Verse. 1603 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

لَقَدْ كَانَ فِيْ يُوْسُفَ وَاِخْوَتِہٖۗ اٰيٰتٌ لِّلسَّاۗىِٕلِيْنَ۝۷
Laqad kana fee yoosufa waikhwatihi ayatun lilssaileena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لقد كان في» خبر «يوسف وإخوته» وهم أحد عشر «آيات» عبر «للسائلين» عن خبرهم.

7

Tafseer

الرازي

تفسير : في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكر صاحب «الكشاف» أسماء إخوة يوسف: يهودا، روبيل، شمعون لاوي، ربالون، يشجر، دينة، دان، نفتالي، جاد، آشر. ثم قال: السبعة الأولون من ليا بنت خالة يعقوب والأربعة الآخرون من سريتين زلفة وبلهة، فلما توفيت ليا تزوج يعقوب أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف. المسألة الثانية: قوله: {لّلسَّائِلِينَ إِذْ } قرأ ابن كثير آية بغير ألف حمله على شأن يوسف والباقون {ءايَـٰتُ } على الجمع لأن أمور يوسف كانت كثيرة وكل واحد منها آية بنفسه. المسألة الثالثة: ذكروا في تفسير قوله تعالى: {لّلسَّائِلِينَ إِذْ } وجوهاً: الأول: قال ابن عباس دخل حبر من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم فسمع منه قراءة يوسف فعاد إلى اليهود فأعلمهم أنه سمعها منه كما هي في التوراة، فانطلق نفر منهم فسمعوا كما سمع، فقالوا له من علمك هذه القصة؟ فقال: الله علمني، فنزل: {لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ءايَـٰتٌ لّلسَّائِلِينَ } وهذا الوجه عندي بعيد، لأن المفهوم من الآية أن في واقعة يوسف آيات للسائلين وعلى هذا الوجه الذي نقلناه ما كانت الآيات في قصة يوسف، بل كانت الآيات في أخبار محمد صلى الله عليه وسلم عنها من غير سبق تعلم ولا مطالعة وبين الكلامين فرق ظاهر. والثاني: أن أهل مكة أكثرهم كانوا أقارب الرسول عليه الصلاة والسلام وكانوا ينكرون نبوته ويظهرون العداوة الشديدة معه بسبب الحسد فذكر الله تعالى هذه القصة وبين أن إخوة يوسف بالغوا في إيذائه لأجل الحسد وبالآخرة فإن الله تعالى نصره وقواه وجعلهم تحت يده ورايته، ومثل هذه الواقعة إذا سمعها العاقل كانت زجراً له عن الإقدام على الحسد والثالث: أن يعقوب لما عبر رؤيا يوسف وقع ذلك التعبير ودخل في الوجود بعد ثمانين سنة فكذلك أن الله تعالى لما وعد محمداً عليه الصلاة والسلام بالنصر والظفر على الأعداء، فإذا تأخر ذلك الموعود مدة من الزمان لم يدل ذلك على كون محمد عليه الصلاة والسلام كاذباً فيه فذكر هذه القصة نافع من هذا الوجه. الرابع: أن إخوة يوسف بالغوا في إبطال أمره، ولكن الله تعالى لما وعده بالنصر والظفر كان الأمر كما قدره الله تعالى لا كما سعى فيه الأعداء، فكذلك واقعة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله لما ضمن له إعلاء الدرجة لم يضره سعي الكفار في إبطال أمره. وأما قوله: {لّلسَّائِلِينَ } فاعلم أن هذه القصة فيها آيات كثيرة لمن سأل عنها، وهو كقوله تعالى: { أية : فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ } تفسير : [فصلت: 10]. ثم قال تعالى: {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: {لِيُوسُفَ } اللام لام الابتداء، وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة. أرادوا أن زيادة محبته لهما أمر لا شبهة فيه وأخوه هو بنيامين، وإنما قالوا أخوه، وهم جميعاً إخوة لأن أمهما كانت واحدة والعصبة والعصابة العشرة فصاعداً، وقيل إلى الأربعين سموا بذلك لأنهم جماعة تعصب بهم الأمور، ونقل عن علي عليه السلام أنه قرأ {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } بالنصب قيل: معناه ونحن نجتمع عصبة. المسألة الثانية: المراد منه بيان السبب الذي لأجله قصدوا إيذاء يوسف، وذلك أن يعقوب كان يفضل يوسف وأخاه على سائر الأولاد في الحب وأنهم تأذوا منه لوجوه: الأول: أنهم كانوا أكبر سناً منهما. وثانيها: أنهم كانوا أكثر قوة وأكثر قياماً بمصالح الأب منهما. وثالثها: أنهم قالوا إنا نحن القائمون بدفع المفاسد والآفات، والمشتغلون بتحصيل المنافع والخيرات. إذا ثبت ما ذكرناه من كونهم متقدمين على يوسف وأخيه في هذه الفضائل، ثم إنه عليه السلام كان يفضل يوسف وأخاه عليهم لا جرم قالوا: {إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلٰلٍ مُّبِينٍ } يعني هذا حيف ظاهر وضلال بين. وههنا سؤالات: السؤال الأول: إن من الأمور المعلومة أن تفضيل بعض الأولاد على بعض يورث الحقد والحسد، ويورث الآفات، فلما كان يعقوب عليه السلام عالماً بذلك فلم أقدم على هذا التفضيل وأيضاً الأسن والأعلم والأنفع أفضل، فلم قلب هذه القضية؟ والجواب: أنه عليه السلام ما فضلهما على سائر الأولاد إلا في المحبة، والمحبة ليست في وسع البشر فكان معذوراً فيه ولا يلحقه بسبب ذلك لوم. السؤال الثاني: أن أولاد يعقوب عليه السلام إن كانوا قد آمنوا بكونه رسولاً حقاً من عند الله تعالى فكيف اعترضوا عليه، وكيف زيفوا طريقته وطعنوا في فعله، وإن كانوا مكذبين لنبوته فهذا يوجب كفرهم. والجواب: أنهم كانوا مؤمنين بنبوة أبيهم مقرين بكونه رسولاً حقاً من عند الله تعالى، إلا أنهم لعلهم جوزوا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يفعلوا أفعالاً مخصوصة بمجرد الاجتهاد، ثم إن اجتهادهم أدى إلى تخطئة أبيهم في ذلك الاجتهاد، وذلك لأنهم كانوا يقولون هما صبيان ما بلغا العقل الكامل ونحن متقدمون عليهما في السن والعقل والكفاية والمنفعة وكثرة الخدمة والقيام بالمهمات وإصراره على تقديم يوسف علينا يخالف هذا الدليل. وأما يعقوب عليه السلام فلعله كان يقول: زيادة المحبة ليست في الوسع والطاقة، فليس لله علي فيه تكليف. وأما تخصيصهما بمزيد البر فيحتمل أنه كان لوجوه: أحدها: أن أمهما ماتت وهما صغار. وثانيها: لأنه كان يرى فيه من آثار الرشد والنجابة ما لم يجد في سائر الأولاد، وثالثها: لعله عليه السلام وإن كان صغيراً إلا أنه كان يخدم أباه بأنواع من الخدم أشرف وأعلى بما كان يصدر عن سائر الأولاد، والحاصل أن هذه المسألة كانت اجتهادية، وكانت مخلوطة بميل النفس وموجبات الفطرة، فلا يلزم من وقوع الاختلاف فيها طعن أحد الخصمين في دين الآخر أو في عرضه. السؤال الثالث: أنهم نسبوا أباهم إلى الضلال المبين، وذلك مبالغة في الذم والطعن، ومن بالغ في الطعن في الرسول كفر، لا سيما إذا كان الطاعن ولداً فإن حق الأبوة يوجب مزيد التعظيم. والجواب: المراد منه الضلال عن رعاية المصالح في الدنيا لا البعد عن طريق الرشد والصواب. السؤال الرابع: أن قولهم: {لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا } محض الحسد، والحسد من أمهات الكبائر، لا سيما وقد أقدموا على الكذب بسبب ذلك الحسد، وعلى تضييع ذلك الأخ الصالح وإلقائه في ذل العبودية وتبعيده عن الأب المشفق، وألقوا أباهم في الحزن الدائم والأسف العظيم، وأقدموا على الكذب فما بقيت خصلة مذمومة ولا طريقة في الشر والفساد إلا وقد أتوا بها، وكل ذلك يقدح في العصمة والنبوة. والجواب: الأمر كما ذكرتم، إلا أن المعتبر عندنا عصمة الأنبياء عليهم السلام في وقت حصول النبوة. وأما قبلها فذلك غير واجب والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ} يعني من سأل عن حديثهم. وقرأ أهل مكة «آيةٌ» على التوحيد؛ وٱختار أبو عبيد «آيَاتٌ» على الجمع؛ قال: لأنها خير كثير. قال النحاس: و «آية» هنا قراءة حسنة، أي لقد كان للذين سألوا عن خبر يوسف آية فيما خبّروا به، لأنهم سألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فقالوا: أخبرنا عن رجل من الأنبياء كان بالشام أُخرج ٱبنه إلى مصر، فبكى عليه حتى عمي؟ ـ ولم يكن بمكة أحد من أهل الكتاب، ولا من يعرف خبر الأنبياء؛ وإنما وجّهَ اليهودُ (إليهم) من المدينة يسألونه عن هذا ـ فأنزل الله عز وجل سورة «يوسف» جملة واحدة؛ فيها كل ما في التوراة من خبر وزيادة؛ فكان ذلك آية للنبيّ صلى الله عليه وسلم، بمنزلة إحياء عيسى ابن مريم عليه السلام الميت. «آيَاتٌ» موعظة؛ وقيل: عبرة. وروي أنها في بعض المصاحف «عبرة». وقيل: بصيرة. وقيل: عجب؛ تقول فلان آية في العلم والحسن أي عجب. قال الثعلبيّ في تفسيره: لما بلغت الرؤيا إخوة يوسف حسدوه؛ وقال ٱبن زيد: كانوا أنبياء، وقالوا: ما يرضى أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه! فبغوه بالعداوة، وقد تقدّم ردّ هذا القول. قال الله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ} وأسماؤهم: روبيل وهو أكبرهم، وشمعون ولاوي ويهوذا وزيالون ويشجر، وأمهم ليا بنت ليان، وهي بنت خال يعقوب، وولد له من سريتين أربعة نفر؛ دان ونفتالي وجاد وآشر، ثم توفيت ليا فتزوّج يعقوب أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين، فكان بنو يعقوب ٱثني عشر رجلاً. قال السّهيلي: وأمّ يعقوب ٱسمها رفقا، وراحيل ماتت في نفاس بنيامين، وليان بن ناهر بن آزر هو خال يعقوب. وقيل: في ٱسم الأَمَتين ليا وتلتا، كانت إحداهما لراحيل، والأخرى لأختها ليا، وكانتا قد وهبتاهما ليعقوب، وكان يعقوب قد جمع بينهما، ولم يحلّ لأحد بعده؛ لقول الله تعالى: {أية : وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلاخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}. تفسير : [النساء: 23] وقد تقدّم الردّ على ما قاله ٱبن زيد، والحمد لله. قوله تعالى: {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ} «يوسف» رفع بالابتداء؛ واللام للتأكيد، وهي التي يتلقى بها القسم؛ أي والله ليوسف. {وَأَخُوهُ} عطف عليه. {أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا} خبره، ولا يثنى ولا يجمع لأنه بمعنى الفعل؛ وإنما قالوا هذا لأن خبر المنام بلغهم فتآمروا في كيده. {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي جماعة، وكانوا عشرة. والعصبة ما بين الواحد إلى العشرة، وقيل: إلى الخمسة عشر. وقيل: ما بين الأربعين إلى العشرة؛ ولا واحد لها من لفظها كالنفر والرهط. {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} لم يريدوا ضلال الدين، إذ لو أرادوه لكانوا كفاراً؛ بل أرادوا لفي ذهاب عن وجه التدبير، في إيثار ٱثنين على عشرة مع ٱستوائهم في الانتساب إليه. وقيل: لفي خطأ بيّن بإيثاره يوسف وأخاه علينا. قوله تعالى: {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ} في الكلام حذف؛ أي قال قائل منهم: «ٱقْتُلُوا يُوسُفَ» ليكون أحسم لمادة الأمر. {أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً} أي في أرض، فأسقط الخافض وٱنتصب الأرض؛ وأنشد سيبويه فيما حذف منه «في»:شعر : لَدْنٌ بهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ فيه كما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ تفسير : قال النحاس: إلا أنه في الآية حسَن كثير؛ لأنه يتعدّى إلى مفعولين، أحدهما بحرف، فإذا حذفت الحرف تعدّى الفعل إليه. والقائل قيل: هو شمعون، قاله وهب بن منبّه. وقال كعب الأحبار؛ دان. وقال مقاتل: روبيل؛ والله أعلم. والمعنى أرضا تبعد عن أبيه؛ فلا بدّ من هذا الإضمار لأنه كان عند أبيه في أرض. {يَخْلُ} جزم لأنه جواب الأمر؛ معناه: يخلص ويصفو. {لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} فيقبل عليكم بكليته. {وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ} أي من بعد الذنب، وقيل: من بعد يوسف. {قَوْماً صَالِحِينَ} أي تائبين؛ أي تحدثوا توبة بعد ذلك فيقبلها الله منكم؛ وفي هذا دليل على أن توبة القاتل مقبولة، لأن الله تعالى لم ينكر هذا القول منهم. وقيل: «صَالِحِينَ» أي يصلح شأنكم عند أبيكم من غير أثرة ولا تفضيل.

البيضاوي

تفسير : {لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ } أي في قصتهم. {ءايَـٰتُ } دلائل قدرة الله تعالى وحكمته، أو علامات نبوتك وقرأ ابن كثير «آية». {لّلسَّائِلِينَ } لمن سأل عن قصتهم، والمراد بإخوته بنو علاته العشرة وهم: يهوذا وروبيل وشمعون ولاوى وزبالون ويشخر ودينة من بنت خالته ليا تزوجها يعقوب أولاً فلما توفيت تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف. وقيل جمع بينهما ولم يكن الجمع محرماً حينئذ وأربعة آخرون: دان ونفتالي وجاد وأشر من سريتين زلفة وبلهة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: لقد كان في قصة يوسف وخبره مع إخوته آيات، أي: عبرة ومواعظ للسائلين عن ذلك، المستخبرين عنه، فإنه خبر عجيب يستحق أن يخبر عنه {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا} أي: حلفوا فيما يظنون: والله ليوسف وأخوه، يعنون: بنيامين، وكان شقيقه لأمه {أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي: جماعة، فكيف أحب ذينك الاثنين أكثر من الجماعة؟ {إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ} يعنون في تقديمهما علينا، ومحبته إياهما أكثر منا. واعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: {أية : قُولُوۤاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ} تفسير : [البقرة: 136] وهذا فيه احتمال؛ لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب قبائل، وللعجم شعوب، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالاً؛ لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، والله أعلم، {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} يقولون: هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم، أعدموه من وجه أبيكم؛ ليخلو لكم وحدكم، إما بأن تقتلوه، أو تلقوه في أرض من الأراضي تستريحوا منه، وتخلوا أنتم بأبيكم {وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَـٰلِحِينَ} فأضمروا التوبة قبل الذنب {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ} قال قتادة ومحمد بن إسحاق: وكان أكبرهم، واسمه روبيل. وقال السدي: الذي قال ذلك يهوذا. وقال مجاهد: هو شمعون الصفا {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ} أي: لا تصلوا في عداوته وبغضه إلى قتله، ولم يكن لهم سبيل إلى قتله؛ لأن الله تعالى كان يريد منه أمراً لا بد من إمضائه وإتمامه؛ من الإيحاء إليه بالنبوة، ومن التمكين له ببلاد مصر والحكم بها، فصرفهم الله عنه بمقالة روبيل فيه وإشارته عليهم بأن يلقوه في غيابة الجب، وهو أسفله. قال قتادة: وهي بئر بيت المقدس {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ} أي: المارة من المسافرين، فتستريحوا منه بهذا، ولا حاجة إلى قتله {إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ} أي: إن كنتم عازمين على ما تقولون. قال محمد بن إسحاق بن يسار: لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم، وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الضرع الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل، وخطره عند الله مع حق الوالد على ولده، ليفرقوا بينه وبين أبيه وحبيبه، على كبر سنه ورقة عظمه، مع مكانه من الله فيمن أحبه طفلاً صغيراً، وبين ابنه على ضعف قوته وصغر سنه وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه، يغفر الله لهم، وهو أرحم الراحمين، فقد احتملوا أمراً عظيماً. رواه ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن الفضل عنه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَّقَدْ كَانَ فِى } خبر {يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ } وهم أحد عشر {ءَايَٰتٌ } عِبَر {لِّلسّآئِلِينَ } عن خبرهم.

الشوكاني

تفسير : أي: لقد كان في قصتهم علامات دالة على عظيم قدرة الله وبديع صنعه {لّلسَّائِلِينَ } من الناس عنها، وقرأ أهل مكة "آية" على التوحيد، وقرأ الباقون على الجمع، واختار قراءة الجمع أبو عبيد. وقال النحاس: و"آية" ها هنا قراءة حسنة. وقيل: المعنى لقد كان في يوسف وإخوته آيات دالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم للسائلين له من اليهود، فإنه روى أنه قال له جماعة من اليهود وهو بمكة: أخبرنا عن رجل من الأنبياء كان بالشام أخرج ابنه إلى مصر فبكى عليه حتى عمي، ولم يكن بمكة أحد من أهل الكتاب، ولا من يعرف خبر الأنبياء، وإنما وجهوا إليه من أهل المدينة من يسأله عن هذا، فأنزل الله سورة يوسف جملة واحدة كما في التوراة. وقيل: معنى {آيات للسائلين} عجب لهم، وقيل: بصيرة، وقيل: عبرة. قال القرطبي: وأسماؤهم يعني: إخوة يوسف: روبيل، وهو أكبرهم، وشمعون، ولاوى، ويهوذا، وريالون، ويشجر، وأمهم ليا بنت ليان وهي بنت خال يعقوب، وولد له من سريتين أربعة، وهم: دان، ونفتالى، وجاد، وآشر، ثم ماتت ليا فتزوج يعقوب أختها راحيل فولدت له يوسف، وبنيامين وقال السهيلي: إن أم يوسف اسمها وقفا، وراحيل ماتت من نفاس بنيامين، وهو أكبر من يوسف. {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ } أي: وقت قالوا، والظرف متعلق بكان {أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا } والمراد بقوله: {وَأَخُوهُ } هو بنيامين، وخصوه بكونه أخاه مع أنهم جميعاً إخوته، لأنه أخوه لأبويه كما تقدم، ووحد الخبر فقال: {أحب} مع تعدد المبتدأ؛ لأن أفعل التفضيل يستوي فيه الواحد وما فوقه إذا لم يعرّف، واللام في {ليوسف} هي الموطئة للقسم، وإنما قالوا: هذه؛ لأنه بلغهم خبر الرؤيا فأجمع رأيهم على كيده، وجملة {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } في محل نصب على الحال، والعصبة: الجماعة، قيل: وهي ما بين الواحد إلى العشرة. وقيل: إلى الخمسة عشر، وقيل: من العشرة إلى الأربعين، ولا واحد لها من لفظها، بل هي كالنفر والرهط، وقد كانوا عشرة، {إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلٰلٍ مُّبِينٍ } أي: لفي ذهاب عن وجه التدبير بالترجيح لهما علينا، وإيثارهما دوننا مع استوائنا في الانتساب إليه، ولا يصح أن يكون مرادهم أنه في دينه في ضلال مبين. {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا } أي قالوا: افعلوا به أحد الأمرين: إما القتل، أو الطرح في أرض، أو المشير بالقتل بعضه والمشير بالطرح البعض الآخر، أو كان المتكلم بذلك واحد منهم فوافقه الباقون، فكانوا كالقائل في نسبة هذا المقول إليهم، وانتصاب {أرضاً} على الظرفية، والتنكير للإبهام: أي أرضاً مجهولة، وجواب الأمر {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } أي: يصف ويخلص فيقبل عليكم ويحبكم حباً كاملاً {وَتَكُونُواْ } معطوف على {يخل}، ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار أن {مِن بَعْدِهِ } أي: من بعد يوسف، والمراد بعد الفراغ من قتله أو طرحه، وقيل: من بعد الذنب الذي اقترفوه في يوسف {قَوْمًا صَـٰلِحِينَ } في أمور دينكم وطاعة أبيكم، أو صالحين في أمور دنياكم، لذهاب ما كان يشغلكم عن ذلك، وهو الحسد ليوسف وتكدّر خواطركم بتأثيره عليكم هو وأخوه، أو المراد بالصالحين: التائبون من الذنب. {قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ } أي: من الإخوة، قيل: هو يهوذا، وقيل: روبيل، وقيل: شمعون {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَابَةِ ٱلْجُبّ} قيل: ووجه الإظهار في {لا تقتلوا يوسف} استجلاب شفقتهم عليه. قرأ أهل مكة وأهل البصرة وأهل الكوفة وأهل الشام: {في غيابة الجب} بالإفراد، وقرأ أهل المدينة (في غيابات) بالجمع، واختار أبو عبيد الإفراد وأنكر الجمع، لأن الموضع الذي ألقوه فيه واحد. قال النحاس: وهذا تضييق في اللغة، و"غيابات" على الجمع تجوز، والغيابة: كل شيء غيب عنك شيئاً. وقيل للقبر: غيابة، والمراد به هنا غور البئر الذي لا يقع البصر عليه، أو طاقة فيه، قال الشاعر:شعر : ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث إلى ذا كما قد غيبتني غيابيا تفسير : والجب: البئر التي لم تطو، ويقال لها قبل الطيّ ركية، فإذا طويت قيل لها: بئر، سميت جباً، لأنها قطعت في الأرض قطعاً، وجمع الجب جيب وجياب، وأجباب، وجمع بين الغيابة والجبّ مبالغة في أن يلقوه في مكان من الجبّ شديد الظلمة حتى لا يدركه نظر الناظرين، قيل: وهذه البئر ببيت المقدس. وقيل: بالأردن، وجواب الأمر: {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ } قرأ مجاهد، وأبو رجاء، والحسن، وقتادة (تلتقطه) بالمثناة الفوقية، ووجهه أن بعض السيارة سيارة، وحكي عن سيبويه سقطت بعض أصابعه. ومنه قول الشاعر:شعر : أرى مرّ السنين أخذن مني كما أخذ السرار من الهلال تفسير : وقرأ الباقون "تلتقطه" بالتحتية. والسيارة: الجمع الذي يسيرون في الطريق، والالتقاط: هو أخذ شيء مشرف على الضياع، وكأنهم أرادوا أن بعض السيارة إذا التقطه حمله إلى مكان بعيد، بحيث يخض عن أبيه ومن يعرفه، ولا يحتاجون إلى الحركة بأنفسهم إلى المكان البعيد، فربما أن والدهم لا يأذن لهم بذلك، ومعنى: {إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ } إن كنتم عاملين بما أشرت به عليكم في أمره، كأنه لم يجزم بالأمر، بل وكله إلى ما يجمعون عليه، كما يفعله المشير مع من استشاره. وفي هذا دليل على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء، فإن الأنبياء لا يجوز عليهم التواطؤ على القتل لمسلم ظلماً وبغياً. وقيل: كانوا أنبياء، وكان ذلك منهم زلة قدم، وأوقعهم فيها التهاب نار الحسد في صدورهم واضطرام جمرات الغيظ في قلوبهم. وردّ بأن الأنبياء معصومون عن مثل هذه المعصية الكبيرة المتبالغة في الكبر، مع ما في ذلك من قطع الرحم وعقوق الوالد وافتراء الكذب. وقيل: إنهم لم يكونوا في ذلك الوقت أنبياء، بل صاروا أنبياء من بعد. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {آيات للسائلين} قال: عبرة. وأخرج أيضاً عن قتادة في الآية يقول: من سأل عن ذلك فهو هكذا ما قصّ الله عليكم وأنبأكم به. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق قال: إنما قصّ الله على محمد صلى الله عليه وسلم خبر يوسف وبغي إخوته عليه، وحسدهم إياه حين ذكر رؤياه لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بغي قومه عليه وحسدهم إياه حين أكرمه الله بنبوّته ليأتسى به. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ } يعني: بنيامين هو أخوه لأبيه وأمه، وفي قوله: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } قال: العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن جرير، وأبو الشيخ عن ابن زيد قال: العصبة: الجماعة، {إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلٰلٍ مُّبِينٍ } قال: لفي خطأ من رأيه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ في قوله: {قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ } قال: قاله كبيرهم الذي تخلف، قال: والجبّ بئر بالشام {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ } قال: التقطه ناس من الأعراب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَأَلْقُوهُ فِى غَيَابَةِ ٱلْجُبّ } يعني: الركية. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: الجبّ البئر. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ قال: هي بئر ببيت المقدس، يقول في بعض نواحيها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: الجبّ بحذاء طبرية بينه وبينها أميال.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {لقد كان في يوسف وإخوته آياتٌ للسائلين} في هذه الآيات وجهان: أحدهما: أنها عِبَرٌ للمعتبرين. الثاني: زواجر للمتقين. وفيها من يوسف وإخوته أربعة أقاويل: أحدها: ما أظهره الله تعالى فيه من عواقب البغي عليه. الثاني: صدق رؤياه وصحة تأويله. الثالث: ضبط نفسه وقهر شهوته حتى سلم من المعصية وقام بحق الأمانة. الرابع: الفرج بعد شدة الإياس. قال ابن عطاء: ما سمع سورة يوسف محزون إلا استروح إليها. قوله عز وجل: {إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا مِنّا} وأخوه بنيامين وهما أخوان لأب وأم، وكان يعقوب قد كلف بهما لموت أمهما وزاد في المراعاة لهما، فذلك سبب حسدهم لهما، وكان شديد الحب ليوسف، فكان الحسد له أكثر، ثم رأى الرؤيا فصار الحسد له أشد. {ونحن عصبة} وفي العصبة أربعة أقاويل: أحدها: أنها ستة أو سبعة، قاله سعيد بن جبير. الثاني: أنها من عشرة إلى خمسة عشر، قاله مجاهد. الثالث:من عشرة إلى أربعين، قاله قتادة الرابع: الجماعة، قاله عبد الرحمن بن زيد. {إن أبانا لفي ضلال مبين} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لفي خطأ من رأيه، قال ابن زيد. الثاني: لفي جور من فعله، قال ابن كامل. الثالث: لفي محبة ظاهرة، حكاه ابن جرير. وإنما جعلوه في ضلال مبين لثلاثة أوجه: أحدها: لأنه فضّل الصغير على الكبير. الثاني: القليل على الكثير. الثالث: من لا يراعي ما له على من يراعيه. واختلف فيهم هل كانوا حينئذ بالغين؟ فذهب قوم إلى أنهم كانوا بالغين مؤمنين ولم يكونوا أنبياء بعد لأنهم قالوا{يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين} وهذه حالة لا تكون إلا من بالغ، وقال آخرون: بل كانوا غير بالغين لأنهم قالوا{أرسله معنا غداً نرتع ونلعب}وإنما استغفروه بعد البلوغ. قوله عز وجل: {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً} فيه وجهان: أحدهما: اطرحوه أرضاً لتأكله السباع. الثاني: ليبعد عن أبيه. {يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين} فيه وجهان: أحدهما: أنهم أرادوا صلاح الدنيا لا صلاح الدين، قاله الحسن. الثاني: أنهم أرادوا صلاح الدين بالتوبة، قاله السدي. ويحتمل ثالثاً: أنهم أرادوا صلاح الأحوال بتسوية أبيهم بينهم من غير أثرة ولا تفضيل. وفي هذا دليل على أن توبة القاتل مقبولة لأن الله تعالى لم ينكر هذا القول منهم. قوله عز وجل: {قال قائلٌ منهم لا تقتلوا يوسف}اختلف في قائل هذا منهم على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه روبيل وهو أكبر إخوة يوسف وابن خالته، قاله قتادة. الثاني: أنه شمعون، قاله مجاهد. الثالث: أنه يهوذا، قال السدي. {وألقُوه في غيابة الجُبِّ} فيه وجهان: أحدهما: يعني قعر الجب وأسفله. الثاني: ظلمه الجب التي تغيّب عن الأبصار ما فيها، قاله الكلبي. فكان رأس الجب ضيقاً وأسفله واسعاً. أحدهما: لأنه يغيب فيه خبره. وفي تسميته {غيابة الجب}وجهان: الثاني: لأنه يغيب فيه أثره، قال ابن أحمر: شعر : ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالثٍ إلى ذاك ما قد غيبتني غيابيا تفسير : وفي {الجب} قولان: أحدهما: أنه اسم بئر في بيت المقدس، قاله قتادة. الثاني: أنه بئر غير معينة، وإنما يختص بنوع من الآبار قال الأعشى: شعر : لئن كنت في جب ثمانين قامة ورقيت أسباب السماء بسلم تفسير : وفيما يسمى من الآبار جباً قولان: أحدهما: أنه ما عظم من الآبار سواء كان فيه ماء أو لم يكن. الثاني: أنه ما لا طيّ له من الآبار، قال الزجاج، وقال: سميت جبًّا لأنها قطعت من الأرض قطعاً ولم يحدث فيها غير القطع. {يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين} معنى يلتقطه يأخذه، ومنه اللقطة لأنها الضالة المأخوذة. وفي {السيارة} قولان: أحدهما: أنهم المسافرون سُموا بذلك لأنهم يسيرون. الثاني: أنهم مارة الطريق، قاله الضحاك.

ابن عطية

تفسير : قرأ الجمهور "آيات" بالجمع، وقرأ ابن كثير - وحده - "آية" بالإفراد، وهي قراءة مجاهد وشبل وأهل مكة؛ فالأولى: على معنى أن كل حال من أحواله آية فجمعها. والثانية: على أنه بجملته آية، وإن تفصل بالمعنى، ووزن "آية" فعلة أو فعلة أو فاعلة على الخلاف فيه، وذكر الزجّاج: أن في غير مصحف عثمان: "عبرة للسائلين"؛ قال أبو حاتم: هو في مصحف أبيّ بن كعب. وقوله: {للسائلين} يقتضي حضاً ما على تعلم هذه الأنباء، لأنه إنما المراد آية للناس، فوصفهم بالسؤال إذ كل واحد ينبغي أن يسأل عن مثل هذه القصص، إذ هي مقر العبر والاتعاظ. ويصح أيضاً أن يصف الناس بالسؤال من حيث كان سبب نزول السورة سؤال سائل كما روي. وقولهم: {وأخوه} يريدون به: يامين - وهو أصغر من يوسف - ويقال له: بنيامين، وقيل: كان شقيق يوسف وكانت أمهما ماتت، ويدل على أنهما شقيقان تخصيص الأخوة لهما بـ {أخوه} وهي دلالة غير قاطعة. وكان حب يعقوب ليوسف عليه السلام ويامين لصغرهما وموت أمهما، وهذا من حب الصغير هي فطرة البشر؛ وقد قيل لابنة الحسن: أي بنيك أحب إليك؟ قالت: الصغير حتى يكبر والغائب حتى يقدم، والمريض حتى يفيق. وقولهم: {ونحن عصبة} أي نحن جماعة تضر وتنفع، وتحمي وتخذل، أي لنا كانت تنبغي المحبة والمراعاة. و "العصبة" في اللغة: الجماعة، قيل: من عشرة إلى خمسة عشر، وقيل: من عشرة إلى أربعين، وقال الزجاج: العشرة ونحوهم، وفي الزهراوي: الثلاثة: نفر - فإذا زادوا فهم: رهط إلى التسعة، فإذا زادوا فهم: عصبة، ولا يقال لأقل من عشرة: عصبة. وقولهم: {لفي ضلال مبين} أي لفي اختلاف وخطأ في محبة يوسف وأخيه، وهذا هو معنى الضلال، وإنما يصغر قدره أو يعظم بحسب الشيء الذي فيه يقع الائتلاف. و {مبين} معناه: يظهر للمتأمل. وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة "مبين اقتلوا" بكسر التنوين في الوصل لالتقاء ساكن التنوين والقاف، وقرأ نافع وابن كثير والكسائي "مبين اقتلوا" بكسر النون وضم التنوين إتباعاً لضمة التاء ومراعاة لها. وقوله: {اقتلوا يوسف} الآية، كانت هذه مقالة بعضهم. {أو اطرحوه} معناه: أبعدوه، ومنه قول عروة بن الورد: شعر : ومن يك مثلي ذا عيال ومقتراً يغرر ويطرح نفسه كل مطرح تفسير : والنوى: الطروح البعيدة، و {أرضاً} مفعول ثان بإسقاط حرف الجر، لأن طرح - لا يتعدى إلى مفعولين إلا كذلك. وقالت فرقة: هو نصب على الظرف - وذلك خطأ لأن الظرف ينبغي أن يكون مبهماً وهذه هنا ليست كذلك بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة أو قاصية ونحو ذلك فزال بذلك إبهامها، ومعلوم أن يوسف لم يخل من الكون في أرض، فبين أنها أرض بعيدة غير التي هو فيها قريب من أبيه. وقوله: {يخل لكم وجه أبيكم} استعارة، أي إذا فقد يوسف رجعت محبته إليكم، ونحو هذا قول العربي حين أحبته أمه لما قتل إخوته وكانت قبل لا تحبه: الثكل أرأمها، أي عطفها عليه، والضمير في {بعده} عائد على يوسف أو قتله أو طرحه، و {صالحين} قال السدي ومقاتل بن سليمان: إنهم أرادوا صلاح الحال عند أبيهم، وهذا يشبه أن يكون قصدهم في تلك الحال ولم يكونوا حينئذ أنبياء، وقال الجمهور: {صالحين} معناه بالتوبة، وهذا هو الأظهر من اللفظ، وحالهم أيضاً تعطيه، لأنهم مؤمنون بثوا على عظيمة وعللوا أنفسهم بالتوبة؛ والقائل منهم قيل: هو روبيل - أسنهم - قاله قتادة وابن إسحاق، وقيل: يهوذا أحلمهم، وقيل شمعون أشجعهم، قاله مجاهد، وهذا عطف منه على أخيه لا محالة لما أراد الله من إنفاذ قضائه. و "الغيابة" ما غاب عنك من الأماكن أو غيب عنك شيئاً آخر. وقرأ الجمهور: "غيابة الجب"، وقرأ نافع وحده "غيابات الجب"، وقرأ الأعرج "غيّابات الجب" بشد الياء، قال أبو الفتح: هو اسم جاء على فعالة، كان أبو علي يلحقه بما ذكر سيبويه من الفياد ونحوه، ووجدت أنا من ذلك: التيار للموج والفجار للخزف. قال القاضي أبو محمد: وفي شبه غيابة بهذه الأمثلة نظر لأن غيابة جارية على فعل. وقرأ الحسن: "في غيبة الجب" على وزن فعلة، وكذلك خطت في مصحف أبي بن كعب، ومن هذه اللفظة قول الشاعر - وهو المنخل - شعر : فإن أنا يوماً غيبتني غيابتي فسيروا بسيري في العشيرة والأهل تفسير : و {الجب} البئر التي لم تطو لأنها جبت من الأرض فقط. وقرأ الجمهور: "يلتقطه بعض" بالياء من تحت على لفظ بعض، وقرأ الحسن البصري ومجاهد وقتادة وأبو رجاء "تلتقطه" بالتاء، وهذا من حيث أضيف {البعض} إلى {السيارة} فاستفاد منها تأنيث العلاقة، ومن هذا قول الشاعر: [الوافر] شعر : أرى مرّ السنين أخذنْ منّي كما أخذ السرار من الهلال تفسير : ومنه قول الآخر: [الطويل] شعر : إذا مات منهم سيد قام سيد فذلت له أهل القرى والكنائس تفسير : وقول كعب: [الكامل] شعر : ذلت لوقعتها جميع نزار .............................. تفسير : حين أراد بنزار القبيلة، وأمثلة هذا كثير. وروي أن جماعة من الأعراب التقطت يوسف عليه السلام: و {السيارة} جمع سيار. وهو بناء للمبالغة، وقيل في هذا {الجب}: أنه بئر بيت المقدس. وقيل: غيره: وقيل: لم يكن حيث طرحوه ماء ولكن أخرجه الله فيه حتى قصده الناس للاستقاء: وقيل: بل كان فيه ماء كثير يغرق يوسف فنشز حجر من أسفل الجب حتى ثبت عليه يوسف، وروي أنهم رموه بحبل في الجب فتماسك بيديه حتى ربطوا يديه ونزعوا قميصه ورموه حينئذ، وهموا برضخه بالحجارة فمنعهم أخوهم المشير بطرحه من ذلك.

ابن عبد السلام

تفسير : {ءَايَاتٌ} عبر، أو زواجر بما ظهر في يوسف من عواقب البغي عليه، أو بصدق رؤياه وصحة تأويله، أو بقهره شهوته حتى سلم من المعصية، أو بحدوث الفرج بعد شدة الإياس، قال ابن عطاء: ما سمع سورة يوسف محزون إلا استروح إليها.

النسفي

تفسير : {لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ } أي في قصتهم وحديثهم {ءايَـٰتُ } علامات ودلالات على قدرة الله وحكمته في كل شيء. {آية} مكي {لّلسَّائِلِينَ } لمن سأل عن قصتهم وعرفها، أو آيات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم من غير سماع من أحد ولا قراءة كتاب، وأسماؤهم: يهوذا وروبين وشمعون ولاوي وزبولون ويشجر وأمهم ليا ليان، ودان ونفتالي وجاد وآشر من سريتين زلفة وبلهة، فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف. {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىَّ أَبِينَا مِنَّا } اللام لام الابتداء وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة، أرادوا أن زيادة محبته لهما أمر ثابت لاشبهة فيه. وإنما قالوا {وأخوه} وهم إخوته أيضاً لأن أمهما كانت واحدة، وإنما قيل {أحب} في الاثنين لأن أفعل من لا يفرق فيه بين الواحد وما فوقه ولا بين المذكر والمؤنث، ولا بد من الفرق مع لام التعريف وإذا أضيف ساغ الأمران. والواو في {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } للحال أي أنه يفضلهما في المحبة علينا وهما صغيران لا كفاية فيهما ونحن عشرة رجال كفاة نقوم بمرافقه، فنحن أحق بزيادة المحبة منهما لفضلنا بالكثرة والمنفعة عليهما {إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلٰلٍ مُّبِينٍ } غلط في تدبير أمر الدنيا ولو وصفوه بالضلالة في الدين لكفروا. والعصبة العشرة فصاعدا {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ } من جملة ما حكى بعد قوله {إذ قالوا} كأنهم أطبقوا على ذلك إلا من قال: لا تقتلوا يوسف وقيل: الآمر بالقتل شمعون والباقون كانوا راضين فجعلوا آمرين {أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا } منكورة مجهولة بعيدة عن العمران وهو معنى تنكيرها وإخلائها عن الوصف ولهذا الإبهام نصبت نصب الظروف المبهمة {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } يقبل عليكم إقبالة واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم، والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم، لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه، وجاز أن يراد بالوجه الذات كما قال {أية : ويبقى وجه ربك} تفسير : [الرحمن: 27] {وَتَكُونُواْ } مجزوم عطفاً على {يخل لكم} {مِن بَعْدِهِ } من بعد يوسف أي من بعد كفايته بالقتل أو التغريب، أو من بعد قتله أو طرحه فيرجع الضمير إلى مصدر «اقتلوا» أو «اطرحوا» {قَوْمًا صَـٰلِحِينَ } تائبين إلى الله مما جنيتم عليه أو يصلح حالكم عند أبيكم .

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَـٰتٌ لِّلسَّائِلِينَ }؛ إِذ كلُّ أحد ينبغي أنْ يسأل عن مثْلِ هذا القصص، إِذ هي مَقَرُّ العبر وٱلاتعاظ؛ وقولهم: {وَأَخُوهُ}: يريدون به «يَامينَ»، وهو أصغر من يوسُفَ، ويقال له: «بِنْيَامِينُ» قيلَ: وهو شقيقه، {أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا}: أي: لصغرهما ومَوْتِ أُمهما، وهذا مِنْ حُبِّ الصغير هي فطرةُ البَشَر، وقولهم: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ }: أي: جماعة تضرُّ وتنفعُ، وتحمِي وتخذل، أي: لنا كَانَتْ تنبغي المحبَّة والمراعاةُ، والعُصْبَة في اللغة: الجماعةُ، وقولهم: {لَفِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ}، أي: لفي انتلافٍ وخطإٍ في محبَّة يوسُفَ وأخيه، وهذا هو معنى الضَّلال، وإِنما يصغر قَدْرُهُ، ويعظُم بحَسَبِ الشَّيء الذي فيه يَقَعُ الانتلافُ، و{مُّبِينٍ}: معناه: ظاهر للمتأمِّل، وقولهم: {أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا}: أي: بأرضٍ بعيدةٍ؛ فـــ «أَرْضاً» مفعولٌ ثانٍ بإِسقاط حرف الجرِّ، والضمير في «بعده» عائدٌ على يوسُفَ، أو قتلِه، أو طرحِهِ، {وصَالِحِينَ}: قال مقاتل وغيره: إِنهم أرادوا صلاَحَ الحالِ عنْد أبيهم، والقَائِلُ منهم: «لا تقتلوه» هو: «رُوبِيلُ» أسنُّهم؛ قاله قتادة وابنُ إِسحاق، وقيل: هو شَمْعُونٌ؛ قاله مجاهد، وهذا عطْفٌ منه على أخيه لا محالَةَ؛ لما أراد اللَّه من إِنفاذ قضائه، و«الغيابة»: ما غاب عنك، و{ٱلْجُبِّ} البئر التي لم تُطْوَ؛ لأنها جُبَّتْ من الأرض فقَطْ، قال المَهْدَوِيُّ: والجُبُّ؛ في اللغة: البئر المقطوعة التي لم تُطْوَ، انتهى. والـــ {سَّيَّارَةِ}: جمعُ سَيَّارٍ، وروي أن جماعةً من الأَعرابِ ٱلتقطَتْ يوسُفَ عليه السلام.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ} الآية. قال الزمخشري: "أسماء إخوة يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ يهوذا ورُوبيل، وشمعُون، ولاوي، وزبالون، ويشجر، وأمهم: ليا بنت ليان، وهي ابنة خال يعقوب، وولد له من سريتين ـ تسمى إحداهما زلفة والأخرى بلهة ـ أربعة أولاد: دان، ونفتالي، وجاد وآشر، فلما توفيت "ليا" تزوج يعقوب أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين". قوله تعالى {آيَاتٌ} قرأ ابن كثير "آية" بالإفراد، والمراد بها: الجِنْس، والباقون الجمع تصريحاً بالمراد؛ لأنها كانت علامات كثيرة، وزعم بعضهم: أن ثمَّ معطوفاً محذوفاً، تقديره: للسَّائلين ولغيرهم، ولا حاجة إليه، و"للسَّائلِينَ": متعلقٌ بمحذوفٍ نعتاً لـ"آياتٌ". فصل معنى: {آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ} أنه عبرة للمعتبرين؛ فإنها تشتمل على حسد إخوة يوسف، وما آل إليه أمرهم من الحسد، وتشتمل على صبر يوسف عن قضاء الشُّهُود، وعلى الرقِّ والسِّجن، ما آل إليه أمرهُ من الوُصول إلى المراد، وغير ذلك. وقيل: {آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ}، أي دلالة على نُبُوَّة الرسول ـ صلوات الله وسلام عليه ـ. وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ حديث : دخل حبر من اليهُود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع منه [قراءة] سورة يوسف، فعاد إلى اليهودِ، فأعلمهم أنَّه سمع كما في التَّوراة، فانطلق نفرٌ منهم، فسَمِعُوا كما سَمِع؛ فقالوا له: من علَّمك هذه القصَّة؟ فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "اللَّه عَلَّمَنِي"تفسير : فنزلت: {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ}. قال ابن الخطيب: "وهذا الوجه عندي بعيد؛ لأن المفهوم من الآية: أن في واقعة يُوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ آياتٌ للسَّائلينَ، وعلى ما قلناه: ما كانت الآيات في قصَّة يُوسف، بل كانت في إخبار محمَّد صلى الله عليه وسلم عنها، من تعلُّم ولا مطالعة. الثاني: أن أكثر أهل مكَّة كانُوا أقارب الرَّسُول ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وكانُوا يُنْكِرُون نُبوَّته، ويظهرُون العداوة الشَّديدة معهُ بسبب الحسد، فذكر الله ـ تعالى ـ هذه القصَّة، وبيَّن أنَّ إخوة يُوسُف بالغُوا في إيذائه لأجل الحسد، وبالآخرة إن الله نصره، وقواه، وجعلهم تحت يده، ومثل هذه الواقعة إذا سمعها العاقل، كانت زاجرة له عن الإقدام على الحسد. الثالث: أن يعقُوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما عبر رُؤيا يُوسُف، وقع ذلك التَّعبير، ودخل في الوُجُود بعد ثمانين سنة، فكذلك أن الله ـ تعالى ـ كما وعد مُحمَّداً صلى الله عليه وسلم بالنَّصر والظفر، كان الأمر كما قدَّره الله ـ تعالى ـ لا كما سعى فيه الأعداء في إبطال أمره". قوله: {لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا} اللام في "ليُوسفُ": لام الابتداء أفادت توكيداً لمضمون الجملة، وأرادُوا أنَّ زيادة محبَّته لهما أمر ثابتٌ لا شبهة فيه "وأخُوهُ": هو بنيامين، وإنَّما قالوا: "وأخُوهُ" وهُمْ جَمِيعاً إخوة؛ لأن أمُّهُمَا كانت واحدة، و"أحَبُّ" أفعل تفضيل، وهو مبنيٌّ من "حُبَّ" المبنيِّ للمفعُول، وهو شاذٌّ، وإذا بنيت أفعل التَّفضيل، من مادَّة الحُبِّ والبغضِ، تعدَّى إلى الفاعل المعنوي بـ "إلى" وإلى المفعول المعنوي بـ"اللام"، أو بـ "في" فإذا قلتَ: زيدٌ أحبُّ إِليَّ من بكرٍ، تعني: أنك تحبُّ زيداً أكثر من بكر، فالمُتكلِّم هو الفاعل، وكذلك: "هو أبغضُ إليَّ منْهُ" أنت المبغض، وإذا قلت: زيدٌ أحبُّ إليَّ من عمرو، أو أحَبُّ فيَّ مِنهُ، أي: إنَّ زيداً يُحِبُّني أكثر من عمْرِو؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 3050ـ لعَمْرِي لَسعْدٌ حَيْثُ حُلَّتْ دِيَارهُ أحَبُّ إليْنَا مِنْكَ فافرَسٍ حَمِرْ تفسير : وعلى هذا جاءت الآية الكريمة؛ فإن الأب هو فاعل المحبَّة. و"أحَبُّ": خير المبتدأ، وإنَّما لم يطابق؛ لما عرفت من حكم أفعل التَّفضيل. وقيل: اللاَّم في: "ليُوسُفُ": جواب القسم، تقديره: والله ليُوسف وأخُوه، والواوُ في: "ونَحْنُ عُصْبَةٌ": للحال، فالجملة بعدها في محلِّ نصب على الحال، والعامة على رفع "عُصْبةٌ" خبراً لـ "نَحْن". وقرأ أمير المؤمنين ـ رضي الله عنه ـ بنصبها على أنَّ الخبر محذوف، والتقدير: ونحن نرى أو نجتمع، فتكون "عُصْبَةٌ" حالاً، إلا أنَّه قليلٌ جدًّا؛ وذلك لأنَّ الحال لا يسدُّ مسدَّ الخبر إلا بشُروطٍ ذكرها النُّحاة، نحو: ضربي زيداً قَائِماً، وأكثر شُربِي السُّويق مَلْتُوتاً. قال ابن الأنباري: "هذا كما تقُولُ العربُ: إنَّمَا العَامريُّ عمَّتهُ، أي: يتعمم عِمَّته". قال أبو حيَّان: "وليس مثله؛ لأن "عُصْبَةٌ" ليس بمصدر ولا هيئة، فالأجود أن يكون من باب: حُكمُكَ مُسمَّطاً". قال شهاب الدِّين: "ليس مراد ابن الأنباري إلاَّ التشبيه؛ من حيث إنه حذف الخبر، وسدَّ شيءٌ آخر مسدَّه في غير المواضع المُنقَاس فيها ذلك، ولا نظر لكون المنصُوب مصدراً أو غيره". وقال المبرد: هو من باب: "حُكمُك مُسمًّطاً" أي: لك حكمك مسمَّطاً، قال الفرزدقُ: شعر : 3051ـ يا لهْذَمُ حُكْمُكَ مُسَمَّطاً تفسير : أراد لك حكمك مُسمَّطاً. قال: واستعمل هذا فكثُر حتى حذفَ استخفافاً؛ لعلم ما يريد القائل؛ كقولك: الهلال والله، أي: هذا الهلال، والمُسَمَّط: المرسل غير المردُودِ وقدره غير المبرِّد: حكمُك ثبت مُسمَّطاً،وفي هذا المثال نظر؛ لأن النَّحويِّين يجعلُون من شرط سدِّ الحالِ مسدّ الخير: أن لا يصلُح جعل الحالِ خبراً لذلك المبتدأ، نحو: ضَرْبِي زيداً قائماً، بخلاف: "ضَرْبِي زيْداً شديدٌ" فإنَّها ترفع على الخبريَّة، وتخرُج المسألة من ذلك، وهذه الحال، أعني: "مُسَمَّطاً" يصلح جعلها خبراً للمبتدأ، إذ التقدير: حكم مرسل لا مردودٌ، فيكون هذا المثل على ما تقرَّر من كلامهم شاذًّا. والعُصْبَة: ما زاد على العشرة، عن ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ؛ وعنه: مابين العشرة إلى الأربعين. وقيل: الثلاثة نفر، فإذا زادت على ذلك إلى تسعة؛ فهو رهطٌ، فإذا بلغُوا العشرة فصاعداً، فعُصْبَة. وقيل: مابين الواحد إلى العشرة. وقيل: من عشرة إلى خمسة عشر. وقيل: ستة. وقيل: سَبْعَة. والمادَّة تدلُّ على الإحاطة من العصابة؛ لإحاطتها بالرَّأس. فصل بيَّنُوا السبب الذي لأجله قصدوا إيذاء يوسف: وهو أن يعقُوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان يفضِّل يوسف وأخاه على سائر أولاده في الحبِّ، فتأذَّوا منه لوجوه: أحدها: كانوا أكبر منه سنًّا. وثانيها: أنَّهم كانوا أكثر قوَّة، وأكثر قياماً بمصالح الأب منهما. وثالثها: أنَّهم القائمون بدفع المضار والآفات، والمشتغلُون بتحصيل المنافع والخيرات، وإذا كانُوا كذلك لا جرم قالوا: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}. قال ابن الخطيب: "وها هنا سؤالات: السؤال الأول: أن من المعلُوم أن تفضيل بعض الأولاد على بعض، يُورِث الحقد والحسد، وهما يورثان الآفات، فلما كان يعقُوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ عالماً بذلك، فلم أقدم على التفضيل؟ وأيضاً: فالأسنُّ، والأعلم، والأنفع مقدَّم، فلم قلب هذه القضية؟. فالجواب: أنَّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ما فضلهما على سائر أولاده إلا في المحبَّة، والمحبَّة ليست في وسع البشر، فكان معذُوراً فيه، ولا يلحقه بسبب ذلك لومٌ، قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : اللَّهُمَّ هذا قسمِي فيمَا أملكُ، فلا تَلُمنِي فيمَا لا أمْلك"تفسير : حين كان يحبُّ عائشة ـ رضي الله عنها ـ. السؤال الثاني: أن أولاد يعقوب كانوا قد آمنوا بكونه رسُولاً حقًّا من عند الله، فكَيْفَ اعتَرضُوا؟ وكيْفَ زَيَّفُوا طريقتهُ وطعنُوا في فعلِهِ؟ وإن كانُوا مُكذِّبينِ بنُبوته، غير مقرِّين بكونه رسُولاً حقًّا من عند الله، فهذا مُوجِبُ تكفيرهم؟. والجواب: أنَّهُم كانوا مُؤمِنين بنبوَّة أبيهم، مُقرين بكونه رسُولاً حقًّا من عند الله، إلاَّ أنَّهُم لعلَّهم جوَّزُوا من الأنبياء أن يفعلوا أفعالاً مخصوصة بمجرد اجتهادهم، ثم إنَّ الاجتهاد أدَّى إلى تخطئة أبيهم في ذلك الاجتهاد؛ وذلك لأنَّهم كانوا يقولون: هما صبيان ما بلغا العقل الكامل، ونحن متقدِّمُون عليهما في السنِّ، والعقل، الكفاية، والمنفعة، وكثرة الخدمة، والقيام بالمهمات، فإصراره على تقديم يوسف علينا، يخالف هذا الدَّليل، وأما يعقُوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ فلعله كان يقُول: زيادة المحبَّة ليست في الوسع والطَّاقة، فليس لله عليَّ فيه تكليفٌ، وأما تخصيصهما بمزيد البرِّ، فيحتمل أنه كان لوجوه: أحدها: أن أمَّهُمَا ماتتْ وهم صغار. وثانيهما: أنه كان يرى فيه من آثار الرُّشد، والنَّجابة ما لم يجدْ في سائر الأولاد، والحاصل: أن هذه المسألة كانت اجتهاديَّة، وكانت بميْل النَّفس، وموجبات الفطرة، فلا يلزم من وقوع الاختلاف فيها طعن أحد الخصمين في دين الآخرِ، أو في عرضه. السؤال الثالث: أنهم نسبُوا أباهم إلى الضَّلال المبين، وذلك مبالغة في الذمِّ والطَّعن، ومن بالغ في الطَّعن في الرسُول كفر، لا سيَّما إذا كان الطَّاعن ابناً؛ فإن حقَّ الأبُوَّة يُوجِب مزِيد التَّعْظِيم. والجواب: المُراد من الضلال: غير رعاية مصالحِ الدِّين، لا البعد عن طريق الرُّشد، والصواب. السؤال الرابع: أن قولهم: {لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا} محضُ الحسد، والحسد من أمهات الكبائر، لا سيَّما وقد أقدموا بسبب ذلك الحسد على تضييع ذلك الأخ الصالح، وإلقائه في ذلِّ العبوديَّة، وتبعيده عن الأب المشفقِ، وألقوا أباهم في الحُزن الدائم، والأسف العظيم، وأقدموا على الكذب، وأتوا بهذه الخصالِ المذمُومَة وكل ذلك يقدح في العصمة. والجواب: أن المعتبر عصمة الأنبياء في وقت حُصول النُّبوَّة، فأمَّا قبلها فذلك غير واجب". {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً} الآية. في نصب "أرْضاً" ثلاثة أوجه: أحدهاك أن تكون منصوبة على إسقاط الخافض تخفيفاً، أي: في أرض؛ كقوله: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}تفسير : [الأعراف:16]، وقول الشاعر: [الكامل] شعر : 3052ـ لَدْنٌ بِهَزِّ الكفِّ يَعْسِلُ مَتنُهُ فِيهِ كَمَا عَسلَ الطَّريقَ الثَّعلبُ تفسير : وإليه ذهب ابن عطيَّة. قال النَّحاس: "إلا أنَّه في الآية حسن كثيراً؛ لأنَّه يتعدى إلى مفعولين، أحدهما بالحرف، فإذا حذفت الحرف، تعدَّى الفعل إليه". والثاني: النصب على الظرفيَّة. قال الزمخشريُّ: " أرْضاً منكُورة مجهولة بعيدة عن العمران، وهو معنى تنكيرها، وأخلائها من النَّاسِ؛ ولإبهامِها من هذا الوجه، نُصِبت نصب الظُّروف المُبْهَمة". وردَّ ابن عطيَّة هذا الوجه فقال: "وذلك خطأ؛ لأن الظَّرف ينبغي أن يكون مُبهماً، وهذه ليست كذلك، بل هي أرض مقيَّدة بأنَّها بعيدةٌ، أو قاصية أو نحو ذلك، فزال بذلك إبهامُهَا، ومعلُوم أن يُوسف لم يَخْل من الكون في أرض، فتبيَّن أنَّهم أرادُوا أرضاً بعيدة، غير التي هو فيها قريبة من أبيه". واسَتحْسَن أبو حيَّان هذا الرَّد، وقال: "وهذا الردُّ صحيحٌ، لو قلت: "جَلستُ داراً بعيدة، أوْ مكاناً بعيداً" لم يصحَّ إلا بواسطة في ولا يجوز حذفها، إلا في ضرورة شعرٍ، أو مع "دخلْت" على الخلاف في "دَخلت" أهي لازمة أم متعدِّية". وفي الكلامين نظر؛ إذ الظَّرف المُبْهَم: عبارة عمَّا ليس له حُدُود تحصره، ولا أقطار تحويه، و"أرضاً" في الآية الكريمة من هذا القبيل. الثالث: أنها مفعول ثان، وذلك أن معنى: "اطْرحُوهُ" أنزلوه، و"أنزلوه" يتعدى لاثنين، قال ـ تعالى ـ: {أية : أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً}تفسير : [المؤمنين:29] وتقول: أنزلت زيداً الدَّارَ. والطَّرح: الرَّميُ، ويعبرُ به عن الاقتحام في المخاوف؛ قال عروة بن الوردِ: [الطويل] شعر : 3053ـ ومَنْ يَكُ مِثْلِي ذا عِيالٍ ومُقْتِراً مِنَ المَالِ يَطرَحْ نَفسَهُ كُلَّ مَطْرحِ تفسير : والمعنى: اطرحُوه إلى أرض تبعُد من أبيه، وقي: في أرض تأكله السِّباعُ. و"يَخْلُ لكُمْ" جوابٌ الأمر، وفيه الإظهار والإدغام، وتقدَّم تحقيقها عند قوله {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً}تفسير : [آل عمران:85]. قوله: {وَتَكُونُواْ} يجُوز أن يكُون مجزوماً نسقاً على ما قبله، أو منصوباً بإضمار "أن" بعد الواو في جواب الأمر. فصل اعلم: أنَّه لما قوي الحسد، وبلغ النِّهاية، قالوا: لا بُدَّ من تبعيد يُوسف من أبيه، وذلك لا يحصل إلا بأحد طريقين: القتل، أو التَّغريب، ثم ذكروا العلَّة فيه، وهي قوله: {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} أي: أنَّ يوسف شغله عنَّا، وصرف وجهه إليه، فإذا فقده، أقبل علينا بالميل والمحبَّة، {وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ} أي: من بعد قتل يوسف، {قَوْماً صَالِحِينَ}: أي: نتُوب بعد قتلهِ. وقيل: يصلُح شأنكم، تتفرغوا لإصلاح شأن أمَّهاتكُم، واختلفُوا في قائل هذا القول. فقيل: شَاورُوا أجْنَبياً؛ فأشار عليهم بقتله، ولم يقُل ذلك أحدٌ من إخوته. وقيل: القائل بعض إخوته، واختلفوا فيه. فقال وهب: شمعون، وقال كعب: دان، وقال مقاتل: رُوبيل. فإن قيل: كيف يليق هذا بهم، وهم أنبياء؟ فأجاب بعضهم: بأنَّهم كانوا في هذا الوقت مراهقين لم يبلُغوا، وهذا ضعيفٌ؛ فإنه يبعد في مثل يعقُوب أن يبعث جماعة من الصِّبيان من غير أن يكون معهم قائمٌ عاقلٌ يمنعهم من القبائح. وأيضا: فإنَّهُم قالوا: {وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ} وهذا يدلُّ على أنَّهُم قبل النبوَّة لا يكونوا صالحين، وذلك يُنَافِي كونهم من الصِّبيان، وأيضاً: قولهم: {أية : يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ}تفسير : [يوسف:97] والصغير لا ذنب له. فأجاب بعضهم: بأنَّ هذا من باب الصَّغائر، وهذا أيضاً ضعيفٌ؛ لأن إيذاء الأبِ الذي هو نبيٌّ معصوم، والكيد معهُ، والسعي في إهلاك الأخ الصَّغير، فكل واحدٍ من ذلك من أمَّهات الكبائر، بل الجواب الصحيح: أنَّهم ما كانُوا أنبياء، وإن كانوا أنبياء، إلا أن هذه الواقعة أقدموا عليها قبل النبوة. ثم إنَّ قائلاً منهم قال: {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ}. قيل: إنه رُوبيل، وكان ابن خالة يُوسُف، وكان أحسنُهم رأياً فيه؛ فمنعهم من قتله. وقيل: يهُوذا، وكان أقدمهم في الرَّأي والفضلِ، والسِّنِّ، وهو الصحيح. قوله: "فِي غَيابَةِ" قرأ نافع: "غَيابَات" بالجمع في الحرفين من هذه السُّورة، جعل ذلك المكان أجزاء، وسمَّى لك جزءٍ غيابة؛ لأن للجُبِّ أقطاراً ونواحِي، فيكون فيها غيابات، والباقون: بالإفراد؛ لأن المقصُود: موضع واحد من الجُبِّ يغيب فيه يوسف، وابن هُرْمز كنافع، إلا أنَّه شدَّد الياء، والأظهر في هذه القراءة: أن يكُون سُمِّي باسم الفاعل الذي للمبالغة، فهو وصف في الأصل، وألحقه الفارسي بالاسم الجائي على فعَّال، نحو ما ذكره سيبويه من الفيَّاد قال ابن جني: "ووجدت من ذلك: الفخَّار: للخَزَف". وقال صاحب اللَّوامح: "يجوز أن يكو على "فعَّالات" كحمَّامات، ويجوز أن يكون على "فيْعَالات"، كشَيْطَانَات، جمع شَيْطَانَه، وكلٌّ للمبالغة". وقرأ الحسن: "في غَيَبةِ" بفتح الياء، وفيه احتمالان: أحدهما: أن يكون في الأصل مصدراً؛ كالغلبة. والثاني: أن يكون جمع غائب، نحو: صَانِع وصنَعَة. قال أبو حيَّان: "وفي حرف أبيٍّ: "في غيْبَةِ" بسكون الياء، وهي ظلمة الرَّكيَّة". قال شهاب الدين: "والضبط أمر حادثٌ، فكيف يعرفُ ذلك من المصحف، وتقدَّم نحو ذلك، والغيابة، قال الهروي: شبه لجف أو طاقٍ في البئر فُويْق الماء يغيب ما فيه عن العُيُون". وقال الكلبيُّ: "الغيابة تكون في قَعْر الجُبِّ؛ لأَنَّ أسفله واسعٌ، ورأسه ضيِّق، فلا يكاد النَّاظر يرى ما في جوانبه". وقال الزمخشري: "هي غورة، وما غب منه عن عين النَّاظر، وأظلم من أسفله". قال المنخل: [الطويل] شعر : 3054ـ فإنْ أنَا يَوْماً غَيَّبَتْنِي غَيَابَتِي فَسِيرُوا بسَيرِي في العَشِيرةِ والأهْلِ تفسير : أراد: غيابة حُفرته التي يدفن فيها، والجبُّ: البئر الذي لم تُطْوَ، وسمِّي بذلك: إما لكونه مَحْفُوراً في جبُوب الأرض، أي: ما غلظ منها؛ وإما لأنه قطعَ في الأرضِ والجبُّ: القطعُ، ومنه: الجبُّ في الذَّكر؛ قال الأعشى: [الطويل] شعر : 3055ـ لَئِنْ كُنْتَ في جُبِّ ثَمانِينَ قَامَةً ورُقِّيتَ أسْبَابَ السَّماءِ بسُلَّمِ تفسير : ويجمع على جُنُبٍ، وجِبَاب، وأجْبَاب. فصل والألف واللام في "الجُبِّ" تقتضي المعهُود السَّابق، واختلفوا فيه: فقال قتادة: هو جُبُّ بئر بيت المقدِس، وقيل: بأرض الأرْدُن. وقال مقاتل: هو على ثلاثة فراسِخ من منْزِل يعقُوب، وإنَّما عيَّنوا ذلك الجُبَّ؛ للعلَّة التي ذكروها، وهي قولهم: "يَلتَقطهُ بَعْضُ السَّيارةِ" لأن تلك البِئْر كانت معروفة يَردُونَ عليها كثيراً، وكانوا يعلمُون أنَّه إذا طُرِحَ فيها، كان إلى السَّلامة أقْرَب؛ لأن السيارة إذا ورَدُوهَا، شاهدوا ذلك الإنسان فيه، فيخرجوه، ويذهبوا به فكان إلقاؤه فيها أبعد عن الهلاك. قوله "يَلتَقِطْهُ" قرأ العامَّة: "يَلْتَقِطْهُ" بالياء من تحت، وهو الأصلُ وقرأ الحسن، ومجاهد، وأبو رجاء، وقتادة: بالتَّاء من فوق؛ للتَّأنيثِ المعنويِّ، والإضافة إلى مؤنَّث، وقالوا: قُطِعَت بعضُ أصَابعه. قال الشَّاعر: [الوافر] شعر : 3056ـ إذَا بَعْضُ السِّنينَ تَعرَّقَتْنَا كَفَى الأيْتامَ فقدَ أبِي اليَتِيمِ تفسير : وتقدَّم الكلام بأوسع من هذا في الأنعام والأعراف [الأنعام:160 ـ الأعراف:56]. والإلتِقَاط: تناول الشيء المطروح، ومنه: اللُّقطَة واللَّقِيط؛ قال الشاعر: [الرجز] شعر : 3057ـ ومَنْهَلٍ ورَدْتهُ التِقَاطَا .......................... تفسير : قال ابن عرفة: الالتقاط وجود الشيء على غير طلب، ومنه قوله تعالى {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ} أي: يجده من غير أن يحتسب. فصل اختلفوا في الملقوط فقيل: إن أصله الحرية؛ لغلبة الأحرار على العبيد، وروي الحسين بن علي رضي الله عنهما قضى بأن اللقيط حُرٌّ، وتلا قوله تعالى: {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ}تفسير : [يوسف:20] وهذا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويروى عن علي وجماعته، وقال إبراهيم النخعي: إن نوى رقه فهو مملوك، وإن نوى الاحتساب فهو حر. فصل والسيَّارة: جمع سيَّار، وهو مثال مبالغة، وهُمُ الجماعة الذين يسيرون في الطريق للسَّفَر، وقال ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ: يريد: المارَّة، ومفعول "فَاعِلينَ" محذُوف، أي: فاعلين ما يحصل به غرضكم. وهذا إشارة إلى أن الأولى: أن لا تفعلوا شيئاً من ذلك، وأما إن كان ولا بد، فاقتصروا على هذا القدر، ونظيره قوله ـ تعالى ـ: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}تفسير : [النحل:126] يعني: الأولى ألاَّ تفعلوا ذلك. قوله تعالى: {قَالُواْ يَـأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ} الآية. "تَأمَنَّا" حال وتقدَّم نظيره، وقرأ العامَّة: تأمنَّا بالإخفاء، وهو عبارة عن تضعيف الصَّوت بالحركة، والفصل بين النُّونين؛ لا لأن النون تسكن رأساً؛ فيكون ذلك إخفاءً، لا إدغاماً. قال الدَّاني: "وهو قول عامَّة أئِمَّتنا، وهو الصواب؛ لتأكيد دلالته وصحَّته في القياس". وقرأ بعضهم ذلك: بالإشمام وهو عبارة عن ضمِّ الشفتين، إشارة إلى حركة الفعل مع الإدغام الصَّريح، كما يشير إليها الواقف، وفيه عسر كثير، قالوا: وتكون الإشارة إلى الضمة بعد الإدغام، أو قبل كماله، والإشمام يقع بإزاء معانٍ هذا من جملتها. ومنها: [إشراب] الكسرة شيئاً من الضمِّ [نحو قيل، {أية : وَغِيضَ}تفسير : [هود:44] وبابه، وقد تقدم في أول البقرة]. ومنها إشمام أحد الحرفين شيئاً من الآخر؛ كإشمام الصاد زاياً في {أية : ٱلصّرَاطَ}تفسير : [الفاتحة:6]، {أية : وَمَنْ أَصْدَقُ}تفسير : [النساء:87، 122] وبابهما، وقد تقدم في الفاتحة، والنساء، فهذا خلط حرف بحرف، كما أن ماقبلهُ خلطُ حركة بحركةٍ. ومنها: الإشارة إلى الضَّمَّة في الوقف خاصَّة، وإنما يراه البصير دُون الأعمى، وقرأ أبو جعفر: الإدغام الصَّريح من غير إشمام، وقرأ الحسن ذلك: بالإظهار مبالغة في بيان إعراب الفعل. وللمحافظة على حركة الإعراب، اتَّفق الجمهُور على الإخفاء، أو الإشمام، كما تقدَّم تحقيقه. وقرأ ابن هرمز: "لا تَأمُنَّا" بضم الميم، نقل حركة النُّون الأولى عند إرادة إدغامها، بعد سلب الميم حركتها، وخط المصحف بنون واحدة، ففي قراءة الحسن مخالفة لها. وقرأ أبو رزين، وابن وثَّابٍ: "لا تِيْمَنَّا" بكسر حرف المضارعة، إلا أنَّ ابن وثَّاب سهَّل الهمزة. قال أبو حيَّان: "ومجيئُه بعد "مَا لَكَ" والمعنى: يرشد إلى أنَّه نفيٌ لا نهي، وليس كقولهم: "ما أحْسَنَّا" في التعجُّب؛ لأنه لو أدغم، لالتبس التَّعجب بالنَّفْي". قال شهاب الدِّين: وما أبْعَد هذا عن توهُّم النَّهي، حتى ينُصَّ عليه بقوله: "لالتبس بالنَّفْي الصحيح". فصل هذا الكلام يدلُّ على أن يعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان يخافُهم على يُوسف، ولولا ذلك، لما قالوا هذا القول. واعلم: أنَّهم لما أحكمُوا العزم، أظهروا عند أبيهم أنَّهم في غاية المحبَّة ليوسُف، ونهاية الشفقة عليه، كانت عادتهم أن يغيبُوا عنه مُدَّة إلى الرَّعي، فسألوه إرساله معهم، وكان يعقُوب ـ عليه والسلام ـ يحب تطييب قلب يوسف، فاغترَّ بقولهم، وأرسلهُ معهم حين قالوا له: {وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} والنُّصْح هنا: القيام بالمصلحة. وقيل: البرُّ والعطف، أي: عَاطِفُون عليه قَائِمُون بمصلحته، نحفظه حتَّى نردهُ إليك. قيل للحسن: أيَحْسُد المُؤمن؟ قال: ما أنْسَاك ببَنِي يعقوب، ولهذا قيل: الأب جلاَّبٌ، والأخ سَلاَّب، وعند ذلك أجمعوا على التَّفريق بينه وبين ولده بضرب من الاحتيال، وقالوا ليعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ {مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ}. وقيل: لما تفاوضوا وافترقوا على رأي المتكلِّم الثاني، عادوا إلى يعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ وقالوا هذا القول، إذ فيه دليلٌ على أنَّهُم سألوه قبل ذلك أن يخرج معهم يوسف، فأبى. قوله: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} في: "يرْتَعْ ويَلعَبْ" أربع عشرة قراءة: أحدها: قراءة نافع: بالياء من تحت، وكسر العين. الثانية: قراءة البزِّي، عن ابن كثيرٍ: "نَرْتَعِ ونلعب" بالنُّون وكسر العين. الثالثة: قراءة قنبل، وقد اختلف عليه، فنقل عنه ثُبُوت الياء بعد العين وصلاً ووقفاً، وحذفها وصلاً ووقفاً، فيوافق البزِّي في أحد الوجهين عنه، فعنه قراءتان. الخامسة: قراءة أبي عمرو، وابن عامر: "نَرتَعْ ونَلعَبْ" بالنُّون، وسكون العين، والباء. السادسة: قراءة الكوفيين: "يَرْتَعْ ويَلعبْ" بالياء من تحت وسكون العين والباءِ. وقرأ جعفر بن محمد: "نَرْتَعْ" بالنُّون، "ويَلْعَبْ" بالياء، ورُويت عن ابن كثيرٍ. وقرأ العلاء بن سيابة: "يَرْتَعِ ويَلْعَبُ" بالياء فيهما، وكسر العين وضمِّ الباء. وقرأ أبو رجاء كذلك، إلا أنَّه بالياء من تحت فيهما. والنخعي ويعقوب: "نَرْتَع" بالنون، "ويَلْعَب" بالياء. وقرأ مجاهدٌ، وقتادةُ، وابن محيصِن: "يَرْتَعْ ويَلْعَب" بالياء، والفعلان في هذه القراءات كلها مبنيان للفاعل. وقرأ زيد بن علي: "يُرْتَع ويُلْعَب" بالياء من تحت فيهما مبنيين للمعفول. وقرىء: "نَرْتَعِي ونَلْعَبُ" بثبوت الياء، ورفع الباء. وقرأ ابن أبي عبلة: "نَرْعَى ونَلْعَب". فهذه أربع عشرة قراءة منها ستٌّ في السَّبع المتواتر وثمان في الشواذٍّ. فمن قرأ بالنُّون، فقد أسند الفعل إلى إخوة يوسف. سُئل أبو عمرو بن العلاء: كيف قالوا: نلعب وهم أنبياء؟ قال: كان ذلك قبل أن يُنَبِّئهُم الله ـ عزَّ وجلَّ ـ. قال ابن الأعرابي: الرَّتْع: الأكل بشدة، وقيل: إنه الخَصْبُ. وقيل: المراد من اللَّعب: الإقدام على المُباحات، وهذا يوصف به الإنسان، كما حديث : رُوِي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لجابرـ: "هَلاَّ بِكْراً تُلاعِبُهَا وتُلاعِبُك" . تفسير : وقيل: كان لعبهم الاستباق، والغرض منه: تعليم المحاربة، والمقاتلة مع الكُفَّار، ويدلُّ عليه قولهم: "إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتبِقُ" وإنما سمَّوه لعباً؛ لأنه في صُورة اللَّعِب. وأما من قرأ بالياءِ، فقد أسند الفعل إليه دونهم، فالمعنى: أنه يبصر رَعْي الإبلِ؛ لتيدرَّب بذلك، فمرَّة يرتع، ومرَّة يلعب؛ كفعل الصِّبيان. ومن كسر العين، اعتقد أنه جزم بحذف حرف العلَّة، وجعلهُ مأخُوذاً من يفتعِل من الرَّعي؛ كيَرْتَمِي من الرَّمْي، ومن سكن العين، اعتقد أنه جزم بحذف الحركة، وجعلهُ مأخوذاً من: رَتَعَ يَرْتَعُ، إذا اتَّسع في الخِصْب قال: شعر : 3058ـ.................... وإذَا يَحْلُولَهُ الحِمَى رَتَعْ تفسير : ومن سكَّن الباء جعلهُ مَجزُوماً، ومن رفعها، جعله مرفوعاً على الاستئناف، أي: وهو يلعبُ، ومن غاير بين الفعلين، فقرأ بالياء من تحت في "يَلْعَب" دون "نَرْتَع"؛ فلأن اللَّعب مُناسبٌ للصِّغار، ونَرْتَع: افتعال من: رَعيْت، يقال: رَعَى الماشيةُ الكَلأ، ترعاها رَعْياً، إذا أكلته فالارتعاء للمواشِي، وأضافوه إلى أنفسهم؛ لأنه السَّبب، والمعنى: نرتع إبلنا، فنسبُوا الارتعاء والقيام بحفظ المال إلى أنفسهم؛ لأنهم بالغون. ومن قرأ: "نُرْتع" رُباعياً، جعل مفعُوله محذوفاً، أي: يَرْعى مَواشينا، ومن بناها للمفعول، فالوجه: أنه أضمر المفعُول الذي لم يُسمَّ فاعله، وهو ضمير الغدِ، والأصل: نُرْتَع فيه، ونُلعَبُ فيه، ثم اتسع فيه؛ فحذف حرف الجرِّ، فتعدى إليه الفعل بنفسه، فصار نُرْتعه ونَلْعَبُه، فلما بناهُ للمفعول، قام الضمير المنصُوب مقام فاعله، فانقلب مرفوعاً فاستتر في رافعه، فهو في الاتِّساع كقوله: [الطويل] شعر : 3059ـ ويَوْمٍ شَهِدْنَاهُ سَلِيماً وعَامِراً ..................... تفسير : ومن رفع الفعلين، جعلهما حالين، وتكون مقدَّرة، وأمَّا إثبات الياء في "نَرْتَعي" مع جزم "يَلْعَب" وهي قراءة قنبل، فقد تجرَّأ بعضُ النَّاس وردَّها. وقال ابن عطيَّة: هي قراءة ضعيفةٌ لا تجوز إلا في الشِّعْر، وقيل: هي لغة من يجز بالحركة المقدَّرة، وأنشد: شعر : 3060ـ ألَمْ يَأتِيكَ والأنْبَاءُ تَنْمِي ...................... تفسير : وقد تقدَّمت هذه المسألة. و"نَرْتَع" يحتمل أن يكون وزنه: نَفْتَعِل من الرَّعْي وهي أكلُ المرعى؛ كما تقدَّم، ويكون على حذف مضاف، أي: نرتع مواشينا، أو من المراعاة للشيء؛ قال: [الخفيف] شعر : 3061ـ تَرْتعِي السَّفحَ فالكَثِيبَ فَذا قَا رِ فَروضَ القَطَا فَذاتَ الرِّئالِ تفسير : ويحتمل أن يكون وزنه "نَفْعَل" من رَتَعَ يَرْتَع: إذا أقام في خصب وسعة، ومنهُ قول الغضبان بن القبعثرى: "القَيْدُ والرَّتعة وقِلَّة المَنعَة"؛ وقال الشاعر: [الوافر] شعر : 3062ـ أكُفْراً بَعْدَ ردِّ المَوْتِ عَنِّي وبَعدَ عَطائِكَ المِائة الرِّتاعَا تفسير : قوله: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}: جملة حالية، والعاملُ فيها أحد شيئين: إمَّا الأمر، وإمَّا جوابه. فإن قيل: هل يجوز أن تكون المسألة من الإعمال؛ لأن كلاًّ من العاملين يصح تسلُّطه على الحال؟. فالجواب: لا يجُوز ذلك؛ لأنَّ الإعمال يستلزم الإضمار، والحالُ لا تضمر؛ لأنَّها لا تكون إلا نكرةً، أو مؤولةً بها. قوله: {أَن تَذْهَبُواْ بِهِ} فاعل: "يَحْزُنُنِي"، أي: يَحْزُننِي ذهابُكم، وفي هذه الآية دلالة على أنَّ المضارع المقترن بلام الابتداء لا يكون حالاً، والنُّحاة جعلوها من القرائن المخصصة للحال، ووجه الدلالة: أنَّ "أن تذْهَبُوا" مستقبل؛ لاقترانه بحرف الاستقبال، وهي وما في حيِّزها فاعل، فلو جعلنا "ليَحْزُنُنِي" حالاً، لزم سبق الفعل لفاعله، وهو مُحل وأجيبَ عن ذلك بأنَّ الفاعل في الحَقيقَة مقدَّر، حذف هو وقام المضاف إليه مقامه، والتقدير: ليَحْزُوننِي توقع ذهابكم، وقرأ زيد بن علي وابن هرمز، وابن محيصن: "ليَحْزُنِّي" بالإدغام. وقرأ زيد بن علي: "تُذْهِبُوا بِهِ" بضم التَّاء من "أذْهَبَ" وهو كقوله: {تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} [المؤمنون:20] في قراءة من ضمَّ التَّاء، فتكون التاء زائدة أو حالية. والذئبُ يُهْمز ولا يُهْمزُ، وبعدم الهمز قرأ السُّوسيُّ، والكسائيُّ، وورش، وفي الوقف لا يهمزه حمزة، قالوا وهو مشتقٌّ من: تَذاءَبتِ الرِّيحُ إذَا هَبَّت من كُلِّ جهةٍ؛ لأنه يأتي كذلك، ويجمع على ذائب، وذُؤبان، وأذْؤب؛ قال: [الطويل] شعر : 3063ـ وأزْوَرَ يَمْشِي في بلادٍ بَعيدَةٍ تَعَاوَى بِهِ ذُؤبَانُهُ وثَعالِبُهْ تفسير : وأرضٌ مذْأبة: كثيرة الذِّئاب، وذُؤابةٌ الشَّعر؛ لتحرُّكها، وتقلبها من ذلك. وقوله: {وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ}: جملة حاليَّة، العامل فيها: "يَأكلهُ". فصل لما طلبوا منه إرسال يوسف عليه السلام معهم اعتذر إليهم بشيئين: أحدهما: ليُبَيِّن لهم أنَّ ذهابهم به مما يُحْزنُه؛ لأنه كان لا يصبر عنه ساعةً. والثاني: خَوْفه عليه من الذِّئب إذا غفلوا عنه برعيهم، أو لعبهم أو لقلة اهتامهم به. فقيل: إنه رأى في النَّوم أن الذِّئب شدَّ على يوسف فكان يحذره، فلأجل هذا ذكر ذلك. وقيل: إن الذِّئاب كانت كثيرة في أرضهم، فلما قال بعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ هذا الكلام، أجابوه بقولهم: {لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ} وفائدة اللام في "لَئِنْ" من وجهين: أحدهما: أن كلمة "إنْ" تفيد كون الشَّرط مستلزماً للجزاء، أي: إن وقعت هذه الواقعة، فنحن خاسرون، فهذه اللام دخلت؛ لتأكيد هذا الاستلزام. والثاني: قال الزمخشري ـ رحمه الله ـ "هذه اللام تدلُّ على إضمار القسم، [تقديره:] والله لئن أكلهُ الذئب، لكنَّا خاسرين". والواوُ في: "ونَحْنُ عُصْبَةٌ" واو الحال؛ فتكون الجملة من قوله: "وَنحْنُ عُصْبةٌ": جملة حاليَّة. وقيل: معترضة، و {إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ} جواب القسم، و"إذاً": حرف جواب، وحذف جوابُ الشرط، وقد تقدَّم الكلام فيه مشبعاً. فصل ونقل أبو البقاء: أنه قرىء "عُصْبَةً" بالنصب، وقدر ما تقدم في الآية الأولى. في المراد بقولهم: {إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ} وجوه: الأول: [عاجزون] ضعفاء، نظيره قوله ـ تعالى ـ: {أية : وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ}تفسير : [المؤمنون:34] أي: لعاجزون. الثاني: أنهم يكونون مستحقِّين لأن يدعى عليهم بالخسارة والدَّمار، وأن يقال: أخسرهُم الله، ودمَّرهُم حين أكل الذِّئب أخاهُم وهم حاضرون عُصبةٌ: عشرةٌ تعصب بهم الأمُور، تكفي الخطوب بمثلهم. الثالث: إذا لم نقدر على حفظ أخينا، فقد هلكت مواشينا، وخسرنا. الرابع: أنَّهم كانوا قد أتعبوا أنفسهم في خدمة أبيهم، واجتهدوا في القيام بمهمَّاته، ليفوزوا منه بالدعاء والثناء، فقالوا: لو قصَّرنا في هذه الخدمة، فقد أحبطنا كل تلك الأعمال، وخسرنا كل ما صدر منَّا من أنواع الخدمة. فإن قيل: إنَّ يعقُوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ اعتذر بعذرين: شدة حبِّه، وأكل الذئب له، فلم أجابُوا عن أحدهما دون الآخر؟ فالجواب: أن حقدهم، وغيظهم كان بسبب المحبَّة، فتغافلوا عنه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله {لقد كان في يوسف وإخوته آيات} قال عبرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين} يقول: من سأل عن ذلك، فهو كذا ما قص الله عليكم وأنبأكم به. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين} قال: من كان سائلاً عن يوسف وإخوته، فهذا نبؤهم. وأخرج ابن جرير عن ابن إسحق رضي الله عنه قال: إنما قص الله على محمد صلى الله عليه وسلم خبر يوسف وبغي إخوته عليه، وحسدهم إياه، حين ذكر رؤياه. لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بغي قومه عليه وحسدهم إياه، وحين أكرمه الله بنبوّته ليتأسى به.

ابو السعود

تفسير : {لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ} أي في قصتهم والمرادُ بهم هٰهنا إما جميعُهم ـ فإن لبنيامينَ أيضاً حصةً من القصة ـ أو بنو عَلاّته المعدودون فيما سلف إذ عليهم يدور رحاها {ءايَـٰتٌ} علاماتٌ عظيمةُ الشأنِ دالةٌ على قدرة الله تعالى القاهرة {لّلسَّائِلِينَ} لكل من سأل عن قصتهم وعرفها أو الطالبـين للآيات المعتبرين بها فإنهم الواقفون عليها والمنتفعون بها دون مَنْ عداهم ممن اندرج تحت قوله تعالى: {أية : وَكَأَيّن مِن ءايَةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ }تفسير : [يوسف: 105] فالمرادُ بالقصة نفسُ المقصوص أو على نبوته عليه السلام لمن سأله من المشركين أو اليهود عن قصتهم فأخبرهم بذلك على ما هي عليه من غير سماعٍ من أحد ولا ممارسةِ شيء من الكتب فالمرادُ بها اقتصاصُها، وجمعُ الآيات حينئذ للإشعار بأن اقتصاصَ كلِّ طائفةٍ من القصة آيةٌ بـينةٌ كافيةٌ في الدلالة على نبوته عليه السلام على نحو ما ذكر في قوله تعالى: {أية : مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [البقرة: 125] على تقدير كونِه عطفَ بـيان لقوله تعالى: {آيَات بَيّنَات} لا لما قيل من أنه لتعدد جهةِ الإعجاز لفظاً ومعنى، وقرأ ابن كثير آيةٌ وفي بعض المصاحف عبرةٌ وقيل: إنما قص الله تعالى على النبـي صلى الله عليه وسلم خبرَ يوسفَ وبغْيَ إخوتِه عليه لِما رأى من بغْي قومه عليه ليتأسّى به {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ} أي شقيقُه بنيامينُ وإنما لم يذكَرْ باسمه تلويحاً بأن مدار المحبةِ أُخوّتُه ليوسف من الطرفين، ألا يُرى إلى أنهم كيف اكتفَوا بإخراج يوسفَ من البـين من غير تعرُّضٍ له حيث قالوا: اقتلوا يوسف {أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا} وحّد الخبر مع تعدد المبتدأ لأن أفعل من كذا لا يفرّق فيه بـين الواحدِ وما فوقه، ولا بـين المذكر والمؤنث، نعم إذا عُرّف وجب الفرقُ وإذا أضيف جاز الأمران، وفائدةُ لام الابتداءِ في يوسف تحقيقُ مضمونِ الجملة وتأكيدُه {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي والحالُ أنا جماعةٌ قادرون على الحل والعقد أحقاءُ بالمحبة، والعُصبة والعِصابة العشَرةُ من الرجال فصاعداً سُمّوا بذلك لأن الأمورَ تُعصَب بهم {إِنَّ أَبَانَا} في ترجيحهما علينا في المحبة مع فضلنا عليهما وكونهما بمعزل من كفاية الأمورِ بالصِّغر والقلة {لَفِى ضَلَـٰلٍ} أي ذهب عن طريق التعديلِ اللائقِ وتنزيلِ كلَ منا منزلتَه {مُّبِينٍ} ظاهرِ الحال. روي أنه كان أحبَّ إليه لما يرى فيه من مخايل الخيرِ وكان إخوتُه يحسُدونه فلما رأى الرؤيا ضاعف له المحبة بحيث لم يصبِر عنه فتضاعف حسدُهم حتى حملهم على مباشرة ما قُص عنهم.

القشيري

تفسير : يعني لكلِّ ذي مِحنة حتى يعلم كيف يصبر، ولكلِّ ذي نعمة حتى يعلم كيف يشكر. ويقال في قصتهم كيفية العفو عن الزَلَّة، وكيفية الخَجْلَةِ لأهل الجفاءِ عند اللقاء. ويقال في قصتهم دلالاتُ لطفِ الله سبحانه بأوليائه بالعصمة، وآياتٌ على أنَّ المحبة (....) من المحنة. ويقال فيها آياتٌ على أَنَّ من صَدَقَ في رجائه يُخْتَصُّ - يوماً - ببلائه.

اسماعيل حقي

تفسير : {لقد كان فى يوسف واخوته} اى بالله قد كان فى قصة يوسف وحكاية اخوته الاحد عشر {آيات} علامة عظيمة الشأن دالة على قدرة الله القاهر وحكمته الباهرة {للسائلين} لكل من سأل عن قصتهم وعرفها فان كبار اولاد يعقوب بعدما اتفقوا على اذلال اصغر اولاده يوسف وفعلوا به ما فعلوا قد اصطفاه الله للنبوة والملك وجعلهم خاضعين له منقادين لحكمه وان وبال حسدهم له قد انقلب عليهم وهذا من اجل الدلائل على قدرة الله القاهرة وحكمته الباهرة وفى التفسير الفارسى [آورد اندكه جون يوسف خواب مذكوررا بايدر تقرير كرد ويعقوب بكتمان آن وصيت فرمود وباجتباء واتمام نعمت او مرده داد بعض اززنان برادران اوشنودند ونمارشام كه ايشان بخانه باز آمدند صورت حال را بازنموند ايشانرا عرق حسد درحركت آمد بتدبير مهم مشغول شدند وقال يهودا وروبيل وشمعون ما رضى ان يسجد له اخوته حتى يسجد له ابواه فدبروا لاخراجه من البين كما حكى الله عنهم بقوله

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (يوسف): عجمي، وفي سينه ثلاث لغات: الضم ـ وهو الأشهر ـ والفتح، والكسر. يقول الحق جل جلاله: {لقد كان في يوسف وإخوته} أي: في قصصهم {آيات}؛ دلائل قدرة الله وحكمته، وعلامة نبوتك حيث أخبرتَ بها من غير تعلم. ففي ذلك آيات {للسائلين} أي: لمن سأل عن قصتهم. والمراد بإخوته: علاته العشرة، والعلات: أبناء أمهات لأب واحد، فكانوا إخوته لأبيه، وهم: يهوذا، ورَوْبيل، وشمعون، ولاوي، وريالون، ويشجر، ودينة من بنت خالته ليّا، تزوجها يعقوب أولاً، فلما توفيت تزوج راحيل، فولدت له بنيامين، ويوسف. وقيل: جمع بينهما، ولم يكن الجمع حينئذٍ محرماً. وأربعة آخرون من سُريتَيْن، وهم: دان، وتفثالى، وجاد، وآشر. {إذ قالوا ليُوسفُ وأخوه} بنيامين، وخُص بالإضافة؛ لأنه شقيقه، {أحبُّ إلى أبينا منا ونحنُ عصبةٌ} أي: والحال أنا جماعة أقوياء، فنحن أحق بالمحبة؛ لأنهما لا كفاءة فيهما. والعصبة: العشرة ففوق: {إن أبانا لفي ضلالٍ}؛ خطأ {مبين}؛ ظاهر؛ لتفضيل المفضول. رُوي أنه كان أحب إليه؛ لما كان يرى فيه من مخايل الخير، وكان إخوته يحسدونه، فلما رأى الرؤيا ضاعف له المحبة، بحيث لم يصبر عنه، فتناهى حسدهم حتى حملهم على التعرض لقتله. وهكذا شأن الحسد يبلغ بصاحبه امراً عظيماً. الإشارة: كان يعقوب عليه السلام لا يفارق يوسف ليلاً ولا نهاراً. وهكذا شأن المحبين. وأنشدوا: شعر : وَلِي كَبِدٌ يَسرِي إِليهِم سَلاَمه بَجَمر تَلَظَّى، والفؤادُ ضِرامُه وأجفَانُ عَين لا تَمَل من البُكَا وصَبٌّ تَشَكِّى للحبيب غَرَامُه فأنتُم سُروري، أنتُم غَايةُ المنى وقَلبي إِليكم والغرامُ زِمامُه فَوَالله ما أَحبَبتُ ما عِشتُ غَيرَكم لأن اشتياقي لا يحل اكتتامه. هـ. تفسير : قال الجنيد رضي الله عنه: رأيت غلاماً حسن الوجه يعنف كهلاً حسناً، فقلت: يا غلام، لِمَ تفعل هذا؟ قال: لأنه يدعي أنه يهواني، ومنذ ثلاث ما رآني، قال: فوقعت مغشياً علي، فلما أفقتُ ما قدرت على النهوض، فقيل لي في ذلك، فقلت: ينبغي للمحب ألا يفارق باب محبوبه على أي حال. وأنشدوا: شعر : لاَزم البابَ إن عَشِقتَ الجَمَالا واهجُر النَّوم إنْ أردت الوِصَالا واجعل الروحَ منك أَوَّل نَقدٍ لحبيبٍ أَنوارُه تَتَلالا تفسير : قلت: فالحبيب غيور؛ لا يحب أن يرى في قلب حبيبه غيره. فإذا رأى فيه شيئاً أخرجه منه، وفرق بينه وبينه؛ غيرةً منه واعتناء به، وهو السر في افتراق يوسف من أبيه. والله تعالى أعلم. ثم تعرضوا ليوسف، فقالوا: {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وحده {آية للسائلين} على التوحيد الباقون {آيات} على الجمع. قال أبو علي النحوي من أفرد جعل شأنه كله آية. ويقوي ذلك قوله {أية : وجعلنا ابن مريم وأمه آية}تفسير : فأفرد، وكل واحد منهما على انفراده يجوز أن يقال آية، فافرد مع ذلك، ومن جمع جعل كل واحد من احواله آية، ومن جمع على ذلك على أن المفرد المنكر في الايجاب يقع دالا على الكثرة كما يكون ذلك في غير الايجاب قال الشاعر: شعر : فقتلا بتقتيل وضرباً بضربكم جزاء العطاش لا ينام من الثار تفسير : اللام في قوله {لقد} هي اللام التي يتلقى بها القسم. أقسم الله تعالى في هذه الآية أنه كان في يوسف وفي اخوته آيات. والآية الدلالة على ما كان من الامور العظيمة. والآية والعلامة والعبرة نظائر في اللغة. وقال الرمّاني: الفرق بين الآية والحجة: أن الحجة معتمد البينة التي توجب الثقة بصحة المعنى. والآية تكشف عن المعنى الذي فيه أعجوبة. ووجه الآية في يوسف واخوته أنهم نالوه للحسد بالأذى مع أنهم أولاد الانبياء: يعقوب واسحاق وابراهيم، فصفح وعفا، وأحسن ورجع الى الأَولى، وكان ذلك خروجا عن العادات. وقال الزجاج: معناه بصيرة للذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فانبأهم بقصة يوسف - وهو صلى الله عليه وسلم لم يقرأ كتاباً، ولم يعلمه إلا من جهة الوحي - جوابا لهم حين سألوه. وفي يوسف لغتان ضم السين وكسرها، وكذلك يونس بضم النون، وكسرها، والقراء على الضم فيهما، وحكى قطرب فتح النون في يونس وهي شاذة.

الجنابذي

تفسير : {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ} اى فى قصّتهم {آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ} اى السّائلين عن قصّتهم كما قيل: انّ رؤساء المشركين سألوا محمّداً (ص) بتلقين اليهود عن قصّتهم، او الصّحابة سألوا عنه سورة مشتملة على الحكايات خاليةً عن الامر والنّهى، او اليهود جاؤا ليسالوا قصّة يوسف (ع) عنه فرأوه يقرؤها كما وجدوها فى كتبهم. اقول: نزول الآية ان كانت فيمن ذكر فالحقّ انّ السّؤال اعمّ من السّؤال بلسان القال والحال والاستعداد، وان كلّ طالب للآخرة ولما يعتبر به فى جهة الآخرة سائل عنها، وفى تعليق الحكم على الوصف اشعار بانّ غير السّائل محروم عن ادراك آيات تلك القصّة وعبرها، فانّ غير السّائل لا يسمع من تلك القصّة غير ما يسمع من الاسمار والتذاذه بها مثل التذاذه بالاسمار سواء لم يكن سائلاً بلسان القال او كان سائلا بلسان القال دون لسان الحال كما قال: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}، وفى تلك القصّة آيات عديدة للطّالب المستيقظ دالّة على علمه وحكمته وقدرته وربوبيّته وتصريفه للاشياء على ما يشاء، وعدم انجاء الحذر من القدر، وعدم الانتفاء بالتّدبير فيما يريد غيره، وعدم الاضرار بمكر الماكرين، وسببيّة حسد الحاسدين لدرجات شرف المحسودين وانتشار فضلهم، وعلى فضل العفة وحسن عاقبتها، وانّ الانسان ينبغى ان يكون عفيفاً ولو مع خوف التّلف ووخامة البغى وابتلاء الباغى بالالتجاء بنفسه او بعقبته الى المظلوم وترك الكذب ولو توريةً، وابتلاء الكاذب بمثل كذبه ممّن كذّب له او من غيره ومكافاة العمل فى الدّنيا وان كان من الانبياء (ع) على سبيل ترك الاولى وغير ذلك من الآيات المندرجة فى تلك القصّة.

اطفيش

تفسير : {لَقدْ كانَ فى يُوسفَ} أى فى قصة يوسف {وإخْوتِه آياتٌ} عبرا ودلائل على قدرة الله وحكمته، أو علامات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إذا أخبرهم بقصة يوسف وإخوته على طبق ما فى التوراة، مع أنه لا يقرأ ولم يجالس العلماء، وقرأ ابن كثير آية بالإفرلاد، وفى بعض المصاحف عبرة. قال بعض: الآيات فيهم عشر: الأولى: محبة الأباعد وعداوة الأقارب. الثانية: كلام الذئب مع يعقوب. الثالثة: حسد الأنبياء، لأنهم أنبياء. الرابعة: الوحى حال الطفولية. الخامسة: بيعه بثمن بخس. السادسة: بكاؤهم على الكذب. السابعة: كلام أمه معه من القبر. الثامنة: تخيير أهل مصر فى رؤيته. التاسعة: شراء العزيز له بما يملك. العاشرة: حضورهم بين يديه فى مصر. {للسَّائلين} عن العبر، أو عن قصة يوسف وإخوته، أو لكل من يسأل عن العبر، فان قصة يوسف مما ينغبى أن يسأل عنها كل من سمع به مجمل.

اطفيش

تفسير : {لَقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ} يهوذا، وربويل، وشمعون، ولاوى، وريالون، ويشجر، وبينامين، ودان، ويفاءَلى، وجاد، وآشر، الستة الأُولى من بنت خالة يعقوب، ليا، وبنيامين، ويوسف من أُختها راحيل، تزوجها بعد موت أُختها، أَو لم يكن الجمع بين محرمتين حراما فى شرعهم، والأَربعة الباقون من سريتين اسمهما زلفى وبلهة، ومن لم يذكر بنيامين عدهم عشرة نظر إِلى قصة الكيد إِذ لم يحضرها بنيامين، وهؤلاءِ ذكور وله بنات، وقيل فى التوراة روبيل، وشمعون بكسر الشين، ويهوذا، ولاوى. من. لايا. ويوسف وبنيامين. من راحيل، والستة الباقون من الأمتين يشجر، وريالون ودينه، ودان، وبفتالى، وجاد، والمعنى، لقد كان فى قصة يوسف وإِخوته، أَى اقتصاصها فحذف المضاف كما يدل له: {نحن نقص} إلخ والمراد بالأُخوة هنا ما أُريد به هناك، وقيل: المراد هنالك بنو العلات، وجوز أَن يراد بهم ما يشمل من كان من الأَعيان؛ لأَن لبنيامين أَيضا حصة من القصة {آيَاتٌ} دلائِل على نبوتك يا محمد، إِذا خبرت بقصتهم كما هى عندهم فى التوراة بلا نظر فى كتاب، ولا سماع من أَحد، والجمع باعتبار أَن كل أَمر من تلك الأُمور المقصوصة آية. {لِلسَّائِلِينَ} وغير السائِلين وخص السائِلين؛ لأًن المقام لجوابهم وهم اليهود كما مر، وإِن فسرنا الآيات بدلائِل قدرة الله فالسائِلون مطلق السائِل، وذلك كقوله تعالى: "أية : تقيكم الحر"تفسير : [النحل: 81] أَى والبرد، وقوله تعالى: "أية : سواءَ للسائلين"تفسير : [فصلت: 10] وقيل: المراد الناس مطلقا ترغيبا فى السؤال، وذلك أَنهم سعوا فى هلاكه فكان سعيهم سعيا فى كونه ملكا وأَنه أَصغرهم ففاقهم إِلا بنيامين بفتح الباءِ وكسرها، فأَصغر من يوسف، ولم يدخل فى كيده وأَن الرؤيا صدقت، وأَن يعقوب آل حزنه إِلى فرح.

الالوسي

تفسير : {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ} أي في قصصهم، والظاهر أن المراد بالإخوة هنا ما أريد بالإخوة فيما مر، وذهب جمع إلى أنهم هناك بنو علاته، وجوز أن يراد بهم هٰهنا ما يشمل من كان من الأعيان لأن لبنيامين أيضاً حصة من القصة، ويبعده على ما قيل: {أية : قَالُواْ}تفسير : [يوسف: 8] الآتي {ءايَـٰتُ} علامات عظيمة الشأن دالة على عظيم قدرة / الله تعالى القاهرة وحكمته الباهرة {لِّلسَّائِلِينَ} لكل من سأل عن قصتهم وعرفها أو للطالبين للآيات المعتبرين بها فإنهم الواقفون عليها المنتفعون بها دون من عداهم ممن اندرج تحت قوله تعالى: {أية : وَكَأَيّن مِن ءَايَةٍ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ }تفسير : [يوسف: 105] فالمراد بالقصة نفس المقصوص أو على نبوته عليه الصلاة والسلام الذين سألوه عن قصتهم حسبما علمت في بيان سبب النزول فأخبرهم صلى الله عليه وسلم بذلك على ما هو عليه من غير سماع من أحد ولا قراءة كتاب، فالمراد بالقصة اقتصاصها، وجمع ـ الآيات ـ حينئذ قيل: للإشعار بأن اقتصاص كل طائفة من القصة آية بينة كافية في الدلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم، وقيل: لتعدد جهة الإعجاز لفظاً ومعنى، وزعم بعض الجلة أن الآية من باب الاكتفاء، والمراد آيات للذين يسألون والذين لا يسألون، ونظير ذلك قوله سبحانه: {أية : سَوَآء لّلسَّآئِلِينَ}تفسير : [فصلت: 10] وحسن ذلك لقوة دلالة الكلام على المحذوف، وقال ابن عطية: إن المراد من السائلين الناس إلا أنه عدل عنه تحضيضاً على تعلم مثل هذه القصة لما فيها من مزيد العبر، وكلا القولين لا يخلو عن بعد. وقرأ أهل مكة وابن كثير ومجاهد ـ آية ـ على الإفراد، وفي مصحف أبـي ـ عبرة للسائلين ـ.

ابن عاشور

تفسير : جملة ابتدائية، وهي مبدأ القصص المقصود، إذ كان ما قبله كالمقدمة له المنبئة بنباهة شأن صاحب القصة، فليس هو من الحوادث التي لحقت يوسف ـــ عليه السّلام ـــ ولهذا كان أسلوب هذه الجملة كأسلوب القصص، وهو قوله: { أية : إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منّا } تفسير : [سورة يوسف: 8] نظير قوله تعالى: { أية : إنْ يوحَى إليّ إلاّ أنّما أنا نذيرٌ مبينٌ إذ قال ربك للملائكة إنّي خالقٌ بشراً من طينٍ } تفسير : [سورة ص: 70، 71] إلى آخر القصة. والظرفية المستفاد من {في} ظرفية مجازية بتشبيه مقارنة الدليل للمدلول بمقارنة المظروف للظرف، أي لقد كان شأن يوسف ـــ عليه السّلام ـــ وإخوته مقارناً لدلائل عظيمة من العبر والمواعظ، والتعريف بعظيم صنع الله تعالى وتقديره. والآيات: الدلائل على ما تتطلب معرفته من الأمور الخفية. والآيات حقيقة في آيات الطريق، وهي علامات يجعلونها في المفاوز تكون بادية لا تغمرها الرمال لتكون مرشدة للسائرين، ثم أطلقت على حجج الصدق، وأدلة المعلومات الدقيقة. وجمع الآيات هنا مراعى فيه تعدّدها وتعدّد أنواعها، ففي قصة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ دلائل على ما للصّبر وحسن الطويّة من عواقب الخير والنصر، أو على ما للحسد والإضرار بالنّاس من الخيبة والاندحار والهبوط. وفيها من الدلائل على صدق النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ، وأنّ القرآن وحي من الله، إذ جاء في هذه السورة ما لا يعلمه إلاّ أحْبار أهل الكتاب دون قراءة ولا كتاب وذلك من المعجزات. وفي بلاغة نظمها وفصاحتها من الإعجاز ما هو دليل على أنّ هذا الكلام من صنع الله ألقاه إلى رسوله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ معجزة له على قومه أهل الفصاحة والبلاغة. والسائلون: مراد منهم مَن يُتوقع منه السؤال عن المواعظ والحكم كقوله تعالى: { أية : في أربعة أيامٍ سواءً للسائلين } تفسير : [سورة فصلت: 10]. ومثل هذا يستعمل في كلام العرب للتشويق، والحثّ على تطلب الخبر والقصة. قال طرفة: شعر : سائلوا عنّا الذي يعرفنا بقوانا يوم تحلاق اللمم تفسير : وقال السموأل أو عبد الملك الحارثي: شعر : سَلي إن جهلت الناسَ عنّا وعنهم فليس سواءً عالمٌ وجهول تفسير : وقال عامر بن الطفيل: شعر : طُلّقتِ إن لم تَسْألي أيُّ فارس حَليلك إذ لاَقَى صُداءً وخَثعما تفسير : وقال أنيف بن زبان النبهاني: شعر : فلمّا التقينا بين السّيف بيننا لسائلة عنا حَفي سؤالها تفسير : وأكثر استعمال ذلك في كلامهم يكون توجيهه إلى ضمير الأنثى، لأنّ النساء يُعنين بالسؤال عن الأخبار التي يتحدث الناس بها، ولمّا جاء القرآن وكانت أخباره التي يشوق إلى معرفتها أخبارَ علم وحكمة صُرف ذلك الاستعمال عن التوجيه إلى ضمير النسوة، ووجّه إلى ضمير المذكّر كما في قوله: { أية : سَأل سائلٌ بعذابٍ واقعٍ } تفسير : [سورة المعارج: 1] وقوله: { أية : عَمّ يتساءلون } تفسير : [سورة النبأ: 1]. وقيل المراد بـ (السائلين) اليهود إذ سأل فريق منهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وهذا لا يستقيم لأنّ السورة مكيّة ولم يكن لليهود مخالطة للمسلمين بمكة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: آيات للسائلين: عبر للسائلين عن أخبارهم وما كان لهم من أحوال غريبة. ونحن عصبة: أي جماعة أذ هم أحد عشر رجلا. أو اطرحوه أرضا: أي ألقوه في أرض بعيدة لا يعثر عليه. يخل لكم وجه أبيكم: أي من النظر إلى يوسف فيقبل عليكم ولا يلتفت إلى غيركم. في غيابة الجب: أي ظلمة البئر. بعض السيارة: أي المسافرين السائرين في الأرض. معنى الآيات: ما زال السياق في قصة يوسف عليه السلام قال تعالى {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ} أي في شأن يوسف وإخوته وما جرى لهم وما تم من أحداث جسام عبر وعظات للسائلين عن ذلك المتطلعين إلى معرفته. {إِذْ قَالُواْ} أي إخوة يوسف {لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ} بنيامين وهو شقيقه دونهم {أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي جماعة فكيف يفضل الاثنين على الجماعة {إِنَّ أَبَانَا} أي يعقوب عليه السلام {لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي في خطإ بيّن بإيثارة يوسف وأخاه بالمحبة دوننا. وقوله {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} يخبر تعالى عما قاله إخوة يوسف وهم في خلوتهم يتآمرون على أخيهم للتخلص منه فقالوا {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ} بإِزهاق روحه، {أَوِ ٱطْرَحُوهُ} في أرض بعيدة ألقوه فيها فيهلك وتتخلصوا منه بدون قتل منكم، وبذلك {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} حيث كان مشغولا بالنظر إلى يوسف، ويحبكم وتحبونه وتتوبوا إلى الله من ذنب إبعاد يوسف عن أبيه، وتكونوا بعد ذلك قوماً صالحين حيث لم يبق ما يورثكم ذنباً أو يكسبكم إثماً. وقوله تعالى {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ} يخبر تعالى عن قيل إخوة يوسف لبعضهم البعض وهم يتشاورون في شأن يوسف وكيف يبعدونه عن أبيهم ورضاه عنهم قال قائل منهم هو يهودا أو روبيل وكان أخاه وابن خالته وكان أكبرهم سنا وأرجحهم عقلا قال: لا تقتلوا يوسف، لأن القتل جريمة لا تطاق ولا ينبغي ارتكابها بحال، والقوه في غيابة الجب أي في ظلمة البئر، وهي بئر معروفة في ديارهم بأرض فلسطين يلتقطه بعض السيارة من المسافرين إن كنتم فاعلين شيئا إزاء أخيكم فهذا أفضل السبل لذلك. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- الميل إلى أحد الأبناء بالحب يورث العداوة بين الإِخوة. 2- الحسد سبب لكثير من الكوارث البشرية. 3- ارتكاب أخف الضررين قاعدة شرعية عمل بها الأولون. 4- الشفقة والمحبة في الشقيق أكبر منها في الأخ للأب.

القطان

تفسير : آيات: عبر. عصبة: جماعة اقوياء. الجب: البئر. غيابه الجب: قعرها بعض السيارة: بعض المسافرين من القوافل يرتع: يلهو ينعم. واوحينا اليه: ألهمناه. لتنَبَّئهم: سوف تخبرهم فيما بعد. لقد كان في قصة يوسفَ وإخوته عِبَرٌ للسائلين عنها والراغبين في معرفتها، اذا قال إخوة يوسف لبعضهم: إن يوسفَ وأخاه أحبُّ على أبينا منا، فهو يفضّلهما علينا على صغرهما. ونحن أكبرُ منهما وأنفعُ لكن أبانا بإيثاره يوسف وأخاه بنيامين يقع في الخطأ ويتعمد البعد عن الحق والصواب. وتشاوروا فيما بينهم، فقال بعضهم: اقتلوا يوسف حتى لا يكون لأبيه أمل في لقائه، او أبعدوه الى أرضٍِ بعيدة عن العمران حتى لا يهتدي الى العودة منها. بذلك يخلُص لكم حبُّ أبيكم، وتصيرون قوماً يرضى عنكم، اذ يقبل الله توبتكم، ويقبل ابوكم اعتذاركم. فقال: واحد منهم: لا تقتلوا يوسف، ان ذلك ذنبٌ عظيم، ويكفي ان تُلقوه في قعر بئر يلتقطه منها بعض المسافرين من القوافل.. وبذا يتم لكم ما تريدون. قراءات: قرأ نافع: "في غيابات" بالجمع والباقون "غيابه بالمفرد. فأعجبهم هذا الرأي وأقرّوه، وذهبوا الى أبيهم يخادعونه، ويمركون به وبيوسف، فقالوا له: يا أبانا، لماذا تخاف على يوسف منّا فلا تأمنّا عليه؟ نحن نحبه ونُشفق عليه، فأرسلْه معا غداً الى المراعي.؟ هناك يتمتع بالأكل الطّيب، ويلعب ويمرح شأن بقية الصبيان، ونحن نحرص عليه من كل مكروه. قراءات: قرأ ابن كثير: "نرتع ونلعب" بالنون فيهما، وقرأ أبو عمرو وابن عامر: "نرتع ونلعب" بالنون وجزم العين. وقرأ نافع: "يرتع ويلعب". قال ابوهم: إنني لأشعر بالحزْن إذا ذهبتم به بعيدا عني، وأخاف ان يأكله الذئب وانتم عنه لاهون. قراءات: قرأ الكسائي وخلف: "الذيب" بدون همز. والباقون: "الذئب" بالهمز. قالوا: كيف يأكله الذئب ونحن جماعة قوية! لا خير فينا لأنفسنا في تلك الحال. وذهبوا به لينفذوا المؤامرة، واتفقوا على إلقائه في غور البئر. وفي تلك اللحظات ألهمناه الاطمئنان والثقة بالله، وانه سيعيش ويذكّر إخوتَه بموقفهم هذا منه فيما بعد.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتٌ} {لِّلسَّائِلِينَ} (7) - لَقَدْ كَانَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ، وَخَبرِهِ مَعَ إِخْوَتِهِ لأَبِيهِ، عِبْرَةٌ دَالَّةٌ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ، وَعَظِيمِ حِكْمَتِهِ، وَتَوْفِيقِ أَقْدَارِهِ، وَلُطْفِهِ بِمَنِ اصْطَفَى مِنْ عِبَادِهِ، وَعِظَةُ لِلسَّائِلِينَ عَنْ ذَلِكَ (آيَاتٌ) لأَِنَّهُ خَبَرٌ عَجِيبٌ، يَسْتَحِقُّ أَنْ يُرْوَى، وَيُخْبَرَ عَنْهُ.

الثعلبي

تفسير : يقول الله تعالى:{لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ} أي في خبره وخبر إخوته {وَإِخْوَتِهِ} وأسماؤهم روبيل وهو أكبرهم، وشمعون، ولاوي،ويهودا، وزيالون، وأمنجر، وأُمهم ليا بنت ايان وهي ابنة خال يعقوب، وولد له من سريّتين له اسم احداهما زاد الأُخرى ملده، أربعة نفر، دان ونفتالي وجاد وآشر، ثم توفيت ليا فتزوج يعقوب أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين، وكان بنو يعقوب اثني عشر رجلا. {آيَاتٌ} قرأ أهل مكة آية على الواحد، أي عظة وعبرة، وقيل: عجب، يقال: فلان آية في الحسن والعلم أي عجب، وقرأ الباقون: آيات على الجمع {لِّلسَّائِلِينَ} وذلك أن اليهود سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف فأخبرهم بها كما في التوراة فعجبوا منه وقالوا: من أين لك هذا يا محمد؟ قال: «علّمنيه ربي» وقيل: معناه للسائلين ولمن لم يسأل، كقوله: {سَوَآءً لِّلسَّآلِينَ}. {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ} اللام فيه جواب القسم تقديره: تالله ليوسف وأخوه بنيامين {أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي جماعة والعصبة ما بين الواحد إلى العشرة، وقيل: إلى الخمسة عشر، وقيل: ما بين العشرة إلى الأربعين ولا واحد لها من لفظها كالنفر والرهط {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} خطأ بيّن في إيثاره يوسف وأخاه علينا. {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ} اختلفوا في تأويل هذا القول، فقال وهب: قاله شمعون، كعب: دان، مقاتل: روبيل {أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً} أي في أرض {يَخْلُ لَكُمْ} يخلص ويصفو لكم. {وَجْهُ أَبِيكُمْ} عن شغله بيوسف فإنه قد شغله عنّا وصرف وجهه إليه عنّا {وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ} من بعد قتل يوسف {قَوْماً صَالِحِينَ} تائبين، وقال مقاتل: يصلح أمركم فيما بينكم وبين أبيكم. {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ} وهو روبيل، وقال السدي: هو يهودا، وهو أعظمهم وكان ابن خالة يوسف، وكان أحسنهم فيدايا نهاهم عن قتله وقال لهم: {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ} فإن قتله عظيم. {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ} أي في قعر الجب وظلمته حيث يغيب خبره، قتادة: في أسفله، والغيابة: كل شيء غَيَّبَ شيئاً، وأصلها من الغيبوبة، وقرأ أهل المدينة: غيابات الجب، على الجمع، والباقون: غيابة، على الواحد، والجبّ: البئر غير المطويّة، قتادة: هو بئر بيت المقدس، وقال وهب: هو بأرض الأردن، كعب: بين مدين ومصر، مقاتل: على ثلاث فراسخ من منزل يعقوب. {يَلْتَقِطْهُ} بعض السيارة يأخذه، قراءة العامة بالياء لأنه البعض وقرأ الحسن: تلتقطه بالتاء لأجل السيارة، والعرب تفعل ذلك في كل خبر كان عن مضاف إلى مؤنث يكون الخبر عن بعضه خبراً عن جميعه، كقول الشاعر: شعر : أرى مرّ السنين أخذن مني كما أخذ السرار من الهلال تفسير : ولم يقل أخذت وقال الآخر: شعر : إذا مات منهم سيد قام سيد فدانت له أهل القرى والكنائس تفسير : {بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ} بعض مارّي الطريق من المسافرين فيذهب به إلى ناحية أخرى فينستر خبره {إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} ما أقول لكم. قيل للحسن: أيحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك بني يعقوب؟ لهذا قيل: الأب جلاب، والأخ سلاب، فعند ذلك أجمعوا على التفريق بينه وبين والده بضرب من الاحتيال، فقالوا ليعقوب {قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا} قرأ أبو جعفر بالنون، وقرأ الباقون بإشمام النون للضمّة، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لأن أصله تأمننا بنونين فأُدغمت أحدهما في الأخرى. {لَهُ لَنَاصِحُونَ} نحوطه ونحفظه حتى نردّه إليك، مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير وذلك أن أخوة يوسف قالوا لأبيهم {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} قال أبوهم: {إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} فحينئذ قالوا {مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً} إلى الصحراء {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ}. وقرأ أبو عمرو بالنون فيهما وكذلك ابن عامر قال، هارون: فقلت لأبي عمرو: كيف تقرأ نرتع ونلعب وهم أنبياء؟ قال: لم يكونوا يومئذ أنبياء، وقرأ أهل الكوفة كلاهما بالياء أي ننعم ونأكل وننشط ونلهو، يقال: رتع فلان في ماله إذا أنعم وأنفقه في شهواته. قال القطامي: شعر : أكفراً بعد ردّ الموت عنّي وبعد عطائك المائة الرتاعا تفسير : وقال ابن زيد: معناه يرعى غنمه، وينظر ويعقل فيعرف ما يعرف الرجل. وقرأ يعقوب (نرتع) بالنون {وَيَلْعَبْ} بالياء ردّاً للعب إلى يوسف والرتوع إلى إخوته، وقرأ أهل الحجاز نرتع بكسر العين من الارتعاء، أي نتحارس ويحفظ بعضنا بعضاً {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. {قَالَ} لهم يعقوب {إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ} أي ذهابكم {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} لا تشعرون، وذلك أن يعقوب رأى في منامه أن الذئب قد شدّ على يوسف وكان يحذره، ومن ثم قال هذا فلقّنهم العلة وكانوا لا يدرون فقالوا: {لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} عشرة رجال {إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ} ضعفة عجزة مغبونون. {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ} في الكلام إضمار واختصار تقديره فأرسله معهم فلمّا ذهبوا به {وَأَجْمَعُوۤاْ} وعزموا على {أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْه} هذه الواو مقحمة زائدة تقديره أوحينا، كقوله تعالى {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ}تفسير : [الصافات: 103ـ104] أي ناديناه وقال امرؤ القيس: شعر : فلما أجزنا ساحة الحيّ وانتحى بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل تفسير : أراد انتحى. {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} يعني أوحينا إلى يوسف، [سوف تتحقق] رؤياك، ولتخبرنّ إخوتك بصنيعهم هذا وما فعلوه بك، وهم لا يشعرون بوحي الله إليه وإعلامه إياه ذلك، وهذا معنى قول مجاهد، وقيل: معناه وهم لا يشعرون أنك يوسف. قال ابن عباس: لما دخل إخوة يوسف على يوسف فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطنَّ وقال: أنه ليخبرني هذا الجام إنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف، يدنيه دونكم، وإنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب ثم جئتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله وبعتموه بثمن خس، فذلك قوله {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}. قال السدّي: أرسل يعقوب يوسف معهم فأخرجوه وبه عليهم من الكرامة، فلمّا برزوا إلى البرية أظهروا له العداوة وجعل أخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل لا يجد منهم رحمة، فضربوه حتى كادوا يقتلونه فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه يا يعقوب، لو تعلم ما يصنع بابنك هؤلاء الأبناء. فلمّا كادوا ليقتلوه قال يهودا: أليس سألنا أبانا موثقاً ألاّ تقتلوه؟ فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فجعلوا يدلونه في البئر، فتعلق بشفير البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال: يا إخوتاه، ردّوا عليّ القميص أتوارى به في الجب، فقالوا: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً تؤنسك، قال: إنّي لم أرَ شيئاً. فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فيه فقام عليها، فلمّا ألقوه في الجب جعل يبكي فنادوه فظن أنّها رحمة أدركتهم، فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه فقام يهودا فمنعهم وقال: قد أعطيتموني موثقاً ألاّ تقتلوه، وكان يهودا يأتيه بالطعام. ويقال: إن الله تعالى أمر صخرة حتى ارتفعت من أسفل البئر فوقف يوسف عليها وهو عريان، وكان إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم حين أُلقي في النار جرّد من ثيابه وقذف في النار عرياناً فأتاه جبريل (عليه السلام) بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه وكان ذلك [القميص] عند إبراهيم، فلمّا مات ورثه إسحاق، فلمّا مات إسحاق ورثه يعقوب، فلمّا شب يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في تعويذ وعلّقه في عنقه، فكان لا يفارقه، فلمّا أُلقي في البئر عرياناً جاء جبرئيل وكان عليه ذلك التعويذ أخرج القميص منه وألبسه إياه، قال ابن عباس: ثم ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على قميص يوسف. {وَجَآءُوۤ أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ} ليكونوا أجرأ في الظلمة على الاعتذار وترويج ما مكروا، وقد قيل: لا تطلب الحاجة بالليل وإن الحياء في العينين، ولا يعتذر من ذنب في النهار فيتلجلج في الاعتذار فلا يقدر على إتمامه، وقيل: أخّروا المجيء إلى وقت العشاء الآخرة ليدلّسوا على أبيهم قال السدّي: فلمّا سمع أصواتهم فزع وقال: ما لكم يا بنىّ؟ وهل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فما أصابكم؟ وأين يوسف؟ {قَالُواْ يَٰأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} أي نترامى، دليله قول عبد الله: ننتضل، السدّي وابن حيان: نشتد {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ} مصدّق {لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} لسوء ظنّك بنا وتهمتك لنا، وهذا قميصه ملطخ بالدم فذلك قوله {وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} أي بدم كذب، وقيل: بدم ذي كذب لأنه لم يكن دم يوسف وإنما كان دم شاة، وهذا كما يقال: الليلة الهلال، وقيل: معناه بدم مكذوب فيه، فوضع المصدر موضع الاسم، كما يقال: ماله عقل ولا معقول. وقرأت عائشة: بدم كدب بالدال غير المعجمة، أي طري، فبكى يعقوب عند ذلك، وقال لبنيه: أروني قميصه فأروه،فقال: يالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا، أكل ابني ولم يخرق عليه قميصه، فحينئذ {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ} رتبت {أَمْراً فَصَبْرٌ} أي فمنّي أو فعليَّ صبر، وقيل: فصبري صبرٌ {جَمِيلٌ} وقرأ الأشهب والعقيلي: فصبراً على المصدر أي فلأصبرنّ صبراً جميلا، وهو الصبر الذي لا جزع ولا شكوى فيه. وقيل: معناه لا أعاشركم على كآبة الوجه وحبوس الحنين، بل أكون في المعاشرة معكم جميلا كما كنت. وروى عبد الرزاق عن الثوري عن حبيب بن ثابت أن يعقوب النبي (عليه السلام) كان قد سقط حاجباه على عينيه وكان يرفعهما بخرقة فقيل له: ما هذا؟ قال: طول الزمان وكثرة الأحزان فأوحى الله إليه: يا يعقوب أتشكوني؟ قال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي. {وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} من الكذب، قالوا: وكان يوسف حين أُلقي في الجب ابن ثماني عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة سنة، وقيل: كان ابن عشر، ومكث فيه ثلاثة أيام.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: أن يوسف صار ظَرْفاً للأحداث، لأن "في" تدل على الظرفية، ومعنى الظرفية أن هناك شيئاً يُظْرف فيه شيء آخر، فكأن يوسف صار ظَرْفاً ستدور حوله الأحداث بالأشخاص المشاركين فيها. و"يوسف" اسم أعجمي؛ لذلك فهو "ممنوع من الصرف" أي: ممنوع من التنوين فلا نقول: في يوسفٍ. و{يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ} [يوسف: 7]. وهذا يعني أن ما حدث إنما يُلفِت لقدرة الله سبحانه؛ فقد أُلقِيَ في الجُبِّ وأُنقِذ ليتربى في أرقى بيوت مصر. ونعلم أن كلمة آية تطلق على الأمر العجيب الملفت للنظر، وهي تَرِد بالقرآن بثلاثة معانٍ: آية كونية: مثل الشمس والقمر والليل والنهار، وتلك الآيات الكونية رصيد للنظر في الإيمان بواجب الوجود وهو الله سبحانه؛ فساعة ترى الكون منتظماً بتلك الدقة المتناهية؛ لا بُدَّ أن تفكر في ضرورة وجود خالق لهذا الكون. والآيات العجيبة الثانية هي المعجزات الخارقة للنواميس التي يأتي بها الرسل؛ لتدل على صدق بلاغهم عن الله، مثل النار التي صارت بَرْداً وسلاماً على إبراهيم، ومثل الماء الذي انفلق وصار كالطود العظيم أمام عصا موسى. وهناك المعنى الثالث لكلمة آية، والمقصود بها آيات القرآن الكريم. وفي قول الحق سبحانه: {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ} [يوسف: 7]. نستشف العبرة من كل ما حدث ليوسف الذي كَادَ له إخوته ليتخلصوا منه؛ لكن كَيْدهم انقلب لصالح يوسف. وفي كل ذلك سَلْوى لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لتثبيت فؤاده؛ فلا يُعِير بالاً لاضطهاد قومه له، وتآمرهم عليه، ورغبتهم في نَفْيه إلى الشام، ومحاولتهم قَتْله، ومحاولتهم مُقاطعته، وقد صاروا من بعد ذلك يعيشون في ظلال كَنفِه. إذن: فلا تيأس يا محمد؛ لأن الله ناصرك بإذنه وقدرته، ولا تستبطئ نصر الله، أنت ومَنْ معك، كما جاء في القرآن. {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ}تفسير : [البقرة: 214]. ويبين لنا الحق سبحانه ما حدث ليوسف بعد القهر الذي أصابه من إخوته، ويمر الوقت إلى أن تتحقق رؤيا الخير التي رآها يوسف عليه السلام. ويُقال: إن رؤيا يوسف تحققت في فترة زمنية تتراوح بين أربعين سنة وثمانين عاماً. ولذلك نجد رُؤْيَا الخير يطول أَمَدُ تصديقها؛ ورُؤْيَا الشر تكون سريعة؛ لأن من رحمة الله أن يجعل رؤيا الشر يقع واقعاً وينتهي، لأنها لو ظلَّتْ دون وقوع لأمد طويل؛ لوقع الإنسان فريسةَ تخيُّل الشر بكُلِّ صوره. والشر لا يأتي إلا على صورة واحدة، ولكن الخير له صور متعددة؛ فيجعلك الله مُتخيلاً لما سوف يأتيك من الخير بألوان وتآويل شتى. والمثل لدعوة الشر هو دعوة موسى على آل فرعون؛ حين قال: {أية : رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} تفسير : [يونس: 88]. ويقول الحق سبحانه: {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ} [يوسف: 7]. فكل يوم من أيام تلك القصة هناك آية وتُجمع آيات. وهناك قراءة أخرى: "لقد كان في يوسف وإخوته آية للسائلين" أي: أن كل القصة بكل تفاصيلها وأحداثها آية عجيبة. والحق سبحانه أعطانا في القرآن مثلاً على جَمْع الأكثر من آية في آية واحدة، مثلما قال: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ..} تفسير : [المؤمنون: 50]. مع أن كلاً منهما آية منفردة. ولك أن تنظر إلى قصة يوسف كلها على أنها آية عجيبة تشمل كل اللقطات، أو تنظر إلى كل لقطة على أنها آية بمفردها. ويقول الحق سبحانه في آخر هذه الآية أن القصة: {آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ} [يوسف: 7]. والسائلون هنا إما من المشركين الذين حرَّضهم اليهود على أنْ يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسألة يوسف، وإما من المسلمين الذين يطلبون العِبَر من الأمم السابقة، وجاء الوَحْيُ لينزل على الرسول الأميِّ بتلك السورة بالأداء الرفيع المُعْجِز الذي لا يَقْوَى عليه بشر. وأنت حين تقرأ السورة؛ قد تأخذ من الوقت عشرين دقيقة، هاتْ أنت أيَّ إنسان ليتكلم ثُلث ساعة، ويظل حافظاً لما قاله؛ لن تجد أحداً يفعل ذلك؛ لكن الحق سبحانه قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} تفسير : [الأعلى: 6]. ولذلك نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يحفظ ما أُنزل إليه من ربه، ويُمليه على صحابته ويصلي بهم؛ ويقرأ في الصلاة ما أُنزِل عليه، ورغم أن في القرآن آياتٍ متشابهات؛ إلا أنه صلى الله عليه وسلم لم يخطئ مرة أثناء قراءته للقرآن. والأمثلة كثيرة منها قوله الحق: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [لقمان: 17]. ومرة أخرى يقول: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43] وكذلك قول الحق سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} تفسير : [الحجر: 45]. وفي موقع آخر يقول الحق: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ} تفسير : [الطور: 17]. فكيف يتأتَّى لبشر أميٍّ أن يتذكر كل ذلك، لولا أن الذي أنزل عليه الوحي قد شاء له ذلك. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ ...}.

الجيلاني

تفسير : واعلم يا أكمل الرسل أنه {لَّقَدْ كَانَ فِي} قصة {يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ} وما جرى بينهم من الحيل والمخادعات وإسقاط المروءة والخيانات، والإنابة والرجوع منها إلى الله في الخلويات، وإظهار العدم والاستحياء من الله، ومنه يوسف وأبيه {آيَاتٌ} دلائل واضحات، وشواهد مفصحات عن أسرار التوحيد {لِّلسَّائِلِينَ} [يوسف: 7] لو تأملوا في رموزها وإشاراتها واعتبروا منها. اذكر لهم يا أكمل الرسل: {إِذْ قَالُواْ} أي: إخوة يوسف حين بثوا الشكوى من أبيهم في خلواتهم، حاسدين على يوسف أخيهم: {لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ} بنيامين، أضافره لكونه من أمه {أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا} يؤانس معهما ويتحنن إليهما {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} فرقة ذوو قوة وكفاية تستحق وتليق أن يحبنا ويلتفت إليها، وبالجملة: {إِنَّ أَبَانَا} في تفضيل المفضول وترجيح المرجوح {لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يوسف: 8] ظاهر المخالفة للعقل والعرف. فعليكم أيها الإخوان أن تتأملوا في أمر أبيكم، وتتشاوروا لمقت يوسف وهلاكه حتى لا يحلق العار عليكم {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ} حتى ييأتس أبوكم منه ويقبل إليكم بالكلية {أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً} بعيدة عن العمران غاية البعد حتى ينساه أبوه، وحينئذ {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} أي: يخص ويخلص لكم مواجهة أبيكم خالياً عن أغياركم، ويقتصر حينئذ التفاته وتحننه نحوكم {وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ} أي: بعد فقد يوسف عن نظر أبيكم وغيبته من عنه {قَوْماً صَالِحِينَ} [يوسف: 9] لخدمته وصحبته ومؤانسته، أو المعنى بأن تتوبوا بعدما صدر عنكم هذه الجريمة، ولتكونوا من بعده قوماً صالحين تائبين. وبعدما تشاوروا في مقت يوسف وطرحه وطرده {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ} وهو يهوذا وكان أ؛سنهم رأياً" {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ} إذ نحن من عترة الأنبياء، لا يليق بنا قتله بلا رخصة شرعية {وَ} إن أردتم أن تدفعوه من عند أبيكم {أَلْقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ} الذي على متن الطريق {يَلْتَقِطْهُ} أي: يأخذه ويذهب {بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ} أي: بعض السائرين في أقطر الأرض، الواردين على الماء، فلا طريق لكم لطرده وطرحه سوى هذا {إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} [يوسف: 10] قاصدين جازمين أن تفعلوا معه ما يبعده عن وجه أبيه. وبعدما سمعوا من يهوذا ما سمعوا واستقرار رأيهم على رأيه، فأخذوه يحتالون ويمكرون لينالوا ما قصدوا، فاجتمعوا يوماً عند أبيهم تحنناً عليه وتواضعاً {قَالُواْ} له على سبيل الشكوى وإظهار الحزن: {يَٰأَبَانَا} نحن بنوك وخادموك، ويوسف أخونا وقرة عيننا وقوة ظهرنا {مَا لَكَ} أي شيء من السوء منا عرض لك ووصل إليك {لاَ تَأْمَنَّا} أي: لا تجعلنا أمناء مشفقين {عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا} في أنفسنا {لَهُ لَنَاصِحُونَ} [يوسف: 11] مشفقون حافظون مريدون الخير له. ثم لما تفرسوا بأن أثَّر كلامهم في أبيهم، ولاح منه أمارات الرضا والتسليم، أخذوا في المكر حيث قالوا متضرعين إليه متحنين نحوه: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً} نخرج إلى الصحراء مستنشقين {يَرْتَعْ} ويتفكه من أنواع الفواكه {وَيَلْعَبْ} بأنواع اللعب من الاستباق والانتضال؛ تفريجاً له وتفريحاً للقلب {وَ} لا تخف من أن يلحقه مكروه {إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [يوسف: 12] يجمعنا من المكروهات.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن آيات قصة يوسف وأخواته يشير إلى: {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ} [يوسف: 7] القلب، {وَإِخْوَتِهِ} [يوسف: 7] الأحد عشر: الحواس الخمس والقوى الستة، {آيَاتٌ} [يوسف: 7] دلالات، {لِّلسَّائِلِينَ} [يوسف: 7] أي: السائلين طريق العبور إلى الله وهم الطالبون الصادقون، {إِذْ قَالُواْ} [يوسف: 8] أي: الحواس والقوى في حقيقة الأمر. {لَيُوسُفُ} [يوسف: 8] أي: يوسف القلب، {وَأَخُوهُ} [يوسف: 8] بنيامين وهو الحس المشترك، فإن له من الحواس والقوى اختصاصاً بالقلب، {أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا} [يوسف: 8] وهو الروح، {مِنَّا} [يوسف: 8] وذلك لأن القلب هو عرش الروح ومحل استوائه عليه الحس المشترك بمثابة الكرسي للعرش. {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} [يوسف: 8] أي: عشرة من الحواس القوى، {إِنَّ أَبَانَا} [يوسف: 8] يعني: الروح، {لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يوسف: 8] بأن يختار الاثنين على العشرة، {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ} [يوسف: 9] أي: يوسف القلب بسكين الهوى، فإن موت القلب يعني: في الهوى، وهو السم القاتل للقلب، {أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً} [يوسف: 9] أي: أرض البشرية، {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} [يوسف: 9] يعني: بعد موت القلب يقبل الروح بوجهه إلى الحواس والقوى؛ لتحصيل شهواتها ومرادتها، {وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ} [يوسف: 9] بعد موت القلب، {قَوْماً صَالِحِينَ} [يوسف: 9] لتنعم الحيواني والنفساني.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ } أي: عبر وأدلة على كثير من المطالب الحسنة، { لِلسَّائِلِينَ } أي: لكل من سأل عنها بلسان الحال أو بلسان المقال، فإن السائلين هم الذين ينتفعون بالآيات والعبر، وأما المعرضون فلا ينتفعون بالآيات، ولا في القصص والبينات. { إِذْ قَالُوا } فيما بينهم: { لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ } بنيامين، أي: شقيقه، وإلا فكلهم إخوة. { أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } أي: جماعة، فكيف يفضلهما علينا بالمحبة والشفقة، { إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ } أي: لفي خطأ بيِّن، حيث فضلهما علينا من غير موجب نراه، ولا أمر نشاهده. { اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا } أي: غيبوه عن أبيه في أرض بعيدة لا يتمكن من رؤيته فيها. فإنكم إذا فعلتم أحد هذين الأمرين { يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } أي: يتفرغ لكم، ويقبل عليكم بالشفقة والمحبة، فإنه قد اشتغل قلبه بيوسف شغلا لا يتفرغ لكم، { وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ } أي: من بعد هذا الصنيع { قَوْمًا صَالِحِينَ } أي: تتوبون إلى الله، وتستغفرون من بعد ذنبكم. فقدموا العزم على التوبة قبل صدور الذنب منهم تسهيلا لفعله، وإزالة لشناعته، وتنشيطا من بعضهم لبعض.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ} [7] 269- أنا عمرو بن علي، ومحمد بن المثنى، عن يحيى، نا عُبيد الله، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قيل: حديث : يا رسول الله من ، أكرمُ الناس؟ قال: "أتقاهم"، قالوا: ليس عن هذا نسئلك قال: "يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله" قالوا: ليس عن هذا نسئلك. قال: "فعن معادن العرب تسألوني؟ فإن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقهوا ". تفسير : قال أبو عبد تلرجكم: خالفه محمد بن بشر. 270- أنا أحمد بن سليمان، نا محمد بن بشر، نا عُبيد الله، عن سعيد، عن أبي هريرة - مِثْله.