١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ } بنيامين وتخصيصه بالإِضافة لاختصاصه بالاخوة من الطرفين. {أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا } وحده لأن أفعل من لا يفرق فيه بين الواحد وما فوقه، والمذكر وما يقابله بخلاف أخويه فإن الفرق واجب في المحلي جائز في المضاف. {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } والحال أنا جماعة أقوياء أحق بالمحبة من صغيرين لا كفاية فيهما، والعصبة والعصابة العشرة فصاعداً سمواً بذلك لأن الأمور تعصب بهم. {إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلٰلٍ مُّبِينٍ } لتفضيله المفضول أو لترك التعديل في المحبة. روي أنه كان أحب إليه لما يرى فيه من المخايل وكان إخوته يحسدونه، فلما رأى الرؤيا ضاعف له المحبة بحيث لم يصبر عنه، فتبالغ حسدهم حتى حملهم على التعرض له.
المحلي و السيوطي
تفسير : اذكر {إِذْ قَالُواْ } أي بعض إخوة يوسف لبعضهم {لِيُوسُفُ } مبتدأ {وَأَخُوهُ } شقيقه (بنيامين) {أُحَبُّ } خبر {إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } جماعة {إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلٰلٍ } خطإ {مُّبِينٌ } بين بإيثارهما علينا.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ} كانا أخوين للأبوين ثم ماتت أُمهما فكفلهما أبوهما وزاد لذلك في مراعاتهما فحسدوهما وكان عطفه على يوسف أكثر فلذلك كان حسده أكثر ثم اشتد بسبب رؤياه. {عُصْبَةٌ} العصبة، الجماعة أو ستة أو سبعة، أو من عشرة إلى خمسة عشر، أو إلى أربعين. {ضَلالٍ مُّبِينٍ} محبة ظاهرة، أو خطأ في رأيه، أو جور في فعله لتفضيله الصغير على الكبير والقليل على الكثير ومن لا يراعي ماله على من يراعيه وكانوا حينئذ بالغين مؤمنين ليسوا بأنبياء لقولهم: {أية : ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ}تفسير : [يوسف: 97] إلى {أية : خَاطِئِينَ}تفسير : [يوسف: 97] أو لم يبلغوا لقولهم: {أية : وَيَلْعَبْ}تفسير : [يوسف: 12].
الخازن
تفسير : {إذ قالوا} يعني إخوة يوسف {ليوسف} اللام فيه لام القسم تقديره والله ليوسف {وأخوه} يعني بنيامين وهما من أم واحدة {أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة} إنما قالوا هذه المقالة حسداً منهم ليوسف وأخيه لما رأوا من ميل يعقوب إليه وكثرة شفقته عليه والعصبة الجماعة وكانوا عشرة، قال الفراء: العصبة هي العشرة فما زاد وقيل هي ما بين الواحد إلى العشرة وقيل ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقال مجاهد: هي ما بين العشرة إلى خمسة عشر وقيل إلى الأربعين وقيل الأصل فيه أن كل جماعة يتعصب بعضهم ببعض يسمون عصبة والعصبة لا واحد لها من لفظها كالرهط والنفر {إن أبانا لفي ضلال مبين} يعني لفي خطأ بين في إيثاره حب يوسف علينا مع صغره لا نفع فيه ونحن عصبة ننفعه ونقوم بمصالحه من أمر دنياه وإصلاح أمر مواشيه وليس المراد من ذكر هذا الضلال الضلال عن الدين إذ لو أرادوا ذلك لكفروا به ولكن أرادوا به الخطأ في أمر الدنيا وما يصلحها يقول نحن أنفع له من يوسف فهو مخطئ في صرف محبته إليه لأنا أكبر منه سناً وأشد قوة وأكثر منفعة وغاب عنهم المقصود الأعظم وهو أن يعقوب عليه الصلاة والسلام ما فضل يوسف وأخاه على سائر الإخوة إلا في المحبة المحضة ومحبة القلب ليس في وسع البشر دفعها ويحتمل أن يعقوب إنما خص يوسف بمزيد المحبة والشفقة لأن أمه ماتت وهو صغير ولأنه رأى فيه من آيات الرشد والنجابة ما لم يره في سائر إخوته فإن قلت الذي فعله إخوة يوسف بيوسف هو محض الحسد والحسد من أمهات الكبائر وكذلك نسبة أبيهم إلى الضلالة هو محض العقوق وهو من الكبائر أيضاً وكل ذلك قادح في عصمة الأنبياء فما الجواب عنه. قلت: هذه الأفعال إنما صدرت من إخوة يوسف قبل ثبوت النبوة لهم والمعتبر في عصمة الأنبياء هو وقت حصول النبوة لا قبلها، وقيل: كانوا وقت هذه الأفعال مراهقين غير بالغين ولا تكليف عليهم قبل البلوغ فعلى هذا لم تكن هذه الأفعال قادحة في عصمة الأنبياء. قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم} لما قوي الحسد وبلغ النهاية قال إخوة يوسف فيما بينهم لا بد من تبعيد يوسف عن أبيه وذلك لا يحصل إلا بأحد طريقين إما القتل مرة واحدة أو التغريب إلى أرض يحصل اليأس من اجتماعه بأبيه بأن تفترسه الأسد والسباع أو يموت في تلك الأرض البعيدة ثم ذكروا العلة في ذلك وهي قوله يخل لكم وجه أبيكم والمعنى أنه قد شغله حب يوسف عنكم فإذا فعلتم ذلك بيوسف أقبل يعقوب بوجهه عليكم وصرف محبته إليكم {وتكونوا من بعده} يعني من بعد قتل يوسف أو إبعاده عن أبيه {قوماً صالحين} يعني: تائبين فتوبوا إلى الله يعف عنكم فتكونوا قوماً صالحين وذلك أنهم لما علموا أن الذي عزموا عليه من الذنوب والكبائر قالوا نتوب إلى الله من هذا الفعل ونكون من الصالحين في المستقبل، وقال مقاتل: معناه يصلح لكم أمركم فيما بينكم وبين أبيكم فإن قلت كيف يليق أن تصدر هذه الأفعال منهم وهم أنبياء. قلت: الجواب ما تقدم أنهم لم يكونوا أنبياء في ذلك الوقت حتى تكون هذه الأفعال قادحة في عصمة الأنبياء وإنما أقدموا على هذه الأفعال قبل النبوة وقيل إن الذي أشار بقتل يوسف كان أجنبياً شاوروه في ذلك فأشار عليهم بقتله.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه قال: كان يعقوب عليه السلام نازلاً بالشام، وكان ليس له هم إلا يوسف وأخوه بنيامين، فحسده إخوته مما رأوا من حب أبيه له. ورأى يوسف عليه السلام في النوم رؤيا إن أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدين له، فحدث أباه بها فقال له يعقوب عليه السلام: {يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً} فبلغ إخوة يوسف الرؤيا فحسدوه، فقالوا {ليوسف وأخوه} بنيامين {أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة} - كانوا عشرة - {إن أبانا لفي ضلال مبين} قالوا: في ضلال من أمرنا. {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين} يقول: تتوبون مما صنعتم به. {قال قائل منهم ...} وهو يهوذا {لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين} فلما أجمعوا أمرهم على ذلك أتوا أباهم فقالوا له {يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف} قال: لن أرسله معكم إني {أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنَّا إذاً لخاسرون} فأرسله معهم فأخرجوه وبه عليه كرامة. فلما برزوا إلى البرية أظهروا له العداوة فجعل يضربه أحدهم فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل لا يرى منهم رحيماً، فضربوه حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه، يا يعقوب، لو تعلم ما صنع بابنك بنو الإماء. فلما كادوا يقتلونه قال يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه؟... فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فيه، فجعلوا يدلونه في البئر، فيتعلق بشفير البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، ردوا عليّ قميصي أتوارى به في الجب. فقالوا له: ادع الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر يؤنسوك. قال: فإني لم أر شيئاً. فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت، فكان في البئر ماء، فسقط فيه فلم يضره، ثم أوى إلى صخرة في البئر فقام عليها، فجعل يبكي فناداه إخوته، فظن إنها رقة أدركتهم فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة، فقام يهوذا فمنعهم وقال: قد أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه، فكان يهوذا يأتيه بالطعام، ثم إنهم رجعوا إلى أبيهم فأخذوا جدياً من الغنم فذبحوه ونضحوا دمه على القميص، ثم أقبلوا إلى أبيهم عشاء يبكون، فلما سمع أصواتهم فزع وقال: يا بني، ما لكم؟ هل أصابكم في غنمكم شيء؟!... قالوا لا. قال: فما فعل يوسف: {قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا} يعني بمصدق لنا {ولو كنا صادقين} فبكى الشيخ وصاح بأعلى صوته ثم قال: أين القميص؟ ثم جاؤوا بقميصه وعليه دم كذب، فأخذ القميص وطرحه على وجهه، ثم بكى حتى خضب وجهه من دم القميص، ثم قال: إن هذا الذئب يا بني لرحيم، فكيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه؟!... وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه فتعلق يوسف عليه السلام بالحبل، فخرج، فلما رآه صاحب الدلو، دعا رجلاً من أصحابه يقال له بشراي فقال: يا بشراي، هذا غلام. فسمع به إخوة يوسف عليه السلام فجاؤوا فقالوا: هذا عبد لنا آبق، ورطنوا له بلسانهم فقالوا: لئن أنكرت إنك عبد لنا لنقتلنك، أترانا نرجع بك إلى يعقوب عليه السلام، وقد أخبرناه إن الذئب قد أكلك؟... قال: يا إخوتاه، ارجعوا بي إلى أبي يعقوب. فأنا أضمن لكم رضاه ولا أذكر لكم هذا أبداً. فأبوا، فقال الغلام: أنا عبد لهم. فلما اشتراه الرجلان فرقا من الرفقة أن يقولا اشتريناه، فيسألونهما الشركة فيه، فقالا: نقول إن سألونا ما هذا؟ نقول هذه بضاعة استبضعناها على البئر. فذلك قوله {وأسروه بضاعة} {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة} - وكانت عشرين درهماً - وكانوا في يوسف من الزاهدين، فانطلقوا به إلى مصر فاشتراه العزيز - ملك مصر - فانطلق به إلى بيته فقال لامرأته {أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً} فأحبته امرأته فقالت له: يا يوسف، ما أحسن شعرك؟.. قال: هو أوّل ما يتناثر من جسدي. قالت: يا يوسف، ما أحسن عينيك؟ قال: هما أوَّل ما يسيلان إلى الأرض من جسدي. قالت: يا يوسف، ما أحسن وجهك؟ قال: هو للتراب يأكله {قالت هيت لك} قال هلم لك؟ - وهي بالقبطية - قال معاذ الله، إنه ربي، قال: سيدي أحسن مثواي فلا أخونه في أهله. فلم تزل به حتى أطمعها، فهمّت به وهمّ بها، فدخلا البيت {وغلقت الأبواب} فذهب ليحل سراويله فإذا هو بصورة يعقوب عليه السلام قائماً في البيت قد عض على أصبعه يقول: يا يوسف، لا تواقعها، فإنما مثلك مثل الطير في جوّ السماء لا يطاق، ومثلك إذا وقعت عليها مثله إذا مات فوقع على الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، ومثلك مثل الثور الصعب الذي لم يعمل عليه، ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات فدخل الماء في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. فربط سراويله وذهب ليخرج، فأدركته فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه فخرقته حتى أخرجته منه وسقط وطرحه يوسف، واشتد نحو الباب، والفيا سيدها جالساً عند الباب هو وابن عم المرأة، فلما رأته المرأة {قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أو عذاب أليم} إنه راودني عن نفسي فدفعته عني فشققت قميصه. فقال يوسف: لا بل هي راودتني عن نفسي، فأبيت وفررت منها فأدركتني فأخذت بقميصي فشقّته علي، فقال ابن عمها: في القميص تبيان الأمر، انظروا إن كان القميص قدّ من قبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قدّ من دُبر فكذبت وهو من الصادقين، فلما أتي بالقميص وجده قد قدّ من دُبر، فقال: {إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك} يقول: لا تعودي لذنبك. {وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً} والشغاف جلدة على القلب يقال لها لسان القلب. يقول دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب - فلما سمعت بمكرهن - يقول بقولهن - أرسلت إليهن واعتدت لهن متكأً يتكئن عليه، وآتت كل واحدة منهن سكيناً وأترجاً تأكله وقالت ليوسف: أخرج عليهن. فلما خرج ورأى النسوة يوسف، أعظمنه وجعلن يحززن أيديهن وهن يحسبن إنهن يقطعن الأترج، ويقلن: {حاشا لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم}. قالت: {فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} بعدما كان حل سراويله ثم لا أدري ما بدا له. قال يوسف: {رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} من الزنا. ثم إن المرأة قالت لزوجها: إن العبد العبراني قد فضحني في الناس، إنه يعتذر إليهم ويخبرهم أني راودته عن نفسه، ولست أطيق أن أعتذر بعذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فاعتذر كما يعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني، فذلك قوله {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ...} وهو شق القميص وقطع الأيدي {ليسجننه حتى حين ودخل معه السجن فتيان ...} غضب الملك على خَبّازه، أنه يريد أن يسمه، فحبسه وحبس الساقي وظن أنه مالأه على السم، فلما دخل يوسف عليه السلام السجن قال: إني أعبّر الأحلام قال أحد الفتيين: هلم فَلْنُجَرِّب هذا العبد العبراني، فتراءيا من غير أن يكونا رأيا شيئاً، ولكنهما خرصا فعبر لهما يوسف خرصهما فقال الساقي: رأيتني أعصر خمراً. وقال الخباز: رأيتني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه. قال يوسف عليه السلام: لا يأتيكما طعام ترزقانه في النوم إلا نبأتكما بتأويله في اليقظة، ثم قال: {يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمراً} فيعاد على مكانه، {وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه} . ففزعا وقالا: والله ما رأينا شيئاً. قال يوسف عليه السلام: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} إن هذا كائن لا بد منه، وقال يوسف عليه السلام للساقي: {اذكرني عند ربك}. ثم أن الله أرى الملك رؤيا في منامه هالته، فرأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر يأكلهن سبع يابسات، فجمع السحرة والكهنة والعافة - وهم القافة - والحاذة، - وهم الذين يزجرون الطير - فقصها عليهم فقالوا: أضغاث أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. {وقال الذي نجا منهما - وادّكر بعد أمة - أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون} . قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يكن السجن في المدينة، فانطلق الساقي إلى يوسف عليه السلام فقال: {أفتنا في سبع بقرات ...} إلى قوله {لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون} تأويلها {قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله} قال هو أبقى له {إلا قليلاً مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون} قال: مما ترفعون {ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون} قال: العنب فلما أتى الملك الرسول وأخبره قال: {ائتوني به فلما جاءه الرسول} فأمره أن يخرج إلى الملك، أبى يوسف وقال: {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن}. قال السدي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلم الملك بشأنه، ما زالت في نفس العزيز منه حاجة، يقول هذا الذي راود امرأته. قال الملك ائتوني بهن، {قال ما خطبكن إذ راودتُنَّ يوسف عن نفسه قلن حاشا لله، ما علمنا عليه من سوء}، ولكن امرأة العزيز أخبرتنا أنها راودته عن نفسه ودخل معها البيت وحل سراويله ثم شده بعد ذلك، ولا تدري ما بدا له. فقالت امرأة العزيز {الآن حصحص الحق} قال تبين. {أنا راودته عن نفسه}، قال يوسف - وقد جيء به - ذلك ليعلم العزيز {أني لم أخنه بالغيب} في أهله، {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين}. فقالت امرأة العزيز: يا يوسف، ولا حين حللت السراويل؟ قال يوسف عليه السلام: {وما أبرئ نفسي} . فلما وجد الملك له عذراً قال: {ائتوني به استخلصه لنفسي} فأستعمله على مصر، فكان صاحب أمرها هو الذي يلي البيع والأمر، فأصاب الأرض الجوع وأصاب بلاد يعقوب التي كان فيها، فبعث بنيه إلى مصر وأمسك بنيامين أخا يوسف، فلما دخلوا على يوسف {عرفهم وهم له منكرون}، فلما نظر إليهم أخذهم وأدخلهم الدار - دار الملك - وقال لهم: أخبروني، ما أمركم؟ فإني أنكر شأنكم. قالوا: نحن من أرض الشام. قال: فما جاء بكم؟ قالوا نمتار طعاماً. قال: كذبتم، أنتم عيون، كم أنتم؟ قالوا نحن عشرة. قال أنتم عشرة آلاف، كل رجل منكم أمير ألف، فأخبروني خبركم. قالوا: إنا إخوة بنو رجل صديق، وإنا كنا إثني عشر فكان يحب أخاً لنا وأنه ذهب معنا إلى البرية فهلك منا وكان أحبنا إلى أبينا. قال: فإلى من يسكن أبوكم بعده؟... قالوا إلى أخ له أصغر منه. قال: كيف تحدثوني أن أباكم صدّيق وهو يحب الصغير منكم دون الكبير، ائتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه، {فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون} قال: فإني أخشى أن لا تأتوني به، فضعوا بعضكم رهينة حتى ترجعوا. فارتهن شمعون عنده، فقال لفتيته وهو يكيل لهم: اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم، لعلهم يرجعون إليَّ. فلما رجعٍ القوم إلى أبيهم كلموه فقالوا: يا أبانا، إن ملك مصر أكرمنا كرامة لو كان رجلاً منا من بني يعقوب ما أكرمنا كرامته، وإنه ارتهن شمعون وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد أخيكم الذي هلك حتى أنظر إليه، فإن لم تأتوني به فلا تقربوا بلادي أبداً. فقال لهم يعقوب عليه السلام: إذا أتيتم ملك مصر فاقرؤوه مني السلام وقولوا: إن أبانا يصلي عليك ويدعو لك بما أوليتنا، ولما فتحوا رحالهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم، أتوا أباهم {قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا} فقال أبوه حين رأى ذلك: {لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم}. فحلفوا له، {فلما آتوه موثقهم} قال يعقوب: {الله على ما نقول وكيل}. ورهب عليهم أن يصيبهم العين إن دخلوا مصر فيقال هؤلاء لرجل واحد، قال: {يا بني، لا تدخلوا من باب واحد} - يقول من طريق واحد - فلما دخلوا على يوسف عرف أخاه فأنزلهم منزلاً وأجرى عليهم الطعام والشراب، فلما كان الليل أتاهم بمثل، قال: لينم كل أخوين منكم على مثال حتى بقي الغلام وحده، فقال يوسف عليه السلام: هذا ينام معي على فراشي، فبات مع يوسف، فجعل يشم ريحه ويضمه إليه حتى أصبح وجعل يقول روبيل: ما رأينا رجلاً مثل هذا! إن نحن نجونا منه، {فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه}، والأخ لا يشعر، فلما ارتحلوا {أذن مؤذّن} قبل أن يرتحل العير: {أيتها العير إنكم لسارقون}، فانقطعت ظهورهم {وأقبلوا عليهم} يقولون: {ماذا تفقدون} إلى قوله {فما جزاؤه} {قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه} يقول تأخذونه فهو لكم، {فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه} فلما بقي رحل أخيه الغلام قال: ما كان هذا الغلام ليأخذها. قالوا والله لا يترك حتى تنظروا في رحله ونذهب وقد طابت نفوسكم، فأدخل يده في رحله فاستخرجها من رحل أخيه. يقول الله {كذلك كدنا ليوسف} يقول صنعنا ليوسف {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} يقول في حكم الملك {إلا أن يشاء الله} ولكن صنعنا لشأنهم قالوا فهذا جزاؤه. قال فلما استخرجها من رحل الغلام انقطعت ظهورهم وهلكوا وقالوا: ما يزال لنا منكم بلاء يا بني راحيل، حتى أخذت هذا الصواع. قال بنيامين: بنو راحيل، لا يزل لنا منكم بلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية وما وضع هذا الصواع في رحلي إلا الذي وضع الدراهم في رحالكم، قالوا لا تذكر الدراهم فتؤخذ بها، فوقعوا فيه وشتموه، فما أدخلوهم على يوسف دعا بالصواع، ثم نقر فيه، ثم أدناه من أذنه ثم قال: إن صواعي هذا يخبرني أنكم كنتم إثني عشر أخاً، وأنكم انطلقتم بأخٍ لكم فبعتموه. فلما سمع بنيامين قام فسجد ليوسف وقال: أيها الملك، سل صواعك هذا، أحيّ أخي ذاك أم لا؟ فنقرها يوسف ثم قال: نعم هو حي، وسوف تراه. قال: اصنع بي ما شئت، فإنه أعلم بي. فدخل يوسف عليه السلام فبكى ثم توضأ، ثم خرج. فقال بنيامين: أيها الملك، إني أراك تضرب بصواعك الحق، فسله من صاحبه؟ فنقر فيه ثم قال: إن صواعي هذا غضبان، يقول: كيف تسألني من صاحبي وقد رأيت مع من كنت، وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا، فغضب روبيل فقام فقال: أيها الملك، والله لتتركنا أو لأصِيحَنَّ صيحةً لا تبقى امرأة حامل بمصر إلا طرحت ما في بطنها، وقامت كل شعرة من جسد روبيل، فخرجت من ثيابه، فقال يوسف لابنه مرة: مر إلى جنب روبيل فمسه مسة فذهب غضبه، فقال روبيل: من هذا؟!.. إن في هذه البلاد لبزراً من بزر يعقوب. قال يوسف عليه السلام: ومن يعقوب؟ فغضب روبيل فقال: أيها الملك، لا تذكرَنَّ يعقوب، فإنه بشرى لله ابن ذبيح الله ابن خليل الله، فقال يوسف عليه السلام: أنت إذاً كنت صادقاً، فإذا أتيتم أباكم فاقرؤوا عليه مني السلام وقولوا له: إن ملك مصر يدعو لك أن لا تموت حتى ترى ابنك يوسف، حتى يعلم أبوكم أن في الأرض صديقين مثله. فلما أيسوا منه وأخرج لهم شمعون وكان قد ارْتَهَنَهُ، خلوا بينهم نجياً يتناجون بينهم، قال كبيرهم - وهو روبيل ولم يكن بأكبرهم سناً ولكن كان كبيرهم في العلم -: {ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف؟ فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين}. فأقام روبيل بمصر، وأقبل التسعة إلى يعقوب عليه السلام فأخبروه الخبر فبكى وقال: يا بني, ما تذهبون من مرو إلا نقصتم واحداً. ذهبتم فنقصتم يوسف، ثم ذهبتم الثانية فنقصتم شمعون، ثم ذهبتم الثالثة فنقصتم بنيامين وروبيل {فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً إنه هو العليم الحكيم وتولى عنهم وقال: يا أسفا على يوسف. وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} من الغيظ. {قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين} الميتين. {قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون}. قال: أتى يوسف جبريل عليه السلام وهو في السجن فسلم عليه وجاءه في صورة رجل حسن الوجه طيب الريح نقي الثياب فقال له يوسف: أيها الملك الحسن الوجه الكريم على ربه، الطيب ريحه، حدثني كيف يعقوب؟ قال حزن عليك حزناً شديداً. قال فما بلغ من حزنه، قال حزن سبعين مثكلة. قال فما بلغ من أجره قال أجر سبعين شهيداً. قال يوسف عليه السلام: فإلى من أوى بعدي؟ قال إلى أخيك بنيامين. قال فتراني ألقاه؟ قال نعم. فبكى يوسف عليه السلام لما لقي أبوه بعده ثم قال: ما أبالي بما لقيت أن الله أرانيه. قال: فلما أخبروه بدعاء الملك أحست نفس يعقوب وقال: ما يكون في الأرض صديق إلا ابني فطمع قال: لعله يوسف. قال: {يا بني، اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه} بمصر {ولا تيأسوا من روح الله} . قال: مِنْ فَرَجِ الله أن يرد يوسف، فلما رجعوا إليه {قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل} بها كما كنت تعطينا بالدراهم الجيدة، {وتصدق علينا} تفضل ما بين الجياد والرديئة. قال لهم يوسف - ورحمهم عند ذلك -: {ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي} . فاعتذروا إليه، {قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين. قال: لا تثريب عليكم اليوم} لا أذكر لكم ذنبكم {يغفر الله لكم}، ثم قال ما فعل أبي بعدي؟ قالوا عمي من الحزن. {فقال اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً، وأتوني بأهلكم أجمعين}. قال يهوذا أنا ذهبت بالقميص إلى يعقوب عليه السلام وهو متلطخ بالدماء وقلت: أن يوسف قد أكله الذئب، وأنا أذهب بالقميص وأخبره أن يوسف عليه السلام حي فأفرحه كما أحزنته. فهو كان البشير، فلما {فصلت العير} من مصر منطلقة إلى الشام وجد يعقوب عليه السلام ريح يوسف عليه السلام فقال لبني بنيه: {إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون}. قال له بنو بنيه {تالله إنك لفي ضلالك القديم} من شأن يوسف، {فلما أن جاء البشير} وهو يهوذا، ألقى القميص على وجهه {فارتد بصيراً}. قال لبنيه {ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون؟! ...} ثم حملوا أهلهم وعيالهم فلما بلغوا مصر كلم يوسف عليه السلام الملك الذي فوقه، فخرج هو والملك يتلقونهم فلما لقيهم قال: {ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} . فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه أباه وخالته ورفعهما {على العرش} . قال: السرير، فلما حضر يعقوب الموت أوصى إلى يوسف أن يدفنه عند إبراهيم. فمات فنفخ فيه المر، ثم حمله إلى الشام وقال يوسف عليه السلام {رب قد آتيتني من الملك} إلى قوله: {توفني مسلماً وألحقني بالصالحين} . قال ابن عباس رضي الله عنهما هذا أول نبي سأل الله الموت وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم مفرقاً في السورة. وأخرج ابن جرير ثنا وكيع ثنا عمرو بن محمد العبقري عن أسباط عن السدي وقال ابن أبي حاتم حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث ثنا الحسين بن علي ثنا عامر بن الفرات عن أسباط عن السدي به. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {إذ قالوا ليوسف وأخوه} يعني بنيامين، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه. وفي قوله {ونحن عصبة} قال العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {ونحن عصبة} قال: العصبة الجماعة. وفي قوله {إن أبانا لفي ضلال مبين} قال: لفي خطأ من رأيه.
القشيري
تفسير : عُرِّفُوا على ما سَـتَرُوه من الحَسَدِ، ولم يحتالوا في إخراج ذلك من قلوبهم بالوقيعة في أبيهم حتى قالوا: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}. ويقال لما اعترضوا بقلوبهم على أبيهم في تقديم يوسف في المحبة عاقبهم بأن أمهلهم حتى بسطوا في أبيهم لسانَ الوقيعة فوصفوه بلفظ الضلال، وإن كان المرادُ منه الذهابَ في حديث يوسف عليه السلام، ولمَّا حسدوا يوسف على تقديم أبيهم له لم يَرْضَ - سبحانه - حتى أَقَامَهم بين يدي يوسف عليه السلام، وخرُّوا له سُجَّداً ليْعلَموا أَنَّ الحسودَ لا يسود. ويقال أطولُ الناسِ حُزْنا مَنْ لاَقى الناسَ عن مرارةٍ، وأراد تأخيرَ مَنْ قَدَّمه اللَّهُ أو تقديمَ مَنْ أَخَّرَه اللَّهُ؛ فإخوةُ يوسف - عليه السلام - أرادوا أن يجعلوه في أسفل الجُبِّ فرفعه الله فوقَ السرير!
اسماعيل حقي
تفسير : {اذ قالوا} [يادكن آنراكه كفتند برادران يوسف بايكديكر] {ليوسف} [هرآينه يوسف} فلام الابتداء لتحقيق مضمون الجملة وتأكيده اى ان زيادة محبته لهما امر محقق ثابت لا شبهة فيه {واخوه} اى شقيقه بنيامين والشقيق الاخ من الاب والام وقد يقال للاخ لاب شقيق كأنه شق معك ظهر ابيك وللاخ من الام لانه شق معك بطن امك. وفى القاموس الشقيق كامير الاخ كأنه شق نسبه من نسبه انتهى. وانما لم يذكر باسمه تلويحا بان مدار المحبة اخوته ليوسف من الطرفين الاب والام فالمآل الى زيادة الحب ليوسف ولذلك دبروا لقتله وطرحه ولم يتعرضوا لبنيامين {احب الى ابينا منا} احب فعل تفضيل مبنى من المفعول شذوذا وحد الخبر مع تعدد المبتدأ لان افعل من كذا لا يفرق فيه بين الواحد وما فوقه ولا بين المذكر والمؤنث لان تمامه بمن ولا يثنى اسم التفضيل ولا يجمع ولا يؤنث قبل نمامه. قال بعض العارفين مال يعقوب الى يوسف لظهور كمال استعداده الكلى فى رؤياه حين رأى احد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين فعلم ابوه من رؤياه انه يرث اباه وجده ويجمع استعدادات اخوته فكان يضمه كل ساعة الى صدره ولا يصبر عنه فتبالغ حسدهم حتى حملهم على التعرض له. وقيل لان الله تعالى اراد ابتلاءه بمحبته اليه فى قلبه ثم غيبه عنه ليكون البلاء اشد عليه لغيرة المحبة الآلهية اذ سلطان المحبة لا يقبل الشركة فى ملكه والجمال والكمال فى الحقيقة لله تعالى فلا يحتجب احد بما سواه ولا كيد اشد من كيد الولد الا ترى ان نوحا عليه السلام دعا على الكفار فاغرقهم الله تعالى فلم يحترق قلبه فلما بلغ ولده الغرق صاح ولم يصبر وقال {أية : ان ابنى من اهلى} تفسير : {ونحن عصبة} اى والحال انا جماعة قادرون على الحل والعقد احقاء بالمحبة وما معنى اختيار صغيرين ضعيفين على العشرة الاقوياء والعصبة والعصابة العشرة من الرجال فصاعدوا سموا بذلك لان الامور تعصب بهم وتشتد والنفر ما بين الثلاثة الى الخمسة والرهط ما بين الخمسة الى العشرة {ان ابانا} فى ترجيهما علينا فى المحبة مع فضلنا عليهما وكونهما بمعزل من الكفاية بالصغر والقلة {لفى ضلال} اصل الضلال العدول عن القصد اى ذهاب عن طريق التعديل اللائق وتنزيل كل منا منزلته {مبين} ظاهر الحال نظروا الى صورة يوسف ولم يحيطوا علما بمعناه فقالوا ما قالوا ولم يعرفوا ان يوسف اكبر منهم بحسب الحقيقة: وفى المثنوى شعر : عارفى برسيد ازان بير كشيش كه تواى خواجه مسن ترياك ريش كفت نى من بيش ازو زائيده ام بى زريشى بس جهانرا ديده ام كفت ريشت شدسفيد از حال كشت خوى زشت تونكر ديده است وشت او بس ازتو زاد وازتو بكذريد توجنين خشكى زسوداى ثريد توبدان رنكى كه اول زاده يك قدم زان بيشتر ننهاده همجنان دوغى ترش در معدنى خود نكردى زو مخلص روغنى تفسير : قال فى الكواشى لا وقف من السائلين الى صالحين لان الكلام جملة محكية عنهم انتهى. اى للتعلق المعنوى بين مقدم الكلام ومؤخره الا ان يكون مضطرا بان ينقطع نفسه فحينئذ يجب عليه ان يرجع الى ما قبله ويوصل الكلام بعضه ببعض فان لم يفعل اثم كما فى بعض شروح الجزرى وقرئ مبين
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير ونافع والكسائي {مبين اقتلوا} بضم التنوين. الباقون بكسره قال أبو علي: من ضم التنوين اتبع حركة التنوين ضمة الهمزة بعده، لان تحريكه ملزم لالتقاء الساكنين، كما قالوا مذ به وفي ظلمات فاتبعوا الضمة وكذلك {مبين اقتلوا} {وقالت اخرج}، ومن كسر لم يتبع، وكسر على أصل الحركة لالتقاء الساكنين في الامر الاكثر. والعامل في (اذا) اذكر، وتقديره اذكر إذ قالوا ليوسف. ويحتمل أن يكون العامل فيه ما في الآية الاولى من قوله {لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين. إذ قالوا ليوسف}. وفي الآية اخبار عما قالت أخوة يوسف حين سمعوا منام يوسف وتأويل يعقوب إياه. وقولهم: ان يوسف وأخاه لابيه وأمه، وهو ابن يامين {أحب إلى أبينا} يعقوب {منا} مع انا عصبة أي جماعة، والحب ضد البغض، والحب - بفتح الحاء - سمي به، لانه مما يحب، والحب - بكسر الحاء - المفرط لما فيه من الحب، والاحباب ان يبرك البعير فلا يثور، لانه يحب البروك والمحبة، على ضربين: احدهما - المحبة التي هي ميل الطباع. والثاني - ارادة المنافع. والفرق بين المحبة والشهوة أن الانسان يحب الولد، ولا يشتهيه بأن يميل طبعه اليه ويرق عليه ويريد له الخير. والشهوة منازعة النفس الى ما فيه اللذة. والعصبة الجماعة التي يتعصب بعضها لبعض، وقولهم {ونحن عصبة} أي جماعة يعين بعضها البعض، وكانوا عشرة. والعصبة يقع على الجماعة من عشرة إِلى خمسة عشر، ولا واحد له من لفظه، كالرهط والقوم والنفر. وقوله {إن أبانا لفي ضلال مبين} معناه الاخبار عن قولهم ان ابانا في ذهاب عن طريق الحق والصواب الذي فيه التعديل بيننا في المحبة. وقيل: انهم أرادوا انه غلط في تدبير أمر الدنيا إذ كانوا انفع له من يوسف وأخيه من أمه وأبيه إذ كانوا يقومون بأمواله ومواشيه، ولم يريدوا الضلال في الدين، لأنهم لو أرادوا ذلك، لكانوا كفاراً، وذلك خلاف الاجماع. واكثر المفسرين على ان اخوة يوسف كانوا انبياء، وقال قوم: لم يكونوا كذلك، وهو مذهبنا، لأن الأنبياء، لا يجوز ان تقع منهم القبائح، وخاصة ما فعلوه مع أَخيهم يوسف من طرحه في الجب، وبيعهم إِياه بالثمن البخس، وادخالهم الغم به على أبيهم يعقوب، وكل ذلك يبين أنهم لم يكونوا أنبياء. وقال البلخي: ذهب قوم الى أنهم لم يكونوا في تلك الحال بلغوا الحلم، وقد يقع مثل ذلك ممن قارب البلوغ، وان لم يبلغ، ويعاتب عليه ويذم، ويضرب على فعله. ومن قال: كانوا بالغين غير انهم لم يكونوا انبياء استدل على بلوغهم بقوله {وتكونوا من بعده قوماً صالحين}، وقولهم {يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا} وقال الانبياء الاسباط من بني يعقوب غير هؤلاء.
الجنابذي
تفسير : {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا} قالوا ذلك بعد اطّلاعهم على رؤيا يوسف (ع) وتعبير يعقوب (ع) رؤياه له وكانوا يكذّبون يوسف (ع) فى رؤياه ويقولون: انّه افترى ليصرف وجه ابينا الى نفسه، ونقل فى سبب اطّلاع اخوته انّ امّ شمعون بن يعقوب (ع) كانت تسمع حين نقل يوسف (ع) رؤياه وتسمع تعبير يعقوب (ع) لها من حيث لا يريانها فأخبرت ابنها بذلك وقالت: التّعب لكم والشّرف لغيركم، وقيل: انّهم اطّلعوا على انّ يوسف ذكر رؤياء ليعقوب (ع) وامره بالاخفاء فاحلفوه حتّى اخبرهم، وقيل: انّه رأى بعد ذلك رؤيا اخرى فأخبره أباه بمحضر اخوته فحسدوه وقالوا ما قالوا وعزموا على الكيد والغدر، ولفظة اذ بدل من يوسف واخوته بدل الاشتمال بتقدير قصّة اذ قالوا، او مفعول للسّائلين او استيناف كلام بتقدير اذكر فى جواب السّائلين قصّة اذ قالوا، واضافة اخوّة بنيامين الى يوسف (ع) لكونه من امّه دونهم {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} جماعة اقوياء عل دفع الضّرّ وجلب النّفع له دونهما، والعصبة كما قيل من العشرة الى الاربعين {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} ظاهر رتّبوا قياساً بعقولهم منتجاً لضلالهم ابيهم وترتيب القياس هكذا: نحن اقوى منهما وكلّ من كان اقوى كان اولى بالمحبّة فنحن اولى بالمحبّة وابنونا اختار غير الاولى على الاولى وكلّ من اختار غير الاولى على الاولى فهو ضالّ عن طريق العقل وحكمه فأبونا ضالّ، لكن قياسهم الخيالىّ كان سقيماً عقيماً عند العشق وسلطانه، لانّ العشق ارفع من ان يعارضه الخيال او يداخله القياس واعظم شأناً من ان يناط بالاسباب بل هو من صفات الله العليا يعطى منه ما يشاء لمن يشاء، كما سنحقّقه ان شاء الله فى بيان عشق امراة العزيز ليوسف (ع).
اطفيش
تفسير : {إذْ} مفعول به لاذكر، أو ظرف متعلق بمكان على معنى أنه ثبتت عبر أو علامات: القدرة والحكمة وقت {قالوا} إلى آخره لمن يسأل عن ذلك فى ذلك الزمان {ليُوسُفُ} اللام لام الابتداء ومعناها التوكيد، لا لام جواب قسم مقدر كما قال بعض {وأخُوه} بنيامين بوصل النون الساكنة بالمثناة بعدها، وكسر الموحدة قبلها: وأضافوه إلى ضمير يوسف، مع أنه أخوهم أيضا، لأنه أخو يوسف من أب وأم، وأخوهم من أب فقط، وفى الآية شبه الاستخدام، إذ ذكر الإخوة بما يشمل بنيامين ورد إليهم الضمير، وهو واو قالوا بما يشمله، بدليل قولهم: وأخوه، إلا إن أراد بالإخوة ما عدا هذا، على انه لم يعتبر ما جرى من القصة فى شأنه، وهو وجه ضعيف والتحقيق اعتباره، فيكون الكلام شبيها بالاستخدام كما مر، وهذا الأخ أصغر من يوسف وكان يحبهما، أما يوسف فلما مر، وأما أخوه فلأنه صغير شقيق ليوسف، أو أحبهما لأن أمهما ماتت وهما صغيران، ولأنهما صغيران، وحب الصغير من فطرة البشر، أوضعت محبتهما فى قلبه ضرورة بلا إسناد إلى شئ. {أحبُّ} أخبر بالمفرد عن اثنين، لأنه اسم تفضيل مجرد عن الإضافة وأل، وكذا لو أضيف لنكرة، وكذا يلزم التذكير، ولو كان لمؤنث، وإن أضيف لمعرفة جازت المطابقة، وجاز الإفراد مع التذكير، وإن قرن بأل طابق، وبسط ذلك فى النحو. وذكر ذلك ابن هشام وغيره، ومثل فى بعض كتبه بالآية، وهذا اسم تفضيل خارج عن القياس، لأنه من المبنى للمفعول، لأن المراد الإخبار بأنها أشد محبوبية، لا أشد حابية إلا أن يضمن معنى ألصق بالقلب أو نحو ذلك. {إلَى أبِينَا} عدى بإلى لأنه الأب فاعل الحب فى المعنى، وذلك أن اسم التفصيل إن كان من متعدى بنفسه دال على حب أو بغض يعدى باللام إلى ما هو مفعول فى المعنى، وبإلى إلى ما هو فاعل فى المعنى، نحو: المؤمن أحب الله من نفسه، أى يحب الله أكثر من حب نفسه، أى يحب الله أكثر من حب نفسه، والمؤمن أحب إلى الله من غيره. {منَّا ونَحنُ} الواو للحال {عُصبةٌ} جماعة يعصب بنا الأمور ويستكفى النوائب، ولنقوم بحاجته، والعصبة والعصابة العشر فصاعدا، سميت للتعصب، وقيل: هما العشرة، وعليه الفراء، وقيل:الجماعة ولو أقل، وقال مجاهد: ما بين العشرة إلى خمسة عشر، وقيل: إلى أربعين، وهما اسم جمع إفرادى. وروى النزار بن سيرة، عن على بن أبى طالب: عصبة بالنصب على الحال المحذوف، أى نجتمع عصبة، أو على المفعولية، أى نوجد عصبة: أو الخبرية لكان، أى كنا عصبة، وهذا ضعيف لعدم لو وإن الشرطيتين، والحالية أيضا فيها خروج عن القياس، لأن الحال إنما ينوب عن الخبر قياساً إذا كان المبتدأ مصدرا أو اسمه صريحا عاملا فى اسم مفسر لضمير ذى حال، حال لا يصح كونها خبرا عنه نحو ضربى العبد مسيئا، وعصبة غير مصدر ولا اسمه، والحال يصح الإخبار بها كما ذكر ابن هشام والشيخ خالد. {إنَّ أبانا لَفِى ضَلالِ مُبينٍ} فى خطأ ظاهر فى أريه إذا اختارهما عنا وهما صغيران، لا منفعة فيهما ولا كفاية، ونحن عشرة رجال أقوياء، نقوم بما يحتاج، أحق بالمحبة منهما، ونحن أحسن صورة منه، لم يظهره الله تعالى لهم كما هو، أو فى خطأ فى ترك المحبة، وصواب الرأى أن يستوى بيننا، أو يختارنا، وذلك الترك ليس ذنبا، لأنه ضرورى، إذ ليس فى الإنسان قوة على دفع الحب، فمعنى خطأ فى الترك عدم موافقة لم يستصوب عادة، وليس المراد الخطأ فى الدين، وإلا كان ذلك منهم كفرا حاشاهم، وهم أنبياء مسلمون. وقيل: إن تلك القصة صدرت عنهم وهم غير بلغ بناء على عدم الأنبياء قبل البلوغ والصحيح أنهم بُلَّغ ويناسبه قولهم بعد ذلك: يا أبانا استغفر لنا، والطفل لا ذنب له، ولو كان يحتمل أن يعدوا ذلك ذنبا أى شيئا غير موفق لما ينبغى، ولو كانوا أطفالا، وقصتهم بظاهرها مشتملة على قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وقلة الرأفة بالصغير الذى لا ذنب له، وخيانة الأمانة، ونقض العهد، والكذب، والشروع فيما هو مظنة الموت، ولو لم يقصدوا القتل، ونجاهم الله من قتله، ومن تأدية فعلهم فيه رحمة بهم وبه، وعفا الله سبحانه ذلك كله عنهم، حتى لا ييئس مذنب من رحمة الله.
اطفيش
تفسير : {إِذْ قَالُوا} أَى قال إِخوة يوسف بعض لبعض، إِلا بنيامين، وقول بعض مع رضا الباقين قول للجميع، وقيل: قول شمعون، وقيل: دان، ورضى الآخرون؛ إِلا من قال: لا تقتلوا يوسف فإِنه قال معهم، أَو رضى إِلا القتل، وطرحه أَرضا فلم يقل بهما، خيروا بعضهم فى قتله أَو طرحه أَرضا، وأَو للتخيير، وقيل: قال بعضهم اقتلوه، وبعض اطرحوه أَرضا، ولا دليل لمن قال شاوروا غيرهم فخيرهم، وهو بعيد عن الآية؛ إِلا أَن شاوروه فخيرهم فنطق به بعض لبعض، ويحتاج إِلى رواية صحيحة {لَيُوسُفُ وَأَخُوْهُ} من أَبيه وأُمه بنيامين، ولذلك أَضافوه إِليه خصوصا وذكروه بالأُخوة لا باسمه؛ لأَن حب يعقوب إِياه لأخوته ليوسف {أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} الجملة حال من مجرور من فالربط بالضمير، وواو الحال، أَو من ضمير أَحب فالربط بالواو، والعصبة ما زاد على العشرة، وعن ابن عباس: مابين العشرة إِلى الأَربعين، وقيل: العصبة عشرة فصاعدا، وقيل: ما بين الواحد إِلى العشرة، وقيل: من عشرة إِلى خمسة عشر، وقيل: من ستة، وقيل: من تسعة، ومادة عصب للإِحاطة؛ لأَن قرابة الرجل يحيطون به دفعاً عليه ويتقوى بهم كعصابة الرأس، وعصابة البكرة السفلى، كيف يفضلهما علينا ونحن مجتمعون، فينا قوة ونفع ليس فيهما، وسميت الجماعة عصبة لأَن الأَمر يشد بهم، ويقوى، وكان زيادة حبه لما رأَى فيه من مخايل الخير، ولما رأَى الرؤيا تضاعف حبه، ومما زادهما حباً صغرهما وموت أَمهما، قالت ابنة الحسن ابن الإِمام على: أحب بنى إِلى الصغير حتى يكبر، والغائِب حتى يحضر، والمريض حتى يشفى قال: شعر : إن البنات الخمس أكفاءُ معاً والحلى دون جميعها للحنصر وإِذا الفتى فقد الشباب سما له حب البنين ولاح عجب الأَصغر تفسير : وبنيامين أَصغر من يوسف؛ لكن زاد يوسف بفضائِل، والحب ضرورى لا عدالة فيه وفيما يلتحق به ضرورة لا كسباً ولا تقصيراً {إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلالٍ مُّبِينٍ} إِعراض عن مصالحه لأَنا نحن نقوم بدوابه وحرثه ومصالحه لا هما، أَو أَراد بالضلال الجور فى حبه لهما أَكثر نسبوا نبيا إِلى كبير لسفههم، وبعد ذلك تابوا وليس ذلك إِشراكاً، ومن زعم أَنهم أَنبياءُ، قال عصمة الأَنبياءِ من حين النبوة لا قبلها، والحق عصمتهم من أَول الأَمر.
الالوسي
تفسير : {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ} بنيامين وتخصيصه بالإضافة لاختصاصه بالأخوة من جانبـي الأم والأب وهي أقوى من الأخوة من أحدهما، ولم يذكروه باسمه إشعاراً بأن محبة يعقوب عليه السلام له لأجل شقيقه يوسف عليه السلام، ولذا لم يتعرضوه بشيء مما أوقع بيوسف عليه السلام واللام للابتداء، و {يُوسُفُ} مبتدأ و{أَخُوهُ} عطف عليه، وقوله سبحانه: {أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا} خبر ومتعلق به وهو أفعل تفضيل من المبني للمفعول شذوذاً ولذا عدي بإلى حسبما ذكروا من أن أفعل من الحب والبغض يعدى إلى الفاعل معنى بإلى وإلى المفعول باللام وفي تقول: زيد أحب إلي من بكر إذا كنت تكثر محبته؛ ولي وفيّ إذا كان يحبك أكثر من غيره، ولم يثن مع أن المخبر عنه به إثنان لأن أفعل من كذا لا يفرق فيه بين الواحد وما فوقه ولا بين المذكر وما يقابله بخلاف أخويه فإن الفرق واجب في المحلى جائز في المضاف إذا أريد تفضيله على المضاف إليه وإذا أريد تفضيله مطلقاً فالفرق لازم، وجيء بلام الابتداء لتحقيق مضمون الجملة وتأكيده أي كثرة حبه لهما أمر ثابت لا شبهة فيه. {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي والحال أنا جماعة قادرون على خدمته والجد في منفعته دونهما، والعصبة والعصابة على ما نقل عن الفراء: العشرة فما زاد سموا بذلك لأن الأمور تعصب بهم أي تشد فتقوى. وعن ابن عباس أن العصبة ما زاد على العشرة وفي رواية عنه أنها ما بين العشرة والأربعين، وعن مجاهد أنها من عشرة إلى خمسة عشر. وعن مقاتل هي عشرة، وعن ابن جبير ستة أو سبعة، وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة، وقيل: إلى خمسة عشر، وعن ابن زيد والزجاج وابن قتيبة هي الجماعة مطلقاً ولا واحد لها من لفظها كالنفر والرهط، وقيل: الثلاثة نفر وإذا زادوا فهم رهط إلى التسعة فإذا زادوا فهم عصبة، ولا يقال لأقل من عشرة عصبة، وروى النزال بن سبرة عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ بنصب {عصبة} فيكون الخبر محذوفاً، و{عصبة} حال من الضمير فيه أي نجتمع عصبة، وقدر ذلك ليكون في الحال دلالة على الخبر المحذوف لما فيها من معنى الاجتماع. / وزعم ابن المنير أن الكلام على طريقة: شعر : أنا أبو النجم وشعري شعري تفسير : والتقدير ونحن نحن عصبة، وحذف الخبر لمساواته المبتدأ وعدم زيادته عليه لفظاً ففي حذفه خلاص من تكرار اللفظ بعينه مع دلالة السياق على المحذوف، ولا غرو في وقوع الحال بعد نحن لأنه بالتقدير المذكور كلام تام فيه من الفخامة ما فيه وقدر في {أية : هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ }تفسير : [هود: 78] على قراءة النصب مثل ذلك، وفيه أن الفخامة إنما تجيء من التكرار فلا يجوز الحذف على أن الدلالة على المحذوف غير بينة. وعن ابن الأنباري أن ذلك كما تقول العرب: إنما العامري عمته أي يتعهد ذلك، والدال على المحذوف فيه عمته فإن الفعلة للحالة التي يستمر عليها الشخص فيلزم لا محالة تعهده لها، والأولى أن يعتبر نظير قول الفرزدق: شعر : يا لهذم حكمك مسمطاً تفسير : فإنه أراد كما قال المبرد: حكمك لك مسمطا أي مثبت نافذ غير مردود، وقد شاع هذا فيما بينهم لكن ذكروا أن فيه شذوذاً من وجهين، والآية على قراءة الأمير كرم الله تعالى وجهه أكثر شذوذاً منه كما لا يخفى على المتدرب في علم العربية. {إِنَّ أَبَانَا} أي في ترجيحهما علينا في المحبة مع فضلنا عليهما وكونهما بمعزل عن كفاية الأمور {لَفِي ضَلَـٰلٍ} أي خطأ في الرأي وذهاب عن طريق التعديل اللائق من تنزيل كل منا منزلته {مُّبِينٌ} ظاهر الحال، وجعل الضلال ظرفاً لتمكنه فيه، ووصفه بالمبين إشارة إلى أن ذلك غير مناسب له بزعمهم والتأكيد لمزيد الاعتناء، يروى أنه عليه السلام كان أحب إليه لما يرى فيه من أن المخايل وكانت إخوته يحسدونه فلما رأى الرؤيا تضاعفت له المحبة فكان لا يصبر عنه ويضمه كل ساعة إلى صدره ولعله أحس قلبه بالفراق فتضاعف لذلك حسدهم حتى حملهم على ما قص الله تعالى عنهم، وقال بعضهم: إن سبب زيادة حبه عليه السلام ليوسف وأخيه صغرهما وموت أمهما، وحب الصغير أمر مركوز في فطرة البشر فقد قيل لابنة الحسن: أي بنيك أحب إليك؟ قالت: الصغير حتى يكبر والغائب حتى يقدم والمريض حتى يشفى، وقد نظم بعض الشعراء في محبة الولد الصغير قديماً وحديثاً، ومن ذلك ما قاله الوزير أبو مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري من قصيدة بعث بها إلى أولاده وهو في السجن: شعر : وصغيرهم عبد العزيز فإنني أطوى لفرقته جوى لم يصغر ذاك المقدم في الفؤاد وإن غدا كفأ لكم في المنتمى والعنصر إن البنان الخمس أكفاء معا والحلي دون جميعها للخنصر وإذا الفتى فقد الشباب سماله حب البنين ولا كحب الأصغر تفسير : وفيه أن منشأ زيادة الحب لو كانت ما ذكر لكان بنيامين أوفر حظاً في ذلك لأنه أصغر من يوسف عليه السلام كما يدل عليه قولهم: إن أمهما ماتت في نفاسه، والآية كما أشرنا إليه مشيرة إلى أن محبته لأجل شقيقه يوسف فالذي ينبغي أن يعول عليه أنه عليه السلام إنما أحبه أكثر منهم لما رأى فيه من مخايل الخير ما لم ير فيهم وزاد ذلك الحب بعد الرؤيا لتأكيدها تلك الأمارات عنده ولا لوم على الوالد في تفضيله بعض ولده على بعض في المحبة لمثل ذلك، وقد صرح غير واحد أن المحبة ليست مما تدخل تحت وسع البشر والمرء معذور فيما لم يدخل تحته، نعم ظن أبناؤه أن ما كان منه عليه السلام إنما كان عن اجتهاد وأنه قد أخطأ في ذلك والمجتهد يخطىء ويصيب وإن كان نبياً، وبهذا ينحل ما قيل: إنهم إن كانوا قد آمنوا بكون أبيهم رسولاً حقاً من عند الله تعالى فكيف اعترضوا / وكيف زيفوا طريقته وطعنوا فيما هو عليه، وإن كانوا مكذبين بذلك فهو يوجب كفرهم والعياذ بالله تعالى وهو مما لم يقل به أحد ووجه الانحلال ظاهر.
ابن عاشور
تفسير : {إذْ} ظرف متعلق بـــ (كَان) من قوله: { أية : لقد كَان في يوسف وإخوته آيات للسائلين } تفسير : [سورة يوسف: 7]، فإنّ ذلك الزمان موقع من مواقع الآيات فإن في قولهم ذلك حينئذٍ عبرة من عبر الأخلاق التي تنشأ من حسد الإخوة والأقرباء، وعبرة من المجازفة في تغليطهم أباهم، واستخفافهم برأيه غروراً منهم، وغفلة عن مراتب موجبات ميل الأب إلى بعض أبنائه. وتلك الآيات قائمة في الحكاية عن ذلك الزمن. وهذا القول المحكي عنهم قول تآمر وتحاور. وافتتاحُ المقول بلام الابتداء المفيدة للتّوكيد لقصد تحقيق الخبر. والمراد: توكيد لازم الخبر إذ لم يكن فيهم من يشك في أنّ يوسف عليه السّلام وأخاه أحبّ إلى أبيهم من بقيّتهم ولكنّهم لم يكونوا سواء في الحسد لهما والغيرة من تفضيل أبيهم إيّاهما على بقيتهم، فأراد بعضهم إقناع بعض بذلك ليتمالؤوا على الكيد ليوسف عليه السّلام وأخيه، كما سيأتي عند قوله: {ونحن عصبة}، وقوله: { أية : قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف } تفسير : [سورة يوسف: 10]؛ فقائل الكلام بعض إخوته، أي جماعة منهم بقرينة قوله بعد { أية : اقتلوا يوسف } تفسير : [سورة يوسف: 9] وقولهم: { أية : قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف } تفسير : [سورة يوسف: 10]. وأخو يوسف عليه السّلام أريد به (بنيامين) وإنّما خصّوه بالأخوة لأنّه كان شقيقه، أمهما (راحيل) بنت (لابان)، وكان بقية إخوته إخوة للأب، أمُّ بعضهم (ليئة) بنت (لابان)، وأمّ بعضهم (بلهة) جارية (ليئة) وهبتْها (ليئة) لزوجها يعقوب عليه السّلام. و{أحب} اسم تفضيل، وأفعل التفضيل يتعدّى إلى المفضّل بـــ (من)، ويتعدّى إلى المفضّل عنده بـــ (إلى). ودعواهم أنّ يوسف ـــ عليه السّلام ـــ وأخاه أحبّ إلى يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ منهم يجوز أن تكون دعوى باطلة أثار اعتقادها في نفوسهم شدّةُ الغيرة من أفضليّة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ وأخيه عليهم في الكمالات وربّما سمعوا ثناء أبيهم على يوسف ـــ عليه السّلام ـــ وأخيه في أعمال تصدر منهما أو شاهدوه يأخذ بإشارتهما أو رأوا منه شفقة عليهما لصغرهما ووفاة أمّهما فتوهّموا من ذلك أنّه أشدّ حبّاً إيّاهما منهم توهماً باطلاً. ويجوز أن تكون دعواهم مطابقة للواقع وتكون زيادة محبّته إيّاهما أمراً لا يملك صرفه عن نفسه لأنّه وجدان ولكنّه لم يكن يؤثرهما عليهم في المعاملات والأمور الظاهريّة ويكون أبناؤه قد علموا فرط محبّة أبيهم إيّاهما من التوسّم والقرائن لا من تفضيلهما في المعاملة فلا يكون يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ مؤاخذاً بشيء يفضي إلى التباغض بين الإخوة. وجملة {ونحن عصبة} في موضع الحال من {أحبُّ}، أي ونحن أكثر عدداً. والمقصود من الحال التعجّب من تفضيلهما في الحبّ في حال أنّ رجاء انتفاعه من إخوتهما أشدّ من رجائه منهما، بناء على ما هو الشائع عند عامّة أهل البدو من الاعتزاز بالكثرة، فظنوا مدارك يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ مساوية لمدارك الدّهماء، والعقولُ قلما تدرك مراقي ما فوقها، ولم يعلموا أنّ ما ينظر إليه أهل الكمال من أسباب التفضيل غير ما ينظره مَن دونهم. وتكون جملة {إنّ أبَانَا لفي ضلال مبين} تعليلاً للتعجّب وتفريعاً عليه، وضمير {ونحن عصبة} لجميع الإخوة عَدَا يوسف ـــ عليه السّلام ـــ وأخاه. ويجوز أن تكون جملة {ونحن عصبة} عطفاً على جملة {ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا}. والمقصود لازم الخبر وهو تجرئة بعضهم بعضاً عن إتيان العمل الذي سيغريهم به في قولهم: { أية : اقتلوا يوسف } تفسير : [سورة يوسف: 9]، أي إنّا لا يعجزنا الكيد ليوسف عليه السّلام وأخيه فإنّا عصبة والعصبة يهون عليهم العمل العظيم الذي لا يستطيعه العدد القليل كقوله: { أية : قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنّا إذن لخاسرون } تفسير : [سورة يوسف: 14]، وتكون جملة {إنّ أبانا} تعليلاً للإغراء وتفريعاً عليه. و«العصبة: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل أسماء الجماعات، ويقال: العصابة. قال جمهور اللّغويين: تطلق العصبة على الجماعة من عشرة إلى أربعين». وعن ابن عبّاس أنّها من ثلاثة إلى عشرة، وذهب إليه بعض أهل اللغة وذكروا أنّ في مصحف حفصة قوله تعالى: «إنّ الذين جاءوا بالإفك عصبة أربعةٌ منكم». وكان أبناء يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ اثني عشر، وهم الأسباط. وقد تقدّم الكلام عليهم عند قوله تعالى: { أية : أم يقولون إنّ إبراهيم } تفسير : الآية في سورة البقرة (140). و«الضلال» إخطاء مسلك الصّواب. وإنّما: أراد وأخطأ التّدبير للعيش لا الخطأ في الدين والاعتقاد. والتخطئة في أحوال الدّنيا لا تنافي الاعتراف للمخطىء بالنبوءة.
الشنقيطي
تفسير : الظاهر أن مراد أولاد يعقوب بهذا الضلال الذي وصفوا به أباهم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في هذه الآية الكريمة - إنما هو الذهاب عن علم حقيقة الأمر كما ينبغي. ويدل لهذا ورود الضلال بهذا المعنى في القرآن وفي كلام العرب. فمنه بهذا المعنى قوله تعالى عنهم مخاطبين أباهم: {أية : قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ} تفسير : [يوسف: 95] وقوله تعالى في نبينا صلى الله عليه وسلم: {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ}تفسير : [الضحى: 7] أي لست عالماً بهذه العلوم التي لا تعرف إلا بالوحي، فهداك إليها وعلمكها بما أوحي إليك من هذا القرآن العظيم. ومنه بهذا المعنى قول الشاعر: شعر : وتظن سلمى أنني أبغي بها بدلا أراها في الضلال تهيم تفسير : يعني: أنها غير عالمة بالحقيقة في ظنها أنه يبغي بها بدلاً وهو لا يبغي بها بدلاً. وليس المراد أولاد يعقوب الضلال في الدين، إذ لو أرادوا ذلك لكانوا كفاراً، وإنما مرادهم أن اباهم في زعمهم في ذهاب عن إدراك الحقيقة، وإنزال الأمر منزلته اللائقة به، حيث آثر اثنين على عشرة، مع أن العشرة أكثر نفعاً له، وأقدر على القيام بشؤونه وتدبير أموره. واعلم أن الضلال أطلق في القرآن إطلاقين آخرين: أحدهما - الضلال في الدين، أي الذهاب عن طريق الحق التي جاءت بها الرسل صلوات الله عليهم وسلامه. وهذا أشهر معانيه في القرآن. ومنه بهذا المعنى {أية : غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} تفسير : [الفاتحة: 7] وقوله: {أية : وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [الصافات: 71]، وقوله: {أية : وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً} تفسير : [يس: 62] إلى غير ذلك من الآيات. الثاني - إطلاق الضلال بمعنى الهلاك والغيبة, من قول العرب: ضل السمن في الطعام، إذا غاب فيه وهلك فيه، ولذلك تسمي العرب الدفن إضلالاً. لأنه تغيب في الأرض يؤول إلى استهلاك عظام الميت فيها، لأنها تصير رميماً وتمتزج بالأرض. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَقَالُوۤاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [السجدة: 10] الآية. ومن إطلاق الضلال على الغيبة قوله تعالى: {أية : وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} تفسير : [الأعراف: 53] أي غاب واضمحل. ومن إطلاق الضلال على الدفن قول نابغة ذبيان: شعر : فآب مضلوه بعين جلية وغودر بالجولان حزم ونائل تفسير : فقوله: مضلوه، يعني دافنيه. وقوله: بعين جلية، أي بخبر يقين. والجولان: جبل دفن عنده المذكور. ومن الضلال بمعنى الغيبة والاضمحلال قول الأخطل: شعر : كنت القذى في موج أكدر مزبد قذف الأتى به فضل ضلالا تفسير : وقول الآخر: شعر : ألم تسأل فتخبرك الديار عن الحي المضلل أين ساروا
د. أسعد حومد
تفسير : {ضَلاَلٍ} (8) - إِذْ قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ لأَِبِيهِ، فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَهُمْ عَشَرَةُ رِجَالٍ، إِنَّ يُوسُفَ وَأَخَاهُ لأُِمِّهِ وَأَبِيهِ، أَحَبُّ إِلى أَبِينَا مِنَّا، وَنَحْنُ أَنْفَعُ لَهُ مِنْهُمَا لأَِنَّنَا جَمَاعَةُ كَبِيرَةُ العَدَدِ (عُصْبَةٌ)، وَإِنَّ أَبَانَا لَعَلَى خَطَأٍ وَاضِحٍ فِي تَفْضِيلِ هَذِينِ الأَخَوَيْنِ، وَتَقْدِيمِهِمَا عَلَينا، وَقَدْ ضَلَّ طَرِيقَ العَدَالَةِ وَالمُسَاوَاةِ ضَلاَلاً مُبِيناً لاَ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، فَكَيْفَ يُفَضِّلُ غُلاَمِينِ ضَعِيفَيْنِ لاَ يَقُومَانِ بِخِدْمَةٍ نَافِعَةٍ، عَلَى العُصْبَةِ أُولي القُوَّةِ وَالبَأْسِ؟ نَحْنُ عُصْبَةٌ - نَحْنُ جَمَاعَةٌ كَبِيرَةُ العَدَدِ، كُفَاةٌ لِلْقِيَامِ بِمَا يَأْمُرُنَا بِهِ أَبُونا. ضَلالٍ مُبِينٍ - خَطَأٍ بَيِّنٍ فِي إِيثَارِهِمَا عَلَيْنا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ولا بُدَّ لنا هنا أن ننظر إلى الأخوة بنوعياتها؛ فقد تكون الأخوة من ناحية الأبوين معاً؛ وقد تكون من ناحية الأب دون الأم، أو من ناحية الأم دون الأب، وكان عدد أبناء يعقوب عليه السلام اثنا عشر: سبعة من واحدة؛ وأربعة من اثنتين: زلفى وبلهه؛ واثنين من راحيل هما: يوسف، وأخوه بنيامين. وتبدأ الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا ..} [يوسف: 8]. وحرف اللام الذي سبق اسم يوسف جاء للتوكيد، وكأنهم قالوا: والله إن أبانا يحب يوسف وأخاه أكثر من حُبِّه لنا. والتوكيد لا يأتي إلا بصدد إنكار. وهذا يدل على أنهم مختلفون في أمر يوسف عليه السلام؛ فأحدهم يريد أن ينتقم من يوسف، وآخر يقترح تخفيف المسألة بإلقائه في الجب؛ ثم انتهوا إلى أن يوسف أحبُّ إلى أبيهم منهم. وفي قولهم لَمْحة من إنصاف؛ فقد أثبتوا حب أبيهم لهم؛ ولكن قولهم به بعضٌ من غفلة البشر؛ لأنهم كان يجب أن يلتمسوا سبب زيادة حُبِّ أبيهم ليوسف وأخيه. فيوسف وأخوه كانوا صِغَاراً وماتت أمهما؛ ولم يَعُدْ لهم إلا الأب الذي أحسَّ بضرورة أن يَجتمع فيه تجاههما حنانُ الأب وحنانُ الأم؛ ولأنهما صغارٌ نجد الأب يحنُو عليهما بما أودعه الله في قلبه من قدرة على الرعاية. وهذا أمر لا دَخْل ليعقوب فيه؛ بل هي مسألة إلهية أودعها الله في القلوب بدون اختيار؛ ويُودعها سبحانه حتى في قلوب الحيوانات. وقد شاء سبحانه أن يجعل الحنان على قدر الحاجة؛ فالقطة - على سبيل المثال - إن اقتربَ أحد من صغارها المولودين حديثاً؛ تهجم على هذا الذي اقترب من صغارها. ولذلك نجد العربي القديم قد أجاب على مَنْ سأله "أي أبنائك أحب إليك؟" فقال: "الصغير حتى يكبر؛ والغائب حتى يعود، والمريض حتى يشفى". وهذه مسألة نراها في حياتنا اليومية، فنجد امرأة لها ولدان، واحد أكرمه الله بسعة الرزق ويقوم بكل أمورها واحتياجاتها؛ والآخر يعيش على الكفاف أو على مساعدة أخيه له؛ ونجد قلبها دائما مع الضعيف. ولذلك نقول: إن الحب مسألة عاطفية لا تخضع إلى التقنين؛ ولا تكليف بها؛ وحينما يتعرض القرآن لها فالحق سبحانه يوضح: أن الحب والبغض انفعالات طبيعية؛ فأحبِبْ مَنْ شئتَ وأبغِضْ مَنْ شئتَ؛ ولكن إياك أن تظلم الناس لمن أحببت؛ أو تظلم مَنْ أبغضت. اقرأ قول الحق سبحانه: {أية : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [المائدة: 8]. فأحبب مَنْ شئتَ، وأبغض مَنْ شئتَ، ولكن لا تظلم بسبب الحب أو البغض. وقد يقول قائل: ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه " . تفسير : نقول: اقرأ ما جاء في نفس رواية الحديث؛ فقد قال عمر رضي الله عنه - بوضوحه وصراحته وجراءته؛ دون نفاق -: أحبك يا رسول الله عن مالي وعن ولدي أما عن نفسي؛ فلا، فكرر النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ". تفسير : ففطِنَ عمر رضي الله عنه إلى أن الأمر هو التزام عقديٌّ وتكليفي؛ وفَهِم أنَ المطلوب هو حُبُّ العقل؛ لا حب العاطفة. وحب العقل - كما نعلم - هو أن تُبصر الأمر النافع وتفعله؛ مثلما تأخذ الدواء المُرَّ؛ وأنت تفعل ذلك بحبٍّ عقلي؛ رغبةً منك في أن يأذن الحق بالشفاء. والمسلم يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقله؛ لأنه يعلم أنه لولا مجيء رسول الله لما عرف حلاوة الإيمان، وقد يتسامى المسلم في حُبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يصير حب الرسول في قلبه حباً عاطفياً. وهكذا نرى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أوضح لنا الخطوط الفاصلة بين مباديء الحب العقلي والحب العاطفي. والمثال الآخر من سيرة عمر رضي الله عنه في نفس المسألة؛ حب العقل وحب العاطفة؛ حين مَرَّ عليه قاتل أخيه؛ فقال واحد ممَّنْ يجلسون معه: هذا قاتل أخيك. فقال عمر: وماذا أفعل به وقد هداه الله للإسلام؟ وصرف عمر وجهه بعيداً عن قاتل أخيه؛ فجاء القاتل إليه قائلاً: لماذا تزوي وجهك عني؟ قال عمر: لأنِّي لا أحبك، فأنت قاتل أخي. فقال الرجل: أو يمنعني عدم حبك لي من أيِّ حق من حقوقي؟ قال عمر: لا. فقال الرجل: "لك أن تحب مَنْ تريد، وتكره مَنْ تريد، ولا يبكي على الحب إلا النساء". وكان على إخوة يوسف أن ينتبهوا إلى حب والدهم ليوسف وأخيه هو انفعال طبيعي لا يُؤاخَذُ به الأب؛ لأن ظروف الولدين حتمت عليه أن يحبهم مثل هذا الحب. وتستمر القصة بما فيها من تصعيد للخير وتصعيد للشر؛ ولسائل أن يسأل: ولماذا انصبَّ غضبهم على يوسف وحده؟ ويُقال: إنهم لم يرغبوا أنْ يَفْجعوا أباهم في الاثنين - يوسف وأخيه - أو أن شيئاً من رؤيا يوسف تسرب إليهم. ومن العجيب أن يقولوا بعد ذلك: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ..} [يوسف: 8]. والعصبة من عدد عشرة فما فوق؛ والعصبة أيضاً هم المُتكاتفون المُتعصِّبون لبعضهم البعض؛ وهم الذين يقومون بالمصالح ويقضون الحاجات؛ وقد تقاعد أبوهم؛ وترك لهم إدارة أعمال العائلة. وقالوا: "ما دُمْنَا نقوم بمصالح العائلة، فكان من الواجب أن يَخُصَّنا أبونا بالحب" ولم يلتفتوا إلى أنهم عُصْبة، وهذا ما جعل الأب يحبهم، لكنه أعطى مَنْ ليسوا عصبة مزيداً من الرعاية، ولكنهم سدروا في غَيِّهم، ووصلوا إلى نتيجة غير منطقية وهي قولهم: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يوسف: 8]. وهذا القول هو نتيجة لا تنسجم مع المقدمات، فيوسف وأخوه طفلان ماتت أمهما، ولا بُدَّ أن يعطف عليهم الأب؛ وحبُّه لهما لم يمنع حبه للأبناء الكبار القادرين على الاعتماد على أنفسهم. وحين يقولون: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يوسف: 8]. قد يفهم بعض الناس كلمة "ضلال" هنا بالمعنى الواسع لها. نقول: لا؛ لأن هناك ضلالاً مقصوداً، وهو أن يعرف طريق الحق ويذهب إلى الباطل، وهذا ضلال مذموم. وهناك ضلال غير مقصود، مثل: ضلال رجل يمشي فيسلك طُرقاً لا يعرفها فيضل عن مقصده؛ ومثل مَنْ ينسى شيئاً من الحق. وسبحانه القائل: {أية : أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ ..} تفسير : [البقرة: 282]. وسبحانه القائل أيضاً: {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ} تفسير : [الضحى: 7]. إذن: فالضلال المذموم هو أن تعرف طريق الحق، وتذهب إلى الضلال. وهكذا أخطأ إخوة يوسف في تقدير أمر حُبِّ أبيهم ليوسف وأخيه؛ ووصلوا إلى نتيجة ضارَّة؛ لأن المقدمات التي أقاموا عليها تلك النتيجة كانت باطلة؛ ولو أنهم مَحَّصُوا المقدمات تمحيصاً دقيقاً لَمَا وصلوا إلى النتيجة الخاطئة التي قالوها: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يوسف: 8]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك ما جاء على ألسنة إخوة يوسف: {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} معناهُ جَماعةٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):