Verse. 1609 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

قَالَ اِنِّىْ لَيَحْزُنُنِيْۗ اَنْ تَذْہَبُوْا بِہٖ وَاَخَافُ اَنْ يَّاْكُلَہُ الذِّئْبُ وَاَنْتُمْ عَنْہُ غٰفِلُوْنَ۝۱۳
Qala innee layahzununee an thathhaboo bihi waakhafu an yakulahu alththibu waantum AAanhu ghafiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال إني ليحزنني أن تذهبوا» أي ذهابكم «به» لفراقه «وأخاف أن يأكله الذئب» المراد به الجنس وكانت أرضهم كثيرة الذئاب «وأنتم عنه غافلون» مشغلون.

13

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنهم لما طلبوا منه أن يرسل يوسف معهم اعتذر إليهم بشيئين: أحدهما: أن ذهابهم به ومفارقتهم إياه مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة. والثاني: خوفه عليه من الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم أو لعبهم لقلة اهتمامهم به. قيل: إنه رأى في النوم أن الذئب شد على يوسف، فكان يحذره فمن هذا ذكر ذلك، وكأنه لقنهم الحجة، وفي أمثالهم البلاء موكل بالمنطق. وقيل: الذئاب كانت في أراضيهم كثيرة، وقرىء {ٱلذّئْبُ } بالهمز على الأصل وبالتفخيف. وقيل: اشتقاقه من تذاءبت الريح إذا أتت من كل جهة، فلما ذكر يعقوب عليه السلام هذا الكلام أجابوا بقولهم: {لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذَا لَّخَـٰسِرُونَ } وفيه سؤالات: السؤال الأول: ما فائدة اللام في قوله: {لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذّئْبُ }. والجواب من وجهين: الأول: أن كلمة إن تفيد كون الشرط مستلزماً للجزاء، أي إن وقعت هذه الواقعة فنحن خاسرون، فهذه اللام دخلت لتأكيد هذا الاستلزام. الثاني: قال صاحب «الكشاف» هذه اللام تدل على إضمار القسم تقديره: والله لئن أكله الذئب لكنا خاسرين. السؤال الثاني: ما فائدة الواو في قوله: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ }. الجواب: أنها واو الحال حلفوا لئن حصل ما خافه من خطف الذئب أخاهم من بينهم وحالهم أنهم عشرة رجال بمثلهم تعصب الأمور وتكفي الخطوب إنهم إذاً لقوم خاسرون. السؤال الثالث: ما المراد من قولهم: {إِنَّا إِذَا لَّخَـٰسِرُونَ }. الجواب فيه وجوه: الأول: خاسرون أي هالكون ضعفاً وعجزاً، ونظيره قوله تعالى: { أية : لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ } تفسير : [المؤمنون: 34] أي لعاجزون: الثاني: أنهم يكونون مستحقين لأن يدعى عليهم بالخسارة والدمار وأن يقال خسرهم الله تعالى ودمرهم حين أكل الذئب أخاهم وهم حاضرون. الثالث: المعنى أنا إن لم نقدر على حفظ أخينا فقد هلكت مواشينا وخسرناها. الرابع: أنهم كانوا قد أتعبوا أنفسهم في خدمة أبيهم واجتهدوا في القيام بمهماته وإنما تحملوا تلك المتاعب ليفوزوا منه بالدعاء والثناء فقالوا: لو قصرنا في هذه الخدمة فقد أحبطنا كل تلك الأعمال وخسرنا كل ما صدر منا من أنواع الخدمة. السؤال الرابع: أن يعقوب عليه السلام اعتذر بعذرين فلم أجابوا عن أحدهما دون الآخر؟ والجواب: أن حقدهم وغيظهم كان بسبب العذر الأول، وهو شدة حبه له فلما سمعوا ذكر ذلك المعنى تغافلوا عنه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ} في موضع رفع؛ أي ذهابكم به. أخبر عن حزنه لغيبته. {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ} وذلك أنه رأى في منامه أن الذئب شدّ على يوسف، فلذلك خافه عليه؛ قاله الكلبيّ. وقيل: إنه رأى في منامه كأنه على ذروة جبل، وكأن يوسف في بطن الوادي، فإذا عشرة من الذئاب قد احتوشته تريد أكله، فدرأ عنه واحد، ثم انشقّت الأرض فتوارى يوسف فيها ثلاثة أيام؛ فكانت العشرة إخوته، لما تمالؤوا على قتله، والذي دافع عنه أخوه الأكبر يهوذا، وتواريه في الأرض هو مقامه في الجب ثلاثة أيام. وقيل: إنما قال ذلك لخوفه منهم عليه، وأنه أرادهم بالذئب؛ فخوفه إنما كان من قتلهم له، فكنى عنهم بالذئب مساترة لهم؛ قال ابن عباس: فسماهم ذئاباً. وقيل: ما خافهم عليه، ولو خافهم لما أرسله معهم، وإنما خاف الذئب؛ لأنه أغلب ما يخاف في الصحارى. والذئب مأخوذ من تَذَاءبت الريح إذا جاءت من كل وجه؛ كذا قال أحمد بن يحيـى؛ قال: والذئب مهموز لأنه يجيء من كل وجه. وروى ورش عن نافع «الذِّيبُ» بغير همز، لما كانت الهمزة ساكنة وقبلها كسرة فخففها صارت ياء. {وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} أي مشتغلون بالرعي. قوله تعالى: {قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي جماعة نرى الذئب ثم لا نرده عنه. {إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ} أي في حفظنا أغنامنا؛ أي إذا كنا لا نقدر على دفع الذئب عن أخينا فنحن أعجز أن ندفعه عن أغنامنا. وقيل: «لَخَاسِرُونَ» لجاهلون بحقه. وقيل: لعاجزون.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن نبيه يعقوب: أنه قال لبنيه في جواب ما سألوا من إرسال يوسف معهم إلى الرعي في الصحراء: {إِنِّى لَيَحْزُنُنِىۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ} أي: يشق علي مفارقته مدة ذهابكم به إلى أن يرجع، وذلك لفرط محبته له؛ لما يتوسم فيه من الخير العظيم وشمائل النبوة والكمال في الخلق والخلق صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ} يقول: وأخشى أن تشتغلوا عنه برميكم ورعيكم، فيأتيه ذئب فيأكله وأنتم لا تشعرون، فأخذوا من فمه هذه الكلمة، وجعلوها عذرهم فيما فعلوه، وقالوا مجيبين له عنها في الساعة الراهنة: {لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَا لَّخَـٰسِرُونَ} يقولون: لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا، ونحن جماعة، إنا إذاً لهالكون عاجزون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِى أَن تَذْهَبُواْ } أي ذهابكم {بِهِ } لفراقه {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ } المراد به الجنس وكانت أرضهم كثيرة الذئاب {وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَٰفِلُونَ } مشغولون.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخافُ أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون}فيه قولان: أحدهما: أنه قال ذلك لخوفه منهم عليه، وأنه أرادهم بالذئب، وخوفه إنما كان من قتلهم له فكنى عنهم بالذئب مسايرة لهم، قال ابن عباس فسماهم ذئاباً. والقول الثاني: ما خافهم عليه، ولو خافهم ما أرسله معهم، وإنما خاف الذئب لأنه أغلب ما يخاف منه من الصحارى. وقال الكلبي: بل رأى في منامه أن الذئب شَدّ على يوسف فلذلك خافه عليه.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَأَخَافُ} خافهم عليه فكنى عنهم بالذئب "ع"، أو خاف الذئب لغلبته في الصحارى.

النسفي

تفسير : {قَالَ إِنّى لَيَحْزُنُنِى أَن تَذْهَبُواْ بِهِ } أي يحزنني ذهابكم به واللام لام الابتداء {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ } اعتذر إليهم بأن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة وأنه يخاف عليه من عدوة الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم {قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذّئْبُ } اللام موطئة للقسم والقسم محذوف تقديره والله لئن أكله الذئب. والواو في {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } أي فرقة مجتمعة مقتدرة على الدفع للحال {إِنَّا إِذَا لَّخَـٰسِرُونَ } جواب للقسم مجزىء عن جزاء الشرط أي إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا إذا وخسرناها، وأجابوا عن عذره الثاني دون الأول لأن ذلك كان يغيظهم. {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَةِ ٱلْجُبّ } أي عزموا على إلقائه في البئر وهي بئر على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب عليه السلام، وجواب «لما» محذوف تقديره فعلوا به ما فعلوا من الأذى، فقد روي أنهم لما برزوا به إلى البرية أظهروا له العداوة وضربوه وكادوا يقتلونه فمنعهم يهوذا، أرداوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم فيحتالوا به على أبيهم ودلوه في البئر، وكان فيها ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي وكان يهوذا يأتيه بالطعام. ويروى أن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبريل عليه السلام بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحاق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فأخرجه جبريل وألبسه إياه {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ } قيل: أوحي إليه في الصغر كما أوحي إلى يحيى وعيسى عليهما السلام. وقيل: كان إذ ذاك مدركاً {لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا } أي لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أنك يوسف لعلو شأنك وكبرياء سلطانك، وذلك أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون، دعا بالصواع فوضعه على يديه ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف وأنكم ألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس، أو يتعلق {وهم لا يشعرون} بـ {أوحينا} أي آنسناه بالوحي وأزلنا عن قلبه الوحشة ولا يشعرون بذلك.}

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ وابن مردويه والسلفي في الطيوريات عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تلقنوا الناس فيكذبوا، فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الناس، فلما لقنهم أبوهم كذبوا فقالوا أكله الذئب ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مجلز رضي الله عنه قال: لا ينبغي لأحد أن يلقن ابنه الشر، فإن بني يعقوب لم يدروا أن الذئب تأكل الناس حتى قال لهم أبوهم إني {أخاف أن يأكله الذئب} .

القشيري

تفسير : يَحْزُنني أن تذهبوا به لأني لا أصْبِر عن رؤيته، ولا أطيق على فُرقتِه... هذا إذا كان الحالُ سلامته... فكيف ومع هذا أخاف أن يأكله الذئب؟! ويقال: لما خاف عليه من الذئب امتُحِنَ بحديث الذئب، ففي الخبر ما معناه: " حديث : إنما يُسََلِطُ على ابن آدم ما يخافه"تفسير : وكان في حقه أن يقول أخافُ الله لا الذئب، وإنْ كانت مَحَالُّ الأنبياء عليهم السلام - محروسةً من الاعتراض عليها. ويقال لمَّا جرى على لسان يعقوب - عليه السلام - من حديث الذئب صار كالتلقين لهم، ولو لم يسمعوه ما اهْتَدَوْا إلى الذئب.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال انى ليحزننى ان تذهبوا به} [آنكه شمابيريداورا از بسش من] وذلك لشدة مفارقته علىّ وقلة صبرى عنه. فان قيل لام الابتداء تخلص المضارع للحال عند جمهور النحاة والذهاب ههنا مستقبل فيلزم تقدم الفعل على فاعله مع انه اثره. قلنا ان التقدير قصدان تذهبوا به والقصد حال او تصور ذهابكم وتوقعه والتصور موجود فى الحال كما فى العلة الغائية {و} مع ذلك {اخاف ان يأكله الذئب} لان الارض كانت مذابة واللام للعهد الذهنى والحزن الم القلب بفوت المحبوب والخوف انزعاج النفس لنزول المكروه ولذلك اسند الاول الى الذهاب به المفوت لاستمرار مصاحبته ومواصلته ليوسف والثانى الى ما يتوقع نزوله من اكل الذئب -وروى- انه رأى فى المنام كأنه على رأس جبل ويوسف فى صحراء فهجم عليه احد عشر ذئبا فغاب يوسف بينهن ولذا حذرهم من اكل الذئب ومع ذلك فقد دفعه الى اخوته لانه اذا جاء القضاء عمى البصر شعر : اين هم از تأثير حكمست وقدر جاه مى بينى ونتواى حذر تفسير : {وانتم عنه غافلون} [از بيخبران باشيد بسبب تماشا] شعر : ازان ترسم كزو غافل نشينيد زغفلت صورت حالش نبينيد درين دبرينه دشت محنت انكيز كهن كركى برودندان كندتيز

الطوسي

تفسير : قرأ الكسائي وخلف في اختياره، وابو جعفر وورش والاعشى واليزيدي في الادراج إلا سجادة، ومدين من طريق عبد السلام "الذّيب" بتخفيف الهمزة في المواضع الثلاثة. الباقون بالهمزة. والهمز وترك الهمز لغتان مشهورتان قال ابو علي: والاصل فيه الهمزة، فان خفف جاز، وان وقع في مكان الردف قلب قلباً كما قال الشاعر: شعر : كأن مكان الردف منه على رال تفسير : فقلب الهمزة الفاً. أخبر الله تعالى حكاية عن يعقوب انه قال حين طلب اخوة يوسف انفاذ يوسف معهم، واحتيالهم في ذلك. واشفق من ذلك، قال {إني ليحزنني} اي يؤلم قلبي. يقال حزّنتك وأحزنتك لغتان، والحزن ألم القلب بفراق المحب ويعظم اذا كان فراقه الى ما يبغض {أن تذهبوا به} اي ليحزنني اذهابكم به، والذهاب والمرور والانطلاق نظائر وبيّن انه يخاف عليه الذئب ان يأكله لان الذئاب كانت ضارية في ذلك الوقت. والذئب سبع معروف، واشتقاقه من تذاءب الريح اذا جاءت من كل جهة، فالذئب يختل بالحيلة من كل وجه. وقوله {وأنتم عنه غافلون} جملة في موضع الحال وتقديره اخاف ان يأكله الذئب في حال كونكم ساهين عنه، والخوف والفزع والقلق نظائر ونقيضه الأمن.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ} لشدّة محبّتى له وقلّة صبرى عن مفارقته {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ} قيل: انّ الارض كانت مذئبة؛ وما فى الاخبار يشعر بأنّها لم تكن مذئبة لكنّه ورّى عن حسدهم وحقدهم واظهر انّه يخاف الّذئب الصّورىّ كما فى الخبر: لا تلقّنوا الكذب فتكذبوا فانّ بنى يعقوب (ع) لم يعلموا انّ الّذئب يأكل الانسان حتّى لقّنهم ابوهم، وورد فى سبب ابتلاء يعقوب (ع) انّه ذبح كبشاً سميناً ورجل من اصحابه محتاج لم يجد ما يفطر عيله فأغفله ولم يطعمه، وورد انّه كان له جارية ولدت ابناً وماتت امّ يوسف (ع) فى نفاس بنيامين وكانت الجارية تربّى بنيامين وترضعه وكان ابنها رضيع بنيامين فأخذه يعقوب (ع) منها بعد كبره او بعد مراهقته وباعه فأخذت الجارية من فراقة حرقة وتضرّعت الى الله فسمعت هاتفاً يقول: يبتلى يعقوب (ع) بفراق احبّ اولاده ولا يصل اليه الاّ وتصلين انت قبل ذلك الى ولدك {وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} جماعة اقوياء {إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ} هذا على عادة العرف تقول: ان وقع كذا فانا ملوم او افعل بى ما شئت والاّ فليس هو جواباً له (ع)، او هو جواب بابلغ وجه كأنّهم ادّعوا بعصابتهم وقوّتهم محاليّة اكل الّذئب له فكأنّهم قالوا اكل الذّئب له مستلزم لخسراننا وخسراننا محال فهو محال.

اطفيش

تفسير : {قالَ} يعقوب {إنِّى ليحَزُننى} بفتح الياء عند نافع وابن كثير {أنْ تذْهبُوا} فاعل فى التأويل بالمصدر، أى ليحزننى ذهابكم {بهِ} شدة مفارقته علىَّ وقلة صبرى على غيبته عنى. {وأخافُ أنْ يأكُلَه الذِّئبُ} بالياء وصلا، وبالهمز وقفا كذا قال ورش، عن نافع، والبقاون بالهمزة وصلا ووقفا، إلا أن حمزة يسهلها بين الهمزة والياء، وروى عن ابن كثير، ونافع وهى رواية قالون عنه: الذئب بالهمزة وصلا وعاصم وابن عامر بهمزتين وصلا ووفقا، وعن حمزة همزة وصلا، وعن الدورى أن أبا عمرو بن العلاء يهمز وصلا ووقفا، وسمى ذلك الحيوان ذئبا من ذأبت الريح إذا هبت من كل جهة، لأنه يأتى من كل جهة كهيئة من يحارب، وقال فى الذئب للحقيقة، وإنما تخوف أكل الذئب لكثرة الذئاب بأرضهم، وقيل: لأنه رأى فى المنام ذئبا شد على يوسف. وعن ابن عباس: إنما قال ذلك لأنه رأى فى منامه كأن يوسف على رأس جبل، وكأن عشرة من الذئاب قد شدوا عليه ليقتوله، وإذا ذئب منها يحمى عليه، وإذا الأرض انشقت فدخل فيها، فلم يخرج إلا بعد ثلاثة أيام، فخاف لذلك، وظهر تأويلها بعد ذلك بكونهم عشرة، وأنهم أرادوا قتله إلا واحدا منعهم، وأنهم ألقوه فى الجب، وأنه بقى فيها ثلاثة أيام رآهم على صور الذئاب، ورآهم يوسف على صور الكواكب، فيعقوب رآهم بحسب الاهتداء، ويوسف بحسب الخاتمة، لأنهم تابوا، وعن نافع، عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا تلقنوا الناس الكذب فيكذبوا فإن أبناء يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الإنسان ولما قال لهم وأخاف أن يأكله الذئب ". تفسير : {وأنتُم عنْهُ غافِلُون} باشتغالكم بالرتع واللعب، أو لقلة اهتمامهم به تعلموا منه، وقالوا:{أية : إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب}تفسير : انتهى الحديث بإيضاح. من أمثال العرب: البلاء موكل بالمنطق، وتعلل يعقوب عليه لاسلام بعلتين: إحداهما: أحزان ذهابهم به إياه هذه لم يجيبوه عنها، إذ لا طاقة لهم بإزالة الحزن، لأن اختياره عنهم هو الذى غاظهم وأذاقهم الشر. والأمر العظيم. والأخرى: الخوف عليه من الذئب، وأجابوا عنها لما ذكر عنهم الله سبحانه وتعالى بقوله: {قالُوا لَئِنْ أكلهُ الذِّئبُ...}

اطفيش

تفسير : {قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِى أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ} يحزننى ذهابكم به عنى لشدة حبه، فلا أَقدر على فراقه {وأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ} لصغره ولو كان بان اثنتى عشرة سنة،أَو لكبر ذئاب تاك الأَرض وشدتها، وكانت أَرضاً كثيرة الذئَاب، أَو أَراد بالذئْب الذئَاب، وقيل: قال ذلك لأَنه عليه السلام رأَى فى النوم ذئْباً يشد على يوسف، ويوسف يأْخذ حذره منه، ويقال: إِنه عليه اسلام رأَى فى نومه أَنه على ذروة جبل ويوسف فى بطن الوادى فإِذا عشرة ذئَاب تريد أًكله، ودفع عنه واحد فاتسعت الأَرض فتوارى فيها ثلاثة، قلنا: كأَنهن أَيامه فى الجب، والذئَاب إِخوته، ومعنى إِحزان الذهاب به له أَن ذكرهم به أًحزننى فى الحال، تصوره قبل تحقق الذهاب، فالمضارع للحال كما هو مقتضى لام الابتداءَ الداخلة فى خبر إِن؛ لكن لا نسلم أَن تلك اللام للحال لزوماً، بل تجوز للحال والاستقبال، فمن الاستقبال قوله تعالى: " أية : وإِن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة"تفسير : [النحل: 124] وكذا أَخاف من الآن أَن يأْكله الذئْب إِن ذهبتم به، وأَقرب من ذلك أَنكم إِذا ذهبتم به حزنت لا الآن {وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} فى شغلكم كائِنا ما كان، لأَنه لم يذكرهم بالارتعاءِ واللعب بل ذكر بهما يوسف، وفى الواقع فى زعمهم اشتغالهم بالاستباق كما ذكر بعْد، نعم يقرب أَن يقدر يرتع ويلعب معنا، أَو غافلون لقلة اهتمامكم به.

الالوسي

تفسير : {قَالَ} استئناف بياني كأن سائلاً يقول: فماذا قال أبوهم لهم؟ فقيل: قال: {إِنّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ} لشدة مفارقته عليّ وقلة صبري عنه، واللام الداخلة على خبر إن إذا كان مضارعاً قيل: تقصره على الحال وهو ظاهر كلام سيبويه، وقيل: تكون له ولغيره، واستدلوا بقوله تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ }تفسير : [النحل: 124]، وقيل: إنها للحال إن خلت عن قرينة ومعها تكون لغيره، وجعلوا من ذلك ما في الآية، وبعضهم جعلها هنا للحال، واستشكل بأن الذهاب مستقبل فيلزم تقدم الفعل على فاعله وهو غير جائز لأنه أثره ولا يعقل تقدم الأثر على المؤثر. وأجيب بأن التقدير قصد أو توقع أن تذهبوا به، فالكلام على تقدير المضاف وهو الفاعل وليس ذاك أمراً مستقبلاً بل حال، ولا يمتنع في مثل ذلك حذف الفاعل لما صرحوا به أنه إنما يمتنع إذا لم يسدّ مسدّه شيء وهنا قد سدّ، ولا يجب أن يكون السادّ هو المضاف إليه كما ظن بل لو سدّ غيره كان الحذف جائزاً أيضاً، ومن هنا كان تقدير قصدكم أن تذهبوا صحيحاً، ويحتمل أن يكون ذلك تقدير معنى لا تقدير إعراب، وقال بعضهم: / إنه يمكن دفع الإشكال من غير حاجة إلى تقدير المضاف بأن يقال: إن الذهاب يحزنه باعتبار تصوره كما قيل نظيره في العلة الغائية، وقال شهاب: ذلك التحقيق أظن أن ما قالوه في توجيه الاشكال مغلطة لا أصل لها فان لزوم كون الفاعل موجوداً عند وجود الفعل إنما هو في الفاعل الحقيقي لا النحوي واللغوي فإن الفعل قد يكون قبله سواء كان حالاً كما فيما نحن فيه أو ماضياً كما أنه يصح أن يكون الفاعل في مثله أمراً معدوماً كما في قوله: شعر : ومن سره أن لا يرى ما يسوءه فلا يتخذ شيئاً يخاف له فقداً تفسير : ولم يقل أحد في مثله إنه محتاج إلى التأويل فإن الحزن والغم كالسرور والفرح يكون بالشيء قبل وقوعه كما صرح به ابن هلال في «فروقه»، ولا حاجة إلى تأويل أو تقدير أو تنزيل للوجود الذهني منزلة الخارجي على القول به، أو الاكتفاء به فإن مثله لا يعرفه أهل العربية أو اللسان فإن أبيت إلا اللجاج فيه فليكن من التجوز في النسبة إلى ما يستقبل لكونه سبباً للحزن الآن اهـ. وأنت تعلم أنهم صرحوا بأن فعل الفاعل الاصطلاحي إما قائم به أو واقع منه، وقيام الشيء بما لم يوجد بعد ووقوعه منه غير معقول، وحينئذ فالتأويل بما يصح القيام أو الوقوع في فاقد ذلك بحسب الظاهر واجب كذا قيل فتدبر. وقرأ ابن هرمز وابن محيصن ـ ليحزني ـ بالإدغام، وبذلك قرأ زيد بن علي رضي الله عنهما، وقرأ أيضاً (تذهبوا به) من أذهب رباعياً، ويخرج كما قال أبو حيان على زيادة الباء في {بِهِ} كما خرج بعضهم {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ}تفسير : [المؤمنون: 20] في قراءة من ضم التاء وكسر الباء الموحدة على ذلك أي ـ ليحزني أن تذهبوه ـ. {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذّئْبُ} هو حيوان معروف وخصه بالذكر لأن الأرض على ما قيل: كانت مذئبة، وقيل: لأنه سبع ضعيف حقير فنبه عليه السلام بخوفه عليه السلام عليه منه على خوفه عليه مما هو أعظم منه افتراساً من باب أولى، ولحقارة الذئب خصه الربيع بن ضبع الفزاري في كونه يخشاه لما بلغ من السن ما بلغ في قوله: شعر : (والذئب) أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا تفسير : وقيل: لأنه عليه السلام رأى في المنام أن ذئباً قد شد عليه فكان يحذره، ولعل هذا الحذر لأن الأنبياء عليهم السلام لمناسبتهم التامة بعالم الملكوت تكون واقعاتهم بعينها واقعة، وإلا فالذئب في النوم يؤول بالعدو. وادعى بعضهم أنه عليه السلام ورَّى بالذئب عن واحد منهم فانه عليه السلام أجل قدراً من أن لا يعلم أن رأياه تلك من أي أقسام الرؤيا هي، فإن منها ما يحتاج للتعبير ومنها ما لا يحتاج إليه، والكامل يعرف ذلك. وتعقب بأنه يحتمل أن يكون الأمر قد خفي عليه كما قد خفي مثل ذلك على جده إبراهيم عليه السلام وهو بناء على ما ذكره شيخنا ابن العربـي قدس سره من أن رؤياه عليه السلام ذبح ولده من الرؤيا المعبرة بذبح كبش لكنه خفي عليه ذلك ولا يخفى ما فيه، والمذكور في بعض الروايات أنه عليه السلام رأى في منامه كأنه على ذروة جبل وكأن يوسف في بطن الوادي فإذا عشرة من الذئاب قد احتوشته تريد أكله فدرأ عنه واحد ثم انشقت الأرض فتوارى يوسف فيها ثلاثة أيام، وأنا لم أجد لرواية الرؤيا مطلقاً سنداً يعول عليه ولا حاجة بنا إلى اعتبارها لتكلف الكلام فيها، وبالجملة ما وقع منه عليه السلام من هذا القول كان تلقينا للجواب من غير قصد وهو على أسلوب قوله سبحانه: {أية : مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ }تفسير : [الإنفطار: 6] والبلاء موكل بالمنطق. / وأخرج أبو الشيخ وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تلقنوا الناس فيكذبوا فان بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الناس فلما لقنهم أبوهم كذبوا فقالوا: أكله الذئب»تفسير : . والحزن ألم القلب لفوت المحبوب والخوف انزعاج النفس لنزول المكروه، ولذلك أسند الأول إلى الذهاب به المفوت لاستمرار مصاحبته ومواصلته ليوسع عليه السلام، والثاني إلى ما يتوقع نزوله من أكل الذئب. والذئب أصله الهمزة وهي لغة الحجاز، وبها قرأ غير واحد. وقرأ الكسائي وخلف وأبو جعفر وورش والأعشى وغيرهم بإبدالها ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها وهو القياس في مثل ذلك، وذكر بعضهم أنه قد همزه على الأصل ابن كثير ونافع في رواية قالون وأبو عمرو وقفاً، وابن عامر وحمزة درجاً وأبدلا وقفاً، ولعل ذلك لأن التقاء الساكنين في الوقف وإن كان جائزاً إلا أنه إذا كان الأول حرف مد يكون أحسن. وقال نصر: سمعت أبا عمرو لا يهمزه، والظاهر أنه أراد مطلقاً فيكون ما تقدم رواية وهذه أخرى، ويجمع على أذؤب وذئاب وذؤبان، واشتقاقه عند الزمخشري من تذاءبت الريح إذا هبت من كل جهة. وقال الأصمعي: إن اشتقاق تذاءبت من الذب لأن الذئب يفعله في عدوه، قيل: وهو أنسب ولذا عد تذاءبت الريح من المجاز في «الأساس» لكن قيل عليه: إن أخذ الفعل من الأسماء الجامدة ـ كإبل ـ قليل مخالف للقياس. {وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ} لاشتغالكم بالرتع واللعب أو لقلة اهتمامكم بحفظه.

ابن عاشور

تفسير : فصل جملة {قال} جار على طريقة المحاورة. أظهر لهم سبب امتناعه من خروج يوسف ـــ عليه السّلام ـــ معهم إلى الرّيف بأنّه يحزنه لبعده عنه أيّاماً، وبأنّه يخشى عليه الذئاب، إذ كان يوسف ـــ عليه السّلام ـــ حينئذٍ غلاماً، وكان قد رُبّيَ في دَعَة فلم يكن مَرناً بمقاومة الوحوش، والذئابُ تَجْتَرىءُ على الذي تحسّ منه ضعفاً في دفاعها. قال الرّبيع بن ضبع الفزاري يشكو ضعف الشيخوخة: شعر : والذّئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا تفسير : وقال الفرزدق يذكر ذئباً: شعر : فقلت له لمّا تكشّر ضاحكاً وقائم سيفي من يدي بمكان تعش فإن عاهدتني لا تخونني نكن مثل من يا ذئب يصطحبان تفسير : فذئاب بادية الشّام كانت أشدّ خبثاً من بقية الذئاب، ولعلّها كانت كذئاب بلاد الرُّوس. والعرب يقولون: إنّ الذئب إذا حورب ودافع عن نفسه حتّى عضّ الإنسان وأسال دمه أنّه يضرى حين يرى الدمّ فيستأسد على الإنسان، قال: شعر : فكنت كذئب السّوء حين رأى دماً بصاحبه يوماً أحال على الدم تفسير : وقد يتجمّع سرب من الذئاب فتكون أشدّ خطراً على الواحد من الناس والصغير. والتعريف في {الذئب} تعريف الحقيقة والطبيعة، ويسمّى تعريف الجنس. وهو هنا مراد به غير معيّن من نوع الذئب أو جماعة منه، وليس الحكم على الجنس بقرينة أن الأكل من أحوال الذّوات لا من أحوال الجنس، لكن المراد أية ذات من هذا الجنس دون تعيين. ونظيره قوله تعالى: { أية : كمثل الحمار يحمل أسفاراً } تفسير : [سورة الجمعة: 5] أي فرد من الحمير غير معيّن، وقرينة إرادة الفرد دون الجنس إسناد حمل الأسفار إليه لأنّ الجنس لا يحمل. ومنه قولهم: (ادخل السوق) إذا أردت فرداً من الأسواق غير معين، وقولك: ادخل، قرينة على ما ذكر. وهذا التّعريف شبيه بالنّكرة في المعنى إلاّ أنّه مراد به فرد من الجنس. وقريب من هذا التّعريف باللاّم التعريف بعلم الجنس، والفرق بين هذه اللام وبين المنكّر كالفرق بين علم الجنس والنكرة. فالمعنى: أخاف أن يأكله الذّئب، أي يَقتله فيأكل منه فإنّكم تبعدون عنه، لمَا يعلم من إمعانهم في اللّعب والشّغل باللهو والمسابقة، فتجتري الذئاب على يوسف عليه السّلام. والذئب: حيوان من الفصيلة الكلبيّة، وهو كلب بَرّي وحشيّ. من خلقه الاحتيال والنفورُ. وهو يفترس الغنم. وإذا قاتل الإنسان فجرحه ورأى عليه الدم ضرى به فربّما مزّقه. وإنّما ذكر يعقوب عليه السّلام أنّ ذهابهم به غَدا يحدث به حزناً مستقبلاً ليصرفهم عن الإلحاح في طلب الخروج به لأنّ شأن الابن البار أن يتّقي ما يحزن أباه. وتأكيد الجملة بحرف التّأكيد لقطع إلحاحهم بتحقيق أنّ حزنه لفراقه ثابت، تنزيلاً لهم منزلة من ينكر ذلك، إذْ رأى إلحاحهم. ويسري التّأكيد إلى جملة {وأخاف أن يأكله الذئب}. فأبوا إلاّ المراجعة قالوا: {لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنّا إذاً لخاسرون}. واللاّم في {لئِن أكله} موطّئة للقسم، أرادوا تأكيد الجواب باللاّم. وإنّ ولام الابتداء وإذن الجوابيّة تحقيقاً لحصول خسرانهم على تقدير حصول الشّرط. والمراد: الكناية عن عدم تفريطهم فيه وعن حفظهم إيّاه لأنّ المرء لا يرضى أن يوصف بالخسران. والمراد بالخسران: انتفاء النفع المرجوّ من الرّجال، استعاروا له انتفاء نفع التاجر من تجره، وهو خيبة مذمومة، أي إنّا إذن لمسلوبون من صفات الفتوة من قوة ومقدرة ويقظة. فكونهم عصبة يحول دون تواطيهم على ما يوجب الخسران لِجميعهم. وتقدم معنى العصبة آنفاً، وفي هذا عبرة مِن مقدار إظهار الصّلاح مع استبطان الضرّ والإهلاك. وقرأ الجمهور بتحقيق همزة {الذئب} على الأصل. وقرأه ورش عن نافع، والسوسي عن أبي عمرو، والكسائيّ بتخفيف الهمزة ياء. وفي بعض التفاسير نسب تخفيف الهمزة إلى خلف، وأبي جعفر، وذلك لا يعرف في كتب القراءات. وفي البيضاوي أنّ أبا عَمرو أظهر الهمزة في التوقّف، وأنّ حمزة أظهرها في الوصل.

د. أسعد حومد

تفسير : {غَافِلُونَ} (13) - قَالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ: إِنَّهُ لَيَشُقُّ عَلَيْهِ مُفَارَقَةُ يُوسُفَ مُدَّةَ ذَهَابِهِمْ بِهِ لِلرَّعْيِ لِفَرْطِ تَعَلُّقِهِ بِهِ، وَلِمَا يَتَوَسَّمُهُ فِيهِ مِنَ الخَيْرِ العَظِيمِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَنْشَغِلُوا عَنْهُ فَيَأَتِيَهُ الذِئْبُ وَيَأْكُلَهُ، وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلام الأب هنا لا بُدَّ أن يغيظهم فهو دليل المحبة الفائقة إلى الدرجة التي يخاف فيها من فِراق يوسف لِقلَّة صبره عنه، وشدة رعايته له؛ ثم جاء لهم بالحكاية الأخرى، وهي: {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} [يوسف: 13]. وقال بعض الناس: لقد علَّمهم يعقوب الكذبة؛ ولولا ذلك ما عرفوا أن يكذبوها. ونلحظ أن يعقوب جعل للأخوة لَحْظاً؛ فلم يقل: "أخاف أن يأكله الذئب وأنتم قاعدون" بل قال: {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} [يوسف:13]. وهذا ليُربِّي فيهم مواجيد الأخوة التي تفترض ألاَّ يتصرفوا مع أخيهم بشرّ؛ ولا أن يتصرف غيرهم معه بشرّ إلا إذا غفلوا عن أخيهم. ونلحظ في ردِّهم عجزَهم عن أنْ يردوا على قوله: {إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ ..} [يوسف: 13] . فهذا الحب من يعقوب ليوسف هو الذي دفعهم إلى الحقد على يوسف، ورَدُّوا فقط على خوفه من أنْ يأكله الذئب، وجاء القرآن بما قالوه: {قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ...}.

الجيلاني

تفسير : ثم لما بغالوا وألحوا {قَالَ} أبوهم: {إِنِّي} من شدة محبتي وشوقي إليه، وتحنني وعطفي نحوه {لَيَحْزُنُنِيۤ} مفارقته {أَن تَذْهَبُواْ بِهِ} مع ذلك {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ} لأن ارضنا مذئبة {وَأَنْتُمْ} لشدة شغلكم على الرتع واللعب {عَنْهُ غَافِلُونَ} [يوسف: 13] حينئذٍ، ذاهلون من حضانته وحفظه. {قَالُواْ} على سبيل الاستبعاد والاستنكار مقسمين؛ تعزيراً عليه وتأكيداً لمكرهم وخداعهم: والله {لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي: جماعة أقوياء ذوو عة وعُدة وقدرة وقوة {إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ} [يوسف: 14] ضعفاء ذليلون مغبونون، قالوا ذلك على سبيل التشدد وإظهار الجرأة والشجاعة، كأهم يستدلون على عدم وقوع المحذر به. {فَلَمَّا} احتالوا وبالغوا في الحيلة والمكر إلى أن {ذَهَبُواْ بِهِ} أي: بيوسف إلى الصحراء، فاشتغلوا بضربه وشتمه والقهر عليه وأنواع العذاب والعقاب، وكادوا أن يقتلوه ظلماً وزوراً، قال لهم يهوذا: أنتم عهدتم ألا تقتلوه، فما هذه المبالغة ةالاشتداد، أمَا تستحيون من الله؟ {وَ} بعدما قال لهم يهوذا هذا {أَجْمَعُوۤاْ} واتفقوا {أَن يَجْعَلُوهُ} ويطرحوه {فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ} وهو جب معروف مشهور بجب يوسف، على ثلاثة أميال من صفد يعقوب، قريب من جسر يقال له: جسر يعقوب بفرسخ تقريباً، فقربوه على الجب وعزموا إلقاءه فيها، فتعلق وسف بشفير البئر، فربطوا يديه ونزعوا عنه قميصه؛ ليطلخوه بالدم لكذب، فألقوه مربوطة يديه على الماء وكان فيها صخرة عظيمة جلس عليها عرياناً قلقاً، حائراً، حزناً، مصطرباً، مستوحشاً {وَ} بعدما ألقوه وقضوا الطر أزلنا عنه وحشته وكربه بأن {أَوْحَيْنَآ} من مقام لطفنا وجودنا {إِلَيْهِ}: لا تغتم أيها الصديق من صنيع هؤلاء الغواة الهالكين في تيه الحسد والعناد، إنَّا بمقتضى كرمنا وأحساننا لنفضلك عليه ونمكنك على انتقامهم إلى حيث {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ} وتحدثنهم معاتباً عليه، منتقماً منهم {بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا} معك وحيلتهم ومكرهم مع أبيك {وَهُمْ} في تلك الحالة {لاَ يَشْعُرُونَ} [يوسف: 15] أنك يوسف؛ لعلو شأنك وارتفاع قدرك وسلطانك، اصبر أيها الصديق على أذاهم في الحال، فإن لك السلطنة والسطوة عليهم في المآل. {وَ} بعدما فعلوا بيوسف ما فعلوا {جَآءُوۤا أَبَاهُمْ} ملتبسين محتالين {عِشَآءً} في آخر اليوم {يَبْكُونَ} [يوسف: 16] صاحئين، صارفين، فزعين؛ تغريراً على أبيهم. فلما سمع يعقوب صياحهم اضطرب فقال: ما لكم؟ وأين يوسف؟ {قَالُواْ يَٰأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} أي: نتسابق بالعدو والرمي واستمر تسابقنا ومالنا {وَ} قد {تَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا} لحفظها، فغفلنا عنه بغرور السباق {فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ} وكنت نظرت من أول الأمر فوقع {وَ} نحن نعلم {مَآ أَنتَ} يا أبانا {بِمُؤْمِنٍ} أي: مصدق {لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف: 17] فيما أخبرنا لك؛ لسوء ظنك بنا وفرط محبتك بيوسف. {وَ} بعدما تفرسوا منه الإنكار والاستبعاد {جَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ} معه {بِدَمٍ كَذِبٍ} يعني: جاءوا مثبتين لدعواهم بدم كذب ملطخ على قميصه، مفترين على الذئب بأنه أكله، وبعدما جاءوا بالقميص الملطخ، طلب منهم ابوهم، فألقاه على وجهه فبكى بكاء فظيعاً فجيعاً، وتمادى في البكاء زماناً طويلاً حتى احمر وجهه من الدم الملطوخ به، ثم كشف القميص فرآه لم يمزق، فقال: ما رأيت ذئباً أحلم من هذا الذئب، أكل ابني ولم يمزق قيمصه! ثم {قَالَ} متوجهاً إليهم: ما جئتم به معتذرين عليَّ ليس بمطابق للواقع {بَلْ سَوَّلَتْ} سهلت ويسرت {لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} بإلقاء الشيطان وتعيلمه إياكم لتعتذروا به عليَّ {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أجمل علي فيما ابتليت {وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ} احتال {مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] بألسنتكم أيها المسرفون؛ إذ لا طاقة في تحمله إلا بعون الله وإقداره.