١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
19
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى بين كيف سهل السبيل في خلاص يوسف من تلك المحنة، فقال: {وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ } يعني رفقة تسير للسفر. قال ابن عباس: جاءت سيارة أي قوم يسيرون من مدين إلى مصر فأخطؤا الطريق فانطلقوا يهيمون على غير طريق، فهبطوا على أرض فيها جب يوسف عليه السلام، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة، وقيل: كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف عليه السلام فأرسلوا رجلاً يقال له: مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء، والوارد الذي يرد الماء ليستقي القوم {فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ } ونقل الواحدي عن عامة أهل اللغة أنه يقال: أدلى دلوه إذا أرسلها في البئر ودلاها إذا نزعها من البئر يقال: أدلى يدلي إدلاء إذا أرسل ودلا يدلو دلواً إذا جذب وأخرج، والدلو معروف، والجمع دلاء {قَالَ يَـا بُشْرى هَـٰذَا غُلاَمٌ } وههنا محذوف، والتقدير: فظهر يوسف قال المفسرون: لما أدلى الوارد دلوه وكان يوسف في ناحية من قعر البئر تعلق بالحبل فنظر الوارد إليه ورأى حسنه نادى، فقال: يا بشرى. وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي {بُشْرىً } بغير الألف وبسكون الياء، والباقون يا بشراي بالألف وفتح الياء على الإضافة. المسألة الثانية: في قوله: {ٱلرّيَاحَ بُشْرىً } قولان: القول الأول: أنها كلمة تذكر عند البشارة ونظيره قولهم: يا عجباً من كذا وقوله: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ } وعلى هذا القول ففي تفسير النداء وجهان: الأول: قال الزجاج: معنى النداء في هذه الأشياء التي لا تجيب تنبيه المخاطبين وتوكيد القصة فإذا قلت: يا عجباه فكأنك قلت اعجبوا. الثاني: قال أبو علي: كأنه يقول: يا أيتها البشرى هذا الوقت وقتك، ولو كنت ممن يخاطب لخوطبت الآن ولأمرت بالحضور. واعلم أن سبب البشارة هو أنهم وجدوا غلاماً في غاية الحسن وقالوا: نبيعه بثمن عظيم ويصير ذلك سبباً لحصول الغنى. والقول الثاني: وهو الذي ذكره السدي أن الذي نادى صاحبه وكان اسمه، فقال يا بشرى كما تقول يا زيد. وعن الأعمش أنه قال: دعا امرأة اسمها بشرى {ٱلرّيَاحَ بُشْرىً } قال أبو علي الفارسي: إن جعلنا البشرى اسماً للبشارة، وهو الوجه جاز أن يكون في محل الرفع كما قيل: يا رجل لاختصاصه بالنداء، وجاز أن يكون في موضع النصب على تقدير: أنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى، ولم يخص كما تقول: يا رجلاً { أية : يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ } تفسير : [يس: 30]. وأما قوله تعالى: {وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةً } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: الضمير في {وَأَسَرُّوهُ } إلى من يعود؟ فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى الوارد وأصحابه أخفوا من الرفقة أنهم وجدوه في الجب، وذلك لأنهم قالوا: إن قلنا للسيارة التقطناه شاركونا فيه، وإن قلنا اشتريناه: سألونا الشركة، فالأصوب أن نقول: إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر. والثاني: نقل عن ابن عباس أنه قال: {وَأَسَرُّوهُ } يعني: إخوة يوسف أسروا شأنه، والمعنى: أنهم أخفوا كونه أخاً لهم، بل قالوا: إنه عبد لنا أبق منا وتابعهم على ذلك يوسف لأنهم توعدوه بالقتل بلسان العبرانية، والأول أولى لأن قوله: {وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةً } يدل على أن المراد أسروه حال ما حكموا بأنه بضاعة، وذلك إنما يليق بالوارد لا بإخوة يوسف. المسألة الثانية: البضاعة القطعة من المال تجعل للتجارة من بضعت اللحم إذا قطعته. قال الزجاج: وبضاعة منصوبة على الحال كأنه قال: وأسروه حال ما جعلوه بضاعة. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } والمراد منه أن يوسف عليه السلام لما رأى الكواكب والشمس والقمر في النوم سجدت له وذكر ذلك حسده إخوته عليه واحتالوا في إبطال ذلك الأمر عليه فأوقعوه في البلاء الشديد حتى لا يتيسر له ذلك المقصود، وأنه تعالى جعل وقوعه في ذلك البلاء سبباً إلى وصوله إلى مصر، ثم تمادت وقائعه وتتابع الأمر إلى أن صار ملك مصر وحصل ذلك الذي رآه في النوم فكان العمل الذي عمله الأعداء في دفعه عن ذلك المطلوب صيره الله تعالى سبباً لحصول ذلك المطلوب، فلهذا المعنى قال: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ }. ثم قال تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرٰهِمَ مَعْدُودَةٍ } أما قوله: {وَشَرَوْهُ } ففيه قولان: القول الأول: المراد من الشراء هو البيع، وعلى هذا التقدير ففي ذلك البائع قولان: القول الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن إخوة يوسف لما طرحوا يوسف في الجب ورجعوا عادوا بعد ثلاث يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبدنا أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، والمراد من قوله: {وَشَرَوْهُ } أي باعوه يقال: شريت الشيء إذا بعته، وإنما وجب حمل هذا الشراء على البيع، لأن الضمير في قوله: {وَشَرَوْهُ } وفي قوله: {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزهِدِينَ } عائد إلى شيء واحد لكن الضمير في قوله: {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزهِدِينَ } عائد إلى الإخوة فكذا في قوله: {وَشَرَوْهُ } يجب أن يكون عائداً إلى الإخوة، وإذا كان كذلك فهم باعوه فوجب حمل هذا الشراء على البيع. والقول الثاني: أن بائع يوسف هم الذين استخرجوه من البئر، وقال محمد بن إسحق: ربك أعلم أإخوته باعوه أم السيارة، وههنا قول آخر وهو أنه يحتمل أن يقال: المراد من الشراء نفس الشراء، والمعنى أن القوم اشتروه وكانوا فيه من الزاهدين، لأنهم علموا بقائن الحال أن إخوة يوسف كذابون في قولهم إنه عبدنا وربما عرفوا أيضاً أنه ولد يعقوب فكرهوا شراءه خوفاً من الله تعالى، ومن ظهور تلك الواقعة، إلا أنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة لأنهم اشتروه بثمن قليل مع أنهم أظهروا من أنفسهم كونهم فيه من الزاهدين، وغرضهم أن يتوصلوا بذلك إلى تقليل الثمن، ويحتمل أيضاً أن يقال إن الأخوة لما قالوا: إنه عبدنا أبق صار المشتري عديم الرغبة فيه. قال مجاهد: وكانوا يقولون استوثقوا منه لئلا يأبق. ثم اعلم أنه تعالى وصف ذلك الثمن بصفات ثلاث. الصفة الأولى: كونه بخساً. قال ابن عباس: يريد حراماً لأن ثمن الحر حرام، وقال كل بخس في كتاب الله نقصان إلا هذا فإنه حرام، قال الواحدي سموا الحرام بخساً لأنه ناقص البركة، وقال قتادة: بخس ظلم والظلم نقصان يقال ظلمه أي نقصه، وقال عكرمة والشعبي قليل وقيل: ناقص عن القيمة نقصاناً ظاهراً، وقيل كانت الدراهم زيوفاً ناقصة العيار. قال الواحدي رحمه الله تعالى: وعلى الأقوال كلها، فالبخس مصدر وضع موضع الاسم، والمعنى بثمن مبخوس. الصفة الثانية: قوله: {دَرٰهِمَ مَعْدُودَةٍ } قيل تعد عداً ولا توزن، لأنهم كانوا لا يزنون إلا إذا بلغ أوقية، وهي الأربعون ويعدون ما دونها فقيل للقليل معدود، لأن الكثيرة يمتنع من عدها لكثرتها، وعن ابن عباس كانت عشرين درهماً، وعن السدي اثنين وعشرين درهماً. قالوا والإخوة كانوا أحد عشر فكل واحد منهم أخذ درهمين إلا يهوذا لم يأخذ شيئاً. الصفة الثالثة: قوله: {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزهِدِينَ } ومعنى الزهد قلة الرغبة يقال زهد فلان في كذا إذا لم يرغب فيه وأصله القلة. يقال: رجل زهيد إذا كان قليل الطمع، وفيه وجوه: أحدها: أن إخوة يوسف باعوه، لأنهم كانوا فيه من الزاهدين. والثاني: أن السيارة الذين باعوه كانوا فيه من الزاهدين، لأنهم التقطوه والملتقط للشيء متهاون به لا يبالي بأي شيء يبيعه أو لأنهم خافوا أن يظهر المستحق فينزعه من يدهم، فلا جرم باعوه بأوكس الأثمان. والثالث: أن الذين اشتروه كانوا فيه من الزاهدين، وقد سبق توجيه هذه الأقوال فيما تقدم، والضمير في قوله: {فِيهِ } يحتمل أن يكون عائد إلى يوسف عليه السلام، ويحتمل أن يكون عائداً إلى الثمن البخس والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ} أي رفقة مارّة يسيرون من الشام إلى مصر فأخطئوا الطريق وهاموا حتى نزلوا قريباً من الجب، وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران، إنما هو للرّعاة والمجتاز، وكان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقى فيه يوسف. {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ} فذكر على المعنى؛ ولو قال: فأرسلت واردها لكان على اللفظ، مثل «وجاءت». والوارد الذي يرد الماء يستقي للقوم؛ وكان اسمه ـ فيما ذكر المفسرون ـ مالك بن دعر، من العرب العاربة. {فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ} أي أرسله؛ يقال: أدلى دلوه إذا أرسلها ليملأها، ودَلاَها أي أخرجها: عن الأصمعي وغيره. ودلا ـ من ذات الواو ـ يدلو دلواً، أي جذب وأخرج، وكذلك أدلى إذا أرسل، فلما ثقل ردوه إلى الياء، لأنها أخف من الواو؛ قاله الكوفيون. وقال الخليل وسيبويه: لما جاوز ثلاثة أحرف رجع إلى الياء، اتباعاً للمستقبل. وجمع دَلْو في أقل العدد أَدْلٍ فإذا كثرت قلت: دُليّ ودلِيّ؛ فقلبت الواو ياء، إلا أن الجمع بابه التغيير، وليفرق بين الواحد والجمع؛ ودِلاء أيضا. فتعلق يوسف بالحبل، فلما خرج إذا غلام كالقمر ليلة البدر، أحسن ما يكون من الغلمان. قال صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء من صحيح مسلم: «حديث : فإذا أنا بيوسف إذا هو قد أعطي شطر الحسن»تفسير : . وقال كعب الأحبار: كان يوسف حسن الوجه، جعد الشعر، ضخم العينين، مستوي الخلق، أبيض اللون، غليظ الساعدين والعضدين، خميص البطن، صغير السرة، إذا ابتسم رأيت النور من ضواحكه، وإذا تكلم رأيت في كلامه شعاع الشمس من ثناياه، لا يستطيع أحد وصفه؛ وكان حسنه كضوء النهار عند الليل، وكان يشبه آدم عليه السلام يوم خلقه الله ونفخ فيه من روحه قبل أن يصيب المعصية. وقيل: إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة؛ وكانت قد أعطيت سدس الحسن؛ فلما رآه مالك بن دعر قال: «يَا بُشْرَايَ هَذَا غُلاَمٌ» هذه قراءة أهل المدينة وأهل البصرة؛ إلا ابن أبي إسحق فإنه قرأ «يَا بُشْرَيَّ هَذَا غُلاَمٌ» فقلب الألف ياء، لأن هذه الياء يكسر ما قبلها، فلما لم يجز كسر الألف كان قلبها عوضاً. وقرأ أهل الكوفة «يَا بُشْرى» غير مضاف؛ وفي معناه قولان: أحدهما: اسم الغلام، والثاني: معناه يا أيتها البشرى هذا حينك وأوانك. قال قتادة والسديّ: لما أدلى المدلي دلوه تعلق بها يوسف فقال: يا بشرى هذا غلام؛ قال قتادة: بشر أصحابه بأنه وجد عبدا. وقال السدي: نادى رجلاً اسمه بشرى قال النحاس: قول قتادة أولى؛ لأنه لم يأت في القرآن تسمية أحد إلا يسيرا؛ وإنما يأتي بالكناية كما قال عز وجل: {أية : وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ} تفسير : [الفرقان: 27] وهو عقبة بن أبي معيط، وبعده {أية : يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً}تفسير : [الفرقان: 28] وهو أمية بن خلف؛ قاله النحاس. والمعنى في نداء البشرى: التبشير لمن حضر؛ وهو أوكد من قولك تبشرت، كما تقول: يا عجباه! أي يا عجب هذا من أيامك ومن آياتك، فاحضر؛ وهذا مذهب سيبويه، وكذا قال السُّهيلي. وقيل: هو كما تقول: واسروراه وأن البشرى مصدر من الاستبشار: وهذا أصحّ؛ لأنه لو كان اسما علما لم يكن مضافاً إلى ضمير المتكلم؛ وعلى هذا يكون «بُشْرَايَ» في موضع نصب؛ لأنه نداء مضاف؛ ومعنى النداء هاهنا التنبيه، أي انتبهوا لفرحتي وسروري؛ وعلى قول السُّدّي يكون في موضع رفع كما تقول: يا زيد هذا غلام. ويجوز أن يكون محله نصبا كقولك: يا رجلاً، وقوله: {أية : يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ}تفسير : [يس: 30] ولكنه لم ينون «بُشْرَى» لأنه لا ينصرف. {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} الهاء كناية عن يوسف عليه السلام؛ فأما الواو فكناية عن إخوته. وقيل: عن التجار الذين ٱشتروه، وقيل: عن الوارد وأصحابه. «بِضَاعَةً» نصب على الحال. قال مجاهد: أسرّه مالك بن دُعْر وأصحابه من التجار الذين معهم في الرفقة، وقالوا لهم: هو بضاعة ٱستبضعناها بعضُ أهل الشام أو أهل هذا الماء إلى مصر؛ وإنما قالوا هذا خيفة الشركة. وقال ٱبن عباس: أسرّه إخوة يوسف بضاعة لما ٱستخرج من الجبّ؛ وذلك أنهم جاءوا فقالوا: بئس ما صنعتم! هذا عبد لنا أَبِق، وقالوا ليوسف بالعبرانية: إما أن تُقرّ لنا بالعبودية فنبيعك من هؤلاء، وإما أن نأخذك فنقتلك؛ فقال: أنا أقرّ لكم بالعبودية، فأقرّ لهم فباعوه منهم. وقيل: إن يهوذا وصىّ أخاه يوسف بلسانهم أن ٱعترِف لإخوتك بالعبودية فإنى أخشى إن لم تفعل قتلوك؛ فلعل الله أن يجعل لك مخرجا، وتنجو من القتل، فكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته؛ فقال مالك: والله ما هذه سمة العبيد!، قالوا: هو تَربَّى في حجورنا، وتخلق بأخلاقنا، وتأدّب بآدابنا؛ فقال: ما تقول يا غلام؟ قال: صدقوا! تربيت في حجورهم، وتخلقت بأخلاقهم؛ فقال مالك: إن بعتموه مني ٱشتريته منكم؛ فباعوه منه؛ فذلك
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عما جرى ليوسف عليه السلام حين ألقاه إخوته وتركوه في ذلك الجب وحيداً فريداً، فمكث في البئر ثلاثة أيام، فيما قاله أبو بكر بن عياش، وقال محمد بن إسحاق: لما ألقاه إخوته، جلسوا حول البئر يومهم ذلك، ينظرون ماذا يصنع، وما يصنع به، فساق الله له سيارة، فنزلوا قريباً من تلك البئر، وأرسلوا واردهم، وهو الذي يتطلب لهم الماء، فلما جاء ذلك البئر، وأدلى دلوه فيها، تشبث يوسف عليه السلام فيها، فأخرجه واستبشر به، وقال: {يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ}. وقرأ بعض القراء: يا بشراي فزعم السدي أنه اسم رجل ناداه ذلك الرجل الذي أدلى دلوه معلماً له أنه أصاب غلاماً، وهذا القول من السدي غريب؛ لأنه لم يسبق إلى تفسير هذه القراءة بهذا إلا في رواية عن ابن عباس، والله أعلم، وإنما معنى القراءة على هذا النحو يرجع إلى القراءة الأخرى، ويكون قد أضاف البشرى إلى نفسه، وحذف ياء الإضافة، وهو يريدها؛ كما تقول العرب: يا نفس اصبري، ويا غلام أقبل، بحذف حرف الإضافة، ويجوز الكسر حينئذ والرفع، وهذا منه، وتفسرها القراءة الأخرى: يا بشراي والله أعلم. وقوله: {وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةً} أي: وأسره الواردون من بقية السيارة، وقالوا: اشتريناه وتبضعناه من أصحاب الماء؛ مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا خبره، قاله مجاهد والسدي وابن جرير، هذا قول، وقال العوفي عن ابن عباس قوله: {وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةً} يعني: إخوة يوسف أسروا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، واختار البيع، فذكره إخوته لوارد القوم، فنادى أصحابه {يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ} يباع، فباعه إخوته. وقوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي: عليم بما يفعله إخوة يوسف ومشتروه، وهو قادر على تغيير ذلك ودفعه، ولكن له حكمة وقدر سابق، فترك ذلك ليمضي ما قدره وقضاه {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [الأعراف: 54] وفي هذا تعريض لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وإعلام له بأني عالم بأذى قومك لك، وأنا قادر على الإنكار عليهم، ولكني سأملي لهم، ثم أجعل لك العاقبة والحكم عليهم، كما جعلت ليوسف الحكم والعاقبة على إخوته. وقوله: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍ} يقول تعالى: وباعه إخوته بثمن قليل. قاله مجاهد وعكرمة، والبخس: هو النقص؛ كما قال تعالى: {أية : فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً} تفسير : [الجن: 13] أي: اعتاض عنه إخوته بثمن دون قليل، ومع ذلك كانوا فيه من الزاهدين، أي: ليس لهم رغبة فيه، بل لو سألوه بلا شيء لأجابوا. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: إن الضمير في قوله: {وَشَرَوْهُ} عائد على إخوة يوسف. وقال قتادة: بل هو عائد على السيارة. والأول أقوى؛ لأن قوله: {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَٰهِدِينَ} إنما أراد إخوته، لا أولئك السيارة؛ لأن السيارة استبشروا به، وأسروه بضاعة، ولو كانوا فيه زاهدين، لما اشتروه، فترجح من هذا أن الضمير في {وَشَرَوْهُ} إنما هو لإخوته. وقيل: المراد بقوله: {بَخْسٍ} الحرام. وقيل: الظلم، هذا وإن كان كذلك، لكن ليس هو المراد هنا؛ لأن هذا معلوم يعرفه كل أحد أن ثمنه حرام على كل حال، وعلى كل أحد؛ لأنه نبي ابن نبي ابن نبي ابن خليل الرحمن، فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وإنما المراد هنا بالبخس الناقص، أو الزيوف، أو كلاهما، أي: إنهم إخوته، وقد باعوه، ومع هذا بأنقص الأثمان، ولهذا قال: {دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍ}، فعن ابن مسعود رضي الله عنه: باعوه بعشرين درهماً، وكذا قال ابن عباس ونوف البكالي والسدي وقتادة وعطية العوفي، وزاد: اقتسموها درهمين درهمين. وقال مجاهد: اثنان وعشرون درهماً. وقال محمد بن إسحاق وعكرمة: أربعون درهماً. وقال الضحاك في قوله: {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَٰهِدِينَ} وذلك أنهم لم يعلموا نبوته ومنزلته عند الله عز وجل، وقال مجاهد: لما باعوه، جعلوا يتبعونهم، ويقولون لهم: استوثقوا منه لا يأبق، حتى وقفوه بمصر، فقال: من يبتاعني وليبشر؟ فاشتراه الملك، وكان مسلماً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَجآءَتْ سَيَّارَةٌ } مسافرون من (مدين) إلى مصر فنزلوا قريباً من جب يوسف {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ } الذي يرد الماء ليستقي منه {فَأَدْلَىٰ } أرسل {دَلْوَهُ } في البئر فتعلق بها يوسف، فأخرجه فلما رآه {قَالَ يَابُشْرَىٰ } وفي قراءة «بشراي» ونداؤها مجاز أي احضري فهذا وقتك {هَٰذَا غُلاَمٌ } فعلم به إخوته فأتوه {وَأَسَرُّوهُ } أي أخفوا أمره جاعليه {بِضَٰعَةً } بأن قالوا هذا عبدنا أَبَقَ، وسكت يوسف خوفاً أن يقتلوه {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ }.
الشوكاني
تفسير : هذا شروع في حكاية خلاص يوسف، وما كان بعد ذلك من خبره، وقد تقدم تفسير السيارة، والمراد بها هنا: رفقة مارة تسير من الشام إلى مصر، فأخطؤا الطريق وهاموا حتى نزلوا قريباً من الجبّ، وكان في قفرة بعيدة من العمران. والوارد: الذي يرد الماء ليستقي للقوم، وكان اسمه فيما ذكر المفسرون مالك بن ذعر من العرب العاربة {فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ } أي: أرسله، يقال: أدلى دلوه إذا أرسلها ليملأها، ودلاها: إذا أخرجها، قاله الأصمعي وغيره. فتعلق يوسف بالحبل، فلما خرج الدلو من البئر أبصره الوارد فقال " يا بشراي" هكذا قرأ أهل المدينة وأهل مكة وأهل البصرة، وأهل الشام بإضافة البشرى إلى الضمير. وقرأ أهل الكوفة {يا بشرى} غير مضاف، ومعنى مناداته للبشرى: أنه أراد حضورها في ذلك الوقت، فكأنه قال: هذا وقت مجيئك وأوان حضورك. وقيل: إنه نادى رجلاً اسمه بشرى. والأوّل أولى. قال النحاس: والمعنى من نداء البشرى للتبشير لمن حضر، وهو أوكد من قولك بشرته كما تقول يا عجبا أي: يا عجب هذا من أيامك فاحضر. قال: وهذا مذهب سيبويه {وَأَسَرُّوهُ } أي: أسرّ الوارد وأصحابه الذين كانوا معه يوسف فلم يظهروه لهم. وقيل: إنهم لم يخفوه، بل أخفوا وجدانهم له في الجبّ، وزعموا أنه دفعه إليهم أهل الماء ليبيعوه لهم بمصر. وقيل: ضمير الفاعل في {أسرّوه} لإخوة يوسف، وضمير المفعول ليوسف، وذلك أنه كان يأتيه أخوه يهوذا كل يوم بطعام، فأتاه يوم خروجه من البئر فأخبر إخوته فأتوا الرفقة وقالوا: هذا غلام أبق منا فاشتروه منهم، وسكت يوسف مخافة أن يأخذوه فيقتلوه، والأوّل أولى. وانتصاب {بضاعة} على الحال: أي أخفوه حال كونه بضاعة أي: متاعاً للتجارة، والبضاعة: ما يبضع من المال، أي: يقطع منه، لأنها قطعة من المال الذي يتجر به، قيل: قاله لهم الوارد وأصحابه أنه بضاعة استبضعناها من الشام مخافة أن يشاركوهم فيه، وفي قوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } وعيد شديد لمن كان فعله سبباً لما وقع فيه يوسف من المحن وما صار فيه من الابتذال بجري البيع والشراء فيه، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم في وصفه بذلك. قوله: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرٰهِمَ مَعْدُودَةٍ } يقال: شراه بمعنى اشتراه، وشراه بمعنى باعه. قال الشاعر:شعر : وشريت برداً ليتني من بعد برد كنت هامه تفسير : أي: بعته. وقال آخر:شعر : فلما شراها فاضت العين عبرة تفسير : أي اشتراها. والمراد هنا: وباعوه، أي: باعه الوارد وأصحابه {بِثَمَنٍ بَخْسٍ } أي: ناقص، أو زائف، وقيل: يعود إلى إخوة يوسف على القول السابق، وقيل: عائد إلى الرفقة، والمعنى: اشتروه. وقيل: بخس ظلم، وقيل: حرام. قيل: باعوه بعشرين درهماً، وقيل: بأربعين، و{دراهم} بدل من ثمن أي: دنانير، و{معدودة} وصف لدراهم، وفيه إشارة إلى أنها قليلة تعدّ ولا توزن؛ لأنهم كانوا لا يزنون ما دون أوقية وهي أربعون درهماً، {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزاهِدِينَ } يقال: زهدت وزهدت بفتح الهاء وكسرها. قال سيبويه والكسائي: قال أهل اللغة: يقال: زهد فيه أي رغب عنه، وزهد عنه أي: رغب فيه. والمعنى: أنهم كانوا فيه من الراغبين عنه الذين لا يبالون به، فلذلك باعوه بذلك الثمن البخس؛ وذلك لأنهم التقطوه، والملتقط للشيء متهاون به، والضمير من {كانوا} يرجع إلى ما قبله على حسب اختلاف الأقوال فيه. {وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَاهُ مِن مّصْرَ } هو العزيز الذي كان على خزائن مصر، وكان وزيراً لملك مصر، وهو الريان بن الوليد من العمالقة. وقيل: إن الملك هو فرعون موسى، قيل: اشتراه بعشرين ديناراً، وقيل: تزايدوا في ثمنه فبلغ أضعاف وزنه مسكاً وعنبراً وحريراً وورقاً وذهباً ولآلىء وجواهر، فلما اشتراه العزيز قال: {لاِمْرَأَتِهِ } واللام متعلقة بـ {اشتراه}، {أَكْرِمِى مَثْوَاهُ } أي: منزله الذي يثوى فيه بالطعام الطيب واللباس الحسن. يقال: ثوى بالمكان أي: أقام به {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا } أي: يكفينا بعض المهمات مما نحتاج إلى مثله فيه {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } أي: نتبناه فنجعله ولداً لنا. قيل: كان العزيز حصوراً لا يولد له، وقيل: كان لا يأتي النساء، وقد كان تفرّس فيه أنه ينوب عنه فيما إليه من أمر المملكة. قوله: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ } الكاف في محل نصب على أنه نعت مصدر محذوف، والإشارة إلى ما تقدّم من إنجائه من إخوته وإخراجه من الجبّ، وعطف قلب العزيز عليه أي: مثل ذلك التمكين البديع مكنا ليوسف حتى صار متمكناً من الأمر والنهي، يقال: مكنه فيه أي أثبته فيه، ومكن له فيه أي: جعل له فيه مكاناً، ولتقارب المعنيين يستعمل كل واحد منهما مكان الآخر. قوله: {وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} هو علة لمعلل محذوف كأنه قيل: فعلنا ذلك التمكين لنعلمه من تأويل الأحاديث، أو كان ذلك الإنجاء لهذه العلة، أو معطوف على مقدّر، وهو أن يقال: مكنا ليوسف ليترتب على ذلك ما يترتب مما جرى بينه وبين امرأة العزيز، {ولنعلمه من تأويل الأحاديث}؛ ومعنى تأويل الأحاديث: تأويل الرؤيا، فإنها كانت من الأسباب التي بلغ بها ما بلغ من التمكن، وقيل: معنى تأويل الأحاديث فهم أسرار الكتب الإلهية وسنن من قبله من الأنبياء، ولا مانع من حمل ذلك على الجميع. {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ } أي: على أمر نفسه لا يمتنع منه شيء، ولا يغالبه عليه غيره من مخلوقاته {أية : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [يۤس: 82]. ومن جملة ما يدخل تحت هذا العام كما يفيد ذلك إضافة اسم الجنس إلى الضمير، ما يتعلق بيوسف عليه السلام من الأمور التي أرادها الله سبحانه في شأنه. وقيل: معنى {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ } أنه كان من أمر يعقوب أن لا يقصّ رؤيا يوسف على إخوته، فغلب أمر الله سبحانه حتى قصت عليهم حتى وقع منهم ما وقع، وهذا بعيد جدّاً {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } أي: لا يطلعون على غيب الله وما في طيه من الأسرار العظيمة والحكم النافعة، وقيل: المراد بالأكثر: الجميع؛ لأنه لا يعلم الغيب إلاّ الله. وقيل إن الله سبحانه قد يطلع بعض عبيده على بعض غيبه، كما في قوله: {أية : فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ } تفسير : [الجن: 26 - 27]. وقيل: المعنى ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الله غالب على أمره، وهم المشركون ومن لا يؤمن بالقدر. قوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ اتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } الأشدّ. قال سيبويه: جمع واحدة شدّة، وقال الكسائي: واحده شدّ. وقال أبو عبيد: إنه لا واحد له من لفظه عند العرب، ويردّه قول الشاعر:شعر : عَهدي به شدَّ النهارِ كأنما خُضِبَ البنانَ ورأسه بالعظْلم تفسير : والأشدّ: هو وقت استكمال القوة، ثم يكون بعده النقصان. قيل: هو ثلاث وثلاثون سنة، وقيل بلوغ الحلم، وقيل: ثماني عشرة سنة، وقيل غير ذلك مما قد قدمنا بيانه في النساء والأنعام. والحكم: هو ما كان يقع منه من الأحكام في سلطان ملك مصر، والعلم: هو العلم بالحكم الذي كان يحكمه؛ وقيل: العقل والفهم والنبوّة؛ وقيل: الحكم هو النبوّة، والعلم: هو العلم بالدين. وقيل: علم الرؤيا، ومن قال: إنه أوتي النبوة صبياً قال: المراد بهذا الحكم والعلم الذي آتاه الله هو الزيادة فيهما. {وَكَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } أي: ومثل ذلك الجزاء العجيب نجزي المحسنين، فكل من أحسن في عمله أحسن الله جزاءه. وجعل عاقبة الخير من جملة ما يجزيه به. وهذا عام يدخل تحته جزاء يوسف على صبره الحسن دخولاً أولياً. قال الطبري: هذا وإن كان مخرجه ظاهراً على كل محسن فالمراد به محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى كما فعل هذا بيوسف ثم أعطيته ما أعطيته كذلك أنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة، وأمكن لك في الأرض. والأولى ما ذكرناه من حمل العموم على ظاهره فيدخل تحته ما ذكره ابن جرير الطبري. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله: {وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ } قال: جاءت سيارة فنزلت على الجبّ {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ } فاستسقى الماء فاستخرج يوسف، فاستبشروا بأنهم أصابوا غلاماً لا يعلمون علمه ولا منزلته من ربه، فزهدوا فيه فباعوه، وكان بيعه حراماً، وباعوه بدراهم معدودة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ } يقول: فأرسلوا رسولهم {فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ } فنشب الغلام بالدلو، فلما خرج {قَالَ هَـٰذَا غُلاَمٌ} تباشروا به حين استخرجوه، وهي بئر ببيت المقدس معلوم مكانها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن السدّي في قوله: {يا بشراي} قال: كان اسم صاحبه بشرى كما تقول: يا زيد، وهذا على ما فيه من البعد لا يتم إلاّ على قراءة من قرأ {يا بشرى} بدون إضافة. وأخرج أبو الشيخ عن الشعبي نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةً} يعني: إخوة يوسف أسرّوا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، واختار البيع فباعه إخوته بثمن بخس. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن مجاهد قال: أسرّه التجار بعضهم من بعض. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه {وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةً } قال: صاحب الدلو ومن معه، قالوا لأصحابهم: إنا استبضعناه خيفة أن يشركوهم فيه إن علموا به، واتبعهم إخوته يقولون للمدلى وأصحابه: استوثقوا منه لا يأبق حتى وقفوا بمصر، فقال: من يبتاعني ويبشر، فابتاعه الملك والملك مسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {وَشَرَوْهُ } قال: إخوة يوسف باعوه حين أخرجه المدلي دلوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: بيع بينهم بثمن بخس، قال: حرام لم يحلّ لهم بيعه، ولا أكل ثمنه. وأخرج ابن جرير عن قتادة {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ } قال: هم السيارة. وأخرج أبو الشيخ عن عليّ بن أبي طالب أنه قضى في اللقيط أنه حرّ، وقرأ {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ }. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: البخس القليل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن الشعبي مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: إنما اشتري يوسف بعشرين درهماً، وكان أهله حين أرسل إليهم بمصر ثلاثمائة وتسعين إنساناً: رجالهم أنبياء، ونساؤهم صدّيقات، والله ما خرجوا مع موسى حتى بلغوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً. وقد روي في مقدار ثمن يوسف غير هذا المقدار مما لا حاجة إلى التطويل بذكره. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَاهُ مِن مّصْرَ } قال: كان اسمه قطفير. وأخرج أبو الشيخ عن شعيب الجبائي: أن اسم امرأة العزيز زليخا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال: الذي اشتراه أطيفير بن روحب، وكان اسم امرأته راعيل بنت رعاييل. وأخرج ابن جرير، وابن إسحاق، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: اسم الذي باعه من العزيز مالك بن زعر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه في قوله: {أَكْرِمِى مَثْوَاهُ } قال: منزلته. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن قتادة مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن سعد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرّس في يوسف، فقال لامرأته: {أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً}، والمرأة التي أتت موسى فقالت لأبيها: {أية : يا أبت استأجره} تفسير : [القصص: 26]، وأبو بكر حين استخلف عمر. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } قال: عبارة الرؤيا. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب الأضداد، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } قال: ثلاثاً وثلاثين سنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: أربعين سنة. وأخرج عن عكرمة قال: خمسا وعشرين سنة. وأخرج عن السدّي قال: ثلاثين سنة. وأخرج عن سعيد بن جبير قال: ثماني عشرة سنة. وأخرج عن ربيعة قال: الحلم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الشعبي نحوه. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: عشرين سنة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد {اتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } قال: هو الفقه والعلم والعقل قبل النبوّة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {وَكَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } قال: المهتدين.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وجاءت سيارةٌ فأرسلوا واردهم}وهو الذي يرد أمامهم الماء ليستقي لهم. وذكر أصحاب التواريخ أنه مالك بن ذعر بن حجر بن يكه بن لخم. {فأدلى دلوه} أي أرسلها ليملأها، يقال أدلاها إذا أرسل الدلو ليملأها، ودلاّها إذا أخرجها ملأى. قال قتادة: فتعلق يوسف عليه السلام بالدلو حين أرسلت. والبئر ببيت المقدس معروف مكانها. {قال يا بشرى هذا غلام} فيه قولان: أحدهما: أنه ناداهم بالبشرى يبشرهم بغلام، قاله قتادة. الثاني: أنه نادى أحدهم، كان اسمه بشرى فناداه باسمه يعلمه بالغلام، قاله السدي. {وأسرُّوه بضاعة} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن إخوة يوسف كانوا بقرب الجب فلما رأوا الوارد قد أخرجه قالوا هذا عبدنا قد أوثقناه فباعوه وأسرّوا بيعه بثمن جعلوه بضاعة لهم، قاله ابن عباس. الثاني: أن الواردين الى الجُب أسرّوا ابتياعه عن باقي أصحابهم ليكون بضاعة لهم كيلا يشركوهم فيه لرخصه وتواصوا أنه بضاعة استبضعوها من أهل الماء، قاله مجاهد. الثالث: أن الذين شروه أسرُّوا بيعه على الملك حتى لا يعلم به أصحابهم وذكروا أنه بضاعة لهم. وحكى جويبر عن الضحاك أنه ألقيَ في الجب وهو ابن ست سنين، وبقي فيه إلى أن أخرجته السيارة منه ثلاثة أيام. وقال الكلبي: ألقي فيه وهو ابن سبع عشرة سنة. قوله عزوجل: {وشروه بثمن بخسٍ}معنى شروه أي باعوه، ومنه قول ابن مفرغ الحميري. شعر : وشريت برداً ليتني من بعدِ بُرْدٍ كنت هامه تفسير : واسم البيع والشراء يطلق على كل واحد من البائع والمشتري لأن كل واحد منهما بائع لما في يده مشتر لما في يد صاحبه. وفي بائعه قولان: أحدهما: أنهم إخوته باعوه على السيارة حين أخرجوه من الجب فادّعوه عبداً، قاله ابن عباس والضحاك ومجاهد. الثاني: أن السيارة باعوه عن ملك مصر، قاله الحسن وقتادة. {بثمن بخس} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن البخس ها هنا الحرام، قاله الضحاك، قال ابن عطاء: لأنهم أوقعوا البيع على نفس لا يجوز بيعها فكان ثمنه وإن جَلّ بخساً، وما هو وإن باعه أعداؤه بأعجب منك في بيع نفسك بشهوةٍ ساعةٍ من معاصيك. الثاني: أنه الظلم، قاله قتادة. الثالث: أنه القليل، قاله مجاهد والشعبي. {دراهم معدودة} اختلف في قدرها على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه بيع بعشرين درهماً اقتسموها وكانوا عشرة فأخذ كل واحد منهم درهمين، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة وعطية والسدي. الثاني: باثنين وعشرين درهماً، كانوا أحد عشر فأخذ كل واحد درهمين، قاله مجاهد. الثالث بأربعين درهما، قاله عكرمة وابن إسحاق. وكان السدي يقول: اشتروا بها خفافاً ونِعالاً. وفي قوله تعالى{دراهم معدودة}وجهان: أحدهما: معدودة غير موزونة لزهدهم فيه. الثاني: لأنها كانت أقل من أربعين درهماً، وكانوا لا يَزِنُون أقل من أربعين درهماً، لأن أقل الوزن عندهم كان الأوقية، والأوقية أربعون درهماً. {وكانوا فيه من الزاهدين}وفي المعنيّ بهم قولان: أحدهما: أنهم إخوة يوسف كانوا فيه من الزاهدين حين صنعوا به ما صنعوا. الثاني: أن السيارة كانوا فيه من الزاهدين حين باعوه بما باعوه به. وفي زهدهم فيه وجهان: أحدهما: لعلمهم بأنه حرٌّ لا يبتاع. الثاني: أنه كان عندهم عبداً فخافوا أن يظهر عليه مالكوه فيأخذوه. وفيه وجه ثالث: أنهم كانوا في ثمنه من الزاهدين لاختبارهم له وعلمهم بفضله، وقال عكرمة أعتق يوسف حين بيع.
ابن عطية
تفسير : قيل إن "السيارة" جاءت في اليوم الثاني من طرحه في الجب، {سيارة}: جمع سيار، كما قالوا بغال وبغالة، وهذا بعكس تمرة وتمر، و {سيارة}: بناء مبالغة للذين يرددون السير في الطرق. وروي أن هذه "السيارة" كانوا قوماً من أهل مدين، وقيل: قوم أعراب. و"الوارد" هو الذي يأتي الماء ليسقي منه لجماعة، ويروى أن مدلي الدلو كان يسمى مالك بن ذعر، ويروى أن هذا الجب كان بالأردن على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب، ويقال: "أدلى الدلو": إذا ألقاه في البئر ليستقي الماء. ودلاه يدلوه: إذا استقاه من البئر. وفي الكلام هنا حذف تقديره: فتعلق يوسف بالحبل فلما بصر به المدلي قال: يا بشراي، وروي أن يوسف كان يومئذ ابن سبع سنين، ويرجح هذا لفظة {غلام}، فإنه ما بين الحولين إلى البلوغ، فإن قيلت فيما فوق ذلك فعلى استصحاب حال وتجوز؛ وقيل: كان ابن سبع عشرة سنة - وهذا بعيد -. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر "يا بشرايَ" بإضافة البشرى إلى المتكلم وبفتح الياء على ندائها كأنه يقول: احضري، فهذا وقتك، وهذا نحو قوله: {أية : يا حسرة على العباد} تفسير : [يس: 30] وروى ورش عن نافع "يا بشرايْ" بسكون الياء، قال أبو علي: وفيها جمع بين ساكنين على حد دابة وشابة، ووجه ذلك أنه يجوز أن تختص بها الألف لزيادة المد الذي فيها على المد الذي في أختيها، كما اختصت في القوافي بالتأسيس، واختصت في تخفيف الهمزة نحو هبأة وليس شيء من ذلك في الياء والواو. وقرأ أبو الطفيل والجحدري وابن أبي إسحاق والحسن "يا بشريَّ" تقلب الألف ياء ثم تدغم في ياء الإضافة، وهي لغة فاشية، ومن ذلك قول أبي ذؤيب: [الكامل] شعر : سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهمُ فتخرموا ولكل جنب مصرع تفسير : وأنشد أبو الفتح وغيره في ذلك: شعر : يطوّف بيَّ كعب في معد ويطعن بالصملة في قفيا فإن لم تثأروا لي في معد فما أرويتما أبداً صديا تفسير : وقرأ حمزة والكسائي "يا بشرِي" ويميلان ولا يضيفان. وقرأ عاصم كذلك إلا أنه يفتح الراء ولا يميل، واختلف في تأويل هذه القراءة فقال السدي: كان في أصحاب هذا "الوارد" رجل اسمه بشرى، فناداه وأعلمه بالغلام، وقيل: هو على نداء البشرى - كما قدمنا - والضمير في قوله: {وأسروه} ظاهر الآيات أنه لـ "وارد" الماء، - قاله مجاهد، وقال: إنهم خشوا من تجار الرفقة إن قالوا: وجدناه أن يشاركوهم في الغلام الموجود. قال القاضي أبو محمد: هذا إن كانوا فسقة أو يمنعوهم من تملكه إن كانوا خياراً، فأسروا بينهم أن يقولوا: أبضعه معنا بعض أهل المصر. و {بضاعة} حال، و"البضاعة": القطعة من المال يتجر فيها بغير نصيب من الربح، مأخوذة من قولهم: بضعت أي قطعت. وقيل: إنهم أسروا في أنفسهم يتخذونه بضاعة لأنفسهم أي متجراً، ولم يخافوا من أهل الرفقة شيئاً، ثم يكون الضمير في قوله: {وشروه} لهم أيضاً، أي باعوه بثمن قليل، إذ لم يعرفوا حقه ولا قدره، بل كانوا زاهدين فيه، وروي - على هذا - أنهم باعوه من تاجر. وقال مجاهد: الضمير في {أسروه} لأصحاب "الدلو"، وفي {شروه} لإخوة يوسف الأحد عشر، وقال ابن عباس: بل الضمير في {أسروه} و {شروه} لإخوة يوسف. قال القاضي أبو محمد: وذلك أنه روي أن إخوته لما رجعوا إلى أبيهم وأعلموه رجع بعضهم إلى الجب ليتحققوا أمر يوسف، ويقفوا على الحقيقة من فقده فلما علموا أن الوراد قد أخذوه جاؤوهم فقالوا: هذا عبد أبق لأمنا ووهبته لنا ونحن نبيعه منكم، فقارهم يوسف على هذه المقالة خوفاً منهم، ولينفذ الله أمره؛ فحينئذ أسره إخوته إذ جحدوا إخوته فأسروها، واتخذوه {بضاعة} أي متجراً لهم ومكسباً {وشروه} أيضاً {بثمن بخس}، أي باعوه. وقوله {والله عليم بما يعملون} إن كانت الضمائر لإخوة يوسف ففي ذلك توعد، وإن كانت الضمائر للواردين ففي ذلك تنبيه على إرادة الله تعالى ليوسف، وسوق الأقدار بناء حاله، فهو - حينئذ - بمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : يدبر ابن آدم والقضاء يضحك . تفسير : وفي الآية - أيضاً - تسلية للنبي عليه السلام عما يجري عليه من جهة قريش، أي العاقبة التي للمتقين هي المراعاة والمنتظرة. و {شروه} - هنا - بمعنى باعوه، وقد يقال: شرى، بمعنى اشترى، ومن الأول قول يزيد بن مفرغ الحميري: [مجزوء الكامل] شعر : وشريتُ برداً ليتني من بعد بردٍ كنتُ هامَهْ تفسير : برد: اسم غلام له ندم على بيعه، والضمير يحتمل الوجهين المتقدمين؛ و {البخس} مصدر وصف به "الثمن" وهو بمعنى النقص - وهذا أشهر معانيه - فكأنه القليل الناقص0 وهو قول الشعبي - وقال قتادة: "البخس" هنا بمعنى الظلم، ورجحه الزجاج من حيث الحر لا يحل بيعه، وقال الضحاك: وهو بمعنى الحرام، وهذا أيضاً بمعنى لا يحل بيعه. وقوله: {دراهم معدودة} عبارة عن قلة الثمن لأنها دراهم لم تبلغ أن توزن لقلتها، وذلك أنهم كانوا لا يزنون ما دون الأوقية، وهي أربعون درهماً، واختلف في مبلغ ثمن يوسف عليه السلام: فقيل باعوه بعشرة دراهم، وقال ابن مسعود: بعشرين، وقال مجاهد: باثنين وعشرين أخذ منها إخوته درهمين وقال عكرمة: بأربعين درهماً دفعت ناقصة خفافاً، فهذا كان بخسها. وقوله: {وكانوا فيه من الزاهدين} وصف يترتب في "ورّاد" الماء، أي كانوا لا يعرفون قدره، فهم لذلك قليل اغتباطهم به، لكنه أرتب في إخوة يوسف إذ حقيقة الزهد في الشيء إخراج حبه من القلب ورفضه من اليد، وهذه كانت حال إخوة يوسف في يوسف، وأما الورّاد فتمسكهم به وتجرهم يمانع زهدهم إلا على تجوز. وقوله {فيه} ليست بصلة لـ {الزاهدين} - قاله الزجاج وفيه نظر لأنه يقتضي وصفهم بالزهد على الإطلاق وليس قصد الآية هذا، بل قصدها الزهد الخاص في يوسف، والظروف يجوز فيها من التقديم ما لا يجوز في سائر الصلات، وقد تقدم القول في عود ضمير الجماعة الذي في قوله: {وشروه}.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَأَدْلَىَ دَلْوَهُ} أرسلها ليملأها، ودلاها أخرجها ملأى فلما أرسلها تعلق بها يوسف {بشراي} بشرهم بذلك، أو نادى رجلاً اسمه {يَابُشْرَى} يعلمه بالغلام، وألقي فيه وهو ابن سبع عشرة سنة، أو ست سنين. وأخرجته السيارة بعد ثلاثة أيام {وَأَسَرُّوهُ} كان أخوته بقرب الجب فلما أخرج قالوا: هذا عبدنا أوثقناه فباعوه وأسروا بيعه بثمن جعلوه بضاعة لهم "ع"، أو أسرَّ ابتياعه الذين وردوا الجب من أهل الرفقة لئلا يشركوهم وتواصوا أنها بضاعة استبضعناها من أهل الماء، أو أسر مشتروه بيعه من الملك لئلا يعلم أصحابهم وذكروا أنه بضاعة.
النسفي
تفسير : {وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ } رفقة تسير من قبل مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب، فأخطأوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران وكان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ } هو الذي يرد الماء ليستقي للقوم اسمه مالك بن ذعر الخزاعي {فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ } أرسل الدلو ليملأَها فتشبث يوسف بالدلو فنزعوه {قَالَ بُشْرىً } كوفي نادى البشرى كأنه يقول: تعالى فهذا أوانك. غيرهم {بشراي} على إضافتها لنفسه أو هو اسم غلامه فناداه مضافاً إلى نفسه {هَـٰذَا غُلاَمٌ } قيل: ذهب به فلما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به {وَأَسَرُّوهُ } الضمير للوارد وأصحابه أخفوه من الرفقة، أو لأخوة يوسف فإنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد أبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه {بِضَـٰعَةً } حال أي أخفوه متاعاً للتجارة، والبضاعة ما بضع من المال للتجارة أي قطع {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } بما يعمل أخوة يوسف بأبيهم وأخيهم من سوء الصنيع {وَشَرَوْهُ } وباعوه {بِثَمَنٍ بَخْسٍ } مبخوس ناقص عن القيمة نقصاناً ظاهراً أو زيف {دَرٰهِمَ } بدل من {ثمن} {مَّعْدُودَةً } قليلة تعد عداً ولا توزن لأنهم كانوا يعدون ما دون الأربعين ويزنون الأربعين وما فوقها وكانت عشرين درهماً {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزهِدِينَ } ممن يرغب عما في يده فيبيعه بالثمن الطفيف، أو معنى {وشروه} واشتروه يعني الرفقة من إخوته {وكانوا فيه من الزاهدين} أي غير راغبين لأنهم اعتقدوا أنه آبق. ويُروى أن إخوته اتبعوهم وقالوا: استوثقوا منه لا يأبق. و{فيه} ليس من صلة {الزاهدين} أي غير راغبين لأن الصلة لا تتقدم على الموصول، وإنما هو بيان كأنه قيل: في أي شيء زهدوا؟ فقال: زهدوا فيه .
الخازن
تفسير : قوله عز جل: {وجاءت سيارة} وهم القوم المسافرون سمّوا سيارة لمسيرهم في الأرض، وكانوا رفقة من مدين يريدون مصر فأخطؤوا الطريق فنزلوا قريباً من الجب الذي كان فيه يوسف وكان في قفرة بعيدة من العمارة ترده الرعاة والمارة وكان ماؤه ملحاً فلما ألقي يوسف فيه عذب فلما نزلوا أرسلوا رجلاً من أهل مدين يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء فذلك قوله عز وجل: {فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه} قال والوارد هو الذي يتقدم الرفقة إلى الماء فيهيئ الأرشية والدلاء يقال أدليت الدلو إذا أرسلتها في البئر ودلوتها إذا أخرجتها قال فتعلق يوسف عليه الصلاة والسلام بالحبال وكان يوسف عليه السلام أحسن ما يكون من الغلمان وذكر البغوي بسند متصل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أعطي يوسف شطر الحسن"تفسير : ويقال إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة وكانت قد أعطيت سدس الحسن قال محمد بن إسحاق: ذهب يوسف وأمه بثلثي الحسن، وحكى الثعلبي عن كعب الأحبار، قال: كان يوسف حسن الوجه جعد الشعر ضخم العينين مستوي الخلق أبيض اللوم غليظ الساعدين والعضدين والساقين خميص البطن صغير السرة وكان إذا تبسم رأيت النور من ضواحكه وإذا تكلم رأيت شعاع النور في ثناياه، ولا يستطيع أحد وصفه وكان حسنه كضوء النهار عند الليل وكان يشبه آدم عليه الصلاة والسلام يوم خلقه الله وصورته قبل أن يصيب الخطيئة. قالوا فلما خرج يوسف ورآه مالك بن ذعر كأحسن ما يكون من الغلمان قال يعني الوارد وهو مالك بن ذعر {يا بشراي} يعني يقول الوارد لأصحابه أبشروا {هذا غلام} وقرئ يا بشرى بغير إضافة ومعناه أن الوارد نادى رجلاً من أصحابه اسمه بشرى كما تقول يا زيد ويقال أن جدران البئر بكت على يوسف حين خرج منها {وأسروه بضاعة} قال مجاهد أسره: مالك بن ذعر وأصحابه من التجار الذين كانوا معهم وقالوا إنه بضاعة استبضعناه لبعض أهل المال إلى مصر وإنما قالوا ذلك خيفة أن يطلبوا منهم الشركة فيه، وقيل: إن إخوة يوسف أسروا شأن يوسف يعني أنهم أخفوا أمر يوسف وكونه أخاً لهم بل قالوا هو عبد لنا أبق وصدقهم يوسف على ذلك لأنهم توعدوه بالقتل سراً من مالك ابن ذعر وأصحابه والقول الأول أصح لأن مالك بن ذعر هو الذي أسره بضاعة وأصحابه {والله عليم بما يعملون} يعني من إرادة إهلاك يوسف فجعل ذلك سبباً لنجاته وتحقيقاً لرؤياه أن يصير ملك مصر بعد أن كان عبداً قال أصحاب الأخبار: إن يهوذا كان يأتي يوسف بالطعام فأتاه فلم يجده في الجب فأخبر إخوته بذلك فطلبوه فإذا هم بمالك بن ذعر وأصحابه نزولاً قريباً من البئر فأتوهم فإذا يوسف عندهم فقالوا لهم هذا عبدنا أبق منا ويقال إنهم هددوا يوسف حتى يكتم حاله ولا يعرفها وقال لهم مثل قولهم ثم إنهم باعوه منهم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ}: قيل: إِن السيارة جاءَتْ في اليومِ الثاني من طرحه، و«السيارةُ»: بتاءُ مبالغةٍ للذين يردِّدون السيْرَ في الطُرق. قال * ص *: و«السَّيَّارَة»: جمع سَيَّار، وهو الكثيرُ السَّيْر في الأرض. انتهى. و«الوَارد»: هو الذي يأتي الماءَ يستَقي منه لجماعته، وهو يَقَعُ على الواحدِ وعلى الجَمَاعَةِ. وروي أنَّ مُدْلِيَ الدَّلْو كان يسمَّى مَالِكَ بْنَ دعر، ويروَى أَنَّ هذا الجُبَّ كان بالأُرْدُنِّ على ثلاثةِ فراسِخَ من منزل يَعْقُوبَ، ويقال: أدلَى دلْوَهُ؛ إِذا ألقاه ليستقِيَ الماءَ، وفي الكلام حذفٌ، تقديره: فتعلَّق يوسُفُ بالحَبْل، فلما بَصُرَ به المُدْلِي، قال: {يَٰبُشْرَاي}، وروي أنَّ يوسُفَ كان يومئِذٍ ابنَ سَبْعَ سِنينَ؛ ويرجِّح هذا لفظةُ {غُلاَمٌ }؛ فإِنها لِمَا بَيْنَ الحولَيْن إِلى البلوغِ، فإِن قيلتْ فيما فَوْقَ ذلك، فعلى ٱستصحابِ حالٍ، وتجوُّزٍ، وقرأَ نافعٌ وغيره: «يا بُشْرَايَ» بإِضافةِ البُشْرَى إِلى المتكلِّم، وبفتح الياء على ندائها؛ كأنه يقولُ: ٱحْضُرِي، فهذا وَقْتُكِ، وقرأ حمزة والكسائي: «يَا بُشْرى»، ويميلاَنِ ولا يضيفَانِ، وقرأ عاصمٌ كذلك إِلاَّ أَنه يفتح الراءَ ولا يُمِيلُ، واختلف في تأويل هذه القراءة، فقال السدي: كان في أصحاب هذا الوارد رَجُلٌ ٱسمه «بُشْرَى»؛ فناداه، وأعلمه بالغلامِ، وقيل: هو على نداءِ البُشْرَى؛ كما قدَّمنا. وقوله سبحانه: {وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةً} قال مجاهد: وذلك أنَّ الوُرَّاد خَشُوا من تُجَّار الرفْقة، إِنْ قالوا وجدْنَاه؛ أنْ يشاركوهم في الغُلاَمِ الموجُودِ، يعني: أو يمنعوهم من تملُّكه، إِن كانوا أخياراً، فأسروا بينهم أنْ يقولُوا: أَبْضَعَهُ مَعَنَا بعْضُ أهْلِ المِصْرِ، و«بِضَاعة»: حالٌ، والبضاعة: القطعةُ من المالِ يُتْجَرُ فيها بِغَيْرِ نصيبٍ من الرِّبْحِ؛ مأخوذة من قولهم: «بَضْعَة»؛ أي: قطعة، وقيل: الضمير في «أَسَرُّوه» يعود على إِخوة يوسف. وقوله سبحانه: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ }: «شروه»؛ هنا: بمعنى بَاعُوه، قال الداوديُّ: وعن أبي عُبَيْدة: {وَشَرَوْهُ } أي: باعوه، فإِذا ٱبْتَعْتَ أَنْتَ، قُلْتَ: ٱشْتَريْتُ انتهى، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه»: قوله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ }: يقال: ٱشتريْتُ بمعنى بِعْتُ، وَشَرَيْتُ بمعنى ٱشتريْتُ؛ لغة انتهى، وعلى هذا، فلا مانِعَ مِنْ حمل اللفظ على ظاهره، ويكون «شَرَوْهُ» بمعنى: «ٱشتروه». قال * ع *: روي أن إِخوة يُوسُفَ لمَّا علموا أن الوُرَّاد قد أخذوه جاؤوهم، فقالوا: هذا عَبْدٌ قد أَبَقَ منا، ونحنُ نبيعُهُ منكم، فقارَّهم يوسُفُ على هذه المقالة؛ خوفاً منهم، ولينفذ اللَّه أمره، والــ {بَخْسٍ }: مصدر وُصِفَ به الثمن، وهو بمعنى النَّقْصِ. وقوله: {دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍ }: عبارةٌ عن قلة الثمن؛ لأنها دراهم، لم تبلغْ أنْ توزَنَ لقلَّتها، وذلك أنهم كانوا لا يزنُونَ ما كان دون الأوقية، وهي أربعون درهماً. وقوله سبحانه: {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ }: وصفٌ يترتب في إِخوة يوسف، وفي الوُرَّاد، ولكنَّه في إِخوة يوسف أرتَبُ؛ إِذ حقيقة الزهْدِ في الشيء إِخراجُ حُبِّه من القَلْبِ ورَفْضُهُ من اليدِ، وهذه كانَتْ حالَ إِخوة يوسُفٌ في يوسُفَ، وأمَّا الورَّاد، فإِنَّ تمسُّكَهم به وتَجْرَهُمْ يمانِعُ زُهْدَهم إِلا على تجوُّزٍ، قال ابْن العربيِّ في «أحكامه»: {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ}: أي: إِخوته والواردة، أَما إِخوته؛ فلأنَّ مقصودهم زوالُ عَيْنِه، وأما الواردة، فلأنهم خافوا ٱشتراك أصحابهم معهم. انتهى. وقوله سبحانه: {وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا }: روي أنَّ مبتاع يوسُفَ وَرَدَ به مصْرَ البلدِ المعروفِ؛ ولذلك لا ينصرفُ، فَعَرَضَهُ في السُّوقِ، وكان أجْمَلَ الناس، فوقَعَتْ فيه مزايدةٌ حتى بلغ ثمناً عظيماً، فقيل: وزنه من ذهبٍ، ومن فضةٍ، ومن حريرٍ، فٱشتراه العزيزُ، وهو كان حَاجِبَ المَلِكِ وخازِنَة، وٱسْمُ المَلِك الرَّيَّانُ بْنُ الوَلِيدِ، وقيل: مُصْعَبُ بْنُ الرَّيَّانِ، وهو أحد الفراعِنَةِ، واسمُ العزيزِ المذْكُورِ: «قطيفين»؛ قاله ابن عباس، وقيل: «أظفير»، وقيل: «قنطور»، وٱسم امرأته: «رَاعيل»، قاله ابنُ إِسحاق، وقيل: «زُلَيْخَا»، قال البخاريُّ: و{مَثْوَاهُ }: مَقَامُهُ. وقوله: {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } أي: نتبنَّاه، وكان فيما يُقَالُ: لا ولد له، ثم قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ }، أي: وكما وصفْنا {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ} فعلنا ذلك، و{ٱلأَحَادِيثِ}: الرؤيا في النوْمِ؛ قاله مجاهد، وقيل: أحاديث الأنبياء والأمم، والضمير في «أمره» يحتمل أنْ يعودَ على يوسف؛ قاله الطبري، ويحتملُ أن يعود على اللَّهِ عزَّ وجلَّ؛ قاله ابن جُبَيْر، فيكون إِخباراً منبِّهاً على قدرة اللَّه عزَّ وجلَّ ليس في شأن يوسُفَ خاصَّة، بل عامًّا في كل أمر، و«الأَشُدَّ»: ٱستكمال القوة وتناهِي بِنْيَةِ الإِنسان، وهما أَشُدَّان: أولهما، البلوغ، والثاني: الذي يستعمله العرب. وقوله سبحانه: و{آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا }: يحتمل أن يريد بالحُكْم: الحكمة والنبوَّة، وهذا على الأشُدِّ الأعلَى، ويحتملُ أن يريد بالحُكْمِ: السلطانَ في الدنيا وحكماً بين الناس، وتدخُلُ النبوَّة وتأويلُ الأحاديث وغير ذلك في قوله: {وَعِلْماً }، وقال ابن العربيِّ: {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا }: الحُكْم: هو العَمَلُ بالعلْمِ. انتهى. وقوله سبحانه: {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ}: عبارةٌ فيها وعد للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، أي: فلا يهولَنَّكَ فعل الكَفَرة وعتوّهم عليك، فاللَّه تعالى يصنع للمحْسِنِين أجْمَلَ صنع.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ} [الآية:19] واعلم أنه ـ تعالى ـ بيَّن كيف السَّبيلُ في خلاصِ يوسف من تلك المحنةِ فقال: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ}. قال ابنُ عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ: أي قوم يسيرون من مدْين إلى مِصْرَ فأخطئوا الطريق، وانطلقوا يهيمون على غير طريق، فهبطوا على أرضٍ فيها جُبُّ يوسف، وكان الجبُّ في قَفْرٍ بعيدٍ من العمرانِ لم يكن إلاّ للرُّعاةِ. وقيل: كان ماؤه مِلْحاً، فعذُبَ حين ألقي يوسفُ فيه، وأرسلوا واردهم الذي يردُ الماء ليستقي للقوم قال القُرطبيُّ: "فأرسَلُواْ وَارِدهُمْ" ذكَّر على المعنى، ولو قال: فأرسلت واردها؛ لكان على لفظ "وجَاءَتْ". والوَارِدُ: هو الذي يتقدَّمُ الرُّفقة إلى الماءِ فيهيىء الأرْشيةَ، والدِّلاء، وكان يقال له: مالكُ بنُ دعر الخُزاعِيُّ. قوله: {فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ} يقال: أدلَى دلوهُ، أي: أرسلها في البِئْرِ، ودلاَّها إذا أخرجها ملأى؛ قال الشاعر: [الرجز] شعر : 3070ـ لا تَقْلُواهَا وادْلُواهَا دَلْوَا إنَّ مَعَ اليَومِ أخاهُ غَدْوَا تفسير : يقال: أدْلَى يُدْلِي إدْلاءً: إذا أرسل، وَدلاَ يَدلُوا دَلْواً: إذا أخرج وجذبَ، والدَّلوُ معروفةٌ، وهي مؤنثةٌ، فتصغَّرُ على "دُليَّةِ"، وتجمع على دلاءٍ، أدلٍ والأصلُ: دِلاوٌ، فقلبت الواو همزة، نحو "كِسَاء"، و"أدلوٌ"، فأعلَّ إعلال قاضٍ و"دُلُوو" بواوين، فقلبا ياءين، نحو "عِصِيّ". قوله: "يَابُشْرَايَ" ههنا محذوف، تقديره: فأظهروا يوسف، قرأ الكوفيون بحذف ياء الإضافة، وأمال ألف "فُعْلَى" الأخوانِ وأمالها ورشٌ بين بين على أصله، وعن أبي عمرو الوجهان، ولكن الأشهر عنه عدمُ الإمالةِ، وليس ذلك من أصله عن ما قُرِّر في علم القراءاتِ، وقرأ الباقون "يَا بُشْرَاي" مضافة إلى ياء المتكلِّم. فصل في قوله: "يابشراي" قولان: الأول: أنَّها كلمةٌ تذكَّر عند البشارةِ، كقولهم: يا عجبا من كذا، وقوله: {أية : يٰأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ}تفسير : [يوسف:84] وعلى هذا القول ففي تفسير النِّداء وجهان: الأول: قال الزجاج "معنى النِّداء في هذه الأشياء: تنبيه المخاطبين، وتوكيد القصَّة، فإذا قلت: يا عجباهُ، فكأنك قلت: اعْجَبُوا". الثاني: قال أبو عليٍّ: "كأنه يقول: يا أيتها البشرى هذا الوقت وقتك، ولو كنت ممَّن يخاطب لخوطبت، ولأمرت بالحضورِ". واعلم أنَّ سبب البشارةِ: أنهم وجدوا غلاماً في غاية الحسن فقالوا: نَبيعهُ بثَمنٍ عظيم، ويصيرُ ذلك سبباً للغناءِ. والقول الثاني: قال السديّ: الذي نادى كان اسمُ صاحبهِ بُشْرَى فناداه فقال: يا بُشْرَاي، كما تقول: "يَا زيْدُ". وعن الأعمش أنه قال: دعا امْرأةً اسمها بُشْرَى. قال أبو علي الفارسيُّ إن جعلنا البشرى اسماً للبشارة، وهو الوجه؛ جاز أن يكون في محلِّ الرفع، كما قيل: "يَا رجُلُ" لاختصاصه بالنِّداء، وجاز أن يكون موضع نصب على تقدير: أنه جعل هذا النِّداء شائعاً في جنس البشرى، ولم يخص كما تقول: يا رجُلاً، و {أية : يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ}تفسير : [يس:30]. وقرأ ورش عن نافع: "يَا بُشْرَايْ" بسكون الياء، وهو جمع بين ساكنين على غير حدِّه في الوصل، وهذا كما تقدم في {أية : عَصَايَ}تفسير : [طه:18] وقال الزمخشري: "وليس بالوجهِ، لما فيه من التقاءِ السَّاكنين على غير حدِّه إلاَّ أن يقصد الوقف". وقرأ الجحدريُّ، وابن أبي إسحاق، والحسن: "يَا بُشْرَيَّ" بقلب الألف ياءً وإغامها في ياء الإضافة، وهي لغة هُذليَّةٌ، تقدم الكلام عليها في البقرة عند قوله: {أية : فَمَن تَبِعَ هُدَايَ}تفسير : [البقرة:38]. وقال الزمخشري: "وفي قراءة الحسن: "يَا بُشْرَيَّ" بالياء مكان الألف جعلت الياءُ بمنزلة الكسرة قبل ياء الإضافة، وهي لغةٌ للعرب مشهورةٌ، سمعت أهل السروات في دعائهم يقولون: يا سيِّديَّ، وموليَّ". قوله: "وأسَرُّوهُ" الظَّاهرُ أن الضمير المرفوع يعود على السَّيَّارة، وقيل: هو ضمير إخوته، فعلى الأول: أن الوارد، وأصحابه أخفوا من الرفقةِ أنهم وجدوهُ في الجبّ، وقالواك إن قلنا للسَّيَّارة التقطناه شاركونا، وإن قلنا: اشتريناه سألونا الشّركة، فلا يضرُّ أن نقول: إنَّ أهل الماءِ جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه بمصر. وعلى الثاني: نقل ابنُ عبَّاسٍ: ـ رضي الله عنهما ـ "وأسَرُّوهُ" يعني إخوة يوسف أخفوا كونه أخاهم، بل قالوا: إنَّهُ عبدٌ لنا أبقَ منا، ووافقهم يوسف على ذلك؛ لأنهم توعَّدوهُ بالقتلِ بلسانِ العِبرانيَّةِ. و(بضاعَةً) نصب على الحال. قال الزَّجَّاج كأنه قال: "وأَسرّوه حال ما جعلُوهُ بضاعةً"، وقيل: مفعول ثانٍ على أن يُضَمَّن "أَسَرُّوهُ" معنى صَيَّروه بالسِّرِّ. والبضاعة: هي قطعةٌ من المالِ تعدُّ للتَّجارة من بضعت، أي: قطعت ومنه: المبضعُ لما يقطع به. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} والمعنى: أنَّ يوسف لما رأى الكواكبَ والشمس، والقمر في النَّوم سجدتْ له، وذكر ذلك؛ حسده إخوته، فاحتالُوا في إبطال ذلك الأمر عليه، فأوقعوه في البلاءِ الشَّديدِ، حتى لا يتم له ذلك المقصود؛ فجعل الله ـ تعالى ـ وقوعه في ذلك البلاءِ سبباً لوصوله إلى "مِصْرَ"، ثمَّ تتابع الأمرُ إلى أن صار ملك مصر، وحصل ذلك الذي رآه في النَّومِ، فكان العملُ الذي عمله إخوته دفعاً لذلك المطلوب، صيَّره الله سبباً لحصولِ ذلك المطلوب، ولهذا المعنى قال: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}. قوله: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ} شَرَى بمعنى اشترى، قال الشاعر: [الطويل] شعر : 3071ـ ولَوْ أنَّ هَذَا المَوْتَ يَقبَلُ فِذْيةً شَرَيْتُ أبَا زيْدٍ بمَا مَلكتْ يَدِي تفسير : وبمعنى: باع؛ قال الشاعر: [مجزوء الكامل] شعر : 3072ـ وشَريْتُ بُرْداً ليْتَنِي مِنْ بعْدِ بُردٍ كُنْتُ هَامَهْ تفسير : فإن قلنا: المراد من الشِّراء نفس الشراءِ، فالمعنى: أنَّ القوم اشتروه، وكانوا فيه من الزَّاهدينَ؛ لأنهم علموا بقرائن الأحوال أنَّ إخوة يوسف كذبُوا في قولهم: إنَّهُ عبدُ لنا، وأيضاً عرفوا أنَّه ولدُ يعقوب، فكرهوا أيضاً شراءه؛ خوفاً من الله ـ تعالى - من ظهور تلك الواقعة، إلاَّ أنَّهُم ـ مع ذلك ـ اشتروه بالآخرة؛ لأنُّهُم اشتروه بمثنٍ بخسٍ، وطمعوا في بيعه بمثن عظيمٍ، ويحتملُ أن يقال: إنهم اشتروه مع أنهم أظهرُوا من أنفسهم كونهم فيه من الزَّاهدين، وغرضهم أن يتوصَّلُوا بذلك إلى تقليل الثَّمن، ويحتمل أن يقال: إنَّ الإخوة لما قالوا: إنه عبدٌ أبق منا صار المشتري عديم الرغبة فيه. قال مجاهدُ ـ رحمه الله ـ كانوا يقولون: لئلا يأبق. وإن قلنا: إنَّ المراد من الشِّراء البيع ففي ذلك البائع قولان: الأول: قال ابنُ عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ إنَّ إخوة يوسف لمَّا طرحوه في الجبّ، ورجعوا عادوا بعد ثلاثٍ يتعرَّفُونَ خبره، فلمَّا لم يروه في الجبّ، ورأوا آثار السَّيارة طلبوهم، فلمَّا رأوا يوسف قالوا: هذا عبدٌ لنا أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منَّا، فباعوه منهم، وإنَّما وجب حملُ الشِّراء على البيع؛ لأن الضمير في قوله: "وشَرَوْهُ" وفي قوله: {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ} عائدٌ إلى شيءٍ واحدٍ، وإذا كان كذلك فهم باعوه؛ فوجب حملُ الشراء على البيعِ. والثاني: أن بائع يوسف هم الَّذين اسْتَخْرجُوه من الجُبّ. وقال محمد بن إسحاق: وربُّك أعلمُ أإخوته باعوه، أم السيارة؟. والبَخْسُ: النَّاقصُ، وهو في الأصل مصدرٌ، وصف به مبالغة. وقيل: هو بمعنى مفعولٍ، و"دَراهِمَ" بدلٌ من "بِثَمَنٍ"، و "فِيهِ" متعلق بما بعده، واغتفر ذلك للاتِّساعِ في الظروف، والجار، أو بمحذوف وتقدم [البقرة:130] مثله. فصل اعلم أنه ـ تعالى ـ وصف ذلك الثمن بصفات ثلاثٍ: إحداها: كونه بخساً، قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: يريدُ حراماً؛ لأنَّ ثمن الحُرَّ حرامٌ، وقال: وكلٌّ بخس في كتابِ اللهِ نقصان إلاَّ هذا فإنهُ حرامٌ. قال الواحدي: "سمي الحرامُ بخساً؛ لأن ناقصُ البركة". وقال قتادة: بخس: ظلم، والظُّلمُ نقصان، يقال: ظلمهُ، أي: نقصهُ وقال عكرمةُ والشعبيُّ: قليل. وقيل: ناقص عن القيمة نقصاناً ظاهراً وقيل: كانت الدَّراهمُ زيوفاً ناقصة العيارِ. قال الواحديُّ: وعلى الأقوال كُلِّها، فالبخسُ مصدرٌ وقع موقع الاسمِ، والمعنى: بثمنٍ مبخُوسٍ. وثانيها: قوله: {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} قيل: تعدُّ عدًّا، ولا توزن إلا أنهم كانوا يزنون إذا بلغ الأوقية، وهي أربعون ويعدُّون ما دونها. فقيل للقليل معدودٌ، لأن الكثير لا يعدُّ لكثرته، بل يوزن قال ابن عباسٍ، وابنُ مسعود، وقتادةٌ ـ رضي الله عنهم ـ: كانت عشرين درهماً، فاقتسموها درهمين درهمين إلا يهوذا، فإنَّه لم يأخذ شيئاً. الثالث: أن الذين اشتروه كانوا فيه مِنَ الزَّاهدين، وقد سبق توجيه هذه الأقوال. وقال مجاهدٌ والسديُّ: اثنين وعشرين درهماً. فإن قيل: إنَّهم لما ألقوه في الجبِّ حسداً، فأرادوا تضييعه عن أبييه، فلمَ باعوه؟. فالجواب: أنَّهم لعلَّهم خافوا أن تذكر السيارة أمره، فيردوه إلى أبيه، لأنَّه كان أقرب إليهم من مصر. فإن قيل: هب أنَّهم أرادوا ببيعه أيضاً تبعيده عن أبيه؛ فلمَ أحلَّ له أخذ ثمنه؟. فالجوابُ: أن الذي اشترى يوسف كان كافراً، وأخذُ مالِ الكافرِ حلالٌ. وثالثها: قوله: {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ} ومعنى الزُّهد: قلَّة الرغبة، يقال زهد فلان في كذا إذا لم يرغب فيه، وأصله من القلَّة، يقال: رجلٌ زهيدٌ، إذا كان قليل الجدةِ، وفيه وجوه: الأول: أنَّ إخوة يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ باعوه؛ لأنهم كانوا فيه من الزَّاهدينَ, الثاني: أنَّ السيَّارة كانُوا فيه من الزَّاهدين؛ لأنَّهم التَقطُوهُ، والملتَقِطُ يتهاونُ، ولا يبالي بأي شيءٍ يباعُ، أو لأنَّهُم خافوا أن يظهر المستحق، فينزعه من يدهم، فلا جرم باعوه بالأوكس من الأثمان. والضمير في قوله: "فِيهِ" يحتمل أن يعود إلى يوسف، ويحتمل أن يعود إلى الثَّمن البَخْسِ. فصل قال القرطبيُّ: "في الآية دليلٌ على شراءِ الشَّيء الخطيرِ بالثَّمنِ اليسير، ويكونُ البيع لازماً". قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ} [الآية:21] اعلم أنَّه ثبت أنَّ الذي اشتراه [إما] من الإخوة، وما من الواردين على الماء ذهب به إلى مصر وباعه. قيل: إن الذي اشتراه هو العزيزُ، كان اسمه "قطفير"، وقيل: إطْفيرُ الذي يلي خزائن مصر، والملك يومئذ: الرَّيَّان بنُ الوليدِ، رجل من العماليق، وقد آمن بيوسف، ومات في حياةِ يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما دخلوا مِصْر تلقَى العزيز مالك بن دعرٍ فابتاع منه يوسف، وهو ابنُ سبع عشرة سنة، [وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة، وقيل: سبْع عشرة سَنَة]، واستوزره الرَّيان، وهو ابن ثلاثين سنة، وآتاه اللهُ العِلم، والحُكم، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي، وهو ابنُ مائة وعشرين سنة. وقال الذي اشتراهُ من مصر لا مرأته قيل: كان اسمها زليخا وقيل: "راعيلُ". قال ابن كثير: "الظّاهرُ أنَّ زليخا لقبها". قوله: "مِنْ مِصرَ" يجوز فيه أوجه: أحدها: أن يتعلَّق بنفس الفعل قبله، أي: اشتراه من مصر، كقوله: اشْتَريْتُ الثَّوب من بغداد، فهي لابتداء الغايةِ، وقول أبي البقاءِ: أي: "فيها، أو بها" لا حاجة إليه. والثاني: أنه متعلِّقٌ بمحذوف على أنه حالٌ من "الَّذي". والثالث: أنه حالٌ من الضمير المرفوع في: "اشْتراهُ" فيتعلق بمحذوفٍ أيضاً. وفي هذين نظرٌ؛ إذ لا طائل في هذا المعنى. و"لامْرَأتهِ" متعلقٌ بـ"قَالَ" فهي للتبليغ، وليست متعلقة بـ"اشْتراهُ". قوله: "أكْرمِي مَثوَاهُ"، أي: منزله، ومقامه عندك، من قولك: ثويتُ بالمكان، إذا أقمت فيه، ومصدره الثَّواء، والمعنى: اجعلي منزلته عندك كريماً حسناً مرضيًّا، بدليل قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ}تفسير : [يوسف:23] قال المحققون: أمر العزيز امرأته بإكرام مثواهُ دون إكرام نفسه، يدلُّ على أنه كان ينظرُ إليه على سبيل الإجلال، والتعظيم. {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ} أي: نبيعه بالرِّبح إذا أردنا بيعه، أو يكفينا إذا بلغ بعض أمورنا {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} نَتبنَّاهُ. قال ابن مسعودٍ: "أفرْسُ النَّاس ثلاثة: العزيزُ في يوسف حيثُ قال لامرأته: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ} [يوسف:21] وابنة شعيبٍ حين قالت لأبيها في موسى: {أية : ٱسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ}تفسير : [القصص:26]، وأبو بكر في عمر حين استخلفه". قوله: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ} الكاف ـ كما تقدم في نظائره ـ حالٌ من ضمير المصدر، أو نعتٌ له، أي: ومثل ذلك الإنجاء من الجبّ والعطف مكَّنا له، أي: كما أنجيناه، وعطفنا عليه العزيز مكَّنا له في أرض مصر، أي: صار متمكناً من الأمرِ والنهي في أرض مصر، وجعلناه على خزائنها. قوله: {وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} وهي تعبير الرُّؤيا. واللام في "ولنُعَلِّمُه" فيها أوجه: أحدها: أن تتعلَّق بمحذوف قبله، أي: وفعلنا ذلك لنعلمه. والثاني: أنها تتعلَّق بما بعده، أي: ولنعلمه، فعلنا كيت، وكيت. [الثالث: أن يتعلَّق بـ"مَكَّنَّا" على زيادة الواو]. قوله: {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} الهاء في "أمْرهِ" يجوز أن تعود على الجلالةِ أي: أنه ـ تعالى ـ: {أية : فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}تفسير : [البروج:16] لا يغلبه شيءٌ، ولا يردُّ حكمهُ رادٌّ، لا دافع لقضائه، ولا مانع من حكمه في أرضه، وسمائه. ويجوز أن تعود على يوسف، أي: أنه يدبره، ولا يكله إلى غيره، فقد كادوه إخوته، فلم يضروه بشيء {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أنَّ الأمر كله بيد الله.
البقاعي
تفسير : ولما تم أمرهم هذا وشبوا على أبيهم عليه السلام نار الحزن، التفتت النفس إلى الخبر عن يوسف عليه الصلاة والسلام فيما أشار إليه قوله: {أية : لتنبئنهم } تفسير : [يوسف: 15] الآية، فقال تعالى مخبراً عن ذلك في أسبابه: {وجاءت سيارة} أي قوم بليغو السير إلى الأرض التي ألقوا يوسف عليه الصلاة والسلام في جبها {فأرسلوا واردهم} أي رسولهم الذي يرسلونه لأجل الإشراف على الماء إلى الجب ليستقي لهم {فأدلى} فيه {دلوه} أي أرسلها في البئر ليملأها - وأما " دلى" فأخرجها ملأى - فاستمسك بها يوسف عليه الصلاة والسلام فأخرجه، فكأنه قيل: ماذا قال حين أدلى للماء فتعلق يوسف بالحبل فأطلعه فإذا هو بإنسان أجمل ما يكون؟ فقيل: {قال} أي الوارد يعلم أصحابه بالبشرى {يابشرى} أي هذا أوانك فاحضري، فكأنه قيل: لم تدعوا البشرى؟ فقال: {هذا غلام} فأتى به إلى جماعته فسروا به كما سر {وأسروه} أي الوارد وأصحابه {بضاعة} أي حال كونه متاعاً بزعمهم يتجرون فيه {والله} أي المحيط علماً وقدرة {عليم} أي بالغ العلم {بما يعملون *} وإن أسروه؛ قال أبو حيان ونعم ما قال: وتعلقه بالحبل يدل على صغره إذ لو كان ابن ثمانية عشر أو سبعة عشر لم يحمله الحبل غالباً، ولفظة " غلام" ترجع ذلك إذ تطلق عليه ما بين الحولين إلى البلوغ حقيقة، وقد تطلق على الرجل الكامل - انتهى. ولما كان سرورهم به - مع ما هو عليه من الجمال والهيبة والجلال - مقتضياً لأن ينافسوا في أمره ويغالوا بثمنه، أخبر تعالى أنهم لم يفعلوا ذلك ليعلم أن جميع أموره على نسق واحد في خرقها للعوائد فقال: {وشروه} أي تمادي السيارة ولجوا في إسرارهم أياه بضاعة حتى باعوه من العزيز، ولمعنى التمادي عبر بـ"شرى" دون " باع"، ويمكن أن يكون " شرى" بمعنى اشترى، أي واشتراه السيارة من إخوته {بثمن} وهو البدل من الذهب أو الفضة، وقد يقال على غيره تشبيهاً به {بخس} أي قليل، ومادة " شرى" - يائية بتقاليبها الثلاثة: شرى، وشير، وريش، وواويه بتراكيبها الستة: شور، وشرو، ووشر، وورش، ورشو، وروش، ومهموزة بتراكيبها الثلاثة: أرش، وأشر، ورشأ - تدور على اللجاجة، وهي التمادي في الانتشار، ويلزمه تبيين ذلك الأمر، ويلزمها القوة تارة والضعف أخرى، فمن مطلقة: شريت الشيء، بمعنى ملكته بالبيع، وشريته، بمعنى: أزلت ملكي عنه به، وكذا اشتريت فيهما، والاسم الشراء بالمد ويقصر، فحصل التمادي والانتشار تارة بالإزالة وتارة بالتحصيل، وكل من ترك شيئاً وتمسك بغيره فقد اشتراه، وشاراه مشاراه: بايعه، وشروى الشيء: مثله واوه مبدلة من ياء كأنه مأخوذ من بدل المبيع لأنه يتحرى فيه المماثلة، وهو أوسع مما لم يوجد له مثل، وشرى البرق: استطار، وزيد: غضب ولج حتى استطار غضباً، والفرس في سيره: بالغ، واستشرى الرجل: لج، والبرق: لمع، والمشاراة: الملاّحة والمجادلة والمبايعة، والشرية - كغنية: الطريقة والطبيعة، وكأن هذا أصل المعنى الذي عنه تفرعت أغصانه، لأن الطبع مظنة الدجاج، وشرى الثوب واللحم والإقط: شررها، أي وضعها على خصفة أو غيرها منشورة لتجف، وشرى فلاناً: سخر به أو أرغمه، كأنه تمادى معه حتى قهره، وشرى بنفسه عن القوم: تقدم بين أيديدهم فقاتل عنهم، أو إلى السلطان فتكلم عنهم، والشرى - كعلي: الجبل - لانتشاره علواً، والطريق - للانتشار فيه، وطريق بسلمى كثيرة الأسد، وجبل بتهامه كثير السباع - لانتشارها فيه أو لأن الساتر فيه أقوى الناس وألجهم، وجبل بنجد لطيىء، والناحية، ويمد، وأشراه: ملاه، وأماله - لما يلزم من انتشار ما فيه، وأشرى الجمل: تفلقت عقيقته، أي صوفه، وبينهم: أغرى، وشرى البعير في سيره؛ أسرع، وشرى الفرس في لجامه - إذا جذبه، والشرية كغنية: من النساء اللاتي يلدن الإناث، كأنها تمادت في الميل مع طبعها: الأنوثة، فلجت فيه، أو هو راجع إلى الضعف اللازم للحاجة، والمشتري: نجم لتلألؤه، وطائر - للمعه بجناحه وانتشاره، واشرورى: اضطرب، وشرى زمام الناقة: كثر اضطرابه، هو من الانتشار ومن الضعف، واستشرت الأمور: تفاقمت وعظمت، وشرى جلده: أصابه بثور صغار حمر حكاكة مكربة تحدث دفعة غالباً وتشتد ليلاً، كأنها سميت لانتشارها في جميع البدن وقوتها، وتشرى القوم: افترقوا، وتشرى السحاب: تفرق، والشرى: شجر الحنظل أو الحنظل نفسه، والنخل ينبت من النواة، كأنه لنباته بغير سبب آدمي لجوج، والشريان من شجر القسي، كأنه لقوته ونشره السهام إذا رميت عنه، وواحد الشرايين للعروف النابضة، لقوتها وانتشارها؛ وشيار - بالكسر: يوم السبت، لأنه أول يوم ابتدئت فيه الخلائق، فكأنها انتشرت عنه؛ والريش بالكسر - من الطائر معروف كالراش - لأنه منتشر في جميع بدنه، وله قوة نشره متى شاء، وهو سبب صلاحه وقوته على الانتشار في الهواء، ومنه الريش والرياش: اللباس الفاخر، والخصب والمعاش، وذات الريش: نبات كالقيصوم، وراش الصديق: أطعمة وسقاه وكساه وأصلح حاله، وكلاً ريش - كهين وهيّن: كثير الورق، والريش - محركاً: كثرة الشعر في الأذنين والوجه، والمريش - كمعظم: البعير الأزب، ورشت السهم: فوقته، أي ألزقت عليه الريش عند فوقه، فكان له بذلك قوة الانتشار، ورمح راش: خوار شبه بالريش صعفاً، والمريش: الرجل الضعيف الصلب، وهو أيضاً: البرد الموشى، لتلونه كالريش، وهو أيضاً: القليل اللحم، وناقة مريشة: قليلة اللحم، لأن ذلك أقوى لها على السير، والمريش أيضاً: الهودج المصلح بالقد، لأن ذلك سبب قوته، وهو له كالريش والعصب، والشوار والشورة والشارة: الحسن والجمال والهيئة واللباس والسمن والزينة، واستشار فلان: لبس لباساً حسناً، كأنه من الريش، ولأنها ملزومة اللجاج والانتشار غالباً، واستشارات الإبل وأخذت مشوارها: سمنت، والمشوار - بالكسر: المكان تعرض فيه الدواب، وشارها: راضها، أي انتشر بها لتقوى على ما يراد منها، وشار العسل واستشاره: استخرجه من الوقبة - للمبالغة في ذلك، والشرو - مقدّم الراء بالفتح ويكسر: العسل، والمشوار: ما شاره به، وما أبقت الدابة من علفها - معرب، كأنه شبه بما يبقى من مشار العسل مما لا يعتد به، أو أصله: نشوار - بالنون، فأبدلت منها الميم لتقاربهما، فإن كان كذلك فهو نشر، والشوار - مثلثة: متاع البيت، لانتشاره فيه، وذكر الرجل وخصياه واسته، لما ينتشر من كل منها، وشور بفلان: فعل به فعلاً يستحي منه، كأنه لج في ذلك حتى قطع انتشاره في الاعتذار، وتشور الرجل: خجل، كأنه مطاوع شوّرته، وشور إليه: أومأ كأشار - لنشر ما أشار به، وأشار النار: رفعها، والشوران: العصفر - للمعه، وجبل قرب عقيق المدينة، فيه مياه سماء كثيرة، لقوته على إمساكها وقوة من يقيم فيه بها على الانتشار فيه، وخيل شياء: سمان حسان، والشورة - بالضم الناقة السمينة، لقوتها على الانتشار، وبالفتح: الخجلة، لانتشارها وعلوها، وأشرت عليه بكذا: أمرته للانتشار في الكلام قبل الإشارة للوقوع على الرأي، والاسم: المشورة، أو هو من الإشارة التي هي تحريك اليد أو الحاجب ونحوهما نحو المشار إليه، والرشوة - مثلثة: الجعل، ورشاه: أعطاه إياها، فنشره للفعل، ولا يفعل ذلك إلا من لج في الأمر، ويمكن رده إلى الضعف، والرائش: السفير بين الراشي والمرتشي، واسترشى: طلب الرشوة، والفصيل: طلب الرضاع، وأرشية اليقطين والحنظل: خيوطهما، لانتشارها، وشبهها بالرشاء - بالكسر والمد، وهو الحبل، والرشى كغنى، الفصيل والبعير يقف فيصيح الراعي: ارشه ارشه، أو أرشه أرشه، فيحك خورانه، أي مبعره بيده فيعدو، وقال ابن فارس: والخوران: مجرى الروث في الدابة، وأرشى: فعل ذلك، والقوم في دمه: شركوا، لأن ذلك انتشار، وبسلاحهم فيه: أشرعوه، والرشاة: نبت يشرب للمشي؛ ومن مهموزه: رشأ: جامع، ولا ألج من المتهيىء للجماع، وفيه الانتشار أيضاً، ورشأت الظبية: ولدت، والرشأ - بالتحريك اسم للظبي إذا قوي ومشى مع أمه، فيكون حينئذ أهلاً للانتشار واللجاج في الجري، والرشأ أيضاً: شجرة تسمو فوق القامة، وعشبة كالقرنوة، بالقاف، كأنها شديدة الحرافة فشبهت باللجوج، لأن القرنوة يدبغ بها - انتهى المهموز. ووشر الخشبة بالميشار - غير مهموز، لغة في: أشرها - إذا نشرها، أي فرقها باثنين أو أكثر، والوشر أيضاً: تحديد المرأة أسنانها وترقيقها، وهو من القوة واللمعان والتفريق، والمؤتشرة التي تسأل أن يفعل بها ذلك، وموشر العضدين - ويهمز: الجعل، لأن أعضاده كالمنشرة حزوزاً؛ ومن مهموزه: أشر - بالكسر، أي مرح، أي ازدرى الخلق وعاملهم معاملة المستهين بهم، فظلمهم ولج في عتوه، وناقة مئشير: نشيطة، وأشر الاسنان: تحزيزها - تشبيهاً لها بأسنان المئشار الذي يقطع به الخشب ونحوه قطعاً سريعاً، فهو كفعل اللجوج - انتهى المهموز؛ وورش الطعام: تناوله وأكل شديداً حريصاً، وطمع وأسف لمداق الأمور، لأن ذلك لا يكون إلا عن تمادٍ ولجاج، وورش فلان بفلان: أغراه، وورش عليهم: دخل وهم يأكلون ولم يدع، وورش اسم شيء يصنع من اللبن، لأنه انتشر عن أصل خلقته، والورش - بالتحريك: وجع في الجوف، وككتف: النشيط الخفيف من الإبل وغيرها، وهي بهاء، والتوريش: التحريش، والورشان: طائر. ومن مهموزه الأرش، وهي الدية، لأنها يلج في طلبها والرضى بها وأكثر ما يتعاطى من أمرها، وهو أيضاً الرشوة، وما نقص العيب من الشيء - قال في القاموس، لأنه سبب للارش والخصومة، وبينهما أرش، أي اختلاف وخصومة، والأرش: الإغراء والإعطاء، لأن المعطي يغلب نفسه، فكأنه خاصمها فلج حتى غلبها، والأرش: الخلق، لأنه منشأ اللجاج، يقال: ما أدري أي الأرش هو؟ أي الخلق، والمأروش: المخلوق، وآرش - كصاحب: جبل - انقضى المهموز. والروش: الأكل الكثير، والأكل القليل - ضد، وفهو من التمادي والضعف الذي ربما نشأ من التمادي مع شبهه بالريش، وجمل راش: كثير شعر الأذن؛ ومن التبيين: شار الدابة - إذا ركبها عند العرض على مشتريها، وشورها: نظر كيف مشوارها، أي سيرها، أو بلاها ينظر ما عندها أو قلبها وكذا الأمة، واستشار الفحل الناقة: كرفها فنظر إليها ألاقح هي أم لا؟ واستشار أمر فلان: تبين، والمستشير: من يعرف الحائل من غيرها، وهو يرجع إلى التمادي، لأنه لولاه ما عرف الأمر؛ ومن الضعف: راشاه: حاباه وصانعه، وترشاه: لاينه، وإنك لمسترش لفلان: مطيع له تابع لمسرته، وهو من الرشوة، وجمل راش: ضعيف الصلب، وكذا رمح راش، وهي بهاء، وراشه المرض: ضعفه، كأنه من الريش، وكل ذلك يرجع بعد التأمل إلى التمادي - والله أعلم. ومادة " بخس" بكل ترتيب من بخس وخبس وسبخ وسخب تدور على القلة، ويلزمها الأخذ بالكف: بخسته حقه: نقصته فجعلته أقل مما كان، والبخس: فقء العين، فهو نقص خاص، والبخس: أرض تنبت بلا سقي، كأنه لقلة ما نبت بها بالنسبة إلى أرض السقي، والبخس: المكس، وسبخت عن فلان: خففت عنه، والسبخة: أرض ملحة، لقلة نبتها ونفعها، وسبخت القطن - إذا قطعته، فصارت جملته قليلة؛ والتسبيخ: ما يسقط من ريش الطائر - لنقصه منه، والتسبيخ: النوم الشديد - لنقصه صاحبه وتخفيفه ما عنده من الثقل؛ ومن ذلك الخبس، وهو الأخذ بالكف - وهو لازم للقلة، ومنه قيل للأسد: الخابس، لأخذه ما يريده بكفه؛ والسخاب: قلادة من قرنفل ليس فيها جوهر ولا لؤلؤ. ولما كان البخس القليل الناقص، أبدل منه - تأكيداً للمعنى تسفيهاً لرأيهم وتعجيباً من حالهم - قوله: {دراهم} أي لا دنانير {معدودة} أي أهل لأن تعد، لأنه لا كثره لها يعسر معها ذلك، روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها كانت عشرين درهماً {وكانوا} أي كوناً هو كالجبلة {فيه} أي خاصة دون بقية متاعهم، انتهازاً للفرصة فيه قبل أن يعرف عليهم فينزع من أيديهم {من الزاهدين *} أي كمال الزهد حتى رغبوا عنه فباعوه بما طف، والزهد: انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه عند الزاهد، وهذا يعين أن الضمير للسيارة لأن حال إخوته في أمره فوق الزهد بمراحل، فلو كان لهم لقيل: وكانوا له من المبعدين أو المبغضين، ونحو ذلك. ولما كانت العادة جارية بأن القن يمتهن، أخبر تعالى أنه أكرمه عن هذه العادة فقال منبهاً على أن شراءه كان بمصر: {وقال الذي اشتراه} أي أخذه برغبة عظيمة، ولو توقفوا عليه غالى في ثمنه {من مصر} أي البلدة المعروفة، والتعبير بهذا دون ما هو أخصر منه للتنبيه على أن بيعه ظلم، وأنه لم يدخل في ملك أحد أصلاً {لامرأته} آمراً لها بإكرامه على أبلغ وجه {أكرمي مثواه} أي موضع مقامه، وذلك أعظم من الأمر بإكرامه نفسه، فالمعنى: أكرميه إكراماً عظيماً بحيث يكون ممن يكرم كل ما لابسه لأجله، ليرغب في المقام عندنا. ولما كانت كأنها قالت: ما سبب إيصائك لي بهذا دون غيره؟ استأنف قوله: {عسى أن} أي إن حاله خليق وجدير بأن {ينفعنا} أي وهو على اسم المشتري {أو نتخذه} أي برغبة عظيمة إن رأيناه أهلاً {ولداً} فأنا طامع في ذلك. ولما أخبر تعالى بمبدأ أمره، وكان من المعلوم أن هذا إنما هو لما مكن له في القلوب مما أوجب توقيره وإجلاله وتعظيمه، أخبر تعالى بمنتهى أمره، مشبهاً له بهذا المضمون المعلم به فقال: {وكذلك} أي مثل ما مكنا ليوسف بتزهيد السيارة: أهل البدو تارة، وإكرام مشتريه ومنافسته فيه أخرى {مكنا ليوسف في الأرض} أي أرض مصر التي هي كالأرض كلها لكثرة منافعها بالملك فيها لتمكنه من الحكم بالعدل {و} بالنبوة {لنعلمه} بما لنا من العظمة {من تأويل الأحاديث} أي بترجيعها من ظواهرها إلى بواطنها، فأشار تعالى إلى المشبه به مع عدم التصريح به لما دل عليه من السياق، وأثبت التمكين في الأرض ليدل على لازمه من الملك والتمكين من العدل، وذكر التعليم ليدل على ملزومه وهو النبوة، فدل أولاً بالملزوم على اللازم، وثانياً باللازم على الملزوم، وهو كقوله تعالى: { أية : فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة} تفسير : [آل عمران:13] فهو احتباك أو قريب منه. ولما كان من أعجب العجب أن من وقع له التمكين من أن يفعل به مثل هذه الأفعال يتمكن من أرض هو فيها مع كونه غريباً مستبعداً فرداً لا عشيرة له فيها ولا أعوان، قال تعالى نافياً لهذا العجب: {والله} أي الملك الأعظم {غالب على أمره } أي الأمر الذي يريده، غلبة ظاهر أمرها لكل من له بصيرة: أمر يعقوب يوسف عليهما الصلاة والسلام أن لا يقص رؤياه حذراً عليه من إخوته، فغلب أمره سبحانه حتى وقع ما حذره، فأراد إخوته قتله فغلب أمره عليهم، وأرادوا أن يلتقطه بعض السيارة ليندرس اسمه فغلب أمره سبحانه وظهر اسمه واشتهر، ثم باعوه ليكون مملوكاً فغلب أمره تعالى حتى صار ملكاً وسجدوا بين يديه، ثم أرادوا أن يغروا أباهم ويطيّبوا قلبه حتى يخلو لهم وجهه فغلب أمره تعالى فأظهره على مكرهم، واحتالت عليه امراة العزيز لتخدعه عن نفسه فغلب أمره سبحانه فعصمه حتى لم يهم بسوء، بل هرب منه غاية الهرب، ثم بذلت جهدها في إذلاله وإلقاء التهمة عليه فأبى الله إلا إعزازه وبراءته، ثم أراد يوسف عليه الصلاة والسلام ذكر الساقي له فغلب أمره سبحانه فأنساه ذكره حتى مضى الأجل الذي ضربه سبحانه، وكم من أمر كان في هذه القصة وفي غيرها يرشد إلى أن لا أمر لغيره سبحانه! {ولكن أكثر الناس} أي الذين هم أهل الاضطراب {لا يعلمون} لعدم التأمل أنه تعالى عالٍ على كل أمر، وأن الحكم له وحده، لاشتغالهم بالنظر في الظواهر للأسباب التي يقيمها، فهو سبحانه محتجب عنهم بحجاب الأسباب. ذكر ما مضى من قصة يوسف عليه الصلاة والسلام من التوراة: قال في أواخر السفر الثاني منها: كان يوسف بن يعقوب ابن سبع عشرة سنه، وكان يرعى الغنم مع إخوته، وكان إسرائيل يحب يوسف أكثر من حبه إخوته، لأنه ولد على كبر سنه، فاتخذ له قميصاً ذا كمين، فرأى إخوته أن والدهم أشد حباً له منهم، فأبغضوه ولم يستطيعوا أن يكلموه بالسلام، فرأى رؤيا قصها على إخوته فقال لهم: اسمعوا هذه الرؤيا التي رأيت، رأيت كأنا نحزم حزماً من الزرع في الزراعة، فإذا حزمتي قد انتصبت وقامت، وإذا حزمكم قد أحاطت بها تسجد لها، قال له إخوته: أترى تملكنا وتتسلط علينا؟ وازدادوا له بغضاً لرؤياه وكلامه، فرأى رؤيا أخرى فقال: إني رأيت رؤيا أخرى، رأيت كأن الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً يسجدون لي، فقصها على أبيه وإخوته، فزجره أبوه وقال له: ما هذه الرؤيا؟ هل آتيك أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك على الأرض؟ فحسده إخوته، وكان أبوه يحفظ هذه الأقاويل. وانطلق إخوة يوسف يرعون غنمهم في نابلس فقال إسرائيل ليوسف: هو ذا إخوتك يرعون في نابلس، هلم أرسلك إليهم! فقال: هأنذا! فقال أبوه: انطلق فانظر كيف إخوتك وكيف الغنم؟ وائتني بالخبر، فأرسله يعقوب عليه الصلاة والسلام من قاع حبرون، فأتى إلى نابلس، فوجده رجل وهو يطوف في الحقل فسأله الرجل وقال: ما الذي تطلب في الحقل؟ فقال أطلب إخوتي، دلني عليهم أين يرعون؟ قال له الرجل: قد ارتحلوا من هاهنا، وسمعتهم يقولون: ننطلق إلى دوثان، فتبع يوسف إخوته فوجدهم بدوثان، فرأوه من بعيد، ومن قبل أن يقترب إليهم هموا بقتله، فقال بعضهم لبعض: هو ذا حالم الأحلام قد جاء، تعالوا نقتله ونطرحه في بعض الجباب، ونقول: قد افترسه سبع خبيث، فننظر ما يكون من أحلامه! فسمع روبيل فأنقذه من أيديهم وقال لهم: لا تقتلوا نفساً، ولا تسفكوا دماً، بل ألقوه في هذا الجب الذي في البرية، ولا تمدوا أيديكم إليه، وأراد أن ينجيه من أيديهم ويرده إلى أبيه. فلما أتى يوسف إخوته خلعوا عنه القميص ذا الكمين الذي لابِسَه، وأخذوه فطرحوه في الجب فارغاً لا ماء فيه، فجلسوا يأكلون خبزاً فمدوا أبصارهم فرأوا فإذا رفقة من العرب مقبلة من جلعاد - وفي نسخة: من الجرش - وكانت إبلهم موقرة سمناً ولبناً وبطماً، وكانوا معتمدين إلى مصر فقال يهوذا لإخوته: ما متعتنا بقتل أخينا وسفك دمه؟ تعالوا نبيعه من العرب، ولا نبسط أيدينا إليه لأنه أخونا: لحمنا ودمنا، فأطاعه إخوته، فمر بهم قوم تجار مدينيون، فأصعدوا يوسف من الجب وباعوه من الأعراب بعشرين درهماً، فأتوا به إلى مصر. فرجع روبيل إلى الجب فإذا ليس فيه يوسف، فشق ثيابه ورجع إلى إخوته وقال لهم: أين الغلام؟ إلى أين أذهب أنا الآن؟ فأخذوا قميص يوسف عليه الصلاة والسلام فذبحوا عتوداً من المعز ولوّثوا القميص بدمه وأرسلوا به مع من أتى به أباهم وقالوا: وجدنا هذا، أثبته هل هو قميص ابنك أم لا؟ فعرفه وقال: القميص قميص ابني، سبع خبيث افترس ابني يوسف افتراساً، فحزن على ابنه أياماً كثيرة، فقام جميع بنيه وبناته ليعزوه فأبى أن يقبل العزاء وقال: أنزل إلى القبر وأنا حزين على يوسف، فبكى عليه أبوه. وباع المدينيون يوسف من قوطيفر الأمير صاحب شرطة فرعون - انتهى، وفيه ما يخالف ظاهرة القرآن ويمكن تأويله - والله أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن الضحاك في الآية قال: جاءت سيارة فنزلت على الجب فأرسلوا واردهم فاستقى من الماء فاستخرج يوسف، فاستبشروا بأنهم أصابوا غلاماً، لا يعلمون علمه ولا منزلته من ربه، فزهدوا فيه فباعوه، وكان بيعه حراماً وباعوه بدراهم معدودة. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فأرسلوا واردهم} يقول: فأرسلوا رسولهم فأدلى دلوه، فتشبث الغلام بالدلو، فلما خرج قال: يا بشراي، هذا غلام تباشروا به حين استخرجوه وهي بئر بيت المقدس معلوم مكانها. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي روق في قوله [يا بشراي] قال: يا بشارة. وأخرج ابن المنذر من طريق أبي عبيد قال: سمعت الكسائي يحدث عن حمزة عن الأعمش وأبي بكر، عن عاصم أنهما قرآ {يا بشرى} بإرسال الياء غير مضاف إليه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {يا بشرى} قال: كان اسم صاحبه بشرى. قال: يا بشرى، كما تقول يا زيد. وأخرج أبو الشيخ عن الشعبي في قوله {يا بشرى} قال كان اسمه بشرى. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وأسروه بضاعة} يعني إخوة يوسف، أسروا شأنه وكتموا أن يكون أخاهم، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله، إخوته، واختار البيع، فباعه إخوته بثمن بخس. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه {وأسروه بضاعة} قال: أسروا بيعه. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه {وأسروه بضاعة} قال: أسره التجار بعضهم من بعض. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وأسروه بضاعة} قال: صاحب الدلو ومن معه، فقالوا: لأصحابهم: إنا استَبْضعناه خفية أن يستشركوكم فيه ان علموا به وأتبعهم إخوته، يقولون للمدلي وأصحابه: استوثقوا منه لا يأبقن، حتى وثقوه بمصر فقال: من يبتاعني ويستسر؟ فابتاعه الملك والملك مسلم.
القشيري
تفسير : ليس كلُّ من طلب شيئاً يُعطى مرادَه فقط بل ربما يُعْطَى فوق مأموله؛ كالسيارة كانوا يقنعون بوجود الماء فوجدوا يوسفَ عليه السلام. ويقال ليس كل مَنْ وَجَدَ شيئاً كان كما وجده السيارة؛ توهموا أنهم وجدوا عبداً مملوكاً وكان يوسف - في الحقيقة - حُرَّاً. ويقال لمَّا أراد اللَّهُ تعالى خلاصَ يوسف - عليه السلام - من الجُبِّ أزعج خواطر السِّيارة في قصد السفر، وأعدمهم الماءَ حتى احتاجوا إلى الاستقاء لِيَصِلَ يوسف عليه السلام إلى الخلاص، ولهذا قيل: ألا رُبَّ تشويشٍ يقع في العَالَم، والمقصودُ منه سكونُ واحدٍ. كما قيل: رُبَّ ساعٍ له قاعد.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ قَالَ يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ} فلما خرجت الارواح من اماكن العدم وطارت فى هواء القدرة وطلبت انوار موارد القدم فوجدت قاموس الكبرياء فادلت دلاء الهمم فيها فانكشف لها من مطالع الازل شموس المشاهدة واقما رالعزة فلما ظفرت بموارد الحقيقة صاحت بصياح العشق وقالت يا بشرى هذا شاهد القدم وعروس الازل فوجدت شاهدها وفرحت بمشاهدته وطارت سكرانه فى هواء ازاله واباده من الفرح ببقاء لانها وجدت بضاعة المعارف وريح الكواشف قوله تعالى {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} جعلت انوار جلاله فى صميم اسرارها وسترها عن الاغيار وجعلها بضاعة التوحيد والمعرفة والمحبة ليريح بها مداناة الوصاف والاستيناس بالجمال يا ليت لسيادة يوسف لو عرفت ما فى وجه يوسف من تلألؤ انوار حسن الازل لسجدت له كما سجدت الملائكة لانهم لا للعبودية ولكن للعشق والمحبة لانه كان شاهد الله فى شاهد الله قال جعفر كان لله تعالى فى يوسف سر فغطى عليهم موضع سره ولو كشف لهم عن حقيقة ما اودع فيه لماتوا لا تراهم كيف قالوا هذا غلام ولو عجلوا اثار القدرة فيه لقالوا هذا بنى وصديق ولما كشف للنسوة بعض الامر قلن ما هذا بشرا ان هذا الا ملك كريم ولما لم يعرفوه بخاصية النبوة والولاية ولم يروا عليه اثار جمال الله سبحانه باعوه بثمن بخس لجهلهم به وبما فيه من ودائع كنوز القدرة وانوار المشاهدة والعلوم اللدينة الغيبية بقوله {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} لو كان فيهم ما كان فى يعقوب من عشق الله ومحبته وما راى فى مرآة وجهه من انوار قدرة البارى سبحانه ما باعوه بالكونين والعالمين لان ما فى وجه يوسف من جمال الظاهر لم يكن فى الكونين الا فى امثاله من الانبياء والصديقين وجمال ظاهره كان من جمال باطنه ولوا طلعوا على جمال باطنه لوقعوا بين يديه صرعى من سكر محبته ولراوا عجائب الملكوت والجبروت فى ظاهره وباطنه قال جعفر باعوا بالبخس من الثمن لجهلهم بما اودع الله فيه من لطائف العلوم وبدائع الآيات قال ابن عطا ليس ما باع اخوه يوسف من نفس لا تقع عليها البيع باعجب من بيعك نفسك بادنى شهوة بعد ان بعتها من ربك باوفوا الثمن قال الله ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة فبيع ما قد تقدم بيعه باطل وانما باع يوسف اعداؤه الذين كانوا يعادونه وأنت تبيع نفسك من اعدائك وهى شهواتك وهواك واعدى عدوك نفسك التى بين جنبيك وقال الجنيد انما باعوه بذلك الثمن حيث لم يتفرسوا فيه ما كان به لانه لم يكن وضع لهم فى جنبه حظ الا ترى الى الذى اشتراه لما كان له فى يوسف حظ كيف قال اكرمى مثواه عسى ان ينفعنا فصدق فيه فراسته ونال به الهداية وقال ابن عطا لو جعلوا ثمنه الكونين لكان نجس فى مشاهدته وما خص به قال الجنيد كل ما وقع تحت العدد والاحصاء فهو نجس ولو كان الكونين فلا يكن حظك النجس وهو كل شئ دونه ولما لم يعرفوا مكانته وباعوه اشتراه من راه بعين الحقيقة واعد === جلاله وقدره فى اخص موضع فى العالم وهو مكان المحبة والعشق بقوله {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ} اشتراه بالدنيا للاخرة معرفة بجلاله وجماله وقال لامراته اكرمى مثواه اى لا تنظرى اليه بنظر الشهوة فان وجهه مرآة تجلى الحق فى العالم واين طور سيناء فى مكانته من وجه يوسف وتجلى الحق من طور سيناء لموسى وتجلى الحق من وجه آدم للملائكة وتجلى الحق من وجه يوسف لاجرام الملكوت وسلاطين معارف الجبروت وليعقوب وامثاله من انظار الغيب الا ترى كيف قال سبحانه انى رايت احد عشر كوكبا الآية وايضا اكرمى تقواه بتقواك وايضًا اكرمى مثواه فانه بهديهة امر الفعل فى مجمع عين الجمع لا تنظرى اليه بعين العبودية ولكن انظرى اليه بنظر المعرفة لترى فيه انوار الربوبية وايضا اكرمى اجعلى محبته فى قلبك لا فى نفسك وان القلب موضع المعرفة الطاعة والنفس موضع الفتنة والشهوة عسى ان ينفعنا ان يعرفنا منازل الصديقين ومراتب الروحانيين ويبلغنا بركة صحبته الى مشاهدة رب العالمين قال بعضهم فى قوله اكرمى مثواه احسنى صحبته فى الدنيا لعله ان يكون لنا شفيعا فى الاخرة قال الجنيد فى قوله اكرمى مثواه من النظر الى يوسف وركز قلبه اليه صار يوسف محنة عليه قالت له امراته ما جزاء من اراد باهلك سؤالاً ان يسجن ثم ان الله سبحانه وصف ما وهب الى يوسف من احكام الغيب وروية كشوفات الملكوت وتمكينه فى المعرفة والنبوة والرسالة بقوله {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} مكناه صبرناه عظيما فى تمكين المعرفة وحمل وارد مشاهدة الغيب وسكناه من فورات الاحوال وتغائر التلوين وبلغناه حقائق الصحو ليكون كهفا لغرباء المعرفة والمسترشدين من اهل المحبة وليعرفه بعد تمكينه حقائق المكاشفات وتاويل لطائف المنامات وما يبرز من الملكوت فى اللبس المجهولة من تصرف الملائكة وقوله { وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} ان كان الهاء راجعة الى يوسف هو تعالى المتولى على امر يوسف بان خلصه من مكان الامتحان وبلغه الى درجة الرضوان وبان نجاه من فتنة الطغيان وورطة الحرمات بان كشف له البرهان والسلطان حين مكر به الشيطان خلصه من كيد الحساد وجعله قبرة الاوتاد والله غالب على امره حين دبر يعقوب فى حقه ما دبر ليعرفه غلبة سلطان قهره واستيلاء تقديره على تدبيره غالب على امر يوسف حين براه من آفة شهوة زليخا حين همت به وهم بها قال تعالى لولا ان برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء وايضا والله غالب على امره على امر عشقه وعشق زليخا لان مكان العشق ممزوج بطباع الانسانية وان كان صرف العشق من زند نعوت عشق الازل فكشف له سلطنة الكبرياء وخلصه بالكبرياء من مقام العشق الممزوج بطبع البشر كانه غلب الصفة على الصفة وانكان الهاء راجعا الى الله سبحانه فيه اشارة لطيفة ان امره من عالم الفعل والاحكام والرسوم الشريعة والطريقة والعقول مكلفة به === وغلب === بالشريعة وغلب مقادير الازلية امرا امرا وغلب على امره بنسخه وتبديله امر يوسف بالتبرى عن الاخيار وبان لا يلتفت الى الحدثان فى مكان العرفان لكن غلب جلال قدره وانكشف ليوسف فى وجه زليخا فاظهر القدس وجره بالقدس الى الهمة ليذوقه حلاوة عشق الانسان ليفوز به عشق الربانى ومن هناك رقاه الى مدارج ملك الازال والاباد ومن لم يكن بدايته عشقا كان من المجاهدين لا من العارفين لا بان العشق طاروا الى جناب مشاهدة الحق وان العشق مركب عشقه والعفق من عشقه صدر لانه كان عاشقا فى الازل عشقه معادن جميع عشق العشاق قال تعالى يحبهم ويحبونه كما ان حسن يوسف وزليخا وجميع الحسن فى العالم انشعب من حسنه وجلاله وجماله كان عشقه غلب على امر العبودية كان العشق صفة الربوبية ولم يكن عجبا غلبة الربوبية على العبودية وايضا ما دام الام خارجا عن اماكن الافعال وصار صرف افصفات فهو غالب على جميع الحدثان وتدبير اهل العرفان لانه واحد فى ملكه احد فى ملكوته والكائنات خاضعة فانية لجبروته وما ذكرنا من هذه المعانى الغريبة والتفاسير العجيبة من حقائق امر الالوهية لا يعرفها الا ابناء المعرفة ونظار المشاهدة قال الله تعالى {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} لا يعلمون مواضع تقدير الازلية حيث دبّر امور الحدثان من العرش الى الثرى وكيف يطلع الحدثان على قدم الرحمن قال ابن عطا غالب على امر نفسه اجراه على ما شار الى من شاء وصرف عمن شاء ولكن اكثر الناس لا يعلمون انه الغالب فى امره الذى امر عباده من طاعتهم ان شاء يسر لهم من طاعته وان شاء عجزهم فيها قال الواسطى يصرفهم فى تدبيره ويدبرهم فى تصريفهم ويوجد منهم المفقود ويفقد منهم الموجود فالاضافات ضرب من الاشراك ثم وصف الله سبحانه بلوغ يوسف اشد النبوة والولاية والتائيد الازلية وما وهبه من انوار العلوم والحكمة بقوله {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} اشده تمكينه واستقامته فى المعاملات والحالات ومراتب الاداب فى العبودية كوشف له تصرفات الربوبية فى معادن المكاشفة حكما وعلما حكما بالعبودية وعلما بالربوبية حكما بالطريقة علما بالحقيقة حكما بممالك الدنيا وعلما بممالك الاخرة {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} نجازى المحسنين الذين راقبوا الله سرا وعلانية وبذلوا مهجتهم بالله وفى الله الى الابد قال النصرابادى فى هذه الاية لما عقل عن الله اوامره ونواهيه والاستقام معه على شروط الادب اعطيناه حكما على الغيب فى تعبير الرويا وعلما بنفسه فى مخالفة هواها.
اسماعيل حقي
تفسير : {وجاءت سيارة} جماعة يسيرون من جهة مدين الى مصر فنزلوا قريبا من جب يوسف وكان ذلك بعد ثلاثة ايام من القائه فيه قال الكاشفى {روزجهارم مزده نجات بوى رسيد] قال السمرقندى فى بحر العلوم كان الجب فى قفرة بعيدة من العمران لم يكن الا للرعاة فاخطأوا الطريق فنزلوا قريبا منه انتهى فهذا يخالف قوله تعالى {أية : يلتقطه بعض السيارة} تفسير : فانه يقتضى كون الجب فى الامن والجادة والسير هو السير المعتاد {فارسلوا} اى الى الجب {واردهم} اى الذى يرد الماء اى يحضره ليستقى لهم وكان ذلك مالك بن دعر الخزاعى. قال فى القاموس مالك بن دعر بالدال المهملة {فادلى دلوه} الادلاء بالفارسية [فروهشتن دلو] اى ارسلها الى الجب ليملأها فاوحى الى يوسف بالتعلق بالحبل شعر : اى يوسف آخر بهرتست اين دلو در جاه آمده تفسير : [در معالم آورده كه ديوارهاى جاه برفراق يوسف بكريستند] وذلك لان للجمادات حياة حقانية لا يعرفها الا العلماء بالله فلها انس الذكر والتوحيد والتسبيح ومجاورة اهل الحق وقد صح ان الجذع الذى كان يعتمد عليه رسول الله صلةى الله عليه وسلم حين الموعظة للناس ان انين بنى آدم لما فارقه رسول الله وذلك بعد ان عمل له المنبر: قال فى المثنوى شعر : استن حنانه از هجر رسول ناله مى زد همجو ارباب عقول كفت بيغمبر جه خواهى اى ستون كفت جانم ازفراقت كشت خون تفسير : فلما خرج يوسف اذا هو بغلام احسن ما يكون وقد اعطى شطر الحسن فلما رآه مالك {قال} مبشرا نفسه واصحابه {يا بشرى هذا غلام} [اى مزده وشادمانى] كأنه نادى البشرى وقال تعالى وهدا اوانك حيث فاز بنعمة نادرة وأى نعمة مكان ما يوجد مباحا من الماء وقيل هو اسم صاحب له ناداه ليعينه على اخراجه كما قال الكاشفى[اورا آوزداد وزكفت اين بسريست كه دلورا كران ساخته بس بمدد كارئ او يوسف را ازجاه برآورده] شعر : جون آن ماه جهان أرا برآمد زجانش بانك يا بسرى برآمد بشارت كز جنين تاريك جاهى برآمد بس جهان افروز ماهى تفسير : وذلك لان ماء الحياة لا يوجد الا فى الظلمات كما ان العلم الالهى انما يوجد فى ظلمات هذا القلب والقالب. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان القلب كماله بشارة من تعلق الجذبة وخلاصه من الجب فكذلك للجذبة بشارة فى تعلقها بالقلب وخلاصه من الجب وهى من اسرار {أية : يحبهم ويحبونه} تفسير : {واسروه} اى اخفاء الوارد واصحابه عن بقية الرفقة لئلا يطلبوا بالشركة فيه {بضاعة} حال كونه بضاعة اى متاعا للتجارة فانها قطعة من المال بصعت منه اى قطعت للتجارة {والله عليم بما يعملون} لم يخف عليه اسرارهم
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (بضاعة): حال من المفعول، أي: وأخفوه مبضعاً به للتجارة. و(لنعلمه): عطف على محذوف، أي: مكناه في الأرض ليتصرف فيها بالعدل ولنعلمه. إلخ. و(دراهم): بدل من (ثمن). قال الهروي: الأَشُدَّ: من خمسة عشر إلى أربعين سنة. وهو جمع شدة، مثل: نعمة وأنعم، وهي: القوة والجلادة في البدن والعقل. هـ. يقول الحق جل جلاله: {وجاءت سيارة}؛ رفقة تسير من مدين إلى مصر، فنزلوا قريباً من الجب، وكان ذلك بعد ثلاث من إلقائه فيه. {فأرسلوا واردَهم} الذي يرد الماء، ويستقي لهم، وهو: مالك بن ذعر الخزاعي، {فأدلى دلوه} أرسلها في الجب ليملأها، فتعلق بها يوسف، فلما رآه، {قال يا بشرى هذا غلام}؛ نادى البشرى، بشارة لنفسه، أو لقومه، كأنه قال: تعالِ هذا أوانك. وقيل: اسم لصاحبه، ناداه ليعينه على إخراجه فأخرجوه، {وأسروه} أي: أخفاه الوارد، وأصحابه عن الرفقة، وقالوا: دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه بمصر، حال كونه {بضاعة}؛ أي: متاعاً مبضعاً به للتجارة، أي: يباع ويتجر بثمنه. {والله عليم بما يعملون} لم يخف عليه اسرارهم. {وشَرَوه} أي: باعه السيارة من الرفقة، أو إخوته، فيكون الضمير راجع لهم. رُوي أن يهوذا كان يأتيه كل يوم بالطعام، فأتاه يومئذٍ فلم يجده فيها، وأخبر إخوته فأتوا الرفقة، وقالوا: هذا غلامنا فاشتروه، وسكت يوسف خوفاً من أن يقتلوه. أو اشتروه من إخوته؛ لأن شرى قد يستعمل بمعنى اشترى. فاشتراه الرفقة منهم {بثمن بَخْسٍ}؛ أي: مبخوس، لزيفه أو نقصانه، {دراهم مَعدودةٍ} قليلة، فإنهم يَزنُون ما بلغ الأوقية، ويعدُّون ما دونها. قيل: كان عشرين درهماً. وقيل: اثنين وعشرين. رُوي أن الذي اشتراه منهم مالك بن ذعر المتقدم، وكان صعلوكاً، فسأل يوسف أن يدعو له فدعا له فصار غنياً. رُوي أنه قال لهم: بكم تبيعونه؟ فقالوا له: إن اشتريته بعيوبه بعناه لك. فقال: وما عيوبه؟ فقالوا: سارق كذاب، يرى الرؤيا الكاذبة. فقال لهم: بكم تبيعونه لي مع عيوبه؟ ويوسف عليه السلام ينظر إليهم ولا يتكلم، وهو يقول في نفسه: ما أظنه يقوم بثمني؛ لأنهم يطلبون أموالاً كثيرة. قال لهم مالك: معي دراهم قليلة تعد ولا توزن، فقالوا له: هاتها. فاشتراه منهم بتلك الدراهم المعدودة. قال ابن عباس: كانت سبعة عشر درهماً، جعل له ذلك جزاء لما قوم نفسه، وظن أنهم يطلبون في الأموال. هـ. {وكانوا فيه من الزاهدين}: الراغبين عنه. يحتمل أن يكون الضمير لإخوته، وزهدهم فيه ظاهر. أو يكون للرفقة فإن بائعين كانوا بائعين فزهدهم فيه لأنهم التقطوه والملتقط للشيء متهاون به خائف من انتزاعه، وإن كانوا مبتاعين فلأنهم اعتقدوا أنه آبق. قال الفراء: لما اشتراه منهم مالك، قال لهم: اكتبوا لي كتاباً بخطكم بأنكم بعتم مني هذا الغلام بكذا وكذا، فكتبوا له ذلك، فلما أراد الرحيل قالوا له: اربطه لئلا يهرب، فلما همَّ بربطه قال له يوسف: خلني أودِّع ساداتي؛ فَلَعَلَّي لا ألقاهم بعد هذا اليوم. فقال له مالك: ما أكرمك من مملوك، حيث يفعل بك هذا وأنت تتقرب منهم. فقال له يوسف: كل أحد يفعل ما يليق به، فقال له: دونك، فقصدهم وهُم قيام صفاً واحداً، فلما دنا منهم بكوا وبكى يوسف عليه السلام، ثم قالوا: والله لقد ندمنا يا يوسف على ما فعلنا، ولولا الخشية من والدنا لرددناك. هـ. ثم ذهبوا به إلى مصر فباعوه، فاشتراه العزيز الذي كان خزائن مصر. واسمه: "قطفير"، وكان المَلِك يومئذٍ "ريان بن الوليد العلقمي"، وقد آمن بيوسف، ومات في حياته. {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته} راعيل، أو زليخا، {أكرمي مثواه}؛ اجعلي مقامه عندنا كريماً، والمعنى: أحسني تعهده، {عسى أن ينفعنا} في ضِياعنا وأموالنا، نستظهر به في مصالحنا، {أو نتخذه ولداً} أي: نتبنَّاه، وكان عقيماً، لما تفرس فيه من الرشد. ولذلك قيل: (أفرس الناس عزيز مصر، وابنة شعيب التي قالت: {أية : يٰأَبَتِ ٱسْتَأْجِرْهُ}تفسير : [القصص: 26]، وأبو بكر حين استخلف عمر). قال البيضاوي: رُوي أنه اشتراه العزيز وهو ابن تسع عشرة سنة، ولبث في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره الريان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة. واختلف فيما اشتراه به مَنْ جعل شراءً غير الأول، فقيل: عشرون ديناراً، وزوجاً نعل، وثوبان أبيضان. وقيل: ملؤه ـ أي وزنه ـ فضة، وقيل: ذهباً. هـ. وقيل: مسكاً وحريراً. {وكذلك مكَّنَّا ليوسف في الأرض} أي: وكما مكنا محبته في قلب العزيز، أو كما مكناه في منزله، أو كما أنجيته، وعطفنا عليه العزيز مكناه في الأرض، ليتصرف فيها بالعدل، {ولنُعلِمَهُ من تأويل الأحاديث}؛ أي: من تأويل كتب الله المتقدمة، أو من تأويل الأحكام الحادثة بين الناس ليحكم فيها بالعدل، أو من تعبير المنامات، ليستعد لها قبل حلولها. أي: كان القصد في إنجائه وتمكينه: إقامته العدل، وتْيسير أمور الناس، وليعلَمَ معاني كُتب الله وأحكامه فينفذها، {والله غالبٌ على أمره}: لا يرده شيء، ولا ينازعه فيما يريد جبار، ولا عنيد، أو غالب على أمر يوسف، فيدبر أمره بالحفظ والرعاية، والنصر والعز في عاقبة أمره، خلاف ما أراد به إخوته، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أن الأمر كله بيده، أو لا يفهمون لطائف صنعه، وخفايا لطفه. {ولما بلغ أشده}؛ منتهى اشتداد جسمه، وكمال عقله. وتقدم تفسير الهروي له، وحده. وقيل: ما بين الثلاثين والأربعين، {آتيناه حكماً}: حكمة، وهي النبوة. أو العلم المؤيد بالعمل. أو حُكماً بين الناس بالعدل. {وعلماً} يعني: علم تأويل الأحاديث، أو علماً بأسرار الربوبية، وكيفية آداب العبودية. {وكذلك نجزي المحسنين} إذا كمل عقلهم، وتوفر آدابهم، وكمل تهذيبهم، آتيناهم الحكمة وكمال المعرفة. وفيه تنبيه على أنه تعالى إنما آتاه ذلك جزاء على إحسانه وإتقانه عمله في عنفوان شبابه. اَلإشارة: من ظن انفكاك لطف الله عن قدره؛ فذلك لقصور نظره، لا سيما لطفه بالمتوجهين إليه، أو العارفين به الواصلين لحضرته. فكل ما ينزل بهم فإنما هو أقدار جارية، وأمداد سارية، وأنوار بهية، وألطاف خفية، تسبق لهم الأنوار قبل نزول الأقدار، فلا تحول حول قلوبهم الأكدار، ولا تغير قلوبَهم رؤية الأغيار، عند نزول شدائد الأقدار، يحفظ عليهم أسرار التوحيد، وينزل عليهم أنوار التأييد، عند نزول القضاء الشديد، والبلاء العتيد، ولابن الفارض رضي الله عنه: شعر : أَحبائِي أَنتُم، أَحْسَنَ الدَّهرُ أم أَسا فَكُونُوا كما شِئتُمُ أَنا ذَلك الخِل تفسير : وقال صاحبه العينية: شعر : تَلَذُّ لِي الآلام إذ كُنتَ مُسْقِمَِي وإن تَختَبِرني فَهْي عَندي صَنَائِعُ تَحِكَّم بِِما تَهواهُ فيَّ فإِنَّني فَقِيرٌ لسُلطَان المَحَبَّة طَائِعُ تفسير : وقد جرت عادة الله تعالى أن يعقب الجلال بالجمال، والمحن بالمنن، والذل بالعز، والفقر بالغنى، فبقدر ما تشتد المحن تأتي بعدها مواهب المنن، ما ينزل من الجلال يأتي بعده الجمال، سُنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً. لا راد لما قضى، ولا معقب لما به حكم وأمضى. قال تعالى: {والله غالبٌ على أمره}: قال بعض المفسرين: هذه الآية هي قطب هذه السورة، ثم قال: أراد آدم البقاء في الجنة، وما أراد الله ذلك، فكان الأمْر مُراد الله. وأراد إبليس أن يكون رأس البررة الكرام، وأراد الله أن يكون إمام الكفرة اللئام، فكان الأمر كما أراد الله. وأراد النمرود هلاك إبراهيم عليه السلام، ولم يرده الله، فكان الأمر كما أراد الله. وأراد فرعون هلاك موسى عليه السلام، فأهلكه الله، ونجى موسى,. وأراد داود أن يكون الملك لولده ميشا، وأراد الله أن يكون لسليمان عليه السلام، فكان كما أراد الله. وأرد أبو جهل هلاك سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم ونبوة الوليد بن المغيرة، فأهلك الله أبا جهل ونبأ محمداً صلى الله عليه وسلم. وأراد المنذر بن عاد البقاء في الدنيا، فأهلكه الله وخرب ملكه. وأراد إرم العاتي، الذي بنى ذات العماد، يحاكي بها الجنة، أن يسكنها خالداً فيها، فكذبه الله، وحال بينه وبينها، وغيبها عنه حتى مات بحسرتها. هـ. ثم ذكر مراودة زليخا ليوسف، وما كان من شأنهما، فقال: {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ}.
الطوسي
تفسير : قرأ أهل الكوفة "يا بشري" بغير الف. الباقون بالالف والياء، وكان يجوز أن يقرأ بياء مشددة "بشريّ" وهي لغة هذيل غير انه لم يقرأ به احد، قال أبو ذؤيب: شعر : سبقوا هويّ واعنقوا لهواهم فتخرموا ولكل جنب مصرع تفسير : قال ابو علي: من قرأ {يا بشراي} فاضافه الى الياء التي للمتكلم، كأن للألف التي هي حرف الاعراب موضعان من الاعراب: احدهما - ان تكون في موضع نصب لانه منادى مضاف. والآخر - ان تكون في موضع كسر، لأنه بمنزلة حرف الاعراب في غلامي. ومن قرأ {يا بشرى} احتمل وجهين: احدهما - ان يكون في موضع ضم مثل يا رجل بالنداء لاختصاصه كاختصاص الرجل. والآخر - ان يكون في موضع النصب لأنك اشعت النداء ولم تخص به، كما فعلت في الوجه الاول كقوله {أية : يا حسرة على العباد}. تفسير : اخبر الله تعالى أنه حين ألقى أخوة يوسف يوسف في غيابة الجب جاءت سيارة، وهم جماعة مسافرون مارة فبعثوا واردهم، وهو الذي يصير الى الماء ليستسقي منه {فأدلى دلوه} يعني أرسل دلوه ليملأ، يقال ادليت الدلو إذا ارسلتها لتملأ، ودلوتها إذا اخرجتها مملأة، وقيل انه لما ارسل الدلو تعلق بها يوسف، فقال المدلي {يا بشراي} هذا غلام، في قول قتادة والسدي. وقيل في معنى (بشراي) قولان: احدهما - انه بشر اصحابه بأنه وجد عبداً. الثاني - قال السدي كان اسمه {بشرى} فناداه. وقوله {وأسرّوه بضاعة} قيل في معناه قولان: احدهما - قال مجاهد والسدي أسره المدلي، ومن معه من باقي التجار لئلا يسألوهم الشركة فيه. الثاني - قال ابن عباس اسره اخوته يكتمون أَنه أَخوهم وتابعهم على ذلك يوسف لئلا يقتلوه. والبضاعة قطعة من المال تجعل للتجارة من بضعت الشيء اذا قطعته، ومنه المبضع، لأنه يبضع به العرق. ومعنى {وأسرّوه} أنهم لما وجدوه أحبوا أَن لا يعلم أنه موجود، وان يوهموا أنه بضاعة دفعها اليهم أهل الماء، ونصب بضاعة على الحال. وقوله {والله عليم بما يعملون} اخبار منه تعالى بأنه عالم بافعالهم، فيجازيهم على جميعها، وان اسروا بها، وفي ذلك غاية التهديد.
الجنابذي
تفسير : {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ} جماعة سيّارة للتّجارة وفى لفظ السّيارة اشعارٌ بانّ السّير كان شغلهم وقصّته انّ مالك بن زعر الّذى كان امير العير وكان من ولد ابراهيم الخليل (ع) باربعة آباء، رأى رؤيا عبّروها له بالتقاط غلام فى ارض كنعان يكون له فيه خير كثير فى الدّنيا والآخرة، وكان رؤياه قبل ذلك بخمسين عاماً، وكان يمرّ فى تلك المدّة على ارض كنعان بعيره كلّ عامّ مرّة وفى ذلك العام ضلّ الدّليل الطّريق ومرّوا على ذلك البئر بعد مضىّ ثلاثة ايّام او خمسة ايّام او سبعة ايّام من القاء يوسف فيه، وقيل: انّ البئر كان على طريق المارّة، ويستفاد من قوله تعالى يلتقطه بعض السّيارة انّ البئر كان على طريق المارّة {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ} الّذى يرد الماء ليستقى للنّاس والدّوابّ {فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ قَالَ يٰبُشْرَىٰ} جواب سؤالٍ كأنّه قيل: ما رأى وما فعل بعد اخراج الدّلو، ونداء البشرى اشارة الى غاية سروره واستبشاره كأنّه تمثّل البشرى لديه فاستبشرها بشهود الغلام، وقيل: كان له صاحب اسمه بشرى فناداه ليبشّره بشهود الغلام {هَـٰذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ} اى الوارد وخواصّ اصحابه كتموا التقاطه من البئر لئلاّ يمتدّ اليه اطماع الرّفقة، او كتموا نفس يوسف (ع) لئلاّ يراه رفقتهم فيطمعوا فيه، او اسرّوا بمعنى اظهروا، ويحتمل رجوع ضمير الفاعل الى اخوة يوسف (ع) كما يجيء {بِضَاعَةً} حال من مفعول اسرّوه، قيل: انّ يهودا كان يأتى كلّ يوم الى البئر ويتعاهد يوسف (ع) ويأتى له بطعام فلمّا جاء اليوم الى البئر لم يجد يوسف (ع) فيه فأتى العير فوجده هناك واخبر اخوته فجاؤا الى العير وكتموا أمر يوسف (ع) وهدّدوه من القتل حتّى أقرّ بالعبوديّة فعابوه بالسّرقة والاباق {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ وَشَرَوْهُ} منهم ويحتمل ارجاع ضمير الفاعل الى الوارد ورفقته او الى السّيّارة وكون الشّراء بمعنى الاشتراء {بِثَمَنٍ بَخْسٍ} مغشوش او قليل {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} عشرين او اثنين وعشرين او ثمانية عشر {وَكَانُواْ} اى السّيّارة او اخوة يوسف {فِيهِ} فى يوسف او فى الثّمن {مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ} غير راغبين او ناظرين بنظر الزّهد لا بنظر الخيانة، وكان المشترى من اخوة يوسف (ع) مالك بن زعر امير العير فجاء به الى مصر وكان من كنعان الى مصر مسيرة اثنى عشر يوماً او ثمانية عشر يوماً وقد سار يعقوب (ع) وولده بعد بشارة حياة يوسف (ع) وسلطنته فى تسعة ايّام.
الأعقم
تفسير : {وجاءت سيارة} أي رفقة تسير من قبل مدين إلى مصر، وذلك من بعد ثلاثة أيام من حين ألقي يوسف في الجب {فأرسلوا واردهم} رجل يقال له مالك بن ذعر {فأدلى دلوه} أي أرسله فتعلق يوسف (عليه السلام) في الحبل فلما خرج إذ هو بغلام أحسن ما يكون فقال المدني: يا بشراي {هذا غلام}، وقيل: نظروا في البئر فرأوه، فقالوا: هذا غلام {وأسروه بضاعة}، قيل: أخفاه المدني ومن معه من التجار لئلا يسألون الشركة فيه لرخص ثمنه، وقيل: أسرّوه يعني أخوته أخفوا أنهم أخوته وقالوا: هذا غلام لنا، وقيل: أسرّ بعض التجار عن بعض، وروي أن يهوذا أتى بالطعام فلم يجده في البئر فأخبر أخوته فطلبوه فوجدوه معهم فقالوا: هذا عبدنا أبق منا، فقال مالك بن ذعر: أنا أشتريه {وشروه} أي باعوه، قيل: أخوته، وقيل: السيارة هم الذين باعوه {بثمن بخس دراهم معدودة} عشرين درهماً، وقيل: اثني وعشرين درهماً {وكانوا}، قيل: الذين باعوه {فيه من الزاهدين}، قيل: في الثمن، وقيل: في يوسف (عليه السلام) {وقال الذي اشتراه من مصر}، قيل: قطفير، وقيل: أطفير وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العمالقة وأقام يوسف مع العزير ثلاث عشرة سنة {لامرأته} واسمها راعيل وهي التي تسمى زليخا {أكرمي مثواه} أعظمي منزلته {عسى أن ينفعنا} أي يكفينا أمورنا إذا بلغ وعلم الأمور، وقيل: نبيعه بثمن صالح {أو نتخذه ولداً} وكان قطفير لا يأتي النساء وكانت امرأته حسينة ناعمة، وقيل: إن مالك بن ذعر أنه لما ابتاعه قال له: من أنت؟ قال: أنا يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم، فقال: إنا لله وإنا اليه راجعون إنك إذا ابن ساداتنا، وقال له: ادع الله ييسر لي ولداً، فدعى الله يوسفُ (عليه السلام) فولدت له امرأته أربعة وعشرين رجلاً في اثني عشر بطناً {ولنعلمه من تأويل الأحاديث}، قيل: علم الغيب معجزة له، وقيل: عواقب الأمور، وقيل: تأويل الرؤيا {والله غالب على أمره} أي قادر لا يعجزه شيء على أمره أي تدابيره، وقيل: غالب على أمر يوسف (عليه السلام) يحفظه ويحوطه ويدبر أمره ولا يكله إلى أحد غيره {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ما الله صانع بيوسف وما يؤول اليه حاله {ولمَّا بلغ أشده}، قيل: منتهى شبابه، قيل: ثماني عشر إلى ثلاثين سنة إلى أربعين سنة.
اطفيش
تفسير : {وجَاءتْ سيَّارةٌ} رفقه من الأعراب يسيرون من مدين إلى مصر، وقيل مسافرون من مدين إلى مصر، فأخطئوا الطريق، ونزلوا قريبا من الجب، وكان فى قفره بعيدة من العمران، لم يكن ألا للرعاة، وكان ماؤه ملحا فعذب حين ألقى فيه يوسف، وقد مر غير ذلك: وقيل: إن ذلك فى اليوم الذى ألقى فيه كما مر، وقيل فى الثانى. {فأرْسَلوا} حين نزلوا، وقيل: قبل النزول {وَارِدَهُم} الذى يرد الماء ليستقى لهم، والمشهور أنه الذى يتقدم الرفقة للماء، ويطلق على الواحد والجمع، وهو هنا رجل من أهل مدين، وقيل: من أعرابها يسمى مالك بن ذعر الخزاعى، وقيل: الوارد الرسول، لأنه يرد الموضع الذى أرسل إليه: قيل: المعنى فأرسوا رسولهم. {فأدْلَى} أنزل فى الجب {دَلْوه} ليأخذ بها الماء، فتعلق يوسف بالحبل، فلما رآه إذا هو بغلام أحسن ما يكون {قالَ يا بُشْرَى} أى يا بشارتى هذا أوانك فاحضرى، ونداءها مجاز بإضافة البشرى إلى نفسه، وفتح الياء عند نافع، وعنه يا بشرى بإسكانها بنية الوقف، وكذا فتح الياء، وأثبت الفاء قبلها غير حمزة والكسائى، وقرأ ورش الراء بين إخلاص الفتح وإمالته، وعامة أهل الأداء على إخلاص الفتح فى مذهب أبى عمرو، وهو قول ابن مجاهد، وبذلك ورد النص عنه من طريق السوسى، عن اليزيدى وغيره. وقرأ الحسن يا بشراى بقلب الألف ياء وإغامها فى الياء، وكذا قرأ غيره وهو لغة هذيل، قال جار الله: سمعت أهل السرور، وهو محلة حمير يقولون فى دعائهم: يا سيدى ويا مولاى، وقرأ الكوفيون: يا بشرى بألف التأنيث دون إضافة، إلا أن حمزة والكسائى يميلون، وذلك أيضاً نداء للبشرى، أى احضرى فهذا أوانك بشارة لنفسه أو لقومه أو سيده وقيل: اسم صاحب له ناداه ليعينه على إخراجه، وقيل: ذهب به فلما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم. {هَذا غلامٌ} ولما خرج بكى عليه الجب، وفى رواية: أن مالك ابن ذعر كان يسكن بمصر، فرأى فى منامه حال صغره كأنه فى أرض كنعان، فنزلت الشمس من السماء فدخلت فى كمه، ثم أخرجها فأقامها بين يديه، فأتت سحابة بيضاء فنثرت عليه الدر وهو يلتقطه ويجمعه فى صندوق له، فذهب إلى المعبر ليسمع تأويل رؤياه، فقال له: لا أعبر لك إلا ببذل وإحسان، فقال المعبر: خذ دينارين وفسر لى رؤياى، فقال له: تصيب عبدا وليس بعبد، وتصيب به الغنى، ويبقى الغنى فى أولادك إلى يوم القيامة، وتنجوا من النار ببركته، وتصير لك أولاد، ويبقى اسمك وذكرك أبدا. فانصرف وتجهز للسفر طمعا فى أن يراه، وقصد دمشق فاجتاز بأرض كنعان، فبقى تارة ينظر إلى السماء، وتارة ينظر إلى الأرض، ينتظر ذلك، فهتف به هاتف: هيهات بينك وبين ذلك خمسون سنة، وكان يختلف إلى أرض الشام مرتين فى كل عام طمعا فى لقائه. ولما كان بعد خمسين سنة قال لغلامه: إن وجدت هذا الغلام الذى أطلبه أعتقك وأعطيتك نصف مالى، وكان فى دمشق حين ألقى يوسف فى الجب، وانصر وبلغ أرض كنعان، فرأى طيورا تطير حول الجب، وتطوف كما يطوف الحاج بالبيت، وكانوا ملائكة أرسلهم الله تعالى إكراما ليوسف عليه السلام، فظن أنها طيور، ولم يظن أن لله ملائكة، لأنه كان يعبد الأصنام، فقال للسيارة تعالوا نمضى إلى الجب لعل الماء قد نبع فيه، فلما دنوا من الجب تسابقت الحمر، وألقت ما عليها من الأحمال، وقصدت نحو الجب حتى تشم رائحة يوسف، وتمرغت فى التراب حين وصلت قرب الجب، فنزل فأرسل عبده بشرى وخادمه ماملا، ولما أخرجه نادى ذلك العبد المخرج له المسمى بشرى: يا بشراى نادى بشارته فإن له عتقا ونصف مال سيده على ذلك. وقيل: قيل لمالك بن ذعر فى منامه: لا بد أن تجد غلاما فى جب بين مدين ومصر، تنال به مالا عظيما، ورفعة وجاها، وكان له غلام اسمه بشرى، فقال، إن قصدت هذا الغلام فأنت حر، فجعل يتردد إلى مصر ليجد هذا الغلام، وأدلى دلوه بنفسه، فتعلق بحبله فرآه كما وصف له فى النوم، فصاح لغلامه: يا بشراى هذا غلام، فعلى هذا يكون بشراى من إضافة العلم كقوله: شعر : * ليلاى منكن أم ليلى من البشر * تفسير : ومن قرأ يا بشرى لم يضفه فهو كيازيد، وقيل: إنما أخرجه الخادم فنادى الغلام المسى بشرى باسمه. وعن السدى: كان [من] أصحاب هذا الوارد رجل يسمى بشرى، قيل: لم يره على صورته التى هو عليها، وإلا لم يقدر أن يشتريه، ولما أراد الوارد إدلاء الدلو نزل جبريل فقال: قم يا يوسف، فقال: إلى أين؟ قال: تذكر يوما نظرت فى المرآة فقلت فى نفسك: لو كنت مملوكا ما قام أحد بثمنى؟ قال: نعم، فقال له: اطلع حتى ترى ثمنك، فكان بخسا دراهم معدودة. قيل ليوسف: بأى كلمة تخلصت من أيدى إخوتك ومن الجب؟ قال: بكلمة تفرد بها من قال أنا أضحكت وأبكيت، من سمعها ألفها، وإذا ألفها عشقها: وإذا عشقها لم يخالفها، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهى مكتوبة فى التوارة بالعبرانية، ثم إن مالكا قال له: من أنت؟ قال: أنا عبد أى عبد الله. {وأسرُّوه بِضاعةً} أى أخفاه الوارد ومن معه، وهم مالك ابن ذعر وخادمه وعبده عن التجار الذين معهم، وقالوا: هو بضاعتنا استنبطناها من بعض آل مصر، قال مجاهد: وذلك لئلا يطلب فيه الشركة إن علموا حاله، أى لئلا يأخذه جبار إن كان معهم، وقيل: استبضعها لنا أهل الماء لنبيعها بمصر، وقيل: أخفوه عن أعينهم، أو كانت الرفقة كثيرا يمكن أن لا يعلموا بحدوثه فيهم إلا بإخبار فلم يخبروهم. وقيل عن ابن عباس: الواو لإخوة يوسف، أى استكتموه وتوعده سرا من مالك بن ذعر إن لم تقر لهم بأنك عبدنا قتلناك: فأقر بأنه عبد بتعريض أن مالكه الله، أو بتقية، أو أخفوا كونه أخاهم حرا فباعوه، وسكت خوفا منهم، والصحيح خلافه، ذلك لقوله: بضاعة إنهم قالوا عبد لنا أتينا به بضاعة نتجر به لأنفسنا، مع أن الضمائر السابقة الجمعية لهم إلا واو أرسلوا، ولا يتوهم أن المسرين هم الذين أرسلوا الوارد، وبضاعة حال أى متاعا للتجارة من البضع بمعنى القطع، وهى جملة من المال قطعت للتجارة. {واللّهُ عليمٌ بما يعْمَلُونَ} أى بما يعمل الوارد ومن معه من الإسرار بيوسف بكسر الهمزة، أو بما يعمل إخوة يوسف بيوسف وأبيه، أو بإسرارهم إياه، وجعلهم إياه بضاعة حتى باعوه لمالك بن ذعر بعد ما أخرجه من الجب. روى أن يهودا أتى إلى الجب على عادته بالطعام فلم يجد فيه يوسف، فنظر فإذا هو بمالك بن ذعر وأصحابه نزولا، ورأى يوسف معهم فأخبر إخوته، فجاءوا فقالوا: هذا عبدنا أبق منا، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتلوه، فقال مالك بن ذعر: أنا أشتريه منكم، فاشتراه كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَشَروهُ بِثَمَنٍ...}
اطفيش
تفسير : {وَجَاءَتْ} بعد ثلاثة أَيام وقيل: فى اليوم الثانى {سَيَّارَةٌ} جماعة مسافرون، سموا سيارة لسيرهم فى الأًرض ساروا من مدين إِلى مصر، أَو من جهتها، وهى قريبة من مصر فأَخطأُوا الطريق وقصدوا الجب، ونزلوا قريباً من الجب واختير أَنها على طريقهم وهى فى قفراءُ بعيدة عن العمران، تردها المارة والرعاة، ولو كان ملحاً لعزة الماءِ فى القفار، ولما كان فيها يوسف عذب، {فَاَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ} تذكير للمعنى، ولو قال فأَرسلت واردها لكان على اللفظ، والوارد الذى يرد الماءَ ليستقى، أُضيف إِليهم لأَنه منهم ويستقى لهم وله، وهو مالك بن دعر الخزاعى من أَهل مدين {فَأَدْلَى دَلْوَهُ} أًرسلها إِلى أَسفل ليملأَها ماءً فتعلق بها يوسف أَو بحبلها فأًخرجه، وكان الحبل قوياً أَو ضعيفاً، والله قادر، وذلك كما مر بعد ثلاثة أَيام، وبكت البئْر وجدرانها وما فيها حين أَخرج فإِما أَن يمتلىء البئْر للدلو فيرفع منها، أَو منعها من الامتلاء {قَالَ يَا بُشْرَى هذا غَلاَمٌ} احضرى هذا أَوان حضورك نزلها منزلة العاقل، ورمز لذلك بلازم العاقل، وهو النداءُ فذلك مكنية وتخييلية، وتجوز التمثيلية، والبشارة لنفسه أَو له ولقومه، وقيل: بشرى اسم لصاحبه أَضافه لنفسه، أَو خادم أَو غلام له، وناداه ليعينه على حمله، وهذا على أَنه رأَى قبل الرفع أَو فى حاله، وخاف أَن يسقط أَو يعجز، أَو حين وصل فم البئْر ليعينه على الرفع وعلى الإِخراج من فم البئر، وقيل: المنادى محذوف أََى يا قوم اسمعوا بشراى، يقول هذا ولو كانوا لا يسمعونه ولا يحب سماعهم ويقوله ولو قولا خفياً كما أَسروه عن سَائِرِ الرفقة، والغلام بعد الحولين إِلى البلوغ، وكان يوسف أَحسن ما يكون من الغلمان أُعطى شطر الحسن وورثه من جدته سارة، وقد أُعطيت سدس الحسن وعن محمد بن إِسحاق: ذهب يوسف وأُمه بثلثى الحسن، وكان يشبه آدم عليه السلام قبل أَن يأْكل من الشجرةِ، فكان حسن الوجه والشعر ضخم العينين مستوى الخلق أَبيض اللون غليظ الساعدين والعضدين والساقين، خميص البطن، وصغير السرة، وإذا تبسم ظهر النور من ضواحكه، وإٍِذا تكلم ظهر من ثناياه، ولا يستطاع وصله {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} أَسره السيارة مالك بن دعر وأَصحابه أَى أَخفوه عن باقيهم، فإِنه ليس كل السيارة أَسروه فالآية حكم على المجموع للتجر، أَو مفعول ثان لجعل محذوف أَى جاعليه بضاعة، والمراد أَنهم أَخفوا أَمره، وقالوا لباقيهم: أَعطاناه أَهل الماءِ لنبيعه فى مصر، والثمن لهم، وقالوا كذلك لئَلا يطلبوا منهم الشركة، وقيل: أَخفوا ذات يوسف، فلم يقولوا وجدناه، ولو قالوا رفعناه من البئْر أَو استبضعناه لطلبوا الشركة فيه، وعن ابن عياس: أسروه إِخوته، أَى أَخفوا أَنه أَخ لهم، أَتاه يهوذا على عادته ليدلى إِليه الطعام فى البئْر على عادته، فوجده مع رافعه منها، أَو وجده فى الرفقة، فأَخبر إٍخوته، وقد رجعوا إِلى الجب يتفقدون حال يوسف فجاءُوا فقالوا: عبد أَبق منا فاشتراه السيارة، وعلى هذا يكون الواو للإِخوة، ويعارضه قوله بضاعة؛ فإِن إِخوته لم يجعلوه بضاعة، إِلا أَن يقال: إِنهم قالوا إِنه غلام لهم أَتوا به بضاعة، كأَبق ولم ينكر العبودية؛ لأَنهم قالوا له بالعبرانية: إِن أَنكرت العبودية قتلناك {وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أَى بما يعمل السيارة من تملك الحر وبيعه، أًو بما يعمل إِخوة يوسف من إِلقائه فى البئْر ودعواهم أَنه عبد لهم وبيعهم إِياه؛ وغير ذلك مما فعلوا بيوسف وأَبيه، أَو بما يعمل السيارة من دعوى عبوديته، وما يعمل الإِخوة من إِلقائٍه فى البئر، وغير ذلك،أَو بعاقبه ما عملوا كلهم، وهى ما يجرى له فى مصر مع زليخا والسجن وكونه ملكاً يرحم الله به العباد والبلاد فى قحط الإِسلام والطعام.
الالوسي
تفسير : {وَجَآءتْ} شروع فيما جرى على يوسف عليه السلام في الجب بعد الفراغ عن ذكر ما وقع بين إخوته وبين أبيه أي وجاءت إلى الجب {سَيَّارَةٌ} رفقة تسير من جهة مدين إلى مصر وكان ذلك بعد ثلاثة أيام مضت من زمن إلقائه في قول، وقيل: في اليوم الثاني، والظاهر أن الجب كان في طريق سيرهم المعتاد. وقيل: إنه كان في قفرة بعيدة من العمران فأخطأوا الطريق فأصابوه {فَأَرْسَلُواْ} إليه {وَارِدَهُمْ} الذي يريد الماء ويستقي لهم وكان ذلك مالك بن ذعر الخزاعي. وقال ابن عطية: الوارد هنا يمكن أن يقع على الواحد وعلى الجماعة اهـ والظاهر الأول، والتأنيث في {جَآءتِ} والتذكير في {أُرْسِلُواْ} و{وَارِدَهُمْ} باعتبار اللفظ والمعنى، وفي التعبير بالمجيء إيماء إلى كرامة يوسف عليه السلام عند ربه سبحانه، وحذف متعلقة وكذا متعلق الإرسال لظهوره ولذا حذف المتعلق في قوله سبحانه: {فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ} أي أرسلها إلى الجب ليخرج الماء، ويقال: دلا الدلو إذا أخرجها ملأى، والدلو من المؤنثات السماعية فتصغر على دلية وتجمع على أدل. ودلاء ودلي. وقال ابن الشحنة: إن الدلو التي يستقي بها مؤنثة وقد تذكر، وأما الدلو مصدر دلوت وضرب من السير فمذكر ومثلها في التذكير والتأنيث الجب عند الفراء على ما نقله عنه محمد بن الجهم، وعن بعضهم أنه مذكر لا غير وأما البئر مؤنثة فقط في المشهور، ويقال في تصغيرها: بويرة؛ وفي جمعها آبار وأبآر وأبؤر وبئار، وفي الكلام حذف أي فأدلى دلوه فتدلى بها يوسف فخرج. {قَالَ} استئناف مبني على سؤال يقتضيه الحال. {يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلَـٰمٌ} نادى البشرى بشارة لنفسه أو لقومه ورفقته كأنه نزلها منزلة شخص فناداه فهو استعارة مكنية وتخييلية أي يا بشرى تعالي فهذا أوان حضورك، وقيل: المنادى محذوف كما في ياليت أي يا قومي انظروا واسمعوا بشراي، وقيل: إن هذه الكلمة تستعمل للتبشير من غير قصد إلى النداء. وزعم بعضهم أن بشرى اسم صاحب له ناداه ليعينه على إخراجه، وروي هذا عن السدي ـ وليس بذاك ـ وقرأ غير الكوفيين ـ يا بشراي ـ بالإضافة، وأمال فتحة الراء حمزة والكسائي، وقرأ وريش بين اللفظين. وروي عن نافع أنه قرأ ـ يا بشراي ـ بسكون ياء الإضافة ويلزمه التقاء الساكنين على غير حدِّه، واعتذر بأنه أجري الوصل مجرى الوقف ونظائر ذلك كثيرة في القرآن وغيره، وقيل: جاز ذلك لأن الألف لمدها تقوم مقام الحركة، وقرأ أبو الطفيل والحسن وابن أبـي إسحاق والجحدري {يٰبُشْرَىٰ} بقلب الألف ياءً وإدغامها في ياء الاضافة وهي لغة لهذيل ولناس غيرهم ومن ذلك قول أبي ذؤيب: شعر : سبقوا (هوي) وأعنقوا لهواهم فتخرموا ولكل جنب مصرع تفسير : ويقولون: يا سيدي ومولى. و ـ الغلام ـ كثيراً ما يطلق على ما بين الحولين إلى البلوغ، وقد يطلق على الرجل الكامل كما في قول ليلى الأخيلية في الحجاج بن يوسف الثقفي: شعر : غلام إذا هز القناة سقاها تفسير : والظاهر أن التنوين فيه للتفخيم، وحق له ذلك فقد كان عليه من أحسن الغلمان، وذكر البغوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : أعطي يوسف شطر الحسن. تفسير : وقال محمد بن إسحاق: ذهب يوسف وأمه بثلثي الحسن، وحكى الثعلبـي عن كعب الأحبار أنه قال: كان / يوسف حسن الوجه جعد الشعر ضخم العينين مستوي الخلق أبيض اللون غليظ الساعدين والساقين خميص البطن صغير السرة وكان إذا تبسم رأيت النور في ضواحكه وإن تكلم رأيت شعاع النور من ثناياه ولا يستطيع أحد وصفه وكان حسنه كضوء النهار عند الليل وكان يشبه آدم عليه السلام يوم خلقه قبل أن يصيب الخطيئة، ويحكى أن جوانب الجب بكت عليه حين خرج منها، ولعله من باب بكت الدار لفقد فلان، والظاهر أن قول الوارد {يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ} كان عند رؤيته، وقيل: إنه حين وروده على أصحابه صاح بذاك. {وَأَسَرُّوهُ} أي أخفاه الوارد وأصحابه عن بقية الرفقة حتى لا تراه فتطمع فيه، وقيل: أخفوا أمره وكونه وجد في البئر، وقالوا لسائر القافلة: دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر، وقيل: الضمير لإخوة يوسف، وذلك أن بعضهم رجع ليتحقق أمره فرآه عند السيارة فأخبر إخوته فجاءوا إليهم فقالوا: هذا غلام أبق لنا فاشتروه منا فاشتروه وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه، وفي رواية أنهم قالوا بالعبرانية: لا تنكر العبودية نقتلك فأقر بها واشتروه منهم، وقيل: كان يهوذا يأتيه بالطعام فأتاه يوم أخرج فلم يجده في الجب ووجده عند الرفقة فأخبر إخوته فأتوهم فقالوا ما قالوا، وروي كون الضمير للإخوة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قيل: وهو المناسب لإفراد {قَالَ} وجمع ضمير ـ أسروا ـ وللوعيد الآتي قريباً إن شاء الله تعالى، وليس فيه اختلاف في النظم، ولا يخفى أن الظاهر ما أشير إليه أولاً. ونصب قوله سبحانه: {بِضَـٰعَةً} على الحال أي أخفوه حال كونه متاعاً للتجارة، وفي «الفرائد» أنه ضمن (أسروه) معنى جعلوه أي جعلوه بضاعة مسرين إياه فهو مفعول به. وقال ابن الحاجب: يحتمل أن يكون مفعولاً له أي لأجل التجارة وليس شرطه مفقوداً لاتحاد فاعله وفاعل الفعل المعلل به إذ المعنى كتموه لأجل تحصيل المال به، ولا يجوز أن يكون تمييزاً. وهو من البضع بمعنى القطع وكأن البضاعة إنما سميت بذلك لأنها تقطع من المال وتجعل للتجارة، ومن ذلك البضع بالكسر بما بين الثلاث إلى العشرة أو لما فوق الخمس ودون العشرة، والبضيعة للجزيرة المنقطعة عن البر، واعتبر الراغب في البضاعة كونها قطعة وافرة من المال تقتني للتجارة ولم يعتبر الكثير كونها وافرة. {وَاللَّهِ عَليمُ بمَا يَعْمَلُونَ} لم يخف عليه سبحانه إسرارهم، وصرح غير واحد أن هذا وعيد لإخوة يوسف عليه السلام على ما صنعوا بأبيهم وأخيهم وجعلهم إياه، وهو هو عرضة للابتذال بالبيع والشراء.
ابن عاشور
تفسير : عطف على { أية : وجاءوا أباهم عشاء يبكون } تفسير : [سورة يوسف: 16] عطف قصة على قصة. وهذا رجوع إلى ما جرى في شأن يوسف عليه السّلام، والمعنى: وجاءت الجبّ. و(السّيّارة) تقدم آنفاً. والوارد: الذي يرد الماء ليستقي للقوم. والإدلاء: إرسال الدلو في البئر لنزع الماء. والدلو: ظرف كبير من جلد مخيط له خرطوم في أسفله يكون مطوياً على ظاهر الظرف بسبب شده بحبل مقارن للحبل المعلقة فيه الدلو. والدلو مؤنثة. وجملة {قال يا بشراي} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن ذكر إدلاء الدلو يهيّىء السامع للسؤال عمّا جرى حينئذٍ فيقع جوابه {قال يا بشراي}. والبشرى: تقدمت في قوله تعالى: { أية : لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة } تفسير : في سورة يونس (64). ونداء البشرى مجاز، لأنّ البشرى لا تنادى، ولكنها شبّهت بالعاقل الغائب الذي احتيج إليه فينادى كأنه يقال له: هذا آن حضورك. ومنه: يا حسرتَا، ويا عجباً، فهي مكنية وحرف النداء تخييل أو تبعية. والمعنى: أنه فرح وابتهج بالعثور على غلام. وقرأ الجمهور {يا بشّرَايَ} بإضافة البشرى إلى ياء المتكلم. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف بدون إضافة. واسم الإشارة عائد إلى ذات يوسف ـــ عليه السّلام ـــ؛ خاطب الواردُ بقية السيّارة، ولم يكونوا يرون ذات يوسف ـــ عليه السّلام ـــ حين أصعده الوارد من الجب، إذ لو كانوا يرونه لما كانت فائدة لتعريفهم بأنه غلام إذ المشاهدة كافية عن الإعلام، فتعين أيضاً أنهم لم يكونوا مشاهدين شبح يوسف ـــ عليه السّلام ـــ حين ظهر من الجب، فالظاهر أن اسم الإشارة في مثل هذا المقام لا يقصد به الدلالة على ذات معيّنة مرئية بل يقصد به إشعار السامع بأنه قد حصَل شيءٌ فرح به غير مترقب، كما يقول الصائد لرفاقه: هذا غزال! وكما يقول الغائص: هذه صدفة أو لؤلؤة! ويقول الحافر للبئر: هذا الماء! قال النابغة يصف الصائد وكلابه وفرسه: شعر : يقول راكبه الجنيّ مرتفقاً هذا لكُنّ ولحم الشاة محجور تفسير : وكان الغائصون إذا وجدوا لؤلؤة يصيحون. قال النابغة: شعر : أو درّة صدفاته غوّاصها بهج متى يُرها يهلّ ويسجد تفسير : والمعنى: وجدت في البئر غلاماً، فهو لقطة، فيكون عبداً لمن التقطه. وذلك سبب ابتهاجه بقوله: {يا بشراي هذا غلام}. والغلام: مَن سنهُ بين العشر والعشرين. وكان سنّ يوسف ـــ عليه السّلام ـــ يومئذٍ سبع عشرة سنة. وكان هؤلاء السيارة من الإسماعيليين كما في التّوراة، أي أبناء إسماعيل بن إبراهيم. وقيل: كانوا من أهل مدين وكان مجيئهم الجب للاستقاء منها، ولم يشعر بهم إخوة يوسف إذ كانوا قد ابتعدوا عن الجب. ومعنى {أسَرُّوه} أخْفَوْه. والضمير للسيارة لا محالة، أي أخْفوا يوسف ـــ عليه السّلام ـــ، أي خبر التقاطه خشية أن يكون من ولدان بعض الأحياء القريبة من الماء قد تردّى في الجب، فإذا علم أهله بخبره طلبوه وانتزعوه منهم لأنهم توسموا منه مخائل أبناء البيوت، وكان الشأن أن يعرّفوا من كان قريباً من ذلك الجب ويعلنوا كما هو الشأن في التعريف باللّقطة، ولذلك كان قوله: {وأسرّوه} مشعراً بأن يوسف ـــ عليه السّلام ـــ أخبرهم بقصته، فأعرضوا عن ذلك طمعاً في أن يبيعوه. وذلك من فقدان الدين بينهم أو لعدم العمل بالدين. و{بضاعةً} منصوب على الحال المقدّرة من الضمير المنصوب في {أسرّوه}، أي جعلوه بضاعة. والبضاعة: عروض التجارة ومتاعها، أي عزموا على بيعه. وجملة {والله عليم بما يعملون} معترضة، أي والله عليم بما يعملون من استرقاق من ليس لهم حقّ في استرقاقه، ومن كان حقّه أن يسألوا عن قومه ويبلغوه إليهم، لأنهم قد علموا خبره، أو كان من حقهم أن يسْألوه لأنه كان مستطيعاً أن يخبرهم بخبره. وفي عثور السيارة على الجب الذي فيه يوسف ـــ عليه السّلام ـــ آية من لطف الله به.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: سيارة: رُفْقَة من الناس تسير مع بعضها بعضا. واردهم: أي الذي يرد لهم الماء. فأدلى دلوه: أي دلى دلوه في البئر. وأسروه بضاعة: أي أخفوه كبضاعة من البضائع. وشروه بثمن بخس: أي باعوه بثمن ناقص. وقال الذي اشتراه: أي الرجل الذي اشتراه واسمه قطفير ولقبه العزيز. أكرمي مثواه: أي أكرمي موضع إقامته بمعنى أكرميه وأحسني إليه. أو نتخذه ولدا: أي نتبناه فقال ذلك لأنه لم يكن يولد له. من تأويل الأحاديث: أي تعبير الرؤيا. ولما بلغ أشده: أي قوته البدنية والعقلية. حكما وعلما: أي حكمة ومعرفة أي حكمة في التدبير ومعرفة في الدين. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن يوسف وإخوته إنه لما ألقى يوسف في الجب وترك هناك جاءت قافلة من بلاد مدين تريد مصر فأرسلوا وارداً لهم يستقي لهم الماء فأدلى دلوه في البئر فتعلق به يوسف فخرج معه وما إن رآه المدلي حتى صاح قائلا يا بشراي هذا غلام وكان إخوة يوسف يترددون على البئر يتعرفون على مصير أخيهم فلما رأوه بأيدي الوارد ورفقائه قالوا لهم هذا عبد لنا أبق، وإن رأيتم شراءه بعناه لكم فقالوا ذاك الذي نريد فباعوه لهم بثمن ناقص وأسره الذين اشتروا أي أخفوه عن رجال القافلة حتى لا يطالبوهم بالاشتراك فيه معهم، وقالوا هذه بضاعة كلفنا أصحاب الماء بإِيصالها إلى صاحبها بمصر. هذا ما دل عليه قوله تعالى { وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ قَالَ يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ}. وكونها معدودة غير موزونة دال على قلتها {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ} أي إخوته لا الذين اشتروه. ولما وصلوا به مصر باعوه من وزير يقال له قطفير العزيز فتفرس فيه الخير فقال لا مرأته زليخا أكرمي مقامه بيننا رجاء أن ينفعنا في الخدمة أو نبيعه بثمن غال، أو نتخذه ولداً حيث نحن لا يولد لنا. هذا معنى قوله تعالى {وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} قال تعالى. {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} أي وكما نجيناه من القتل والجب وعطفنا عليه العزيز مكّنا له في الأرض فيما بعد فصار ملك مصر بما فيها يحكمها ويسوسها بالعدل والرحمة، وقوله تعالى {وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} أي ولنعلمه تعبير الرؤا من أحاديث الناس وما يقصونه منه. وقوله تعالى {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} أي على أمر يوسف فلم يقدر إخوته أن يبلغوا منه مرادهم كما هو تعالى غالب على كل أمر أراده فلا يحول بينه وبين مراده أحد وكيف وهو العزيز الحكيم. وقوله {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} إذ لو علموا لفوضوا أمرهم إليه وتوكلوا عليه ولم يحاولوا معصيته بالخروج عن طاعته. وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يجد من أقربائه من أذى إذ يوسف ناله الأذى من أخوته الذين هم أقرب الناس إليه بعد والديه. وقوله تعالى {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} أي ولما بلغ يوسف اكتمال قوته البدنية بتجاوز سن الصبا إلى سن الشباب وقوته العقلية بتجاوزه سن الشباب إلى سن الكهولة آتيناه حكماً وعلما أي حكمة وهي الإِصابة في الأمور وعلما وهو الفقه في الدين، وكما آتينا يوسف الحكمة والعلم نجزي المحسنين طاعتنا بالصبر والصدق وحسن التوكل وفي هذا بشارة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن العاقبة وأن الله تعالى سينصره على أعدائه ويمكن له منهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- جواز الفرح بما يسر والإِعلان عنه. 2- جوازالاحتياط لأمر الدين والدنيا. 3- اطلاق لفظ الشراء على البيع. 4- نسخ التبنّي في الإِسلام. 5- معرفة تعبير الرؤا كرامة لمن علّمه الله ذلك. 6- من غالب الله غُلِبَ. 7- بلوغ الأشد يبتدي بانتهاء الصبا والدخول في البلوغ. 8- حسن الجزاء مشروط بحسن القصد والعمل.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰبُشْرَىٰ} {غُلاَمٌ} {بِضَاعَةً} (19) - وَمَرَّتْ بِالبِئْرِ قَافِلَةٌ (سَيَّارَةٌ) مُجْتَازَةٌ فَأَرْسَلُوا رَجُلاً مِنْهُمْ إِلَى البِئْرِ لِيَسْتَقِي لَهُمْ المَاءَ، فَأَدْلَى دَلْوَهُ فِي البِئْرِ، فَتَعَلَّقَ يُوسُفُ بِالدَّلْوِ، فَأَخْرَجَهُ الرَّجُلُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الوَارِدِينَ عَلَى المَاءِ، وَاسْتَبْشَرُوا بِرِؤْيَتِهِ، وَعَادُوا إِلى القَافِلَةِ بِهِ، وَقَالُوا لِمَنْ مَعَهُمْ إِنَّهُمْ اشْتَرَوْهُ مِنْ وَارِدِينَ عَلَى المَاءِ لِكَيْلاَ يُشَارِكَهُمُ الآخَرُونَ مِنْ رِفَاقِهِمْ فِي القَافِلِةِ فِيهِ إِنْ عَلِمُوا حَقِيقَةَ خَبَرِهِ. وَأَخْفَوْهُ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ لِكَيْلاَ يَدَّعِيَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ المَكَانِ، لِيَكُونَ بِضَاعَةً مِنْ جُمْلَةِ تِجَارَتِهِمْ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ كَانُوا يُرَاقِبُونَ البِئْرَ لِيَعْلَمُوا مَا الذِي سَيَكُونُ عَلَيهِ حَالُ يُوسُفَ، وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَذَكَرُوا خَبَرَهُ لِوَارِدِها، فَنَادَى أَصْحَابَهُ وَقَالَ: يَا بُشْرَى هذا غُلامٌ يُبَاعُ، فَبَاعَهُ إِخْوَتُهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ قَلِيلٍ إِلى وَارِدِ السَّيَّارَةِ، وَلَمْ يَقُولُوا إِنَّهُ أَخُوْهُمْ، وَلَمْ يَقُلْ هُوَ إِنَّهُمْ إِخْوَتُهُ، مُفَضِّلاً الرِّقَّ وَالبَيْعَ عَلَى أَنْ يَقْتُلَهُ إٍخْوَتُهُ، وَكَانَ الإِخْوَةُ مِنَ الزَّاهِدِينَ فِي يُوسُفَ وَلَوْ سَأَلَهُمْ أَحَدٌ أَنْ يُعْطُوهُ إِيَّاهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ لَفَعَلُوا). سَيَّارَةٌ - رِفْقَةٌ مُسَافِرُونَ مِنْ مَدْيَنَ إِلى مِصْرَ. وَاردهُمْ - مَنْ يَتَقَدَّمُ الرِّفْقَةَ لِيَسْقِيَ لَهُمْ. فَأَدْلَى دَلْوَهُ - فَأَرْسَلَ دَلْوَهُ فِي الجُبِّ. أَسَرُّوهُ بضَاعَةً - أَخْفَاهُ الوَارِدُ عَنْ أَصْحَابِهِ فِي القَافِلَةِ، أَوْ أَخْفَى إٍخْوَتُهُ أَمْرَهُ لِيَكُونَ مَتَاعاً لِلتِّجَارَةِ (بِضَاعَةً).
الثعلبي
تفسير : {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ} أي رفقة مارة من قبل مدين يريدون مصر، فأخطأوا الطريق فانطلقوا يمشون على غير الطريق حتى نزلوا قريباً من الجب، وكان الجب في قفرة بعيداً من العمران، إنما هو للرعاة والمجتازة، وكان ماؤه مالحاً فعذب حين أُلقي فيه يوسف، فلما نزلوا أرسلوا رجلا من أهل مدين يقال له مالك بن ذعر ليطلب لهم الماء فذلك قوله {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ} الوارد: الذي يتقدم الرفقة إلى الماء فيُهيّئ الأرشية والدلاء، فوصل إلى البئر {فَأَدْلَىٰ} فيها {دَلْوَهُ} أي أرسلها يقال: أدليت الدلو في الماء إذا أرسلتها فيها، ودلَوتها دلواً إذا أخرجتها منها، فتعلّق يوسف (عليه السلام) بالحبل، فلمّا خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون من الغلمان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أُعطي يوسف شطر الحسن والنصف الآخر لسائر الناس"تفسير : ، قال كعب الأحبار: كان يوسف حسن الوجه جعد الشعر، ضخم العينين، مستوي الخلق، أبيض اللون، غليظ الساقين والساعدين والعضدين، خميص البطن، صغير السرة، وكان إذا ابتسم رأيت النور في ضواحكه، وإذا تكلم رأيت في كلامه شعاع النور، ينبهر بين ثناياه ولا يستطيع أحد وصفه، وكان حسنه كضوء النهار عند الليل، وكان يشبه آدم (عليه السلام) يوم خلقه الله وصوره ونفخ فيه من روحه قبل أن يصيب المعصية، ويقال: إنه ورث ذلك الجمال من جدّته سارة وكانت قد أُعطيت سدس الحسن. فلمّا رآه مالك بن ذعر {قَالَ يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ} واختلفت القراء في قوله: يا بشري، فقرأ أهل الكوفة بسكون الياء، وقالوا: نادى مالك في رجلا من أصحابه، اسمه بشري، فقال: يا بشر، كما يقول: يا زيد، وهذا في محل رفع على النداء المفرد، وهذا قول السدّي. وقرأ الباقون: يا بشرايَ بالألف وفتح الياء على الإضافة وقالوا: بشّر المستقي أصحابه بأنه أصاب عبداً. {وَأَسَرُّوهُ} واخفوه {بِضَاعَةً} نصب على الحال، قال مالك بن ذعر أصحابه من التجار الذين معه وقالوا لهم: هو بضاعة استبضعناها بعض أهل الماء إلى مصر خيفة أن يطلبوا منهم فيه الشركة إنْ علموا بثمنه، عطية عن ابن عباس: يعني بذلك إخوة يوسف، أسرّوا شأن يوسف أن يكون أخاهم وقالوا: هو عبد لنا أبق منّا. قال الله تعالى {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} فأتى يهودا يوسف بالطعام فلم يجده في البئر فأخبر أخوته بذلك فطلبوه، فإذا هم مالك وأصحابه نزول، فأتوهم فإذا هم بيوسف فقالوا: هذا عبد أبق منّا، وقال وهب: كان يهودا [مستنداً] من بعيد ينظر ما يطرأ على يوسف،فلمّا أخرجوه رآه فأخبر الآخرين، فأتوا مالكاً وقالوا: هذا عبدنا، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، فقال مالك: أنا اشتريه منكم، فباعوه منه فذلك قوله تعالى {وَشَرَوْهُ} أي باعوه، قال ابن مفرغ الحميري: شعر : وشريتُ بُرداً ليتني من بعد بُرد كنتُ هامه تفسير : أي بعت برداً وهو غلامه. {بِثَمَنٍ بَخْسٍ} ناقص وهو مصدر وضع موضع الاسم، قال قتادة: ظلم،الضحاك ومقاتل والسدي: حرام، لأن ثمن الحر حرام، عكرمة والشعبي: قليل، ابن حيان: زيف {دَرَاهِمَ} بدل من الثمن {مَعْدُودَةٍ} وذكر العدد عبارة عن القلة، أي باعوه بدراهم معدودة قليلة غير موزونة، ناقصة غير وافية، وقال قوم: إنما قال معدودة لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان وزنه أقل من أربعين درهماً، إنما كان يعدونها عدّاً، فإذا بلغ أوقية وزنوه، لأن أقل أوزانهم وأصغرها يومئذ كان أوقية، والأوقية أربعون درهماً. واختلف العلماء في مبلغ عدد الدراهم التي باعوه بها، فقال ابن سعود وابن عباس وابن قتادة والسدّي: عشرون درهماً، فاقتسموها درهمين درهمين، مجاهد: اثنان وعشرون درهماً، عكرمة: أربعون درهماً. {وَكَانُواْ} يعني أخوة يوسف {فِيهِ} في يوسف {مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ} لم يعلموا كرامته على الله ولا منزلته عنده. ثم انطلق مالك بن ذعر وأصحابه بيوسف وتبعهم إخوته يقولون لهم: استوثقوا منه لا يأبق، فذهبوا حتى قدموا به مصر، فاشتراه قطفير، قاله ابن عباس، وقيل: اطفير بن روجيت وهو العزيز وكان على خزائن مصر. وكان الملك يومئذ بمصر ونواحيها الريان بن الوليد بن ثروان بن ارامة بن فاون بن عمرو ابن عملاق بن لاود بن سام بن نوح، وقيل: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتبع يوسف على دينه ثم مات يوسف بعد حيّ، فملك بعده قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن اليبلواس بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوي بن سام بن نوح وكان كافراً فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى أن يقبل. قال ابن عباس: لما دخلوا مصر تلقى قطفير مالك بن ذعر فابتاع يوسف منه بعشرين ديناراً وزوج نعل وثوبين أبيضين، وقال ابن منبه: قدمت السيّارة بيوسف مصر [فعرضوه] للبيع فترافع الناس في ثمنه وتزايد حتى بلغ ثمنه وزنه مسكاً وورقاً فابتاعه قطفير بن مالك بهذا الثمن فذلك قوله تعالى { وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ}. فإن قيل: كيف أثبت الشرى في قوله وشروه واشتراه ولم ينعقد عليه؟ والجواب: إن الشراء هو المماثلة فلمّا ماثله بمال من عنده جاز أن يقال: اشتراه، على التوسع، كقوله تعالى:{أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ}تفسير : [التوبة: 111]الآية، فلمّا مرّ قطفير وأتى به منزله قال لامرأته واسمها راحيل بنت رعابيل، قاله محمد بن إسحاق بن يسار. قال الثعلبي: وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن منبه، قال: حدثنا أبو حامد المستملي، حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: اسم امرأة العزيز التي ضمّت يوسف زليخا بنت موسى. {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} منزله ومقامه، قتادة وابن جريج: منزلته {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ} فيكفينا إذا بلغ وفهم الأُمور وبعض ما نحن [نستقبله] من أُمورنا. {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} أي نتبنّاه، قال ابن إسحاق: كان قطفير لا يأتي النساء،وكانت امرأته راحيلحسناء ناعمة طاعمة في ملك ودنيا. قال الثعلبي: أخبرنا أبو بكر الجوزقي، أخبرنا أبو العباس الدغولي،حدثنا علي بن الحسن الهلالي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير عن أبي إسحاق عن أبي عبيد عن عبد الله قال: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرّس في يوسف فقال: أكرمي مثواه، والمرأة التي أتت موسى فقالت لأبيها: يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر. {وَكَذٰلِكَ} أي وكما أنقذ يوسف من أيدي إخوته وقد هموا بقتله فأخرجناه من الجُبّ بعد أن ألقي فيه، فصيرناه إلى الكرامة والمنزلة الرفيعة عند عزيز مصر {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} يعني أرض مصر، فجعلناه على خزائنها، قال أهل الكتاب: لما تمّت ليوسف (عليه السلام) ثلاثون سنة، استوزره فرعون. {وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} أي ولكي نعلّمه من عبارة الرؤيا،مكنّا له في الأرض {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} اختلفوا في هذه الكناية، فقال قوم: هي راجعة إلى الله عزّ وجلّ، وتقدير الكلام: لا يغلب الله شيء، بل هو الغالب على أمره يفعل ما يشاء، ويعلم ما يريد، وقال آخرون: راجعة إلى يوسف، ومعنى الآية: والله مستول على أمر يوسف يسوسه ويحوطه ويدبّر أمره، ولا يكله إلى غيره. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ما الله صانع بيوسف، و[ما] إليه يوسف من أمره صائر، وهم الذين زهدوا فيه وباعوه بثمن بخس وفعلوا به ما فعلوا. قالت الحكماء في هذه: والله غالب على أمره حيث أمر يعقوب يوسف (عليهما السلام) أن لا يقصّ رؤياه على إخوته فغلب أمر الله حين قصّ، ثم أراد يعقوب أن لا يكيدوا فغلب أمره حتى كادوا، ثم أراد أخوة يوسف قتله فغلب أمره حتى لم يقتلوه، ثم أرادوا أن يلقوه في الجب ليلتقطه بعض السيارة فيندرس اسمه، فغلب أمره حتى لم يندرس اسمه وصار مذكوراً مشهوراً. ثم باعوه ليكون مملوكاً فغلب أمره حتى صار ملكاً والعبيد بين يديه، ثم أرادوا أن يخلوا لهم وجه أبيهم، فغلب أمره حتى ضاق عليهم قلب أبيهم، ثم تدبّروا أن يكونوا من بعده قوماً صالحين تائبين، فغلب أمره حتى نسوا الذنب وأصروا حتى أقروا بين يدي يوسف في آخر الأمر بعد أربعين سنة، وقالوا: وإن كنا خاطئين، وقالوا لأبيهم: إنا كنا خاطئين. ثم أرادوا أن يغرّوا باسم القميص والدم والبكاء، فغلب أمره حتى لم يخدع، وقال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} ثم احتالوا أن تذهب محبته من قبل أبيه، فغلب أمره حتى ازدادت المحبة والشوق في قلبه، ثم تدبّر يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي، فغلب أمره حتى نسي الساقي في ذكره، ولبث في السجن بضع سنين، ثم احتالت امرأة العزيز أن [تترك] المراودة عن نفسها حتى قالت {مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا} الآية، فغلب أمره حتى شهد الشاهد من أهلها. {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} أي منتهى شبابه وشدّة قوته، قال مجاهد: ثلاثاً وثلاثين سنة، الضحاك: عشرين سنة، وروى ابن عباس أنه ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وقيل: إلى أربعين، وقيل: إلى ستين،والأشُدّ: جمع شد، مثل قدّ، أقُدّ، وشرّ وأشُرّ، وضر وأضرّ، قال حميد: شعر : وقد أتى لو تعبت العواذل بعد الاشل أربع كوامل تفسير : قال الشاعر: شعر : هل غير أن كثر الأشل وأهلكت حرب الملوك أكاثر الأموال تفسير : {آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} قال مجاهد: العقل والفهم والعلم قبل النبوة، وقال أهل المعاني: يعني إصابة في القول، وعلماً بتأويل الرؤيا وموارد الأُمور ومصادرها. {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} قال ابن عباس: المؤمنين، وعنه أيضاً: المهتدين، وقال [الصدوق] عن الضحاك: يعني الصابرين على النوائب كما صبر يوسف، وقال محمد بن كعب: هذا وإن كان مخرج ظاهره على كل محسن، فإن المراد به محمد نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: كما فعلت بيوسف بعدما لقي من إخوته ما لقي وقاسى من البلاء ما قاسى فمكّنته في الأرض، ووطّأت له في البلاد، وآتيته الحكم والعلم فكذلك أفعل بك، أنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة، وأُمكّن لك في الأرض، وأزيدك الحكم والعلم؛ لأن ذلك جزائي لأهل الإحسان في أمري ونهيي.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ولم يَقُلِ الحق سبحانه من أين جاء السيارة؟ أو إلى أين كانوا ذاهبين؟ والمقصود بالسيارة هم القوم المحترفون للسير، مثل مَنْ كانوا يرحلون في رحلة الشتاء والصيف؛ بهدف التجارة وجَلْب البضائع. وكانت السيارة لا تنتقل بكامل أفرادها إلى البئر، بل يذهب واحد منهم إلى البئر؛ ليأتي لهم بالمياه ويُسمَّى الوارد، وذهب هذا الوارد إلى البئر ليُحضِر لبقية السيارة الماء وألقى دَلْوه في البئر؛ ويسمى حبل الدلو الرشاء. وحين نزل الدلو إلى مستوى يوسف عليه السلام تعلق يوسف في الحبل؛ فأحسَّ الوارد بثقل ما حمله الرشاء؛ ونظر إلى أسفل؛ فوجد غلاماً يتعلق بالدلو فنادى: {يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ ..} [يوسف: 19]. أي: أنه يقول يا بشرى هذا أوانك؛ وكأنه يبشر قومه بشيء طيب؛ فلم يحمل الدلو ماء فقط، بل حمل غلاماً أيضاً. ويقول الحق سبحانه: {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ..} [يوسف: 19]. أي: أنهم أخفوْه وعاملوه كأنه بضاعة، ولم يتركوه يمشي بجانبهم؛ خشية أن يكون عبداً آبقاً ويبحث عنه سيده؛ وهم يريدون بيعه. ويذيل الحق سبحانه الآية بقوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ..} [يوسف: 19]. وهذا قول يعود على مَنْ أسرُّوه بضاعة؛ وهم الذين عرضوه للبيع. ثم يقول الحق سبحانه: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ} والسَّيارةُ: الذين يَسيرونَ فِي الأَرضِ، يُسافِرُون فِيهَا. والوَارِدُ: الذي يُورِدُ الماءَ فَيسقى لَهُمْ.
الأندلسي
تفسير : {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ} قيل: كانوا من مدين قاصدين إلى مصر. {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ} وهو مالك بن دعر الخزاعي الذي يرد لهم الماء. {فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ} أي أرسلها ليستقي الماء. {قَالَ يٰبُشْرَىٰ} أي أرسلها ليستقي الماء. {قَالَ يٰبُشْرَىٰ} في الكلام حذف تقديره فتعلق يوسف بحبل الدلو فلما بصر به المولى قال: يا بشراي، وتعلقه بالحبل يدل على صغره إذ لو كان ابن ثمانية عشر أو سبعة عشر لم يحمله الحبل غالباً ولفظة غلام نرجح ذلك إذ يطلق عليه ما بين الحولين إلى البلوغ حقيقة، وقد يطلق على الرجل الكامل. وقوله: يا بشراي، هو على سبيل السرور والفرح بيوسف عليه السلام إذ رأى أحسن ما خلق وأضاف البشرى إلى نفسه. وقرىء: يا بشراي بياء الإِضافة، ويا بشرى قيل: ذهب به الوارد إلى أصحابه فبشرهم به. {وَأَسَرُّوهُ} أي أخفوه وكتموا أمره من وجدانهم له في الجب. وقالوا: دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر وقال ابن عباس: الضمير في وأسروه وشروه لأخوة يوسف عليه السلام وأنهم قالوا للرفقة: هذا غلام قد أبق لنا فاشتروه منا وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه. وانتصب: {بِضَاعَةً} على الحال، أي متجراً لهم ومكسباً. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي لم يخف عليهم اسرارهم، أو هو وعيد لهم حيث استبعضوا ما ليس لهم. {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} الآية، وشروه أي باعوه. والظاهر أن الضمير في شروه عائد على السيارة، أي وباعوا يوسف. ومن قال ان الضمير في وأسروه عائد على اخوة يوسف جعله هنا عائداً عليهم أي وباعوا أخاهم يوسف بثمن بخس، وبخس مصدر وصف به بمعنى مبخوس، أي زيف ناقص العيار ودراهم بدل من ثمن فلم يبيعوه بدنانير "ومعدودة" إشارة إلى القلة وكانت عادتهم أنهم لا يزنون إلا ما بلغ أوقية وهي أربعون درهماً لأن الكثرة يعسر فيها العدد بخلاف القليلة. قال ابن عباس: أربعون درهماً. {وَكَانُواْ فِيهِ} الضمير عائد على يوسف وفيه الأجود ان يكون متعلقاً بالزاهدين وإن كان في صلة الألف واللام، لأن الظرف والمجرور يتسع فيهما ما لا يتسع في غيرهما بخلاف المفعول به. وتقدم الخلاف في ذلك في قوله: {أية : إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} تفسير : [الأعراف: 21]. {وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ} لم تتعرّض الآية لاسم من اشتراه، وذكر المفسرون فيه اختلافاً كثيراً. و"مثواه" مكان إقامته وهو كناية عن الإِحسان إليه في مأكل ومشرب وملبس، ولام لامرأته تتعلق بيقال فهي للتبليغ، نحو قلت لك: لا باشتراه. {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ} لعله إذا تدرّب وراض الأمور وعرف مجاريها نستعين به على بعض ما نحن بصدده فينفعنا بكفايته أو نتبناه ونقيمه مقام الولد. وقيل: كان عقيماً لا يولد له فتفرس فيه الرشد فقال ذلك. {وَكَذٰلِكَ} أي مثل ذلك التمكين من قلب العزيز حتى عطف عليه وأمر امرأته بإِكرام مثواه. {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} أي أرض مصر يتصرف فيها بأمره ونهيه، أي حكمناه فيها ولام لنعلمه متعلقة بمحذوف اما قبله، أي ونمكنه واما بعده أي ولنعلمه. {مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} كان ذلك الإِيحاء والتمكين. والأحاديث: الرؤيا. والضمير في على أمره عائد على يوسف، أي يدبره ولا يكله إلى غيره. والأشد عند سيبويه جمع واحده شدّة، وأشد كنعمة وأنعم، وقال الكسائي: شدّ وأشد نحو صل وأصل والأشد بلوغ الحلم والحكم: الحكمة، والعلم: النبوة. وقيل: الحكم بين الناس. والعلم: الفقه في الدين، وهذا أشبه لمجيء قصة المراودة. {وَكَذٰلِكَ} أي مثل ذلك الجزاء لمن صبر ورضي بالمقادير. {نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} وفيه تنبيه على أن يوسف كان محسناً في عنفوان شبابه، وآتاه الله الحكم والعلم على جزاء إحسانه. {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا} الآية، المراودة: المطالبة برفق، من راد يرود إذا ذهب. وجاء وهي مفاعلة من واحد نحو داويت المريض وكني به عن طلب النكاح والمخادعة لأجله كان المعنى، وخادعته عن نفسه ولذلك عداه بعن. وقال تعالى: التي هو في بيتها ولم يصرح باسمها ولا بامرأة العزيز ستراً على الحرم والعرب تضيف البيوت إلى النساء، فتقول ربة البيت وصاحبة البيت. قال الشاعر: شعر : يا ربة البيت قومي غير صاغرة تفسير : {وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ} هو تضعيف تكثير بالنسبة إلى وقوع الفعل بكل باب، قيل: وكانت ستة أبواب. {هَيْتَ} اسم فعل بمعنى أسرع. ولك للتبيين أي لك أقول أمرته بأن يسرع إليها. وزعم الكسائي والفراء انها لغة حورانية وقعت لأهل الحجاز فتكلموا بها ومعناها تعال. وانتصب: {مَعَاذَ ٱللَّهِ} على المصدر، أي عياذاً بالله من فعل السوء. والضمير في أنه يعود على الله تعالى أي أن الله ربي أحسن مثواي أي نجاني من الجب وأقامني أحسن مقام. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} أي المجازون الإِحسان بالسوء وما أحسن هذا التنصل من الوقوع في السوء استعاذ أولاً بالله الذي بيده العصمة وملكوت كل شىء، ثم نبه على أن إحسان الله إليه لا يناسب أي يجازي بالسوء، ثم نفي الفلاح عن الظالمين وهو الظفر والفوز بالبغية فلا يناسب أن أكون ظالماً أضع الشىء غير موضعه.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما مضى ثلاثة أيام على الإلقاء {جَاءَتْ سَيَّارَةٌ} رفقة وقفل عظيم يسيرون من مدين إلى مصر، فنزلوا قريب الجب {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ} الذي كان يرد السماء للاستسقاء، وهو مالك بن ذعر الخزاعي {فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ} أي: ألقاها لإخراج الماء، فتدلى بها يوسف، فأخرجها فرآه {قَالَ} مستبشراً فرحاناً: {يٰبُشْرَىٰ} تعالى فهذا أوانك؛ إذ {هَـٰذَا} الذي خرج بالدلوا بدل الماء {غُلاَمٌ} صبيح مليح في غاية الصباحة والملاحة {وَ} بعدما أخرجوه ومن معه من رفقائه {أَسَرُّوهُ} وأخفوا أمره من البعض الآخر ليكون {بِضَاعَةً} لهم وقت وصولهم إلى مصر، ليشروه ويقسموا ثمنه {وَٱللَّهُ} المطلع لمخايل عباده {عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [يوسف: 19] أي: يقصدون عمله ويسرون في نفوسهم. وبعدما اطلع أخوة وسف على قدوم السيارة ونزولهم على الجب تسارعوا نحوهم ليبيعوه لهم حتى يخلصوا منه بالكلية، فوصلوا الجب ولم يجدوه وبادروا إلى القفل فتجسسوه، فوجدوه عندهم، فقالوا لهم: هذا عبدنا قد أبق منا، إن اشتريتم نشرته على ما رضيتم، وأقر يوسف على الرقية ولم ينكر عليهم؛ خوفاً من القتل {وَشَرَوْهُ} بعدما اعترف بالرقية وباعوه {بِثَمَنٍ بَخْسٍ} بمخوس منقوص {دَرَاهِمَ} لا دنانير {مَعْدُودَةٍ} أي: قليلة {وَ} إنما شروه بها؛ لأنهم {كَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ} [يوسف: 20] الراغبين المعرضين عنه، لذلئك باعوه بها. ولما اشتراه مالك بن ذعر من إخوته بما اشتراه، ذهب به إلى مصر بضاعة، فلما وصلوا إلى مصر وأراد أن يبيعه، فسلمه إلى النخاص فباعه {وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ} وهو العزيز الذي كان على خزائن ملك مصر، واسمه: قطفير أو أطفير، حين ذهب به إلى بيته {لاِمْرَأَتِهِ} زليخا أو راعيل: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} وأحسني حاله ومعاشه، وتلطفي معه بانواع اللطف، والشفقة، إني أتفرص منه الرشد والنجابة {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ} بعقله ورشده وكفايته وتدبيره {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} يستخلف منا؛ لأنه كان عقيماً فأراد أن يتبناه {وَكَذٰلِكَ} أي: مثل ما عطفنا عليه العزيز بعد قهر إخوته وفرقة أبيه وأخيه وغربته من وطنه، ووحشته في غيابة الجب وذل رقبته {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} أي: جعلناه متصرفاً ذا قدرة واختيار في ارض مصر، ليتصرف فيها بالرشد التام والقدر الكاملة {وَلِنُعَلِّمَهُ} وننبه عليه {مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} الواقعة في عالم الكون والفساد طريق الرشد والعدالة؛ ليصل بها إلى الاعتدال الحقيقي {وَٱللَّهُ} المدبر لأمور عباده {غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} المراد له، المتعلق بمصالح بعض عباده {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21] غلبته واستقلاله في أمره وتصرفه في ملكه، لذلك اشتغلوا بخلاف مراده والسعي في إبطاله كإخوة يوسف، فلم صلوا إلى ما قصدوا. {وَلَمَّا بَلَغَ} يوسف {أَشُدَّهُ} أي: كما عقله وقوته وأوانه ما بين الثلاثين والأربعين {آتَيْنَاهُ} إنجازاً لما وعدنا عليه في سابق علمنا وقضائنا {حُكْماً} أي: حكومة بين الناس مقارنة بين العدل والقسط {وَعِلْماً} بسرائر الأمور ورقائق المناسبات ومن جملتها تعبير الرؤيا {وَكَذٰلِكَ} أي: مثل إيتائنا إياه من الفضائل والفواضل المقدرة له في لوح القضاء {نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 22] الذين يحسنون الأدب معنا في جميع حالاتهم اتقاء منا وتوجيهاً إلينا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: مكث يوسف في الجب ما مكث، حتى { جَاءَتْ سَيَّارَةٌ } أي: قافلة تريد مصر، { فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ } أي: فرطهم ومقدمهم، الذي يعس لهم المياه، ويسبرها ويستعد لهم بتهيئة الحياض ونحو ذلك، { فَأَدْلَى } ذلك الوارد { دَلْوَهُ } فتعلق فيه يوسف عليه السلام وخرج. { قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ } أي: استبشر وقال: هذا غلام نفيس، { وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً } وكان إخوته قريبا منه، فاشتراه السيارة منهم، { بِثَمَنٍ بَخْسٍ } أي: قليل جدا، فسره بقوله: { دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ }. لأنه لم يكن لهم قصد إلا تغييبه وإبعاده عن أبيه، ولم يكن لهم قصد في أخذ ثمنه، والمعنى في هذا: أن السيارة لما وجدوه، عزموا أن يُسِرُّوا أمره، ويجعلوه من جملة بضائعهم التي معهم، حتى جاءهم إخوته فزعموا أنه عبد أبق منهم، فاشتروه منهم بذلك الثمن، واستوثقوا منهم فيه لئلا يهرب، والله أعلم.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 387 : 7 : 46 - سفين في قوله {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ} قال، رسولهم وساقيهم [الآية 19].
همام الصنعاني
تفسير : 1288- معمر عن قتادة في قوله تعالى: {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ}: [الآية: 19]، قالأ: دلاؤه، فتشبَّثَ الغلامُ بالدَّلْوِ فلما خرج {قَالَ يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ}: [الآية: 19]، قال قتادة: بَشَّرهم واردهم حين وجد يُوسُف. 1289- حدثنا عبد الرزاق، معن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً}: [الآية: 19]، قال: أسَرّوا بَيْعَهُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):