١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ} القائل هو يهوذا، وهو أكبر ولد يعقوب؛ قاله ابن عباس. وقيل: روبيل، وهو ٱبن خالته، وهو الذي قال: «فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ» (الآية). وقيل: شمعون. {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ} قرأ أهل مكة وأهل البصرة وأهل الكوفة «في غيابةِ ٱلجبّ». وقرأ أهل المدينة «فيِ غَيَابَاتِ الْجُبِّ» وٱختار أبو عبيد التوحيد؛ لأنه على موضع واحد ألقوه فيه، وأنكر الجمع لهذا. قال النحاس: وهذا تضييق في اللغة؛ «وغيابات» على الجمع يجوز (من وجهين): حكى سيبويه سِيرَ عليه عشيَّاناتٍ وأصيلاناتٍ، يريد عشِية وأصيلا، فجعل كل وقت منها عشية وأصيلا؛ فكذا جعل كل موضع مما يُغيّب غَيابة. (والآخر ـ أن يكون في الجبّ غيابات (جماعة). ويقال: غاب يَغيبُ) غيَبْا وغَيابة وغِيَابا؛ كما قال الشاعر:شعر : أَلاَ فالبَثَا شهرين أو نصفَ ثالثٍ أَنَا ذَا كُمَا قد غَيَّبتنْيِ غِيَابِيَا تفسير : قال الهرويّ: والغَيابة شبه لَجَفٍ أو طاق في البئر فويق الماء، يغيب الشيء عن العين. وقال ابن عُزَيْز: كل شيء غيّب عنك شيئاً فهو غَيابة. قلت: ومنه قيل للقبر غَيابة؛ قال الشاعر:شعر : فإن أنا يوماً غَيَّبتنيِ غَيَابَتيِ فَسِيروا بسَيْرِي في العَشِيرِة والأَهل تفسير : والجبّ الرَّكِيَّة التي لم تُطْوَ، فإذا طُويت فهي بئر؛ قال الأعشى:شعر : لئن كنتَ في جبٍّ ثمانين قامةً ورُقِّيتَ أسبابَ السَّماءِ بُسلّمِ تفسير : وسميت جُبًّا لأنها قُطِعت في الأرض قَطْعاً؛ وجمع الجبّ جِببة وجِباب وأجباب؛ وجمع بين الغَيابة والجبّ لأنه أراد ألقوه في موضع مظلم من الجبّ حتى لا يلحقه نظر الناظرين. قيل: هو بئر ببيت المقدس، وقيل: هو بالأرْدُن؛ قاله وهب بن منبّه. مقاتل: وهو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب. الثانية: قوله تعالى: {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ} جزم على جواب الأمر. وقرأ مجاهد وأبو رجاء والحسن وقتادة: «تَلْتَقِطْهُ» بالتاء، وهذا محمول على المعنى؛ لأن بعض السيّارة سيّارة؛ وقال سيبويه: سقطت بعض أصابعه، وأنشد: شعر : وتَشْرَقَ بالقولِ الّذي قد أَذعتَه كما شَرِقتْ صَدْرُ القَناةِ من الدَّمِ تفسير : وقال آخر: شعر : أَرَى مَرَّ السِّنينَ أَخَذْنَ منيّ كَمَا أَخَذَ السَّرَارُ من الهِلالِ تفسير : ولم يقل شَرِق ولا أخذت. والسيّارة الجمع الذي يسيرون في الطريق للسفر؛ وإنما قال القائل هذا حتى لا يحتاجوا إلى حمله إلى موضع بعيد ويحصل المقصود؛ فإن من التقطه من السيّارة يحمله إلى موضع بعيد؛ وكان هذا وجهاً في التدبير حتى لا يحتاجوا إلى الحركة بأنفسهم، فربما لا يأذن لهم أبوهم، وربما يطلع على قصدهم. الثالثة: وفي هذا ما يدلّ على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء لا أوّلاً ولا آخراً؛ لأن الأنبياء لا يدبرون في قتل مسلم، بل كانوا مسلمين، فارتكبوا معصية ثم تابوا. وقيل: كانوا أنبياء، ولا يستحيل في العقل زِلّة نبيّ، فكانت هذه زلّة منهم؛ وهذا يرده أن الأنبياء معصومون من الكبائر على ما قدّمناه. وقيل: ما كانوا في ذلك الوقت أنبياء ثم نبّأهم الله؛ وهذا أشبه، والله أعلم. الرابعة: قال ابن وهب قال مالك: طُرح يوسف في الجبّ وهو غلام، وكذلك روى ابن القاسم عنه، يعني أنه كان صغيراً؛ والدليل عليه قوله تعالى: {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ} قال: ولا يُلتقَط إلا الصغير؛ وقوله: {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ} وذلك (أمر) يختص بالصغار؛ وقولهم: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. الخامسة: الالتقاط تناول الشيء من الطريق؛ ومنه اللّقِيط واللُّقْطَة، ونحن نذكر من أحكامها ما دلّت عليه الآية والسُّنة، وما قال في ذلك أهل العلم واللغة؛ قال ابن عرفة: الالتقاط وجود الشيء على غير طلب؛ ومنه قوله تعالى: {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ} أي يجده من غير أن يحتسبه. وقد اختلف العلماء في اللّقيط؛ فقيل: أصله الحريّة لغلبة الأحرار على العبيد؛ وروي عن الحسن بن عليّ أنه قضى بأن اللّقِيط حُرّ، وتلا {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} وإلى هذا ذهب أشهب صاحب مالك؛ وهو قول عمر بن الخطاب، وكذلك روي عن عليّ وجماعة. وقال إبراهيم النّخَعي: إن نوى رِقه فهو مملوك، وإن نوى الحِسبة فهو حرّ. وقال مالك في موطّئه: الأمر عندنا في المنبوذ أنه حرّ، وأن ولاءه لجماعة المسلمين، هم يرثونه ويعقلون عنه، وبه قال الشافعي؛ واحتج بقوله عليه السلام: «حديث : وإنما الوَلاَء لمن أعتق» تفسير : قال: فنفى الوَلاَء عن غير المعتقِ. واتفق مالك والشافعي وأصحابهما على أن اللّقيط لا يُوالي أحداً، ولا يرثه أحد بالوَلاَء. وقال أبو حنيفة وأصحابه وأكثر الكوفيين: اللّقيط يوالي من شاء، فمن ولاه فهو يرثه ويعقِل عنه؛ وعند أبي حنيفة له أن ينتقل بولائه حيث شاء، ما لم يعقِل عنه الذي والاه، فإن عقلَ عنه جنايةً لم يكن له أن ينتقل عنه بولائه أبداً. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن عليّ رضي الله عنه: المنبوذ حرّ، فإن أحبّ أن يوالي الذي التقطه والاه، وإن أحبّ أن يوالي غيره والاه؛ ونحوه عن عطاء، وهو قول ابن شهاب وطائفة من أهل المدينة، وهو حرّ. قال ابن العربيّ: إنما كان أصل اللّقيط الحرّية لغلبة الأحرار على العبيد، فقضى بالغالب، كما حكم أنه مسلم أخذاً بالغالب؛ فإن كان في قرية فيها نصارى ومسلمون قال ابن القاسم: يُحكم بالأغلب؛ فإن وجد عليه زِيّ اليهود فهو يهوديّ، وإن وجد عليه زِيّ النصارى فهو نصرانيّ، وإلا فهو مسلم، إلا أن يكون أكثر أهل القرية على غير الإسلام. وقال غيره: لو لم يكن فيها إلا مسلم واحد قضي للِقيط بالإسلام تغليباً لحكم الإسلام الذي يعلو ولا يُعلَى عليه، وهو مقتضى قول أشهب؛ قال أشهب: هو مسلم أبداً، لأني أجعله مسلماً على كل حال، كما أجعله حراً على كل حال. واختلف الفقهاء في المنبوذ تدلّ البيّنة على أنه عبد؛ فقالت طائفة من أهل المدينة: لا يقبل قولها في ذلك، وإلى هذا ذهب أشهب لقول عمر: هو حرّ؛ ومن قضى بحريته لم تقبل البيّنة في أنه عبد. وقال ابن القاسم: تقبل البيّنة في ذلك؛ وهو قول الشافعي والكوفي. السادسة: قال مالك في اللقيط: إذا أنفق عليه الملتقط ثم أقام رجل البيّنة أنه ابنه فإن الملتقط يرجع على الأب إن كان طرحه متعمِّداً، وإن لم يكن طرحه ولكنه ضلّ منه فلا شيء على الأب، والملتقِط متطوِّع بالنفقة. وقال أبو حنيفة: إذا أنفق على اللّقيط فهو متطوِّع، إلا أن يأمره الحاكم. وقال الأوزاعي: كلُّ من أنفق على من لا تجب عليه نفقة رجع بما أنفق. وقال الشافعي: إن لم يكن للقيط مال وجبت نفقته في بيت المال، فإن لم يكن ففيه قولان: أحدهما ـ يستقرض له في ذمته. والثاني ـ يقسِّط على المسلمين من غير عوض. السابعة: وأما اللّقطة والضَّوَالّ فقد اختلف العلماء في حكمهما؛ فقالت طائفة من أهل العلم: اللقطة والضوالّ سواء في المعنى، والحكم فيهما سواء؛ وإلى هذا ذهب أبو جعفر الطحاوي، وأنكر قول أبي عُبيد القاسم بن سلاّم ـ أن الضالّة لا تكون إلا في الحيوان واللّقطة في غير الحيوان ـ وقال هذا غلط؛ واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الإفك للمسلمين: «إن أمّكم ضلّت قِلادتها» فأطلق ذلك على القِلادة. الثامنة: أجمع العلماء على أن اللّقطة ما لم تكن تافهاً يسيراً أو شيئاً لا بقاء لها فإنها تُعرَّف حولاً كاملاً، وأجمعوا أن صاحبها إن جاء فهو أحقّ بها من ملتقطها إذا ثبت له أنه صاحبها، وأجمعوا أن ملتقطها إن أكلها بعد الحول وأراد صاحبها أن يضمّنه فإن ذلك له، وإن تصدّق بها فصاحبها مخيّر بين التضمين وبين أن ينزل على أجرها، فأي ذلك تخيّر كان ذلك له بإجماع؛ ولا تنطلق يد ملتقطها عليها بصدقة، ولا تصرف قبل الحول. وأجمعوا أن ضالّة الغنم المخوف عليها له أكلها. التاسعة: واختلف الفقهاء في الأفضل من تركها أو أخذها؛ فمن ذلك أن في الحديث دليلاً على إباحة التقاط اللّقطة وأخذ الضالّة ما لم تكن إبلاً. وقال في الشاة: «لكَ أو لأخيكَ أو للذئب» يحضّه على أخذها، ولم يقل في شيء دعوه حتى يضيع أو يأتيه ربه. ولو كان ترك اللّقطة أفضل لأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال في ضالّة الإبل، والله أعلم. وجملة مذهب أصحاب مالك أنه في سعة، إن شاء أخذها وإن شاء تركها؛ هذا قول إسماعيل بن إسحاق رحمه الله. وقال المَزَنيّ عن الشافعي: لا أحب لأحد ترك اللّقطة إن وجدها إذا كان أميناً عليها؛ قال: وسواء قليل اللّقطة وكثيرها. العاشرة: روى الأئمة مالك وغيره عن زيد بن خالد الجهَنيّ قال: حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللّقطة فقال: «ٱعْرِف عِفَاصَها ووِكَاءَها ثم عَرِّفها سنةً فإن جاء صاحبُها وإلا فشأنُك بها قال: فضالَّة الغنم يا رسول الله؟ قال: «لكَ أو لأخيكَ أو للذئب» قال: فضالة الإبل؟ قال: «ما لَكَ ولها معها سِقاؤُها وحِذاؤها تَرِدُ الماءَ وتأكل الشجر حتى يلقاها ربُّها»تفسير : . وفي حديث أُبيّ قال: «حديث : ٱحفظ عَدَدها ووِعاءَها ووِكاءَها فإن جاء صاحبُها وإلا فاستمتِع بها» تفسير : ففي هذا الحديث زيادة العدد؛ خرجه مسلم وغيره. وأجمع العلماء أن عِفاص اللّقطة ووكاءها من إحدى علاماتها وأدلّها عليها؛ فإذا أتى صاحب الّلقطة بجميع أوصافها دُفعت له؛ قال ابن القاسم: يُجبَر على دفعها؛ فإن جاء مستحقٌّ يستحقها ببيّنة أنها كانت له لم يضمن الملتقط شيئاً، وهل يُحَلَّف مع الأوصاف أو لا؟ قولان: الأوّل لأشهب، والثاني لابن القاسم، ولا تلزمه بيّنة عند مالك وأصحابه وأحمد بن حَنْبل وغيرهم. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تدفع له إلا إذا أقام بينة أنها له؛ وهو بخلاف نَصّ الحديث؛ ولو كانت البيّنة شرطاً في الدفعِ لما كان لذكر العِفاص والوِكاء والعَدَد معنى؛ فإنه يستحقها بالبيّنة على كل حال؛ ولَمَا جاز سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فإنه تأخير البيان عن وقت الحاجة. والله أعلم. الحادية عشرة: نَصّ الحديث على الإبل والغنم وبين حكمهما، وسكت عما عداهما من الحيوان. وقد اختلف علماؤنا في البقر هل تلحق بالإبل أو بالغنم؟ قولان؛ وكذلك اختلف أئمتنا في التقاط الخيل والبغال والحمير، وظاهر قول ابن القاسم أنها تلتقط، وقال أشهب وابن كنانة: لا تلتقط؛ وقول ابن القاسم أصح؛ لقوله عليه السلام: «حديث : احفظ على أخيك المؤمن ضالّته». تفسير : الثانية عشرة: واختلف العلماء في النفقة على الضَّوالّ؛ فقال مالك فيما ذكر عنه ابن القاسم: إن أنفق الملتقط على الدوابّ والإبل وغيرها فله أن يرجع على صاحبها بالنفقة، وسواء أنفق عليها بأمر السلطان أو بغير أمره؛ قال: وله أن يحبس بالنفقة ما أنفق عليه ويكون أحقّ به كالرهن. وقال الشافعي: إذا أنفق على الضوالّ مَن أَخَذها فهو متطوع؛ حكاه عنه الرّبيع. وقال المُزني عنه: إذا أمره الحاكم بالنفقة كانت دَيْنا، وما ادّعى قُبِل منه إذا كان مثله قَصْداً. وقال أبو حنيفة: إذا أنفق على اللّقطة والإبل بغير أمر القاضي فهو متطوّع، وإن أنفق بأمر القاضي فذلك دين على صاحبها إذا جاء، وله أن يحبسها إذا حضر صاحبها، والنفقة عليها ثلاثة أيام ونحوها، حتى يأمر القاضي ببيع الشاة وما أشبهها ويقضي بالنفقة. الثالثة عشرة: ليس في قوله صلى الله عليه وسلم في الّلقطة بعد التعريف: «فاستمتع بها» أو «فشأنك بها» أو «فهي لك» أو «فاستنفقها» أو «ثم كُلْها» أو «فهو مال الله يؤتيه من يشاء» على ما في صحيح مسلم وغيره، ما يدلّ على التمليك، وسقوط الضّمان عن الملتقط إذا جاء ربها؛ فإن في حديث زيد بن خالد الجهَنيّ عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : فإن لم تعرِف فاستنفِقْها ولتكن وديعة عندك فإن جاء صاحبها يوماً من الدهر فأدها إليه» تفسير : في رواية «ثم كُلْها فإن جاء صاحبها فأدّها إليه» خرجه البخاريّ ومسلم. وأجمع العلماء على أن صاحبها متى جاء فهو أحق بها، إلا ما ذهب إليه داود من أن الملتَقِط يملك اللّقطة بعد التعريف؛ لتلك الظواهر، ولا التفات لقوله؛ لمخالفة الناس، ولقوله عليه السلام: «حديث : فأدّها إليه».
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ } هو( يهوذا) {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ } اطرحوه {فِى غَيٰبَتِٱلْجُبِّ } مظلم البئر، وفي قراءة (غيابات)بالجمع {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ } المسافرين {إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ } ما أردتم من التفريق فاكتفوا بذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {قَآئِلٌ} شمعون، أو يهوذا، أو أكبرهم روبيل بن خالة يوسف {غَيَابَتِ الْجُبِّ} قعره، أو ظلمته التي تغيب عن الأبصار. سمي غيابة لأنه يغيب فيه أثره، أو خبره، وكان رأسه ضيقاً وأسفله واسعاً. والجب بئر في بيت المقدس، أو بئر غير معينة، أو الجب ما عظم من الآبار سواء كان فيه ماء أو لم يكن، أو ما لا طي له لأنها قطعت ولم يحدث فيها غير القطع قاله الزجاج. {يَلْتَقِطْهُ} يأخذه من اللقطة. {السَّيَّارَةِ} المسافرون لسيرهم، أو مارة الطريق.
النسفي
تفسير : {قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ } هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ } فإن القتل عظيم {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبّ } في قعر البئر وما غاب منه عن عين الناظر. غيابات وكذا ما بعده: مدني {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ } بعض الأقوام الذين يسيرون في الطريق {إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ } به شيئاً {قَالُواْ يأَبَانَا مَـٰلِكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَـٰصِحُونَ } أي لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير ونشفق، عليه وأرادوا بذلك لما عزموا على كيد يوسف استنزاله عن رأيه وعادته في حفظه منهم وفيه دليل على أنه أحسن منهم، بما أوجب أن لا يأمنهم عليه {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ } ــ نرتع ــ نتسع في أكل الفواكه وغيرها والرتعة السعة {وَيَلْعَبْ } ــ ونلعب ــ نتفرج بما يباح كالصيد والرمي والركض. بالياء فيهما مدني وكوفي، وبالنون فيهما: مكي وشامي وأبو عمرو، وبكسر العين: حجازي من ارتعى يرتعي افتعال من الرعي {وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } من أن يناله مكروه.
الخازن
تفسير : {قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف} يعني قال قائل من إخوة يوسف وهو يهوذا، وقال قتادة: هو روبيل وهو ابن خالته وكان أكبرهم سناً وأحسنهم رأياً فيه فنهاهم عن قتله، وقال: القتل كبيرة عظيمة والأصح أن قائل هذه المقالة هو يهوذا لأنه كان أقربهم إليه سناً {وألقوه في غيابت الجب} يعني ألقوه في أسفل الجب وظلمته والغيابة كل موضع ستر شيئاً وغيبه عن النظر والجب البئر الكبيرة غير مطوية سمي بذلك لأنه جب أي قطع ولم يطو وأفاد ذكر القيامة مع ذكر الجب أن المشير أشار بطرحه في موضع من الجب مظلم لا يراه أحد واختلفوا في مكان ذلك الجب، فقال قتادة: هو بئر ببيت المقدس، وقال وهب: هو في أرض الأردن وقال مقاتل هو في أرض الأردن على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب وإنما عينوا ذلك الجب للعلة التي ذكروها وهي قولهم {يلتقطه بعض السيارة} وذلك أن هذا الجب كان معروفاً يرد عليه كثير من المسافرين، والالتقاط أخذ الشيء من الطريق أو من حيث لا يحتسب، ومنه اللقطة بعض السيارة يعني يأخذه بعض المسافرين فيذهب به إلى ناحية أخرى فتستريحون منه {إن كنتم فاعلين} فيه إشارة إلى ترك الفعل فكأنه قال لا تفعلوا شيئاً من ذلك وإن عزمتم على هذا الفعل فافعلوا هذا القدر إن كنتم فاعلين ذلك. قال البغوي: كانوا يومئذ بالغين ولم يكونوا أنبياء إلا بعده وقيل لم يكونوا بالغين وليس بصحيح بدليل أنهم قالوا وتكونوا من بعده قوماً صالحين وقالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين والصغير لا ذنب له. قال محمد بن إسحاق: اشتمل فعلهم هذا على جرائم كثيرة من قطيعة الرحم وعقوق الوالدين وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له والغدر بالأمانة وترك العهد والكذب مع أبيهم وعفا الله عن ذلك كله حتى لا ييأس أحد من رحمة الله تعالى وقال بعض أهل العلم عزموا على قتله وعصمهم الله رحمة بهم ولو فعلوا ذلك لهلكوا جميعاً وكل ذلك كان قبل أن نبأهم الله فلما أجمعوا على التفريق بين يوسف وبين والده بضرب من الحيل {قالوا} يعني: قال إخوة يوسف ليعقوب {يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف} بدؤوا بالإنكار عليه في ترك إرسال يوسف معهم كأنهم قالوا: أتخافنا إذا أرسلته معنا {وإنا له لناصحون} المراد بالنصح هنا القيام بالمصلحة، وقيل: البر والعطف والمعنى وإنا لعاطفون عليه قائمون بمصلحته وبحفظه، وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير وذلك أنهم قالوا لأبيهم أرسله معنا فقال يعقوب إني ليحزنني أن تذهبوا به فحينئذ قالوا: مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ثم قالوا.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه عنه في قوله {قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف} قال: كنا نحدث أنه روبيل وهو أكبر إخوته، وهو ابن خالة يوسف. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف} قال: هو شمعون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب} قال: قاله كبيرهم الذي تخلف. قال: والجب، بئر بالشام {يلتقطه بعض السيارة} قال: التقطه ناس من الأعراب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وألقوه في غيابة الجب} يعني الركية. وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه، قال: الجب البئر. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وألقوه في غيابة الجب} قال: هي بئر ببيت المقدس. يقول في بعض نواحيها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال: الجب الذي جعل فيه يوسف عليه السلام بحذاء طبرية، بينه وبينها أميال. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ "تلتقطه بعض السيارة" بالتاء.
القشيري
تفسير : إخوةُ يوسف - وإنْ قابلوه بالجفاء - مَنَعَتْهُم شفقةُ النَّسَبِ وحُرْمةُ القرابةِ من الإقدام على قتله؛ فقالوا لا تقتلوه وغَيِّبُوا شَخْصَه. ويقال إنما حَمَلَهم على إلقائه مرادُهم أن يخلوَ لهم وجهُ أبيهم، فلمَّا أرادوا حصولَ مرادهم في تغييبه لم يبالغوا في تعذيبه. ويقال لمَّا كان المعلومُ له - سبحانه - في أمر يوسف تبليغَه إياه تلك القربة ألقى اللهُ في قلبِ قائلهم حتى قال: {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ}. ثم إنه - وإن أبلاه في الحال - سَهَّلَ عليه ذلك في جَنْبِ ما رقَّاه إليه في المآل، قال قائلهم: شعر : كم مرةٍ حَفَّت بِكَ المكارِه خَارَ لَكَ اللَّهُ - وأنت كاره
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} استئناف مبنى على سؤال من سأل وقال اتفقوا على ما عرض عليهم من الامرين ام خالفهم فى ذلك احد فقيل قال {قائل منهم} وهو يهودا وكان احسنهم فيه رأيا حيث جوزوا قتله ولم يساعدهم عليه {لا تقتلوا يوسف} فان قتله عظيم لكونه من غير جرم ولا تطرحوه ارضا لكونه فى حكم القتل {والقوه} يعنى بدل الطرح {فى غيابة الجب} فى قعره وغوره وما اظلم منه من اسفله سمى به لغيبته عن عين الناظر والجب البئر التى لم تطو بعد لانه ليس فيها غير جب الارض وقطعها فاذا طويت فهو بئر {يلتقطه} يأخذه على وجه الصيانة من الضياع والتلف فان الالتقاط اخذ شيء مشرف على الضياع {بعض السيارة} جمع سيار وهو بناء المبالغة اى بعض طائفة تسير فى الارض. وبالفارسية [بعضى ازاره كذريان كه بداتجا رسندو وببرندش بنا حيتى ديكروشما ازوباز رهيد] {ان كنتم فاعلين} [بمشورتى يعنى جون غرض شمابودن اوست برين وجه مبايد كرد] ولم يبت القول عليهم انما عرض ذلك عليهم تأليفا لقلبهم وتوجيها لهم الى رأيه وحذرا من نسبتهم له الى التهكم والافتيات اى الاستبداد والتفرد. قال سعدى المفتى انما قال هذا القائل ذلك لكونه اوجه مما ذكروه فى التدبير فان من التقطه من السيارة يحمله الى موضع بعيد ويحصل المقصود بلا احتياج الى الحركة بانفسهم فربما لا يأذن لهم ابوهم وربما يطلع على قصدهم انتهى. فانظر الى هؤلاء الاخوان الذين ارحمهم له لا يرضى الا بالقاء يوسف فى اسفل الحجب وهكذا اخوان الزمان وابناؤه فان السنتهم دائرة بكل شر ساكتة عن كل خير شعر : جامى ابناى زمان از قول حق صمند وبكم نام ايشان نيست عند الله بجز شر الدواب درلباس دوستى سازندكار دشمنى حسب الامكان واجبست ازكيدايشان اجتناب شكل ايشان شكل انسان فعلشان فعل سباع هم زئاب فى ثياب او ثياب فى ذئاب تفسير : وفى الآية اشارة الى ان الحواس والقوى تسعى فى قتل يوسف القلب بسكين الهوى فان موت القلب منشأة الهوى وهو السم القاتل للقلب او تسعى فى طرحه فى ارض البشرية فانه بعد موت القلب يقبل الروح بوجهه الى الحواس والقوى لتحصيل شهواتها ومراداتها وتكون هى بعد موته قوما صالحين للتنعم الحيوانى والنفسانى. قال قائل منهم وهو يهودا المتفكرة لا تقتلوا يوسف والقوة فى غيابة جب القالب وسفل البشرية يلتقطه سيارة الحوادث النفسانية ان كنتم فاعلين ساعين به كذا فى التأويلات النجمية. فالحياة الحقيقية انما هى فى حياة القلب والقلب بيت الله ومحل استوائه عليه. قال الشيخ ابو عبد الله محمد بن الفضل العجب ممن يقطع الاودية والمفاوز والقفار ليصل الى بيته وحرمه لان فيه آثار انبيائه كيف لا يقطع بالله نفسه وهواه حتى يصل الى قلبه فان فيه آثار مولاه وذكر الله تعالى هو طريق الوصول. قال الشيخ ابو عبد الله محمد بن على الترمذى الحكيم رضى الله عنه ذكر الله يرطب القلب ويلينه فاذا خلا عن الذكر اصابته حرارة النفس ونار الشهوات فقسا ويبس وامتنعت الاعضاء من الطاعة فاذا مددتها انكسرت كالشجرة اذا يبست لا تصلح الا للقطع وتصير وقودا للنار اعاذنا الله منها
الطوسي
تفسير : قرأ نافع وابو جعفر، "غيابات" على الجمع. الباقون "غيابة" على التوحيد، وقرأ الحسن تلتقطه بالتاء، كما قالوا ذهبت بعض اصابعه، قال ابو علي: وجه قول من أفرد، أن الجب لا يخلوا ان يكون له غيابة واحدة او غيابات، فغيابة المفرد يجوز ان يعنى به الجمع، كما يعنى به الواحد، ووجه قول من جمع: انه يجوز ان يكون له غيابة واحدة، فجعل كل جزء منه غيابة، فجمع على ذلك، كقولهم شابت مفارقة، ويجوز ان يكون عنده للجب غيابات، فجمع على ذلك. اخبر الله تعالى في هذه الآية عن واحد من جملة القوم أنه قال على وجه المشورة عليهم {لا تقتلوا يوسف} ولكن اطرحوه في جب عميق قليل الماء. وقيل إنه كان اسم القائل لذلك (روبيل) وكان ابن خالة يوسف - في قول قتادة وابن اسحاق - وقال الزجاج: كان يهوذا، والغيابة الموضع الذي يغيب فيه صاحبه وغيابة البئر شبه الجاف او طاف فوق الماء وضعوه فيها. وكلما غيب شيء عن الحس بكونه، فهو غيابة. وقال الحسن يعني في قعر الجب قال المنخل: شعر : فان انا يوم غيبتني غيابتي فسيروا بسيري في العشيرة والأهل تفسير : والجب البئر التي لم تطوَ، لانه قطع عنها ترابها حتى طغى الماء من غير طي، ومنه المجبوب قال الأعشى: شعر : لئن كنت في جب ثمانين قامة ورقيّت أسباب السماء بسلم تفسير : و {السيارة} الجماعة المسافرون، لانهم يسيرون في البلاد. وقيل: هم مارة الطريق. و (الالتقاط) تناول الشيء من الطريق، ومنه اللقطة واللقيطة. وقيل: انهم أشاروا عليه بأن يقعد في دلو المدلي إذا استسقى ليخرجه من البئر ففعل. ومعنى التقاطه أن يجدوه من غير ان يحسبوه، يقال وردت الماء التقاطاً إذا وردته من غير ان تحسبه.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ} قيل: كان القائل يهودا وورد أنّه كان لاوى وهو الّذى بقى النّبوّة فى عقبه {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ} عظّم القتل ونهاهم عنه ووضع الظّاهر موضع المضمر تعليلاً للنّهى بتذكيرهم انّه يوسف (ع) وابن ابيهم وأحبّهم اليه ليعظّموا قتله ايضاً {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ} قعره الّذى يغيب عن الانظار {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ} فيذهب به عن ارضكم ويبعّده عن ابيكم {إِن كُنتُمْ} لا محالة {فَاعِلِينَ} به ما يفرّق بينه وبين ابيه.
الهواري
تفسير : { قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ} قال بعضهم: هو روبيل، وكان أكبر القوم، وهو ابن خالة يوسف وهو الذي قال: {أية : أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقاً مِّنَ اللهِ} تفسير : [يوسف: 80]. وقال مجاهد: كبيرهم شمعون، وأكبر منه في التلاد روبيل. {لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الجُبِّ} أي: في بعض نواحيها { يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ} أي: بعض مارة الطريق { إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} ولا تقتلوه. {قَالُوا يَا أَبَانَا مَالَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَع وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} وهي تقرأ على وجهين: بالياء والنون. فمن قرأها بالياء فهو يعني يوسف، يقول: يرتع ويلعب. ومن قرأها بالنون فهو يعني جماعتهم. وقراءة الحسن بالياء، وقراءة مجاهد بالنون. وقال مجاهد: تفسير نرتع ونلعب، أي: ننشط ونلهو. قوله: { إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي: جماعة { إِنَّا إِذاً لَّخَاسِرُونَ} أي: إِنا إذاً لعَجَزَة. قال الله: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الجُبِّ} ففعلوا وألقوه في الجبّ. { وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} قال مجاهد: إلى يوسف. قال الحسن: أعطاه الله النبوة وهو في الجبّ. وقال بعضهم: هو إلهام {لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي: أنك يوسف. ولم يكن إخوة يوسف يومئذٍ أنبياء، وإنما أوتوا النبوّة بعد ذلك، وهم الأسباط. وقال بعضهم: أتاه وحي الله وهو في البئر بما يريدون أن يفعلوا به، {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}. أي: بما أطلع الله عليه يوسف من أمرهم.
اطفيش
تفسير : {قَالَ قائلٌ منْهُم} هو يهودا، وكان أحسنهم فيه رأيا، وأفضلهم وأعقلهم، وهو القائل: {فلن أبرح الأرض} وذلك أنه متصل به سنا، فكانت منه له شفقة وهو الصحيح، وقال قتادة، وابن إسحاق: هو روبيل، وكان أكبرهم سنا، وهو ابن خالة يوسف، قال الشيخ هود: هو القائل: {فلن أبرح الأرض} وقال مجاهد: القائل: لا تقتلوا هو شمعون، وكان أعظمهم شأنا. {لا تقْتلُوا يُوسفَ} فإن القتل عظيم {وألقوه} الفعل فعل أمر {فى غَيابَاتِ الجُبِّ} أى المواضع التى يغيب فيها عن أعين الناظرين فى الجب، وذلك أن الجب كان واسع الأسفل، فإذا ألقوه فيه سكن أى موضع شاء منه، فإنما سمى قعر الجب غيابة، لأنه يغيب ما فيه، وقرأ غير نافع: فى غيابة بالإفراد، وقرأ فى غير العشرة فى غيابات بالتشديد والجمع، وقرأ الجحدرى: غيبة بالإفراد والتشديد وإسقاط الألف. والجب البئر التى لم تطو، سميت لأنها قطعت من الأرض مجرد قطع فقط، دون طى، قال قتادة: هو بئر فى بلاد بيت المقدس، وقيل: بين مصر ومدين، وقال وهب: فى أرض الأردن، وكذا قال مقاتل، وزاد إنها على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب عليه السلام، قيل: هو فى وادٍ من أوديتها على قارعة الطريق، ولا يرى إلا موشحا مظلما يهلك من طرح فيه لسعة أسفله، إذ لا يمكنه الصعود، وكان صالحا، وقيل: ألا يكون فيه ماء، وكانت فيه حيات يهلكن من دخله، وهو من حفر سام ابن نوح: يسمى جبّ الأحزان، وكان معروفا يرد عليه كثير من المسافرين، وقيل: حفره شداد بن عاد. {يلْتقِطُه بَعضُ السَّيارةِ} جمع سيار، وهو من يكثر السير بالطريق كذا قيل، قلت: بل هو اسم جمع، وذلك الالتقاط هو علة الأمر بالطرح فى غيابات الجب، ولذلك جزم فى جوابه، فإذا التقطه بعض السيارة ذهب به إلى ناحية فتسلموا من قتله، وتستريحوا منه، وقرأ الحسن البصرى: تلتقطه بالتاء المثناة أوله، قال ابن هشام: أنث المضاف لتأنيث المضاف إليه، وساغ ذلك لصلة الاستغناء بالمضاف إليه كما قال، ونظر للمعنى فإن بعض السيارة سيارة والالتقاط الأخذ. {إنْ كُنتُم فاعِلينَ} التفريق بينه وبين أبيه، أو إن كنتم فاعلين به ضرا، أو إن كنتم عاملين بمشورتى، وجواب إن محذوف دل عليه ألقوه، أو لا تقتلوا وألقوه، أى إن كنتم فاعلين للتفريق أو للضر، أو بمشورتى فألقوه فى غيابات الجب، أو فلا تقتلوه وألقوه الخ، ويحتمل أن يكون قائل ذلك مشفقا عليه، راحما له، أى لا تفعلوا شيئا من تفريق وإضرار، وإن كنتم فاعلين ولا بد فأقوه فى غيابات الجب. وروى أن جماعة من الأعراب ألتقطوه وستأتى قصة التقاطه، فلما أجمعوا على التفريق بين يوسف وأبيه، توصلوا إليه بضرب من الحيل، بأن يدخلوا على يعقوب ويكلموه فى إرسال يوسف معهم إلى البرية، قال روبيل: إن أباكم لا يأمنكم على يوسف، ولكن انطلقوا بنا إلى يوسف حتى نلعب بين يديه، واذا رآنا كيف نلعب ونمرح فاشتاق إلى ذلك رضى بالخروج معنا، فيطلب من أبينا ذلك. فأقبلوا على يوسف وهو قاعد يسبح، فجعلوا يتلاعبون ويتناضلون بين يديه، فلما رأى يوسف ذلك اشتاق إلى اللعب معهم، فأقبل عليهم وقال: يا إخوتاه هكذا تفعلون فى مراعيكم؟ قالوا: نعم يا يوسف إنك لو رأيتنا فى مراعينا، لتمنيت أن تكون معنا، فشوقوه إلى ذلك حتى كان هو الطالب لذلك، فقال لهم: يا إخوتاه انطلقوا إلى أبى فاسألوه أن يرسلنى معكم، فأقبلوا على يعقوب وصفُّوا بين يديه صفوفا، وكانوا يفعلون ذلك إذا أرادوا أن يسألوه حاجة، فلما رآهم بين يديه صفوفا قال لهم: ما حاجتكم؟ فذكروا له ما حكى الله عنهم بقوله: {قالُوا يَا أبانَا مالَكَ...
اطفيش
تفسير : {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ} هو يهوذا، وقال قتادة: روبيل، قيل: كان يهوذا أَكبرهم سناً وأَحسنهم رأْياً وأَقلهم شرا، وقيل بذلك فى روبيل، وقال مجاهد: شمعون، وقيل: دان، والصحيح أَنه يهوذا وهو القائل: " فلن أَبرح الأَرض" إِلخ ولم يذكر القائِل باسمه سترا. {لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ} فإن القتل أَكبر الكبائر بعد الإِشراك، ولا رجوع فيه إِلى إِصلاح، بخلاف سائِر المضار، أَشار لهم القائِل لا تقتلوا إِلى هذا كله، ولم يضمر ليوسف استعطافاً لهم عليه {وَأَلْقُوهُ فِى غَيابَةِ الْجُبِّ} فى المواضع المظلمة من البئر وهى أَجزاءُ قعرها إِذ يغيب ما فيها عن الناظر من أَعلاها، ولا سيما إِن اتسع أَسفلها وضاق أَعلاها، والغيابة الوضع الذى يغيب ما فيه، أَو فى أَسفل ذلك الجب خيافا فى جوانبه، وسميت البئر جباً لأَن الأَرض تجب لتحصيلها أَى تقطع، قيل: الجب البئر التى لم تطوا بالحجارة أَو الجذوع ولا بغيرها، والمراد هنا البئْر المطوية، والمراد بئْر لثمود قديمة، وقيل: بئر بيت القدس، وقيل بئْر بالأَردن، وعن وهب بن منبه ومقاتل: هو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب، وقيل: بئْر بين مدين ومصر قصدوا بئراً مخصوصة، وأَل للعهد الذهنى، والواضح أَنهم أَرادوا مطلق البئْر، واتفق أَنها إِحدى الأَبيار المذكورة، فأَل للجنس كأَل فى السيارة {يَلْتَقِطْهُ} يأْخذه على وجه الإِصلاح، والأَخذ من الطريق أَو من حيث لا يحتسب التقاط {بَعْضُ السَّيَّارَةِ} كان على الطريق يرد عليه المسافرون فيأْخذه منها بعض السائِرين فى السفر، والسيارة جمع سيار، الذى هو صفة مبالغة فيكون من الجمع بالتاءِ والمفرد بلا تاءِ ككمأْة للجمع، والكمأْ للمفرد {إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} مريدين الفعل بمشورتى أَو مريدين التفريق بينه وبين أَبيكم، وذلك أَنه يأْخذه بعض المسافرين فيذهب إِلى بلد آخر فيغيب عنكم فيه، أَرادوا قتله فقال قائل منهم: إِن كان ولا بد من الشر فيه فاقتصروا على إِلقائِه فى الجب، ولما أَجمعوا أَمرهم فى الكيد به وأَرادوا تخليصه من أَبيه..
الالوسي
تفسير : {قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ} هو يهوذا وكان رأيه فيه أهون شراً من رأي غيره وهو القائل: {أية : فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ }تفسير : [يوسف: 80] الخ قاله السدي. وقال قتادة وابن إسحاق: هو روبيل، وعن مجاهد أنه شمعون، وقيل: دان، وقال بعضهم: إن أحد هذين هو القائل: {أية : ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ} تفسير : [يوسف: 9] الخ، وأما القائل: {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ} فغيره، ولعل الأصح أنه يهوذا. قيل: وإنما لم يذكر أحد منهم باسمه ستراً على المسيء وكل منهم لم يخل عن الإساءة وإن تفاوتت مراتبها، والقول بأنه على هذا لا ينبغي لأحد أن يعين أحداً منهم باسمه تأسياً بالكتاب ليس بشيء لأن ذلك مقام تفسير وهو فيه أمر مطلوب. والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأن سائلاً سأل اتفقوا على ما عرض عليهم من خصلتي الصنيع أم خالفهم في ذلك أحد؟ فقيل: قال قائل منهم: لا تقتلوا الخ، والإتيان ـ بيوسف ـ دون ضميره لاستجلاب شفقتهم عليه واستعظام قتله وهو هو فإنه يروى أنه قال لهم: القتل عظيم ولم يصرح بنهيهم عن الخصلة الأخرى، وأحاله على أولوية ما عرضه عليهم بقوله: {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبّ} أي في قعره وغوره سمي به لغيبته عن عين الناظر، ومنه قيل للقبر: غيابة، قال المنخل السعدي: شعر : إذا أنا يوماً غيبتني (غيابتي) فسيروا بسيري في العشيرة والأهل تفسير : وقال الهروي: الغيابة في الجب شبه كهف أو طاق في البئر فوق الماء يغيب ما فيه عن العيون، والجب الركية التي لم تطو فإذا طويت فهي بئر قال الأعشى: شعر : لئن كنت في جب ثمانين قامة ورقِّيت أسباب السماء بسلم تفسير : ويجمع على جبب وجباب وأجباب، وسمي جباً لأنه جب من الأرض أي قطع، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى الكلام في تأنيثه وتذكيره. وقرأ نافع - في غيابات ـ في الموضعين كأن لتلك الجب غيابات، ففيه إشارة إلى سعتها، أو أراد بالجب الجنس أي في بعض غيابات الجب، وقرأ ابن هرمز ـ غيابات ـ بتشديد الياء التحتية وهو صيغة مبالغة، ووزنه على ما نقل صاحب «اللوامح» يجوز أن يكون فعالات كحمامات، ويجوز أن يكون فيعالات كشيطانات في جمع شيطانة، وقرأ الحسن (غيبة) بفتحات على أنه في الأصل مصدر كالغلبة، ويحتمل أن يكون جمع غائب كصانع وصنعة، وفي حرف أبيّ رضي الله تعالى عنه (غيبة) بسكون الياء التحتية على أنه مصدر أريد به الغائب. {يَلْتَقِطْهُ} أي يأخذه على وجه الصيانة عن الضياع والتلف فإن الالتقاط أخذ شيء مشرف على الضياع كذا قيل، وفي «مجمع البيان» هو أن يجد الشيء ويأخذه من غير أن يحسبه، ومنه قوله:شعر : ومنهل وردته التقاطاً تفسير : {بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ} أي بعض جماعة تسير في الأرض وأل في السيارة كما في الجب وما فيهما، وفي ـ البعض ـ من الإبهام لتحقيق ما يتوخاه من ترويج كلامه بموافقته لغرضهم الذي هو تنائي يوسف عليه السلام عنهم بحيث لا يدرى أثره ولا يروى خبره، وقرأ الحسن ـ تلتقطه ـ على التأنيث باعتبار المعنى كما في قوله:شعر : إذا بعض السنين (تعرفتنا) كفى الأيتام فقد أبى اليتيم تفسير : / وجاء قطعت بعض أصابعه وجعلوا هذا من باب اكتساب المضاف من المضاف إليه التأنيث كقوله: شعر : كما شرقت صدر القناة من الدم تفسير : {إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ} أي إن كنتم عازمين مصرين على أن تفعلوا به ما يفرق بينه وبين أبيه أو إن كنتم فاعلين بمشورتي ورأيـي فألقوه الخ، ولم يبت القول لهم بل عرض عليهم ذلك تأليفاً لقلوبهم وتوجيهاً لهم إلى رأيه وحذراً من سوء ظنهم به؛ ولما كان هذا مظنة لسؤال سائل يقول: فما فعلوا بعد ذلك هل قبلوا رأيه أم لا؟ فأجيب على سبيل الاستئناف على وجه أدرج في تضاعيفه قبولهم له بما سيجيء إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه: {أية : وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ}تفسير : [يوسف: 15]
ابن عاشور
تفسير : فصْل جملة {قال قائل} جار على طريقة المقاولات والمحاورات، كما تقدّم في قوله تعالى: { أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } تفسير : في سورة البقرة (30). وهذا القائل أحد الإخوة ولذلك وصف بأنّه منهم. والعدول عن اسمه العَلَم إلى التنكير والوصفيّة لعدم الجدوى في معرفة شخصه وإنّما المهمّ أنّه من جماعتهم. وتجنّباً لما في اسمه العلم من الثقل اللفظي الذي لا داعي إلى ارتكابه. قيل: إنّه (يهوذا) وقيل: (شمعون) وقيل (روبين)، والذي في سفر التّكوين من التّوراة أنه (راوبين) صدّهم عن قتله وأن يهوذا دل عليه السيارة كما في الإصحاح37. وعادة القرآن أن لا يذكر إلاّ اسم المقصود من القصّة دون أسماء الذين شملتهم، مثل قوله: { أية : وقال رجلٌ مؤمنٌ من آل فرعون } تفسير : [سورة غافر: 28]. والإلقاء: الرمي. والغيابات: جمع غيابة، وهي ما غاب عن البصر من شيء. فيقال: غيابة الجبّ وغيابة القبر والمراد قعر الجبّ. والجبّ: البئر التي تحفر ولا تطوى. وقرأ نافع، وأبو جعفر غيابات بالجمع. ومعناه جهات تلك الغيابة، أو يجعل الجمع للمبالغة في ماهية الاسم، كقوله تعالى: { أية : أوْ كظلماتٍ في بحرٍ لجّيّ } تفسير : [سورة النور: 40] وقرأ الباقون {في غيابت الجبّ} بالإفراد. والتّعريف في {الجبّ} تعريف العهد الذهني، أي في غيابة جب من الجباب مثل قولهم: ادخل السوق. وهو في المعنى كالنكرة. فلعلّهم كانوا قد عهدوا جباباً كائنة على أبعاد متناسبة في طرق أسفارهم يأوون إلى قربها في مراحلهم لسقي رواحلهم وشربهم، وقد توخوا أنْ تكون طرائقهم عليها، وأحسب أنّها كانت ينصب إليها ماء السيول، وأنّها لم تكن بعيدة القعر حيث علموا أنّ إلقاءه في الجبّ لا يهشّم عظامه ولا ماء فيه فيغرقه. و{يلتقطه} جواب الأمر في قوله: {وألقوه}. والتّقدير: إن تلقوه يلتقطه. والمقصود من التسبب الذي يفيده جواب الأمر إظهار أنّ ما أشار به القائل من إلقاء يوسف ـــ عليه السّلام ـــ في غيابة جبّ هو أمثل ممّا أشار به الآخرون من قتله أو تركه بفيفاء مهلكة لأنّه يحصل به إبعاد يوسف ـــ عليه السّلام ـــ عن أبيه إبعاداً لا يرجى بعدَه تلاقيهما دون إلحاق ضرّ الإعدام بيوسف ـــ عليه السّلام ـــ؛ فإنّ التقاط السيّارة إياه أبقى له وأدخل في الغرض من المقصود لهم وهو إبعاده، لأنّه إذا التقطه السيّارة أخذوه عندهم أو باعوه فزاد بعداً على بعد. والالتقاط: تناول شيء من الأرض أو الطريق، واستعير لأخذ شيء مضاع. والسيّارة: الجماعة الموصوفة بحالة السّير وكثرته، فتأنيثه لتأويله بالجماعة التي تسير مثل الفلاّحة والبَحّارة. والتعريف فيه تعريف العهد الذهني لأنّهم علموا أنّ الطريق لا تخلو من قوافل بين الشام ومصر للتّجارة والميرة. وجملة {إن كنتم فاعلين} شرط حذف جوابه لدلالة {وألقوه}، أي إن كنتم فاعلين إبعاده عن أبيه فألْقوه في غيابات الجبّ ولا تقتلوه. وفيه تعريض بزيادة التريّث فيما أضمروه لعلّهم يرون الرجوع عنه أولى من تنفيذه، ولذلك جاء في شرطه بحرف الشرط وهو {إنْ} إيماء إلى أنّه لا ينبغي الجزم به، فكَانَ هذا القائل أمثل الإخوة رأياً وأقربهم إلى التّقوى، وقد علموا أنّ السيّارة يقصدون إلى جميع الجباب للاستقاء، لأنّها كانت محتفرة على مسافات مراحل السفر. وفي هذا الرأي عبرة في الاقتصاد من الانتقام والاكتفاء بما يحصل به الغرض دون إفراط.
الواحدي
تفسير : {قال قائل منهم} وهو يهوذا أكبر إخوته: {لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب} في موضعٍ مظلمٍ من البئر لا يلحقه نظر النَّاظرين {يلتقطه بعض السيارة} مارَّة الطَّريق {إن كنتم فاعلين} ما قصدتم من التًّفريق بينه وبين أبيه، فلمَّا تآمروا بينهم ذلك وعزموا على طرحه في البئر. {قالوا} لأبيهم: {مالك لا تأمنا على يوسف} لِمَ تخافنا عليه؟ {وإنا له لناصحون} في الرَّحمة والبرِّ والشَّفقة. {أرسله معنا غداً} إلى الصَّحراء {نرتعْ ونلعبْ} نسعى وننشط {وإنا له لحافظون} من كلِّ ما تخافه عليه. {قال إني ليحزنني أن تذهبوا به} ذهابكم به يحزنني؛ لأنَّه يفارقني، فلا أراه {وأخاف أن يأكله الذئب} وذلك أنَّ أرضهم كانت مذأبة {وأنتم عنه غافلون} مشتغلون برعيتكم. {قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة} جماعةٌ بحضرته {إنا إذاً لخاسرون} لعاجزون. {فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه غيابت الجب} وعزموا على ذلك أوحينا إلى يوسف في البئر تقويةً لقلبه: لتصدقنَّ رؤياك ولَتُخبِرِنَّ إخوتك بصنيعهم هذا بعد هذا اليوم {وهم لا يشعرون} بأنَّك يوسف في وقت إخبارك إيَّاهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {قَآئِلٌ} {غَيَابَةِ} {فَاعِلِينَ} (10) - فَقَالَ أَحَدُهُمْ، لاَ تَبْلُغُوا فِي كُرْهِكُمْ يُوسُفَ حَدَّ القَتْلِ، وَاكْتَفُوا بِإِلْقَائِهِ فِي أَعْمَاقِ بِئْرٍ (غَيَابَةِ الجُبِّ)، فَتَمُرُّ قَافِلَةٌ مِنَ المُسَافِرِينَ، مِمَّنْ أَلِفُوا الاسْتِقَاءَ مِنْ هذِهِ البِئْرِ، فَتَلْتَقِطُهُ، وَتَأْخُذُهُ بَعِيداً، فَتَرْتَاحُونَ مِنْهُ بِدُونِ ارْتِكَابِ جَرِيمَةِ قَتْلِ أَخِيكُمْ، هَذَا إِنْ كُنْتُمْ مُصِرِّينَ عَلَى أَنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ. وَبِمَا أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ قَضَتْ بِأَنْ يَكُونَ يُوسُفُ ذَا شَأْنٍ عَظيمٍ فَقَدْ قَبِلَ الآخَرُونَ الاقْتِراحَ، لِيَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ. غَيَابَةِ الجُبِّ - مَا غَابَ وَأَظْلَمَ مِنْ قَعْرِ الجُبِّ. السَّيَّارَةِ - المُسَافِرِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا نرى التخفيف في الشر حين يرفض واحد منهم مبدأ القتل، واستبدله بالإخفاء بإلقائه في الجُبِّ. ولم يحدد الحق سبحانه لنا اسم القائل حتى يعصمهم جميعاً من سوء الظن بهم. والجُبُّ هو البئر غير المطوي؛ ونحن نعلم أن الناس حين تحفر بئراً، فمياه البئر تتدفق طوال الوقت؛ وقد يأتي الردم فيسُدُّ البئر؛ ولذلك يبنون حول فُوَّهة البئر بعضاً من الطوب لحمايته من الرَّدْم؛ ويسمون مثل هذا البئر "بئر مطوي"، وهكذا تظل المياه في البئر في حالة استطراق. وكلمة: {غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ} [يوسف: 10]. أي: المنطقة المَخْفية في البئر؛ وعادة ما تكون فوق الماء؛ وما فيها يكون غائباً عن العيون. ولسائل أن يقول: وكيف يتأتَّى إلقاؤه في مكان مَخْفيٍّ مع قول أحد الإخوة: {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ} [يوسف: 10]. ونقول: إن في مثل هذا القول تنزيلاً لدرجة الشر التي كانت مُتوقِّدة في اقتراح بعضهم بقتل يوسف؛ وفي هذا الاقتراح تخفيض لمسألة القتل أو الطّرْح أرضاً. وبعد ذلك عاد القائل لحالته العادية، وصَحَتْ فيه عاطفة الأخوة؛ وقال: {إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} [يوسف: 10]. أي: أنه توقع عدم رفضهم لاقتراحه. وهكذا يشرح لنا الحق سبحانه كيف تمَّتْ تصفية هذه المسألة؛ فلم يقف صاحب هذا الرأي بالعنف ضد اقتراح إخوته بقتل يوسف أو طَرْحه في الأرض؛ بل أخذ يستدرجهم ليستلَّ منهم ثورة الغضب؛ فلم يَقُلْ لهم "لا تقتلوه"، ولكنه قال: "لا تقتلوا يوسف". وفي نُطْقِه للاسم تحنين لهم. ويضيف: {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} [يوسف: 10]. وكأنه يأمل في أن يتراجعوا عن مخططهم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {قَالُواْ يَٰأَبَانَا ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ} والغَيَابةُ: مَا غَاب عَنكَ والجُبُّ: البِئرُ الذِي لم يُطَمْ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ} [يوسف: 10] وهو يهوذا المفكرة، {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ} [يوسف: 10] القلب والقوى، {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ} [يوسف: 10] جب القالب وسفل البشرية، {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ} [يوسف: 10] أي: سيارة الجولات النفسانية، {إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} [يوسف: 10] فاعلين به. {قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ} [يوسف: 11] يشير إلى كيد الحواس والقوى بيوسف القلب، فإن القلب ما دام في نظر الروح مراقب له غير مشغول باستعمال الحواس والقوى في اللعب والهوى والتمتع من مراتع البهيمي على صحته وسلامته، فاستدعى أكواس والقوى من الروح أن يرسل يوسف القلب معهم إلى مراتعهم الحيوانية؛ ليتمتعوا به في غيبة يعقوب الروح وهو لا يأمنهم عليه لأنه واقف على مكيدتهم وأنهم يدعون نصحه وحفظه عن الآفات كما قالوا: {وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} [يوسف: 11].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { قَالَ قَائِلٌ } من إخوة يوسف الذين أرادوا قتله أو تبعيده: { لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ } فإن قتله أعظم إثما وأشنع، والمقصود يحصل بتبعيده عن أبيه من غير قتل، ولكن توصلوا إلى تبعيده بأن تلقوه { فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ } وتتوعدوه على أنه لا يخبر بشأنكم، بل على أنه عبد مملوك آبق منكم، لأجل أن { يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ } الذين يريدون مكانا بعيدا، فيحتفظون فيه. وهذا القائل أحسنهم رأيا في يوسف، وأبرهم وأتقاهم في هذه القضية، فإن بعض الشر أهون من بعض، والضرر الخفيف يدفع به الضرر الثقيل، .فلما اتفقوا على هذا الرأي.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 383 : 3 : 28 - سفين قال، كان اصحاب عبد الله يقرءونها {والقوه في غيابات الجب}. [الآية 10].
همام الصنعاني
تفسير : 1274- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قَتَادَةَ، في قوله تعالى: {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ}: [الآية: 10]، قال: كان أكبر إخوته، وكان ابن خالة يوسف فنهاهم عن قتله. 1275- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن سعيد بن عبد الرحمن الجحشي قال: لا تَقْصُص رؤياك على امرأة، ولا تُخْبِر بها حتى تطلع الشمس، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصبح" ثم انفتل إليهم فقال: "من رأى منكم رؤيا صالحةً فليحدثنا بها ". تفسير : 1276- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ}: [الآية: 10]، قال: بئر ببيت المقدس، بئر في بعض نواحيها. 1281- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ}: [الآية: 10]، قال: كان أكبر إخوته وكان ابن خالة يوسف فنهاهم عنه. 1282- حدثنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سمَاك بن حرب، عن عامر الشعبي قال: كَانَ في قميص يوسف ثلاث آيات: الشق والدم وإلقاءه على وجهه يعني أباه فارتد بصيراً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):