١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {نَسْتَبِقُ} نفتعل، من المسابقة. وقيل: أي نَنْتَضِل؛ وكذا في قراءة عبد الله «إنَّا ذَهَبْنَا نَنْتَضِل» وهو نوع من المسابقة؛ قاله الزجاج. وقال الأزهريّ: النِّضال في السِّهام، والرِّهان في الخيل، والمسابقة تجمعهما. قال القُشيريّ أبو نصر: «نَسْتَبِقُ» أي في الرّمي، أو على الفرس؛ أو على الأقدام؛ والغرض من المسابقة على الأقدام تدريب النفس على العَدْو، لأنه الآلة في قتال العدوّ، ودفع الذئب عن الأغنام. وقال السدّي وٱبن حبّان: «نَسْتَبِقُ» نشتد جرياً لنرى أينُّا أسبق. قال ٱبن العربي: المسابقة شِرْعة في الشَّريعة، وخَصْلة بديعة، وعَون على الحرب؛ وقد فعلها صلى الله عليه وسلم بنفسه وبخيله، وسابق عائشة رضي الله عنها على قدميه فسبقها؛ فلما كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقها فسبقته؛ فقال لها: «هذه بتلك». قلت: وسابق سَلَمة بن الأكوع رجلاً لما رجعوا من ذي قَرَد إلى المدينة فسبقه سَلَمة؛ خرجه مسلم. الثانية: وروى مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل التي قد أُضْمِرت (من الْحَفْيَاء) وكان أمدها ثَنِيَّة الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تُضمَّر من الثَّنِيَّة إلى مسجد بني زُرَيق، وأن عبد الله بن عمر كان ممن سابق بها؛ وهذا الحديث مع صحته في هذا الباب تضمن ثلاثة شروط؛ فلا تجوز المسابقة بدونها، وهي: أن المسافة لا بد أن تكون معلومة. الثاني ـ أن تكون الخيل متساوية الأحوال. الثالث ـ ألا يسابق المضمَّر مع غير المضمَّر في أمد واحد وغاية واحدة. والخيل التي يجب أن تَضمَّر ويسابق عليها، وتقام هذه السنّة فيها هي الخيل المعدّة لجهاد العدوّ لا لقتال المسلمين في الفتن. الثالثة: وأما المسابقة بالنّصال والإبل؛ فروى مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلنا منزِلاً فمِنَّا من يصلِح خِباءه، ومنا من يَنْتِضل، وذكر الحديث. وخرّج النسائيّ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا سَبَق إلا في نَصْل أو خُفّ أو حافر»تفسير : . وثبت ذكر النّصل من حديث ابن أبي ذئب عن نافع بن أبي نافع عن أبي هريرة، ذكره النسائي؛ وبه يقول فقهاء الحجاز والعراق. وروى البخاريّ عن أنس قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة تسمى العَضْباء لا تُسبَق ـ قال حُمَيد: أو لا تكاد تُسَبق ـ فجاء أعرابي على قعود فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه؛ فقال: «حديث : حقّ على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه».تفسير : الرابعة: أجمع المسلمون على أن السَّبَق لا يجوز على وجه الرهان إلا في الخفّ والحافر والنّصل؛ قال الشافعي: ما عدا هذه الثلاثة فالسَّبَق فيها قِمار. وقد زاد أبو البَخْتَرِيّ القاضي في حديث الخفّ والحافر والنّصل «أو جَناح» وهي لفظة وضعها للرشيد، فترك العلماء حديثه لذلك ولغيره من موضوعاته؛ فلا يكتب العلماء حديثه بحال. وقد رُوي عن مالك أنه قال: لا سَبَق إلا في الخيل والرمي، لأنه قوّة على أهل الحرب؛ قال: وسَبَق الخيل أحبّ إلينا من سَبَق الرمي. وظاهر الحديث يسوّي بين السّبق على النُّجُب والسَّبق على الخيل. وقد منع بعض العلماء الرّهان في كل شيء إلا في الخيل؛ لأنها التي كانت عادة العرب المراهنة عليها. ورُوي عن عطاء أن المراهنة في كل شيء جائزة؛ وقد تُؤُوِّل قوله؛ لأن حمله على العموم (في كل شيء) يؤدّي إلى إجازة القمار، وهو محرّم باتفاق. الخامسة: لا يجوز السَّبَق في الخيل والإبل إلا في غاية معلومة وأمد معلوم، كما ذكرنا، وكذلك الرمي لا يجوز السَّبَق فيه إلا بغاية معلومة ورَشْق معلوم، ونوع من الإصابة؛ مشترط خَسْقا أو إصابة بغير شرط. والأسباق ثلاثة: سَبَق يعطيه الوالي أو الرجل غير الوالي من ماله متطوّعاً فيجعل للسابق شيئاً معلوماً؛ فمن سبق أخذه. وسَبَق يخرجه أحد المتسابقين دون صاحبه، فإن سَبَقه صاحبه أخذه، وإن سَبَق هو صاحبه أخذه؛ وحسن أن يمضيه في الوجه الذي أخرجه له، ولا يرجع إلى ماله؛ وهذا مما لا خلاف فيه. والسَّبق الثالث ـ اختلف فيه؛ وهو أن يخرج كل واحد منهما شيئاً مثل ما يخرجه صاحبه، فأيهما سَبَق أحرز سبَقه وسبَق صاحبه؛ وهذا الوجه لا يجوز حتى يُدخِلا بينهما محلِّلاً لا يأمنا أن يسبقهما؛ فإن سبق المحلِّل أحرز السَّبَقين جميعاً وأخذهما وحده، وإن سبق أحد المتسابقين أحرز سبَقه وأخذ سبَق صاحبه، ولا شيء للمحلِّل فيه، ولا شيء عليه. وإن سبق الثاني منهما الثالث كان كمن لم يسبق واحد منهما. وقال أبو علي بن خيران ـ من أصحاب الشافعي ـ: وحكم الفرس المحلل أن يكون مجهولاً جريه؛ وسمي محلِّلاً لأنه يحّلل السّبَق للمتسابقين أوْلَهُ. وٱتفق العلماء على أنه إن لم يكن بينهما محلِّل واشترط كل واحد من المتسابقين أنه إن سبق أخذ سبَقه وسبَق صاحبه أنه قمار، ولا يجوز. وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يأمن أن يَسبق فليس بقِمار ومن أدخله وهو يأمن أن يَسبق فهو قِمار»تفسير : . وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب قال: ليس برِهان الخيل بأس إذا دخل فيها محلِّل، فإن سبق أخذ السبق، وإن سُبق لم يكن عليه شيء؛ وبهذا قال الشافعي وجمهور أهل العلم. وٱختلف في ذلك قول مالك؛ فقال مرة لا يجب المحلِّل في الخيل، ولا نأخذ فيه بقول سعيد، ثم قال: لا يجوز إلا بالمحلل؛ وهو الأجود من قوله. السادسة: ولا يحمل على الخيل والإبل في المسابقة إلا محتلم، ولو ركبها أربابها كان أولى؛ وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا يركب الخيل في السباق إلا أربابها. وقال الشافعي: وأقل السَبق أن يسبق بالهادي أو بعضه، أو بالكَفَل أو بعضه. والسبق من الرماة على هذا النحو عنده؛ وقول محمد بن الحسن في هذا الباب نحو قول الشافعي. السابعة: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سابق أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلَّى أبو بكر وثَلَّث عمر؛ ومعنى وصلّى أبو بكر: يعني أن رأس فرسه كان عند صَلاَ فرس رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصَّلَوَان موضع العَجُز. قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا} أي عند ثيابنا وأقمشتنا حارساً لها. {فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ} وذلك أنهم لما سمعوا أباهم يقول: «وأخاف أن يأكله الذئب» أخذوا ذلك من فيه فتحرّموا به؛ لأنه كان أظهر المخاوف عليه. {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} أي بمصدق. {وَلَوْ كُنَّا} أي وإن كنا؛ قاله المبرد وابن إسحق. {صَادِقِينَ} في قولنا؛ ولم يصدقهم يعقوب لمِا ظهر له منهم من قوّة التّهمة وكثرة الأدلة على خلاف ما قالوه على ما يأتي بيانه. وقيل: «ولو كنا صادِقِين» أي ولو كنا عندك من أهل الثقة والصدق ما صدقتنا، ولاتّهمتنا في هذه القضية، لشدة محبتك في يوسف؛ قال معناه الطبريّ والزجاج وغيرهما.
البيضاوي
تفسير : {قَالُواْ يأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ } نتسابق في العدو أو في الرمي، وقد يشترك الافتعال والتفاعل كانتضال والتناضل. {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } بمصدق لنا {وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ } لسوء ظنك بنا وفرط محبتك ليوسف.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالُواْ يأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ } نرمي {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا } ثيابنا {فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَمآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ } بمصدّق {لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَٰدِقِينَ } عندك لاتهمتنا في هذه القصة لمحبة يوسف، فكيف وأنت تسيء الظن بنا؟.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَسْتَبِقُ} على الأقدام أو بالنضال، أو في اقتناص الصيد، أو في عملهم الذي تشاغلوا به من الرعي والاحتطاب. {صَادِقِينَ} وإن صَدَقْنا أو إن كنا أهل صدق لما صدقتنا.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالوا يا ابانا انا ذهبنا نستبق} متسابقين فى العدو او الرمى يقال استبق الرجلان وتسابقا اذا عارضا فى السبق طلبا للغاية كما يقال انتضلا وتناضلا اذا عارضا فى الرمى طلبا للغلبة {وتركنا يوسف} [وبكذاشتيم يوسف راتنها] {عند متاعنا} اى ما نتمتع به من الثياب والازواد وغيرهما فان المتاع فى اللغة كل ما انتفع به واصله النفع الحاضر وهو اسم من متع كالسلام من سلم والمراد به فى قوله تعالى {أية : ولما فتحوا متاعهم} تفسير : اوعية الطعام {فاكله الذئب} عقيب ذلك من غير مضى زمان يعتاد فيه التفقد والتعهد {وما انت بمؤمن لنا} بمصدق لنا فى مقالتنا {ولو كنا} عندك فى اعتقادك {صادقين} موصوفين بالصدق والثقة لفرط محبتك ليوسف فكيف وانت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا. والصدق هو الاخبار عن الشيء على ما هو به والكذب لا على ما هو به والتصديق باللسان الاخبار بكون القائل صادقا وبالقلب الاذعان والقبول لذلك والتكذيب بخلاف ذلك
الجنابذي
تفسير : {قَالُواْ يَٰأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} الاستباق التّسابق فى الرّمى، والتّسابق فى الخيل، والتّسابق فى العدو؛ وهو المراد هنا {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} مصدّق لنا {وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} ذى كذب او مكذوبٍ او كاذبٍ او وصف بالمصدر للمبالغة ووصف الدّم بالكذب باعتبار انّه خلاف ما اظهروه، ورد انّه (ع) قال بعد اخذ القميص ما كان اشدّ غضب ذلك الذّئب على يوسف (ع) واشفقه على قميصه حيث أكل يوسف (ع) ولم يخرق قميصه {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ} سهّلت {لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} عظيماً هو اذى يوسف من غير جرمٍ واذى نبىّ الله والكذب لنبىّ الله {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} هذه الكلمات كانت فى الشّرائع الماضية مثل كلمة الاسترجاع فى الشّريعة المحمّديّة (ص) واصلها فاصبر صبراً جميلاً، اسقط الفعل واقيم المصدر مقامه ثمّ عدل الى الرّفع نظير سلاماً وسلامٌ فعلى هذا كان تقدير: لى صبرٌ جميلٌ، او لى من تقدير صبرى صبرٌ جميلٌ، او صبرٌ جميلٌ صبرى، او أمرى صبر جميل، لانّ تعلّق المصدر بالفاعل والمفعول وربطه به بواسطة حرف الجرّ بعد حذف الفعل واقامة المصدر مقامه منصوباً ومرفوعاً مطّرد مثل ظنّاً منهم وسلام منّا عليك والحمد لله وحمداً لله {وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} من هلاك يوسف (ع) اى على الصّبر عليه.
الالوسي
تفسير : {قَالُواْ يَٰأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} أي متسابقين في العدو على الأقدام على ما روي عن السدي، أو في الرمي بالسهام كما قال الزجاج، أو في أعمال نتوزعها من سقي ورعي واحتطاب أو في الصيد وأخذه كما قيل، ورجح ما قاله الزجاج بقراءة عبد الله ـ إنا ذهبنا ننتضل ـ وأورد على الأول أنه كيف ساغ لهم الاستباق في العدو وهو من أفعال الصبيان التي لا ثمرة فيها، وأجيب باملنع وثمرته التدرب في العدو لمحاربة العدو ومدافعة الذئب مثلاً؛ وبالجملة {نَسْتَبِقُ} بمعنى نتسابق ((وقد يشترك الافتعال والتفاعل فيكونان بمعنى كالانتضال والتناضل ونظائرهما {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا} أي ما يتمتع به من الثياب والازواد وغيرهما {فَأَكَلَهُ ٱلذّئْبُ} عقيب ذلك من غير مضي زمان يعتاد فيه التفقد والتعهد وحيث لا يكاد يطرح المتاع عادة إلا في مقام يؤمن فيه الغوائل لم يعهد تركه عليه السلام عنده ن باب الغفلة وترك الحفظ الملتزم لا سيما إذ لم يغيبوا عنه فكأنهم قالوا: إنا لم نقصر في محافظته ولم نغفل عن مراقبته بل تركناه في مأمننا ومجمعنا بمرأى منا وما فارقناه إلا ساعة يسيرة بيننا وبينه مسافة قصيرة فكان ما كان)) قاله شيخ الإسلام، والظاهر أنهم لم يريدوا / إلا أن الذئب أكل يوسف ولم يقصدوا بذلك تعريضاً فما قيل: إنهم عرضوا وأرادوا أكل الذئب المتاع لا يلتفت إليه لما فيه من الخروج عن الجادة من غير موجب. {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} أي ما أنت مصدق لنا في هذه المقالة {وَلَوْ كُنَّا} عندك وفي اعتقادك {صَـٰدِقِينَ} أي موصوفين بالصدق والثقة لفرط محبتك فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا، قيل: ولا بد من هذا التأويل إذ لو كان المعنى ولو كنا صادقين في نفس الأمر لكان تقديره فكيف إذا كنا كاذبين فيه فيلزم اعترافهم بكذبهم فيه، وقد تقدم أن المراد في مثل ذلك تحقيق الحكم السابق على كل حال فكأنه قيل هنا: وما أنت بمؤمن لنا في حال من الأحوال فتذكر وتأمل.
الواحدي
تفسير : {قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق} نشتدُّ ونعدو ليتبيَّن أيُّنا أسرع عَدْواً {وتركنا يوسف عند متاعنا} ثيابنا {فأكله الذئب وما أنت بمؤمنٍ لنا} بمصدِّق لنا {ولو كنَّا صادقين} في كلِّ الأشياء لأنَّك اتَّهمتنا في هذه القصَّة. {وجاؤوا على قميصه بدم كذب} لأنَّه لم يكن دمه، إنَّما كان دم سخلةٍ {قال} يعقوب عليه السَّلام: {بل} أَيْ: ليس كما تقولون {سوَّلت لكم} زيَّنت لكم {أنفسكم} في شأنه {أمْراً} غير ما تصفون {فصبر} أَيْ: فشأني صبرٌ {جميل} وهو الذي لا جزع فيه ولا شكوى {والله المستعان على ما تصفون} أَيْ: به أستعين في مكابدة هذا الأمر. {وجاءت سيارة} رفقةٌ تسير للسَّفر {فأرسلوا واردهم} وهو الذي يرد الماء ليستقي للقوم {فأدلى دلوه} أرسلها في البئر، فَتَشَبَّثَ يوسف عليه السَّلام بالرِّشاء فأخرجه الوارد، فلمَّا رآه {قال يا بشرى} أَيْ: يا فرحتا {هذا غلام وأسروه بضاعة} أسرَّه الوارد ومَنْ كان معه من التُّجار من غيرهم، وقالوا: هذه بضاعةٌ استبضعها بعض أهل الماء {والله عليم بما يعملون} بيوسف، فلمَّا علم إخوته ذلك أتوهم، وقالوا: هذا عبدٌ آبقٌ منَّا، فقالوا لهم: فبيعوناه، فباعوه منهم، وذلك قوله: {وشروه بثمن بخسٍ} حرامٍ؛ لأنَّ ثمن الحُرِّ حرامٌ {دراهم معدودة} باثنين وعشرين درهماً {وكانوا} يعني: إخوته {فيه} في يوسف {من الزاهدين} لم يعرفوا موضعه من الله سبحانه وكرامته عليه.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَٰأَبَانَآ} {مَتَاعِنَا} {صَادِقِينَ} (17) - وَقَالُوا لأَِبِيهِمْ مُعْتَذِرِينَ عَمَّا وَقَعَ: إِنَّهُمْ ذَهَبُوا يَتَسَابَقُونَ فِي الرَّمِي، وَتَرَكُوا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِهِمْ لِيَحْرُسَهُ، فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ. ثُمَّ قَالُوا لَهُ: إِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّكَ لاَ تُصَدِّقُنا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ فِيمَا نَقُولُ، فَكَيْفَ وَأَنْتَ تَتَّهِمُنَا فِي ذَلِكَ، لأَِنَّكَ خَشِيتَ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ فَأَكَلَهُ، فَأَنْتَ مَعْذُورٌ فِي تَكْذِيبِكَ إِيَّانَا. نَسْتَبِقُ - نَنْتَضِلُ بِالسِّهَامِ. مَتَاعِنَا - ثِيَابِنَا وَعُدَّتِنَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة: {نَسْتَبِقُ ..} [يوسف: 17]. تعبر عن بيان تفوُّق ذات على ذات في حركة ما؛ لنرى من سيسبق الآخر؛ فحين يتسابق اثنان في الجري نرى مَنْ فيهما سبق الآخر؛ وهذا هو الاستباق. وقد يكون الاستباق في حركة بآلة؛ كأن يمسك إنسان ببندقية ويُصوِّبها إلى الهدف؛ ويأتي آخر ويمسك ببندقية أخرى ويحاول أن يصيب الهدف؛ ومَنْ يسبق منهما في إصابة الهدف يكون هو المتفوق في هذا المجال. وقد يكون الاستباق في الرمي بالسهام؛ ونحن نعرف شكل السهم؛ فهو عبارة عن غُصْن مَرنٍ، يلتوي دون أن ينكسر؛ ومُثبَّت عليه وتر، ويوضع السهم في منتصف الوتر، ليشده الرامي فينطلق السهم إلى الهدف. وتُقَاسُ دقة إصابة الهدف حسب شدة السهم وقوة الرمي، ويسمى ذلك "تحديد الهدف". أما إذا كان التسابق من ناحية طول المسافة التي يقطعها السهم؛ فهذا لقياس قوة الرامي. وهكذا نجد الاستباق له مجالات متعددة؛ وكل ذلك حلال؛ فهم أسباط وأولاد يعقوب، ولا مانع أن يلعب الإنسان لُعْبة لا تُلهِيه عن واجبه؛ وقد تنفعه فيما يَجِدُّ من أمور؛ فإذا التقى بعدو نفعه التدريب على استخدام السهم أو الرمح أو أداة قتال؛ واللعب الذي لا يَنْهى عن طاعة، وينفع وقت الجد هو لَعِب حلال. وهناك ألعاب قد لا يدرك الناس لها غاية مثل كرة القدم. وأقول: قد يوجد عَدوَّانِ؛ وبينهما قنبلة موقوتة؛ ويحاول كل طرف أن يبعدها عن موقعه، والقوة والحكمة تظهر في محاولة كل فريق في إبعاد الكرة عن مرماه. ولكن لا بد ألا يُلْهِي لعب الكرة عن واجب؛ فمثلاً حين يؤذن المؤذن للصلاة، الوَاجب علينا ألا نهمل الصلاة ونواصل اللعب، وعلى اللاعبين أن يُراعُوا عدم ارتداء ملابس تكشف عن عوراتهم. وأبناء يعقوب قالوا: {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا ..} [يوسف: 17]. وفي هذا إخلال بشروط التعاقد مع الأب الذي أذِنَ بخروج يوسف بعد أن قالوا: {أية : أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ..} تفسير : [يوسف: 12]. وقالوا: {أية : وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} تفسير : [يوسف: 11]. وقالوا: {أية : وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [يوسف: 12]. فهل أخذتموه معكم ليرتع ويلعب، ويأكل من ثمار الأشجار والفاكهة؛ وتحفظونه، أم ليحفظ لكم متاعكم وأنتم تستبقون. وهذا أول الكذب الذي كذبوه؛ وهذه أول مخالفة لشرط إذن والده له بالخروج معكم؛ ولأن "المريب يكاد يقول خذوني" نجدهم قد قالوا: {فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف: 17]. أو: أنهم قالوا ذلك لأنهم يعلمون أن والدهم لن يُصدِّقهم مهما قالوا. ونعلم أن "آمن" إما أن تتعدى إلى المفعول بنفسها مثل "آمنه الله من الجوع"، أو قوله الحق: {أية : وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 4]. أو: تجيء بالباء، ويُقال "آمن به" أي: صدَّق واعتقد. أو: يُقَال "آمن له" أي: صدَّقه فيما يقول. وهم هنا يتهمون أباهم أنه مُتحَدٍّ لهم، حتى ولو كانوا صادقين، وهم يعلمون أنهم غير صادقين؛ ولكن جاءوا بكلمة الصدق ليداروا كذبهم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} معناهُ بِمُصدقٍ. والإِيمانُ التَّصديقُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {قَالُواْ يَٰأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف: 17] {وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} [يوسف: 18] هذه كلها إشارة إلى تزوير الحواس والقوى، وتلبيسها وتمويهاتها وتخيلاتها الفاسدة وكذباتها وحيلها ومكرها وكيدها وتوهماتها وتسويلاتها المجبولة عليها وإلا كانت للأنبياء. وفي قوله: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 18] إشارة إلى معرفة الروح المؤيدة بنور الإيمان أنه يقف على النفس وصفاتها، وما جبلت الحواس والقوى عليه، ولا يقبل منها تمويهاتها وتسويلاتها، ويرى الأمور كلها من عند الله وأحكامه الأزلية، فصبر عليها صبراً جميلاً وهو الصبر على ظهور ما أراده الله فيها بالإرادة القديمة، والتسليم لها والرضاء بها. وبقوله تعالى: {وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] يشير إلى الاستعانة بالله على الصبر الجميل فيما يجري من قضائه وقدره، وهذا كله من اختصاص الروح العلوي المؤيد بتأييد الله، ومن ثمرة الصبر الجميل من الروح نجاة القلب من غيابة جب القلب بجذبات العناية كما قال تعالى: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ} [يوسف: 19] وهي هبوب نفحات ألطاف الحق، {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ} [يوسف: 19] أي: وارد من واردات تلك النفحات، {فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ} [يوسف: 19] دلو جذبة من جذبات الحق، فخلص يوسف القلب من جُبِّ طبيعة القالب. {قَالَ يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} [يوسف: 19] يشير إلى أن القلب كما له بشارة من تعلق الجذبة وخلاصه في الجب؛ فكذلك الجذبة بشارة في تعلقها بالقلب وإخلاصه من الجب وهي من أسرار {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} [يوسف: 19] بالحكمة في البشارتين، {بِمَا يَعْمَلُونَ} [يوسف: 19] من شراءه بثمن بخس، {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20] وهو والحظوظ الفانية، {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20] احتظاظ أيام معدودة. {وَكَانُواْ فِيهِ} [يوسف: 20] أي: في يوسف القلب، {مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ} [يوسف: 20] لأنهم ما عرفوا قدره؛ وذلك لأن الحواس والقوى مستعدة للاحتظاظ بتمتعاته الدنيوية الفانية، والقلب يعد الاحتفاظ بتمتعات الأخروية الباقية؛ بل هو مستعد للاحتظاظ بشواهد الربانية، وإنه إذا سقي بشراب طهور تجلي الجمال والجلال يهرق سواه على أرض النفوس والقوى والحواس فيحتفظون، وللأرض من كأس الكرام نصيب، فلمَّا أخرجوه من جب الطبيعة ذهبوا إلى مِصر الشريعة.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 385 : 5 : 45 - سفين في قوله {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} قال، ما أنت بمصدق لنا. [الآية 17].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):