١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه لا بد من الإضمار في هذه الآية في موضعين: الأول: أن تقدير الآية قالوا: {لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذَا لَّخَـٰسِرُونَ } فأذن له وأرسله معهم ثم يتصل به قوله: {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ } والثاني: أنه لا بد لقوله: {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَةِ ٱلْجُبّ } من جواب إذ جواب لما غير مذكور وتقديره فجعلوه فيها، وحذف الجواب في القرآن كثير بشرط أن يكون المذكور دليلاً عليه وههنا كذلك. قال السدي: إن يوسف عليه السلام لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة الشديدة، وجعل هذا الأخ يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه ولا يرى فيهم رحيماً فضربوه حتى كادوا يقتلونه وهو يقول يا يعقوب لو تعلم ما يصنع بابنك، فقال يهودا أليس قد أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه فانطلقوا به إلى الجب يدلونه فيه وهو متعلق بشفير البئر فنزعوا قميصه، وكان غرضهم أن يلطخوه بالدم ويعرضوه على يعقوب، فقال لهم ردوا علي قميصي لأتوارى به، فقالوا: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً لتؤنسك، ثم دلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه ليموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم آوى إلى صخرة فقام بها وهو يبكي فنادوه فظن أنه رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فقام يهودا فمنعهم وكان يهودا يأتيه بالطعام، وروي أنه عليه السلام لما ألقي في الجب قال يا شاهداً غير غائب. ويا قريباً غير بعيد. ويا غالباً غير مغلوب. اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً، وروي أن إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار جرد عن ثيابه فجاءه جبريل عليه السلام بقميص من حرير الجنة وألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحق، وإسحق إلى يعقوب، فجعله يعقوب في تميمة وعلقها في عنق يوسف عليه السلام فجاء جبريل عليه السلام فأخرجه وألبسه إياه. ثم قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ } قولان: أحدهما: أن المراد منه الوحي والنبوة والرسالة وهذا قول طائفة عظيمة من المحققين، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنه عليه السلام هل كان في ذلك الوقت بالغاً أو كان صبياً قال بعضهم: إنه كان في ذلك الوقت بالغاً وكان سنه سبع عشرة سنة، وقال آخرون: إنه كان صغيراً إلا أن الله تعالى أكمل عقله وجعله صالحاً لقبول الوحي والنبوة كما في حق عيسى عليه السلام. والقول الثاني: إن المراد من هذا الوحي الإلهام كما في قوله تعالى: { أية : وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمّ مُوسَىٰ } تفسير : [القصص: 7] وقوله: { أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } تفسير : [النحل: 68] والأول: لأن الظاهر من الوحي ذلك. فإن قيل: كيف يجعله نبياً في ذلك الوقت وليس هناك أحد يبلغه الرسالة؟ قلنا: لا يمتنع أن يشرفه بالوحي والتنزيل ويأمره بتبليغ الرسالة بعد أوقات ويكون فائدة تقديم الوحي تأنيسه وتسكين نفسه وإزالة الغم والوحشة عن قلبه. المسألة الثانية: في قوله: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } قولان: الأول: المراد أن الله تعالى أوحى إلى يوسف إنك لتخبرن إخوتك بصنيعهم بعد هذا اليوم وهم لا يشعرون في ذلك الوقت إنك يوسف، والمقصود تقوية قلبه بأنه سيحصل له الخلاص عن هذه المحنة ويصير مستولياً عليهم ويصيرون تحت قهره وقدرته. وروي أنهم حين دخلوا عليه لطلب الحنطة وعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده، ثم نقره فظن، فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف فطرحتموه في البئر وقلتم لأبيكم أكله الذئب. والثاني: أن المراد إنا أوحينا إلى يوسف عليه السلام في البئر بأنك تنبىء إخوتك بهذه الأعمال، وهم ما كانوا يشعرون بنزول الوحي عليه، والفائدة في إخفاء نزول ذلك الوحي عنهم أنهم لو عرفوه فربما ازداد حسدهم فكانوا يقصدون قتله. المسألة الثالثة: إذا حملنا قوله: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } على التفسير الأول، كان هذا أمراً من الله تعالى نحو يوسف في أن يستر نفسه عن أبيه وأن لا يخبره بأحوال نفسه، فلهذا السبب كتم أخبار نفسه عن أبيه طول تلك المدة، مع علمه بوجد أبيه به خوفاً من مخالفة أمر الله تعالى، وصبر على تجرع تلك المرارة، فكان الله سبحانه وتعالى قد قضى على يعقوب عليه السلام أن يوصل إليه تلك الغموم الشديدة والهموم العظيمة ليكثر رجوعه إلى الله تعالى، وينقطع تعلق فكره عن الدنيا فيصل إلى درجة عالية في العبودية لا يمكن الوصول إليها إلا بتحمل المحن الشديدة. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ} «أَنْ» في موضع نصب؛ أي على أن يجعلوه في غيابة الجبّ. قيل في القصة: إن يعقوب عليه السلام لما أرسله معهم أخذ عليهم ميثاقاً غليظاً ليحفظُنّه، وسلّمه إلى روبيل وقال: يا روبيل! إنه صغير، وتعلم يا بنيّ شفقتي عليه؛ فإن جاع فأطعمه، وإن عطش فٱسقه، وإن أَعْيا فٱحمله ثم عَجِّل بردّه إليّ. قال: فأخذوا يحملونه على أكتافهم، لا يضعه واحد إلا رفعه آخر، ويعقوب يُشيِّعهم ميلا ثم رجع؛ فلما انقطع بصر أبيهم عنهم رماه الذي كان يحمله إلى الأرض حتى كاد ينكسر، فالتجأ إلى آخر فوجد عند كل واحد منهم أشدّ مما عند الآخر من الغيظ والعسف؛ فاستغاث بروبيل وقال: «أنت أكبر إخوتي، والخليفة من بعد والدي عليّ، وأقرب الأخوة إليّ، فارحمني وٱرحم ضعفي» فلطمه لطمة شديدة وقال: لا قرابة بيني وبينك، فادع الأحد عشر كوكباً فلتنجك منا؛ فعلم أن حقدهم من أجل رؤياه، فتعلق بأخيه يهوذا وقال: يا أخي! ارحم ضعفي وعجزي وحداثة سني، وارحم قلب أبيك يعقوب؛ فما أسرع ما تناسيتم وصيته ونقضتم عهده؛ فرقّ قلب يهوذا فقال: والله لا يصلون إليك أبداً ما دمتُ حيّاً، ثم قال: يا إخوتاه! إن قتل النفس التي حرم الله من أعظم الخطايا، فردوا هذا الصبيّ إلى أبيه، ونعاهده ألا يحدّث والده بشيء مما جرى أبداً؛ فقال له إخوته: والله ما تريد إلا أن تكون لك المكانة عند يعقوب، والله لئن لم تدعه لنقتلنّك معه، قال: فإن أبيتم إلا ذلك فهاهنا هذا الجبّ الموحش القفر، الذي هو مأوى الحيات والهوام فألقُوه فيه، فإن أصيب بشيء من ذلك فهو المراد، وقد استرحتم من دمه، وإن انفلت على أيدي سيّارة يذهبون به إلى أرض فهو المراد؛ فأجمع رأيهم على ذلك؛ فهو قول الله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ} وجواب «لما» محذوف؛ أي فلما ذهبوا به وأجمعوا على طرحه في الجب عظمت فتنتهم. وقيل: جواب «لما» قولهم: {قَالُواْ يَأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ}. وقيل: التقدير فلما ذهبوا به من عند أبيهم وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب جعلوه فيها، هذا على مذهب البصريين؛ وأما على قول الكوفيين فالجواب. «أوحينا» والواو مقحمة، والواو عندهم تزاد مع لما وحتى؛ قال الله تعالى:{أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}تفسير : [الزمر: 73] أي فتحت، وقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} تفسير : [هود: 40] أي فار. قال ٱمرؤ القيس:شعر : فَلَمَّـا أَجَـزْنَـا ساحَـة الحـيِّ وانَتَحـى تفسير : أي انتحى؛ ومنه قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنَادَيْنَاهُ} تفسير : [الصافات:103-104] أى ناديناه. وفي قوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ} دليل على نبوّته في ذلك الوقت. قال الحسن ومجاهد والضّحاك وقَتادة: أعطاه الله النبوّة وهو في الجبّ على حجر مرتفع عن الماء. وقال الكَلْبيّ: ألقي في الجبّ وهو ابن ثماني عشرة سنة، فما كان صغيراً؛ ومن قال كان صغيراً فلا يبعد في العقل أن يتنبأ الصغير ويوحى إليه. وقيل: كان وحي إلهام كقوله: {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} تفسير : [النحل: 68]. وقيل: كان مناماً، والأوّل أظهر ـ والله أعلم ـ وأن جبريل جاءه بالوحي. قوله تعالى: {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا} فيه وجهان: أحدهما ـ أنه أوحى إليه أنه سيلقاهم ويوبخهم على ما صنعوا؛ فعلى هذا يكون الوحي بعد إلقائه في الجبّ تقوية لقلبه، وتبشيراً له بالسلامة. الثاني ـ أنه أوحي إليه بالذي يصنعون به؛ فعلى هذا (يكون) الوحيُ قبل إلقائه في الجبّ إنذاراً له. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أنك يوسف؛ وذلك أن الله تعالى أمره لما أفضى إليه الأمر بمصر ألا يخبر أباه وإخوته بمكانه. وقيل: بوحي الله تعالى بالنبوة؛ قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل: «الهاء» ليعقوب؛ أوحى الله تعالى إليه ما فعلوه بيوسف، وأنه سيعرِّفهم بأمره، وهم لا يشعرون بما أوحى الله إليه، والله أعلم. ومما ذكر من قصته إذ ألقي في الجبّ ـ ما ذكره السدّيّ وغيره ـ أن إخوته لما جعلوا يدلونه في البئر، تعلق بشفير البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه؛ فقال: يا إخوتاه! ردّوا عليّ قميصي أتوارى به في هذا الجبّ، فإن متّ كان كفني، وإن عشت أواري به عورتي؛ فقالوا: ٱدع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً فلتؤنسك وتكسك؛ فقال: إني لم أر شيئاً، فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يسقط فيموت؛ فكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم آوى إلى صَخْرَةٍ فقام عليها. وقيل: إن شمعون هو الذي قطع الحبل إرادة أن يتفتت على الصخرة، وكان جبريل تحت ساق العرش، فأوحى الله إليه أن أدرك عبدي؛ قال جبريل: فأسرعت وهبطت حتى عارضته بين الرمي والوقوع فأقعدته على الصخرة سالماً. وكان ذلك الجبّ مأوى الهوام؛ فقام على الصّخرة وجعل يبكي، فنادوه، فظن أنها رحمة عليه أدركتهم، فأجابهم؛ فأرادوا أن يرضخوه بالصخرة فمنعهم يهوذا، وكان يهوذا يأتيه بالطعام؛ فلما وقع عرياناً نزل جبريل إليه؛ وكان إبراهيم حين ألقي في النار عرياناً أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فكان ذلك عند إبراهيم، ثم ورثه إسحق، ثم ورثه يعقوب، فلما شَبّ يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في تعويذة وجعله في عنقه، فكان لا يفارقه؛ فلما ألقي في الجبّ عرياناً أخرج جبريل ذلك القميص فألبسه إياه. قال وهب: فلما قام على الصخرة قال: يا إخوتاه! إن لكل ميت وصية، فاسمعوا وصيتي، قالوا: وما هي؟ قال: إذا اجتمعتم كلّكم فآنس بعضكم بعضاً فاذكروا وحشتي، وإذا أكلتم فاذكروا جوعي، وإذا شربتم فاذكروا عطشي، وإذا رأيتم غريباً فاذكروا غربتي، وإذا رأيتم شاباً فاذكروا شبابي؛ فقال له جبريل: يا يوسف! كف عن هذا واشتغل بالدعاء، فإن الدعاء عند الله بمكان؛ ثم علمه فقال: قل اللهم يا مؤنس كلّ غريب، ويا صاحب كلّ وحيد، ويا ملجأ كلّ خائف، ويا كاشف كل كربة، ويا عالم كل نجوى، ويا منتهى كل شكوى، ويا حاضر كل ملإ، يا حيّ يا قيوم! أسألك أن تقذف رجاءك في قلبي، حتى لا يكون لي همّ ولا شغل غيرك، وأن تجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً، إنك على كل شيء قدير؛ فقالت الملائكة: إلهناٰ نسمع صوتاً ودعاء، الصوت صوت صبيّ، والدعاء دعاء نبيّ. وقال الضّحاك: نزل جبريل عليه السلام على يوسف وهو في الجبّ فقال له: ألا أعلمك كلمات إذا أنت قلتهن عجل الله لك خروجك من هذا الجب؟ فقال: نعم! فقال له: قل يا صانع كلّ مصنوع، ويا جابر كل كَسِير، ويا شاهد كل نَجْوى، ويا حاضر كل ملإ، ويا مفرّج كل كربة، ويا صاحب كل غريب، ويا مؤنس كل وحيد، ٱيتني بالفرج والرجاء، واقذف رجاءك في قلبي حتى لا أرجو أحداً سواك؛ فرددها يوسف في ليلته مراراً؛ فأخرجه الله في صبيحة يومه ذلك من الجبّ.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: فلما ذهب به إخوته من عند أبيه بعد مراجعتهم له في ذلك {وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ} هذا فيه تعظيم لما فعلوه، أنهم اتفقوا كلهم على إلقائه في أسفل ذلك الجب، وقد أخذوه من عند أبيه فيما يظهرونه له إكراماً له، وبسطاً وشرحاً لصدره، وإدخالاً للسرور عليه، فيقال: إن يعقوب عليه السلام لما بعثه معهم، ضمه إليه، وقبله، ودعا له، وذكر السدي وغيره أنه لم يكن بين إكرامهم له وبين إظهار الأذى له إلا أن غابوا عن عين أبيه وتواروا عنه، ثم شرعوا يؤذونه بالقول من شتم ونحوه، والفعل من ضرب ونحوه، ثم جاؤوا به إلى ذلك الجب الذي اتفقوا على رميه فيه، فربطوه بحبل، ودلوه فيه، فكان إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه، وإذا تشبث بحافات البئر، ضربوا على يديه، ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة، فسقط في الماء فغمره، فصعد إلى صخرة تكون في وسطه يقال لها الراغوفة، فقام فوقها. وقوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}، يقول تعالى ذاكراً لطفه ورحمته وعائدته وإنزاله اليسر في حال العسر: إنه أوحى إلى يوسف في ذلك الحال الضيق تطييباً لقلبه وتثبيتاً له، إنك لا تحزن مما أنت فيه، فإن لك من ذلك فرجاً ومخرجاً حسناً، وسينصرك الله عليهم ويعليك، ويرفع درجتك، وستخبرهم بما فعلوا معك من هذا الصنيع، وقوله: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}. قال مجاهد وقتادة: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بإيحاء الله إليه. وقال ابن عباس: ستنبئهم بصنيعهم هذا في حقك، وهم لا يعرفونك، ولا يستشعرون بك، كما قال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا صدقة بن عبادة الأسدي عن أبيه، سمعت ابن عباس يقول: لما دخل إخوة يوسف عليه، فعرفهم وهم له منكرون، قال: جيء بالصواع، فوضعه على يده، ثم نقره فطن، فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف، يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به، وألقيتموه في غيابة الجب، قال: ثم نقره فطن، قال: فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كذب، قال: فقال بعضهم لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم. قال ابن عباس: فلا نرى هذه الآية نزلت إلا فيهم: {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ } عزموا {أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَٱبَتِ ٱلْجُبِّ } وجواب «لما» محذوف أي فعلوا ذلك بأن نزعوا قميصه بعد ضربه وإهانته وإرادة قتله وأدلوه، فلما وصل إلى نصف البئر ألقوه ليموت فسقط في الماء ثم آوى إلى صخرة فنادوه فأجابهم- بظنّ رحمتهم- فأرادوا رضخه بصخرة فمنعهم يهوذا {وَأَوْحَيْنآ إِلَيْهِ } في الجب وحي حقيقة وله سبع عشرة سنة أو دونها تطمينا لقلبه {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ } بعد اليوم {بِأَمْرِهِمْ } بصنيعهم {هَٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بك حال الإنباء.
الماوردي
تفسير : {وأوحينا إليه} فيه وجهان: أحدهما: يعني وألهمناه، كما قال تعالى: {أية : وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه}.تفسير : [القصص:7]. الثاني: أن الله تعالى أوحى إليه وهو في الجب، قاله مجاهد وقتادة. {لتنبئنهم بأمرهم هذا} فيه وجهان: أحدهما: أنه أوحى إليه أنه سيلقاهم ويوبخهم على ما صنعوا، فعلى هذا يكون الوحي بعد إلقائه في الجب تبشيراً له بالسلامة. الثاني: أنه أوحى إليه بالذي يصنعون به، فعلى هذا يكون الوحي قبل إلقائه في الجب إنذاراً له. {وهم لا يشعرون} فيه وجهان: أحدهما: لا يشعرون بأنه أخوهم يوسف، قاله قتادة وابن جريج. الثاني: لا يشعرون بوحي الله تعالى له بالنبوة، قاله ابن عباس ومجاهد.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ} ألهمناه، أو نَبَّأه في الجب {لَتُنَبِّئَنَّهُم} لتوبخنهم بفعلهم، بشره بخلاصه من الجب، أو أخبره بما يصنعون به قبل إلقائهم إياه في الجب إنذاراً له. {لا يَشْعُرُونَ} بأنك أخوهم، أو بأن الله ـ تعالى ـ أوحى إليه بالنبوة "ع".
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ} الآية: لا بُدَّ من الإضمار في هذه الآية في موضعين: الأول: التقدير: قالوا: لئن أكلهُ الثئب ونحن عصبةٌ إنَّا إذاً لخاسرون فأذن له، وأرسله معهم، ثم يتصل به قوله ـ تعالى ـ: {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ}. الثاني: في جواب {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ} أوجه: أحدها: أنه محذوف، أي: عرفناه، وأوصلنا إليه الطمأنينة، وقدره الزمخشريُّ: "فعلوا به ما فعلوا من الأذى" وقدره غيره: عظمت فتنتهم، وآخرون: جعلوه فيها، وهذا أولى؛ لدلالة الكلام عليه. الثاني: أن الجواب مثبت، وهو قوله: {أية : قَالُواْ يَأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا}تفسير : [يوسف:17] أي:لمَّا كان كَيْتَ وكَيْتَ، قالوا. وفيه بعد؛ لبعد الكلام من بعضه. الثالث: أن الجواب هو قوله: "وأوْحَيْنَا" والواو فيه زائدة، أي: فلما ذهبوا به أوحينا، وهو رأي الكوفيين، وجعلُوا من ذلك قوله ـ تعالى ـ: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}تفسير : [الصافات:103] أي: تله، "ونَاديْنَاهُ"، وقوله عز وجل: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}تفسير : [الزمر:73] وقول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 3064ـ فَلَمَّا أحَزْنَا سَاحةَ الحَيِّ وانْتحَى بِنَا بَطْنُ حِقْفٍ [ذِي رُكامٍ عَقَنْقَلِ] تفسير : تقدم أي فلما أجزنا انتحى وهو كثيرٌ عندهم بعد "لمَّا". قوله: "أن يَجعلُوهُ" "مَفْعُول" "أجْمعَوا" أي: عزمُوا على أن يجعلوه؛ لأنه يتعدَّى بنفسه، وبـ"عَلَى" فإنه يحتمل أن يكون على حذف الحرف، وألاّ يكون، فعلى الأول: يحتمل موضعه النصب والجرَّ، وعلى الثاني: يتعين النَّصب، والجعل يجوز أن يكون بمعنى: الإلقاء، وأن يكون بمعنى: التَّصيير فعلى الأول: يتعلَّق في "غَيَابةِ" بنفس الفعل قبله، وعلى الثاني: بمحذُوف، والفعل من قوله: "وأجْمَعُوا" يجوز أن يكُون معطوفاً على ما قبله، وأن يكُون حالاً، و"قَدْ" معه مضمرة عند بعضهم، والضمير في "إليْهِ" الظاهر عوده على يوسف، وقيل: يعود على يعقُوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ. وقرأ العامَّة: "لتُنَبئَنَّهُمْ" بتاء الخطاب، وقرأ ابن عمر: بياء الغيبة، أي: الله ـ سبحانه وتعالى ـ. قال أبو حيَّان: "وكذا في بعض مصاحف البصرة" وقد تقدَّم أن النقط حادث فإن قال: مصحف حادث غير مصحف عثمان رضي الله عنه فليس الكلام في ذلك. وقرأ سلاَّم: "لنُنَبئَنَّهُمْ" بالنون، وهذا صفة لقولهم. وقيل: بدل. وقيل: بيان. قوله: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} جملة حالية، يجوز أن يكون العامل فيها "أوحينا" أي: أوحينا إليه من غير شعور إخوته ـ بالوحي، وأن يكون العامل فيها "لتُنَبئَنَّهُمْ" أي تخبرهم وهم لا يعرفونكم لبعد المدة وتغير الأحوال. فصل في المراد بقوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ} قولان: الأول: المراد منه الوحي والنبوة والرسالة، وهو قول أكثر المحققين، ثم اختلف هؤلاء في أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ هل كان في ذلك الوقت بالغاً أو كان صبياً؟. قال بعضهم: كان بالغاً وكان ابن سبع عشرة سنة. وقال آخرون: كان صغيراً إلا أن الله - تعالى ـ أكمل عقله وجعله صالحاً لقبول الوحي والنبوة كما في حق عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ حين قالوا: {أية : كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً}تفسير : [مريم:29] فأجابهم بقوله: {أية : إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً}تفسير : [مريم:30]. والقول الثاني: أن المراد بهذا الوحي: الإلهام، كقوله {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ}تفسير : [القصص:7] {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ}تفسير : [النحل:68]. والأول أولى؛ لأنه الظاهر من الوحي. فإن قيل: كيف يجعله نبياً في ذلك الوقت وليس هناك أحد يبلغه الرسالة؟. فالجواب: لا يمتنع أن يشرفه الله ـ تعالى ـ بالوحي ويأمره بتبليغ الرسالة بعد أوقات ويكون فائدة تقديم الوحي تأنيسه وزوال الغم والوحشة عن قلبه والفائدة في إخفاء ذلك [الوحي] عن إخوته: أنهم لو عرفوه فربما ازداد حسدهم فكانوا يقصدون قتله. فصل إنما حملنا كقوله ـ تبارك وتعالى ـ {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بأنك يوسف، أي: لا يعرفونك لبعد المدة وتغير الأحوال، لأن هذا أمراً من الله تعالى ليوسف في أن يستر نفسه عن أبيه [وأن لا يخبره بأحوال نفسه، فلهذا السبب كتم أخبار نفسه عن أبيه] طول تلك المدة مع علمه بوجد أبيه عليه خوفاً من مخالفة أمر الله تعالى، فصبر على تجرع تلك المرارة، وكان الله سبحانه قد قضى على يعقوب أن يوصل إليه تلك الغموم الشديدة والهموم العظيمة ليوصله إلى الدرجات العالية التي لا يمكن الوصل إليها إلا بتحصيل المحن الشديدة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وأوحينا إليه ...} الآية. قال: أوحى إلى يوسف عليه السلام وهو في الجب، لتنبئن إخوتك بما صنعوا وهم لا يشعرون بذلك الوحي. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وأوحينا إليه} قال: أوحى الله إليه وحْياً وهو في الجب، أن ستنبئهم بما صنعوا وهم - أي إخوته - لا يشعرون بذلك الوحي، فهوّن ذلك الوحي عليه ما صنع به. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وهم لا يشعرون} قال: لا يشعرون أنه أوحي إليه. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {وهم لا يشعرون} يقول: لا يشعرون أنه يوسف. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما دخل إخوة يوسف على يوسف فعرفهم وهم له منكرون. جيء بالصواع فوضعه على يده، ثم نقره فطن فقال: إني ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف، يدين دينكم، وأنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب، فأتيتم أباكم فقلتم أن الذئب أكله وجئتم على قميصه بدم كذب. فقال بعضهم لبعض أن هذا الجام ليخبره خبركم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: فلا نرى هذه الآية نزلت إلا في ذلك {لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون}. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما ألقي يوسف في الجب أتاه جبريل عليه السلام فقال له: يا غلام، من ألقاك في هذا الجب؟ قال: إخوتي. قال: ولم؟ قال: لمودة أبي إياي حسدوني. قال: تريد الخروج من ههنا؟ قال: ذاك إلى إله يعقوب. قال: قل اللهم إني أسألك باسمك المخزون والمكنون، يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والاكرام أن تغفر لي ذنبي وترحمني، وأن تجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً، وأن ترزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب. فقالها، فجعل الله له من أمره فرجاً ومخرجاً ورزقه ملك مصر من حيث لا يحتسب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألظوا بهؤلاء الكلمات، فإنهن دعاء المصطفين الأخيار ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي بكر بن عياش رضي الله عنه قال: كان يوسف عليه السلام في الجب ثلاثة أيام.
القشيري
تفسير : الجوابُ فيه مُقَدَّر؛ ومعناه فلما ذهبوا بيوسف وعزموا على أن يلقوه في البئر فعلوا ما عزموا عليه. أو فلمَّا ذهبوا به وألقوه في غيابة الجُبِّ أوحينا إليه؛ فتكون الواو صلة. والإشارة فيه أنه لمَّ حَلَّتْ به البلوى عجَّلنا له التعريفَ بما ذكرنا من البُشْرَى؛ ليكون محمولاً بالتعريف فيما هو محتمِّلٌ له من البلاء العنيف. ويقال حين انقطعت على يوسف عليه السلام مراعاةٌ أبيه حَصَلَ له الوحيُ مَنْ قِبَل مولاه، وكذا سُنَّتُه تعالى أنه لا يفتح على نفوس أوليائه باباً من البلاءِ إلا فَتَحَ على قلوبهم أبوابَ الصفاء، وفنون لطائف الولاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلما ذهبوا به} متصل بمحذوف اى فاذن له وارسله معهم فلما ذهبوا به [بس آن هنكام كه برادران ببردند يوسف را] والجواب محذوف وهو فعلوا به من الاذية ما فعلوا وتفصيل المقام ان يعقوب عليه السلام لما رأى الحاح اخوة يوسف فى خروجه معهم الى الصحراء ومبالغتهم بالعهد واليمين ورأى ايضا ميل يوسف الى التفرج والتنزه رضى بالقضاء فاذن فامر ان يغسل بدن يوسف فى طست كان اتى به جبريل الى ابراهيم حين مجيئ الفداء فاجرى فيه دم الكبش وان يرجل شعره ويدهن بدهن اسماعيل الذى جاء به جبريل من الجنة وان يكحل ففعلوا ويروى ان ابراهيم عيله السلام حين القى فى النار وجرد عن ثيابه اتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فالبسه اياه فدفعه ابراهيم الى اسحاق واسحاق الى يعقوب فجعله يعقوب فى تميمة وعلقها فى عنق يوسف. وقال الكاشفى [جون تعويذى بربازويش بست وبمشايعه فرزندان تا شجرة الوداع بردرووازه كنعان بود بيرون آمد ويوسف رادر كنار كرفته كريه كنان اغازوداع كرد] شعر : ذل نمى خواست حدايى زتوا ماجه كنم دور ايام نه بر قاعده دلخواهنت تجرى الرياح بما لا تشتهى السفن تفسير : [يوسف كفت اى بدر سبب كريه جيست كفت اى يوسف ازين رفتن تورايحه اندوهى عظيم بمشام دل من ميرسد ونمى دانم كه سر انجام كار بكجا خواهد كشيد بارى لا تنسانى فانى لا انساك مرافراموش مكن كه من ترانيز فراموش نخواهم كرد] فراموشى نه شرط دوستانست [بس فرزندانرا درباب محافظه يوسف مبالغة بسيار فرمود] وهم جعلوا يحملونه على عواتقهم اكراما له وسرورا به فذهبوا به [يعقوب درايشان مينكريست وازشوق لقاى فرزند ارجمند مى كريست] شعر : هنوز سرو روانم زجشم ناشده دور دل از تصور دورى جوبيد لرزانست تفسير : [جون فرزندان از بيش نظروى غائب شدند روى بكنعان نهاد] فلما بعدوا عن العيون تركوا وصايا ابيهم فالقوه على الارض وقالوا يا صاحب الرؤيا الكاذبة اين الكواكب التى رأيتهم لك ساجدين حتى يخلصوك من ايدينا اليوم فجعلوا يؤذونه ويضربونه وكلما لجأ الى واحد منهم ضربه ولا يزدادون عليه الا غلظة وحنقا وجعل يبكى بكاء شديدا وينادى يا ابتاه ما اسرع ما نسوا عهدك وضيعوا وصيتك لو تعلم ما يصنع بابنك اولاد الاماء. قال الكاشفى [درخاك خوارى كرسنه وتشنه بروى مى كشيدند تابهلاك نزديك رسيد] وقال بعضهم فاخذه روبيل فجلد به الارض ووثب على صدره واراد قتله ولوى عنقه ليكسرها فنادى يوسف يا يهودا وكان ارفقهم به اتق الله وحل بينى وبين من يريد قتلى فاخذته رقة ورحمة فقال يهودا ألستم قد اعطيتمونى موثقا ان لا تقتلوه قالوا بلى قال ادلكم على ما خير لكم من القتل القوه فى الجب فسكن غضبهم وقالوا نفعل {واجمعوا ان يحعلوه فى غيابة الجب} وعزموا على القاء يوسف فى قعر الجب وكان على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب بكنعان التى هى من نواحى الاردن حفره شداد حين عمر بلاد الاردن وكان اعلاه ضيقا واسفله واسعا. وقال الكاشفى [هفتاد كزعمق يافت يازياده] فأتوا به الى رأس البئر فتعلق بثيابهم فنزعوها من يديه فدلوه بها بحبل مربوط على وسطه فتعلق بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصه لما عزموا عليه من تلطيخه بالدم الكذب احتيالا لابيه فقال يا اخوتاه ردوا على قميصى اتوارى به فى حياتى ويكون كفنا بعد مماتى فلم يفعلوا فلبما بلغ نصفها قطعوا الحبل والقوه ليموت وكان فى البئر ماء فسقط فيه ثم اوى الى صخرة بجانب البئر فقام عليها وهو يبكى فنادوه وظن انها رحمة ادركتهم فاجابهم فارادوا ان يرضخوه فمنعهم يهودا. قال الكاشفى [از حضرت ملك على خطاب مستطاب بطائر آشيان سدرة المنتهى رسيدكه (ادرك عبدى جيريل) بيش ازانكه يوسف به تك جاه رسد بوى رسيد واورا بانجه مقدسه خود كرفت وبربالاى صحره كه درتك جاه بود بنشانيد واز طعام وشراب بهشت بوى داد بيراهن خليلكه تعويذوار بربازوداشت اورا بوشانيد] قال الحسن القى يوسف فى الجب وهو ابن ثنتى عشرة سنة ولقى اباه ثمانين سنة وقيل كان يوسف ابن سبع عشرة سنة وقيل ابن ثمانى عشرة سنة -وروى- ان هوام البئر قال بعضها لبعض لا تخرجن من مساكنهن فان نبيا من الانبياء نزل بساحتكن فانجحرن الا الافعى فانها قصدت يوسف فصاح بها جبريل فصمت وبقى الصمم فى نسلها ولما القى فى الجب قال يا شاهدا غير غائب ويا قريبا غير بعيد ويا غالبا غير مغلوب اجعل لى من امرى فرجا ومخرجا -وروى- اجعل لى فرجا مما انا فيه فما بات فيه قال الكواشى لبث فى البئر ثلاثة ايام او خرج من ساعته انتهى وعلم جبريل يوسف هذا الدعاء اى فى البئر (اللهم يا كاشف كل كربة ويا مجيب كل دعوة ويا جابر كل كسير ويا ميسر كل عسير ويا صاحب كل غريب ويا مؤنس كل وحيد يا لا اله الا انت سبحانك اسألك ان تجعل لى فرجا ومخرجا وان تقذف حبك فى قلبى حتى لا يكون لى هم ولا ذكر غيرك ان تحفظنى وترحمنى يا ارحم الراحمين) -روى- ان يوسف لما القى فى الجب ذكر اسم الله باسمائه الحسنى فسمعه الملائكة فقالوا يا رب نسمع صوتا حسنا فى الجب فامهلنا ساعة فقال الله ألستم قلتم {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها} تفسير : فحفته الملائكة فانس بهم وكذلك اذا اجتمع المؤمنون على ذكر الله تعالى يقول الملائكة الهنا انظرنا نستأنس بهم فيقول الله تعالى ألستم قلتم {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها} تفسير : فالآن تتمنون الاستئناس بهم فعلم ان الملائكة المقربين تنزل لشرف الذكر كما فى نفائس المجالس شعر : ذره ذره كاندرين ارض وسماست جنس خودراهريكى دون كهرباست ضدرا باضد ايناس ازكجا با امام الناس نسناس از كجا اين قدر كفتيم باقى فكر كن فكرا كر جامد بودروذكر كن ذكر آرد فكررا در اهتزاز ذكررا خورشيد اين افسرده ساز تفسير : كما فى المثنوى {واوحينا اليه} تبشيرا له بما يؤول اليه امره وازاله. لوحشته وايناسا له وكان وحى نبوة ورسالة كما عليه المحققون وقد صح ان الله تعالى اوحى الى يحيى وعيسى عليهما السلام قبل ادراكهما وذلك لان الله تعالى قد فتح باب الولاية الخاصة لبعض الآحاد فى صغرهم كالشيخ سهل قدس سره فلان يكون باب النبوة مفتوحا اولى لكمال استعداد الانبياء عليهم السلام فامر الولاية والنبوة لا يتوقف على البلوغ وعلى الاربعين وان استنبئ اكثر الانبياء بعد الاربعين على ما جرى عليه عادة الله الغالبة هكذا لاح بالبال. قال الكاشفى [وما وحى فرستاديم سوى اوكه اندو هناك مباش بيرون زحضيض جاه رسانيم وبرار انرا بحاجتمندى نزديك توآريم] {لتنبئنهم} لتحدثن اخوتك فيما يستقبل {بامرهم هذا} بما فعلوه لك {وهم لا يشعرون} بانك يوسف لتباين حاليك حالك هذه وحالك يومئذ لعلو شأنك وكبرياء سلطانك وبعد حالك عن اوهامهم ولطول المبدل للاشكال والهيئات وذلك انهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال انه ليخبرنى هذا الجام انه كان اخ لكم من ابيكم يقال له يوسف وكان يدنيه دونكم وانكم انطلقتم به والقيتموه فى غيابة الجب وقلتم لابيكم اكله الذئب. والاشارة ان من خصوصية تعلق الروح بالقالب ان يتولد منها القلب العلوى والنفس السفلية والقوى والحواس فيكون ميل الروح والقلب ونزاعهما الى عالم الروحانية وميل النفس والقوى والحواس الى عالم الحيوانية فان وكل الانسان الى طبعه تكون الغلبة للنفس والبدن على الروح والقالب وهذا حال الاشقياء وان ايد القلب بالوحى فى غيابة جب القلب اذا سبقت له العناية الازلية تكون الغلبة للروح والقلب على النفس والبدن وهذا حال السعداء فالانبياء وكذا الاولياء مؤيدون من عند الله تعالى بالوحى والالهام والصبر والاحتمال وان كانوا فى صورة الجفاء والجلال وقد قضى الله تعالى على يعقوب ويوسف ان يوصل اليهما تلك الغموم الشديدة والهموم العظيمة ليصبرا على مرارتها ويكثر رجوعهما الى الله تعالى وينقطع تعلق فكرهما عما سوى الله تعالى فيصلا الى درجة عالية لا يمكن الوصول اليها الا بتحمل المحن العظيمة كما قال بعض الكبار سبب حبس يوسف فى السجن اثنتى عشرة سنة تكميل ذاته بالخلوة والرياضة الشاقة والمجاهدات مما تيسر له عند ابيه من هذا المقام اغترب الانبياء والاولياء عن اوطانهم: قال المولى الجامى شعر : بصبر كوش دلا روز هجر فائده جيست طبيب شربت تلخ ازبراى فائده ساخت تفسير : وقال بعضهم ابتلى ابوه بفراقه لما فى الخبر انه ذبح جديا بين يدى امه فلم يرض الله تعالى ذلك منه وارى دما بدم وفرقة بفرقة لعظمة احترام شأن النبوة ومن ذلك المقام حسنات الابرار سيآت المقربين. وقال بعضهم استطعمه يوما فقير فما اهتم باطعامه فانصرف الفقير حزينا وفيه نظر كما قال البعض لان ذلك لا يليق باخلاق النبوة. وقال بعضهم لما ولد يوسف اشترى يعقوب له ظئرا وكان لها ابن رضيع فباع ابنها تكثيرا للبن على يوسف فبكت وتضرعت وقالت يا رب ان يعقوب فرق بينى وبين ولدى ففرق بينه وبين ولده يوسف فاستجاب الله دعاءها فلم يصل يعقوب الى يوسف الا بعد ان لقيت تلك الجارية ابنها وفى الحديث "حديث : لا توله والدة بولدها" تفسير : اى لا تجعل والهة بتفريقه منها وذلك فى السبايا كما فى الجوهرى ومن احاديث المقاصد الحسنة "حديث : من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين احبته يوم القيامة" تفسير : ومثل هذا وان كان بعيدا بالنسبة الى الانبياء عليهم السلام الا ان القضاء يفعل ما يفعل قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره اذا شاء الحق انفاذ قوله تعالى وكان امر الله قدرا مقدورا على عموم الافعال فى العبد بايفاء زلة منه يجرى عليه القدر بما اراده ثم يرده الى مقامه ان كان من اهل العناية والوصول. قيل لابى يزيد قدس سره أيعصى العارف فقال وكان امر الله قدرا مقدورا: قال الحافظ شعر : جايى كه برق عصيان بر آدم صفى زد ماراجه كونه زيبد دعوئ بى كناهى تفسير : هذا بالنسبة الى حال يعقوب وابتلائه. واما بالنسبة الى يوسف فقد حكى انه اخذ يوما مرآة فنظر الى صورته فاعجبه حسنه وبهاؤه فقال لو كنت عبدا فباعونى لما وجد لى ثمن فابتلى بالعبودية وبيع بثمن بخس وكان ذلك سبب فراقه من ابيه وفيه اشارة الى ان الجمال والكمال كله لله تعالى واذا اضيف الى العبد مجازا فلا بد للعبد ان يجتهد الى ان يصبر حرا عما سوى الله تعالى واذا اضيف الى العبد مجازا فلا بد للعبد ان يجتهد الى ان يصير حرا عما سوى الله تعالى ويتخلص من الاضافات والقيود ويرى الامر كله لله تعالى ويكون عبدا محضا حقا لله تعالى: قال المولى الجامى شعر : كسوت خواجكى وخلعت شاهى جه كند هر كرا غاشيه بند كيت بر دوش است تفسير : وبالجملة ان طريق التصفية طريقة صعبة ومن اسبابها الادب والمحنة ولذلك ورد "حديث : ما اوذى نبى مثل ما اوذيت" تفسير : اى ما صفى نبى مثل ما صفيت. وذرة من محنة هذه الطريقة العلية اعلى من كثير من الكشف والكرامات وما ابتلى الله احدا بمثل ما ابتلى به اصفياءه الا اختاره لذاته ولعبوديته فافهم والله الهادى الى الحقائق
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (لمّا) حرف وجود لوجود، يطلب الشرط والجواب، وجوابها هنا محذوف، أي: فعلوا به ما فعلوا. وقيل: جوابها: (أجمعوا)، وقيل: (أوحينا) على زيادة الواو فيهما. وجملة: (وهم لا يشعرون): حال من (تنبئنهم)، فيكون خطاباً ليوسف عليه السلام، أو من (أوحينا)؛ أي: وهم لا يشعرون حين أوحينا إليه. فيكون حينئذٍ الخطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، و(صبر جميل): مبتدأ، والخبر محذوف، أي: مثل. أو: خبر عن مبتدأ، أي: أمري صبر جميل. و(على قميصه): في موضع نصب على الظرف، أي: فوق قيمصه. أو: حال من الدم؛ إن جوز تقديمها على المجرور. يقول الحق جل جلاله: فلما ذهبوا بيوسف معهم {وأجْمَعُوا} أي: عزموا {أن يجعلوه في غيابات الجُبِّ}؛ وهو بئر بأرض الأردن، أو بين مصر ومدين، أو على ثلاثة فراسخ من مقام يعقوب. قال الفراء: كان حفره شداد بن عاد. فانظره. قال السدي: ذهبوا بيوسف وبه عليهم كرامة، فلما برزوا في البرية أظهروا له العداوة، وجعل أخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل لا يرى منهم رحيماً. فضربوه حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح: يا أبتاه، يا يعقوب، لو تعلم ما صنع بابنك بنو الإماء. هـ. وكان إخوته سبعة من خالته الحرة، والباقون من سريتين له، كما تقدم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: كان يعقوب عليه السلام ينظر إلى يوسف عليه السلام حتى غاب عنه، وعن نظره، فلما علموا أنهم غيبوه عنه، وضعوه في الأرض وجروه عليها، ولطموا خده، فجرد شمعون سكينه وأراد ذبحه، فتعلق بذيل روبيل وضربه، وكذلك جيمع إخواته؛ إذا لجأ لواحد منهم طرده، فضحك عند ذلك يوسف عليه السلام فقال له يهوذا: ليس هذا موضع الضحك يا يوسف، فقال: من تعزز بغير الله ذل، ظننت أنه لا يصيبني وأنا بينكم مكروه لما رأيت من قوتكم وشدتكم، فسلطكم الله علي بشؤم تلك الفكرة؛ حتى لا يكون التوكل إلا عليه والتعزز إلا به. هـ. بالمعنى. وقال الفراء: كانت زينب بنت يعقوب عليه السلام ـ أخت يوسف ـ وكانت رأت في منامها كان يوسف وضع بين الذئاب وهم ينهشون، فانتبهت فازعة، ومضت إلى أبيها باكية، فقالت: يا أبت، أين أخي يوسف؟ قال: أسلمته إلى إخواته، فمضت خلفه حتى لحقت به، فأمسكته، وتعلقت بذيله، وقالت: لا أفارقك اليوم يا أخي أبداً، فقال لها إخوتها: يا زينب، أرسليه من يدك، فقالت: لا أفعل ذلك أبداً؛ لأني لا أطيق فراق أخي، فقالوا: بالعشي نرده إليك ويأتيك. ثم أقبل يوسف عليه السلام يقبل رأسها ويديها، ويقول لها: يا أختاه دعيني أسير مع إخوتي أرتع وألعب، فذهب، وجلست تشيعه بعينها، ودموعها تتناثر مما رأت؛ خوفاً عليه. هـ. فلما غابوا به عنها فعلوا به ما تقدم، وهموا بقتله، فقال لهم يهوذا: أما عاهدتمُوني ألا تقتلوه؛ فأتوا به إلى البئر فدلوه فيها فتعلق بشفيرها، فربطوا يده، ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم، ويحتالوا به على أبيهم، فقال: يا إخوتاه رُدّوا عليّ قميصي أتوارى به، فقالوا: ادعُ الأحد عشر كوكباً والشمس والقمرَ يلبسوك ويؤنسوك. فلما بلغ نصفها ألقوه، وكان فيها ماء، فسقط، ثم آوى إلى الصخرة كانت فيها فقام عليها يبكي، فجاءه جبريل بالوحي، كما قال: {وأوحينا إليه...} الخ. وكان ابن سبع عشرة سنة، وقيل: كان مراهقاً. وقال ابن عطية: كان ابن سبع سنين، وأوحي إليه في صغره كما أوحي إلى يحيى وعيسى ـ عليهما السلام ـ. وفي القَصَص: أن إبراهيم عليه السلام، حين ألقي في النار، جُرد من ثيابه، فأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق، وإسحاق إلى يعقوب، فجعله في تميمة علقها على يوسف، فأخرجه جبريل وألبسه يوسف. ثم قال له فيما أوحي إليه: {لتنبئنهم} أي: لتحدثنهم {بأمرهم هذا}؛ بما فعلوا بك، {وهم لا يشعرون} أنك يوسف، لعلو شأنك وبعده عن أوهامهم، وطول العهد المغير للحال والهيئات. وذلك إشارة إلى ما قال لهم بمصر، حين دخلوا عليه ممتارين، فعرفهم وهم له منكرون، إلى أن قال لهم:{أية : هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ}تفسير : [يوسف: 89]. وفي رواية: أوحى إليه: يا يوسف لا تحزن على ما أصابك، فإنك تصل إلى ملك كبير، ويقف إخوتك بين يديك. بشره بما يؤول إليه أمره، أيناساً وتطبيباً لقلبه. وقيل: {وهم لا يشعرون} متصل بقوله: {وأوحينا} أي: آنسناه بالوحي وهم لا يشعرون ذلك. {وجاؤوا أباهم عِشَاءَ} آخر النهار، وقرئ {عُشي} بضم العين والقصر، جمع أعشى، أي: عُشي من البكاء. فجاؤوا إليه {يبكُون} أي: متباكين. روي أنه لما سمع بكاءهم فزع وقال: يا بني، أين يوسف؟ فقالوا: {يا أبانا إنا ذهبنا نستبق}؛ أي: نتسابق بأقدامنا في العَدْو، أو الرمي {وتركنا يوسفَ عند متاعنا فأكله الذئبُ وما أنت بمؤمنٍ لنا}: بمصدق لنا، {ولو كنا صادقين}؛ لسوء ظنك، وفرط محبتك ليوسف. {وجاؤوا على قميصه}: فوق قميصه {بدم كذبٍ}، أي: ذي كذب بمعنى مكذوب فيه؛ لأنهم ذبحوا جدياً ولطخوا قميصه بدمه. رُوي أنه لما سمع بخبر يوسف صاح ودعا بقميصه فأخذه، وألقاه على وجهه، وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص، وقال: ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا! أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه. وفي رواية أخرى: أنه لما رأى صحة القميص ضحك، فقالوا له: الضحك والبكاء من فعل المجانين! فقال: أما بكائي فعلى يوسف لما رأيت الدم، وأما ضحكي، فإني لما رأيت صحة القميص رجوت أن الحديث غير صحيح، ولذلك {قال بل سولتْ لكم أنفسكم أمراً} أي: سهلت لكم، وهونت في أعينكم أمراً عظيماً حتى أقدمتم عليه. وقيل: لما سمع مقالهم غشي عليه إلى الصباح، وهم يبكون بأجمعهم، ويقولون بينهم: بئس ما فعلناه بيوسف ووالده، وأي عذر لنا عند الله. فلما أفاق نظر إلى أولاده، وقال: هكذا يا أولادي كان ظني فيكم، بئس ما فعلتم، وبئس ما سولت لكم أنفسكم {فصبر جميل} أي: فأمري صبري جميل. وفي الحديث: "حديث : الصبرُ الجميل الذي لا شكوى فيه إلى الخلق"تفسير : . {واللَّهُ المستعانُ على ما تصفون} أي: على احتمال ما تصفونه من هلاك ابني يوسف. وهذه الجريمة كانت قبل استنبائهم، إن صح أنهم تنبأوا. وقد تقدم في سورة البقرة الخلاف في نبوة الأسباط فراجعه. الإشارة: في هذه الآية رجاء كبير لأهل العصيان، وبشارة وتأنيس لمن أراد مقام الإحسان بعد الإساءة والغفلة والنسيان، وذلك أن هؤلاء السادات فعلوا بيوسف عليه السلام ما فعلوا، فلما تابوا بعد هذا الفعل العظيم اجتباهم الحق تعالى، وتاب عليهم، وقربهم حتى صاروا أنبياء، على حد قول بعض العلماء. ولذلك قيل: [كم من خصوص خرجوا من اللصوص، وكم من عابد ناسك خرج من ظالم فاتك]. وفي الحكم: "من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدراً". وللشافعي رضي الله عنه: شعر : فَلما قَسَا قَلبي وَضَاقَت مَذَاهِبِي جَعَلتُ الرَجَا منِّي لِعَفْوكَ سُلَّمَا تَعَاظَمَني ذَنبِي فَلَمَّا قَرَنتُهُ بِعفوكَ رَبِّي كَانَ عَفوُكَ أَعظَمَا تفسير : وهذا إنما يكون بالتوبة النصوح، والنهوض التام، والمجاهدة الكبيرة، كما فعل إبراهيم بن أدهم، والفضل بن عياض، والشيخ أبو يعزى، وغيرهم ممن كانوا لصوصاً فصاروا خصوصاً. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن لَم يَغلِب نَفسَه وَهَواه فَليس لَهُ حَظٌ في عُقبَاه"تفسير : . وأنشدوا: شعر : جَنَينَا على النَّفس الَّتي لَك رُشدُها بِطبْعِ الهَوى فِيها وَتِيهٍ مَن الحِجا جَزَى الله خَيراً مَن أَعَدَّ لِدَائهِ دَوَاءَ التُقَى فَاستَعمَلَ الخَوفَ والرَّجَا جَبَانٌ وتَرجُوا أن تُلقَّبَ فَارساً مَتَى شَابه العَضبُ اليَمَانيُّ دُملَجَا تفسير : وفيها أيضاً: تنويه بمقام الصابرين وعاقبة المتقين، فإن يعقوب عليه السلام، لما استعمل الصبر الجميل، جمع الله شمله بولده مع ما أعد له من الثواب الجزيل. ويوسف عليه السلام، لما صبر على ما أصابه من المحن؛ عوضه العز الدائم بترادف المنن. وفي الخبر: "أعلى الدرجات درجات الصابرين". لكل عمل ثواب محدود، وثواب الصابرين غير محدود ولا معدود. قيل: إن الله تعالى أعطى لكل صابر قصراً في الجنة مسيرة الشمس أربعين يوماً، من درة بيضاء معلقة في الهواء، ليس تحته دعامة، ولا فوقه علاقة، وله أربعة آلاف باب، يدخل من كل باب سبعون ألف ملك، يسلمون على صاحبه ولا ترجع النوبة إليهم أبداً. هـ. ثم ذكر خروج يوسف من البئر، وبيعه، ودخوله مصر، فقال: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ}.
الطوسي
تفسير : حكى الله تعالى انه لما أذن يعقوب ليوسف في المضي معهم، وذهبوا به {وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب} اي عزموا على فعل ذلك، ولا يقال: أجمع الا اذا قويت الدواعي الى الفعل من غير صارف وأما من دعاه داع واحد، فلا يقال فيه أَنه أَجمع، فكأنه مأخوذ من اجتماع الدواعي، ويجوز ان يكون المراد انهم اتفقوا على إِلقائه في غيابة الجب، والجعل والتصيير والعمل نظائر في اللغة. والغيابة البقعة التي يغيب فيها الشيء عن الحس. وقيل طلبوا بئراً قليلة الماء تغيبه ولا تغرقه. وقيل بل جعلوه في جانب جبها، وسمّى البئر التي لم تطو جباً لأنه جبّ ترابها عنها فقط، كأنه ليس فيها إلا قطع التراب. وجواب (لمّا) محذوف وتقديره عظمت فتنتهم أو كبر ما قصدوا له. وقال قوم: الواو في وأجمعوا مقحمة. والمعنى أجمعوا أن يجعلوه وهو مذهب الكوفيين، وأنشدوا قول أمرىء القيس: شعر : فلما اجزنا ساحة الحيّ وانتحى بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل تفسير : يريد، فلما اجزنا ساحة الحي انتحى، وقال آخر: شعر : حتى اذا قملت بطونكم ورأيتم ابناءكم شبّوا وقلبتم ظهر المجن لنا ان اللئيم العاجز الخبُّ تفسير : يريد قلبتم، فادخل الواو. والبصريون لا يجيزونه. وقوله {وأوحينا إليه} يعني إِلى يوسف، قال الحسن أَعطاه الله النبوة، وهو في الجب {لتنبئنهم بأمرهم هذا} معناه ستخبرهم بذلك في المستقبل و {هم لا يشعرون} قال ابن عباس والحسن وابن جريج لا يشعرن بأنه يوسف. وقال مجاهد وقتادة: لا يشعرون بأنه اوحي اليه. والشعور ادراك الشيء بمثل الشعرة في الدقة، ومنه المشاعر في البدن. وقال قوم: معنى قوله {لتنبئنهم بأمرهم} لتجازينهم على فعلهم، تقول العرب للرجل: تتوعده بمجازاة سوء فعله: لأنبئنك، ولأعرفنك، يعني لأجازينك.
الجنابذي
تفسير : {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ} جزاؤه محذوف اى القوة فيها {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ} وحياً بتوسّط الملك كما فى اخبارنا؛ ورد انّه كان ابن سبع سنين او تسع سنين وقيل: انّه كان ابن سبع عشرة سنة {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بانّك يوسف (ع) وهو قوله هل علمتم ما فعلتم الآية.
الأعقم
تفسير : {فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابات الجب}، قيل: هو بئر بين مصر ومدين، وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب، وقد روي أنهم لما برزوا به إلى البرّية، أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه، وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلاَّ بالإِهانة والضرب حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإِماء، فقال يهوذا: أما أعطيتموني موثقاً ألا تقتلوه؟ فلما أرادوا إلقاءه في الجبّ تعلق بثيابهم فنزعوها من يده، فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال: يا أخوتاه ردوا عليَّ قميصي أتوارى به، وإنما نزعوه ليلطخوه بالدم وقالوا له: ادع للشمس والقمر والإِحدى عشر كوكباً تؤنسك، ودلّوه في البئر فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم آوى إلى الصخرة فقام عليها وهو يبكي، وأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا، وكان يأتيه بالطعام، وروي أن ابراهيم (عليه السلام) حين ألقي جرّد من ثيابه فأتاه جبريل بقميص من حرير الجنَّة فألبسه إياه فدفعه إلى إسحاق وإسحاق إلى يعقوب فجعله يعقوب في عنق يوسف فجاءه جبريل فألبسه إياه {وأوحينا اليه}، قيل: أوحي إليه في الصغر كما أوحي إلى عيسى (عليهما السلام) {لتنبئنّهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} إنك يوسف لعلوّ شأنك وذلك أنهم حين دخلوا عليه عرفهم وهم له منكرون {وجاؤوا أباهم عشاء يبكون} روي أنه لما سمع أصواتهم فزع وقال لهم: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فما بالكم وأين يوسف؟ {قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا} أي بمصدق {ولو كنا صادقين وجاؤوا على قميصه بدم كذب} روي أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها وزلّ عنهم أن يمزقوه، وروي أن يعقوب (عليه السلام) لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟ فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: والله ما أكله ذئب أكل ابني ولم يمزق قميصه؟! قيل: كان في قميص يوسف (عليه السلام) ثلاث آيات كان دليلاً ليعقوب على كذبهم، وألقاه على وجهه فارتد بصيراً، ودليلاً على براءة يوسف (عليه السلام) حين قدّ من دبر {قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل} معناه لا تشكوا فيه إلى الخلق {والله المستعان على ما تصفون}.
اطفيش
تفسير : {فلمَّا ذهبُوا بهِ وأجْمعُوا} اتفقوا أو عزموا {أن يجْعَلوهُ فى غَيَابات الجُبِّ} فى تأويل المصدر معمول لأجمعوا، على تقدير على، أى اتفقوا أو عزموا على جعلهم إياه فى غيابات الجبِّ، أو مفعول به كقوله تعالى: {فأجمعوا أمركم} أى اعزموه: يقال: عزمت الأمر، وعزمت عليه، وعزم الأمر بالرفع، وفى غيابات القراءات السابقات وجوب لما محذوف، أى فعلوا به من الأذى بأن طرحوا قميصه بعد ضربه وإهانته وإرادة قتله، وأدلوه ثم ألقوه قبل الوصول، وحذف للتهويل، وهذا أولى من جعل الجواب أجمعوا وأوحينا، وزيدت فيه الواو. ولما أرادوا أن يلقوه فى الجب دلوه فيه، وتعلق بشفيره، وروى أنه تعلق بثيابهم فنزوعها من يديه، فتعلق بشفير البئر، فربطوا يديه، ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه ردوا علىَّ قميصى أستر به عورتى، ويكون لى كفنا بعد مماتى، وأطلقوا يدى أدفع بها عنى هوام البئر، فقالوا: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا تأتيك، تلبسك وتؤنسك، وقيل: قال لهم تقية: لم أر شيئاً وقال ذلك بالمعرضة. وإنما نزعوا قميصه ليلطخوه بالدم، ويحتالوا به على أبيهم، ولما بلغ نصف البئر قطعوا الحبل ليسقط فيموت، فسقط ثم آوى إلى صخرة كانت فيها، فيقام عليها، وكان فى الجب ماء، وقيل: أخرج الله تعالى على وجه الماء صخرة ورفعها إلى يوسف فقعد عيلها ولم يسقط كما أرادوا، فجعل يبكى، فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم، فأجابهم فهموا أن يرضخوه ويقتلوه بحجارة أو صخرة، فمنعهم يهودا وقال: قد أعطيتمونى موثقا لا تقتلونه: وقيل: إنما أدلوه فى دلو. وروى أنه لما وصل قعرها قال: لهم يا إخوتاه أتدعونى فريدا، ولما وصله أضاء له الجب، وعذب ماؤه، فكان يغنيه عن الطعام والشراب، قاله الحسن، وقيل: إنه أتاه الملك جبريل بسفرجلة من الجنة فأطعمه إياها بعد ما حل يديه، وقيل: كان يهودا يأتيه بالطعام والشراب خفية عن إخوته، وكان إبراهيم عليه السلام حين ألقى فى النار، وجرد من ثيابه، وقذف فى النار عريانا قد أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة، ولما مات ورثه إسحاق، ثم ورثه يعقوب، وإنما توارثوه لأن ذلك ليس من مال الدنيا، وقيل تعاطوه فى حياتهم، ولما شب يوسف جعل يعقوب ذلك القميص فى عوذة تعلق على الإنسان، وعلقها فى عنق يوسف خوفا عليه، قيل: وكانت العوذة من فضة. ولما ألقى فى البئر عريانا جاء جبريل بتلك السفرجلة المذكورة، وأخرج ذلك القميص من العوذة، وألبسه إياه، وكان لا يلبسه صغير أو كبير إلا جاء على طوله، وأنسه نهاره، ولما أمسى نهض ليذهب فقال له: إذا خرجت عنى استوحشت، فقال: إذا أصابك شئ تستوحشه فقال: يا صريخ المستصرخين، ويا غياث المستغيثين، ويا مفرج كرب المكروبين، قد ترى مكانى، وتعرف حالى،لا يخفى عليك شئ من امرى، فلما دعا بذلك، بعث الله سبحانه وتعالى إليه سبعين ملكا يحفون به، ويؤنسونه فى الجب. وروى أنه لما وصل قعر البئر ولا ماء فيها، خرج إليه رجل من غياباتها من فوره، وضمه إلى نفسه، وقال: واطول شوقاه إليك يا حبيبى، وريحان قلبى، يا نبى الله لا تشكوا إخوتك إلى أحد، فإنى كنت السبب، ثم قال: استودعتك الله تعالى يا حبيبى: وقرة عينى، ثم خر ميتا، وهو رجل صالح يقال له: هود من قوم هود عليه السلام، عمر ألفا ومائتى سنة، وقرأ فى صحف شيث عليه السلام قصة يوسف عليه السلام، وما يجرى له مع إخوته، وصورته وحسنه وجماله، فقال: اللهم إنى أسألك أن لا تقبض روحى حتى أرى يوسف عليه السلام، فأجاب الله دعاءه فهتف به هاتف أن امض إلى الجب الذى حفره شداد بن عاد واسكن فيه حتى يأتيك يوسف، فقصد الجب فسكنه، وكان يعبد الله تعالى فيه ويأكل كل ليلة رمانة، وفوقه قنديل يزهر معلق لا يحتاج إلى فتيلة ولا دهن. وكانت فى ذلك الجب حيَّات لا تترك أحدا وقع فيه إلا قتلته إلا ذلك الرجل، فإن الله جل وعلا حماه، فلما مات وبقى يوسف أتين إليه من ناحية فخاف منهن، وصاح بهن جبريل وفرقهن وحماه الله منهن وصمت إذا نهز من تلك الصيحة، فكل حية صماء إلى يوم القيامة قال محمد بن مسلم الطائفى: لما ألقى يوسف فى الجب قال: يا شاهد غير غائب، ويا قريب غير بعيد، ويا غالب غير مغلوب، اجعل لى فرجا مما أنا فيه، فما بات فيه، والمشهور أنه بات فى البئر ثلاث ليال، فلما كان اليوم الرابع أتاه جبريل فقال: يا غلام من طرحك فى الجب هذا؟ فقال: إخوتى من أبى، قال: ولمه؟ قال: حسدنى لمنزلتى من أبى، قال: أتحب أن تخرج من الجب؟ قال: نعم، قال: قل: يا صانع غير مصنوع، ويا جابر كل كسير، ويا ناصر كل شوى: ويا سامع كل نجوى، ويا قريب غير بعيد، ويا مؤنس كل وحيد: ويا غالب غيرمغلوب، ويا حى لا يموت، ويا محيى الموتى، لا إله إلا أنت سبحانك، يا من له الحمد، يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، أسألك أن تصلى على محمد وعلى آل محمد، وأن تجعل لى من أمرى فرجا ومخرجا، وترزقنى م حيث لا أحتسب، فقالها يوسف فجعل الله له من الجب مخرجا، ومن كيد إخوته فرجا فأخرجته السيارة. {وأوْحَينا إليْه} وحيا حقيقيا عند الجمهور وهو الصحيح، وهو فى الجب على لسان جبريل عليه السلام {لتُنبَئنَّهم} والله لتنبئنهم، أى لتخبرنهم إخبار محاسبة ومجازاة {بأمرهم هَذا} للحال من الضرب، وسلب القميص، والإلقاء فى البئر، وبيعه بثمن بخس،آنسه جبريل وبشره بأنه يخرج، وأنه سيخبرهم بما فعلوا ويستولى عليهم. {وهُم لا يشْعُرونَ} الواو فى حال إخبار أنك يوسف لعلو شأنك، وكبرياء سلطانك، وبعده عن أوهامهم، وطول العهد المغير للحلى والهيبة. أشار إلى ذلك الطبرى، وذلك أنهم دخلو عليه بمصر ممتارين فعرفهم وهم له منكرون، فدعى بالصواع فوضعه على يده فنقره، فصوت فقال: إنه يخبرنى أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف، وكان يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به وألقيتموه فى غيابات الجب، وقلتم لأبيكم أكله الذئب، وبعتموه بثمن بخس، ومجموع القسم وجوابه ومتعلقاته مفعول لأوحينا لتضمنه معنى قلنا. وقال قتادة: وهم لا يشعرون بوحينا إليك، وأزالت الوحشة عنك، ويحسبونك وحشا على باب الموت، والفائدة فى إخفاء الوحى أنهم لما عرفوا به زاد حسدهم له، فصاحب الحال على الأول الهاء فى لتنبئنهم، أو الضمير المستتر، وعلى الثانى نا أو الهاء فى أوحينا إليه، وقرئ لتنبئنهم بالنون، فصاحب الحال الهاء فى لتنبئنهم، أو المستتر لا غير، وعلى كل حال فإنما أوحى إليه قبل الأربعين تأنيسا له، وإذا بلغ الأربعين أمره بالتبليغ، فقد قيل إنه كان حينئذ ابن ست سنين، وبه قال الضحاك ومجاهد. وعنه خرج عن يعقوب وهو ابن ست، وجمع بينهما وهو ابن أربعين، وقال الحسن: خرج عنه ابن اثنتى عشرة سنة، ويناسب تلك الأقوال قوله: {هذا غلام} فإنه لما بين الحولين إلى البلوغ، وإن قيل لما فوق ذلك، فعلى استصحاب حال وتجوز. وعنه ابن عشرة، وكان فى العبودية والسجن والملك ثمانين، وعاش بعد ذلك ثمانية وعشرين، وقال ابن السائب: خرج وهو ابن سبع عشرة، وقيل: ثمان عشرة، وعلى كل حال فقد أكمل عقله قبل أوان الرسالة ليقبل الوحى، وقيل: ذلك وحى فى النوم، وقيل: وحى إلهام.
اطفيش
تفسير : {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ} أَى أَرسله معهم، أَو خلاه لهم فذهبوا به، ولما ذهبوا به {وَأَجْمَعُوا} عزمو {أَنْ يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَةِ الْجُبِّ} جواب لما محذوف تقديره أَلقوه فيها أَى فى غيابه الجب كما دل عليه لفظ الآية، أَو فعلوا به أَمر مهولا، فالحذف للتهويل فإِنه حملوه على ظهورهم، ولما برزوا به أَلقوه فى الأَرض، وجعلوا يؤْذونه ويضربونه حتى كادوا يقتلونه، فصار يصيح ويستغيث، وكلما استغاث بواحد ضربه، ويقال جلد به الأَرض روبيل وقام على صدره ليقتله فقال: مهلا لا تقتلنى. فقال يا ابن راحيل قل لرؤياك تخلصك. فقال يهوذا: أَما عاهدتمونى أَن لا تقتلوه فأَتوا به إِلى البير فدلوه فيها، فتعلق بشفيرها، فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخوه بدم ويحتالوا به على أَبيهم، فقال: يا إِخوتاه ردوا على قميصى لأَتوارى به، فقالوا له: ادع الأَحد عشر كوكباً والشمس والقمر يلبسوك ويؤنسوك.. روى أَن إِبراهيم لما جرد من ثيابه ليلقى فى النار، أَلبسه جبريل قميصاً من حرير الجنة، فدفعها إِبراهيم إِلى إِسحاق إِلى يعقوب فجعلها فى تميمة ليوسف، فأَلبسه جيريل إِياها، ويقال: جعلها يعقوب فى قبضة من فضة، وجعلها فى عنق يوسف فأَلبسه إِياها جبريل فأَضاءَ له الجب، ولما وصل نصف البئْر مربوطاً فى حبل أَلقوه مع الحبل ليموت، وقيل: قطعوه، وقيل: أَلقوهُ بلا ربط، وعلى الربط حلَّهُ جبريل وأَلبسه بعد وقوعه، ولا ماءَ فى البئْر، وقيل: بها ماءٌ، وآوى إِلى صخرة، فنادوه فأَجابهم يظن رحمتهم، فأَرادوا رضخه بصخرة فمنعهم يهوذا، وروى أَنه كلما استغاث من واحد إِلى الآخر ضربه الآَخر وأَهانه، يا غالب غير مغلوب اجعل لى من أمرى فرجاً ومخرجاً، ويقال: إن الملك أخرج له الصخرة من البئر وقعد عليها، ولما أُلقى فيها عَذُب ماؤُها فكان يغينه عن الطعام والشراب، ويقال: مكث فى الجب ثلاثة أَيام، وكان إِخوته يرعون حوله، ويأْتيه يهوذا بالطعام ن ودخل عليه جبريل يؤنسه، فلما أَمسى نهض ليذهب فقال له يوسف: إِذا خرجت عنى استوحشت، فقال له: إِذا أَرهبت شيئاً؛ فقل يا صريخ المستصرخين ياغوث المستغيثين يا مفرج كرب المكروبين قد ترى مكانى وتعلم حالى ولا يخفى عليك شىء من أَمرى، ولما قالها يوسف حفته الملائكة وأَنس بهم، ويقال: نزل إِليه جبريل عليه السلام فقال: من ألقاك فى هذا الجب؟ قال: إخوتى، قال: ولم؟ قال: لمودة أَبى لى حسدونى قال: أَتريد الخروج من هنا؟ قال: ذاك إِلى إِله يعقوب، قال: قل: اللهم إِنى أَسأَلك باسمك المخزون المكنون يا بديع السماوات والأَرض يا ذا الجلال والإِكرام أَن تغفر لى وترحمنى وأَن تجعل من أَمرى فرجاً ومخرجاً وأَن ترزقنى من حيث أَحتسب ومن حيث لا أَحتسب فقالها؛ فجعل الله تعالى له من أَمره فرجا ومخرجاً ورزقه ملك مصر من حيث لا يحتسب، ويقال: لما وقع فى البئْر بكى فجاءَه جبريل فآنسه، وروى أَن هوام البئْر قال بعضها لبعض لا تخرجن فإِنه نبى نزل بساحتكن فانحجرن إِلا الأَفاعى فدعا عليهن جبريل بالصمم، ويقال: إِن جبريل عليه السلام علمه هذا الدعاءَ، اللهم يا كاشف كل كربة ويا مجيب كل دعوة ويا جابر كل كسير ويا ميسر كل عسير ويا صاحب كل غريب ويا مؤْنس كل وحيد لا إِله إِلا أَنت سبحانك أَسأْلك أَن تجعل لى فرجاً ومخرجاً وأَن تقذف حبك فى قلبى حتى لا يكون لى هم ولا ذكر غيرك وأَن تحفظنى وترحمنى يا أَرحم الراحمين، {وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ} فى البئْر ابن اثنتى عشرة سنة أَو ابن سبع عشرة أَو ابن ثمانى عشر أَو ابن ست قبل أَوان الوحى وهو أَربعون سنة كما أَوحى إِلى عيسى قبل أَوانه ليطمئن قلبه بأْنه سيخرج {لَتُنَبِّئنَّهُمْ} بعد بزمان {بِأَمْرِهِمْ هَذَا} أَى بما صنعوا {وهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} إِنك يوسف لبعد العهد وتغير البدن والأَحوال، تقول لهم: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وتخبرهم ببعض ما فعلوا، ولا يعلمون أَنك يوسف حين الإِخبار، قال الله سبحانه وتعالى: "أية : وجاءَ إِخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون" تفسير : [يوسف: 58] ويروى أَنه عليه السلام نقر الصواع فقال: إِن هذا الصواع يخبرنى أَنكم أَلقيتم أَخا لكم فى الجب اسمه يوسف ولطختم قميصه بدم وقلتم لأَبيه أَكله الذئب، قال ابن عباس: ما نرى {لتنبئنهم بأَمرهم هذا وهم لا يشعرون} نزلت إِلا فى هذا.
الالوسي
تفسير : {فَلَمَّا ذَهَبُواْ به وَأَجْمَعُواْ} أي عزموا عزماً مصمماً على {أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبّ} قيل: هو بئر على ثلاث فراسخ من مقام يعقوب عليه السلام بكنعان التي هي من نواحي الأردن، وقيل: هو بين مصر ومدين، وقيل: بنفس أرض الأردن، وزعم بعضهم أنها بئر بيت المقدس، وتعقب بأنه يرده التعليل بالتقاط بعض السيارة ومجيئهم عشاء ذلك اليوم فإن بين منزل يعقوب عليه السلام وبيت المقدس مراحل وجواب ـ لما ـ محذوف إيذاناً بظهوره وإشعاراً بأن تفصيله مما لا يحويه فلك العبارة ومجمله فعلوا ما فعلوا، وقدره بعضهم عظمت فتنتهم وهو أولى من تقدير وضعوه فيها، وقيل: لا حذف والجواب أوحينا، والواو زائدة وليس بشيء. قال وهب وغيره من أهل السير والأخبار: إن إخوة يوسف عليه السلام قالوا: أما تشتاق أن تخرج معنا / إلى مواشينا فنتصيد ونستبق؟ فقال عليه السلام: بلى قالوا: فسل أباك أن يرسلك معنا، فقال عليه السلام: أفعل فدخلوا بجماعتهم على يعقوب فقالوا: يا أبانا إن يوسف قد أحب أن يخرج معنا إلى مواشينا، فقال يعقوب: ما تقول يا بني؟ قال: نعم يا أبت إني أرى من إخوتي من اللين واللطف فأحب أن تأذن لي وكان يعقوب يكره مفارقته ويحب مرضاته فأذن له وأرسله معهم فلما خرجوا به جعلوا يحملونه على رقابهم ويعقوب ينظر إليهم فلما بعدوا عنه وصاروا به إلى الصحراء ألقوه إلى الأرض وأظهروا له ما في أنفسهم من العداوة وبسطوا له القول وجعلوا يضربونه فجعل كلما جاء إلى واحد منهم واستغاث به ضربه فلما فطن لما عزموا عليه جعل ينادي يا أبتا لو رأيت يوسف وما نزل به من إخوته لأحزنك ذلك وأبكاك يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك وضيعوا وصيتك وجعل يبكي بكاءاً شديداً فأخذه روبيل فجلد به الأرض ثم جثم على صدره وأراد قتله، فقال له يوسف: مهلاً يا أخي لا تقتلني، فقال له: يا ابن راحيل أنت صاحب الأحلام قل لرؤياك تخلصك من أيدينا ولوى عنقه فاستغاث بيهوذا وقال له: اتق الله تعالى فيّ وحل بيني وبين من يريد قتلي فأدركته رحمة الأخوة ورق له فقال: يا إخواتاه ما على هذا عاهدتموني ألا أدلكم على ما هو أهون لكم وأرفق به؟ قالوا: وما هو؟ قال: تلقونه في هذا الجب فإما أن يموت أو يلتقطه بعض السيارة فانطلقوا به إلى بئر هناك واسع الأسفل ضيق الرأس فجعلوا يدلونه فيها فتعلق بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال: يا إخوتاه ردوا عليَّ قميصي لأستتر به في الجب فلم يفعلوا ثم ألقوه فيها، فقال لهم: يا إخواتاه أتدعوني وحيداً؟ قالوا: أدع الشمس والقمر والكواكب تؤنسك. وقيل: جعلوه في دلو ثم أدلوه فلما بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم قام على صخرة فيها. وروي أنهم لما ألقوه في الجب جعل يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا رضخه بصخرة ليقتلوه فمنعهم يهوذا وكان عند يعقوب قميص إبراهيم عليه السلام الذي كساه الله تعالى إياه من الجنة حين ألقى في النار وكان قد جعله في قصبة من فضة وعلقة في عنق يوسف لما خرج مع إخوته فلما صار في البئر أخرجه ملك وألبسه أياه فأضاء له الجب، وعن الحسن أنه لما ألقي فيها عذب ماؤها وكان يغنيه عن الطعام والشراب ونزل عليه جبريل عليه السلام يؤنسه فلما أمسى نهض ليذهب فقال له: إني أستوحش إذا ذهبت، فقال: إذا رمت شيئاً فقل: يا صريخ المستصرحين ويا غوث المستغيثين ويا مفرج كرب المكروبين قد ترى مكاني وتعلم حالي ولا يخفى عليك شيء من أمري فلما قالها يوسف عليه السلام حفتة الملائكة عليهم السلام واستأنس بهم. وقال محمد بن مسلم الطائفي: إنه عليه السلام لما ألقي في الجب قال: يا شاهداً غير غائب ويا قريباً غير بعيد ويا غالبا غير مغلوب اجعل لي فرجاً مما أنا فيه، وقيل: كان يقول: يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ارحم ضعفي وقلة حيلتي وصغر سني، وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما ألقي يوسف في الجب أتاه جبريل عليه السلام فقال: يا غلام من ألقاك في هذا الجب؟ قال: إخوتي قال: ولم؟ قال: لمودة أبـي إياي حسدوني، قال: تريد الخروج من هٰهنا؟ قال: ذاك إلى إله يعقوب، قال: قل: اللهم إني أسألك باسمك المكنون المخزون يا بديع السماوات والأرض ياذا الجلال والإكرام أن تغفر لي وترحمني وأن تجعل من أمري فرجاً ومخرجاً وأن ترزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب فقالها فجعل الله تعالى له من أمره فرجاً / ومخرجاً ورزقه ملك مصر من حيث لا يحتسب ثم قال عليه الصلاة والسلام: ألظوا بهؤلاء الكلمات فإنهن دعاء المصطفين الأخيار»تفسير : وروى غير ذلك، والروايات في كيفية إلقائه وما قال وما قيل له كثيرة، وقد تضمنت ما يلين له الصخر لكن ليس فيها ما له سند يعول عليه، والله تعالى أعلم. {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} الضمير ليوسف أي أعلمناه عند ذلك تبشيراً له بما يؤول إليه أمره وإزالة لوحشته وتسلية له، وكان ذلك على ما روي عن مجاهد بالإلهام؛ وقيل: بالإلقاء في مبشرات المنام، وقال الضحاك وقتادة: بإرسال جبريل عليه السلام إليه والموحى إليه ما تضمنه قوله سبحانه: {لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا} وهو بشارة له بالخلاص أيضاً أي لتخلصن مما أنت فيه من سوء الحال وضيق المجال ولتخبرن إخوتك بما فعلوا بك {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بأنك يوسف لتباين حاليك: حالك هذا وحالك يومئذ بعلو شأنك وكبرياء سلطانك وبعد حالك من أوهامهم، وقيل: لبعد العهد المبدل للهيآت المغير للاشكال والأول أدخل في التسلية، أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن ابن عباس قال: لما دخل إخوة يوسف على يوسف فعرفهم وهم له منكرون جيء بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن، فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف يدنيه دونكم وأنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله وجئتم على قميصه بدم كذب، فقال بعضهم لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم، ثم قال ابن عباس: فلا نرى هذه الآية: {لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ} الخ نزلت إلا في ذلك، وجوز أن يتعلق {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بالإيحاء على معنى أنا آنسناه بالوحي وأزلنا عن قلبه الوحشة التي أورثوه إياها وهم لا يشعرون بذلك ويحسبون أنه مستوحش لا أنيس له. وروي ذلك عن قتادة، وكان هذا الإيحاء وهو عليه السلام ابن ست عند الضحاك واثنتي عشرة سنة أو ثماني عشرة سنة عند الحسن وسبع عشرة سنة عند ابن السائب ـ وهو الذي يزعمه اليهود ـ وقيل غير ذلك، ومن نظر في الآيات ظهر له أن الراجح كونه عليه السلام لم يبلغ الحلم إذ ذاك، وعلى جميع الأقوال أنه عليه السلام لم يكن بالغاً الأربعين عند الايحاء إليه، نعم أكثر الأنبياء عليهم السلام نبئوا في سن الأربعين وقد أوحي إلى بعضهم ـ كيحيـى وعيسى عليهما السلام ـ قبل ذلك بكثير. وزعم بعضهم أن ضمير {إِلَيْهِ} يعود على يعقوب عليه السلام وليس بشيء كما لا يخفى. وقرأ ابن عمر رضي الله عنهما (لينبئنهم) بياء الغيبة وكذا في مصاحف البصرة. وقرأ سلام بالنون على أنه وعيد لهم، فقوله سبحانه: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} متعلق ـ بأوحينا ـ لا غير على ما قاله الزمخشري ومن تبعه، ونظر فيه بأنه يجوز أن يتعلق أيضاً بقوله تعالى: {لننبئنهم} وأن يراد بإنباء الله تعالى إيصال فعلهم به عليه السلام وهم لا يشعرون بذلك، ودفع بأنه بناءاً على الظاهر وأنه لا يجتمع إنباء الله تعالى مع عدم شعورهم بما أنبأهم به إلا بتأويل كتقدير لنعلمنهم بعظيم ما ارتكبوه قبل وهم لا يشعرون بما فيه.
ابن عاشور
تفسير : تفريع حكاية الذّهاب به والعزم على إلقائه في الجبّ على حكاية المحاورة بين يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ وبنيه في محاولة الخروج بيوسف ـــ عليه السّلام ـــ إلى البادية يؤذن بجمل محذوفة فيها ذكر أنهم ألحوا على يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ حتّى أقنعوه فأذن ليوسف ـــ عليه السّلام ـــ بالخروج معهم، وهو إيجاز. والمعنى: فلمّا أجابهم يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ إلى ما طلبوا ذهبوا به وبلغوا المكان الذي فيه الجب. وفعل (أجمع) يتعدّى إلى المفعول بنفسه. ومعناه: صمّم على الفعل، فقوله: {أن يجعلوه} هو مفعول {وأجمعوا}. وجواب (لمّا) محذوف دلّ عليه {أن يجعلوه في غيابت الجب}، والتقدير: جعلوه في الجب. ومثله كثير في القرآن. وهو من الإيجاز الخاص بالقرآن فهو تقليل في اللّفظ لظهور المعنى. وجملة {وأوحينا إليه} معطوفة على جملة {وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب}، لأنّ هذا الموحى من مهمّ عبر القصة. وقيل: الواو مزيدة وجملة {أوحينا} هو جواب (لمّا)، وقد قيل بمثل ذلك في قوله امرىء القيس: شعر : فلمّا أجزنا ساحة الحي وانتحى تفسير : ... البيت. وقيل به في قوله تعالى: { أية : فلمّا أسلما وتلّه للجبين وناديناه أنْ يا إبراهيم } تفسير : [سورة الصافات: 103، 104] الآية وفي جميع ذلك نظر. والضمير في قوله: {إليه} عائد إلى يوسف ـــ عليه السّلام ـــ في قول أكثر المفسّرين مقتصرين عليه. وذكر ابن عطية أنّه قيل الضمير عائد إلى يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ. وجملة {لتنبئنهم بأمرهم هذا} بيان لِجلمة {أوحينا}. وأكّدت باللاّم ونون التوكيد لتحقيق مضمونها سواء كان المراد منها الإخبار عن المستقبل أو الأمر في الحال. فعلى الأوّل فهذا الوحي يحتمل أن يكون إلهاماً ألقاه الله في نفس يوسف ـــ عليه السّلام ـــ حين كيدهم له، ويحتمل أنّه وحي بواسطة المَلك فيكون إرهاصاً ليوسف ـــ عليه السّلام ـــ قبل النّبوءة رحمة من الله ليزيل عنه كربه، فأعلمه بما يدل على أن الله سيخلصه من هذه المصيبة وتكون له العاقبة على الذين كادوا له، وإيذان بأنّه سيؤانسه في وحشة الجب بالوحي والبشارة، وبأنه سينبىء في المستقبل إخوته بما فعلوه معه كما تؤذن به نون التوكيد إذا اقترنت بالجملة الخبرية، وذلك يستلزم نجاته وتمكّنه من إخوته لأن الإنباء بذلك لا يكون إلا في حال تمكّن منهم وأمن من شرهم. ومعنى {بأمرهم}: بفعلهم العظيم في الإساءة. وجملة {وهم لا يشعرون} في موضع الحال، أي لتخبرنهم بما فعلوا بك وهم لا يشعرون أنك أخوهم بل في حالة يحسبونه مطلعاً على المغيبات متكهناً بها، وذلك إخبار بما وقع بعد سنين مما حكي في هذه السورة بقوله تعالى: { أية : قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } تفسير : [سورة يوسف: 89] الآيتين. وعلى احتمال عود ضمير {إليه} على يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ فالوحي هو إلقاء الله إليه ذلك بواسطة المَلَك، والواو أظهر في العطف حينئذٍ فهو معطوف على جملة {فلما ذهبوا به} إلى آخرها {وأوحينا إليه} قبل ذلك. و{لتنبئنهم} أمر، أي أوحينا إليه نَبّئْهم بأمرهم هذا، أي أشعرهم بما كادوا ليوسف ـــ عليه السّلام ـــ، إشعاراً بالتعريض، وذلك في قوله: { أية : وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون } تفسير : [سورة يوسف: 13]. وجملة {وهم لا يشعرون} على هذا التقدير حال من ضمير جمع الغائبين، أي وهم لا يشعرون أننا أوحينا إليه بذلك. وهذا الجب الذي ألقي فيه يوسف ـــ عليه السّلام ـــ وقع في التوراة أنه في أرض (دوثان)، ودوثان كانت مدينة حصينة وصارت خرابا. والمراد: أنه كانت حوله صحراء هي مرعى ومربع. ووصف الجب يقتضي أنه على طريق القوافل. واتّفق واصفو الجب على أنه بين (بانياس) و(طبرية). وأنه على اثني عشر ميلاً من طبرية ممّا يلي دمشق، وأنه قرب قرية يقال لها (سنجل أو سنجيل). قال قدامة: هي طريق البريد بين بعلبك وطبرية. ووصفها المتأخرون بالضبط المأخوذ من الأوصاف التاريخية القديمة أنه الطريق الكبرى بين الشام ومصر. وكانت تجتاز الأردن تحت بحيرة طبرية وتمر على (دوثان) وكانت تسلكها قوافل العرب التي تحمل الأطياب إلى المشرق، وفي هذه الطريق جباب كثيرة في (دوثان). وجب يوسف معروف بين طبرية وصفد، بنيت عليه قبة في زمن الدولة الأيوبية بحسب التوسّم وهي قائمة إلى الآن.
الشنقيطي
تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أوحى إلى يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أنه سينبىء إخوته بهذا الأمر الذي فعلوا به في حال كونهم لا يشعرون. ثم صرح في هذه السورة الكريمة بأنه جل وعلا أنجز ذلك الوعد في قوله: {أية : قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ}تفسير : [يوسف: 89]. وصرح بعدم شعورهم بأنه يوسف في قوله: {أية : وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُون}تفسير : [يوسف: 58]. وهذا الذي ذكرنا أن العامل في الجملة الحالية هو قوله: {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ} أي لتخبرنهم {بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا} في حال كونهم {لاَ يَشْعُرُونَ} بأنك يوسف هو الظاهر. وقيل: إن عامل الحال هو قوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ} وعليه فالمعنى: أن ذلك الإيحاء وقع في حال كونهم لا يشعرون بأنه أوحى إليه ذلك. وقرأ هذه الآية جمهور القراء {غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ} بالإفراد، وقرأ نافع "غيابات الجب" بصيغة الجمع، وكل شيء غيب عنك شيئاً فهو غيابة، ومنه قيل للقبر غيابة، ومنه قول الشاعر: شعر : وإن أنا يوماً غيبتني غيابتي فسيروا بسيري في العشيرة والأهل تفسير : والجمع في قراءة نافع نظراً إلى تعدد أجزاء قعر الجب التي تغيب الداخل فيها عن العيان. واختلف العلماء في جواب "لما" من قوله {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ} أمثبت هو أم محذوف؟ فقيل: هو مثبت، وهو قوله: {أية : قَالُواْ يَأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ}تفسير : [يوسف: 17] الآية. أي لما كان كذا وكذا {قَالُواْ يَأَبَانَا}، واستحسن هذا الوجه أبو حيان. وقيل جواب "لما" هو قوله: {وَأَوْحَيْنَآ} والواو صلة. وهذا مذهب الكوفيين، تزاد عندهم الواو في جواب "لما" وحتى، و"إذا" وعلى ذلك خرجوا قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِين وَنَادَيْنَاهُ} تفسير : [الصافات: 103 - 104] الآية. وقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} تفسير : [الزمر: 71] الآية، وقول امرىء القيس: شعر : فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن حقف ذي ركام عقنقل تفسير : أي لما أجزنا ساحة الحي انتحى. وقيل: جواب "لما" محذوف، وهو قول البصريين. واختلف في تقديره. فقيل: إن تقديره فعلوا به ما فعلوا من الأذى. وقدره بعضهم: فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب عظمت فتنتهم. وقدره بعضهم: فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب جعلوه فيها. واستظهر هذا الأخير أبو حيان. لأن قوله: {وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ} يدل على هذا المقدر. والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وأجمعوا: أي أمرهم على إلقائه في غيابة الجب. في غيابة الجب: أي في ظلمة البئر. وأوحينا إليه: أي أعلمناه بطريق خفي سريع. عشاء: أي بعد غروب الشمس أول الليل. نستبق: أي بالمناضلة. عند متاعنا: أي أمتعتنا من ثياب وغيرها. وما أنت بمؤمن لنا: أي بمصدّق لنا. بدم كذب: أي بدم مكذوب أي دم سخلة وليس دم يوسف. بل سولت لكم: أي زينت وحسنت. على ما تصفون: أي من الكذب. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الإِخبار عما عزم عليه إخوة يوسف أن يفعلوه فقد أقنعوا والدهم يوم أمس على إرسال يوسف معهم إلى البر وها هم أولاء وقد أخذوه معهم وخرجوا به، وما إن بعدوا به حتى تغّيرت وجوههم عليه وصار يتلقى الكلمات النابية والوكز والضرب أحيانا، وقد أجمعوا أمرهم على إلقائه في بئر معلومة لهم في الصحراء، ونفذوا مؤامرتهم وألقوا أخاهم وهو يبكي بأعلى صوته وقد انتزعوا منه قميصه وتركوه مكتوفا في قعر البئر. وهنا أوحى الله تعالى إليه أي أعلمه بما شاء من وسائط العلم إنه سينبئهم في يوم من الأيام بعملهم الشنيع هذا وهو معنى قوله تعالى في السياق {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} وبعد أن فرغوا من أخيهم ذبحوا سخلة ولطخوا بدمها قميصه، وعادوا إلى أبيهم مساء يبكون يحملون الفاجعة إلى أبيهم الشيخ الكبير قال تعالى {وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً} أي ليلا {يَبْكُونَ} وقالوا معتذرين {يَٰأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} أي بمصدق لنا {وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} وقد دلت عباراتهم على كذبهم قال تعالى {وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} أي ذي كذب أو مكذوب إذ هو دم سخلة ذبحوها فأكلوها ولطخوا ببعض دمها قميص يوسف أخيهم ونظر يعقوب إلى القميص وهو ملطخ بالدم الكذب ولم يكن به خرق ولا تمزيق فقال إن هذا الذئب لحليم إذ أكل يوسف ولم يخرق ثوبه، ثم قال ما أخبر تعالى عنه بقوله {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} أي لم يكن الأمر كما وصفتم وادعيتم وإنما سولت لكم أنفسكم أمراً فنفذتموه. {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي فأمري صبر جميع والصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى معه. {وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} أي من الكذب. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- جواز صدور الذنب الكبير من الرجل المؤمن المهيء للكمال مستقبلا. 2- لطف الله تعالى بيوسف وإكرامه له بإِعلامه إياه أنه سينّبىء إخوته بفعلتهم هذه وضمن ذلك بشره بسلامة الحال وحسن المآل. 3- اختيار الليل للاعتذار دون النهار لأن العين تستحي من العين كما يقال. وكما قيل "كيف يرجوا الحياء منه صديق... ومكان الحياء منه خراب. يريد عينيه لا تبصران. 4- فضيلة الصبر الجميل وهو الخالي من الجزع والشكوى معاً.
د. أسعد حومد
تفسير : {غَيَٰبَتِ} (15) - فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ بَعِيداً عَنْ أَبِيهِ، وَعَزَمُوا عَزْماً أَكِيداً عَلَى أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الجُبِّ، أَتَوْا بِهِ إِلى البِئْرِ، فَرَبَطُوهُ بِحَبْلٍ، وَدَلَّوْهُ فِيهَا إِلى قَاعِهَا (غَيَابَةِ الجُبِّ). وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ أَوْحَى، وَحْيَ إِلهام، إِلى يُوسُفَ، وَهُوَ فِي تِلْكَ الحَالِ مِنَ الكَرْبِ وَالضِّيقِ، تَطْييباً لِقَلْبِهِ، وَتَثْبِيتاً لَهُ: أَنْ لا تَحْزَنْ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الكَرْبِ وَالشِّدَّةِ، فَإِنَّ لَكَ مِنْ ذَلِكَ مَخْرَجاً حَسَناً، وَسَيَنْصُرُكَ اللهُ، وَيُعْلِي قَدْرَكَ، وَيَرْفَعُكَ دَرَجَةً، وَسَتُخْبِرُ إِخْوَتَكَ بِمَا فَعَلُوا مَعَكَ مِنْ سُوءِ الصَّنِيعِ، وَهُمْ لاَ يَعْرِفُونَكَ، وَلاَ يَشْعُرُونَ بِكَ، لأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ تَخَلَّصُوا مِنْكَ. أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ - عَزَمُوا وَصَمَّمُوا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقوله الحق: {وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ ..} [يوسف: 15]. يدلنا على أن تلك المسألة أخذتْ منهم مناقشة، فيها أَخْذٌ ورَدٌّ، إلى أن استقروا عليها. وألهم الحق سبحانه يوسف عليه السلام بما سوف يفعلونه، والوحي كما نعلم هو إعلام بخفاء. وسوف يأتي في القصة أن يوسف عليه السلام بعد أن تولى الوزارة في مصر ودخلوا عليه أمسك بقدح ونقر عليه بأصابعه، وقال لهم: اسمعوا ما يقوله القدح؛ إنه يقول: إن لكم أخاً وقد فعلتم به كذا وكذا. وبعض المفسرين قال: إن الحق سبحانه أوحى له، ولم يَلْحَظ إخوته هذا الوحي. ونقول: إن الوَحْي إعلام بخفاء، ولا يمكن أن يشعر به غير المُوحَى إليه، وعلى ذلك نرى أنهم لم يعلموا هذا الأمر إلا بعد أن تولى يوسف مقاليد الوزارة في مصر؛ بل إنهم لم يعرفوا أن يوسف أخوهم؛ لأنهم قالوا له لحظتها: {أية : إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ..} تفسير : [يوسف: 77]. والمقصود بالوحي في هذه الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - هو إيناس الوَحْشة؛ وهو وارد إلهي لا يرده وارد الشيطان؛ والإلهام وارد بالنسبة لمَنْ هم غير أنبياء؛ مثلما أوضحنا الأمر الذي حدث مع أم موسى حين أوحى لها الله أن تلقيه في اليم. والوارد الإلهي لا يجد له معارضة في النفس البشرية، وقد أوحى الله ليوسف ما يُؤنِسُ وحشته حين ألقاه إخوته في الجُبِّ الذي ابتعد فيه عن حنان أبيه وأنسه بأخيه، ومفارقته لبلده التي درج فيها وأُنْسه بالبيئة التي اعتاد عليها. فكان لا بُدَّ أن تعطيه السماء دليلاً على أن ما حدث له ليس جَفْوة لك يا يوسف؛ لكنه إعداد لك لتقابل أمراً أهمَّ من الذي كنت فيه؛ وأن غُرمَاءك - وهم إخوتك - سوف يُضطَّرون لدقِّ بابك ذات يوم يطلبون عَوْنك، ويطلبون منك أقواتهم، وستعرفهم أنت دون أن يعرفوك. هذا من جهة يوسف؛ وجهة الجُبِّ الذي ألقوْه فيه، وبقي أن تعالج القصة أمر الإخوة مع الأب، فيقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَجَآءُوۤ أَبَاهُمْ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لما ذهب إخوة يوسف بيوسف بعد ما أذن له أبوه، وعزموا على أن يجعلوه في غيابة الجب، كما قال قائلهم السابق ذكره، وكانوا قادرين على ما أجمعوا عليه، فنفذوا فيه قدرتهم، وألقوه في الجب، ثم إن الله لطف به بأن أوحى إليه وهو في تلك الحال الحرجة، { لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } أي: سيكون منك معاتبة لهم، وإخبار عن أمرهم هذا، وهم لا يشعرون بذلك الأمر، ففيه بشارة له، بأنه سينجو مما وقع فيه، وأن الله سيجمعه بأهله وإخوته على وجه العز والتمكين له في الأرض. { وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ } ليكون إتيانهم متأخرا عن عادتهم، وبكاؤهم دليلا لهم، وقرينة على صدقهم. فقالوا - متعذرين بعذر كاذب - { يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ } إما على الأقدام، أو بالرمي والنضال، { وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا } توفيرا له وراحة. { فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ } في حال غيبتنا عنه في استباقنا { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } أي: تعذرنا بهذا العذر، والظاهر أنك لا تصدقنا لما في قلبك من الحزن على يوسف، والرقة الشديدة عليه. ولكن عدم تصديقك إيانا، لا يمنعنا أن نعتذر بالعذر الحقيقي، وكل هذا، تأكيد لعذرهم. { وَ } مما أكدوا به قولهم، أنهم { جَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } زعموا أنه دم يوسف حين أكله الذئب، فلم يصدقهم أبوهم بذلك، و { قَالَ } { بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا } أي: زينت لكم أنفسكم أمرا قبيحا في التفريق بيني وبينه، لأنه رأى من القرائن والأحوال [ ومن رؤيا يوسف التي قصَّها عليه ] ما دلّه على ما قال. { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } أي: أما أنا فوظيفتي سأحرص على القيام بها، وهي أني أصبر على هذه المحنة صبرا جميلا سالما من السخط والتَّشكِّي إلى الخلق، وأستعين الله على ذلك، لا على حولي وقوتي، فوعد من نفسه هذا الأمر وشكى إلى خالقه في قوله: { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ } لأن الشكوى إلى الخالق لا تنافي الصبر الجميل، لأن النبي إذا وعد وفى.
همام الصنعاني
تفسير : 1279- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}: [الآية: 15]، قال: أوحى الله تعالى إلى يوسف وهو في الجب أن سينبئهم بما صنعوا به وهُم لا يشعرون بذلك الوحي.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):