١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنهم لما طرحوا يوسف في الجب رجعوا إلى أبيهم وقت العشاء باكين ورواه ابن جني / عشا بضم العين والقصر وقال: عشوا من البكاء فعند ذلك فزع يعقوب وقال: هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا قال: فما فعل يوسف؟ قالوا: {ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذّئْبُ } فبكى وصاح وقال: أين القميص؟ فطرحه على وجهه حتى تخضب وجهه من دم القميص، وروي أن امرأة تحاكمت إلى شريح فبكت فقال الشعبي: يا أبا أمية ما تراها تبكي؟ قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة كذبة لا ينبغي للإنسان أن يقضي إلا بالحق، واختلفوا في معنى الاستباق قال الزجاج: يسابق بعضهم بعضاً في الرمي، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر» يعني بالنصل الرمي، وأصل السبق في الرمي بالسهم هو أن يرمي اثنان ليتبين أيهما يكون أسبق سهماً وأبعد غلوة، ثم يوصف المتراميان بذلك فيقال: استبقا وتسابقا إذا فعلا ذلك ليتبين أيهما أسبق سهماً ويدل على صحة هذا التفسير ما روي أن في قراءة عبدالله {إِنَّا ذَهَبْنَا }. والقول الثاني: في تفسير الاستباق ما قاله السدي ومقاتل: {ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ } نشتد ونعدو ليتبين أينا أسرع عدواً. فإن قيل: كيف جاز أن يستبقوا وهم رجال بالغون وهذا من فعل الصبيان؟ قلنا: الاستباق منهم كان مثل الاستباق في الخيل وكانوا يجربون بذلك أنفسهم ويدربونها على العدو ولأنه كالآلة لهم في محاربة العدو ومدافعة الذئب إذا اختلس الشاة وقوله: {فَأَكَلَهُ ٱلذّئْبُ } قيل أكل الذئب يوسف وقيل عرَّضوا وأرادوا أكل الذئب المتاع، والوجه هو الأول. ثم قالوا: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: ليس المعنى أن يعقوب عليه السلام لا يصدق من يعلم أنه صادق، بل المعنى لو كنا عندك من أهل الثقة والصدق لاتهمتنا في يوسف لشدة محبتك إياه ولظننت أنا قد كذبنا والحاصل أنا وإن كنا صادقين لكنك لا تصدقنا لأنك تتهمنا. وقيل: المعنى: إنا وإن كنا صادقين فإنك لا تصدقنا لأنه لم تظهر عندك أمارة تدل على صدقنا. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإيمان في أصل اللغة عبارة عن التصديق، لأن المراد من قوله: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } أي بمصدق، وإذا ثبت أن الأمر كذلك في أصل اللغة وجب أن يبقى في عرف الشرع كذلك، وقد سبق الاستقصاء فيه في أول سورة البقرة في تفسير قوله: { أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [البقرة: 3]. ثم قال تعالى: {وَجَاءوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: إنما جاؤا بهذا القميص الملطخ بالدم ليوهم كونهم صادقين في مقالتهم. قيل: ذبحوا جدياً ولطخوا ذلك القميص بدمه. قال القاضي: ولعل غرضهم في نزع قميصه عند إلقائه في غيابة الجب أن يفعلوا هذا توكيداً لصدقهم، لأنه يبعد أن يفعلوا ذلك طمعاً في نفس القميص ولا بد في المعصية من أن يقرن بهذا الخذلان، فلو خرقوه مع لطخه بالدم لكان الإيهام أقوى، فلما شاهد يعقوب القميص صحيحاً علم كذبهم. المسألة الثانية: قوله: {وَجَاءوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ } أي وجاؤا فوق قميصه بدم كما يقال: جاؤا على جمالهم بأحمال. المسألة الثالثة: قال أصحاب العربية وهم الفراء والمبرد والزجاج وابن الأنباري {بِدَمٍ كَذِبٍ } أي مكذوب فيه، إلا أنه وصف بالمصدر على تقدير دم ذي كذب ولكنه جعل نفسه كذباً للمبالغة قالوا: والمفعول والفاعل يسميان بالمصدر كما يقال: ماء سكب، أي مسكوب ودرهم ضرب الأمير وثوب نسج اليمن، والفاعل كقوله: { أية : إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً } تفسير : [الملك: 30] ورجل عدل وصوم، ونساء نوح ولما سميا بالمصدر سمي المصدر أيضاً بهما فقالوا: للعقل المعقول، وللجلد المجلود، ومنه قوله تعالى { أية : بِأَيّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ } تفسير : [القلم: 6] وقوله: { أية : إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } تفسير : [سبأ: 7] قال الشعبي: قصة يوسف كلها في قميصه، وذلك لأنهم لما ألقوه في الجب نزعوا قميصه ولطخوه بالدم وعرضوه على أبيه، ولما شهد الشاهد قال: { أية : إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ } تفسير : [يوسف: 26] ولما أتي بقميصه إلى يعقوب عليه السلام فألقى على وجهه ارتد بصيراً، ثم ذكر تعالى أن أخوة يوسف لما ذكروا ذلك الكلام واحتجوا على صدقهم بالقميص الملطخ بالدم قال يعقوب عليه السلام: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا }. قال ابن عباس: معناه: بل زينت لكم أنفسكم أمراً. والتسويل تقدير معنى في النفس مع الطمع في إتمامه قال الأزهري: كأن التسويل تفعيل من سؤال الإنسان، وهو أمنيته التي يطلبها فتزين لطالبها الباطل وغيره. وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمز وقال صاحب «الكشاف»: {سَوَّلَتْ } سهلت من السول وهو الاسترخاء. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {بَلِ } رد لقولهم: {أَكَلَهُ ٱلذّئْبُ } كأنه قال: ليس كما تقولون: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ } في شأنه {أمْراً } أي زينت لكم أنفسكم أمراً غير ما تصفون، واختلفوا في السبب الذي به عرف كونهم كاذبين على وجوه: لأول: أنه عرف ذلك بسبب أنه كان يعرف الحسد الشديد في قلوبهم. والثاني: أنه كان عالماً بأنه حي لأنه عليه الصلاة والسلام قال ليوسف: { أية : وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } تفسير : [يوسف: 6] وذلك دليل قاطع على أنهم كاذبون في ذلك. القول الثالث: قال سعيد بن جبير: لما جاؤا على قميصه بدم كذب، وما كان متخرقاً، قال كذبتم لو أكله الذئب لخرق قميصه، وعن السدي أنه قال: إن يعقوب عليه السلام قال: إن هذا الذئب كان رحيماً، فكيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه؟ وقيل: إنه عليه السلام لما قال ذلك قال بعضهم: بل قتله اللصوص، فقال كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منه إلى قتله؟ فلما اختلفت أقوالهم عرف بسبب ذلك كذبهم. ثم قال يعقوب عليه السلام: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: منهم من قال: إنه مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، والتقدير: فصبر جميل أولى من الجزع، ومنهم من أضمر المبتدأ قال الخليل: الذي أفعله صبر جميل. وقال قطرب: معناه: فصبري صبر جميل. وقال الفراء: فهو صبر جميل. المسألة الثانية: كان يعقوب عليه السلام قد سقط حاجباه وكان يرفعهما بخرقة، فقيل له: ما هذا؟ فقال طول الزمان وكثرة الأحزان: فأوحى الله تعالى إليه يا يعقوب أتشكوني؟ فقال يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي. وروي عن عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك أنها قالت: والله لئن حلفت لا تصدقوني وإن اعتذرت لا تعذروني، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وولده {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ } فأنزل الله عز وجل في عذرها ما أنزل. المسألة الثالثة: عن الحسن أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } فقال: «صبر لا شكوى فيه فمن بث لم يصبر» ويدل عليه من القرآن قوله تعالى: { أية : إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [يوسف: 86] وقال مجاهد: فصبر جميل، أي من غير جزع، وقال الثوري: من الصبر أن لا تحدث بوجعك ولا بمصيبتك، ولا تزكي نفسك، وههنا بحث وهو أن الصبر على قضاء الله تعالى واجب فأما الصبر على ظلم الظالمين، ومكر الماكرين فغير واجب، بل الواجب إزالته لا سيما في الضرر العائد إلى الغير، وههنا أن إخوة يوسف لما ظهر كذبهم وخيانتهم فلم صبر يعقوب على ذلك؟ ولم لم يبالغ في التفتيش والبحث سعياً منه في تخليص يوسف عليه السلام عن البلية والشدة إن كان في الأحياء وفي إقامة القصاص إن صح أنهم قتلوه، فثبت أن الصبر في المقام مذموم. ومما يقوي هذا السؤال أنه عليه الصلاة والسلام كان عالماً بأنه حي سليم لأنه قال له: { أية : وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } تفسير : [يوسف: 6] والظاهر أنه إنما قال هذا الكلام من الوحي وإذا كان عالماً بأنه حي سليم فكان من الواجب أن يسعى في طلبه. وأيضاً إن يعقوب عليه السلام كان رجلاً عظيم القدر في نفسه، وكان من بيت عظيم شريف، وأهل العلم كانوا يعرفونه ويعتقدون فيه ويعظمونه فلو بالغ في الطلب والتفحص لظهر ذلك واشتهر ولزال وجه التلبيس فما السبب في أنه عليه السلام مع شدة رغبته في حضور يوسف عليه السلام، ونهاية حبه له لم يطلبه مع أن طلبه كان من الواجبات، فثبت أن هذا الصبر في هذا المقام مذموم عقلاً وشرعاً. والجواب عنه: أن نقول لا جواب عنه إلا أن يقال إنه سبحانه وتعالى منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، وتغليظاً للأمر عليه، وأيضاً لعله عرف بقرائن الأحوال أن أولاده أقوياء وأنهم لا يمكنونه من الطلب والتفحص، وأنه لو بالغ في البحث فربما أقدموا على إيذائه وقتله، وأيضاً لعله عليه السلام علم أن الله تعالى يصون يوسف عن البلاء والمحنة وأن أمره سيعظم بالآخرة، ثم لم يرد هتك أستار سرائر أولاده وما رضي بإلقائهم في ألسنة الناس وذلك لأن أحد الولدين إذا ظلم الآخر وقع الأب في العذاب الشديد لأنه إن لم ينتقم يحترق قلبه على الولد المظلوم وإن انتقم فإنه يحترق قلبه على الولد الذي ينتقم منه، فلما وقع يعقوب عليه السلام في هذه البلية رأى أن الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر إلى الله تعالى بالكلية. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } يدل على أن الصبر على قسمين منه ما قد يكون جميلاً وما قد يكون غير جميل، فالصبر الجميل هو أن يعرف أن منزل ذلك البلاء هو الله تعالى، ثم يعلم أن الله سبحانه مالك الملك ولا اعتراض على المالك في أن يتصرف في ملك نفسه فيصير استغراق قلبه في هذا المقام مانعاً له من إظهار الشكاية. والوجه الثاني: أنه يعلم أن منزل هذا البلاء، حكيم لا يجهل، وعالم لا يغفل، عليم لا ينسى رحيم لا يطغى، وإذا كان كذلك، فكان كل ما صدر عنه حكمة وصواباً، فعند ذلك يسكت ولا يعترض. والوجه الثالث: أنه ينكشف له أن هذا البلاء من الحق، فاستغراقه في شهود نور المبلى يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء ولذلك قيل: المحبة التامة لا تزداد بالوفاء ولا تنقص بالجفاء، لأنها لو ازدادت بالوفاء لكان المحبوب هو النصيب والحظ وموصل النصيب لا يكون محبوباً بالذات بل بالعرض، فهذا هو الصبر الجميل. أما إذا كان الصبر لا لأجل الرضا بقضاء الحق سبحانه بل كان لسائر الأغراض، فذلك الصبر لا يكون جميلاً، والضابط في جميع الأفعال والأقوال والاعتقادات أن كل ما كان لطلب عبودية الله تعالى كان حسناً وإلا فلا، وههنا يظهر صدق ما روي في الأثر «استفت قلبك، ولو أفتاك المفتون» فليتأمل الرجل تأملاً شافياً، أن الذي أتى به هل الحاصل والباعث عليه طلب العبودية أم لا؟ فإن أهل العلم لو أفتونا بالشيء مع أنه لا يكون في نفسه كذلك لم يظهر منه نفع ألبتة. ولما ذكر يعقوب قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } قال: {وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ } والمعنى: أن إقدامه على الصبر لا يمكن إلا بمعونة الله تعالى، لأن الدواعي النفسانية تدعوه إلى إظهار الجزع وهي قوية والدواعي الروحانية تدعوه إلى الصبر والرضا، فكأنه وقعت المحاربة بين الصنفين، فما لم تحصر إعانة الله تعالى لم تحصل الغلبة، فقوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } يجري مجرى قوله: { أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ } تفسير : [الفاتحة: 5] وقوله: {وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ } يجري مجرى قوله: { أية : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } تفسير : [الفاتحة: 5].
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً} أي ليلاً، وهو ظرف يكون في موضع الحال؛ وإنما جاؤوا عشاء ليكونوا أقدر على الاعتذار في الظلمة؛ ولذا قيل: لا تطلب الحاجة بالليل، فإن الحياء في العينين، ولا تعتذر بالنهار من ذنب فتتلجلج في الاعتذار؛ فروي أن يعقوب عليه السلام لما سمع بكاءهم قال: ما بكم؟ أجرى في الغنم شيء؟ قالوا: لا. قال: فأين يوسف؟ قالوا: ذهبنا نستبق فأكله الذئب؛ فبكى وصاح وقال: أين قميصه؟ على ما يأتي بيانه (إن شاء الله). وقال السديّ وابن حبّان: إنه لما قالوا أكله الذئب خر مغشياً عليه، فأفاضوا عليه الماء فلم يتحرك، ونادوه فلم يجب؛ قال وهب: ولقد وضع يهوذا يده على مخارج نَفس يعقوب فلم يحسّ بنَفس، ولم يتحرّك له عِرق؛ فقال لهم يهوذا: ويل لنا من ديّان يوم الدّين! ضيّعنا أخانا، وقتلنا أبانا، فلم يفق يعقوب إلا ببرد السّحر، فأفاق ورأسه في حجر روبيل؛ فقال: يا روبيل! ألم آتمنك على ولدي؟ ألم أعهد إليك عهداً؟ فقال: يا أبت! كُفَّ عنّي بكاءك أخبرك؛ فكفّ يعقوب بكاءه فقال: يا أبت «إنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ». الثانية: قال علماؤنا: هذه الآية دليل على أن بكاء المرء لا يدلّ على صدق مقاله، لاحتمال أن يكون تصنّعاً؛ فمن الخلق من يقدر على ذلك، ومنهم من لا يقدر. وقد قيل: إن الدمع المصنوع لا يخفى؛ كما قال حكيم:شعر : إذا ٱشتبكتْ دموعٌ في خُدودٍ تَبَيَّنَ مَنْ بَكَى مِمَّنْ تَبَاكَى
البيضاوي
تفسير : {وَجَاءوا أَبَاهُمْ عِشَاء} أي آخر النهار. وقرىء «عشياً» وهو تصغير عشي وعشي بالضم والقصر جمع أعشى أي عشوا من البكاء. {يَبْكُونَ} متباكين. روي أنه لما سمع بكاءهم فزع وقال ما لكم يا بني وأين يوسف.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن الذي اعتمده إخوة يوسف بعد ما ألقوه في غيابة الجب، ثم رجعوا إلى أبيهم في ظلمة الليل يبكون، ويظهرون الأسف والجزع على يوسف، ويتغممون لأبيهم، وقالوا معتذرين عما وقع فيما زعموا: {إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} أي: نترامى، {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا} أي: ثيابنا وأمتعتنا، {فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ}، وهو الذي كان قد جزع منه، وحذر عليه. وقوله: {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ} تلطف عظيم في تقرير ما يحاولونه، يقولون: ونحن نعلم أنك لا تصدقنا والحالة هذه لو كنا عندك صادقين، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك، لأنك خشيت أن يأكله الذئب، فأكله الذئب، فأنت معذور في تكذيبك لنا لغرابة ما وقع، وعجيب ما اتفق لنا في أمرنا هذا {وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} أي: مكذوب مفترى، وهذا من الأفعال التي يؤكدون بها ما تمالؤوا عليه من المكيده، وهو أنهم عمدوا إلى سخلة، فيما ذكره مجاهد والسدي وغير واحد، فذبحوها، ولطخوا ثوب يوسف بدمها، موهمين أن هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب، وقد أصابه من دمه، ولكنهم نسوا أن يخرقوه، فلهذا لم يَرُجْ هذا الصنيع على نبي الله يعقوب، بل قال لهم معرضاً عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من لبسهم عليه: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي: فسأصبر صبراً جميلاً على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه حتى يفرجه الله بعونه ولطفه {وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} أي: على ما تذكرون من الكذب والمحال. وقال الثوري: عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} قال: لو أكله السبع لخرق القميص، وكذا قال الشعبي والحسن وقتادة وغير واحد. وقال مجاهد: الصبر الجميل: الذي لا جزع فيه. وروى هشيم عن عبد الرحمن بن يحيى، عن حبان بن أبي جبلة، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} فقال: حديث : صبر لا شكوى فيهتفسير : ، وهذا مرسل. وقال عبد الرزاق: قال الثوري عن بعض أصحابه أنه قال: حديث : ثلاث من الصبر: أن لا تحدث بوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكي نفسكتفسير : . وذكر البخاري ههنا حديث عائشة في الإفك حتى ذكر قولها: والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَجَآءوا أَبَاهُمْ عِشآءً } وقت المساء {يَبْكُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قالوا يا أبانا إنّا ذهبنا نستبق} وهو نفتعل من السباق وفيه أربعة أوجه: أحدها: معناه ننتصل، من السباق في الرمي، قاله الزجاج. الثاني: أنهم أرادوا السبق بالسعي على أقدامهم. الثالث: أنهم عنوا استباقهم في العمل الذي تشاغلوا به من الرعي والاحتطاب. الرابع: أي نتصيد وأنهم يستبقون على اقتناص الصيد. {وتركنا يوسف عند متاعنا} يحتمل أن يعنوا بتركه عند متاعهم إظهار الشفقة عليه، ويحتمل أن يعنوا حفظ رحالهم. {فأكله الذئب} لما سمعوا أباهم يقول: وأخاف أن يأكله الذئب أخذوا ذلك من فيه وتحرّموا به لأنه كان أظهر المخاوف عليه. {وما أنت بمؤمن لنا} أي بمصدق لنا. {ولو كنا صادقين} فيه وجهان: أحدهما: أنه لم يكن ذلك منهم تشكيكاً لأبيهم في صدقهم وإنما عنوا: ولو كنا أهل صدق ما صدقتنا، قاله ابن جرير. الثاني: معناه وإن كنا قد صدقنا، قاله ابن إسحاق. قوله عزوجل: {وجاءُوا على قميصه بدمٍ كذب} قال مجاهد: كان دم سخلة. وقال قتادة: كان دم ظبية. قال الحسن: لما جاءُوا بقميص يوسف فلم ير يعقوب فيه شقاً قال: يا بني والله ما عهدت الذئب حليماً أيأكل ابني ويبقي على قميصه. ومعنى قوله {بدم كذب} أي مكذوب فيه، ولكن وصفه بالمصدر فصار تقديره بدم ذي كذب. وقرأ الحسن {بدم كذب}بالدال غير معجمة، ومعناه بدم متغير قاله الشعبي. وفي القميص ثلاث آيات: حين جاءُوا عليه بدم كذب، وحين قُدَّ قميصه من دُبر، وحين ألقي على وجه أبيه فارتد بصيراً. {قال بل سوَّلت لكن أنفسكم أمراً} فيه وجهان: أحدهما: بل أمرتكم أنفسكم، قاله ابن عباس. الثاني: بل زينت لكم أنفسكم أمراً، قاله قتادة. وفي ردّ يعقوب عليهم وتكذيبه لهم ثلاثة أوجه: أحدها: أنه كان ذلك بوحي من الله تعالى إليه بعد فعلهم. الثاني: أنه كان عنده علم بذلك قديم أطلعه الله عليه. الثالث: أنه قال ذلك حدساً بصائب رأيه وصدق ظنه. قال ترضيه لنفسه{فصبر جميل}فاحتمل ما أمر به نفسه من الصبر وجهين: أحدهما: الصبر على مقابلتهم على فعلهم فيكون هذا الصبر عفواً عن مؤاخذتهم. الثاني: أنه أمر نفسه بالصبر على ما ابتُلي به من فقد يوسف. وفي قوله: {فصبرٌ جميل} وجهان: أحدهما: أنه بمعنى أن من الجميل أن أصبر. الثاني: أنه أمر نفسه بصبر جميل. وفي الصبر الجميل وجهان: أحدهما: أنه الصبر الذي لا جزع فيه قاله مجاهد. الثاني: أنه الصبر الذي لا شكوى فيه. روى حباب بن أبي حبلة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى{فصبر جميل} فقال: حديث : صبر لا شكوى فيه، ومن بث لم يصبر . تفسير : {والله المستعان على ما تصفون} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: والله المستعان على الصبر الجميل. الثاني: والله المستعان على احتمال ما تصفون. الثالث: يعني على ما تكذبون، قاله قتادة. قال محمد بن إسحاق: ابتلى الله يعقوب في كبره، ويوسف في صغره لينظر كيف عزمهما.
ابن عطية
تفسير : قرأت فرقة "عشاء" أي وقت العشاء، وقرأ الحسن: "عشى" على مثال دجى، أي جمع عاش، قال أبو الفتح: "عشاة" كماش ومشاة، ولكن حذفت الهاء تخفيفاً كما حذفت من مألكة، وقال عدي: شعر : أبلغ النعمان عني مألكاً أنه قد طال حبسي وانتظاري تفسير : قال القاضي أبو محمد: ومعنى ذلك أصابهم عشا من البكاء أو شبه العشا إذ كذلك هي هيئة عين الباكي لأنه يتعاشى، ومثل شريح في امرأة بكت وهي مبطلة ببكاء هؤلاء وقرأ الآية، وروي أن يعقوب لما سمع بكاءهم قال: ما بالكم أجرى في الغنم شيء؟ قالوا: لا، قال فأين يوسف؟ قالوا: {ذهبنا نستبق}؛ فبكى وصاح وقال: أين قميصه؟ - وسيأتي قصص ذلك. و {نستبق} معناه: على الأقدام أي نجري غلاباً، وقيل: بالرمي أي ننتضل. وهو نوع من المسابقة، قاله الزجاج. وقولهم: {وما أنت بمؤمن} أي بمصدق؛ ومعنى الكلام: أي لو كنا موصوفين بالصدق؛ وقيل المعنى: ولو كنت تعتقد ذلك فينا في جميع أقوالنا قديماً لما صدقتنا في هذه النازلة خاصة لما لحقك فيها من الحزن ونالك من المشقة ولما تقدم من تهمتك لنا. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ذكره الزجاج وغيره، ويحتمل أن يكون قولهم: {ولو كنا صادقين}، بمعنى: وإن كنا صادقين - وقاله المبرد - كأنهم أخبروا عن أنفسهم أنهم صادقون في هذه النازلة فهو تمادٍ منهم في الكذب ويكون بمنزلة قوله: {أية : أو لو كنا كارهين} تفسير : [الأعراف: 88] بمعنى أو إن كنا كارهين. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا المثال عندي نظر، وتخبط الرماني في هذا الموضع، وقال: ألزموا أباهم عناداً ونحو هذا مما لا يلزم لأنهم لم يقولوا: وما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين في معتقدك، بل قالوا: وما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين فيما نعتقد نحن، وأما أنت فقد غلب عليك سوء الظن بنا. ولا ينكر أن يعتقد الأنبياء عليهم السلام صدق الكاذب وكذب الصادق ما لم يوح إليهم، فإنما هو بشر، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه.." تفسير : الحديث. فهذا يقتضي أنه جوز على نفسه أن يصدق الكاذب. وكذلك قد صدق عليه السلام عبد الله بن أبيّ حين حلف على مقالة زيد بن أرقم وكذب زيداً، حتى نزل الوحي، فظهر الحق، فكلام أخوة يوسف إنما هو مغالطة ومحاجة لا إلزام عناد. وقوله تعالى: {وجاءوا على قميصه بدم كذب} الآية، روي أنهم أخذوا سخلة أو جدياً فذبحوه ولطخوا به قميص يوسف، وقالوا ليعقوب: هذا قميصه، فأخذه ولطخ به وجهه وبكى، ثم تأمله فلم ير خرقاً ولا أثر ناب. فاستدل بذلك على كذبهم، وقال لهم: متى كان الذئب حليماً، يأكل يوسف ولا يخرق قميصه؟ - قص هذا القصص ابن عباس وغيره، وأجمعوا على أنه استدل على كذبهم لصحة القميص - واستند الفقهاء إلى هذا في إعمال الأمارات في مسائل كالقسامة بها - في قول مالك - إلى غير ذلك. قال الشافعي: كان في القميص ثلاث آيات: دلالته على كذبهم وشهادته في قده، ورد بصر يعقوب به. وروي أنهم ذهبوا فأخذوا ذئباً فلطخوا فاه بالدم وساقوه وقالوا ليعقوب، هذا أكل يوسف، فدعاه يعقوب فأقعى وتكلم بتكذيبهم. ووصف الدم بـ {كذب} إما على معنى بدم ذي كذب، وإما أن يكون بمعنى مكذوب عليه، كما قد جاء المعقول بدل العقل في قول الشاعر: [الكامل] شعر : حتى إذا لم يتركوا لعظامه لحماً ولا لفؤادِهِ معقولا تفسير : فكذلك يجيء التكذيب مكان المكذوب. قال القاضي أبو محمد: هذا كلام الطبري، ولا شاهد له فيه عندي، لأن نفي المعقول يقتضي نفي العقل، ولا يحتاج إلى بدل، وإنما "الدم الكذب" عندي وصف بالمصدر على جهة المبالغة. وقرأ الحسن: "بدم كذب" بدال غير معجمة، ومعناه الطري ونحوه، وليست هذه القراءة قوية. ثم قال لهم يعقوب لما بان كذبهم: {بل سولت لكم أنفسكم أمراً} أي رضيت وجعلت سولاً ومراداً. {أمراً} أي صنعاً قبيحاً بيوسف. وقوله: {فصبر جميل} رفع إما على حذف الابتداء وإما على حذف الخبر: إما على تقدير: فشأني صبر جميل، وإما على تقدير فصبر جميل أمثل. وذكر أن الأشهب وعيسى بن عمر قرأ بالنصب: "فصبراً جميلاً" على إضمار فعل، وكذلك هي في مصحف أبيّ ومصحف أنس بن مالك - وهي قراءة ضعيفة عند سيبويه ولا يصلح النصب في مثل هذا إلا مع الأمر، ولذا يحسن النصب في قول الشاعر [الرجز] شعر : ........صبرا جميلاً فكلانا مبتلى تفسير : وينشد أيضاً بالرفع ويروى "صبر جميل"، على نداء الجمل المذكور في قوله: [الرجز] شعر : شكى إليّ جملي طول السرى يا جملي ليس إليّ المشتكى صبر جميل فكلانا مبتلى تفسير : وإنما تصح قراءة النصب على أن تقدر يعقوب عليه السلام رجع إلى مخاطبة نفسه أثناء مخاطبة بنيه. وجميل الصبر ألا تقع شكوى إلى بشر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : من بث لم يصبر صبراً جميلاً . تفسير : وقوله: {والله المستعان على ما تصفون} تسليم لأمر الله تعالى وتوكل عليه، والتقدير على احتمال ما تصفون.
النسفي
تفسير : {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاء } للاستتار والتجسر على الاعتذار {يَبْكُونَ } حال عن الأعمش لا تصدق باكية بعد إخوة يوسف، فلما سمع صوتهم فزع وقال ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا. قال: فما بالكم وأين يوسف؟ {قَالُواْ يا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ } أي نتسابق في العدو أو في الرمي. والافتعال والتفاعل يشتركان كالإرتماء والترامي وغير ذلك {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } بمصدق لنا {وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ } ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة لشدة محبتك ليوسف فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا؟! {وَجَاءوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } ذي كذب أو وصف بالمصدر مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه كما يقال للكذاب هو الكذب بعينه والزور بذاته. رُوي أنهم ذبحوا سخلة ولطخوا القميص بدمها وزل عنهم أن يمزقوه، ورُوي أن يعقوب عليه السلام لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القيمص، فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم، من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه. وقيل: كان في قميص يوسف ثلاث آيات كان دليلاً ليعقوب على كذبهم {وألقاه على وجهه فارتد بصيراً} ودليلاً على براءة يوسف حين قد من دبره. ومحل {على قميصه} النصب على الظرف كأنه قيل: وجاؤا فوق قميصه بدم {قَالَ } يعقوب عليه السلام {بَلْ سَوَّلَتْ } زينت أو سهلت {لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا } عظيماً ارتكبتموه {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } خبر أو مبتدأ لكونه موصوفاً أي فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل وهو ما لا شكوى فيه إلى الخلق {وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ } أي استعينه {عَلَىٰ } احتمال {مَا تَصِفُونَ } من هلاك يوسف والصبر على الرزء فيه .
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وجاؤوا أباهم عشاء يبكون} قال المفسرون: لما طرحوا يوسف في الجب رجعوا إلى أبيهم وقت العشاء ليكونوا في الظلمة أجرأ على الاعتذار بالكذب فلما قربوا من منزل يعقوب جعلوا يبكون ويصرخون فسمع أصواتهم ففزع من ذلك وخرج إليهم فلما رآهم قال بالله سألتكم يا بني هل أصابكم شيء في غنمكم قالوا لا قال فما أصابكم وأين يوسف {قالوا يا أبنا إنا ذهبنا نستبق} قال ابن عباس: يعني ننتضل، وقال الزجاج: يسابق بعضنا بعضاً في الرمي الأصل في السبق الرمي بالسهم وهو التناضل أيضاً وسمي المتراميان بذلك يقال تسابقا واستبقا إذا فعلا ذلك ليتبين أيهما أبعد سهماً. وقال السدي: يعني نشتد ونعدو والمعنى نستبق على الأقادم ليتبين أينا أسرع عدواً وأخف حركة، وقال مقاتل: نتصيد والمعنى نستبق إلى الصيد {وتركنا يوسف عند متاعنا} يعني عند ثيابنا {فأكله الذئب} يعني في حال استباقنا وغفلتنا عنه {وما أنت بمؤمن لنا} يعني وما أنت بمصدق لنا {ولو كنا صادقين} يعني في قولنا والمعنى إنا وإن كنا صادقين لكنك لا تصدق لنا قولاً لشدة محبتك ليوسف فإنك تتهمنا في قولنا هذا وقيل معناه إنا وإن كنا صادقين فإنك لا تصدقنا لأنه لم تظهر عندك أمارة تدل على صدقنا {وجاؤوا على قميصه} يعني قميص يوسف {بدم كذب} أي مكذوب فيه قال ابن عباس: إنهم ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على قميص يوسف ثم جاؤوا أباهم وفي القصة أنهم لطخوا القميص بالدم ولم يشقوه، فقال يعقوب لهم: كيف أكله الذئب ولم يشقّ قميصه فاتهمهم بذلك، وقيل إنهم أتوه بذئب وقالوا هذا أكله فقال يعقوب: أيها الذئب أنت أكلت ولدي وثمرة فؤادي؟ فأنطقه الله عز وجل وقال والله ما أكلته ولا رأيت ولدك قط ولا يحل لنا أن نأكل لحوم الأنبياء، فقال يعقوب فكيف وقعت بأرض كنعان فقال جئت لصلة الحم وهي قرابة لي فأخذوني وأتوا بي إليك فأطلقه يعقوب ولما ذكر إخوة يوسف ليعقوب هذا الكلام واحتجوا على صدقهم بالقميص الملطخ بالدم، {قال} يعقوب {بل سولت لكم أنفسكم أمراً} يعني بل زينت لكم أنفسكم أمراً، وأصل التسويل تقدير معنى في النفس مع الطمع في إتمامه، وقال صاحب الكشاف: سولت سهلت من السول وهو الاسترخاء أي سهلت لكم أنفسكم أمراً عظيماً ركبتموه من يوسف وهوّنتموه في أنفسكم وأعينكم فعلى هذا يكون معنى قوله بل رد لقولهم فأكله الذئب كأنه قال ليس الأمر كما تقولون أكله الذئب بل سولت لكم أنفسكم أمراً آخر غير ما تصفون {فصبر جميل} أي: فشأني صبر جميل، وقيل: معناه فصبري صبر جميل والصبر الجميل الذي لا شكوى فيه ولا جزع. وقيل: من الصبر أن لا تتحدث بمصيبتك ولا تزكين نفسك {والله المستعان على ما تصفون} يعني: من القول الكذب، وقيل: معناه والله المستعان على حمل ما تصفون.
الثعالبي
تفسير : وقوله: {وَجَاءُو أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ }: أي: وقْتَ العشاءِ، وقرأ الحسن: «عُشى»؛ على مثال «دُجىً»، جمع «عاشٍ»، ومعنى ذلك: أصابهم عشى من البكاء أو شبه العَشَى، إذ كذلك هي عَيْنُ الباكي؛ لأنه يتعاشَى، ومثَّل شُرَيْحَ ٱمرأةً بكَتْ، وهي مبطلةٌ ببكاءِ هؤلاءِ؛ وقرأ الآية، و{نَسْتَبِقُ }: معناه: على الأقدام، وقيل: بالرمْي، أي: ننْتَضِلُ، وهو نوعٌ من المسابقة؛ قاله الزَّجَّاج، وقولهم: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا }: أي بمصَدِّق لنا، {وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ}، أي: ولو كنا موصوفين بالصِّدْقِ، ويحتمل أنْ يكون قولهم: {وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ}: بمعنى: وإن كنا صادقِينَ في معتَقَدِنا. وقوله سبحانه: {وَجَاءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ }: روي أنهم أَخَذُوا سَخْلَةً أَوْ جَدْياً، فذبحوه، ولَطَّخُوا به قميصَ يُوسُفَ، وقالوا ليعقوب: هذا قميصه، فأخذه وبكَى ثم تأمَّله، فلم يَرَ خِرَقاً، ولا أثر نابٍ؛ فٱستدلَّ بذلك على كذبهم، وقال لهم: كان الذئْبُ حليماً يأكُلُ يوسُفَ، ولا يخرق قميصَهُ؛ قصَّ هذا القَصَصَ ابن عباس وغيره، وأجمعوا على أنه ٱستدلَّ على كذبهم بصحَّة القميصِ، وٱستَنَدَ الفقهاءُ إِلى هذا في إِعْمَالِ الأماراتِ في مسائِل؛ كالقَسَامة بها في قول مالكٍ إِلى غير ذلك. قال الشعبيُّ: كان في القميصِ ثلاثُ آيات: دلالتُهُ على كذبهم، وشهادَتُهُ في قَدِّه، ورَدُّ بَصَرِ يَعقُوبَ به، ووصف الدَّم بالكَذِبِ الَّذي هو مَصْدَرٌ على جهة المبالغةِ، ثم قال لهم يعقوب: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ }، أي: رَضيَتْ وجَعَلَتْ سؤلاً ومراداً {أمْراً }، أي: صنعاً قبيحاً بيوسف. وقوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ }: إِما على حذف المبتدأ، أي: فشأني صبرٌ جميلٌ، وإِما على حَذْفِ الخبر، تقديره: فصبرٌ جميلٌ أَمْثَلُ، وجميلُ الصَّبْرِ: أَلاَّ تقع شَكْوَى إِلى بشر، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : مَنْ بَثَّ، لَمْ يَصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً ». تفسير : وقوله: {وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ}: تسليم لأمر اللَّه تعالى، وتوكُّل عليه.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ} الآية في "عِشَاءً" وجهان: أصحهما:ـ وهو الذي لا ينبغي أن [يقال] غيره ـ أنه ظرف، أي: ظرف زمان أي: جاءوا في هذا الوقت. قال أهل المعاني: جاءوا في ظلمة العشاء ليكونوا أجرأ على الاعتذار بالكذب. و"يَبْكُونَ" جملة حالية، أي: جاءوه باكين. والثاني: أن يكون "عِشَاءً" جمع عاشٍ، كقَائِم وقِيَام. قال أبو البقاء: "ويقرأ بضم العين، والأصل: عُشَاة، مثل: غازٍ وغزاة فحذفت الهاء وزيدت الألف عوضاً عنها، ثم قلبت الألف همزة". وفيه كلام قد تقدم في آل عمران عند قوله {أية : أَوْ كَانُواْ غُزًّى}تفسير : [آل عمران:156]. ويجوز أن يكون جمع فاعل على فعال، كما جمع فَعِيل على فُعال، لقرب ما بين الكسر والضم، ويجوز أن يكون كنؤام ورباب وهو شاذ. وهذه قراءة الحسن، وهو من العشْوة. والعُشْوَة: هي الظلام. رواه ابن جني "عُشَاءً" بضم العين وقال: عشوا من البكاء. وقرأ الحسن: "عُشاً" على وزن "دُجَى" نحو غازٍ وغُزاة، ثم حذفت منه تاء التأنيث [كما حذفوا تاء التأنيث من] "مَألِكَة" فقالوا: مَألِك، وعلى هذه الأوجه يكون منصوباً على الحال. وقرأ الحسن أيضاً: "عُشَيًّا" مصغراً. و"نَسْتَبْقُ" نتسابق. والافتِعَال والتَّفاعُل يشتركان نحو قولهم: نَنْتَضِل ونتناضل ونرتمي ونترامى، و"نَسْتَبِقَ" في محل نصب على الحال و"تَركْنَا" حال من نَسْتَبقُ و"قد" معه مضمرة عند بعضهم. قال الزجاج: "يسابق بعضنا بعضاً في الرمي"، ومنه قوله ـ عليه الصلاة والسلام: "لا سَبقَ إلاَّ في نصْلٍ أو خفِّ أو حافرٍ" يعنى بالنصل: الرمي وأصل السبق: الرمي بالسهم، ثم يوصف المتراميان بذلك، يقال: استبقا وتسابقا: إذا فعلا ذلك السبق ليتبين أيهما أسبق. ويدل على صحة هذا التفسير ما روي في قراءة عبد الله: "إنَّا ذَهبْنَا نَنْتضِلُ" وقال السدي ومقاتل: "نَسْتبِقُ" نشتد ونعدو. فإن قيل: كيف جاز أن يستبقوا وهم رجال بالغون، وهذا من فعل الصبيان فالجواب: أن الاستباق منهم كان مثل الاستباق في الخيل، وكانوا يجربون بذلك أنفسهم ويدربونها على العدو، لأنه كالآلات لهم في محاربة العدو، وقوله "فأكلهُ الذِّئْبُ" قيل: أكل الذئب يوسف وقيل: عرَّضُوا، وأرادوا أكل الذئب المتاع، والأول أصح. ثم قالوا: "ومَا أنْتَ بمُؤمٍن لنَا"، أي بمصدق لنا. وقولهم "ولوْ كُنَّا صَادقينَ" جملة حالية، أي: ما أنت بمصدق لنا في كل حال حتى في حال صدقنا لما غلب على ظنك في تهمتنا ببغض يوسف وكراهتنا له. فإن قيل: كيف قالوا ليعقوب: أنت لا تصدق الصادقين؟. قيل: المعنى أنك تتهمنا في هذا الأمر؛ لأنك خفتنا في الابتداء، واتهمتنا في حقه. وقيل: المعنى لا تصدقنا؛ لأنه لا دليل لنا على صدقنا وإن كنا صادقين عند الله تعالى. فصل احتجوا بهذه الآية على أن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق لقوله تعالى: {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا}، أي بمصدق. روي أن امرأة تحاكمت إلى شريح فبكت، فقال الشعبي: يا أبا أمية: أما تراها تبكي؟ قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة كذبة لا ينبغي للإنسان أن يقضي إلا بالحق. قوله تعالى: {وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} الآية "على قَمِيصهِ" في محل نصب على الحال من الدم. قال ابو البقاء: "لأن التقدير: جاءوا بدم كذب على قيمصه". يعنى أنه لو تأخر لكان صفة للنكرة. ورد الزمخشري هذا الوجه. قال: "فإن قلت: هل يجوز أن تكون حالاً متقدمة؟. قلت: لا، لأن حال المجرور لا يتقدم عليه". وهذا الذي رد به الزمخشري أحد قولي النحاة، قد صحح جماعة جوازه؛ وأنشدوا: [الطويل] شعر : 3065ـ ................. فَلنْ يَذْهَبُوا فِرغاً بِفتْلِ حِبَالِ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 3066ـ لَئِنْ كَان بَرْدُ الماءِ هَيْمانَ صَادِياً ِ إليَّ حَبِيباً إنَّها لَحبِيبُ تفسير : وقول الآخر: [الخفيف] شعر : 3067ـ غَافِلاً تعْرِضُ المنِيَّةُ لِلمرْ ءِ فيُدْعَى ولاتَ حِينَ إبَاءُ تفسير : وقال الحوفيُّ: "علَى قَميصِهِ": متعلقٌّ بـ "جَاءُوا"، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ مجيئهم لا يصلحُ أن يكُونَ على القَميصِ. وقال الزمخشري: "فإن قلت: "عَلى قَميصِهِ" ما محلهُ؟ قلتُ: محلُّهُ النَّصب على [الظَّرفيةِ]، كأنَّه قيل: وجاءُوا فوقَ قَميصِه بدمٍ، كما تقولُ: جَاءُوا على جِمالهِ بأحمال". قال أبو حيان: ولا يُسَاعدُ المعنى على نَصْبِ "عَلَى" على الظرفية، بمعنى: فوق لأن العامل فيه إذ ذاك "جَاءُوا" وليس الفرق ظرفاً لهم [بل يستحيل أن يكُون ظرفاً لهم]. وهذا الردُّ هو الذي ردَّ به على الحوفيِّ في قوله: إنَّ "عَلَى" متعلقة بـ: "جَاءُوا". ثمَّ قال أبو حيان ـ رحمه الله ـ: "وأمَّا المثالُ الذي ذكره وهو: [جاء] على جماله بإحمالٍ، فيمكنُ أن يكون ظرفاً للجائي؛ لأنَّه تمكن الظرف فيه باعتبار تبدُّلهِ من حمل إلى حمل، ويكُونُ "بأحْمالٍ" في موضع الحالِ، أي: مصحوباً بأحمالِ". وقرأ العامَّةُ: "كَذبٍ" بالذَّال المعجمة، وهو من الوصفِ بالمصادرِ، فيمكنُ أن يكُون على سبيل المبالغةِ، نحو: "رَجُلٌ عدْلٌ". وقال الفراء، والمبرِّد والزجاج، وابن الأنباريِّ: "بدمٍ كذبٍ"، أي: مكذُوبٍ فيه، إلا أنَّه وصف بالمصدر، جعل نفس الدَّم كذباً؛ للمبالغة، قالوا: والمفعُول، والفاعل يسميان بالمصدر، كما يقال: ماءٌ سكبٌ، أي: مسكوبٌ، والفاعل كقوله: {أية : إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً}تفسير : [الملك:30]، ولما سُمِّيا بالمصدر سمي المصدرُ بهما، فقالوا للعقل: المعقول، وللجلد: المجلُود، ومنه قوله تعالى: {أية : ٱلْمَفْتُونُ}تفسير : [القلم:6] أو على حذف مضاف، أي: ذي كذبٍ، ونسب فعل فاعله إليه. وقرأ زيد بن عليٍّ: "كذِباً" بالنصب، فاحتمل أن يكون مفعولاً من أجله، واحتمل أن يكون مصدراً في موضع الحالِ، وهو قليلٌ، أعني: مجيء الحال من النكرة، وقرأت عائشة والحسنُ ـ [رضي الله عنهما] ـ: "كَدِبٍ" بالدَّال المهملة. قال صاحب اللَّوامح: "معناهُ: ذي كدب، أي أثر؛ لأنَّ الكدِبَ هو بياضٌ، يخرج في [أظافير الشبان] ويؤثر فيها، فهو كالنقش، ويسمى ذلك البياض: الفُوف، فيكون هذا استعارة لتأثيره في القميص، كتأثير ذلك في الأظافر". وقيل: هو الدَّمُ الكدرُ، وقيل: الطَّريُّ، وقيل: اليابس. فصل قال الشعبيُّ: قصة يوسف كلُّها في قميصه، وذلك أنَّهم لمَّا ألقوه في الجبّ، نزعوا قميصه، ولطَّخوهُ بالدَّم،وعرضوه على أبيه، ولمَّا شهد الشَّاهدُ قال: {أية : وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}تفسير : [يوسف:27-28] وقال: {أية : ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا}تفسير : [يوسف:93] ولما أتى البشيرُ إلى يعقوب بقميصه، وألقي على وجهه، فارتدَّ بصيراً. قال القرطبِيُّ: "هذا مردودٌ، فإنَّ القميص الذي جاءوا عليه بالدَّم، غير القميص الذي قُدَّ، وغيرُ القميص الذي أتى به البَشيرُ، وقيل: إنَّ القميص الذي أتى به البَشيرُ إلى يعقوب، فارتدَّ بصيراً هو القميص الذي قُدَّ مِنْ دُبُرٍ". فصل قال بعض العلماءِ ـ رضي الله عنهم ـ: لمَّا أرادوا أن يجعلوا الدَّم علامة على صدقهم؛ قرن اللهُ بهذه العلامة علامةً تعارضُهَا، وهي سلامةٌ القميص من التَّخريقِ، إذْ لا يمكن افتراسُ الذِّئب ليوسف، وهو لابسٌ القميص، ويسلمُ القميص من التَّخريق ولمَّا تأمَّل يعقوب ـ عليه السَّلام ـ القميص لم يجدْ فيه خرقاً، ولا أثراً، استدلَّ بذلك على كذبهم، وقال لهم: تزعُمُون أن الذِّئب أكله، ولو أكلهُ لشقَّ قميصه. فصل استدلَّ العلماءُ بهذه [الآية] في إعمالِ الأمارات في مسائلَ من الفقهِ كالقسامةِ وغيرها، كما استدلَّ يعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ على كذكبهم بصحَّة القميص، فيجبُ على النَّاظر أن يلحظ الآيات، والعلامات إذا تعارضت، فما ترجَّح منها قضى بجانب التَّرجيحِ، وهي قُوَّة التُّهمةِ، [قال ابن العربي] ولا خلاف في الحكم بها. فصل قال محمد بن إسحاقَ: اشتمل فعلهم على جَرائمَ من قطعيعةِ الرَّحم وعُقوقِ الوالدِ، وقلَّة الرًَّأفةِ بالصَّغيرِ الذي لا ذنْبَ له، والغدر بالأمانة، وترك العهدِ، والكذب مع أبيهم، وعفا اللهُ عنهم ذلك كلَّه حتى لا ييأس العبد من رحمةِ الله تعالى. قال بعضُ العلماءِ: إنَّهم عزموا على قتله، وعصمهم الله رحمة بهم، ولو فعلوا لهلكوا. قوله تعالى: {بَلْ سَوَّلَتْ} قبل هذه الجملة جملة محذوفة تقديرها: لم يأكله الذِّئب بل سوَّلت، أي: زيَّنتْ وسهّلتْ، قاله ابنُ عباسٍ ـ رضي الله عنه. والتَّسويلُ: تقدير معنى في النَّفس مع الطَّمع في إتمامه. قال الأزهريُّ: "كأن التسويلُ تفعيلٌ من سؤال الإنسان، وهو أمنيتُه التي يطلبها، فتزين لطالبها الباطل وغيره". وأصله مهموزٌ على أنَّ العرب يستثقلون فيه الهمز. قال الزمخشري: "سوَّلتْ: سهُلتْ من السَّولِ، وهو الاسْترخَاءُ". وإذا عرفت هذا فقوله: "بَلْ" ردُّ لقولهم: "أكَلهُ الذِّئبُ" كأنه قال: ليس كما تقولون، بل سولت لكم أنفسكم أمراً في شأنه، أي: زيَّنَتْ لكم أنفسُكم أمراً غير ما تصفون. واختلف في السَّبب الذي عرف به كونهم كاذبين، فقيل: عرف ذلك بسبب أنَّه كان يعرف الحسد الشَّديدَ منهم في قلوبهم، وقيل: كان عالماً بأنه حيٌّ، لقوله ليوسف: {أية : وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ}تفسير : [يوسف:6] وذلك دليلٌ قاطعٌ على كونهم كاذبين في ذلك الوقتِ. وقال سعيدُ بن جبيرٍ ـ رضي الله عنه ـ: لما جاءُوا على قميصه بدم كذب، وما كان مُخرّقاً، قال: كذبتم لو أكله الذِّئب لخرق قميصه. وعن السدي أنه قال: إنَّ يعقوب ـ عليه السلام ـ قال: إنَّ هذا الذِّئب كان رَحِيماً، كيف أكل لحمه، ولم يخرقْ قميصه؟. وقيل: إنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما قال ذلك قال بعضهم: بل قتله اللصوصُ، فقال: كيف قتلوه، وتركوا قميصه، وهم إلى القميص أحْوَجُ منه إلى قتله، فلمَّا اختلفت أقوالهم؛ عرف بذلك كذبهم. وقال القاضي: "لعلَّ غرضهم في نزع قميصه عند إلقائه في الجبّ أن يُلطِّخوهُ بالدَّم توكيداً لصدقهم؛ لأنَّهُ يبعدُ أن يفعلوا ذلك طمعاً في نفس القميص، ولا بد في المعصية من أن يقرن بهذا الخذلان، فلو خرقوه مع لطخهِ بالدَّم، لكان الإيهامُ أقوى، فلما شاهد يعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ القميص صحيحاً؛ علم كذبهم". قال عند ذلك: "فصَبْرٌ جميلٌ" يَجُوز أن يكون مبتدأ، وخبره محذوف، أي: صبرٌ جميلٌ أمثلُ بي، ويجوز أن يكون خبراً محذوف المبتدأ، أي: أمري صبرٌ جميلٌ قال الخليل: الذي أفعله صبر جميل. وقال قطربٌ: معناه فصبري صبرٌ جميلٌ. وهل يجبُ حذف مبتدأ هذا الخبر، أو خبر هذا المبتدأ؟. وضابطه: أن يكون مصدراً في الأصل بدلاً من اللفظ بفعله، فعبارة بعضهم تقتضي الوُجوبَ، وعبارةٌ آخرين تقتضي الجواز، ومِنَ التصريح بخبر هذا النَّوع، ولكنه في صورةِ شعرٍ، قوله: [الطويل] شعر : 3068ـ فقَالَتْ على اسْمِ اللهِ أمْرُكَ طاعَةٌ وإنْ كُنْتُ قَد كُلِّفتُ ما لَمْ أعَوَّدِ تفسير : وقول الشاعر: [الرجز] شعر : 3069ـ يَشْكُو إِليَّ جَملِي طُول السُّرى صَبْرٌ جَميلٌ فكِلانَا مُبْتَلى تفسير : ويحتمل أن يكون مبتدأ أو خبراً كما تقدم. وقرأ أبيّ وعيسى بن عمر: "فَصْبراً جَمِيلاً" نصباً، ورويت عن الكسائي وكذلك هي في مصحف أنس بن مالكٍ ـ رضي الله عنه ـ وتخريجها على المصدر الخبري، أي: أصبر أنا صبراً، وهذه القراءة صعيفة إن خرجت هذا التَّخريج؛ لأنَّ سيبويه لا ينقاس ذلك عنده، إلاَّ في الطَّلب، فالأولى أن يجعل التَّقديرُ: أنَّ يعقوب رجع، وأمر نفسه، فكأنَّه قال: اصْبرِي يا نفسُ صبراً. وروي البيت أيضاً بالرَّفعِ، والنَّصب على ما تقدَّم، والأمرُ فيه ظاهرٌ. فصل روى الحسنُ قال:حديث : سُئل النبيٌّ صلى الله عليه وسلم عن قوله "فَصبْرٌ جميلٌ" فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "صَبْرٌ لا شكْوَى فيهِ، فمَنْ بثَّ لمْ يَصْبِرْ"تفسير : ، ويدلُّ على ذلك قوله: {أية : إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [يوسف:86] وقال مجاهدٌ "فَصبرٌ جَمِيلٌ"، أي: من غير جزعٍ. وقال الثوريُّ: "من الصًّبْر ألاّ تُحدِّثَ بوجعك، ولا بمُصيبتكَ". وقال ابنُ الخطيبِ: "وههُنا بحثٌ، وهو أنَّ الصَّبْر على قضاءِ الله واجبٌ، وأما الصَّبرُ على ظُلم الظَّالمِ، فغيرُ واجبٍ، بل الواجبُ إزالتهُ لا سيِّما في الضَّرر العائدِ إلى الغير، وههنا أنَّ إخوة يوسف قد ظهر كذبهم، وخيانتهم، فلم صبر يعقوب على ذلك؟ ولِمَ لَمْ يبالغ في التَّفتيش، ولا البحث عنه، ولا السّعي في تخليص يوسف من البليّة، والشِّدَّة إن كان حيًّا، وفي إقامة القصاص إن صحَّ أنهم قتلوه فثبت أنَّ الصَّبرَ في هذا المقام مذموم". ويُقوِّي هذا السُّؤال أنَّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان عالماً بأنه حي؛ لأنَّهُ قال له: {أية : وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ}تفسير : [يوسف:6]. الظَّاهر أنه إنَّما قال هذا الكلام من الوحي، وإذا كان عالماً بأنَّه حيٌّ سليم؛ فكان من الواجب أن يسعى في طلبه. وأيضاً: فإنَّ يعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان رجلاً عظيم القدر في نفسه، وكان من بيتٍ عظيم شريفٍ، وأهلُ العالم كانوا يعرفونه، ويعتقدون تعظيمه، فلو بالغ في البحث، والطلب لظهر ذلك، واشتهر، ولزال وجهُ التَّلبيسِ، فما السَّبب في أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ مع شدَّة رغبته في حضورِ يوسف، ونهاية حبِّه له لم يطلبه مع أنَّ طلبه كان من الواجبات؛ فثبت أنَّ هذا الصَّبر مذمومٌ عقلاً وشرعاً. فالجواب أن نقول: إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ منعه من الطَّلب تشديداً للمحنة عليه، وتغليطاً للأمر عليه، وأيضاً: لعلَّهُ عرف بقرائن الأحوال أنَّ أولاده أقوياء، وأنَّهم لا يمكنونه من الطَّلب، والفحص، وأنَّه لو بالغ في البحثِ فربما أقدموا على إيذائه، وأيضاً: لعلَّهن ـ عليه الصلاة والسلام ـ علم أنَّ الله ـ تبارك وتعالى ـ سيصون يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ عن البلاءِ والمحنةِ، وأن أمرهُ سيظهرُ بالآخرةِ ولم يرد هتْك ستر أولاده، وإلقائهم في ألسنةِ النَّاس وذلك لأنَّ أحَد الولدينِ إذا ظلم أخاه، وقع أبوه في العذابِ الشَّديدِ؛ لأنه إذا لم ينتقمْ؛ يحترق قلبه على الولد المظْلُوم، وإن انتقم، احترق قلبه على الولدِ المُنتقَم منه، فلمَّا وقع يعقوب في هذه البلية رأى أنَّ الأصوب الصَّبرُ، والسُّكونُ، وتفويضُ الأَمْرِ بالكُليَّةِ إلى اللهِ ـ تعالى ـ. فصل قال ابنُ أبي رفاعة "ينبغي لأهل الرَّأي أن يتَّهِمُوا رأيهم عند ظنّ يعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهو نبيٌّ حين قال له بنوه: {إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ} [يوسف:17] فقال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} [يوسف:18] فأصاب هنا، ثمَّ لما قالوا له: {أية : إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ}تفسير : [يوسف:81]، قال: {أية : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ}تفسير : [يوسف:83] فلم يُصِبْ". فصل قوله: "فَصْبرٌ جَميلٌ" يدل على أنَّ الصّبر قسمان: أحدهما: جميلٌ، والآخر: غيرُ جميلٍ، فالصَّبرٌ الجميلُ هو: أن يعرف أنَّ مُنزِّلَ ذلك البلاء هو الله ـ تعالى ـ ثمَّ يعلم أنَّهُ ـ سبحانه ـ مالكُ المُلكِ، ولا اعتراض على المالكِ في أنْ يتصرَّف في ملكه، فيصيرُ استغراق قلبه في هذا المقام مانعاً من الشِّكايةِ. وأيضاً: يعلمُ أن منزِّل هذا البلاءِ حليمٌ لا يجهلُ، عالمٌ لا يغفلُ، وإذَا كان كذلك، فكان كلُّ ما صدر عنه حكمةً وصواباً، فعند ذلك يسكتُ ولا يعترضُ. وأمَّا الصَّبرُ غير الجميل: فهو الصَّبرُ لسائر الأغراض، لا لأجل الرِّضا بقضاءِ الله ـ سبحانه وتعالى ـ والضَّابطُ في جميع الأقوال والأفعال والاعتقادات: أنه لكما كان لطلب عبودية الله ـ تعالى ـ كان حسناً وإلا فلا. ثم قال: {وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} أي: أستعين بالله على الصَّبر على ما تكذبون.
البقاعي
تفسير : ولما كان من المعلوم أنه ليس بعد هذا الفعل إلا الاعتذار، عطف على الجواب المقدر قوله: {وجاؤوا أباهم} دون يوسف عليه الصلاة والسلام {عشاء} في ظلمة الليل لئلا يتفرس أبيهم في وجوههم إذا رآها في ضياء النهار ضد ما جاؤوا به من الاعتذار، وقد قيل: لا تطلب الحاجة بالليل فإن الحياء في العينين، ولا تعتذر بالنهار من ذنب فتتلجلج في الاعتذار. والآية دالة على أن البكاء لا يدل على الصدق لاحتمال التصنع {يبكون *} والبكاء: جريان الدمع في العين عند حال الحزن، فكأنه قيل: إنهم إذا بكوا حق لهم البكاء خوفاً من الله وشفقة على الأخ، ولكن ماذا يقولون إذا سألهم أبوهم عن سببه؟ فقيل: {قالوا ياأبانا}. ولما كانوا عالمين بأنه عليه الصلاة والسلام لا يصدقهم لما له من نور القلب وصدق الفراسة ولما لهم من الريبة، أكدوا فقالوا: {إنا ذهبنا نستبق} أي نوجد المسابقة بغاية الرغبة من كل منا في ذلك {وتركنا يوسف} أخانا {عند متاعنا} أي ما كان معنا مما نحتاج إليه في ذلك الوقت من ثياب وزاد ونحوه {فأكله} أي فتسبب عن انفراده أن أكله {الذئب وما} أي والحال أنك ما {أنت بمؤمن لنا} أي من التكذيب، أي بمصدق {ولو كنا} أي كوناً هو جبلة لنا {صادقين *} أي من أهل الصدق والأمانة بعلمك، لأنك لم تجرب علينا قط كذباً، ولا حفظت عنا شيئاً منه جداً ولا لعباً. ولما علموا أنه لا يصدقهم من وجوه منها ما هو عليه من صحة الفراسة لنور القلب وقوة الحدس، ومنها أن الكذب في نفسه لا يخلو عن دليل على بطلانه، ومنها أن المرتاب يكاد يعرب عن نفسه، أعملوا الحيلة في التأكيد بما يقرب قولهم. فقال تعالى حاكياً عنهم: {وجاؤوا على قميصه} أي يوسف عليه الصلاة والسلام {بدم كذب} أي مكذوب، أطلق عليه المصدر مبالغة لأنه غير مطابق للواقع، لأنهم ادعوا أنه دم يوسف عليه الصلاة والسلام والواقع أنه دم سخلة ذبحوها ولطخوه بدمها - نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن مجاهد. قال: والدم: جسم أحمر سيال، من شأنه أن يكون في عروق الحيوان، وله خواص تدرك بالعيان من ترجرج وتلزج وسهوكة، وروي أن يعقوب عليه الصلاة والسلام أخذ القميص منهم وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق قميصه، وكان القميص ثلاث آيات: دلالته على كذبهم، ودلالته على صدق يوسف عليه الصلاة والسلام في قده من دبر، وعود البصر إلى أبيه به، فكأنه قيل: هل صدقهم؟ فقيل: لا! لأن العادة جرت في مثله أنه لا يأكله كله، فلا بد من أن يبقى منه شيء يعرف معه أنه هو، ولو كان كذلك لأتوا به تبرئة لساحتهم وليدفنوه في جبانتهم مع بقية أسلافهم، وقد كان قادراً على مطالبتهم بذلك، ولكنه علم أنهم ما قالوا ذلك إلا بعد عزم صادق على أمور لا تطاق، فخاف من أن يفتح البحث من الشرور أكثر مما جاؤوا به من المحذور، بدليل قوله بعد ذلك { أية : فتحسسوا من يوسف وأخيه} تفسير : [يوسف:87] ونحو ذلك، فكأنه قيل: فماذا قال؟ فقيل: {قال بل} أي لم يأكله الذئب، بل {سولت} أي زينت وسهلت، من السول وهو الاسترخاء {لكم أنفسكم أمراً} أي عظيماً أبعدتم به يوسف {فصبر} أي فتسبب عن ذلك الفادح العظيم أنه يكون صبر {جميل} منى، وهو الذي لا شكوى معه للخلق {والله} أي المحيط علماً وقدرة {المستعان} أي المطلوب منه العون {على} احتمال {ما تصفون *} من هلاك يوسف عليه الصلاة والسلام، ولا يقال: إنهم بهذا أجمعوا أوصاف المنافق "إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان" لأن هذا وقع منهم مرة، والمنافق يكون ذلك فعله دائماً أو في أغلب أحواله، ومادتا سول بتقاليبها الخمسة: ولس وسلاً ووسل ولوس وسول، وسيل بتقاليبها الخمسة: لسي ويسل وسيل وسلي وليس، تدوران على ما يطمع فيه من المراد، ويلزمه رغد العيش والزينة وبرد القلب والشدة والرخاوة والعلاج والمخادعة والملازمة، فمن الرجاء للمراد: السول - بالواو، وقد يهمز، وهو المطلوب؛ والوسيلة: الدرجة والمنزلة عند الملك، قال القزاز: وقيل: توسلت وتوصلت - بمعنى، والوسيلة: الحاجة، ووسل فلان - إذا طلب الوسيلة؛ واللؤس: الظفر؛ ومن العمل والعلاج: توسل بكذا - أي تقرب، واللوس: الأكل، ولاس الشيء في فيه بلسانه - إذا أداره، وولست الناقة في مشيتها تلس ولساناً: تضرب من العنق؛ ومن رغد العيش: فلان في سلوة من العيش، أي رغد يسليه الهم، ومنه السلوى، وهي طائر معروف، وهي أيضاً العسل، وأسلي القوم: إذا أمنوا السبع: ومن الزينة: سولت له نفسه كذا، أي زينته فطلبه؛ ومن برد القلب: سلوت عن الشيء: إذا تركه قلبك وكان قد صبا به، وسقيتني منك سلوة، أي طيبت نفسي عنك، والليس - محركاً: الغفلة، والأليس: الديوث لا يغار، والحسن الخلق، وتلايس عنه: أغمض؛ ومن الرخاوة: السلي الذي يكون فيه الولد، وهو يائي تقول منه: سليت الشاة كرضى سلي: انقطع سلاها، ومنه السول، وهو استرخاء في مفاصل الشاة، والسحاب الأسول: الذي فيه استرخاء لكثرة مائه، والأسول: المسترخي، ومنه: ليس أخت كان - لأن الشيء إذا زاد في الرخاوة ربما عد عدماً، ومنه: سال - بمعنى: جرى، والسائلة من الغرر: المعتدلة في قصبة الأنف، وأسال غرار النصل: أطاله، والسيلان - بالكسر: سنخ قائم السيف، والسيالة: نبات له شوك أبيض طويل، إذا نزع خرج منه اللبن، أو ما طال من السمر؛ ومن المخادعة: الولس، وهي الخيانة، والموالسة: المداهنة، والتوسل: السرقة؛ ومن اللزوم: الليس - محركاً والمتلايس: البطيء، وهو أيضاً من الرخاوة، والأليس: من لا يبرح منزله؛ ومن الشدة: الليس - محركاً وهو الشجاعة، وهو أليس، والأليس: البعير يحمل ما حمل، والأسد، ووقعوا في سلي جمل: أمر صعب، لأن الجمل لا سلي له، وانقطع السلي في البطن مثل كبلغ السكين العظم، ويمكن أن يكون من الشدة أيضاً: اليسل - بفتح وسكون - وهم يد أي جماعة من قريش الظواهر، والبسل - بالباء الموحدة: اليد الأخرى، ولسا: أكل أكلاً شديداً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر عن الشعبي رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى شريح رضي الله عنه تخاصم في شيء، فجعلت تبكي، فقالوا: يا أبا أمية، أما تراها تبكي؟ فقال: قد جاء اخوة يوسف أباهم عشاء يبكون. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين} قال: نزلت على كلام العرب. كقولك لا تصدق بالصدق ولو كنت صادقاً.
ابو السعود
تفسير : {وَجَاءوا أَبَاهُمْ عِشَاءً} آخر النهار وقرىء عُشِيّا وهو تصغير عشىٰ وعُشىً بالضم والقصر جمع أعشى أي عَشْواً من البكاء {يَبْكُونَ} متباكين. روي أنه لما سمع يعقوبُ عليه السلام بكاءهم فزع وقال: ما لكم يا بَنيّ وأين يوسف؟ {قَالُواْ يأَبَانَا إنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} أي متسابقين في العدْو والرمي وقد يشترك الافتعال والتفاعل كالانتضال والتناضل ونظائرهما {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا} أي ما نتمتع به من الثياب والأزواد وغيرِهما {فَأَكَلَهُ ٱلذّئْبُ} عَقيبَ ذلك من غير مُضيِّ زمانٍ يعتاد فيه التفقدُ والتعهدُ. وحيث لا يكاد يُطرح المتاعُ عادة إلا في مقام يُؤْمن فيه الغوائلُ لم يعُدْ تركُه عليه السلام عنده من باب الغفلة وتركِ الحظ الملتزَم لا سيما إذا لم يبرحوه ولم يغيبوا عنه، فكأنهم قالوا: إنا لم نقصِّر في محافظته ولم نغفُلْ عن مراقبته بل تركناه في مأمننا ومجمعنا بمرأىً منا لأن ميدانَ السباق لا يكون عادة إلا بحيث يتراءى غايتاه وما فارقناه إلا ساعةً يسيرةً بـيننا وبـينه مسافةٌ قصيرة فكان ما كان {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} بمصدّق لنا في هذه المقالة الدالةِ على عدم تقصيرِنا في أمره {وَلَوْ كُنَّا} عندك وفي اعتقادك {صَـٰدِقِينَ} موصوفين بالصدق والثقةِ لشدة محبتك ليوسف فكيف وأنت سيّءُ الظن بنا غيرُ واثقٍ بقولنا، وكلمة لو في أمثال هذه المواقعِ لبـيان تحقق ما يفيده الكلامُ السابق من الحكم الموجَبِ أو المنفيِّ على كل حال مفروض من الأحوال المقارنةِ له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدِّها منافاةً له ليظهر بثبوته أو انتفائِه معه ثبوتُه أو انتفاؤه مع غيره من الأحوال بطريق الأولوية، لِما أن الشيءَ متى تحقق مع المنافي القويِّ فلأَنْ يتحققَ مع غيره أولى، ولذلك لا يُذكر معه شيٌ من سائر الأحوال ويُكتفىٰ عنه بذكر الواوِ العاطفةِ للجملة على نظيرتها المقابلةِ لها الشاملةِ لجميع الأحوال المغايرة لها عند تعدّدِها، وقد مرَّ تفصيله في سورة البقرة عند قوله تعالى: {أية : أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ }تفسير : وفي سورة الأعراف عند قوله تعالى: {أية : أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ } تفسير : [الأعراف: 88].
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ}. تمكينُ الكذَّاب من البكاء سِمَةُ خذلان الله تعالى إياه، وفي الخبر: "حديث : إذا كَمُلَ نفاقُ المرء مَلَكَ عَيْنَه حتى يبكي ما شاء ". تفسير : ويقال: لا يَبْعُدُ أَنْ يقال إنهم وإنْ جَنَوْا على يوسف عليه السلام فقد ندموا على ما فعلوا، فَعَلاَهُمْ البكاءُ لنَدمهم - وإن لم يُظْهروا لأبيهم - وتَقَوَّلُوا على الذِّئْبِ. قوله جلّ ذكره: {وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ}. لم يُؤثِّرْ تزويرُ قَالَبِهم في إيجاب تصديق يعقوب - عليه السلام - لكذبهم بل أخبره قلبُه أَنَّ الأمرَ بخلاف ما يقولونه فقال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ}. فَعَلم على الجملة وإنْ لم يعلمْ على التفضيل... وهكذا تقرع قلوبَ الصديقين عواقبُ الأمور على وجه الإجمال، إلى أنْ تَتَّضحَ لهم تفاصيلُها في المستأنف. ويقال عوقبوا على ما فعلوه بأن أُغْفلوا عن تمزيق قميصه حتى عَلم يعقوب تَقَوُّلَهم فيما وصفوا.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ} سر هذه الاية ان طبيعة البشر اذا ظفرت بموادها رقت فاذا دعيت بالبكاء اجابت ولكن لا يكون بكاءها الا من فرح الخداع وحب الجاه والرياسة وان ذلك البكاء اكثره تباكيا بكوا بغير عبرة ولا بفلق وحزن من اسف ولا بزفرة جاؤا عناء حتى لا يتبين تباكيهم من بكاءهم وليرتفع من بينهم وبين ابيهم سجوف الاحتشام شعر : اذا اشتبكت دموع فى خدود تبين من بكا ممن تباكا تفسير : قيل اخروا المجئ الى وقت العشاء الاخرة ليدنسوا على ابيهم وقيل ليكونوا اجراء فى الظلمة على الاعتذار وترويح ما مكروا قوله {وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} فتح الله سبحانه ثوب رزق الرازقين فى هذه الاية الذين زينوه بالرزق والسودد ادعوا صدق المقامات والكرامات وان دم الكذب اشارة الى من يدعى جراحة المحبة على قلبه ودم القلب من ذبح الله اياه بسيف محبته وليس كذلك فان دم المقتولين بسيف المحبة دم صدق يصدق صاحبه فى عيون الصادقين قال عليه السلام المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبى زور ومن كذب وقع كذبه فى قلوب === والعجب ان ما يطلع عليه العوام كيف لا تطلع عليه قلوب الانبياء والصديقين هاجت طبيعتهم بسر الحسد === منه الكذبات والجنايات لان مثل الحسد كالنار المخفية فى الزبد فاذا خرجت تحترق العالم بها قال الحسين بن الفضل لما كذبوا فى ابتداء الامر بقولهم واكله الذئب رجعوا فى اخر الحال عند الاعتذار الى الكذب حين قالوا ان يسرق فقد سرق اخ له من قبل بين الله سبحانه بقوله بل سولت لكم انفسكم امرا فراسة يعقوب واطلاعه على اسرارهم فى المكر وعرفهم سر مكائد نفوسهم ولم يعرفوها والانفس ههنا اسرار تقدير قهر الازل اى انتم مخدعون بخداعكم وانا لا ارى فى البين غير سابق التقدير فالبس سربال الصبر الجميل فى مراد الجليل والصبر الجميل ما يصبر به صاحبه بالله لا بنفسه بنعت شهود سره مشاهدة المقدر والميل فى بلائه وتقديره قال تعالى وما صبرك الا بالله وقال سبحانه واصبر لحكم ربك فانك باعيننا وتحقيق هذا الصبر سكون القلب بما يجرى عليه الرب سبحانه بنعت ذوقه صفاء الذكر وادراك رؤية المذكور وتحقيق ذلك قوله تعالى {وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} اى استعانتى فى بلائه وصبرى به لا بغيره وانشد الشبلى فى حقائق الصبر شعر : عبرات خططن فى الخد سطرا فقراء من لم يحسن يقرا صابر الصبر تفسير : فاستغاث به الصبر فصاح المحب بالصبر صبرا قال الحسين الصبر الجميل السكون الى موارد القضاء سرا وعلنا وقال ايضا الصبر الجميل تلقى المحنة بمشاهدة المنة قال الترمذى الصبر الجميل ان يلقى العبد عنانه الى مولاه ويسلم اليه نفسه مع حقيقة المعرفة فاذا جاءه حكم من احكامه ثبت له مسلما لوارد الحكم ولا يظهر بورود حكمه جزعا بحال قال يحيى بن معاذ الصبر الجميل ان يتلقى البلاء بقلب رحيب ووجه مستبشر.
اسماعيل حقي
تفسير : {وجاءوا اباهم عشاء} ظرف اى فى آخر النهار فان العشاء آخر النهار الى نصف الليل وفى تفسير ابى الليث بعد العصر. قال فى الكواشى وانما جاؤا ليقدموا على المبالغة فى الاعتذار {يبكون} حال اى متباكين. والتباكى بالفارسية [كريستن بيدا كردن] -روى- ان امرأة خاصمت زوجها الى شريح فبكت فقال له الشعبى يا ابا امية اظنها مظلومة اما تراها تبكى فقال شريح قد جاء اخوة يوسف يبكون وهم ظلمة لا ينبغى ان يقضى الا بما امر ان يقضى به من السنة المرضية: وفى المثنوى شعر : زارئ مضطر نشسته معنويست زارئ نزد دروغ آن غويست كريه اخوان يوسف حيلتست كه درو نشان برزرشك وعلتست تفسير : -روى- انه لما سمع صوتهم فزع وقال ما لكم يا بنى هل اصابكم فى غنمكم شيء قالوا الامر اعظم قال فما هو واين يوسف
الطوسي
تفسير : في الكلام حذف، لان التقدير إنهم أجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب، وفعلوا ذلك، فلما فعلوه جاؤوا حينئذ {أباهم عشاء يبكون} والمجيء والمصير الى الشيء واحد، وقد يكون المصير بالانقلاب، كمصير الطين خزفاً، وقد يكون بمعنى الانتقال. والعشاء آخر النهار. ونصبه لانه من ظروف الزمان. ومنه اشتق (الاعشى) لانه يستضيء ببصر ضعيف. والبكاء جريان الدمع من العين عند حال الحزن، فكانوا يعلمون أن اباهم يحزن لما جاؤا من خبر يوسف، فبكوا مع بكائه عليه، وفي حال خبره لما تصوروا تلك الحال. وقيل: إنهم أظهروا البكاء ليوهموا أنهم صادقون فيما قالوه. وقوله {إنا ذهبنا نستبق} قيل في معناه قولان: احدهما - قال الزجاج: ذهبنا نتنصل مشتق من السباق في الرمي. وقال الجبائي: نستبق في العدو لنعلم اينا أسرع عدواً {وتركنا يوسف عند متاعنا} يعني تركناه عند الرحل ليحفظه. وقوله {وما أنت بمؤمن لنا} أي لست بمصدق لنا {ولو كنا صادقين} وجواب (لو) محذوف، وتقديره: ولو كنا صادقين ما صدقتنا، لاتهامك لنا في أمر يوسف، ودل الكلام عليه. ولم يصفوه بأنه لا يصدق الصادق، لان المعنى انه لا يصدقهم إتهاماً لهم لشدة محبته ليوسف يسيء الظن بهم، ولا تسكن نفسه الى خبرهم.
الجنابذي
تفسير : {وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ..} بعد ما ذبحوا جدياً ولطّخوا قميصه بدمه.
الهواري
تفسير : قوله: {وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ قَالُوا يَأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} أي: بمصدِّق لنا {وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} أي: ولو صَدَقناك. {وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} أي: لطخوا قميصه بدم سخلة، قال مجاهد: سخلة شاة. { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} أي: زيّنت لكم أنفسكم أمراً {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي: ليس لي فيه جزع، في تفسير مجاهد. { وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} أي: ما تكذبون. قال الحسن: فعلم يعقوب، بما أعلمه الله، أن يوسف حي، ولكن لا يعلم أين هو. وذكروا عن الحسن أنه قال: لما جيء بقميص يوسف إلى يعقوب، نظر إليه فلم يرَ شقاً ولا خرقاً، وقال: ما كنت أعهد الذئب حليمً [أكل ابني وأبقى على قميصه]. قوله: { وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ} الذي يرد الماء ليستقي للقوم. وقال بعضهم: واردهم: رسولهم. { فَأَدْلَى دَلْوَهُ} أي: في الجب، وهي بئر بيت المقدس. فلما أدلى دلوه تشبّث بها يوسف. قال الحسن: فـ { قَالَ} الذي أدلى دلوه في البئر: { يَا بُشْرَىَ هَذَا غُلاَمٌ} يقول لصاحبه: البشرى! قال له صاحبه: ما وراءك؟ قال: هذا غلام، فأخرجوه. وقال بعضهم: يا بشراي هذا غلام، أي: تباشروا به حين أخرجوه. قوله: { وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} قال بعضهم: أخفوه من أصحابهم. وقالوا: هو بضاعة استبضعناه أهل الماء لنبيعه لهم بمصر. وقال بعضهم: كان إخوة يوسف، وهم عشرة، قريباً منهم حين أخرجوه من الجب؛ فجاءوا فقالوا: هذا غلام لنا أبقَ منا، فباعوه منهم، فهم الذين أسروه بضاعة فباعوه. وقال مجاهد: وأسروه بضاعة، أي: صاحب الدلو ومن كان معه قالوا لأصحابهم: إنما استبضعناه، مخافة أن يستشركوهم فيه إن علموا بثمنه. قالوا: إنما استبضعناه، وإخوته معه يقولون: استوثقوا منه لا يأبِق حتى تبيعوه بمصر. وقال يوسف: من يبتاعني فليبشر.
اطفيش
تفسير : {وجَاءُوا أباهُم عشَاءً} وقت العشاء ليكونوا فى الظلمة، أجرى على الاعتذار، وقد قيل: لا تطلب الحاجة بالليل، فإن المياه فى العينين ولا تعتذر بالنهار فتتلجلج بالاعتذار، ولا تقدر على تمامه، ذكر ذلك فى عرائس القرآن، وقيل: العشاء آخر النهار، وقرأ الحسن عشيا بتصغير عشى، وقال ابن جنى: قرأ الحسن عشى بالضم والقصر جمع أعشى أى كالرجل الأعشى القليل البصر لبكائهم، وهم على الأولين ظرف، وعلى الثلاثة حال. {يَبْكُون} حال، روى أنهم لما ألقوه فى الجب عمدوا إلى سخلة من الغنم فذبحوها، ولطخوا بدمها قميص يوسف وشووها، وأكلوا لحمها، ثم رجعوا إلى يعقوب فوجدوه قاعدا على قارعة الطريق ينتظرهم متى يأتون بيوسف، فلما دنوا منه صرخوا صرخة واحدة، ورفعوا أصواتهم بالبكاء، فعلم يعقوب أنهم قد أصيبوا بمصيبة، فلما رآهم اجتمعوا وتقدموا بين يديه، وشقوا جيبوهم، وبكوا ففزع وقال: ما بالكم يأتينى، وأين يوسف؟ فقالوا: ما أخبرنا الله سبحانه، وتعالى به إذ قال: {قالُوا يا أبانا} الخ وهذا قميصه ملطخ بدمه، ولما سمع كلامهم خر مغشيا عليه إلى الصباح: وبكوا عليه جميعا فقالوا فيما بينهم: بئس ما فعلنا بيوسف ووالده، وأى عذر لنا عند الله تعالى، ولما أفاق التفت إليهم وقال: هكذا ظنى بكم، بئس ما فعلتم وسولت لكم أنفسكم. وروى أنه سمع بكاءهم فخرج إليهم، فلما رآهم قال: بالله سألتكم يا بنى هلا أصابكم شئ فى غنمكم؟ قالوا: لا، قال: فما أصابكم وأين يوسف؟ فقالوا: يا أبانا الخ. روى أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت، فقال له الشعبى: وقيل: رجل سواه يا أبا أمية أما تراها تبكى؟ فقال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة، ولا ينبغى لأحد أن يقضى إلا بما أمر أن يقضى به من السنة الرضية، وأنشدوا: شعر : واغرك من شيخ بكاء ومملقة أم اللحية البيضاء للنطق مطلقه فإن بنى يعقوب جاءوا أباهم عشاء وهم يبكون زوراً ومخرقة تفسير : {إنَّا ذَهبْنا نَسْتبِقُ} على أرجلنا ليتبين أبينا أسرع سعيا، وأخف حركة، قاله السدى، قلت: هو الصحيح، وقال مقاتل: نستبق إلى الصيد، وقال ابن عباس: نتناضل، أى نتعلم التضارب بالسيوف، فالمعنى يتعاطى كل منا أن نتسابق، وقيل: خبر ذهب إلى أنه بمعنى شرع، فعمل ككان، ونستبق نفتعل بمعنى نتفاعل كارتموا تراموا. {وتَرَكْنا يُوسفَ عنْدَ متَاعِنا} ثيابنا وما أتينا به من يفوت الآخر بالضرب: وقال الزجاج: ترامى فالمعنى يتعاطى كل أن يسبق الآخر بحسن الرمى، أو أن تبعد رمية عن رمية الآخر، وعلى الأول فالذهاب أول الاستباق من عند يوسف، وعلى غيره ذهبوا إلى موضع غير الذى فيه يوسف والجملة حال مقدرة على تلك الأقوال من فاعل ذهب البلد من نحو طعام. {فأكلَه الذِّئبُ} بغفلتنا عنه بالاستباق {ومَا أنتَ بمؤمنٍ لنَا} بمصدق لنا فى ذلك {ولَو كنَّا صادِقينَ} فيه، أو لو كنا صادقين عندك فى الجملة قبل هذا، أو لو كنا موصوفين بالصدق لشدة محبتك ليوسف وسوء ظنك بنا.
اطفيش
تفسير : {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ} وقت الظلمة، وقت صلاة العتمة، وقيل من المغرب إِلى صلاة العشاءِ، وذلك ليجترئوا على الكذب ولا يلحقهم حياءٌ، وربما خافوا التضاحك والتبسم، وفى الليل يتسترون عن ذلك، أَو وصلوا فى ذلك الوقت وهو عشاءُ يومهم الذى خرجوا فيه، وقيل: عشاء يوم آخر، عشاء اليوم الرابع لما مر أَنهم رعوا حول البئْر ثلاثة أَيام كذا قيل، ولما بلغوا منزل يعقوب بكوا وصرخوا ففزع فقال: سأَلتكم بالله هل أَصابكم شىءٌ وأَين يوسف؟ {قالُوا يَا أَبانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا} ثيابنا وطعامنا وما صحبنا ولم نفرط فيه لأَنه يتمتع به ولأَنه قريب المسافة إِلينا {فأَكَلهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ} بمصدق {لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} فى كلامهم ما يشعر بخيانتهم، والمراد {ولو كنا صادقين} عندك فى غير أَمر يوسف، فكيف لو كنا نكذب معك فى غير أَمره فبأَولى تكذبنا فى أَمره، ولا سيما مع إِفراطك فى حبه وسوءِ ظنك بنا، ونستبق بمعنى نتسابق كاجتوروا بمعنى تجاوروا، ويختلفون بمعنى يتخالفون كل يريد أَن يسبق الاخر فى السرعة بالمشى على الأَقدام للهروب مما يحل لنا الهروب منه وللحوق ما فزعنا أَو أَو أَردنا إِدراكه أَو للتحرف لقتال أَو فى الرمى بالسهام، أَو فى أَعمال نتوزعها من سقى ورعى واحتطاب، أَو فى الصيد أَو فى مدافعة الذئْب الذى يأْكله، وذلك كذب صريح، وقيل: عرضوا برد هاءِ أَكله للمتاع، وأَوهموا يعقوب رده إِلى يوسف، وليس كذلك؛ لأَنهم فى ذلك الحال لا يبالون بكذب ينفذ عنهم.
الالوسي
تفسير : {وَجَآءوا أَبَاهُمْ عِشَآء} أي في ذلك الوقت وهو ـ كما قال الراغب ـ من صلاة المغرب إلى العتمة والعشاآن: المغرب والعتمة. وعن الحسن أنه قرأ ـ عشياً ـ بضم العين وفتح الشين وتشديد الياء منوناً وهو تصغير عشي وهو من / زوال الشمس إلى الصباح، وعنه أنه قرأ ـ عشى ـ بالضم والقصر كدجى فنصبه على الحال وهو جمع أعشى عند بعض وعاش عند آخرين، وأصله عشاة كماش ومشاة فحذفت الهاء تخفيفاً، وأورد عليهما بأنه لا جواز لمثل هذا الحذف وأنه لا يجمع أفعل فعلاء على فعل بضم الفاء وفتح العين بل فعل بسكون العين، ولذا قيل: كان أصله عشوا فنقلت حركة الواو إلى ما قبلها لكونه حرفاً صحيحاً ساكناً ثم حذفت بعد قلبها ألفاً لالتقاء الساكنين وإن قدر ما بكوا به في ذلك اليوم لا يعشو منه الإنسان؛ وأجيب عن هذا بأن المقصود المبالغة في شدة البكاء والنحيب لا حقيقته أي كان يضعف بصرهم لكثرة البكاء، وقيل: هو جمع عشوة مثلث العين وهي ركوب أمر على غير بصيرة يقال: أوطأه عشوة أي أمراً ملتبساً يوقعه في حيرة وبلية فيكون تأكيداً لكذبهم وهو تمييز أو مفعول له، وجوز أن يكون جمع عشوة بالضم بمعنى شعلة النار عبارة عن سرعتهم لابتهاجهم بما فعلوا من العظيمة وافتعلوا من العضيهة، وجوز أن يكون {عِشَآءً} في قراءة الجمهور جمع عاش مثل راع ورعاء ويكون نصبه على الحال، والظاهر الأول، وإنما ـ جاءوا عشاء ـ إما لأنهم لم يصلوا من مكانهم إلا في ذلك الوقت، وإما ليكونوا أقدر على الاعتذار لمكان الظلمة التي يرتفع فيها الحياء، ولذا قيل: لا تطلب الحاجة بالليل فإن الحياء في العينين ولا تعتذر في النهار من ذنب فتلجلج في الاعتذار وهل جاءوا في عشاء اليوم الذي ذهبوا فيه أو في عشاء يوم آخر؟ ظاهر كلام بعضهم الأول، وذهب بعضهم إلى الثاني بناءاً على ما روي أنه عليه السلام مكث في الجب ثلاثة أيام وكان إخوته يرعون حواليه وكان يهوذا يأتيه بالطعام. وفي الكلام ـ على ما في البحر ـ حذف والتقدير: وجاءوا أباهم دون يوسف عشاءاً. {يَبْكُونَ} أي متباكين أي مظهرين البكاء بتكلف لأنه لم يكن عن جزن لكنه يشبهه، وكثيراً ما يفعل بعض الكذابين كذلك، أخرج ابن المنذر عن الشعبـي قال: جاءت امرأة إلى شريح تخاصم في شيء فجعلت تبكي فقالوا: يا أيا أمية أما تراها تبكي؟! فقال: قد جاء إخوة يوسف أباهم عشاءاً يبكون، وقال الأعمش: لا يصدق باك بعد إخوة يوسف، وفي بعض الآثار أن يعقوب عليه السلام لما سمع بكاءهم قال: ما بالكم أجرى في الغنم شيء؟ قالوا: لا قال: فما أصابكم وأين يوسف؟.
ابن عاشور
تفسير : {وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ * قَالُواْ يَـٰأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ * وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} عطف على جملة { أية : فلما ذهبوا به } تفسير : [سورة يوسف: 15] عطف جزء القصة. والعشاء: وقت غيبوبة الشفق الباقي من بقايا شعاع الشمس بعد غروبها. والبكاء: خروج الدموع من العينين عند الحزن والأسف والقهر. وتقدم في قوله تعالى: { أية : فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً } تفسير : [سورة التوبة: 82]. وقد أطلق هنا على البكاء المصطنع وهو التباكي. وإنما اصطنعوا البكاء تمويهاً على أبيهم لئلا يظن بهم أنهم اغتالوا يوسف عليه السّلام، ولعلّهم كانت لهم مقدرة على البكاء مع عدم وجدان موجبه، وفي الناس عجائب من التمويه والكيد. ومن الناس من تتأثر أعصابهم بتخيل الشيء ومحاكاته فيعتريهم ما يعتري الناس بالحقيقة. وبعض المتظلمين بالباطل يفعلون ذلك، وفطنة الحاكم لا تنخدع لمثل هذه الحيل ولا تنوط بها حكماً، وإنما يناط الحكم بالبينة. جاءت امرأة إلى شريح تخاصم في شيء وكانت مبطلة فجعلت تبكي، وأظهر شريح عدم الاطمئنان لدعواها، فقيل له: أما تراها تبكي؟ فقال: قد جاء إخوة يوسف عليه السّلام أباهم عشاء يبكون وهم ظلَمة كَذبَة، لا ينبغي لأحد أن يقضي إلا بالحق. قال ابن العربي: قال علماؤنا: هذا يدلّ على أن بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله لاحتمال أن يكون تصنّعاً. ومن الخلق من لا يقدر على ذلك ومنهم من يقدر. قلت: ومن الأمثال "دموع الفاجر بيديه" وهذه عبرة في هذه العبرة. والاستباق: افتعال من السبق وهو هنا بمعنى التسابق قال في الكشاف: «والافتعال والتفاعل يشتركان كالانتضال والتناضل، والارتماء والترامي، أي فهو بمعنى المفاعلة. ولذلك يقال: السباق أيضاً. كما يقال النضال والرماء». والمراد: الاستباق بالجري على الأرجل، وذلك من مرح الشباب ولعبهم. والمتاع: ما يتمتع أي ينتفع به. وتقدم قي قوله تعالى: { أية : لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم } تفسير : في سورة النساء (102). والمراد به هنا ثَقَلهم من الثياب والآنية والزاد. ومعنى {فأكله الذئب} قتله وأكل منه، وفعل الأكل يتعلق باسم الشيء. والمراد بعضه. يقال أكلَه الأسد إذا أكل منه. قال تعالى: { أية : وما أكل السّبع } تفسير : [سورة المائدة: 3] عطفاً على المنهيات عن أن يؤكل منها، أي بقتلها. ومن كلام عمر حين طعنه أبو لؤلؤة "أكلني الكلب"، أي عضّني. والمراد بالذئب جمع من الذئاب على ما عرفت آنفاً عند قوله: { أية : وأخاف أن يأكله الذئب } تفسير : [سورة يوسف: 13]؛ بحيث لم يترك الذئاب منه، ولذلك لم يقولوا فدفنّاه. وقوله: {وما أنت بمؤمن لنا} خبر مستعمل في لازم الفائدة. وهو أن المتكلم علم بمضمون الخبر. وهو تعريض بأنهم صادقون فيما ادّعوه لأنهم يعلمون أباهم لا يصدقهم فيه، فلم يكونوا طامعين بتصديقه إياهم. وفعل الإيمان يعدّى باللام إلى المصدّق ـــ بفتح الدال ـــ كقوله تعالى: { أية : فآمن له لوطٌ } تفسير : [سورة العنكبوت: 26]. وتقدم بيانه عند قوله تعالى: { أية : فما آمن لموسى إلا ذريةٌ من قومه } تفسير : في سورة يونس (83). وجملة {ولو كنا صادقين} في موضع الحال فالواو واو الحال. {ولو} اتصالية، وهي تفيد أنه مضمون ما بعدها هو أبعد الأحوال عن تحقق مضمون ما قبلها في ذلك الحال. والتقدير: وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين في نفس الأمر، أي نحن نعلم انتفاء إيمانك لنا في الحالين فلا نطمع أن نموّه عليك. وليس يلزم تقدير شرط محذوف هو ضد الشرط المنطوق به لأن ذلك تقدير لمجرد التنبيه على جعل الواو للحال مع (لو وإن) الوصليتين وليس يستقيم ذلك التقدير في كل موضع، ألا ترى قول المعري: شعر : وإني وإن كنتُ الأخيّر زمانه لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل تفسير : كيف لا يستقيم تقدير إني إن كنت المتقدم زمانه بل وإن كنت الأخيرَ زمانه. فشرط (لو) الوصلية و(إن) الوصلية ليس لهما مفهومُ مخالفة، لأن الشرط معهما ليس للتقييد. وتقدم ذكر (لَو) الوصلية عند قوله تعالى: { أية : أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون } تفسير : في سورة البقرة (170)، وعند قوله تعالى: { أية : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً } تفسير : في سورة آل عمران (91). وجملة {وجاءوا على قميصه} في موضع الحال. ولما كان الدم ملطخاً به القميص وكانوا قد جاءوا مصاحبين للقميص فقد جاءوا بالدم على القميص. ووصف الدم بالكذب وصف بالمصدر، والمصدر هنا بمعنى المفعول كالخَلْق بمعنى المخلوق، أي مكذوب كونه دم يوسف ـــ عليه السّلام ـــ إذ هو دم جدي، فهو دم حقاً لكنه ليس الدم المزعوم. ولا شك في أنهم لم يتركوا كيفية من كيفيات تمويه الدم وحالة القميص بحال قميص من يأكله الذئب من آثار تخريق وتمزيق مما لا تخلو عنه حالة افتراس الذئب، وأنهم أفطن من أن يفوتهم ذلك وهم عصبة لا يعْزُب عن مجموعهم مثل ذلك. فما قاله بعض أصحاب التفسير من أن يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ قال لأبنائه: ما رأيت كاليوم ذئباً أحلَم من هذا، أكل ابني ولم يمزق قميصه، فذلك من تظرفات القصص. وقوله: {على قميصه} حال من (دم) فقدم على صاحب الحال. {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ}. حرف الإضراب إبطال لدعواهم أن الذئب أكله فقد صرح لهم بكذبهم. والتسويل: التسهيل وتزيين النفس ما تحرص على حصوله. والإبهام الذي في كلمة {أمراً} يحتمل عدة أشياء مما يمكن أن يؤذوا به يوسف ـــ عليه السّلام ـــ: من قتل، أو بيع، أو تغريب، لأنه لم يعلم تعيين ما فعلوه. وتنكير {أمراً} للتهويل. وفرّع على ذلك إنشاءُ التصبر {فصبرٌ جميل} نائب مناب اصبر صبراً جميلاً. عدل به عن النصب إلى الرفع للدلالة على الثبات والدوام، كما تقدم عند قوله تعالى: { أية : قالوا سلاماً قال سلامٌ } تفسير : في سورة هود (69). ويكون ذلك اعتراضاً في أثناء خطاب أبنائه، أو يكون تقدير: اصبر صبراً جميلاً، على أنه خطاب لنفسه. ويجوز أن يكون {فصبر جميل} خبر مبتدأ محذوف دلّ عليه السياق، أي فأمْري صبرٌ. أو مبتدأ خبره محذوف كذلك. والمعنى على الإنشاء أوقع، وتقدم الصبر عند قوله تعالى: { أية : واستعينوا بالصبر والصلاة } تفسير : في سورة البقرة (45). ووصف {جميل} يحتمل أن يكون وصفاً كاشفاً إذ الصبر كله حسن دون الجزع. كما قال إبراهيم بن كنيف النبهاني: شعر : تصبّر فإنّ الصبر بالحرّ أجمل وليس على ريب الزمان معوّل تفسير : أي أجمل من الجزع. ويحتمل أن يكون وصفاً مخصصاً. وقد فسّر الصبر الجميل بالذي لا يخالطه جزع. والجمال: حسن الشيء في صفات محاسن صنفه، فجمال الصبر أحسن أحواله، وهو أن لا يقارنه شيء يقلل خصائص ماهيته. وفي الحديث الصحيح حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة تبكي عند قبر فقال لها: «اتقي الله واصبري»، فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ـــ ولم تعرفه ـــ فلما انصرف مرّ بها رجل، فقال لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: لم أعرفك يا رسول الله، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» تفسير : أي الصبر الكامل. وقوله: {والله المستعان على ما تصفون} عطف على جملة {فصبر جميل} فتكون محتملة للمعنيين المذكورين من إنشاء الاستعانة أو الإخبار بحصول استعانته بالله على تحمل الصبر على ذلك، أو أراد الاستعانة بالله ليوسف ـــ عليه السّلام ـــ على الخلاص مما أحاط به. والتعبير عما أصاب يوسف ـــ عليه السّلام ـــ بـ{ما تصفون} في غاية البلاغة لأنه كان واثقاً بأنهم كاذبون في الصفة وواثقاً بأنهم ألحقوا بيوسف ـــ عليه السّلام ـــ ضراً فلما لم يتعيّن عنده المصاب أجمل التعبير عنه إجمالاً موجهاً لأنهم يحسبون أن ما يصفونه هو موته بأكل الذئب إياه ويعقوب ـــ عليه السّلام ـــ يريد أن ما يصفونه هو المصاب الواقع الذي وصفوه وصفاً كاذباً. فهو قريب من قوله تعالى: { أية : سبحان ربك رب العزة عما يصفون } تفسير : [سورة الصافات: 180]. وإنما فوض يعقوب عليه السّلام الأمر إلى الله ولم يسْعَ للكشف عن مصير يوسف عليه السّلام لأنه علم تعذر ذلك عليه لكبر سنه، ولأنه لا عضد له يستعين به على أبنائه أولئك. وقد صاروا هم الساعين في البعد بيْنه وبين يوسف عليه السّلام، فأيس من استطاعة الكشف عن يوسف عليه السّلام بدونهم، ألا ترى أنه لما وجد منهم فرصة قال لهم: { أية : اذهبوا فتحسّسوا من يوسف وأخيه } تفسير : [سورة يوسف: 87].
القطان
تفسير : نستبق: نتسابق بالعدو والرمي بالسهام. عند متاعنا: عند ثيابنا وطعامنا. ادلى دلوه: أرسلها في البئر. يا بشرى: الخبر السار. واسرّوه بضاعة: اخفوه بينهم. وشَرَوْه بثمن بخس: باعوه بسعر رخيص. سولت لكم انفسكم: زينت وسهّلت. وظلّوا في المرعى حتى وقت العشاء ثم عادوا الى أبيهم باكين يُظهرون حزناً شديداً. وقالوا: يا أبانا، لقد ذهبنا نتسابق في الرمي والجري، وتركنا يوسف عند ثيابنا، فانتهز الذئب فرصة غيابنا عنه وأكلهَ. وما أنت بمصدّق لنا ما نقول، مع أنه هو الحق والصدق. وجاؤا بقميصِه ملوثا بدمٍ مكذوب ليثبتوا دعواهم. فلما رآه يعقوب قال: بل سوّلت لكم أنفسكم ارتكابَ امر عظيم فاقدمتم عليه، فصبرٌ جيمل، وربيّ المعينُ على احتمال ما تقولون. وجاءت قافلةُ متجهة الى مصر، فأرسلوا رجلاً منهم يجلب الماء من البئر وهناك أرخى دلوه في البئر فتعلق به يوسف. ولما خرج الفتى ورآه الرجل قال مبشرا جماعته: أبشروا هذا غلام كان في البئر. فأخذوه وأخفوه عن الناس لئلا يدّعيه احد من أهل ذلك المكان. وسارت القافلة حتى بلغت مصر، حيث باعت الصبيّ بثمن بخس، مجرد، دارهم قليلة، فقد كان أصحاب القافلة زاهدين في بقائه معهم، لأنهم يريدون التخلص من تهمة استرقاقه وبيعه. قراءات: قرأ عاصم: "يا بشرى" بألف مقصورة كما هو في المصحف، وقرأ حمزة والكسائي وخلف "يا بشرى" بامالة الراء. والباقون: "يا بشرايَ" بالالف وفتح الياء.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَجَآءُوۤا} (16) - وَبَعْدَ أَنْ أَلْقَوْا يُوسُفَ فِي الجُبِّ رَجَعُوا فِي ظُلْمَةِ الليْلِ، وَقْتَ العِشَاءِ، إِلى أَبِيهِمْ وَهُمْ يَبْكُونَ وَيُظْهِرُونَ الجَزَعَ وَالحُزْنَ عَلَى يُوسُفَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهنا تتجلى لنا قدرة أداء القرآن أداء دقيقاً معبراً عن الانفعالات التي توجد في النفس الإنسانية، فها هم إخوة خدعوا أباهم ومكروا بأخيهم، وأخذوه وألقوْه في الجُبِّ مع أنهم يعلمون أن أباه يحبه، وكان ضنيناً أن يأتمنهم عليه، فكيف يواجهون هذا الأب؟ هذا هو الانفعال النفسي الذي لا تستطيع فطرة أن تثبته؛ فقالوا: نؤخر اللقاء لأبينا إلى العشاء: والعشاء مَحَلُّ الظلمة، وهو ستر للانفعالات التي توجد على الوجوه من الاضطراب؛ ومن مناقضة كذب ألسنتهم؛ لأنهم لن يخبروا الأب بالواقع الذي حدث؛ بل بحديث مُخْتلق. وقد تخدعهم حركاتهم، ويفضحهم تلجلجهم، وتنكشف سيماهم الكاذبة أمام أبيهم؛ فقالوا: الليل أخْفَى للوجه من النهار، وأستَر للفضائح؛ وحين ندخل على أبينا عِشَاءً؛ فلن تكشفنا انفعالاتنا. وبذلك اختاروا الظرف الزمني الذي يتوارون فيه من أحداثهم: {وَجَآءُوۤ أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ} [يوسف: 16]. والبكاء انفعال طبيعي غريزي فطريّ؛ ليس للإنسان فيه مجال اختيار؛ ومَنْ يريد أن يفتعله فهو يتباكى، بأن يَفْرُك عينيه، أو يأتي ببعض ريقه ويُقرِّبه من عينيه، ولا يستر ذلك إلا أن يكون الضوء خافتاً؛ لذلك جاءوا أباهم عشاء يُمثِّلون البكاء. والحق سبحانه حينما تكلم عن الخصائص التي أعطاها لذاته، ولم يُعْطِها لأحد من خلقه؛ أعلمنا أنه سبحانه هو الذي يميت ويحي، وهو الذي يُضحك ويُبْكي. والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} تفسير : [النجم: 43-44]. ولا يوجد فَرْق بين ضحك أو بكاء إنسان إنجليزي وآخر عربي؛ ولا يوجد فرق بين موت أو ميلاد إنسان صيني وآخر عربي أو فرنسي؛ فهذه خصائص مشتركة بين كل البشر. وإذا ما افتعل الإنسان الضحك؛ فهو يتضاحك؛ وإذا ما افتعل الإنسان البكاء فهو يتباكى؛ أي: يفتعل الضحك أو البكاء. والذي يفضح كل ذلك هو النهار. والتاريخ يحمل لنا الكثير من الحكايات عن اتخاذ الليل كستار للمواقف؛ والمثل في سيدنا الحسين رضي الله عنه وأرضاه؛ حين جاءت موقعة كربلاء، ورأى العدو وقد أحاط به؛ ورأى الناس وقد انفضوا عنه بعد أن دَعَوْهُ ليبايعوه، ولم يَبْقَ معه إلا قلة؛ وعَزَّتْ عليه نفسه؛ وعَزَّ عليه أن يقتل هؤلاء في معركة غير متكافئة صمم هو على دخولها. فلما أقبل الليل دعا أصحابه وقال لهم: "إن كنتم قد استحييتم أن تفروا عني نهاراً، فالليل جاء وقد ستركم، فمَنْ شاء فليذهب واتركوني". يقص الحق سبحانه ما بدر منهم فَوْرَ أنْ دخلوا على أبيهم: {قَالُواْ يَٰأَبَانَآ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):