١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه لما قوي الحسد وبلغ النهاية قالوا لا بد من تبعيد يوسف عن أبيه: وذلك لا يحصل إلا بأحد طريقين: القتل أو التغريب إلى أرض يحصل اليأس من اجتماعه مع أبيه ولا وجه في الشر يبلغه الحاسد أعظم من ذلك، ثم ذكروا العلة فيه وهي قولهم: {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } والمعنى أن يوسف شغله عنا وصرف وجهه إليه فإذا أفقده أقبل علينا بالميل والمحبة {وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَـٰلِحِينَ } وفيه وجوه: الأول: أنهم علموا أن ذلك الذي عزموا عليه من الكبائر فقالوا: إذا فعلنا ذلك تبنا إلى الله ونصير من القوم الصالحين. والثاني: أنه ليس المقصود ههنا صلاح الدين بل المعنى يصلح شأنكم عند أبيكم ويصير أبوكم محباً لكم مشتغلاً بشأنكم. الثالث: المراد أنكم بسبب هذه الوحشة صرتم مشوشين لا تتفرغون لإصلاح مهم، فإذا زالت هذه الوحشة تفرغتم لإصلاح مهماتكم، واختلفوا في أن هذا القائل الذي أمر بالقتل من كان؟ على قولين: أحدهما: أن بعض إخوته قال هذا. والثاني: أنهم شاوروا أجنبياً فأشار عليهم بقتله، ولم يقل ذلك أحد من إخوته، فأما من قال بالأول فقد اختلفوا فقال وهب: إنه شمعون، وقال مقاتل: روبيل. فإن قيل: كيف يليق هذا بهم وهم أنبياء؟ قلنا: من الناس من أجاب عنه بأنهم كانوا في هذا الوقت مراهقين وما كانوا بالغين، وهذا ضعيف، لأنه يبعد من مثل نبي الله تعالى يعقوب عليه السلام أن يبعث جماعة من الصبيان من غير أن يكون معهم إنسان عاقل يمنعهم من القبائح. وأيضاً أنهم قالوا: {وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَـٰلِحِينَ } وهدا يدل على أنهم قبل التوبة لا يكونون صالحين، وذلك ينافي كونهم من الصبيان، ومنهم من أجاب بأن هذا من باب الصغائر، وهذا أيضاً بعيد لأن إيذاء الأب الذي هو نبي معصوم، والكذب معه والسعي في إهلاك الأخ الصغير كل واحد من ذلك من أمهات الكبائر، بل الجواب الصحيح أن يقال: إنهم ما كانوا أنبياء، وإن كانوا أنبياء إلا أن هذه الواقعة إنما أقدموا عليها قبل النبوة. ثم إنه تعالى حكى أن قائلاً قال: {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ } قيل إنه كان روبيل وكان ابن خالة يوسف وكان أحسنهم رأياً فيه فمنعهم عن القتل، وقيل يهودا، وكان أقدمهم في الرأي والفضل والسن. ثم قال: {وَأَلْقُوهُ فِى غَيَابَةِ ٱلْجُبّ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع {فِى غَيَابَةِ ٱلْجُبّ } على الجمع في الحرفين، هذا والذي بعده، والباقون {غَيَابَةِ } على الواحد في الحرفين. أما وجه الغيابات فهو أن للجب أقطاراً ونواحي، فيكون فيها غيابات، ومن وحد قال: المقصود موضوع واحد من الجب يغيب فيه يوسف، فالتوحيد أخص وأدل على المعنى المطلوب. وقرأ الجحدري {فِى غَيَابَةِ ٱلْجُبّ }. المسألة الثانية: قال أهل اللغة: الغيابة كل ما غيب شيئاً وستره، فغيابة الجب غوره، وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله. والجب البئر التي ليست بمطوية سميت جباً، لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها غير القطع من طي أو ما أشبه ذلك، وإنما ذكرت الغيابة مع الجب دلالة على أن المشير أشار بطرحه في موضع مظلم من الجب لا يلحقه نظر الناظرين فأفاد ذكر الغيابة هذا المعنى إذ كان يحتمل أن يلقى في موضع من الجب لا يحول بينه وبين الناظرين. المسألة الثالثة: الألف واللام في الجب تقتضي المعهود السابق، اختلفوا في ذلك الجب فقال قتادة: هو بئر ببيت المقدس، وقال وهب: هو بأرض الأردن، وقال مقاتل: هو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب، وإنما عينوا ذلك الجب للعلة التي ذكروها وهي قولهم: {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ } وذلك لأن تلك البئر كانت معروفة وكانوا يردون عليها كثيراً، وكان يعلم أنه إذا طرح فيها يكون إلى السلامة أقرب، لأن السيارة إذا جازوا وردوها، وإذا وردوها شاهدوا ذلك الإنسان فيها، وإذا شاهدوه أخرجوه وذهبوا به فكان إلقاؤه فيها أبعد عن الهلاك. المسألة الرابعة: الالتقاط تناول الشيء من الطريق، ومنه: اللقطة واللقيط، وقرأ الحسن {تلتقطه} بالتاء على المعنى، لأن بعض السيارة أيضاً سيارة، والسيارة الجماعة الذين يسيرون في الطريق للسفر. قال ابن عباس: يريد المارة وقوله: {ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ } فيه إشارة إلى أن الأولى أن لا تفعلوا شيئاً من ذلك، وأما إن كان ولا بد فاقتصروا على هذا القدر ونظيره قوله تعالى: { أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } تفسير : [النحل: 126] يعني الأولى أن لا تفعلوا ذلك.
البيضاوي
تفسير : {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ } من جملة المحكي بعد قوله إذ قالوا كأنهم اتفقوا على ذلك الأمر إلا من قال «لا تقتلوا يوسف». وقيل إنما قاله شمعون أو دان ورضي به الآخرون. {أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا} منكورة بعيدة من العمران، وهو معنى تنكيرها وإبهامها ولذلك نصبت كالظروف المبهمة. {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } جواب الأمر. والمعنى يصف لكم وجه أبيكم فيقبل بكليته عليكم ولا يلتفت عنكم إلى غيركم ولا ينازعكم في محبته أحد. {وَتَكُونُواْ } جزم بالعطف على {يَخْلُ} أو نصب بإضمار أن. {مِن بَعْدِهِ} من بعد يوسف أو الفراغ من أمره أو قتله أو طرحه. {قَوْمًا صَـٰلِحِينَ} تائبين إلى الله تعالى عما جنيتم أو صالحين مع أبيكم بصلح ما بينكم وبينه بعذر تمهدونه، أو صالحين في أمر دنياكم فإنه ينتظم لكم بعده بخلو وجه أبيكم. {قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ } يعني يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً. وقيل روبيل. {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ } فإن القتل عظيم. {وَأَلْقُوهُ فِى غَيَابَةِ ٱلْجُبّ } في قعره، سمي بها لغيبويته عن أعين الناظرين. وقرأ نافع في «غيابات» في الموضعين على الجمع كأنه لتلك الجب غيابات. وقرىء «غيبة» و «غيابات» بالتشديد. {يَلْتَقِطْهُ } يأخذه. {بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ } بعض الذين يسيرون في الأَرض. {إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ } بمشورتي أو إن كنتم على أن تفعلوا ما يفرق بينه وبين أبيه. {قَالُواْ يأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ} لم تخافنا عليه. {وَإِنَّا لَهُ لَنَـٰصِحُونَ } ونحن نشفق عليه ونريد له الخير، أرادوا به استنزاله عن رأيه في حفظه منهم لما تنسم من حسدهم، والمشهور {تَأْمَنَّا } بالإدغام بإشمام. وعن نافع بترك الإِشمام ومن الشواذ ترك الإِدغام لأنهما من كلمتين وتيمناً بكسر التاء. {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً} إلى الصحراء. {يَرْتَعَ} نتسع في أكل الفواكه ونحوها من الرتعة وهي الخصب. {وَيََلْعَبُ} بالاستباق والانتضال. وقرأ ابن كثير نرتع بكسر العين على أنه من ارتعى يرتعي ونافع بالكسر والياء فيه وفي {يلعب}. وقرأ الكوفيون ويعقوب بالياء والسكون على إسناد الفعل إلى يوسف. وقرىء {يَرْتَعْ} من أرتع ماشيته و {يَرْتَعِ} بكسر العين و {يلعب} بالرفع على الابتداء. {وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ} من أن يناله مكروه. {قَالَ إِنّى لَيَحْزُنُنِى أَن تَذْهَبُواْ بِهِ} لشدة مفارقته علي وقلة صبري عنه. {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذّئْبُ } لأن الأرض كانت مذأبة. وقيل رأى في المنام أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره عليه، وقد همزها على الأصل ابن كثير ونافع في رواية قالون، وفي رواية اليزيدي وأبو عمرو وقفاً وعاصم وابن عامر وحمزة درجاً واشتقاقه من تذاءبت الريح إذا هبت من كل جهة. {وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ} لاشتغالكم بالرتع واللعب أو لقلة اهتمامكم بحفظه. {قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } اللام موطئة للقسم وجوابه: {إِنَّا إِذَا لَّخَـٰسِرُونَ } ضعفاء مغبونون، أو مستحقون لأن يدعى عليهم بالخسار والواو في {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } للحال. {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَةِ ٱلْجُبّ } وعزموا على إلقائه فيها، والبئر بئر بيت المقدس أو بئر بأرض الأردن أو بين مصر ومدين، أو على ثلاثة فراسخ من مقام يعقوب وجواب لما محذوف مثل فعلوا به ما فعلوا من الأذى. فقد روي (أنهم لما بروزا به إلى الصحراء أخذوا يؤذونه ويضربونه حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح ويستغيث فقال يهوذا: أما عاهدتموني أن لا تقتلوه فأتوا به إلى البئر، فدلوه فيها فتعلق بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم ويحتالوا به على أبيهم، فقال: يا إخوتاه ردوا علي قميصي أتوارى به فقالوا: ادع الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر يلبسوك ويؤنسوك فلما بلغ نصفها ألقوه وكان فيها ماء فسقط فيه، ثم آوى إلى صخرة كانت فيها فقام عليها يبكي فجاءه جبريل بالوحي) كما قال: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} وكان ابن سبع عشرة سنة. وقيل كان مراهقاً أوحي إليه في صغره كما أوحي إلى يحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام. وفي القصص: أن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبريل عليه السلام بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحاق إلى يعقوب فجعله في تميمة علقها بيوسف فأخرجه جبريل عليه السلام وألبسه إياه {لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا} لتحدثتهم بما فعلوا بك {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أنك يوسف لعلو شأنك وبعده عن أوهامهم وطول العهد المغير للحلى والهيئات، وذلك إشارة إلى ما قال لهم بمصر حين دخلوا عليه ممتارين {فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ}. بشره بما يؤول إليه أمره إيناساً له وتطييباً لقلبه. وقيل {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} متصل بـ {أَوْحَيْنَا} أي آنسناه بالوحي وهم لا يشعرون ذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا } أي بأرض بعيدة {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } بأن يقبل عليكم ولا يلتفت لغيركم {وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ } أي بعد قتل يوسف أو طرحه {قَوْمًا صَٰلِحِينَ } بأن تتوبوا.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَرْضاً} لتأكله السباع، أو ليبعد عن أبيه، {صَالِحِينَ} بالتوبة، أو في دنياكم دون الدين.
البقاعي
تفسير : ولما كان ذلك، وكان عندهم أن الشاغل الأعظم لأبيهم عنهم إنما هو حب يوسف عليه الصلاة والسلام، وحب أخيه إنما هو تابع، كان كأنهم تراجعوا فيما بينهم فقالوا: قد تقرر هذا، فما أنتم صانعون؟ فقالوا أو ما شاء الله منهم: {اقتلوا يوسف} أصل القتل: إماتة الحركة بالسكون {أو اطرحوه أرضاً} أوصلوا الفعل بدون حرف ونكروها دلالة على أنها منكورة مجهولة بحيث يهلك فيها، وعنى قائلهم بذلك: إن تورعتم عن مباشرة قتله بأيديكم. ولما كان التقدير: إن تفعلوا ذلك، أجابه بقوله: {يخل لكم} أي خاصاً بكم {وجه أبيكم} أي قصده لكم وتوجهه إليكم وقصدكم ونيتكم. ولما كان أهل الدين لا يهملون إصلاح دينهم لأنه محط أمرهم، قالوا: {وتكونوا} أي كوناً هو في غاية التمكن، ولما كانوا عالمين بأن الموت لا بد منه. فهو مانع من استغراقهم للزمان الآتي، أدخلوا الجار فقالوا: {من بعده} أي يوسف عليه الصلاة والسلام {قوماً} أي ذوي نشاط وقوة على محاولة الأمور {صالحين} أي عريقين في وصف الصلاح مستقيمين على طريقة تدعو إلى الحكمة بوقوع الألفة بينكم واستجلاب محبة الوالد بالمبالغة في بره وبالتوبة من ذنب واحد يكون سبباً لزوال الموجب لداء الحسد الملزوم لذنوب متصلة من البغضاء والمقاطعة والشحناء، فعزموا على التوبة قبل وقوع الذنب فكأنه قيل: إن هذا لمن أعجب العجب من مطلق الأقارب فضلاً عن الإخوة، فماذا قالوا عند سماعه؟ فقيل: {قال} ولما كان السياق لأن الأمر كله لله، فهو ينجي من يشاء بما يشاء، لم يتعلق القصد ببيان الذي كانت على يده النجاة، فقال مبهماً إشعاراً بأنه يجب قول النصح من أيّ قائل كان، وأن الإنسان لا يحقر نفسه في بذل النصح على أيّ حال كان: {قائل} ثم عينه بعض التعيين فقال: {منهم} أي إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام {لا تقتلوا يوسف} لا بأيديكم ولا بالإلقاء في المهالك، فإن القتل أكبر الكبائر بعد الشرك، وكأنه لم يكن في ناحيتهم تلك غير جب واحد فعرفه فقال: {وألقوه} وكأنه كان فيه ماء ومكان يمكن الاستقرار فيه ولا ماء به، فأراده بقوله: {في غيابت الجب} أي غوره الغائب عن الأعين، فإن ذلك كافٍ في المقصود، وإنكم إن تفعلوا {يلتقطْهُ بعض السيارة} جمع سيار، وهو المبالغ في السير، هذا {إن كنتم} ولا بد {فاعلين *} ما أردتم من تغييبه عن أبيه ليخلو لكم وجهه؛ والجب: البئر التي لم تطو، لأنه قطع عنها ترابها حتى بلغ الماء، وعن أبي عمرو: إن هذا كان قبل أن يكونوا أنبياء، فكأنه قيل: إن هذا لحسن من حيث إنه صرفهم عن قتله، فهل استمروا عليه أو قام منهم قائم في استنزالهم عنه بعاطفة الرحم وود القرابة؟ فقيل: بل استمروا لأنهم {قالوا} إعمالاً للحيلة في الوصول إليه، مستفهمين على وجه التعجب لأنه كان أحس منهم الشر، فكان يحذرهم عليه {يا أبانا ما لك} أيّ أي شيء لك في حال كونك {لا تأمنا على يوسف و} الحال {إنا له لناصحون *} والنصح دليل الأمانة وسببها، ولهذا قرنا في قوله {أية : ناصح أمين} تفسير : [الأعراف:68] والأمن: سكون النفس إلى انتفاء الشر، وسببه طول الإمهال في الأمر الذي يجوز قطعة بالمكروة فيقع الاغترار بذلك الإمهال من الجهال، وضده الخوف، وهو انزعاج النفس لما يتوقع من الضر؛ والنصح: إخلاص العمل من فساد يتعمد، وضده الغش، وأجمع القراء على حذف حركة الرفع في تأمن وإدغام نونه بعد إسكانه تبعاً للرسم، بعضهم إدغاماً محضاً وبعضهم مع الإشمام، وبعضهم مع الروم، دلالة على نفي سكون قلبه عليه عليهما الصلاة والسلام بأمنه عليه منهم على أبلغ وجه مع أنهم أهل لأن يسكن إليهم بذلك غاية السكون، ولو ظهرت ضمة الرفع عند أحد من القراء فات هذا الإيماء إلى هذه النكتة البديعة.
ابو السعود
تفسير : {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا} من جملة ما حُكي بعد قوله إذا قالوا وقد قاله بعضٌ منهم مخاطباً للباقين بقضية الصيغة فكأنهم رضُوا بذلك كما يروى أن القائلَ شمعونُ أو دان، والباقون كانوا راضين إلا من قال: لا تقتلوا الخ، فجعلوا كأنهم القائلون وأُدرجوا تحت القولِ المسندِ إلى الجميع أو قاله كلُّ واحدٍ منهم مخاطباً للبقية وهو أدلُّ على مسارعتهم إلى ذلك القولِ. وتنكيرُ أرضاً وإخلاؤها من الوصف للإبهام أي أرضاً منكورةً مجهولة بعيدةً من العُمران ولذلك نصبت نصبَ الظروفِ المُبهمة {يَخْلُ} بالجزم جوابٌ للأمر أي يخلُصْ {لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} فيُقبل عليكم بكلّيته ولا يلتفتْ عنكم إلى غيركم ولا يساهمكم في محبته أحدٌ فذكرُ الوجه لتصوير معنى إقبالِه عليهم {وَتَكُونُواْ} بالجزم عطفاً على يخْلُ أو بالنصب على إضمار أنْ أو الواو بمعنى مع مثل قوله: {أية : وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ } تفسير : [البقرة: 42] وإيثارُ الخطابِ في لكم وما بعده للمبالغة في حملهم على القبول فإن اعتناءَ المرءِ بشأن نفسِه واهتمامَه بتحصيل منافعِه أتمُّ وأكمل {مِن بَعْدِهِ} من بعد يوسفَ أي من بعد الفراغِ من أمره أو طرحه {قَوْمًا صَـٰلِحِينَ} تائبـين إلى الله تعالى عما جنيتم أو صالحين مع أبـيكم بإصلاح ما بـينكم وبـينه بعذر تمهّدونه أو صالحين في أمور دنياكم بانتظامها بعده بخلُوّ وجه أبـيكم {قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ} هو يهوذا وكان أحسنَهم فيه رأياً وهو الذي قال: {أية : فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ }تفسير : [يوسف: 80] الخ، وقيل: روبـيل وهو استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال من سأل وقال: اتفقوا على ما عُرض عليهم من خصلتي الضّيْع أم خالفهم في ذلك أحدٌ فقيل: قال قائل منهم: {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ} أظهره في مقام الإضمار استجلاباً لشفقتهم عليه أو استعظاماً لقتله وهو هو، فإنه يروى أنه قال لهم: القتلُ عظيمٌ ولم يصرّح بنهيهم عن الخَصلة الأخرى وأحاله على أولوية ما عرضه عليهم بقوله: {وَأَلْقُوهُ فِى غَيَابَةِ ٱلْجُبّ} أي في قعره وغوره. سُمِّي بها لغَيبته عن عين الناظرِ، والجبّ البئرُ التي لم تُطْوَ بعدُ لأنها أرضٌ جُبّت جباً من غير أن يُزاد على ذلك شيءٌ، وقرأ نافعٌ في غيابات الجب في الموضعين كأن لتلك الجبّ غياباتٍ أو أراد بالجب الجنسَ أي في بعض غيابات الجبِّ وقرىء غيابات وغيبة {يَلْتَقِطْهُ} يأخذْه على وجه الصيانة عن الضياع والتلف فإن الالتقاطَ أخذُ شيءٍ مشرف على الضياع {بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ} أي بعض طائفةٍ تسير في الأرض واللام في السيارة كما في الجب وما فيهما وفي البعض من الإبهام لتحقيق ما يتوخاه من ترويج كلامِه بموافقته لغرضهم الذي هو تنائي يوسفَ عنهم بحيث لا يُدرىٰ أثرُه ولا يروىٰ خبرُه وقرىء تلتقطْه على التأنيث لأن بعضَ السيارة سيارةٌ كقوله: شعر : [وتَشْرَقُ بالقولِ الذي قد أذَعْتُهُ] كما شرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدمِ تفسير : ومنه قُطعت بعضُ أصابعه {إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ} بمشورتي، لم يبُتَّ القول عليهم بل إنما عرض عليهم ذلك تألفاً لقلبهم وتوجيهاً لهم إلى رأيه وحذراً من نسبتهم له إلى التحكم والافتيات، أو إن كنتم فاعلين ما أزمعتم عليه من إزالته من عند أبـيه لا محالة ولما كان هذا مظنةً لسؤال سائل يقول: فما فعلوا بعد ذلك قبِلوا ذلك منه أو لا؟ أجيب بطريق الاستئناف على وجه أُدرج في تضاعيفه قبولُهم له بما سيجيء من قوله: {أية : وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَةِ ٱلْجُبّ} تفسير : [يوسف: 15] فقيل:
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ}. أي يخْلُصْ لكم إقبالُ أبيكم عليكم، وقديماً قيل: مَنْ طَلَبَ الكُلَّ فَاتَه الكلُّ؛ فلمَّا أرادوا أن يكون إقبالُ يعقوب - عليه السلام - بالكليَّةِ - عليهم قال تعالى: {أية : فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ}تفسير : [الأعراف: 93]. ويقال كان قَصْدُهم ألا يكونَ يوسفُ أمامَ عينه فقالوا: إمَّا القتلُ وإمَّا النَّفيُ، ولا بأسَ بما يكونُ بعد ألا يكونَ يوسف عليه السلام. قوله جلّ ذكره: {وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ}. عَجَّلوا بالحرام، وَعلَّقُوا التوبةَ بالتسويف والعزم، فلم يمحُ ما أَجَّلُوا من التوبة ما عجَّلوا من الحَوْبة. ويقال لم تَطِبْ نفوسُهم بأن يذهبوا عن بابِ اللَّهِ بالكليَّة فدبَّروا لحُسْنِ الرجوع قبل ارتكاب ما دعته إليه نُفُوسُهم، وهذه صفة أهل العرفان بالله.
اسماعيل حقي
تفسير : {اقتلوا يوسف} بكسر وضم والمشهور الكسر وجه الضم التبعية لعين الفعل وهى مضمومة. فان قلت الحسد من امهات الكبائر لا سيما وقد اقدموا بسبب ذلك على القتل ونحوه وكل ذلك ينافى العصمة والنبوة. قلت المعتبر عصمة الانبياء فى وقت حصول النبوة فاما ما قبلها فذلك غير واجب كذا اجاب الامام. وفى شرح العقائد الانبياء معصومون من الكفر قبل الوحى وبعده بالاجماع وكذا من تعمد الكبائر انتهى [در تيسير آورده كه جون شيطان اين كلمات از ايشان استماع كرد بصورت بيرى بريشان ظاهر شد وكفت يوسف ميخواند كه شمارا ببندكى كيرد كفتنداى بر تدبير جيست كفت اقتلوا يوسف] {واطرحوه ارضا} منكورة مجهولة بعيدة من العمران ليهلك فيها او يأكله السباع وهو معنى تنكيرها وابهامها لا ان معناه اى ارض كانت ولذلك نصبت نصب الظروف المبهمة وهى ما ليس له حدود تحصره ولا اقطار تحويه وفيه اشارة الى ان التغريب يساوى القتل كما فى قوله تعالى {أية : ولولا ان كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم فى الدنيا} تفسير : فسلاطين الزمان كأنهم قاتلون العلماء لا سيما المشايخ منهم بتغريبهم واقصائهم الى البلاد البعيدة وتفريقهم من اولادهم واتباعهم وذلك لكونه من غير سبب موجب غالبا اصلحنا الله تعالى واياهم {يخل} بالجزم جواب للامر اى يخلص {لكم وجه ابيكم} فيقبل عليكم بكليته ولا يلتفت عنكم الى غيركم وتتوفر محبته فيكم فذكر الوجه لتصوير معنى اقباله عليهم لان الرجل اذا اقبل على الشيء اقبل بوجهه ويجوز ان يراد بالوجه بالذات {وتكونوا} بالجزم عطف على من يخل {من بعده} من بعد يوسف اى من بعد الفراغ من امره {قوما صالحين} صلحت حالكم عند ابيكم او تائبين الى الله تعالى مما جئتم [واين نيز زمكائد ابليس بودكه ناشكيبان باديه آرزورا ازروى تسويف ميكويد مصراع امروز كنه كنيد وفردا توبه آخر تأمل ميكندكه عذر فردارا عمر فردا مى بايد وبر عمر اعتمادى نيست] شعر : كار امروز بفردا نكذارى زنهار كه جو فردا برسد نوبت كارد كرست تفسير : يقول الفقير اما قول بعض الحكماء هكذا يكون المؤمن يهيئ التوبة قبل المعصية فمعناه ان يصمم التوبة على ما سيصدر عنه من الزلات سهوا بحسب غلبة البشرية والا فلا معنى لتلويث لباس طاهر ثم تطهيره ورب ملسوع يموت قبل ان يصل الى الترياق فأكل السم على ظن ان الترياق يدفع مضرته ليس من ديدن اهل القلب السليم والعقل المستقيم
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: قال إخوة يوسف لما حركهم الحسد {اقتلوا يوسف}؛ قيل: إنما قاله شمعون ودان، ورضي به الآخرون، {أو اطرَحُوهُ أرضاً}؛ أي: في أرض بعيدة يأكله السباع، أو يلتقطه أحد، فإن فعلتم {يَخلُ لكم وجهُ أبيكم} أي: يصفْ إليكم وجه أبيكم؛ فليقبل بكليته عليكم، ولا يلتفت عنكم إلى غيركم، ولا ينازعكم في محبته أحد، {ولا تكونوا من بعده}؛ من بعد يوسف، أو الفراغ من أمره، أو قتله، أو طرحه، {قوماً صالحين} تائبين إلى الله عما جنيتم، مع محبة أبيكم. أو صالحين في أمور دنياكم، فإنها تنتظم لكم بخلو وجه أبيكم لكم، {قال قائل منهم} هو يهوذا، وكان أحسنهم فيه رأياً، وقيل: روبيل: {لا تقتلوا يوسف}؛ فإن القتل عظيم، {وألقُوه في غيابه الجُبِّ}: في قعره، سمي به لغيبته عن أعين الناظرين. ومن قرأ بالجمع، فكان بتلك الجب غيابات، {يلتقطْه}: يأخذه {بعضُ السيارة} أي: الذين يسيرون في الأرض، {إن كنتم فاعلين} ما يفرق بينه وبين أبيه ولا بد، أو كنتم فاعلين بمشورتي. الإشارة: إن أردت أن يخلو لك وجه قلبك فيخلو لك وجه حبيبك، حتى تشاهده عياناً وتعرفه إيقاناً، فاقتل كل ما يميل إليه قلبك ويعشقه من الهوى، واطرح عن عين بصيرتك رؤية السِّوى، ترى من أنوار وجهه، وأسرار محاسنه، ما تبتهج به القلوب والأسرار، وتتنزه في رياض محاسنه البصائر والأبصار، وأنشدوا: شعر : إِنْ تَلاَشَى الكَون عَنْ عَينِ كَشفِي شَاهَدَ القلبُ غَيبَهُ في بَيَان فَاطرحِ الكَون عن عِيَانِكَ وامْحُ نُقطَةَ الغَينِ إِن أَرَدتَ تَرَانِي تفسير : ثم احتالوا على أبيهم في إرسال يوسف معهم، كما قال تعالى: {قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا}.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى عن اخوة يوسف انهم قال بعضهم لبعض {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم، وتكونوا من بعده قوماً صالحين} ومعناه اطرحوه في أرض تأكله السباع او يهلك بغير ذلك من الأمور. وقيل: معناه اطرحوه في أرض يبعد عن أبيه، ولا يقدر عليه. وقوله {يخل لكم وجه أبيكم} جواب الأمر في قوله {اقتلوا يوسف} ولا يجوز فيه غير الجزم، لأنه ليس فيه ضمير، والمعنى انكم متى قتلتموه او طرحتموه في أرض اخرى خلا لكم أبوكم وحن عليكم {وتكونوا من بعده قوماً صالحين} معناه إِنكم اذا فعلتم ذلك وبلغتم أغراضكم تبتم مما فعلتموه، وكنتم من جملة الصالحين الذين يفعلون الخيرات، فيكفر عنكم عقاب ما فعلتموه. وقال الحسن: معناه تكونوا قوماً صالحين في أمر دنياكم، ولم يريدوا أمر الدين.
الجنابذي
تفسير : {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً} مجهولة {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} عن مزاحمة التّوجّه الى يوسف (ع) {وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ} بعد يوسف وقتله او طرحه {قَوْماً صَالِحِينَ} بان تتوبوا الى الله ثمّ تعبدوه فى اوامره ونواهيه وهذا دليل على انّهم فى ذواتهم كانوا طيّبين وانّما عرض ذلك لهم من الشّيطان.
اطفيش
تفسير : {اقْتلُوا} إلى آخره من جملة المحكى بقوله: {إذ قالوا} أطبقوا على قتله إلا من قال: لا تقتلوا يوسف، وقيل الآمر بالقتل شمعون، وقيل: دان، والباقون راضون، فجعلوا الأمرين، وقيل: إن الآمر بقتله أجنبى شاوروه فهو محكى بقول محذوف، أى قيل اقتلوا الخ وهو ضعيف، وربما دللـه تقييد القائل لما كان منهم بقوله: {منهم} إذ قال قال قائل منهم لا تقتلوا، وروى أنهم تشاوروا فى دار روبيل وتحدثوا. {يُوسفَ أو اطْرحُوهُ أرضاً} ظرف مكان مبهم، وهو ما ليس له حد يحصره، ولا أقطار تحويه، وإنما يقبل النصب على الظرفية من أسماء المكان ما كان كذلك، وقيل: هو منصوب على نزع الخافض، وهو فى حد قولك فى الشعر أو النادر: مررت زيدا والأول أولى لوجود شرط النصب على الظرفية المكانية، وهو الإبهام، لأن المراد قطعة مجهولة بعيدة من العمران، وذلك وجه التنكير وعدم وصف. {يَخْلُ} جواب الأمر {لكُم وجْهُ أبِيكُم} أى يخل لكم أبوكم ووجه الشئ نفسه، تقول: فعلت كذا لوجه الله، أى لله بنفسه، فإذا قتلناه أو طرحناه أرضا فافترسه سبع أو مات فيها فيئس منه تمحض لنا أبونا، وخلصت محبته لنا، ولم يشاركنا فيها يوسف، فضلا عن أن يذهب بمعظمها كما كان، أو أرادوا أيخلوا وجهه لهم إقباله عليهم وحدهم، فكنوا بالوجه عن الإقبال، لأن الإقبال يكون بالوجه، وقيل: يفرغ لكم من اشتغاله يوسف وما صدق ذلك كله واحد. {وتَكُونوا مِنْ بَعْده} أى من بعد يوسف، أى من بعد كفايته بالقتل أو الطرح، أو الهاء عائدة إلى القتل أو الطرح المفهوم من اقتلوا واطرحوا، أى وتكونوا من بعد فعلكم به إحدهما، أو الخلو المفهوم من يخلُ، وحذف النون جزما بالعطف على يخلُ أو بالنصب بإضمار أى بعد واو المعية فى جواب الأمر، لجواز المجئ بجوابين: أحدهما حال من الواو والفاء مجزوم، والآخر مقرون بأحدهما منصوب، وذلك فى جواب الطلب، أو النصب عطف على مصدر متوهم، أى إن فعلتم ذلك يحصل خلو وجه أبيكم لكم، وكونكم من بعده الخ. {قَوماً صَالحينَ}: بأن تتوبوا إلى الله مما فعلتم من قتله أو طرحه، قال بعضهم: مهدوا التوبة من الذنب قبل مواقعته، وقيل: تكونوا صالحين مع أبيكم لعذر تمهدونه، وبه قال مقاتل، وفى أمر دنياكم، فإنه ينتظم لكم بعده.
اطفيش
تفسير : {اقْتُلُوا يُوسُفَ} وكان أَحب إِلى يعقوب من بنيامين ومنهم لما رأَى فيه من مخايل الإِسلام والأَدب، ولما رأَى الرؤْيتين زاد حسدهم كما مر، قال صلى الله عليه وسلم: (حديث : ثلاث لا ينجو منهن أَحد: الحسد والطيرة وسوءِ الظن، وإِذا حسدت فلا تبغ، وإِذا تطيرت فامض، وإِذا ظننت فلا تحقق) تفسير : أَى لا تفعل سوءاً بسبب ذلك الظن {أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً} بعيدة من العمران مهجورة مهلكة، وقال بعض: هى شاملة للبر على نزع حرف الظرفية مع أَنه مكان ولا ينصب من الأَمكنة على الظرفية إِلا ما ليس محدوداً؛ لأَن المراد بها غير محدودة كأَنه قيل: اطرحوه حيث يهلك بسباع أَو جوع أَو عطش، أَو مفعول ثان على تضمين اطرح معنى أَنزل كقوله تعالى: "أية : انزلنى منزلا مباركاً"تفسير : [المؤمنون: 29] {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} ويتمحض حبه لكم لا يشارككم فيه يوسف، فضلا عن أَن يعرض به عنكم وعبر بالوجه؛ لأَن الحب يظهر أَثره فيه، والمراد الذات، عبر بالجزءِ عن الكل، وكنى بالوجه عن الإِقبال؛ لأَن الإِنسان إِذا أَقبل على الشىءِ أَقبل عليه بوجهه فذكر الملزوم وأَراد اللازم {وتَكُونُوا مِنْ بعْدِهِ} بعد قتله وطرحه، أَو بعد يوسف أَو بعد الفراغ من أَمره {قَوْماً صَالِحِين} اعترفوا أَن قتله أَو طرحه فساد يتوبون منه، وكذلك أَنهم قطعوا الرحم وعصوا الوالدين أَو الوالد والخالة وهى كالأُم، وقلة رحمتهم بالصبى الذى لا ذنب له، وغدر الأَمانة، وترك العهد والكذب وقصدوا التنصل، والخلاص، أَو النجاة من العقوق بأَن يرضى عنهم، ولو بأَن يكذبوا له، والأَول أَولى وعليه الأَكثر؛ فالصلاح دينى، وعلى الثانى عير خالص لأَنهم أَرادوا مجرد الخلاص من العقوق لا التوبة، أَو أَرادوا صلاح دنياهم، وذكر بعض أَن دينه أُخت يوسف ذكرت تغليباً، والعلات الإِخوة للأَب، والأَعيان الأَشقاءُ، والأَخياف الأُميون، وكلهم فى أُخوة يوسف معه، وأَكبرهم يهوذا بذال معجمة، ويعرب بإِهماله وتجوز حكاية الإِهمال وهو أَحسنهم رأْياً، وهو أَبو الملوك، وأَكْبرهم سنا هو روبيل - باللام أَو بالنون - أَو روبون - بالنون بوزن فعلون - ولاوى أَو ليوى أَبو الأَنبياء، ويشجر يعبر عنه بعض بإِساخر - بكسر الهمزة وشد السين - وربالون يعبر عنه بربولون، وتفتالى المشهور فيه تفتالى، ويقال فى جاءَ كاد بوزن ماد، وبنيامين بكسر أَوله وبفتحه وصحح وضمه، وقيل: أَرادوا بالصلاح صلاح حالهم مع أَبيهم لا التوبة ورجحه بعض، وإِذا قلت فى لفظ عجمى أَنه بوزن كذا، فمرادى الوزن الطبيعى أَعنى موازنة بالفتحة والكسرة بالكسرة والضمة بالضمة دون اعتبار اَصالة الحروف وزيادتها، إِذ لا ضبط فى العجمة بذلك.
الالوسي
تفسير : {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا} الظاهر أن هذا من جملة ما حكى بعد قوله سبحانه: {أية : إِذْ قَالُواْ }تفسير : [يوسف: 8] وقد قاله بعض منهم مخاطباً للباقين وكانوا راضين بذلك إلا من قال: {أية : لاَ تَقْتُلُواْ}تفسير : [يوسف: 10] الخ، ويحتمل أنه قاله كل منهم مخاطباً للبقية، والاستثناء هو الاستثناء، وزعم بعضهم أن القائل رجل غيرهم شاوروه في ذلك وهو خلاف الظاهر ولا ثبت له، والظاهر أن القائل خيرهم بين الأمرين القتل والطرح. وجوز أن يكون المراد قال بعض: اقتلوا يوسف وبعض اطرحوه والطرح رمي الشيء وإلقاؤه، ويقال: طرحت الشيء أبعدته، ومنه قول عروة بن الورد: شعر : ومن يك مثلي ذا عيال ومقتراً من المال يطرح نفسه كل مطرح تفسير : ونصب {أَرْضًا} على إسقاط حرف الجر كما ذهب إليه الحوفي وابن عطية أي ألقوه في أرض بعيدة عن الأرض التي هو فيها، وقيل: نصب على أنه مفعول ثان ـ لاطرحوه ـ لتضمينه معنى أنزلوه فهو كقوله تعالى: {أية : أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً}تفسير : [المؤمنون: 29]، وقيل: منصوب على الظرفية، ورده ابن عطية وغيره بأن ما ينتصب على الظرفية المكانية لا يكون إلا مبهماً وحيث كان المراد أرضاً بعيدة عن أرضه لم يكن هناك إبهام، ودفع بما لا يخلو عن نظر، وحاصل المعنى اقتلوه أو غربوه فإن التغريب كالقتل في حصول المقصود مع السلامة من إثمه، ولعمري لقد ذكروا أمرين مرين فإن الغربة كربة أية كربة؛ ولله تعالى در من قال: شعر : حسنوا القول وقالوا غربة إنما الغربة للأحرار ذبح تفسير : {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} بالجزم جواب الأمر، والوجه الجارحة المعروفة، وفي الكلام كناية تلويحية عن خلوص المحبة، ومن هنا قيل: أي يقبل عليكم إقبالة واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم، والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها وينازعهم إياها، وقد فسر الوجه بالذات والكناية بحالها خلا أن الانتقال إلى المقصود بمرتبتين على الأول وبمرتبة على هذا، وقيل: الوجه بمعنى الذات، وفي الكلام كناية عن التوجه والتقيد بنظم أحوالهم وتدبير أمورهم لأن خلوه لهم يدل على فراغه عن شغل يوسف عليه السلام فيشتغل بهم وينظم أمورهم، ولعل الوجه الأوجه هو الأول {وَتَكُونُواْ} بالجزم عطفاً على جواب الأمر. وبالنصب بعد الواو بإضمار أن أي يجتمع لكم خلو وجهه والكون {من بَعْده} أي بعد يوسف على معنى بعد الفراغ من أمره أو من بعد قتله أو طرحه، فالضمير إما ليوسف أو لأحد المصدرين المفهومين من الفعلين. {قَوْمًا صَـٰلِحِينَ} بالتوبة والتنصل إلى الله تعالى عما جئتم به من الذنب كما روي عن الكلبـي وإليه ذهب الجمهور، فالمراد بالصلاح الصلاح الديني بينهم وبين الله تعالى، ويحتمل أن المراد ذلك لكن بينهم وبين أبيهم بالعذر وهو وإن كان مخالفاً للدين لكونه كذباً لكنه موافق له من جهة أنهم يرجون عفو أبيهم وصفحه / به ليخلصوا من العقوق على ما قيل، ويحتمل أن يراد الصلاح الدنيوي أن صالحين في أمر دنياكم فإنه ينتظم لكم بعده بخلو وجه أبيكم، وإيثار الخطاب في {لَكُمْ} وما بعده للمبالغة في حملهم على القبول فإن اعتناء المرء بشأن نفسه واهتمامه بتحصيل منافعه أتم وأكمل.
ابن عاشور
تفسير : جملة مستأنفة استئنافاً بيانيّاً لأنّ الكلام المتقدم يثير سؤالاً في نفوس السّامعين عن غرض القائلين ممّا قالوه فهذا المقصود للقائلين. وإنّما جعلوا له الكلام السابق كالمقدمة لتتأثّر نفوس السّامعين فإذا ألقي إليها المطلوب كانت سريعة الامتثال إليه. وهذا فنّ من صناعة الخطابة أن يفتتح الخطيب كلامه بتهيئة نفوس السّامعين لتتأثّر بالغرض المطلوب. فإنّ حالةَ تأثّر النفوس تغني عن الخطيب غَناء جمَل كثيرة من بيان العلل والفوائد، كما قال الحريري في المقامة الحادية عشرة «فلما دَفنوا الميْت، وفات قول ليت، أشرف شيخٌ من رِباوة، متأبّطاً لهراوة، فقال لمثل هذا فليعمل العاملون». وانهلّ في الخطب. والأمر مستعمل في الإرشاد. وأرادوا ارتكاب شيء يفرّق بين يوسف وأبيه ـــ عليهما السّلام ـــ تفرقة لا يحاول من جَرّائِهَا اقتراباً بأن يعدموه أو ينقلوه إلى أرض أخرى فيهلك أو يفْتَرَس. وهذه آية من عبر الأخلاق السيّئة وهي التّخلّص من مزاحمة الفاضل بفضله لمن هو دونه فيه أو مساويه بإعدام صاحب الفضل وهي أكبر جريمة لاشتمالها على الحسد، والإضرار بالغير، وانتهاك ما أمر الله بحفظه، وهم قد كانوا أهل دين ومن بيت نبوءة وقد أصلح الله حالهم من بعد وأثنى عليهم وسمّاهم الأسباط. وانتصب {أرضاً} على تضمين {اطْرَحوه} معنى أوْدعوه، أو على نزع الخافض، أو على تشبيهه بالمفعول فيه لأنّ {أرضاً} اسم مكان فلما كان غيرَ محدود وزاد إبهاماً بالتّنكير عومِلَ معاملة أسماء الجهات، وهذا أضعف الوجوه. وقد علم أنّ المراد أرض مجهولة لأبيه. وجَزم {يَخْلُ} في جواب الأمر، أي إنْ فعلتم ذلك يخلُ لكم وجه أبيكم. والخلوّ: حقيقته الفراغ. وهو مستعمل هنا مجازاً في عدم التوجّه لمن لا يرغبون توجّهه له، فكأنّ الوجه خلا من أشياء كانت حالة فيه. واللاّم في قوله {لكم} لام العلة، أي يخل وجه أبيكم لأجلكم، بمعنى أنّه يخلو ممّن عداكم فينفرد لكم. وهذا المعنى كناية تلويح عن خلوص محبّته لهم دون مشارك. وعطف {وتكونوا من بعده} أي من بعد يوسف ـــ عليه السّلام ـــ على {يخل} ليكون من جملة الجواب للأمر. فالمراد كونٌ ناشيء عن فعل المأمور به فتعيّن أن يكون المراد من الصلاح فيه الصلاح الدنيوي، أيْ صلاح الأحوال في عيشهم مع أبيهم، وليس المراد الصلاح الديني. وإنّما لم يدبروا شيئاً في إعدام أخي يوسف ـــ عليه السّلام ـــ شفقةً عليه لصغره. وإقحام لفظ {قوماً} بَيْنَ كان وخبرها للإشارة إلى أنّ صلاح الحال صفة متمكّنة فيهم كأنّه من مقوّمات قوميّتهم. وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى { أية : لآيات لقوم يعقلون } تفسير : في سورة البقرة (164) وعند قوله تعالى: { أية : وما تغني الآيات والنّذر عن قوم لا يؤمنون } تفسير : في سورة يونس (101). وهذا الأمر صدر من قائله وسامعيه منهم قبل اتّصافهم بالنبوءة أو بالولاية لأنّ فيه ارتكاب كبيرة القتل أو التّعذيب والاعتداء، وكبيرة العقوق.
د. أسعد حومد
تفسير : {صَالِحِينَ} (9) - فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ يُوسُفَ يُزَاحِمُكُمْ فِي حُبِّ أَبِيكُمْ لَكُمْ، فَأَبْعِدُوهُ عَنْ وَجْهِهِ لِيَخْلُوَ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَحْدَكُمْ، إِمَّا بِقَتْلِهِ، وَإِمَّا بِطَرْحِهِ فِي أَرْضٍ أُخْرَى. وَبَعْدَ أَنْ تُزِيلُوا يُوسُفَ - الذِي يَقِفُ حَائِلاً دُونَ مَحَبَّةِ أَبِيكُمْ، تَتُوبُونَ إِلى اللهِ، وَتَنْصَلِحُ الأُمُورُ، وَتَكُونُونَ قَوْماً صَالِحِينَ. اطْرَحُوهُ أَرْضاً - أَلْقُوهُ فِي أَرْضِ بَعِيدَةٍ عَنْ أَبيهِ. يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ - يَخْلُصُ لَكُمْ حُبُّ أبِيكُمْ وَإِقْبَالُهُ عَلَيْكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والقتل هو قمة ما فكّروا فيه من شرّ؛ ولأنهم من الأسباط هبط الشر إلى مرتبة أقل؛ فقالوا: {أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً ..} [يوسف: 9]. فكأنهم خافوا من إثم القتل؛ وظنوا بذلك أنهم سينفردون بحبِّ أبيهم؛ لأنهم قالوا: {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ..} [يوسف: 9]. والوجه هو الذي تتم به المواجهة والابتسام والحنان، وهو ما تظهر عليه الانفعالات. والمقصود بـ: {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ..} [يوسف: 9]. هو ألا يوجد عائق بينكم وبين أبيهم. وقولهم: {وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ} [يوسف: 9]. أي: أنهم يُقدِّرون الصلاح؛ ويعرفون أن الذي فكَّروا فيه غيرُ مقبول بموازين الصلاح؛ ولذلك قالوا: إنهم سيتوبون من بعد ذلك. ولكن: ما الذي أدراهم أنهم سوف يعيشون إلى أن يتوبوا؟ وهم بقولهم هذا نَسُوا أن أمر المَوْت قد أُبهم حتى لا يرتكب أحدٌ المعاصيَ والكبائرَ. أو: أن يكون المقصود بـ: {قَوْماً صَالِحِينَ} [يوسف: 9]. هو أن يكونوا صالحين لحركة الحياة، ولعدم تنغيص علاقتهم بأبيهم؛ فحين يخلُو لهم وجهه؛ سيرتاحون إلى أن أباهم سيعدل بينهم، ويهبُهم كل حبه فيرتاحون. أو أن يكون المقصود بـ: {قَوْماً صَالِحِينَ} [يوسف: 9]. أن تلك المسألة التي تشغل بالهم وتأخذ جزءاً من تفكيرهم إذا ما وجدوا لها حلاً؛ فسيرتاح بالهم فينصلح حالهم لإدارة شئون دنياهم. وهكذا نفهم أن سعيهم إلى الصلاح: منوط بمراداتهم في الحياة، بحسب مفهومهم للصلاح والحياة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):