثا، وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ويسترها فإنها لا تضره"تفسير : وعن أبى سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها من الله تعالى فليحمد الله وليحدث، وإذا رأى غير ذلك مام يكرهه فإنما هى من الشيطان فليستعذ بالله من الشيطان ومن نشرها ولا ذكرها لأحد، فإنها لن تفيده شيئا"تفسير : وذلك لأن الرؤيا الصالحة إنما هى من الله والرؤيا غير الصالحة إنما هى من الشيطان ومنها الضرر، وأن يوسف عليه السلام أراه الله الرؤية الحسنة لأنه ابن الكريم يعقوب ولأنه يورثه زيادة المحبة والشفقة لصغره، ولما يرى فيه من المخايل، وضاعفت محبته لما رأى الرؤيا فكان يضمه كل ساعة إلى صدره، ولا يصبر عنه، فاشتد حسدهم، ولما قص رؤياه على يعقوب قال: هذا أمر مشتت، يجمع الله لك بعد دهر طويل، وقيل: يتم النعمة عليه بأن وصل له نعمة الدنيا بنعمة الآخرة، وقيل: بالنبوة والملك وغيرهما. {ويتم نعمته عليك وعَلى آلِ يعْقُوبَ} أهله وعبر بالآل تشريفا لأنه لا يقال إلا لمن له شأن وخطر، والأهل يقال مطلقا ولى فيهما فى النحو مباحث، وأراد بالآل إخوة يوسف، وإتمام النعمة عليهم بالنبوة، أو بها وبكونهم ملوكا، فإن عظم أجسامهم وقوتها، وجمالهم وشجاعتهم ملك، حيث لا يغلبهم أحد عما أرادوا، بأن يصل لهم نعمة الدنيا بنعمة الآخرة، والأصل وعلى آلى، ووضع الظاهر موضع المضمر لزيادة الإيضاح، ويجوز أن يريد بآل يعقوب نسله الوالد ووالد الولد، وهكذا إلا خصوص إخوة يوسف، لكن قيل لم يترك يوسف ولد لدعوة أبيه بذلك، وقيل: ترك اثنى عشر. {كَما أتمهَّا عَلى أبوْكَ}: جدك وهو إسحاق، وأبى جدك وهو إبراهيم، والجد وما فوقه آباء، ولذلك تراهم يقولون: ابن فلان، ولو كان بينهما عدة آباء {مِنْ قَبلُ} من قبلك أو من قبل هذا الوقت. {إبْراهِيمَ} بالخلة والإنجاء من النار، وتسليم ولده من الذبح بالفداء بكبش عظيم، وهو إسماعيل على الصحيح الأشهر، وقيل: إسحاق ونسبه بعض للأكثر. {وإسْحاقَ} بالنبوة وإخراج يعقوب والأسباط وهذا ايضا من الإنعام على إبراهيم وبانجائه من الذبح على أحد القولين، أو أتمها عليهما بوصل نعم الدنيا بنعم الآخرة وبالملك، فإنهما فى شهرتهما ونفاذ حكمهما وقبولهما ورغبتهما الراسخة فى القلوب كالملوك، وإبراهيم عطف بيان لأبويك، وكذا إسحاق بواسطة العطف. {إنَّ ربَّكَ عَليمٌ} بمن يستحق الاجتباء أو بمصالح خلقه أو بخلقه {حَكيمٌ} يفعل الأشياء على ما ينبغى فلا يتم نعمته إلا على من يستحقها، أو حكيم فى وضع النبوة فى بيت إبراهيم عليه السلام.

اطفيش

تفسير : {وكّذَلِكَ يجْتَبِيكَ رَبُّكَ} كما اجتباك ربك لهذه الرؤيا، وكذا مثلها كرؤيا العصا، يجتبيك للملك والنبوة وتفسيرالأَحلام وغير ذلك من الأُمور العظام كالآراءِ السديدة، والاجتباءُ الاختيار، ويجوز أَن يتحد المشبه والمشبه به كأَنه قيل: يجتبيك ربك هذا الاجتباءَ بهذه الرؤيا، كما تقول فى الأَمر المعظم الأَمر كذلك ولست تشير إِلى أَمر آخر وتطعم زيدا فتقول كذلك أَطعمته، ولم تشر إِلى إِطعام آخر، ولا إِلى غير زيد كأَنك تعتبر أَن ذلك الشىءَ غيره فى الخارج، والواضح أَن يقال المعنى، ومثل ذلك الاجتباء وكذلك التعليم وإِتمام النعمة يجتبيك ربك بغيرهما لقوله: {وَيُعَلِّمَكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتهُ عَلْيكَ وَعلَى آلِ يَعْقُوبَ} أَو يتم نعمته خارجا عن التشبيه، أَو يجعل إِتمام النعمة اجتباءً، ذكره ليبين أَن ذلك إِتمام للنعمة، أَو عطف عام على خاص، وقد قيل: كل من التعليم وإِتمام النعمة خارج عن التشبيه، ولو دخل فيه لكان المعنى، ويعلمك تعليما مثل الاجتباءِ بمثل هذه الرؤيا، ولا يخفى عدم حسنه، لأَن الاجتباءَ وجه الشبه ولم يلاحظ ذلك فى التعليم، ولو أَمكن بأَن التعليم نوع من الاجتباءِ والنوع يشبه بالنوع، ولكن يدل على أن التعليم لم يلاحظ فيه والاجتباءَُ عطف عليه، إِلا أن يقال عطف عام على خاص، وأَيضا لا نسلم أَن الاجتباءَ وجه شبه بل مشبه، وتأْويل الأَحاديث تفسير ما خفى من كتب الله، وهى الصحف وسنن الأَنبياءِ والكلمات الحكماءِ وأَفعالهم، أَنبياء أَو غيرهم، وأَما حكماءُ أُمور الدنيا فحدثوا بعد ذلك بطويل، ولو وجدوا على عهده لم يشتغل بتفسير كلامهم، وأَما تفسير الرؤيا فدخل قبل هذا، وإِن لم يدخل فيما قيل دخل بتأْويل الأَحاديث، فتفسير الأَحاديث بأَحاديث الرؤيا لأَنها كلام ملك إِن كانت حقا وكلام شيطان إِن كانت باطلا، ويجوز أَن يفسر تأْويل الأَحاديث بتفسير الرؤيا وتفسير الصحف والحكم والسنن، والأَحاديث جمع أَحدوثة؛ إِلا أَن الأُحدوثة مختص بالحديث، وأَما باعتبار لفظ حديث فاسم جمع، وما ذكرت من أَن أُفعولة كأُحدوثة وأُعجوبة وأُنكوحة للأَمر العظيم وهو المشهور عند النحاة، وقال الرضى: للشىءِ الضعيف وليس كذلك، ولا لما سيكون كما قيل، وقيل: هوجمع لواحد غير ملفوظ به وهو أُحدوثة، والذى يظهر لى أَن أُحدوثة مسموع، وإِتمام النعمة يكون بالنبوة على يوسف وسائر آل يعقوب وهم إِخوته، وعلم يعقوب بذلك بكونهم فى الرؤيا نجوما مضيئَة كذا قيل، والصحيح أَنهم أَولياءُ تابوا لا أَنبياءُ؛ لأَن الأَنبياءَ لا يصدر منهم ما صدر منهم من الظلم، فإِتمام النعمة عليهم إِرشادهم للناس إِلى الحق كما يرشد الضوءُ لعلمهم، قال يعقوب هم ونسلهم لوجود الخير فيهم علما ونبوة، ومالا، وجاها، وسلطنة، واتباعا لا فى كل نسله، وقيل: إِتمام النعمة؛ الجمع لهم بين نعم الدنيا والدين ونعم الآخرة {كَما أَتَمَّهَا عَلى أَبَويْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} بالعلم والنبوة لهما وبالخلة والنجاة من النار ونجاة إِسماعيل من الذبح لإِبراهيم، وعلى متعلق بأَتم، وهو يدل على تعليق عليك بيتم وهو الظاهر، ولو جاز تعليقه بنعمة، وزاد قوله من قبل تصريحات باتصال النعم قبل وبعد؛ سواءٌ قلنا المراد من قبلك أَو من قبل هذا الوقت، الماصدق واحد، ولم يذكر يعقوب نفسه تأْدبا مع الأَبوين، أَو هضما لنفسه، أَو لكونه معروفا بالعيان؛ لا بالإِخبار والبيان، أَو لأَن شرف من قبله ومن بعده شرف له {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ} بكونهم ذوى قوة قدسية وفضائل روحانية من فضل الله عز وجل يستحقون بها الاجتباءَ بالنبوة "أية : الله أَعلم حيث يجعل رسالته"تفسير : [الأنعام: 124] والحق أَن النبوة غير مكتسبة {حَكِيمٌ} يضع الأَشياءَ فى مواضعها لا يسفه ولا يعبث، فقد وضع الاجتباءَ وإِتمام النعم فى أَهل ذلك، ويعقوب جازم بالاجتباءِ وإِتمام النعمة، وتعليم التأْويل، وأَما خوفه من أَن يهلكه إِخوته، ومن أَن يأْكله الذئْب، وقوله لعزرائيل: هل مات يوسف. فنسيان، أَو من ضروريات البشر عند الشدة، أَو توهم أَن لذلك شرطا لم يطلع عليه.

الالوسي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} أي يصطفيك ويختارك للنبوة كما روي عن الحسن، أو للسجود لك كما روي عن مقاتل، أو لأمور عظام كما قال الزمخشري، فيشمل ما تقدم وكذا يشمل إغناء أهله ودفع القحط عنهم ببركته وغير ذلك، ولعل خير الأقوال وسطها؛ وأصل الاجتباء من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك وفسره بالاختيار لأنه إنما يجتبي ما يختار. وذكر بعضهم أن اجتباء الله تعالى العبد تخصيصه أياه بفيض الهۤي يتحصل منه أنواع من المكرمات بلا سعي من العبد وذلك مختص بالأنبياء عليهم السلام، ومن يقاربهم من الصديقين والشهداء والصالحين. والمشار إليه بذلك إما الاجتباء لمثل تلك الرأيا فالمشبه والمشبه به متغايران، وإما لمصدر الفعل المذكور وهو المشبه والمشبه به، و{كَذٰلِكَ} في محل نصب صفة لمصدر مقدر وقدم تحقيق ذلك، وقيل هنا: إن الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وليس الأمر كذلك، ولا يخفى ما في ذكر الرب مضافاً إلى ضمير المخاطب من اللطف، وإنما لم يصرح عليه السلام بتفاصيل ما تدل عليه الرؤيا حذراً من إذاعته على ما قيل. {وَيُعَلّمُكَ} ذهب جمع إلى أنه كلام مبتدأ غير داخل تحت التشبيه أراد به عليه السلام تأكيد مقالته وتحقيقها وتوطين نفس يوسف عليه السلام بما أخبر به على طريق التعبير والتأويل أي وهو يعلمك {مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} أي ذلك الجنس من العلوم، أو طرفاً صالحاً منه فتطلع على حقيقة ما أقول ولا يخفى ما فيه من تأكيد ما سبق والبعث على تلقي ما سيأتي بالقبول، وعلل عدم دخوله تحت التشبيه بأن الظاهر أن يشبه الاجتباء بالاجتباء والتعليم غير الاجتباء فلا يشبه به، ونظر فيه بأن التعليم نوع من الاجتباء والنوع يشبه بالنوع، وقيل: العلة في ذلك أنه يصير المعنى ويعلمك تعليماً مثل الاجتباء بمثل هذه الرؤيا ولا يخفى سماجته فإن الاجتباء وجه الشبه بين المشبه والمشبه به ولم يلاحظ في التعليم ذلك. وقال بعض المحققين: لا مانع من جعله داخلاً تحت التشبيه على أن المعنى بذلك الإكرام بتلك الرؤيا أي كما أكرمك بهذه المبشرات يكرمك بالاجتباء والتعليم ولا يحتاج في ذلك إلى جعله تشبيهين وتقدير كذلك، وأنت تعلم أن المنساق إلى الفهم هو العطف ولا بأس فيما قرره هذا المحقق لتوجيهه، نعم للاستئناف وجه وجيه وإن لم يكن المنساق إلى الفهم. والظاهر أن المراد من تأويل الأحاديث تعبير الرؤيا إذ هي إخبارات غيبية يخلق الله تعالى بواسطتها اعتقادات في قلب النائم حسبما يشاؤه ولا حجر عليه تعالى أو أحاديث الملك إن كانت صادقة أو النفس أو الشيطان إن لم تكن كذلك، وذكر الراغب أن التأويل من الأول وهو الرجوع، وذلك رد الشيء إلى الغاية المرادة منه علماً كان أو فعلا، فالأول كقوله سبحانه: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 7] والثاني كقوله:شعر : وللنوى قبل يوم البين تأويل تفسير : وجاء الأول بمعنى السياسة التي يراعى مآلها يقال: ألنا وإيل علينا اهـ. وشاع التأويل في إخراج الشيء عن ظاهر. و {ٱلأَحَادِيثِ} جمع تكسير لحديث على غير قياس كما قالوا: / باطل وأباطيل، وليس باسم جمع له لأن النحاة قد شرطوا في اسم الجمع أن لا يكون على وزن يختص بالجمع كمفاعيل، وممن صرح بانه جمع الزمخشري في «المفصل»، وهو مراده من اسم الجمع في «الكشاف» فانه كغيره كثيراً ما يطلق اسم الجمع على الجمع المخالف للقياس فلا مخالفة بين كلاميه، وقيل: هو جمع أحدوثة، وردّ بأن الأحدوثة الحديث المضحك كالخرافة فلا يناسب هنا، ولا في أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام أن يكون جمع أحدوثة، وقال ابن هشام: الأحدوثة من الحديث ما يتحدث به ولا تسعمل إلا في الشر، ولعل الأمر ليس كما ذكروا، وقد نص المبرد على أنها ترد في الخير، وأنشد قول جميل وهو مما سار وغار:شعر : وكنت إذا ما جئت سعدى أزورها أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها من الخفرات البيض ود جليسها إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها تفسير : وقيل: إنهم جمعوا حديثاً على أحدثة ثم جمعوا الجمع على أحاديث كقطيع أو أقطعة وأقاطيع. وكون المراد من تأويل الأحاديث تعبير الرؤيا هو المروي عن مجاهد والسدي، وعن الحسن أن المراد عواقب الأمور، وعن الزجاج أن المراد بيان معاني أحاديث الأنبياء والأمم السالفة والكتب المنزلة. وقيل: المراد بالأحاديث الأمور المحدثة من الروحانيات والجسميانيات، وبتأويلها كيفية الاستدلال بها على قدرة الله تعالى وحكمته وجلالته والكل خلاف الظاهر فيما أرى. {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} بأن يصل نعمة الدنيا بنعمة الآخرة، أو بأن يضم إلى النبوة المستفادة من الاجتباء الملك ويجعله تتمة لها، أو بأن يضم إلى التعليم الخلاص من المحن والشدائد وتوسيط ذكر التعليم لكونه من لوازم النبوة والاجتباء ولرعاية ترتيب الوجود الخارجي ولأن التعليم وسيلة إلى إتمام النعمة فإن تعبيره لرؤيا صاحبـي السجن ورؤيا الملك صار ذريعة إلى الخلاص من السجن والاتصال بالرياسة العظمى. وفسر بعضهم الاجتباء باعطاء الدرجات العالية كالملك والجلالة في قلوب الخلق وإتمام النعمة بالنبوة، وأيد بأن إتمام النعمة عبارة عما تصير به النعمة تامة كاملة خالية عن جهات النقصان وما ذاك في حق البشر إلا النبوة فإن جميع مناصب الخلق ناقصة بالنسبة إليها. وجوز أن تعد نفس الرؤيا من نعم الله تعالى عليه فيكون جميع النعم الواصلة إليه بحسبها مصداقاً لها تماماً لتلك النعمة ولا يخلو عن بعد. وقيل: المراد من الاجتباء إفاضة ما يستعد به لكل خير ومكرمة، ومن تعليم تأويل الأحاديث تعليم تعبير الرؤيا، ومن إتمام النعمة عليه تخليصه من المحن على أتم وجه بحيث يكون مع خلاصه منها ممن يخضع له، ويكون في تعليم التأويل إشارة إلى استنبائه لأن ذلك لا يكون إلا بالوحي وفيه أن تفسير الاجتباء بما ذكر غير ظاهر، وكون التعليم فيه إشارة إلى الاستنباء في حيز المنع وما ذكر من الدليل لا يثبته، فإن الظاهر أن إخوته كانوا يعلمون التأويل وإلا لم ينهه أبوه عليه السلام عن اقتصاص رؤياه عليهم خوف الكيد، وكونهم أنبياء إذ ذاك مما لم يذهب إليه ذاهب ولا يكاد يذهب إليه أصلاً، نعم ذكروا أنه لا يعرف التعبير كما ينبغي إلا من عرف المناسبات التي بين الصور ومعانيها وعرف مراتب النفوس التي تظهر في حضرة خيالاتهم بحسبها فإن أحكام الصورة الواحدة تختلف بالنسبة إلى الأشخاص المختلفة المراتب وهذا عزيز الوجود، وقد تثبت الخطأ في التعبير من علماء أكابر، فقد روى أبو هريرة أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«حديث : إني رأيت ظلة ينطف منها السمن والعسل وأرى الناس يتكففون في أيديهم فالمستكثر والمستقل وأرى سبباً واصلاً من السماء إلى الأرض فأراك يا رسول الله أخذت به فعلوت ثم أخذ به رجل آخر فعلا ثم أخذ به رجل آخر فعلا ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به ثم وصل له فعلاً فقال أبو بكر رضي الله تعالى: أي رسول الله لتدعني فلأعبرها فقال عليه الصلاة والسلام: عبرها، فقال: أما الظلة فظلة الإسلام وأما ما ينطف من السمن والعسل فهو القرآن لينه وحلاوته وأما المستكثر والمستقل فالمستكثر من القرآن والمستقل منه وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فهو الحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله تعالى ثم يأخذ به رجل بعدك فيعلو به ثم آخر بعده فيعلو به ثم آخر بعده فيعلو به ثم آخر فينقطع به ثم يوصل له فيعلو به أي رسول الله لتحدثني أصبت أم أخطأت؟ فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً، فقال: أقسمت بأبي أنت وأمي لتحدثني يا رسول الله ما الذي أخطأت؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا تقسم» تفسير : ا هـ اللهم إلا أن يدعي أن المراد التعليم على الوجه الأكمل بحيث لا يخطىء من يخطىء به، وهو يستدعي كون الرجل بحيث يعرف المناسبات ومراتب النفوس ويلتزم القول بأن ذلك لا يكون إلا نبياً، واختير أن المراد بالاجتباء الاصطفاء للنبوة وبتعليم التأويل ما هو الظاهر وبإتمام النعمة تخليصه من المكاره، ويكون قوله عليه السلام: { أية : يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ }تفسير : [يوسف: 5] إشارة إجمالية منه إلى تعبير الرؤيا كما لا يخفى على من له ذوق وهو أيضاً متضمن للبشارة، وهذا أرداف لها بما هو أجل في نظر يوسف عليه السلام ووجه توسيط التعليم عليه لا يخفى. وحاصل المعنى كما أكرمك بهذه المبشرة الدالة على سجود إخوتك لك ورفعة شأنك عليهم يكرمك بالنبوة والعلم الذي تعرف به تأويل أمثال ما رأيت وإتمام نعمته عليك. {وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ} بالخلاص من المكاره وهي في حق يوسف عليه السلام مما لا يخفى وفي حق آل يعقوب، والمراد بهم أهله من بنيه وغيرهم وأصله أهل، وقيل: أول، وقد حققناه في غير ما كتاب؛ ولا يستعمل إلا فيمن له خطر مطلقاً ولا يضاف لما لا يعقل ولو كان ذا خطر بخلاف أهل فلا يقال: آل الحجام ولا آل الحرم، ولكن أهل الحجام وأهل الحرم، نعم قد يضاف لما نزل منزلة العاقل كما في قول عبد المطلب:شعر : وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك تفسير : وفيه رد على أبـي جعفر الزبيدي حيث زعم عدم جواز إضافته إلى الضمير لعدم سماعه مضافاً إليه، ويعقوب كابنه اسم أعجمي لا اشتقاق له فما قيل: من أنه إنما سمي بذلك لأنه خرج من بطن أمه عقب أخيه العيص غير مرضي عند الجلة الفاقة والقحط وتفرق الشمل، وغير ذلك ما يعم أو يخص، ومنهم من فسر الآل بالبنين وإتمام النعمة بالاستنباء، وجعل حاصل المعنى يمنّ عليك وعلى سائر أبناء يعقوب بالنبوة، واستدل بذلك على أنهم صاروا بعد أنبياء. وفي «إرشاد العقل السليم» ((أن رؤية يوسف عليه السلام إخوته كواكب يهتدي بأنوارها من نعم الله تعالى عليهم لدلالتها على مصير أمرهم إلى النبوة فيقع كل ما يخرج من القوة إلى الفعل من كمالاتهم بحسب ذلك تماماً لتلك النعمة لا محالة))، وأنت تعلم أن ما ذكر لا يصلح دليلاً على أنهم صاروا أنبياء لما علمت من الاحتمالات، / والدليل إذا طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال ورؤيتهم كواكب يهتدى بأنوارها بمعزل عن أن تكون دليلاً على أن مصيرهم إلى النبوة، وإنما تكون دليلاً على أن مصيرهم إلى كونهم هادين للناس وهو مما لا يلزمه النبوة فقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أصحابـي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» تفسير : ونحن لا ننكر أن القوم صاروا هادين بعد أن منّ الله تعالى عليهم بالتوبة بل هم لعمري حينئذ من أجلة أصحاب نبيهم، وقد يقال أيضاً: إنه لو دل رؤيتهم كواكب على أن مصيرهم إلى النبوة لكانت رؤية أمه قمراً أدل على ذلك ولا قائل به. وقال بعضهم: لا مانع من أن يراد ـ بآل يعقوب ـ سائر بنيه، و ـ بإتمام النعمة ـ إتمامها بالنبوة لكن لا يثبت بذلك نبوتهم بعد لجواز أن يراد: يتم نعمته عليك بالنبوة وعلى آل يعقوب بشيء آخر كالخلاص من المكروه مثلاً، وهذا كقولك: أنعمت على زيد. وعلى عمرو وهو لا يقتضي أن يكون الانعام عليهما من نوع واحد لصدق الكلام بأن يكون قد أنعمت على زيد بمنصب وعلى عمرو باعطائه ألف دينار، أو بتخليصه من ظالم مثلا وهو ظاهر. ورجح بعضهم حمل الآل على ما يعم الأبناء بأنه لو كان المراد الأبناء لكان الأظهر الأخصر وعلى إخوتك بدل ما في النظم الجليل، وقيل: إنما اختار ذلك عليه لأنه يتبادر من الإخوة الإخوة الذي نهي عن الاقتصاص عليهم فلا يدخل بنيامين، والمراد إدخاله، وقيل: المراد ـ بآل يعقوب ـ أتباعه الذين على دينه. وقيل: يعقوب خاصة على أن الآل بمعنى الشخص ولا يخفى ما في القولين من البعد، وأبعدهما الأخير ومن جعل إتمام النعمة إشارة إلى الملك جعل العطف باعتبار أنهم يغتنمون آثاره من العز والجاه والمال هذا. {كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ} أي إتماماً كائناً كإتمام نعمته على أبويك من قبل هذا الوقت أو من قبلك، والإسمان الكريمان عطف بيان ـ لأبويك ـ والتعبير عنهما بالأب مع كونهما أبا جده وأبا أبيه للإشعار بكمال ارتباطه بالأنبياء عليهم اللام وتذكير معنى "الولد سر أبيه" ليطمئن قلبه بما أخبر به، وإتمام النعمة على إبراهيم إما بالنبوة. وإما باتخاذه خليلاً وإما بانجائه من نار عدوه وإما من ذبح ولده وإما بأكثر من واحد من هذه، وعلى إسحاق إما بالنبوة. أو باخراج يعقوب من صلبه أو بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم على رواية أنه الذبيح، وذهب إليه غير واحد، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه، وأمر التشبيه على سائر الاحتمالات سهل إذ لا يجب أن يكون من كل وجه والاقتصار في المشبه به على ذكر إتمام النعمة من غير تعرض للاجتباء من باب الاكتفاء كما قيل فإن إتمام النعمة يقتضي سابقة النعمة المستدعية للاجتباء لا محالة ومعرفته عليه السلام لما أخبر به مما لم تدل عليه الرؤيا إما بفراسة، وكثيراً ما تصدق فراسة الوالد بولده كيفما كان الوالد، فما ظنك بفراسته إذا كان نبياً أو بوحي؟ وقد يدعى أنه استدل بالرؤيا على كل ذلك. {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ} بكل شيء فيعلم من يستحق المذكورات {حَكِيمٌ} فاعل لكل شيء حسبما تقتضيه الحكمة فيفعل ما يفعل جرياً على سنن علمه وحكمته، والجملة استئناف لتحقيق الجمل المذكورة.

ابن عاشور

تفسير : عطف هذا الكلام على تحذيره من قصّ الرؤيا على إخوته إعلاماً له بعلوّ قدره ومستقبل كماله، كي يزيد تملياً من سموّ الأخلاق فيتسع صدره لاحتمال أذى إخوته، وصفحاً عن غيرتهم منه وحسدهم إيّاه ليتمحّض تحذيره للصلاح، وتنتفي عنه مفسدة إثارة البغضاء ونحوها، حكمة نبويّة عظيمة وطبّاً روحانيّاً ناجعاً. والإشارة في قوله: {وكذلك} إلى ما دلّت عليه الرؤيا من العِناية الربّانيّة به، أي ومثل ذلك الاجتباء يجتبيك ربّك في المستقبل، والتّشبيه هنا تشبيه تعليل لأنّه تشبيه أحد المعلولين بالآخر لاتّحاد العلّة. وموقع الجار والمجرور موقع المفعول المطلق لـــ{يجتبيك} المبيّن لنوع الاجتباء ووجهه. والاجتباء: الاختيار والاصطفاء. وتقدّم في قوله تعالى: { أية : واجتبيناهم } تفسير : في سورة الأنعام (87)، أي اختياره من بين إخوته، أو من بين كثير من خلقه. وقد علم يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ ذلك بتعبير الرؤيا ودلالتها على رفعة شأنه في المستقبل فتلك إذا ضُمّت إلى ما هو عليه من الفضائل آلت إلى اجتباء الله إياه، وذلك يؤذن بنبوءته. وإنّما علم يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ أنّ رفعة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ في مستقبله رفعة إلهية لأنّه عَلِمَ أن نعم الله تعالى متناسبة فلمّا كان ما ابتدأه به من النعم اجتباءً وكمالاً نفسيّاً تعيّن أن يكون ما يلحق بها، من نوعها. ثم إنّ ذلك الارتقاء النفساني الذي هو من الواردات الإلهية غايته أن يبلغ بصاحبه إلى النبوءة أو الحكمة فلذلك علم يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ أنّ الله سيعلّم يوسف ـــ عليه السّلام ـــ من تأويل الأحاديث، لأنّ مسَبّبَ الشيء مسبّب عن سَبب ذلك الشيء، فتعليم التّأويل ناشىء عن التشبيه الذي تضمنه قوله: {وكذلك}، ولأنّ اهتمام يوسف ـــ عليه السّلام ـــ برؤياه وعرضها على أبيه دلّ أباه على أنّ الله أودع في نفس يوسف ـــ عليه السّلام ـــ الاعتناء بتأويل الرؤيا وتعبيرها. وهذه آية عبرة بحال يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ مع ابنه إذ أشعره بما توسّمه من عناية الله به ليزداد إقبالاً على الكمال بقوله: {ويتمّ نعمته عليك}. والتّأويل: إرجاع الشيء إلى حقيقته ودليله. وتقدّم عند قوله تعالى: { أية : وما يعلم تأويله إلاّ الله } تفسير : [سورة آل عمران: 7]. والأحاديث: يصحّ أن يكون جمع حديث بمعنى الشيء الحادث، فتأويل الأحاديث: إرجاع الحوادث إلى عللها وأسبابها بإدراك حقائقها على التمام. وهو المعنى بالحكمة، وذلك بالاستدلال بأصناف الموجودات على قدرة الله وحكمته، ويصحّ أن يكون الأحاديث جمع حديث بمعنى الخبر المتحدّث به، فالتأويل: تعبير الرؤيا. سمّيت أحاديث لأنّ المرائيَ يتحدثُ بها الراؤون وعلى هذا المعنى حملها بعضُ المفسرين. واستدلوا بقوله في آخر القصة { أية : وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل } تفسير : [سورة يوسف: 100]. ولعلّ كِلاَ المعنيين مراد بناء على صحة استعمال المشترك في معنييه وهو الأصح، أو يكون اختيار هذا اللفظ إيجازاً معجزاً، إذ يكون قد حكِي به كلام طويل صَدر من يعقوب عليه السّلام بلغته يعبّر عن تأويل الأشياء بجميع تلك المعاني. وإتمام النعمة عليه هو إعطاؤه أفضل النعم وهي نعمة النبوءة، أو هو ضميمة الملك إلى النبوءة والرسالة، فيكون المراد إتمام نعمة الاجتباء الأخروي بنعمة المجد الدنيوي. وعلم يعقوب عليه السّلام ذلك من دلالة الرؤيا على سجود الكواكب والنيريْن له، وقد علم يعقوب عليه السّلام تأويل تلك بإخوته وأبويه أو زوج أبيه وهي خالة يوسف عليه السّلام، وعلم من تمثيلهم في الرؤيا أنّهم حين يسجدون له يَكون أخوته قد نالوا النبوءة، وبذلك علم أيضاً أنّ الله يتمّ نعمته على إخوته وعلى زوج يعقوب عليه السّلام بالصديقية إذا كانت زوجة نبي. فالمراد من آل يعقوب خاصتهم وهم أنباؤه وزوجه، وإن كان المراد بإتمام النعمة ليوسف عليه السّلام إعطاءُ الملك فإتمامها على آل يعقوب هو أن زادهم على ما أعطاهم من الفضل نعمة قرابة المَلِك، فيصح حينئذٍ أنْ يكون المراد من آله جميع قرابته. والتّشبيه في قوله: {كما أتمها على أبويك من قبل} تذكير له بنعم سابقة، وليس ممّا دلت عليه الرؤيا. ثم إن كان المراد من إتمام النعمة النبوءة فالتّشبيه تام، وإن كان المراد من إتمام النعمة الملك فالتشبيه في إتمام النعمة على الإطلاق. وجعل إبراهيم وإسحاق ـــ عليهما السّلام ـــ أبوين له لأنّ لهما ولادة عليه، فهما أبواه الأعليان بقرينة المقام كقول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : أنا ابنُ عبد المطّلب » تفسير : . وجملة {إنّ ربّك عليم حكيم} تذييل بتمجيد هذه النعم، وأنها كائنة على وفق علمه وحكمته، فعلمه هو علمه بالنفوس الصالحة لهذه الفضائل، لأنّه خلقها لقبول ذلك فعلمه بها سابق، وحكمته وضع النعم في مواضعها المناسبة. وتصدير الجملة بـــ {إنّ} للاهتمام لا للتّأكيد إذْ لاَ يشك يوسف ـــ عليه السّلام ـــ في علم الله وحكمته. والاهتمام ذريعة إلى إفادة التعليل. والتفريع في ذلك تعريض بالثناء على يوسف ـــ عليه السّلام ـــ وتأهّله لمثل تلك الفضائل.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} بين الله جل وعلا أنه علم نبيه يوسف من تأويل الأحاديث، وصرح بذلك أيضاً في قوله: {أية : وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} تفسير : [يوسف: 21]. وقوله: {أية : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} تفسير : [يوسف: 101]. واختلف العلماء في المراد بتأويل الأحاديث. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المراد بذلك: تعبير الرؤيا، فالأحاديث على هذا القول هي الرؤيا، قالوا: إنها إما حديث نفس أو ملك أو شيطان. وكان يوسف أعبر الناس للرؤيا. ويدل لهذا الوجه الآيات الدالة على خبرته بتأويل الرؤيا، كقوله: {أية : يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} تفسير : [يوسف: 41] وقوله: {أية : قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ} تفسير : [يوسف: 47] إلى قوله {أية : يَعْصِرُونَ} تفسير : [يوسف: 49]. وقال بعض العلماء: المراد بتأويل الأحاديث معرفة معاني كتب الله وسنن الأنبياء، وما غمض وما اشتبه على الناس من أغراضها ومقاصدها، يفسرها لهم ويشرحها، ويدلهم على مودعات حكمها. وسميت أحاديث، لأنها يحدث بها عن الله ورسله، فيقال: قال الله كذا، وقال رسوله كذا، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأعراف: 185]. وقوله: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيث}تفسير : [الزمر: 23] الآية. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} تفسير : [يوسف: 22] وقوله: {أية : قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ}تفسير : [يوسف: 37] الآية. قال مقيدة عفا الله عنه: الظاهر أن الآيات المذكورة تشمل ذلك كله من تأويل الرؤيا، وعلوم كتب الله وسنن الأنبياء - و العلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 6- وكما رأيت نفسك فى المنام سيداً مطاعاً، ذا شرف وسلطان، يصطفيك ربك ويختارك ويعلمك تفسير الرؤى، وبيان ما تؤول إليه، فيعظم قدرك وذكرك، ويتم الله نعمته عليك، وعلى آل يعقوب، بالنبوة والرسالة كما أتمها على أبويك من قبل أبيك يعقوب، وهما إبراهيم وإسحاق، إن ربك كثير الحكمة فلا يخطئ، كثير العلم فيصطفى من عباده من يعلم أنه أهل للاصطفاء. 7- لقد كان فى قصة يوسف وإخوته دلائل وعبر، للسائلين عنها والراغبين فى معرفتها. 8- إذ قال إخوة يوسف لأبيه فيما بينهم: لَيوسف وأخوه الشقيق أحب إلى أبينا منا، ونحن جماعة قوية هى أنفع له منهما، إن أبانا بإيثاره يوسف وأخاه علينا لفى خطأ وبعد عن الحق، والصواب واضح، ظاهر الوضوح. 9- اقتلوا يوسف أو ألقوا به فى أرض بعيدة عن أبيه، لا يصل إليها، يخلص لكم حب أبيكم وإقباله عليكم، وتكونوا من بعد إبعاد يوسف عنه بالقتل أو النفى قوماً صالحين إذ يقبل الله توبتكم، ويقبل أبوكم اعتذاركم. 10- قال أحد المتحدثين منهم: لا تقتلوا يوسف، فإن ذلك جرم عظيم، وألقوه فيما يغيب عن العيون من غور البئر، يلتقطه بعض السائرين فى الطريق، إذا ألقى دلوه فى البئر، فيذهب به بعيداً عنكم وعن أبيه، إن كنتم مصرين على إبعاده وتحقيق غرضكم بالفعل.

د. أسعد حومد

تفسير : {آلِ} {إِبْرَاهِيمَ} {إِسْحَاقَ} (6) - وَكَمَا اخْتَارَكَ اللهُ رَبُّكَ وَأَرَاكَ هذِهِ الكَواكِبَ سَاجِدَةً مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، كَذلِكَ يَخْتَارُكَ رَبُّكَ وَيَصْطَفِيكَ لِلنُّبُوَّةِ (يَجْتَبِيكَ)، وَيُعَلِّمُكَ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا (تَأْوِيل الأَحَادِيثِ)، وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ، وَيَجْعَلُكَ رَسُولاً بِالإِيحَاءِ إِليكَ، كَمَا أَتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ أَبَوَيْكَ، إِنَّ رَبَّكَ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ، وَهُوَ حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِهِ. يَجْتَبِيكَ - يَصْطَفِيكَ لأُِمُورٍ عِظَامٍ. تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ - تَعْبيرِ الرُّؤْيا وَتَفْسِيرِهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: كما آنسَك الله بهذه الرؤيا المُفْرحة المُنْبِئة بأنه سيكون لك شأن كبير بالنسبة لإخوتك وبالنسبة لأبيك، فلسوف يجتبيك ربك؛ لا بأن يحفظك فقط؛ ولكن بأن يجعل كيدهم سبباً لصالحك، ويُعلِّمك من تأويل الأحاديث ما يجعل أصحابَ الجاهِ والنفوذ يلتفتون إليك. ومعنى تأويل الشيء أي معرفة ما يؤول إليه الشيء، ونعلم أن الرُّؤى تأتي كطلاسم، ولها شَفرة رمزية لا يقوم بِحلِّها إلا مَنْ وهبه الله قدرة على ذلك؛ فهي ليست عِلْماً له قواعد وأصول؛ لأنها إلهامات من الله سبحانه وتعالى. وبعد ذلك تصير يا يوسف على خزائن الأرض؛ حين يُوجد الجَدْبُ، ويعُمُّ المنطقة كلها، وتصبح عزيز مصر. ويتابع الحق سبحانه: {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ..} [يوسف: 6]. فكلُّ ما تَمَتَّع به يوسف هو من نعم الدنيا، وتاج نعمة الدنيا أن الله اجتباه رسولاً. أو أن: {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ..} [يوسف: 6]. بمعنى إلا تسلب منك النعمة أبداً؛ ففي حياة يوسف منصبٌ مهم، هو منصب عزيز مصر، والمناصب من الأغيار التي يمكن أن تنزع. أو أن: {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ..} [يوسف: 6]. بأن يصل نعيم دنياك بنعيم أُخْراك. ويتابع الحق سبحانه: {وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [يوسف: 6]. يُذكِّر الحق سبحانه يوسف عليه السلام بأن كيد إخوته له لا يجب أن يُحوِّله إلى عداوة؛ لأن النِّعم ستتم أيضاً على هؤلاء الإخوة فهم آلُ يعقوب؛ هم وأبناؤهم حَفَدة يعقوب، وسينالهم بعضٌ من عِزِّ يوسف وجاهه وماله، كما أتمَّها من قبل على إبراهيم الجد الأول ليوسف باتخاذه خليلا لله، وأتمَّ سبحانه نعمته على إسحاق بالنبوة. وهو سبحانه أعلمُ بمَنْ يستحق حمْل الرسالة، وهو الحكيم الذي لا يترك شيئاً للعبث؛ فهو المُقدِّر لكل أمر بحيث يكون مُوافِقاً للصواب. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر، قال: حدَّثنا عليُّ بن أحمد، قال حدَّثنا عطاءُ بن السائب عن أبي خالد عن زبد بن علي عليهما السَّلامُ في قولهِ تعالى: {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} معناه يَخْتارُ.

الأندلسي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ} أي مثل ذلك الاجتباء وهو ما أراه من تلك الرؤية التي دلت على جليل قدره وشريف منصبه، ومآله إلى النبوة والرسالة والملك يجتبيك: يختارك ربك للنبوة والملك وما أحسن لفظة ربك هنا لأنه المالك لأمره الناظر في مصلحته. "ويعلمك" كلام مستأنف ليس داخلاً في النسبة كأنه قال: وهو يعلمك. و{تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} عبارة عن مآل الرؤيا وعاقبة أمرها وهي اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة. {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} وإتمامها بأنه تعالى وصل لهم نعمة الدنيا بأن جعلهم أنبياء وملوكاً بنعمة الآخرة، بأن نقلهم إلى أعلى الدرجات في الجنة. وآل يعقوب هم وأولاده ونسلهم، إذ جعل النبوة فيهم، وإتمام النعمة على إبراهيم عليه السلام بالخلة والانجاء من النار وإهلاك عدوه نمروذ، وعلى إسحاق بإِخراج يعقوب، والاسباط من صلبه، وسمي الجد وآباء الجد أبوين لأنهما في عمود النسب كما قال: {أية : وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ} تفسير : [البقرة: 133] ولهذا يقولون ابن فلان، وإن كان بينهما عدة في عمود النسب. {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ} بمن يستحق الاجتباء. {حَكِيمٌ} يضع الأشياء في مواضعها. وهذان الوصفان مناسبان لهذا الوعد الذي وعده يعقوب ويوسف عليهما السلام في قوله: وكذلك يجتبيك ربك. {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ} الآية، آيات على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم بالصحة من غير سماع أحد ولا قراءة كتاب، والذي يظهر أن الآيات الدلالات على صرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ما أظهره الله في قصة يوسف من البغي عليه، وصدق رؤياه، وصحة تأويله، وضبط نفسه وقهرها، حتى قام بحق الإِمامة وحدوث السرور بعد اليأس. والضمير في قوله عائد على أخوه يوسف "وأخوه" بنيامين ولما كانا شقيقين أضافوه ليوسف واللام في ليوسف لام الابتداء وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة أي كثرة حبه لهما ثابت لا شبهة فيه وأحب أفعل تفضيل، وهو مبني من المفعول شذوذاً ولذلك عُدّي بإِلى لأنه إذا كان ما تعلق به فاعلاً من حيث المعنى عدي إليه بإِلى وإذا كان مفعولاً عدي إليه بفي تقول: زيد أحب إلى عمرو من خالد، فالضمير في أحب مفعول من حيث المعنى وعمرو هو المحب، وإذا قلت: زيد أحب في عمرو من خالد كان الضمير فاعلاً وعمرو هو المحبوب ومن خالد في المثال الأول محبوب، وفي الثاني فاعل، ولم يُثنّ أحب لتعديه بمن وكان بنيامين أصغر من يوسف فكان يعقوب يحبهما بسبب صغرهما وموت أمهما، وحب الصغير والشفقة عليه مركوز في فطرة البشر، وقد نظم الشعراء في محبة الولد الصغير قديماً وحديثاً، ومن ذلك ما قاله الوزير أبو مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري في قصيدة بعث بها إلى أولاده وهو في السجن فيها: شعر : وصغيركم عبد العزيز فإِنني أطوي لفرقته جوى لم يصغر ذاك المقدم في الفؤاد وإن غدا كفؤا لكم في المنتمى والعنصر ان البنان الخمس أكفاءٌ معاً والحلى دون جميعها للخنصر وإذا الفتى فقد الشباب سما له حب البنين ولا كحب الأصغر تفسير : {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} جملة حالية، أي يفضلهما علينا في المحبة وهما لا كفاية فيهما، ونحن جماعة نقوم بمرافقه فنحن أحق بزيادة المحبة منهما. وعن ابن عباس: العصبة ما زاد على العشرة. وعنه أيضاً: ما بين العشرة إلى الأربعين. والضلال هنا: هو الهوى، قاله ابن عباس. والظاهر أن: {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ} من جملة قولهم. والظاهر أن: {أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً} هو من قولهم أن يفعلوا به أحد الأمرين. وانتصب: {أَرْضاً} على إسقاط حرف الجر، أي في أرض بعيدة من الأرض التي هو فيها قريب من أرض يعقوب. قال الزمخشري: أرضاً منكورة مجهولة بعيدة من العمران وهو معنى تنكيرها وإخلائها من الناس ولإِبهامها من هذا الوجه نصبت نصب الظروف المبهمة. قال ابن عطية: وذلك خطأ، يعني كونها منصوبة على الظرف قال: لأن الظرف ينبغي أن يكون مبهماً وهذه ليست كذلك بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة أو قاصية ونحو ذلك فزال بذلك إبهاماً. ومعلوم أن يوسف لم يخل من الكون في أرض فتبيين أنهم أرادوا أرضاً بعيدة غير التي هو فيها قريب من أبيه. "انتهى". هذا الرد صحيح لو قلت: جلست داراً بعيدة، أو قعدت مكاناً بعيداً، لم يصح إلا بواسطة في، ولا يجوز حذفها إلا في ضرورة شعر، أو مع دخلت على الخلاف في دخلت أهي لازمة أم متعدية. والضمير في بعده عائد على يوسف أو قتله أو طرحه وصلاحهم هو بالتوبة والتنصل من هذا الفعل، والقائل لا تقتلوا يوسف هو يهوذا وكان أحلمهم وأحسنهم فيه رأياً، وهو الذي قال: فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي. وقال لهم: القتل عظيم، وهذا عطف منهم على أخيهم لما أراد الله من إنفاذ قضائه وإبقائه على نفسه وسبب لنجاتهم من الوقوع في هذه الكبيرة وهو إتلاف النفس بالقتل. قال الهروي: الغيابة في الجب شبه لحف أو طاق في البئر فويق الماء يغيب ما فيه عن العيون. والسيارة جمع سيار وهو الكثير السير في الأرض. ومفعول فاعلين محذوف أي فاعلين ما يحصل به غرضكم من التفريق بينه وبين أبيه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم عبَّر يعقوب الروح عن رؤيا يوسف القلب بقوله: {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} [يوسف: 6] عن سائر المخلوقات فضلاً عن أقربائك، {وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} [يوسف: 6] وهو العلم اللدني الذي يختص به القلب، {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} [يوسف: 6] بأن يتجلى لك ويستوي عليك إذ القلب عرش حقيقي لله تبارك وتعالى دون ما سوى الله كما قاله تعالى: "حديث : لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن"تفسير : وهذا الاستحقاق كان ليوسف القلب مختصاً بكمال الحسن. {وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ} [يوسف: 6] أي: إذا تجلى الله تبارك وتعالى للقلب تنعكس أنوار التجلي على مرأة القلب عن جميع المتولدات في الروح، كالحواس والقوى وغير ذلك من آل يعقوب الروح، {كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ} [يوسف: 6] وهما: {إِبْرَاهِيمَ} [يوسف: 6] السر، {وَإِسْحَاقَ} [يوسف: 6] الخفي، وبهما يستحق القلب قبول فيض التجلي، ولله في هذا ألطاف خفية لا يطلع عليها إلا صاحب وقت مع الله لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ} [يوسف: 6] بهذه الأحوال، {حَكِيمٌ} [يوسف: 6] فيما يضعها عند المخصوصين بها.