Verse. 1607 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

قَالُوْا يٰۗاَبَانَا مَالَكَ لَا تَاْمَنَّا عَلٰي يُوْسُفَ وَاِنَّا لَہٗ لَنٰصِحُوْنَ۝۱۱
Qaloo ya abana ma laka la tamanna AAala yoosufa wainna lahu lanasihoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون» لقائمون بمصالحه.

11

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا الكلام يدل على أن يعقوب عليه السلام كان يخافهم على يوسف ولولا ذلك وإلا لما قالوا هذا القول. واعلم أنهم لما أحكموا العزم ذكروا هذا الكلام وأظهروا عند أبيهم أنهم في غاية المحبة ليوسف وفي غاية الشفقة عليه، وكانت عادتهم أن يغيبوا عنه مدة إلى الرعي فسألوه أن يرسله معهم وقد كان عليه السلام يحب تطييب قلب يوسف فاغتر بقولهم وأرسله معهم. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: {لاَ تَأْمَنَّا } قرىء بإظهار النونين وبالإدغام بإشمام وبغير إشمام، والمعنى لم تخافنا عليه ونحن نحبه ونريد الخير به. المسألة الثانية: في {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ } خمس قراآت: القراءة الأولى: قرأ ابن كثير: بالنون، وبكسر عين نرتع من الارتعاء، ويلعب بالياء والارتعاء افتعال من رعيت، يقال: رعت الماشية الكلأ ترعاه رعياً إذا أكلته، وقوله: {نرتع} الارتعاء للإبل والمواشي، وقد أضافوه إلى أنفسهم، لأن المعنى نرتع إبلنا، ثم نسبوه إلى أنفسهم لأنهم هم السبب في ذلك الرعي، والحاصل أنهم أضافوا الارتعاء والقيام بحفظ المال إلى أنفسهم لأنهم بالغون كاملون وأضافوا اللعب إلى يوسف لصغره. القراءة الثانية: قرأ نافع: كلاهما بالياء وكسر العين من يرتع أضاف الارتعاء إلى يوسف بمعنى أنه يباشر رعي الإبل ليتدرب بذلك فمرة يرتع ومرة يلعب كفعل الصبيان. القراءة الثالثة: قرأ أبو عمرو وابن عامر {نرتع} بالنون وجزم العين ومثله نلعب. قال ابن الأعرابي: الرتع الأكل بشره، وقيل: إنه الخصب، وقيل: المراد من اللعب الإقدام على المباحات وهذا يوصف به الإنسان، وأما نلعب فروي أنه قيل لأبي عمرو: كيف يقولون نلعب وهم أنبياء؟ فقال لم يكونوا يومئذ أنبياء، وأيضاً جاز أن يكون المراد من اللعب الإقدام على المباحات لأجل انشراح الصدر كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لجابر: « حديث : فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك » تفسير : وأيضاً كان لعبهم الاستباق، والغرض منه تعلم المحاربة والمقاتلة مع الكفار، والدليل عليه قولهم: إنا ذهبنا نستبق وإنما سموه لعباً لأنه في صورته. القراءة الرابعة: قرأ أهل الكوفة: كليهما بالياء وسكون العين، ومعناه إسناد الرتع واللعب إلى يوسف عليه السلام. القراءة الخامسة: {غَداً يَرْتَعْ } بالياء {وَنَلْعَبُ } بالنون وهذا بعيد، لأنهم إنما سألوا إرسال يوسف معهم ليفرح هو باللعب لا ليفرحوا باللعب، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ يَـأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ} قيل للحسن: أيحسِد المؤمن؟ قال: ما أنساك ببني يعقوب! ولهذا قيل: الأب جلاّب والأخ سلاّب؛ فعند ذلك أجمعوا على التفريق بينه وبين ولده بضرب من الاحتيال. وقالوا ليعقوب: «يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ» وقيل: لما تفاوضوا وافترقوا على رأي المتكلم الثاني عادوا إلى يعقوب عليه السلام وقالوا هذا القول. وفيه دليل على أنهم سألوه قبل ذلك أن يخرج معهم يوسف فأبى على ما يأتي. قرأ يزيد بن القَعْقَاع وعمرو بن عُبيد والزّهْريّ «لاَ تَأَمَنَّا» بالإدغام، وبغير إشمام وهو القياس؛ لأن سبيل ما يدغم أن يكون ساكناً. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف «لاَ تَأْمَنُنّا» بنونين ظاهرتين على الأصل. وقرأ يحيـى بن وثّاب وأبو رَزِين ـ وروي عن الأعمش ـ «لا تِيْمّنَّا» بكسر التاء، وهي لغة تميم؛ يقولون: أنت تِضرب؛ وقد تقدّم. وقرأ سائر الناس بالإدغام والإشمام ليدلّ على حال الحرف قبل إدغامه. {وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} أي في حفظه (وحيطته) حتى نردّه إليك. قال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير؛ وذلك أن إخوة يوسف قالوا لأبيهم: «أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً» الآية؛ فحينئذ قال أبوهم: «إنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ» فقالوا حينئذ جواباً لقوله: «مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ» الآية. {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً} إلى الصحراء. {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} «غداً» ظرف، والأصل عند سيبويه غَدْوٌ، وقد نطق به على الأصل؛ قال النّضر بن شميل: ما بين الفجر وصلاة الصبح يقال له غُدوة، وكذا بُكرة. «نَرْتَعْ وَنَلْعَبْ» بالنون وإسكان العين قراءة أهل البصرة. والمعروف من قراءة أهل مكة. «نَرْتَعِ» بالنون وكسر العين. وقراءة أهل الكوفة. «يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ» بالياء وإسكان العين. وقراءة أهل المدينة بالياء وكسر العين؛ القراءة الأولى من قول العرب رَتَع الإنسان والبعير إذا أَكَلا كيف شاءا؛ والمعنى: نتسع في الخِصب؛ وكل مخصِب راتع؛ قال:شعر : فـارعَـيْ فـزارةُ لا هَنَـاكِ المَـرْتَـعْ تفسير : وقال آخر: شعر : تَرْتَعُ ما غَفَلتْ حتى إذا ادّكرتْ فإنمَّا هي إقبالٌ وإدبارُ تفسير : وقال آخر: شعر : أكفراً بعد رَدِّ الموتِ عنِّي وبعد عَطائِكَ المائةَ الرتِّاعَا تفسير : أي الراتعة لكثرة المرعى. وروى مَعْمر عن قَتَادة «ترتع» تسعى؛ قال النحاس: أخذه من قوله: «إنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ» لأن المعنى: نستبق في العَدْو إلى غاية بعينها؛ وكذا «يرتع» بإسكان العين، إلا أنه ليوسف وحده صلى الله عليه وسلم. و «يرتع» بكسر العين من رعي الغنم، أي ليتدرب بذلك ويترجَّل؛ فمرّة يرتع، ومرة يلعب لصغره. وقال القُتَبيّ «نرتع» نَتَحارس ونَتَحافظ، ويرعى بعضنا بعضاً؛ من قولك: رعاك الله؛ أي حفظك. «ونلعب» من اللعب وقيل لأبي عمرو بن العلاء: كيف قالوا «ونلعب» وهم أنبياء؟ فقال: لم يكونوا يومئذ أنبياء. وقيل: المراد باللعب المباح من الانبساط، لا اللعب المحظور الذي هو ضدّ الحق؛ ولذلك لم ينكر يعقوب قولهم «ونلعب». ومنه قوله عليه السلام: «حديث : فهَلاَّ بِكْراً تُلاعبها وتُلاعبكَ»تفسير : . وقرأ مجاهد وقَتَادة: «يُرتِع» على معنى يُرتِع مطيته، فحذف المفعول؛ «ويَلْعَبُ» بالرفع على الاستئناف؛ والمعنى: هو ممن يلعب. {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} من كل ما تخاف عليه. ثم يحتمل أنهم كانوا يخرجون ركباناً، ويحتمل أنهم كانوا رجّالة. وقد نقل أنهم حملوا يوسف على أكتافهم ما دام يعقوب يراهم، ثم لما غابوا عن عينه طرحوه ليعدو معهم إضراراً به.

ابن كثير

تفسير : لما تواطؤوا على أخذه وطرحه في البئر؛ كما أشار به عليهم أخوهم الكبير روبيل، جاؤوا أباهم يعقوب عليه السلام، فقالوا: ما بالك {لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَـٰصِحُونَ} وهذه توطئة ودعوى، وهم يريدون خلاف ذلك؛ لما له في قلوبهم من الحسد لحب أبيه له {أَرْسِلْهُ مَعَنَا} أي: ابعثه معنا {غداً نَرْتَعْ وَنلْعَبْ} وقرأ بعضهم بالياء: {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} قال ابن عباس: يسعى وينشط، وكذا قال قتادة والضحاك والسدي وغيرهم {وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ} يقولون: ونحن نحفظه ونحوطه من أجلك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالُواْ يأَبَانَا مَٰلَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَٰصِحُونَ } لقائمون بمصالحه.

الشوكاني

تفسير : لما أجمع رأيهم على أن يلقوه في غيابات الجبّ، جاءوا إلى أبيهم وخاطبوه بلفظ الأبوة استعطافاً له، وتحريكاً للحنو الذي جبلت عليه طبائع الآباء للأبناء، وتوسلاً بذلك إلى تمام ما يريدونه من الكيد الذي دبروه، واستفهموه استفهام المنكر لأمر ينبغي أن يكون الواقع على خلافه، فـ {قَالُواْ يأَبَانَا مَـٰلِكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ} أي: أيّ شيء لك لا تجعلنا أمناء عليه، وكأنهم قد كانوا سألوه قبل ذلك أن يخرج معهم يوسف فأبى. وقرأ يزيد بن القعقاع، وعمرو بن عبيد، والزهري "لا تأمنا" بالإدغام بغير إشمام. وقرأ طلحة بن مصرف: "لا تأمننا" بنونين ظاهرتين على الأصل. وقرأ يحيـى بن وثاب، وأبو رزين، والأعمش: "لا تيمنا" وهو لغة تميم كما تقدم. وقرأ سائر القراء بالإدغام والإشمام ليدلّ على حال الحرف قبل إدغامه {وَإِنَّا لَهُ لَنَـٰصِحُونَ } في حفظه وحيطته حتى نردّه إليك {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً } أي: إلى الصحراء التي أرادوا الخروج إليها، و{غدا} ظرف، والأصل عند سيبويه غدوة، قال النضر بن شميل: ما بين الفجر وطلوع الشمس يقال له: غدوة، وكذا يقال له بكرة {نرتع وَنَلْعَبُ} هذا جواب الأمر. قرأ أهل البصرة وأهل مكة وأهل الشام بالنون وإسكان العين، كما رواه البعض عنهم. وقرءوا أيضاً بالاختلاس، وقرأ الباقون بالنون وكسر العين. والقراءة الأولى مأخوذة من قول العرب: رتع الإنسان أو البعير إذا أكل كيف شاء، أو المعنى: نتسع في الخصب، وكل مخصب راتع، قال الشاعر: شعر : فارعى فزارة لا هناك المرتعتفسير : ومنه قول الشاعر:شعر : ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت فإنما هي إقبال وإدبار تفسير : والقراءة الثانية مأخوذة من رعي الغنم. وقرأ مجاهد وقتادة: "يرتع ويلعب" بالتحتية فيهما، ورفع يلعب على الاستئناف، والضمير ليوسف. وقال القتيبي: معنى {نرتع} نتحارس ونتحافظ، ويرعى بعضنا بعضاً، من قولهم: رعاك الله أي: حفظك، و{نلعب} من اللعب. قيل لأبي عمرو بن العلاء: كيف قالوا ونلعب وهم أنبياء؟ فقال: لم يكونوا يومئذٍ أنبياء، وقيل: المراد به اللعب المباح من الأنبياء، وهو مجرّد الانبساط، وقيل هو اللعب الذي يتعلمون به الحرب، ويتقوّون به عليه كما في قولهم: {إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ } لا اللعب المحظور الذي هو ضدّ الحق، ولذلك لم ينكر يعقوب عليهم لما قالوا: ونلعب، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لجابر: «فهلاَّ بكراً تلاعبها وتلاعبك» فأجابهم يعقوب بقوله: {إِنّى لَيَحْزُنُنِى أَن تَذْهَبُواْ بِهِ } أي: ذهابكم به، واللام في {لَيَحْزُنُنِى } لام الابتداء للتأكيد، ولتخصيص المضارع بالحال، أخبرهم أنه يحزن لغيبة يوسف عنه لفرط محبته له وخوفه عليه، {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذّئْبُ } أي: ومع ذلك أخاف أن يأكله الذئب. قال يعقوب: هذا تخوّفاً عليه منهم، فكنى عن ذلك بالذئب. وقيل: إنه خاف أن يأكله الذئب حقيقة؛ لأن ذلك المكان كان كثير الذئاب، ولو خاف منهم عليه أن يقتلوه لأرسل معهم من يحفظه. قال ثعلب: والذئب مأخوذ من تذأبت الريح إذا هاجت من كل وجه، قال: والذئب مهموز؛ لأنه يجيء من كل وجه. وقد قرأ ابن كثير ونافع في رواية عنه بالهمز على الأصل، وكذلك أبو عمرو في رواية عنه وابن عامر، وعاصم، وحمزة. وقرأ الباقون بالتخفيف. {وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ } لاشتغالكم بالرتع واللعب، أو لكونهم غير مهتمين بحفظه. {قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } اللام هي الموطئة للقسم. والمعنى: والله لئن أكله الذئب، والحال: إن نحن عصبة أي جماعة كثيرة عشرة {إِنَّا إِذَا لَّخَـٰسِرُونَ } أي: إننا في ذلك الوقت، وهو أكل الذئب له {لخاسرون} هالكون ضعفاً وعجزاً، أو مستحقون للهلاك لعدم الاعتداد بنا، وانتفاء القدرة على أيسر شيء وأقله، أو مستحقون لأن يدعى علينا بالخسارة والدّمار. وقيل: {لخاسرون} لجاهلون حقه، وهذه الجملة جواب القسم المقدّر في الجملة التي قبلها. {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ } من عند يعقوب {وَأَجْمَعُواْ } أمرهم {أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَةِ ٱلْجُبّ } قد تقدّم تفسير الغيابة والجب قريباً، وجواب "لما" محذوف لظهوره ودلالة المقام عليه، والتقدير: فعلوا به ما فعلوا، وقيل: جوابه {قَالُواْ يأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ } وقيل: الجواب المقدّر جعلوه فيها. وقيل: الجواب: {أوحينا} والواو مقحمة، ومثله قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَـٰدَيْنَـٰهُ } تفسير : [الصافات: 103 - 104] أي: ناديناه {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ } أي: إلى يوسف تيسيراً له وتأنيساً لوحشته مع كونه صغيراً اجتمع على إنزال الضرر به عشرة رجال من إخوته، بقلوب غليظة فقد نزعت عنها الرحمة وسلبت منها الرأفة، فإن الطبع البشري، - دع عنك الدين - يتجاوز عن ذنب الصغير، ويغتفره لضعفه عن الدفع، وعجزه عن أيسر شيء يراد منه، فكيف بصغير لا ذنب له، بل كيف بصغير هو أخ وله ولهم أب مثل يعقوب، فلقد أبعد من قال إنهم كانوا أنبياء في ذلك الوقت، فما هكذا عمل الأنبياء ولا فعل الصالحين، وفي هذا دليل على أنه يجوز أن يوحي الله إلى من كان صغيراً ويعطيه النبوّة حينئذٍ، كما وقع في عيسى ويحيـى بن زكريا، وقد قيل: إنه كان في ذلك الوقت قد بلغ مبالغ الرجال، وهو بعيد جدّاً، فإن من كان قد بلغ مبالغ الرجال لا يخاف عليه أن يأكله الذئب. {لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا } أي: لتخبرنّ إخوتك بأمرهم هذا الذي فعلوه معك بعد خلوصك مما أرادوه بك من الكيد، وأنزلوه عليك من الضرر، وجملة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } في محل نصب على الحال، أي: لا يشعرون بأنك أخوهم يوسف لاعتقادهم هلاكك بإلقائهم لك في غيابة الجبّ، ولبعد عهدهم بك، ولكونك قد صرت عند ذلك في حال غير ما كنت عليه وخلاف ما عهدوه منك، وسيأتي ما قاله لهم عند دخولهم عليه بعد أن صار إليه ملك مصر. قوله: {وَجَاءوا أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ } {عشاء} منتصب على الظرفية، وهو آخر النهار. وقيل: في الليل، و{يبكون} في محل نصب على الحال أي: باكين أو متباكين لأنهم لم يبكوا حقيقة، بل فعلوا فعل من يبكي ترويجاً لكذبهم وتنفيقاً لمكرهم وغدرهم. فلما وصلوا إلى أبيهم {قَالُواْ يأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ } أي: نتسابق في العدو أو في الرمي. وقيل: ننتضل، ويؤيده قراءة ابن مسعود "ننتضل"،. قال الزجاج: وهو نوع من المسابقة. وقال الأزهري: النضال في السهام، والرهان في الخيل، والمسابقة تجمعهما. قال القشيري: نستبق، أي: في الرمي أو على الفرس أو على الأقدام. والغرض من المسابقة التدرّب بذلك في القتال {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا } أي: عند ثيابنا ليحرسها {فَأَكَلَهُ ٱلذّئْبُ } الفاء للتعقيب أي، أكله عقب ذلك. وقد اعتذروا عليه بما خافه سابقاً عليه، وربّ كلمة تقول لصاحبها دعني. {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } بمصدّق لنا في هذا العذر الذي أبدينا، والكلمة التي قلناها {وَلَوْ كُنَّا } عندك أو في الواقع {صَـٰدِقِينَ } لما قد علق بقلبك من التهمة لنا في ذلك مع شدة محبتك له. قال الزجاج: والمعنى ولو كنا عندك من أهل الثقة والصدق ما صدّقتنا في هذه القضية لشدّة محبتك ليوسف، وكذا ذكره ابن جرير وغيره. {وَجَاءوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } {على قميصه} في محل نصب على الظرفية، أي جاءوا فوق قميصه بدم، ووصف الدم بأنه كذب مبالغة كما هو معروف في وصف اسم العين باسم المعنى. وقيل المعنى: بدم ذي كذب أو بدم مكذوب فيه. وقرأ الحسن وعائشة (بدم كدب) بالدال المهملة أي: بدم طريّ. يقال للدم الطريّ: كدب. وقال الشعبي: إنه المتغير، والكذب أيضاً البياض الذي يخرج في أظفار الأحداث، فيجوز أن يكون شبه الدم في القميص بالبياض الذي يخرج في الظفر من جهة اللونين. وقد استدّل يعقوب على كذبهم بصحة القميص، وقال لهم: متى كان هذا الذئب حكيماً يأكل يوسف ولا يخرق القميص؟ ثم ذكر الله سبحانه ما أجاب به يعقوب عليهم فقال: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا } أي: زينت وسهلت. قال النيسابوري: التسويل تقرير في معنى النفس مع الطمع في تمامه، وهو تفعيل من السول وهو الأمنية. قال الأزهري: وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } قال الزجاج: أي: فشأني أو الذي أعتقده صبر جميل. وقال قطرب: أي: فصبري صبر جميل. وقيل: فصبر جميل أولى بي، قيل: والصبر الجميل هو الذي لا شكوى معه. قال الزجاج: قرأ عيسى بن عمر فيما زعم سهل بن يوسف (فصبراً جميلاً) قال: وكذا في مصحف أنس. قال المبرد: {فصبر جميل} بالرفع أولى من النصب. لأن المعنى: قال ربّ عندي صبر جميل، وإنما النصب على المصدر أي: فلأصبرنّ صبراً جميلاً. قال الشاعر:شعر : شكا إليّ جملي طول السرى صبراً جميلاً فكلانا مبتلى تفسير : {وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ } أي: المطلوب منه العون {عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ } أي: على إظهار حال ما تصفون، أو على احتمال ما تصفون، وهذا منه عليه السلام إنشاء لا إخبار. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً نرتع وَنَلْعَبُ} قال: نسعى وننشط ونلهو. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، والسلفي في الطيوريات عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تلقنوا الناس فيكذبوا، فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الناس، فلما لقنهم أبوهم كذبوا، فقالوا: أكله الذئب»تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ } قال: أوحي إلى يوسف وهو في الجبّ لتنبئن إخوتك بما صنعوا وهم لا يشعرون بذلك الوحي. وأخرج هؤلاء عن قتادة قال: أوحى الله إليه وحياً وهو في الجبّ أن سينبئهم بما صنعوا {وهم} أي: إخوته {لا يشعرون} بذلك الوحي، فهوّن ذلك الوحي عليه ما صنع به. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } قال: لم يعلموا بوحي الله إليه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال: لما دخل إخوة يوسف على يوسف فعرفهم وهم له منكرون جيء بالصواع فوضعه على يده، ثم نقره فطنّ، فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له: يوسف يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجبّ، فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كذب، فقال بعضهم لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم، فقال ابن عباس: فلا نرى هذه الآية نزلت إلاّ في ذلك {لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون}. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي بكر بن عياش قال: كان يوسف في الجبّ ثلاثة أيام. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } قال: بمصدّق لنا. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وَجَاءوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } قال: كان دم سخلة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس {وَجَاءوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } قال: لما أتي يعقوب بقميص يوسف فلم ير فيه خرقاً قال: كذبتم لو كان كما تقولون أكله الذئب لخرق القميص. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا } يقول: بل زينت لكم أنفسكم أمراً {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ } أي: على ما تكذبون. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصبر، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن حبان بن أبي حبلة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } قال: حديث : لا شكوى فيه، من بثّ لم يصبر»تفسير : وهو من طريق هشيم عن عبد الرحمٰن، عن حبان بن أبي حبلة، وهو مرسل. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } قال: ليس فيه جزع.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {أرسله معنا غداً يرتع ويلعب}فيه خمسة أوجه: أحدها: نلهو ونلعب، قاله الضحاك. الثاني: نسعى وننشط، قاله قتادة. الثالث: نتحارس فيحفظ بعضنا بعضاً ونلهو، قاله مجاهد. الرابع: نرعى ونتصرف، قاله ابن زيد، ومنه قول الفرزدق. شعر : راحت بمسلمة البغالُ مودعاً فارعي فزارة لا هناك المرتع تفسير : الخامس: نطعم ونتنعم مأخوذ من الرتعة وهي سعة المطعم والمشرب، قاله ابن شجرة وأنشد قول الشاعر: شعر : أكُفراً بعد رَدّ الموت عنّي وبعد عطائك المائة الرِّتاعا _@ _ تفسير : أي الراتعة لكثرة المرعى. ولم ينكر عليهم يعقوب عليه السلام اللعب لأنهم عنوا به ما كان مباحاً.

ابن عطية

تفسير : الآية الأولى تقتضي أن أباهم قد كان علم منهم إرادتهم الخبيثة في جهة يوسف. وهذه أنهم علموا هم منه بعلمه ذلك. وقرأ الزهري وأبو جعفر "لا تأمنا" بالإدغام دون إشمام. ورواها الحلواني عن قالون، وقرأ السبعة بالإشمام للضم، وقرأ طلحة بن مصرف "لا تأمننا" وقرأ ابن وثاب والأعمش "لا تيمنا" بكسر تاء العلامة. و {غداً} ظرف أصله: غدو، فلزم اليوم كله، وبقي الغدو والغدوة اسمين لأول النهار، وقال النضر بن شميل: ما بين الفجر إلى الإسفار يقال فيه غدوة. وبكرة. وقرأ أبو عمرو وأبو عامر: "نرتعْ ونلعبْ" بالنون فيهما وإسكان العين والباء، و"نرتعْ" - على هذا - من الرتوع وهي الإقامة في الخصب والمرعى في أكل وشرب، ومنه قول الغضبان بن القبعثري: القيد والرتعة وقلة التعتعة. ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : ....... وبعد عطائك المائة الرتاعا تفسير : و"لعبهم" هذا دخل في اللعب المباح كاللعب بالخيل والرمي ونحوه، فلا وصم عليهم في ذلك، وليس باللعب الذي هو ضد الحق وقرين اللهو، وقيل لأبي عمرو بن العلاء: كيف يقولون: نلعب وهم أنبياء؟ قال: لم يكونوا حينئذ أنبياء. وقرأ ابن كثير: "نرتعِ ونلعبْ" بالنون فيهما، وبكسر وجزم الباء، وقد روي عنه "ويلعب" بالياء، وهي قراءة جعفر بن محمد. و"نرتعِ" - على هذا - من رعاية الإبل: وقال مجاهد هي من المراعاة: أي يراعي بعضنا بعضاً ويحرسه، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي "يرتع ويلعب" بإسناد ذلك كله إلى يوسف، وقرأ نافع "يرتعِ" بالياء فيهما وكسر العين وجزم الباء، فـ "يرتعِ" - على هذا - من رعي الإبل؛ قال ابن زيد: المعنى: يتدرب في الرعي وحفظ المال؛ ومن الارتعاء قول الأعشى: شعر : ترتعي السفح فالكثيب فذاقا ن فروض القطا فذات الرئال تفسير : قال أبو علي: وقراءة ابن كثير - "نرتع" بالنون و "يلعب" بالياء - فنزعها حسن، لإسناد النظر في المال والرعاية إليهم، واللعب إلى يوسف لصباه. وقرأ العلاء بن سيابة، "يرتع ويلعبُ" برفع الباء على القطع. وقرأ مجاهد وقتادة: "نُرتِع" بضم النون وكسر التاء و "نلعبْ" بالنون والجزم. وقرأ ابن كثير - في بعض الروايات عنه - "نرتعي" بإثبات الياء - وهي ضعيفة لا تجوز إلا في الشعر كما قال الشاعر: [الوافر] شعر : ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد تفسير : وقرأ أبو رجاء "يُرتعْ" بضم الياء وجزم العين و "يلعبْ" بالياء والجزم. وعللوا طلبه والخروج به بما يمكن أن يستهوي يوسف لصباه من الرتوع واللعب والنشاط. وقوله تعالى: {إني ليحزنني} الآية. قرأ عاصم وابن كثير والحسن والأعرج وعيسى وأبو عمرو وابن محيصن "ليَحزُنني" بفتح الياء وضم الزاي، قال أبو حاتم: وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي والإدغام، ورواية روش عن نافع: بيان النونين مع ضم الياء وكسر الزاي في جميع القرآن، وأن الأولى فاعلة والثانية مفعولة بـ {أخاف}. وقرأ الكسائي وحده: "الذيب" دون همز وقرأ الباقون بالهمز - وهو الأصل منه جمعهم إياه على ذؤبان، ومنه تذاءبت الريح والذئاب إذا أتت من ها هنا وها هنا. وروى رش عن نافع: "الذيب" بغير همز، وقال نصر: سمعت أبا عمرو لا يهمز، قال: وأهل الحجاز يهمزون. وإنما خاف يعقوب الذئب دون سواه، وخصصه لأنه كان الحيوان العادي المنبت في القطر، وروي أن يعقوب كان رأى في منامه ذئباً يشتد على يوسف. قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي ضعيف لأن يعقوب لو رأى ذلك لكان وحياً، فإما أن يخرج على وجهه وذلك لم يكن، وإما أن يعرف يعقوب بمعرفته لعبارة مثال هذا المرئي، فكان يتشكاه بعينه، اللهم إلا أن يكون قوله: {أخاف أن يأكله الذئب} بمعنى أخاف أن يصيبه مثل ما رأيت من أمر الذئب - وهذا بعيد - وكذلك يقول الربيع بن ضبع: [المنسرح] شعر : والذئب أخشاه................ تفسير : إنما خصصه لأنه كان حيوان قطره العادي، ويحتمل أن يخصصه يعقوب عليه السلام لصغر يوسف: أي أخاف عليه هذا الحقير فما فوقه، وكذلك خصصه الربيع لحقارته وضعفه في الحيوان، وباقي الآية بيّن. وقوله تعالى: {فلما ذهبوا به} الآية، أسند الطبري إلى السدي قال: ذهبوا بيوسف وبه عليهم كرامة، فلما برزوا في البرية أظهروا له العداوة، وجعل أخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه فجعل لا يرى منهم رحيماً، فضربوه حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه يا يعقوب لو تعلم ما صنع بابنك بنو الإماء، فقال لهم يهوذا: ألم تعطوني موثقاً أن لا تقتلوه؟ فانطلقوا به إلى الجب، فجعلوا يدلونه فيتعلق بالشفير فربطوا يديه ونزعوا قميصه. فقال: يا إخوتاه ردوا عليّ قميصي أتوارى به في الجب، فقالوا: ادعُ الشمس والقمر والكواكب تؤنسك؛ فدلوه حتى إذا بلغ نصف الجب ألقوه إرادة أن يموت، فكان في الجب ماء فسقط فيه ثم قام على صخرة يبكي، فنادوه، فظن أنهم رحموه، فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة، فمنعهم يهوذا، وكان يأتيه بالطعام. وجواب {لما} محذوف تقديره: {فلما ذهبوا به وأجمعوا} أجمعوا، هذا مذهب الخليل وسيبويه وهو نص لهما في قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : فلما أجزنا ساحية الحي وانتحى....... تفسير : ومثل هذا قول الله تعالى: {أية : فلما أسلما وتله للجبين} تفسير : [الصافات: 103] - وقال بعض النحاة - في مثل هذا-: إن الواو زائدة - وقوله مردود لأنه ليس في القرآن شيء زائد لغير معنى. و {أجمعوا} معناه: عزموا واتفق رأيهم عليه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم - في المسافر - "حديث : ما لم يجمع مكثاً" تفسير : ، على أن إجماع الواحد قد ينفرد بمعنى العزم والشروع، ويتصور ذلك في إجماع إخوة يوسف وفي سائر الجماعات - وقد يجيء إجماع الجماعة فيما لا عزم فيه ولا شروع ولا يتصور ذلك في إجماع الواحد. والضمير في {إليه} عائد إلى يوسف. وقيل على يعقوب، والأول أصح وأكثر، ويحتمل أن يكون الوحي حينئذ إلى يوسف برسول، ويحتمل أن يكون بإلهام أو بنوم - وكل ذلك قد قيل - وقال الحسن: أعطاه الله النبوءة وهو في الجب. قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد. وقرأ الجمهور: "لتنبئنهم" بالتاء، وفي بعض مصاحف البصرة بالياء، وقرأ سلام بالنون، وهذا كله في العلامة التي تلي اللام. وقوله: {وهم لا يشعرون} قال ابن جريج: وقت التنبيه إنك يوسف. وقال قتادة: لا يشعرون بوحينا إليه. قال القاضي أبو محمد: فيكون قوله: {وهم لا يشعرون} - على التأويل الأول - مما أوحي إليه - وعلى القول الثاني - خبر لمحمد صلى الله عليه وسلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَـا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَـٰصِحُونَ...} الآية المتقدِّمة تقتضي أن أباهم قد كان عَلِمَ منهم إِرادتهم السُّوءَ في جهة يوسُفَ، وهذه الآية تقتضِي أنهم علموا هُمْ منه بعلمه ذلك، وقرأ أبو عامر وابنُ عمرو: «نَرْتَعْ ونَلْعَبْ» - بالنون فيهما وإِسكانِ العينِ والباءِ -، و«نَرْتَع»؛ على هذا: من الرُّتُوعِ، وهي الإِقامة في الخِصْب والمَرعَى في أكْلٍ وشربٍ، وقرأ ابن كثير: «نَرْتَعِ ونَلْعَبْ» - بالنونِ فيهما وكَسْرِ العين وإسكان الباء -، وقد رُوِيَ عنه «ويَلْعَبْ» - بالياء - و«نَرْتَعَ» - على هذا: من رِعَاية الإِبَل. وقال مجاهد: من المُرَاعاة، أي: يرعَى بعضُنا بعضاً، ويحرسُه، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: «يرتَع وَيَلْعَبْ» بإِسناد ذلك كلِّه إِلى يوسف، وقرأ نافع «يَرْتَعِ وَيَلْعَبْ»، فـــ «يَرْتَعِ»؛ على هذا: من رعاية الإِبل، قال أبو علي: وقراءة ابنِ كثيرٍ «نَرْتَعَ» - بالنون - و«يَلْعَبْ» - بالياء -: منزعها حَسَنٌ؛ لإِسناد النظر في المال، والرعايةِ إِليهم، واللعب إِلى يوسف لصباه، ولعبُهُمْ هذا داخلٌ في اللعبِ المباحِ والمندوبِ كاللعب بالخيلِ والرمْي؛ وعلَّلوا طلبه والخروجَ به بما يمكنُ أنْ يَستَهوِيَ يوسُفَ لصبَاه مِنَ الرتوعِ واللعِبِ والنَّشَاطِ، وإِنما خافَ يعقُوبُ عليه السلام الذئبَ دون سواه، وخصَّصه؛ لأنه كَانَ الحيوانَ العَادِيَ المنبَثَّ في القُطْر، ولصغَرِ يوسُفَ، و{أَجْمَعُواْ }: معناه: عَزَموا. وقوله سبحانه: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ } يحتمل أن يكون الوحْيُ إِلى يوسُفُ حينئذٍ برسولٍ، ويحتملُ أنْ يكون بإِلهامٍ أو بنومٍ، وكلُّ ذلك قد قيل، وقرأ الجمهور: «لَتُنَبِّئَنَّهُمُ» بالتاء من فوق. وقوله: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }: قال ابن جُرَيْج: معناه: لا يشعُرُونَ وقْتَ التنبئةِ؛ أنَّكَ يوسف، وقال قتادة: لا يشعرُونَ بوَحْينا إِليك.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي قاسم رضي الله عنه قال: قرأ أبو رزين "ما لك لا تتمنا على يوسف" قال له عبيد بن نضلة لحنت قال: ما لحن من قرأ بلغة قومه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله "أرسله معنا غداً نرتع ونلعب" قال: نسعى وننشط ونلهو. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن هرون رضي الله عنه قال: كان أبو عمرو يقرأ {نرتع ونلعب} بالنون فقلت لأبي عمرو: كيف يقولون: نرتع ونلعب وهم أنبياء؟!.. قال: لم يكونوا يومئذ أنبياء. وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه {أرسله معنا غداً يرتع ويلعب} هو، يعني بالياء. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه أنه قرأ {يرتع} بالياء وكسر العين. قال يرعى غنمه وينظر ويعقل، ويعرف ما يعرف الرجل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه أنه قرأ {نرتع} بالنون وكسر العين. قال يحفظ بعضنا بعضاً، نتحارس. وأخرج أبو الشيخ عن الحكم بن عمر الرعيني قال: بعثني خالد القسري إلى قتادة أسأله عن قوله "نرتع ونلعب" فقال قتادة رضي الله عنه لا "نرتع ونلعب" بكسر العين. ثم قال: الناس لا يرتعون إنما ترتع الغنم. وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل بن حيان رضي الله عنه؛ أنه كان يقرؤها "أرسله معنا غداً نلهو ونلعب". وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن الأعرج رضي الله عنه؛ أنه قرأ "نرتعي" بالنون والياء {ويلعب} بالياء.

ابو السعود

تفسير : {قَالُواْ يا أَبَانَا} خاطبوه بذلك تحريكاً لسلسلة النسبِ بـينه وبـينهم وتذكيراً لرابطة الأخوّة بـينهم وبـين يوسفَ عليه الصلاة والسلام ليتسببوا بذلك إلى استنزاله عليه السلام عن رأية في حفظه منهم لمّا أحس منه بأمارات الحسد والبغي فكأنهم قالوا: {مَا لَكَ} أي أيُّ شيء لك {لاَ تَأْمَنَّا} أي لا تجعلنا أمناءَ {عَلَىٰ يُوسُفَ} مع أنك أبونا ونحن بنوك وهو أخونا {وَإِنَّا لَهُ لَنَـٰصِحُونَ} مريدون له الخيرَ ومشفقون عليه ليس فينا ما يُخلُّ بالنصيحة والمِقَة قطُّ والقراءة المشهورةُ بالإدغام والإشمام. وعن نافع رضي الله عنه تركُ الإشمام ومن الشواذ ترك الإدغام {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً} إلى الصحراء {يَرْتَعْ} أي يتسعْ في أكل الفواكه ونحوها فإن الرتع هو الاتساعُ في الملاذ {وَيَلْعَبْ} بالاستباق والتناضل ونظائرِهما مما يُعد من باب التأهّب للغزو، وإنما عبروا عن ذلك باللعب لكونه على هيئته تحقيقاً لما راموه من استصحاب يوسفَ عليه السلام بتصويرهم له بصورة ما يلائم حاله عليه السلام، وقرىء نرتعْ ونلعبْ بالنون، وقرأ ابن كثير نرتِع من ارتعى ونافع بالكسر والياء فيه وفي يلعب وقرىء يُرتِعْ من أرتع ماشيتَه ويرتعِ بكسر العين ويلعبُ بالرفع على الابتداء {وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ} من أن يناله مكروهٌ أكدوا مقالتَهم بأصناف التأكيدِ من إيراد الجملة اسميةً وتحليتها بإنّ واللام وإسنادُ الحفظ إلى كلهم وتقديمُ له على الخبر احتيالاً في تحصيل مقصدهم. {قَالَ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال من يقول: فماذا قال يعقوبُ عليه السلام؟ فقيل: قال: {إِنّى لَيَحْزُنُنِى} اللامُ للابتداء كما في قوله عز وجل: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ}تفسير : [النحل: 124] {أَن تَذْهَبُواْ بِهِ} لشدة مفارقتِه عليّ وقلة صبري عنه {و} مع ذلك {أَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ ٱلذّئْبُ} لأن الأرض كانت مَذأبة والحزنُ ألمُ القلب بفوت المحبوبِ والخوفُ انزعاجُ النفسِ لنزول المكروهِ ولذلك أُسند الأولُ إلى الذهاب به المفوِّتِ لاستمرار مصاحبتِه ومواصلتِه ليوسف والثاني إلى ما يُتوقع نزولُه من أكل الذئبِ، وقيل: رأى في المنام أنه قد شد عليه ـ عليه السلام ـ ذئبٌ وكان يحذَره فقال ذلك، وقد لقنهم للعلة شعر : إن البلاء موكل بالمنطق تفسير : وقرأ ابن كثير، ونافع، في رواية البزي بالهمزة على الأصل، وأبو عمرو به وقفاً. وعاصم، وابنُ عامر، وحمزةُ درجاً وقيل: اشتقاقه من تذاءبت الريحُ إذا هاجت من كل جانب، وقال الأصمعي: الأمرُ بالعكس وهو أظهر لفظاً ومعنى {وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ} لاشتغالكم بالرتع واللِّعْب أو لقلة اهتمامِكم بحفظه.

القشيري

تفسير : كلامُ الحسودِ لا يُسْمَع، ووعدُه لا يُقْبل - وإنْ كانا في مَعْرِضِ النُّصحِ؛ فإِنَّهُ يُطْعِمُ الشَهْدَ ويَسْقِي الصَّابَ. ويقال العَجَبُ من قبول يعقوب - عليه السلام - ما أبدى بنوه له من حفظ يوسف عليه السلام وقد تفرَّسَ فيهم قلبه فقال ليوسف: {أية : فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً}تفسير : [يوسف: 5] ولكن إذا جاء القضاءُ فالبصيرةُ تصير مسدودةً. ويقال من قِبَلِ على محبوبه حديثَ أعدائه لَقِيَ ما لَقِي يعقوبُ في يوسف - عليهما السلامُ - من بلائه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} بين الله سبحانه محل امتحانه بان لم ينج منه احد حتى الانبياء لئلا يامن من مكره فان كيده متين وهم فى ذلك ما بلغوا مقام النبوة ولكن عجبت من شان قهر الله سبحانه كيف عير فطرة المعروفين فى ديوان الازل بالولاية والرسالة يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد وذلك منه تعالى عذر للمذنبين جميعا وبين ان مكان الصدق يخطر عليه افات النفس والحسد والخدعة بقوله لا تامنا على يوسف وانا له لناصحون وهم كانوا يعرفون موضع الخطا فى نفوسهم من اضمار ايذاء يوسف سبحان من حجبهم من نفسه فكدر عليهم مشارب الصفاء والمودة وحجبهم عن العلم بفراسة ابيهم حيث عرفه الله مكائد نفوسهم قال بعضهم لم يكن يا منهم عليه لما كان يرى من فراسة النبوة فى شواهدهم من اضما رالحسد والبغضاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {قالوا} [اورده اندكه برادران يوسف برقول يهودا متفق شدند ونزد بدر آمده كفتند فصل بهار رسيده وسبزها از زمن زمديده جه شودكه يوسف را باما بصحرا فرستى تاروزى بتماشا وتفرج بكذارند يعقوب فرمودكه از هجر حسن بهار رخسار يوسف جون بلبل خزان ديده خواهم بود روامداريدكه شما دركلزار باشيد ومن درخانه بخار هجر كرفتار باشم] شعر : حريفان دربهار عيش خندان من اندر كنج غم جون دردمندان تفسير : [فرزندان يعقوب نا اميد شده بيش يوسف آمدند واز تماشاى سبزه وصحرا شمه باوى درميان آورده وكفتند شعر : موسم كل دوسه روزيست غنيمت دانيد كه دكر نوبت ناراج خزان خواهد بود تفسير : يوسف جون نام تماشا شنيد خاطر مباركش متوجه صحرا شد وبا برادران بيش بدر آمده التماس اجازت نمود ومضمون ابن مقال بربان حال بعرض رسانيده] شعر : زين تنكناى خلوتم خاطر بصحرا مى كشد كزبزستان باد سحر خوش ميدهد بيغامرا تفسير : [يعقوب درفكر دور ودراز افتاد] وعند ذلك قالوا {يا ابانا} خاطبوه بذلك تحريكا لسلسة النسب بينه وبينهم وتذكيرا لرابطة الاخوة بينهم وبين يوسف ليتسببوا بذلك الى استنزاله عن رأيه فى حفظه منهم لما احس منهم بامارات الحسد والبغى فكانهم قالوا {مالك لا تأمنا} اى أى عذر لك فى ترك الا من اى فى الخوف {على يوسف} مع انك ابونا ونحن بنوك وهو اخونا. قوله لا تأمنا حال معنى الفعل فى مالك كما تقول مالك قائما بمعنا ما تصنع قائما {وانا له لناصحون} الواو للحال من مفعول لا تأمنا اى والحال انا لمريدون له الخير ومشفقون عليه ليس فينا ما يخل بالنصيحة والمقة. وبالفارسية [نيك خواهانيم وبغايت بروى مهربان]

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (تأمننا): اجتمع نونان، فيجوز الإدغام، وبه قرأ أبو جعفر، وقرأ الجماعة بالإشمام. وقوله: (يرتع ويلعب): جواب الأمر، فمن قرأ بكسر العين فجزمه بحذف الياء، وهو من رعي الإبل، ومن قرأ بالإسكان فهو من الرتع، وهي الإقامة في الخصب والنعم، والتاء على هذا أصلية. ووزن الفعل: يفعل، ووزنه على الأول يفتعل، قال ابن عطية: فيرتع على قراءة نافع من رعي الإبل، أي: يتدرب في رعي الإبل وحفظ المال. قال أبو علي: وقراءة ابن كثير: (نرتع) بالنون (ويلعب) بالياء، فنزعها حسن؛ لإسناد النظر في المال والرعاية إليهم، واللعب إلى يوسف لصباه، وقرأ أبو عمر وابن عامر: (نرتع ونلعب)؛ بالنون فيهما، وإسكان العين والباء، من الرتوع، وهو الإقامة في الخصب والمرعي في أكل وشرب، وقرأ عاصم والأخَوان: (يرتع ويلعب) بإسناد ذلك كله إلى يوسف. هـ. قلت: وكذا قرأ نافع، غير أنه يكسر العين وهم يسكنون. (ونحن عصبة): حال، والرابط الواو، والعصبة: الجماعة من العشرة إلى فوق. يقول الحق جل جلاله: قال إخوة يوسف لأبيهم: {يا أبانا مَا لَك لا تأمنّا على يوسف} أي: لم تخافنا عليه؟ {وإنا له لناصحون} نشفق عليه، ونريد له الخير. أرادوا أن يستنزلوه عن رأيه في حفظه منهم لما تنسم من حسدهم. قلت: قد نصحوه في الحقيقة حيث تسببوا في ملكه وعزه. رُوي أنهم لما قالوا له: (مالك...) الخ، اهتزت أركانه، واصفر لونه، واصطكت أسنانه، وتحركت جوانبه، كأنه علم بما في قلوبهم بالفراسة. ثم قالوا: {أرسِله معنا غداً يرتع}: يتسع في أكل الفواكه ونحوها. أو يتعلم الرعاية، {ويلعبُ} بالاستباق والانتضال، {وإنا له لحافظون} أن يناله مكروه {قال} يعقوب: {إني ليحزنني أن تذهبوا به} لشدة مفارقته عليَّ، وقلة صبري عنه، {وأخافُ أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافِلُون}: لاشتغالكم بالرتع واللعب، أو لقلة اهتمامكم به، وإنما خاف عليه من الذيب، لأن الأرض كانت مذأبة، وقيل: رأى في المنام أن الذئاب أحدقت بيوسف، فكان يخافه، وإنما كان تأويلها: إحداق إخوته به حين أرادوا قتله. {قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة}: جماعة، {إنا إذا لخاسرون}: مغبونون من القوة والحزم، أو مستحقون بأن يدعى عليهم بالخسارة. الإشارة: لم يسمح يعقوب عليه السلام بفراق حبيبه ساعة، وكذلك العبد لا ينبغي أن يغفل عن سيده لحظة؛ لأن الغفلة فراق، والذكر انجماع، والعبد لا صبر له عن سيده. وأنشدوا: شعر : فلأَبكيَن على الفراق كما بكى سفا لفُرقةِ يوسفٍ يعقوبُ وَلأَدعُوَنَّكَ في الظلام كما دعا عند البلية رَبّةُ أيوبُ تفسير : وأنشدوا أيضاً في ذم الغفلة: شعر : غَفَلتَ عَنِ الأَيَّامِ يا أَخي فَانتَبِهْ وَشَمِّرْ فإن الموتَ لا شك واقعْ على أي شيءٍ هو حزنك قائم جنود المنايا تأتيك فانهض وسارعْ تفسير : قيل: إن بعض الصالحين رأى أستاذه في المنام، فقال له: يا أستاذ، أي الحسرات عندكم أعظم؟ قال: حسرة الغافلين، وأنشدوا: شعر : تيقظ إلى التِّذكارفالعمر قد مضى وحتى مَتَى ذا السكرُ من غفلة الهوى تفسير : ورأى ذو النون المصري بعض الصالحين في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه، وقال: يا مدعي، ادعيت محبتي ثم غفلت عني. وأنشدوا: شعر : تغافلت عن فهم الحقيقة بالهوى فلا أُذنٌ تُصغِي ولا عينٌ تَذرِفُ ضعفت ولكن في أمانيك قوةٌ فيا تابعَ اللذاتِ كم تتخلفُ تفسير : ورأى عبد الله بن مسلمة والده في النوم، فقال له: يا أبت، كيف ترى حالك؟ فقال له: يا ولدي عشنا غافلين. وأنشدوا: شعر : غفلتَ وحادِي الموتِ يحدوك للبِلاَ وجسمك يا مغرور أصبح معتلا وحتى متى يا صاح بابك مغلق أتاك نذير الموت والعمر قد ولّى تفسير : وقيل: ما أصاب يعقوب ما أصابه في ولده إلا من أجل خوفه عليه، وغفلته عن استيداعه ربه، ولو استودعه ربه لحفظه. لكن لا ينفع حذر من قدر. (وكان أمر الله قدراً مقدوراً). ثم ذكر انصرافهم بيوسف، وما كان من شأنه، فقال: {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ}.

الطوسي

تفسير : كلهم قرأ {تأمنا} بفتح الميم وادغام النون الأولى في الثانية، والاشارة الى اعراب النون المدغمة بالضم اتفاقاً، قال ابو علي وجه ذلك ان الحرف المدغم بمنزلة الموقوف عليه من حيث جمعهما السكون، فمن حيث اشموا الحرف الموقوف عليه إذا كان مرفوعاً في الادراج اشموا النون المدغمة في {تأمنا} وليس ذلك بصوت خارج الى اللفظ، وانما هي هيئة العضو لاخراج ذلك الصوت به ليعلم بذلك أنه يريد ذلك المتهيأ له. حكى الله تعالى عن أخوة يوسف لما تآمروا على ما يفعلونه بيوسف أنهم، قالوا لأبيهم لم {لا تأمنا على يوسف} قال الزجاج: يجوز في {تأمنا} أربعة أوجه: تأمننا بالاظهار ورفع النون الأولى، لان النونين من كلمة، و {تأمنا} بالادغام وهي قراءة القراء لالتقاء المثلين، و {تأمنا} بالادغام والاشمام، وهو الذي حكاه ابن مجاهد عن الفراء، للاشعار بالضمة، و {تئمنا} بكسر التاء وهي قراءة يحيى ابن وثاب، لأن ماضيه فعل، كما قالوا تعلم ونعلم إلا ان القراءة بالادغام والاشمام. والأمن سكون النفس الى إنتفاء الشرّ، وضده الخوف، وهو انزعاج النفس لما يتوقع من الضر. وقوله {وإنا له لناصحون} تمام الحكاية عنهم أنهم قالوا إنا ليوسف لناصحون مشفقون عليه. والنصح إخلاص العمل من فساد يتعمد. ونقيضه الغش. والنصح في التوبة اخلاصها مما يفسدها. وذلك واجب فيها وهي التوبة النصوح.

الجنابذي

تفسير : {قَالُواْ} بعد ما عزموا على ما أرادوا {يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} اظهروا الشّفقة عليه بعد ما أنكروا عدم اطمينانه.

اطفيش

تفسير : {قالُوا يَا أبانَا مالَكَ لا تأمنَّا} أى مالك تكون غير آمن لنا، بل خائفا منا {عَلَى يُوسفَ} وجملة لا تأمنا حال من الكاف، والأصل لا تأمننا بضم النون سكنت وأدغمت لكن باشمام الضمة، وحقيقة الإشمام فى ذلك أن يشار بالحركة إلى النون لا بالعضوء إليها، فيكون ذلك إخفاء لا إدغاما صحيحا، لأن الحركة لا تسكن رأسا، بل يضعف الصوت فيها فيفصل بين المدغم والمدغم فيه لذلك، وهذا هو الصواب لتأكيد دلالته، وصحته فى القياس، قاله أبو عمرو الدانى قال وكل السبعة قرأ بالإدغام، انتهى. وقرئ فى غير السبع بلا إدغام، وقرئ أيضا بلا إشمام مع إدغام، والمشهور عن نافع الإدغام باشمام، وروى عنه بلا إشمام قال بعضهم ترك الإدغام شاذ، لأنهما من كلمتين ا. هـ. والظاهر تعليق من ترك إلا بشاذ لأن كونهما من كلمتين إنما يقتضى ترك الإدغام لا الإدغام، وقرئ تيمنا بكسر حرف المضارعة، وقلب الألف ياء والإدغام، وفى نسخ المقارنة نون حمراء بين الميم والنون. {وإنَّا له لنَاصِحونَ} حال من ضمير فى تأمنا، أو من المستتر فيه، والنصح له الشفقة عليه، وإرادة الخير له، والقيام بمصالحه وحبه: لما عملوا أن يعقوب محافظ على يوسف عنهم لما يتراءى له من حسدهم، وأنه محسن منهم بما أوجب أن لا يأمنهم عليه، بدءوا له بما يستتر له عن رأيه، بأن شرعوا فى الإنكار عليه فى تركه يوسف بلا إرسال معهم فى خرجاتهم إلى مراعيهم، كأنهم قالوا: أتخافنا عليه إذا أرسلته معنا، والحال أنا ناصحون له. أظهر من الوله ما يظن به أن ما يحذره منهم خطأ منهم فيهم، وأنه شئ لا يقع، وهذا أولى من قول مقاتل: إن فى الكلام تقديما وتأخيرا، وذلك أنهم قالوا: {أرسله معنا} فقال: {إنى ليحزننى} إلى قوله: {غافلون} فقالوا:{مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون} وروى أنهم لما قالوا: يا أبنا مالك، لاهتزت أركان يعقوب، واصفر واصطكت أسنانه، كأنه علم ما فى قلوبهم، لأنه رآهم على صور الذئاب كما يأتى إن شاء الله.

اطفيش

تفسير : {قَالُوا يَا أَبَانَا مَالَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ} تضرع مشعر بالمكر خرج منهم بلا روية، أَو كانت مراودة قبل هذا أَو ظهر لهم منه خوفه عليهم أَن يضيعوه أَو يهلكوه، أَو رأَوا منه بلا تقدم مراودة وخوفه شدة حبه وما رأَى فيهم من الحسد أَو مخايلة، وعن مقاتِل: قالوا ذلك بَعْدَ قوله: إِنى ليحزننى إِلخ وقالوا له {وإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ} ما نعود عن المضرة جهدنا وقائمون بمصالحه وإِكرامه كأَنه عندك، قالوا له: أَما تشتهى أَن تخرج إِلى مواشينا فتصيد وتستبق؟ قال: بلى قالوا: فسل أَباك، فقال: نعم، فدخلوا على أَبيه فقالوا: يا أَبانا يوسف أَراد الخروج معنا فقال: ما تقول يا بنى؟ قال: نعم إِنى رأَيت منهم اللطف والرحمة، والجملة حال من نا، أَو من ضمير تأْمن، أَو معطوفة على بعد، قالوا وكأَنه قيل: وقالوا إِنا له لناصحون، والصحيح فى تأْمنَّا النطق بنون بين ضمة وسكون، فنون بعدها، هذا ما أدى به وأَطلت فيه كابن الجزرى فى شرح نظمى المسمى (جامع حرف ورش) وأَذكر بعضه مختصراً، قرأَ العامة تأْمنا بالإِخفاءِ، وهو عبارة عن تضعيف الصوت بالحركة والفصل بين النونين؛ لأَن النون تسكن رأْساً فذلك إِخقاءُ الإِدغام، وقرىء بالإِشمام الذى هو ضم الشفتين إِشارة إِلى حركة الفعل مع الإِدغام الصريح، وذلك إِشارة إِلى الضمة بعد الإِدغام وقبل كماله، وقرأَ أَبو جعفر بالإِدغام الصريح وقرأَ الحسن بضم النون بالإِدغام والإِشمام محافظة على حركة الإٍعراب، والجمهور على الإِخفائ أَو الإِشمام {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً} أَصله غدو بإِسكان الدال أَو فتحها كيد حذفت لأمه {يَرْتَعْ} أصله غدو الفواكه والأَثمار كما ترعى الإِبل، أَو يلا بسها فى رعيها ويذهب معها للرعى، وهذا افتعال من الرعى للمطاوعة أَى نرعه فيرتع، ومن سكن العين جعله من الرتع بمعنى يسعى فى أَكل الفواكه ونحوها من الرتعة، وهى الخصب كأَنه قيل يعامل الخصب بالأَكل والتمتع، ولعلهم كانوا فى شدة وذلك مباح، ويقال: يرتع فلان فى ماله أَنفقه فى شهواته، ثم تعارفته العرب فى أَكل البهائم من الخصيب، ويستعار للإِنسان إِذا أُريد التفسح فى الأَكل كأَنه بهيمة شهوة بلا عقل يكفها، {وَيَلْعَبْ} يرمى الحجارة أَو بالعصا أَو بالسهام ليتعلمها وبالمسابقة لرجليه أَو دابه، و المراد ما يتدرب به لقتال العدو، وإِلا لم يقرهم عليه يعقوب عليه السلام سمى التعلم لعباً للشبه، ويدل اللعب بالمسابقة قوله: "أية : إِنا ذهبنا نستبق"تفسير : [يوسف: 17] لأنهم قالوا: "أية : وتركنا يوسف عند متاعنا"تفسير : [يوسف: 17] فهو لم يستبق معهم، فإِن عامل عمل المسابقة فوحده لا معهم، واللعب فعل لم يقصد به مقصد صحيح {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الضر، حال من ضمير يلعب أَو من الهاء أَو معطوف مثل ما مر.

الالوسي

تفسير : {قَالُواْ يأَبَانَا} خاطبوه عليه السلام بذلك تحريكاً لسلسلة النسب وتذكيراً لرابطة الأخوة ليتسببوا بذلك استنزاله عن رأيه في حفظه منهم لما أحس بحسدهم فكأنهم قالوا: {مَا لَكَ} أي أيّ شيء لك {لاَ تَأْمَنَّا} لا تجعلنا أمناء {عَلَىٰ يُوسُفَ} مع أنك أبونا ونحن بنوك وهو أخونا {وَإِنَّا لَهُ لَنَـٰصِحُونَ} مريدون له الخير ومشفقون عليه ليس فينا ما يخل بذلك، وجملة {لاَ تَأْمَنَّا} في موضع الحال، وكذا جملة {وَإِنَّا لَهُ لَنَـٰصِحُونَ} والاستفهام ـ بمالك ـ فيه معنى التعجب، والكلام ظاهر في أنه تقدم منهم سؤال أن يخرج عليه السلام معهم فلم يرض أبوهم بذلك. وقرأ الجمهور {لاَ تَأْمَنَّا} بالادغام والإشمام، وفسر بضم الشفتين من انفراج بينهما إشارة إلى الحركة مع الادغام الصريح كما يكون في الوقف وهو المعروف عندهم وفيه عسر هنا، ويطلق على إشراب الكسرة شيئاً من الضمة كما قالوا في قيل، وعلى إشمام أحد حرفين شيئاً من حرف آخر كما قالوا في الصراط، وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما وأبو جعفر والزهري وعمرو بن عبيد بالادغام من غير إشمام، وإرادة النفي ظاهرة، وقرأ ابن هرمز بضم الميم مع الإدغام، وهذه الضمة منقولة إلى الميم من النون الأولى بعد سلب حركتها. وقرأ أبي والحسن وطلحة بن مصرف والأعمش ـ لا تأمننا ـ بالإظهار وضم النون على الأصل، وهو خلاف خط المصحف لأنه بنون واحدة، وقرأ ابن وثاب وأبو رزين ـ لا تيمنا ـ بكسر حرف المضارعة على لغة تميم؛ وسهل الهمزة بعد الكسرة ابن وثاب، ولم يسهل أبو رزين. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن عاصم أنه قرأ بذلك بمحضر عبيد بن فضلة فقال له: لحنت، فقال أبو رزين: ما لحن من قرأ بلغة قومه.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بيانيّ لأنّ سوق القصّة يستدعي تساؤل السامع عمّا جَرَى بعد إشارة أخيهم عليهم، وهل رجعوا عمّا بيتوا وصمّموا على ما أشار به أخوهم. وابتداء الكلام مع أبيهم بقولهم: {يا أبانا} يقضي أنّ تلك عادتهم في خطاب الابن أباه. ولعل يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ كان لا يأذن ليوسف ـــ عليه السّلام ـــ بالخروج مع إخوته للرعي أو للسّبق خوفاً عليه من أن يصيبه سوء من كيدهم أو من غيرهم، ولم يكن يصرّح لهم بأنّه لا يأمنهم عليه ولكن حاله في منعه من الخروج كحال من لا يأمنهم عليه فنزّلوه منزلة من لا يأمنهم، وأتوا بالاستفهام المستعمل في الإنكار على نفي الائتمان. وفي التّوراة أن يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ أرسله إلى إخوته وكانوا قد خرجوا يرعون، وإذا لم يكن تحريفاً فلعلّ يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ بعد أن امتنع من خروج يوسف ـــ عليه السّلام ـــ معهم سمح له بذلك، أو بعد أن سمع لومهم عليه سمح له بذلك. وتركيب {ما لك} لا تفعل. تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى: { أية : فما لكم كيف تحكمون } تفسير : في سورة يونس (35)، وانظر قوله تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا مَا لَكمْ إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض } تفسير : في سورة بَراءة (38). وقوله: { أية : فما لكم في المنافقين فئتين } تفسير : في سورة النساء (88). واتفق القرّاء على قراءة {لا تأمنّا} بنون مشددة مدغمة من نون أمن ونون جماعة المتكلّمين، وهي مرسومة في المصحف بنون واحدة. واختفلوا في كيفية النطق بهذه النون بين إدغام محض، وإدغام بإشمام، وإخفاء بلا إدغام، وهذا الوجه الأخير مرجوح، وأرجح الوجهين الآخرين الإدغام بإشمام، وهما طريقتان للكل وليسا مذهبين. وحرف {على} التي يتعدّى بها فعل الأمن المنفي للاستعلاء المجازي بمعنى التمكّن من تعلّق الائتمان بمدخول {على}. والنّصح عمل أو قول فيه نفع للمنصوح، وفعله يتعدّى باللاّم غالباً وبنفسه. وتقدّم في قوله تعالى: { أية : أبلّغكم رسالات ربّي وأنصح لكم } تفسير : في سورة الأعراف (62). وجملة {وإنّا له لناصحون} معترضة بين جملتي {ما لك لا تأمنّا} وجملة {أرسله}. والمعنى هنا: أنهم يعملون ما فيه نفع ليوسف ـــ عليه السّلام ـــ. وجملة {أرسله} مستأنفة استئنافاً بيانيّاً لأن الإنكار المتقدّم يثير ترقب يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ لمعرفة ما يريدون منه ليوسف ـــ عليه السّلام ـــ. و{يرتَع} قرأه نافع، وأبو جعفر، ويعقوب ـــ بياء الغائب وكسر العَين ـــ. وقرأه ابن كثير ـــ بنون المتكلّم المشارك وكسر العين ـــ وهو على قراءتي هؤلاء الأربعة مضارع ارتعَى وهو افتعال من الرّعي للمبالغة فيه. فهو حقيقة في أكل المواشي والبهائم واستعير في كلامهم للأكل الكثير لأنّ الناس إذا خرجوا إلى الرّياض والأرياف للّعب والسّبق تقوى شهوة الأكل فيهم فيأكلون أكلاً ذريعاً فلذلك شبّه أكلهم بأكل الأنعام. وإنّما ذكروا ذلك لأنّه يسرّ أباهم أن يكونوا فرحين. وقرأه أبو عمرو، وابن عامر ـــ بنون وسكون العين ـــ. وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف ـــ بياء الغائب وسكون العين ـــ وهو على قراءتي هؤلاء الستة مضارع رتَع إذا أقام في خصب وسعة من الطعام. والتحقيق أنّ هذا مستعار من رتعت الدّابة إذا أكلت في المرعى حتّى شبعت. فمفاد المعنى على التأويلين واحد. واللّعب: فعل أو كلام لا يراد منه ما شأنه أن يراد بمثله نحو الجري والقفز والسّبق والمراماة، نحو قول امرىء القيس: شعر : فظلّ العذارى يرتمين بشحمها تفسير : يقصد منه الاستجمام ودفع السآمة. وهو مباح في الشرائع كلّها إذا لم يصر دأباً. فلا وجه لتساؤل صاحب «الكشاف» على استجازة يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ لهم اللعب. والذين قرأوا {نرتع} بنون المشاركة قرأوا {ونلعب} بالنون أيضاً. وجملة {وإنّا له لحافظون} في موضع الحال مثل { أية : وإنّا له لناصحون } تفسير : [سورة يوسف: 10]. والتّأكيد فيهما للتّحقيق تنزيلاً لأبيهم منزلة الشّاك في أنّهم يحفظونه وينصحونه كما نزّلوه منزلة من لا يأمنهم عليه من حيث إنّه كان لا يأذن له بالخروج معهم للرعي ونحوه. وتقديم {له} في {له لناصحون} و{له لحافظون} يجوز أن يكون لأجل الرعاية للفاصلة والاهتمام بشأن يوسف ـــ عليه السّلام ـــ في ظاهر الأمر، ويجوز أن يكون للقصر الادّعائي؛ جعلوا أنفسهم لفرط عنايتهم به بمنزلة من لا يحفظ غيره ولا ينصح غيره. وفي هذا القول الذي تواطأوا عليه عند أبيهم عبرة من تواطىء أهل الغرض الواحد على التحيّل لنصب الأحابيل لتحصيل غرض دنيء، وكيف ابتدأوا بالاستفهام عن عدم أمنه إيّاهم على أخيهم وإظهار أنّهم نصحاء له، وحققوا ذلك بالجملة الاسمية وبحرف التوكيد، ثمّ أظهروا أنّهم ما حرصوا إلاّ على فائدة أخيهم وأنّهم حافظون له وأكّدوا ذلك أيضاً.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 11- قالوا بعد أن تم اتفاقهم على إبعاد يوسف: يا أبانا ما الذى رابك منا حتى تبعد يوسف عنا، ولا تشعر بالأمن إذا كان معنا؟ نحن نؤكد لك أننا نحبه، ونشفق عليه، ونريد له الخير، ونرشده إليه، وما وجد منا غير الحب وخالص النصح. 12- أرسله معنا إلى المراعى غداً، يتمتع بالأكل الطيب، ويلعب ويمرح وإنا لحريصون على المحافظة عليه، ودفع الأذى عنه. 13- قال: إننى لأشعر بالحزن إذا ذهبتم بعيداً عنى.. وأخاف إذا أمنتكم عليه أن يأكله الذئب وأنتم فى غفلة عنه. 14- قالوا: نقسم لك، لئن أكله الذئب، ونحن جماعة قوية، ليكونن ذلك العار والخسار، إنا إذا حدث هذا الذى تخشاه، لخاسرون لكل ما يجب الحرص عليه وعدم التفريط فيه. فاطمئن فلن نتهاون فى المحافظة عليه لأننا بذلك نعرّض أنفسنا للضياع والهوان. 15- فلما مضوا به بعيداً عن أبيه، وأجمعوا رأيهم فى إلقائه فى غور البئر، أنفذوا ما عزموا عليه، وألهمناه الاطمئنان والثقة بالله وأنه سيخبرهم بأمرهم هذا الذى دَبَّروه وقدموا عليه، وهم لا يشعرون حين تخبرهم أنك أخوهم يوسف الذى ائتمروا به، وظنوا أنهم قضوا عليه واستراحوا منه. 16- ورجعوا إلى أبيهم وقت العشاء، يظهرون الحزن ويرفعون أصواتهم بالبكاء. 17- قالوا: يا أبانا، إننا مضينا نتسابق فى الرمى والجرى، وتركنا يوسف عند متاعنا ليحرسه، فأكله الذئب ونحن بعيدون عنه، مشغولون بالتسابق دونه، وما أنت بمصدق لنا فيما نقوله لك، ولو كان ما نقوله الحق والصدق.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لناصحون: لمشفقون عليه نحب له الخير كما نحبه لأنفسنا. يرتع ويلعب: أي يأكل ويشرب ويلعب بالمسابقة والمناضلة. إني ليحزنني: أي يوقعني في الحزن الذي هو ألم النفس أي ذهابكم به. الذئب: حيوان مفترس خداع شرس. ونحن عصبة: أي جماعة قوية. لخاسرون: أي ضعفاء عاجزون عرضة للخسران بفقدنا أخانا. معنى الآيات: ما زال السياق في قصة يوسف إنهم بعد ائتمارهم واتفاقهم السري على إلقاء يوسف في غيابة الجب طلبوا من أبيهم أن يترك يوسف يخرج معهم إلى البر كعادتهم للنزهة والتنفه وكأنهم لاحضوا عدم ثقة أبيهم فيهم فقالوا له {مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} أي محبون له كل خير مشفقون عليه أن يمسه أدنى سوء. {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} أي يرتع في البادية يأكل الفواكه ويشرب الألبان ويأكل اللحوم ويلعب بما نلعب به من السباق والمناضلة، والمصارعة، {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} من كل ما قد يضره أو يُسيءُ إليه. فأجابهم عليه السلام قائلا {إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ} أي إنه ليوقعني في الحزن وآلامه ذهابكم به. {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} في رتعكم ولعبكم. فأجابوه قائلين {لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ} أي لا خير في وجودنا ما دمنا نُغلب على أخينا فيأكله الذئب بيننا. ومع الأسف فقد اقنعوا بهذا الحديث والدهم وغداً سيذهبون بيوسف لتنفيذ مؤامرتهم الدنية. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير قاعدة: لا حذر مع القدر أي لا حذر ينفع في ردّ المقدور. 2- صدق المؤمن يحمله على تصديق من يحلف له ويؤكد كلامه. 3- جواز الحزن وأنه لا إثم فيه وفي الحديث "حديث : وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ". تفسير : 4- أكل الذئب للإِنسان إن أصاب منه غفلة واقع وكثير أيضا.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَٰأَبَانَا} {لَنَاصِحُونَ} (11) - وَبَعْدَ أَنِ اتَّفَقُوا عَلَى الخُطَّةُ، جَاؤُوا إِلى أبِيهِمْ يَعْقُوبَ، عَلَيهِ السَّلاَمُ، يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَعْهَدَ إِلَيهِمْ بِأَخِيهِمْ يُوسُفَ، لِيُنَفِّذُوا فِيهِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيهِ رَأْيُهُمْ مِنْ إِلقَائِهِ فِي البِئْرِ، وَهُمْ يَتَطَاهَرُونَ بِالنُّصْحِ وَالمَحَبَّةِ لأَِخِيهِمْ يُوسُفَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وبعد أن وافقوا أخاهم الذي خفَّف من مسألة القتل، ووصل بها إلى مسألة الإلقاء في الجب؛ بدأوا التنفيذ، فقال واحد منهم مُوجِّهاً الكلام لأبيه، وفي حضور كل الإخوة: {يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ ..} [يوسف: 11]. وساعة تسمع قول جماعة؛ فاعلم أن واحداً منهم هو الذي قال، وأمَّنَ الباقون على كلامه؛ إِما سُكوتاً أو بالإشارة. ولكي يتضح ذلك اقرأ قول الحق سبحانه عن دعاء موسى عليه السلام على فرعون وكان معه هارون. قال موسى عليه السلام: {أية : رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} تفسير : [يونس: 88]. ورد الحق سبحانه على دعاء موسى: {أية : قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ..} تفسير : [يونس: 89]. والذي دعا هو موسى، والذين أمَّنَ على الدعوة هو هارون عليه السلام. وهكذا نفهم أن الذي قال: {يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} [يوسف: 11]. تلك الكلمات التي وردتْ في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، هو واحد من إخوة يوسف، وأمَّن بقية الإخوة على كلامه. وقولهم: {مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} [يوسف: 11]. يدل أنه كانت هناك محاولات سابقة منهم في ذلك، ولم يوافقهم الأب. وقولهم: {وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} [يوسف: 11]. يعني أنهم سوف ينتبهون له، ولن يحدث له ضرر أو شرّ؛ وسيعطونه كل اهتمام فلا داعي أن يخاف عليه الأب. ويستمر عَرْض ما جاء على لسان إخوة يوسف: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً ..}.

الأندلسي

تفسير : {قَالُواْ يَٰأَبَانَا} لما تقرر في أذهانهم التفريق بين يوسف وأبيه اعملوا الحيلة على يعقوب وتلطفوا في إخراجه معهم وذكروا نصحهم له وما في إرساله معهم في انشراح صدره بالارتعاء واللعب، إذ هو مما يشرح الصبيان وذكروا حفظهم له مما يسوؤه. وفي قوله: مالك لا تأمنّا على يوسف دليل على أنهم تقدم منهم سؤال في أن يخرج معهم، وذكروا سبب الأمن وهو النصح، أي لِمَ لمْ تأمنا عليه وحالتنا هذه. والنصح دليل على الأمانة ولهذا قرنا في قوله: {أية : نَاصِحٌ أَمِينٌ} تفسير : [الأعراف: 68]، وكان قد أحسن منهم قبل ما أوجب ألا يأمنهم عليه. ولا تأمنا جملة حالية وهذا الاستفهام صحبه معنى التعجب. وقرىء: لا تأمنا باختلاس الحركة والإِدغام. في لفظة أرسله دليل على أنه كان يمسكه ويصحبه دائماً. وانتصب غداً على الظرف وهو ظرف مستقبل يطلق على اليوم الذي يلي يومك، وعلى الزمن المستقبل من غير تقييد باليوم الذي يلي يومك، وأصله غدو فحذفت لامه وقد جاء تاماً. وقرىء: {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} بالياء وقرىء: بالنون. واللعب هنا هو الاستباق والانتضال يتدربون بذلك لقتال العدو وسموه لعباً لأنه بصورة اللعب ولم يكن ذلك للهو بدليل قولهم: إنا ذهبنا نستبق ولو كان لعب لهو ما أقرهم عليه يعقوب. ومن كسر العين من يرتع فهو يفتعل، قال مجاهد: هي المراعاة أي يراعي بعضنا بعضاً ويحرسه، ثم اعتذر لهم يعقوب عليه السلام بشيئين أحدهما عاجل في الحال وهو ما يلحقه من الحزن لمفارقته وكان لا يصبر عنه، والثاني خوفه عليه من الذئب إن أغفلوا عنه برعيهم ولعبهم، وعدل أخوة يوسف عن أحد الشيئين وهو حزنه على ذهابهم به لقصر مدة الحزن وإيهامهم أنهم يرجعون به إليه. وعدلوا إلى قضية الذئب وهو السبب الأقوى في منعه أن يذهبوا به فحلفوا له لئن كان ما خافه من خطفة الذئب أخاهم من بينهم وحالهم أنهم عشرة رجال بمثلهم تعصُب الأمور وتكفي الخطوب أنهم إذا لخاسرون أي هالكون ضعفاً وخوراً وعجزاً. {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ} بين هذه الجملة والجمل التي قبلها محذوف يدل عليه المعنى تقديره فأجابهم إلى ما سألوه وأرسل معهم يوسف، فلما ذهبوا به وأجمعوا: أي عزموا واتفقوا على إلقائه في الجب. وان يجعلوه مفعول أجمعوا، يقال: أجمع الأمر وأزمعه، بمعنى العزم عليه، واحتمل أن يكون الجعل هنا بمعنى الإِلقاء وبمعنى التصيير، وجواب لما هو قولهم قالوا: يا أبانا انا ذهبا نستبق، أي لما كان كيت وكيت قالوا: والظاهر أن الضمير في أوحينا إليه عائد على يوسف وهو وحي إلهام. قال ابن عباس: هو وحي منام، ويدل على أن الضمير عائد على يوسف قوله لهم: {أية : قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} تفسير : [يوسف: 89]. وتقدم ان جواب لما هو قولهم قالوا، ونختار أن يكون الجواب محذوفاً لدلالة المعنى عليه تقديره سروا بذلك أي بذهابهم به وإجماعهم على ما يريدون أن يفعلوا به، ويكون قوله: وأوحينا إليه ليس داخلاً تحت جواب لما، بل هو استئناف إخبار بإِيحاء الله إلى يوسف عليه السلام، وانتصب عشاء على الظرف، ويبكون حال أي باكين قيل: وإنما جاؤا عشاء ليكونوا أقدر على الاعتذار في الظلمة، ولذلك قيل: لا تطلب الحاجة بالليل فإِن الحياء بالعينين ولا تعتذر بالنهار من ذنب فتتلجلج في الاعتذار، وفي الكلام حذف تقديره وجاؤا آباهم دون يوسف عشاء يبكون فقال: أين يوسف؟ فقالوا: إنا ذهبنا نستبق. {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} أي بمصدق الآن. {وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} فما أنت بمؤمن لنا على كل حالة ولو في حالة الصدق. روي أنهم أخذوا جدياً أو سخلة فذبحوه ولطخوا قميص يوسف بدمه، وقالوا ليعقوب: هذا قميص يوسف فأخذه ولطخ به وجهه وبكى ثم تأمله فلم ير خرقاً ولا ارتاب فاستدل بذلك على خلاف ما زعموا، وقال لهم: متى كان الذئب حليماً يأكل يوسف ولا يخرق قميصه، قيل: كان في قميص يوسف عليه السلام ثلاث آيات كان دليلاً ليعقوب على أن يوسف لم يأكله الذئب وألقاه على وجهه فأرتد بصيراً ودليلاً على براءة يوسف حين قدّ من دبر. قال الزمخشري: وسبقه إليه الحوفي فإِن قلت: على قميصه ما محله؟ قلت: محله النصب على الظرف، كأنه قيل: وجاؤا فوق قميصه بدم، كما يقول: جاء على جماله باحمال. فإِن قلت: هل يجوز أن يكون حالاً متقدمة؟ قلت: لا لأن حال المجرور لا يتقدم عليه. "انتهى". ولا يساعد المعنى على نصبه على الظرف بمعنى فوق لأن العامل فيه إذ ذاك جاؤا وليس الفوق ظرفاً لهم بل يستحيل أن يكون ظرفاً لهم. وقال أبو البقاء: على قميصه في موضع نصب حالاً من الدم، لأن التقدير جاؤا بدم كذب على قميصه. "انتهى". وتقديم الحال على المجرور بالحرف غير الزائد في جوازه خلاف ومن أجاز استدل على ذلك بأنه موجود في لسان العرب. وأنشد على ذلك شواهد هي مذكورة في علم النحو، والمعنى يرشد إلى ما قاله أبو البقاء قال: بل سوّلت هنا، محذوف تقديره لم يأكله الذئب بل سولت. وقال قتادة: معنى سولت زينت. {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أمثل. {وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ} أي المطلوب منه العون على احتماله ما تصفون من هلاك يوسف فالصبر على الرزية.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: قال إخوة يوسف، متوصلين إلى مقصدهم لأبيهم: { يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ } أي: لأي شيء يدخلك الخوف منا على يوسف، من غير سبب ولا موجب؟ { وَ } الحال { إِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ } أي: مشفقون عليه، نود له ما نود لأنفسنا، وهذا يدل على أن يعقوب عليه السلام لا يترك يوسف يذهب مع إخوته للبرية ونحوها. فلما نفوا عن أنفسهم التهمة المانعة من عدم إرساله معهم، ذكروا له من مصلحة يوسف وأنسه الذي يحبه أبوه له، ما يقتضي أن يسمح بإرساله معهم، فقالوا: { أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ } أي: يتنزه في البرية ويستأنس. { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } أي: سنراعيه، ونحفظه من أذى يريده. فأجابهم بقوله: { إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ } أي: مجرد ذهابكم به يحزنني ويشق علي، لأنني لا أقدر على فراقه، ولو مدة يسيرة، فهذا مانع من إرساله { وَ } مانع ثان، وهو أني { أَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ } أي: في حال غفلتكم عنه، لأنه صغير لا يمتنع من الذئب. { قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } أي: جماعة، حريصون على حفظه، { إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ } أي: لا خير فينا ولا نفع يرجى منا إن أكله الذئب وغلبنا عليه. فلما مهدوا لأبيهم الأسباب الداعية لإرساله، وعدم الموانع، سمح حينئذ بإرساله معهم لأجل أنسه.