Verse. 1616 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

وَشَرَوْہُ بِثَمَنٍؚبَخْسٍ دَرَاہِمَ مَعْدُوْدَۃٍ۝۰ۚ وَكَانُوْا فِيْہِ مِنَ الزَّاہِدِيْنَ۝۲۰ۧ
Washarawhu bithamanin bakhsin darahima maAAdoodatin wakanoo feehi mina alzzahideena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وشروه» باعوه منهم «بثمن بخس» ناقص «دراهم معدودة» عشرين أو اثنين وعشرين «وكانوا» أي إخوته «فيه من الزاهدين» فجاءت به السيارة إلى مصر فباعه الذي اشتراه بعشرين دينارا وزوجي نعل وثوبين.

20

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَشَرَوْهُ} يقال: شريت بمعنى ٱشتريت، وشريت بمعنى بعت لغة؛ قال الشاعر:شعر : وشَريْتُ بُرْداً لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كنتُ هَامَهُ تفسير : أي بعت. وقال آخر: شعر : فلما شَرَاها فاضتِ العينُ عَبرةً وفي الصَّدرِ حُزَّازٌ من اللَّوْمِ حَامِزُ تفسير : {بِثَمَنٍ بَخْسٍ} أي نقص؛ وهو هنا مصدر وضع موضع الاسم؛ أي باعوه بثمن مبخوس، أي منقوص. ولم يكن قصد إخوته ما يستفيدونه من ثمنه، وإنما كان قصدهم ما يستفيدونه من خلوّ وجه أبيهم عنه. وقيل: إن يهوذا رأى من بعيد أن يوسف أخرج من الجبّ فأخبر إخوته فجاؤوا وباعوه من الواردة. وقيل: لاٰ بل عادوا بعد ثلاث إلى البئر يتعرّفون الخبر، فرأوا أثر السيارة فاتبعوهم وقالوا: هذا عبدنا أبق منا فباعوه منهم. وقال قتادة: «بَخْسٍ» ظلم. وقال الضّحاك ومقاتل والسُّدي وابن عطاء: «بَخْسٍ» حرام. وقال ابن العربي: ولا وجه له، وإنما الإشارة فيه إلى أنه لم يستوف ثمنه بالقيمة؛ لأن إخوته إن كانوا باعوه فلم يكن قصدهم ما يستفيدونه من ثمنه، وإنما كان قصدهم ما يستفيدون من خلوّ وجه أبيهم عنه؛ وإن كان الذين باعوه الواردة فإنهم أخفوه مقتطَعاً؛ أو قالوا لأصحابهم: أرسل معنا بضاعة فرأوا أنهم لم يُعطُوا عنه ثمناً وأنّ ما أخذوا فيه ربح كلّه. قلت: قوله «وإنما الإشارة فيه إلى أنه لم يستوف ثمنه بالقيمة» يدلّ على أنهم لو أخذوا القيمة فيه كاملة كان ذلك جائزاً وليس كذلك؛ فدلّ على صحة ما قاله السُّديّ وغيره؛ لأنهم أوقعوا البيع على نفس لا يجوز بيعها، فلذلك كان لا يحلّ لهم ثمنه. وقال عِكرمة والشّعبي: قليلٍ. وقال ابن حيان: زَيْف. وعن ٱبن عباس وٱبن مسعود باعوه بعشرين درهماً أخذ كل واحد من إخوته درهمين، وكانوا عشرة؛ وقاله قتادة والسّديّ. وقال أبو العالية ومقاتل: اثنين وعشرين درهماً، وكانوا أحد عشر أخذ كل واحد درهمين؛ وقاله مجاهد. وقال عِكرمة: أربعين درهماً؛ وما روي عن الصحابة أولى. و «بخسٍ» من نعت «ثمنٍ». {دَرَاهِمَ} على البدل والتفسير له. ويقال: دراهيم على أنه جمع دِرهام، وقد يكون اسماً للجمع عند سيبويه، ويكون أيضاً عنده على أنه مدّ الكسرة فصارت ياء، وليس هذا مثل مدّ المقصور؛ لأن مدّ المقصور لا يجوز عند البصريين في شعر ولا غيره. وأنشد النحويون: شعر : تَنْفِي يداها الحَصَى في كلِّ هاجِرةٍ نَفْيَ الدّراهِيمِ تَنْقَادُ الصَّيَارِيفِ تفسير : {مَعْدُودَةٍ} نعت؛ وهذا يدل على أن الأثمان كانت تجري عندهم عدّاً لا وزناً بوزن. وقيل: هو عبارة عن قلة الثمن؛ لأنها دراهم لم تبلغ أن توزن لقلتها؛ وذلك أنهم كانوا لا يزنون ما (كان) دون الأوقِية، وهي أربعون درهماً. الثانية: قال القاضي ابن العربي: وأصل النقدين الوزن؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة إلا وزناً بوزن من زاد أو ازداد فقد أربى»تفسير : . والزنة لا فائدة فيها إلا المقدار؛ فأما عينها فلا منفعة فيه، ولكن جرى فيها العدّ تخفيفاً عن الخلق لكثرة المعاملة، فيشق الوزن؛ حتى لو ضرب مثاقيل أو دراهم لجاز بيع بعضها ببعض عدّاً إذا لم يكن بها نقصان ولا رجحان؛ فإن نقصت عاد الأمر إلى الوزن؛ ولأجل ذلك كان كسرها أو قرضها من الفساد في الأرض حسب ما تقدّم. الثالثة: وٱختلف العلماء في الدراهم والدنانير هل تتعين أم لا؟ وقد ٱختلفت الرواية في ذلك عن مالك: فذهب أشهب إلى أن ذلك لا يتعين، وهو الظاهر من قول مالك؛ وبه قال أبو حنيفة. وذهب ٱبن القاسم إلى أنها تتعين، وحكي عن الكَرْخيّ؛ وبه قال الشافعي. وفائدة الخلاف أنا إذا قلنا لا تتعيّن فإذا قال: بعتك هذه الدنانير بهذه الدراهم تعلقت الدنانير بذمة صاحبها، والدراهم بذمة صاحبها؛ ولو تعينت ثم تلفت لم يتعلق بذمتهما شيء، وبطل العقد كبيع الأعيان من العروض وغيرها. الرابعة: رُوي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قضى في اللّقيط أنه حر، وقرأ: «وَشَرَوْهُ بِثَمنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ» وقد مضى القول فيه. الخامسة: قوله تعالى: {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ} قيل: المراد إخوته. وقيل: السيارة. وقيل: الواردة؛ وعلى أي تقدير فلم يكن عندهم غبيطاً، لا عند الإخوة؛ لأن المقصد زواله عن أبيه لا ماله، ولا عند السيارة لقول الأخوة إنه عبد أَبِق منا ـ والزهد قلة الرغبة ـ ولا عند الواردة لأنهم خافوا ٱشتراك أصحابهم معهم، ورأوا أن القليل من ثمنه في الانفراد أولى. السادسة: في هذه الآية دليل واضح على جواز شراء الشيء الخطير بالثمن اليسير، ويكون البيع لازماً؛ ولهذا قال مالك: لو باع درّة ذات خطر عظيم بدرهم ثم قال لم أعلم أنها درّة وحسبتها مَخْشَلَبَة لزمه البيع ولم يلتفت إلى قوله. وقيل: {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ} أي في حسنه؛ لأن الله تعالى وإن أعطى يوسف شَطْر الحسن صرف عنه دواعي نفوس القوم إليه إكراماً له. وقيل: «وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ» لم يعلموا منزلته عند الله تعالى. وحكى سيبويه والكسائي: زَهِدت وزَهَدت بكسر الهاء وفتحها.

البيضاوي

تفسير : {وَشَرَوْهُ } وباعوه، وفي مرجع الضمير الوجهان أو اشتروه من اخوته. {بِثَمَنٍ بَخْسٍ} مبخوس لزيفه أو نقصانه. {دَرٰهِمَ } بدل من الثمن. {مَّعْدُودَةً } قليلة فإنهم يزنون ما بلغ الأوقية ويعدون ما دونها. قيل كان عشرين درهماً وقيل كان اثنين وعشرين درهماً. {وَكَانُواْ فِيهِ } في يوسف. {مِنَ ٱلزهِدِينَ} الراغبين عنه والضمير في {وَكَانُواْ} إن كان للإِخوة فظاهر وإن كان للرفقة وكانوا بائعين فزهدهم فيه، لأنهم التقطوه والملتقط للشيء متهاون به خائف من انتزاعه مستعجل في بيعه، وإن كانوا مبتاعين فلأنهم اعتقدوا أنه آبق وفيه متعلق بالزاهدين إن جعل اللام للتعريف، وإن جعل بمعنى الذي فهو متعلق بمحذوف بينه الزاهدين لأن متعلق الصلة لا يتقدم على الموصول.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَشَرَوْهُ } باعوه منهم {بِثَمَنٍ بَخْسٍ } ناقص {دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍ } عشرين أو اثنين وعشرين {وَكَانُواْ } أي إخوته {فِيهِ مِنَ ٱلزٰهِدِينَ } فجاءت به السيارة إلى مصر، فباعه الذي اشتراه بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَشَرَوْهُ} باعه إخواته من السيارة "ع"، أو السيارة من الملك. {بَخْسٍ} حرام لأنه ثمن حر "ع"، أو ظلم، أو قليل {مَعْدُودَةٍ} عشرين أقتسمها العشرة كل واحد درهمين"ع"، أو اثنين وعشرين اقتسمها الأحد عشر لكل واحد درهمين، أو أربعين درهماً: قال السدي: اشتروا بها خفافاً ونعالاً {مَعْدُودَةٍ} غير موزونة لزهدهم فيه، أو كانوا لا يزنون أقل من أوقية وهي أربعون وكان ثمنه أقل منها. {وَكَانُواْ فِيهِ} إخوته زهدوا فيه لما صنعوا به، أو السيارة لأنهم باعوه بما باعوا لعلمهم حريته، أو ظنوه عبداً فخافوا أن يظهر عليهم مالكه فيأخذه، قال عكرمة أُعتق يوسف لما بيع.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وشروه} أي باعوه وقد يطلق لفظ الشراء على البيع يقال شريت الشيء بمعنى بعته وإنما وجب حمل هذا الشراء على البيع لأن الضمير في وشروه وفي وكانوا فيه من الزاهدين يرجع إلى شيء واحد وذلك أن إخوته زهدوا فيه فباعوه وقيل إن الضمير في وشروه يعود على مالك بن ذعر وأصحابه فعلى هذا القول يكون لفظ الشراء على بابه {بثمن بخس} قال الحسن والضحاك ومقاتل والسدي: بخس أي حرام لأن ثمن الحر حرام ويسمى الحرام بخساً لأنه مبخوس البركة يعني منقوصها وقال ابن مسعود وابن عباس: بخس أي زيوف ناقصة العيار وقال قتادة: بخس أي ظلم والظلم نقصان الحق يقال ظلمه إذا نقصه حقه وقال عكرمة والشعبي: بخس أي قليل وعلى الأقوال كلها فالبخس في اللغة هو نقص الشيء على سبيل الظلم والبخس والباخس الشيء الطفيف {دراهم معدودة} فيه إشارة إلى قلة تلك الدراهم لأنهم في ذلك الزمان ما كانوا يزنون أقل من أربعين درهماً إنما كانوا يأخذون ما دونها عدداً فإذا بلغت أربعين درهماً وهي أوقية وزنوها واختلفوا في عدد تلك الدراهم فقال ابن مسعود وابن عباس وقتادة: كانت عشرين درهماً فاقتمسوها درهمين درهمين فعلى هذا القول لم يأخذ أخوه من أمه وأبيه شيئاً منها، وقال مجاهد: كانت اثنين وعشرين درهماً فعلى هذا أخذ أخوه منها درهمين لأنهم كانوا أحد عشر أخاً وقال عكرمة كانت أربعين درهماً {وكانوا فيه من الزاهدين} يعني وكان إخوة يوسف في يوسف من الزاهدين وأصل الزهد قلة الرغبة يقال زهد فلان في كذا إذا لم يكن له فيه رغبة والضمير في قوله وكانوا فيه من الزاهدين إن قلنا إنه يرجع إلى إخوة يوسف كان وجه زهدهم فيه أنهم حسدوه وأرادوا إبعاده عنهم ولم يكن قصدهم تحصيل الثمن وإن قلنا إن قوله وشروه وكانوا فيه من الزاهدين يرجع إلى معنى واحد وهو أن الذين شروه كانوا فيه من الزاهدين كان وجه زهدهم فيه إظهار قلة الرغبة فيه ليشتروه بثمن بخس قليل. ويحتمل أن يقال: إن إخوته لما قالوا إنه عبدنا وقد أبق أظهر المشتري قلة الرغبة فيه لهذا السبب قال أصحاب الأخبار ثم إن مالك بن ذعر وأصحابه لما اشتروا يوسف انطلقوا به إلى مصر وتبعهم إخوته يقولون استوثقوا منه لا يأبق منكم فذهبوا به حتى قدموا مصر فعرضه مالك على البيع فاشتراه قطفير قاله ابن عباس، وكان قطفير صاحب أمر الملك وكان على خزائن مصر وكان يسمى العزيز وكان الملك بمصر ونواحيها اسمه الريان بن الوليد بن شروان وكان من العماليق، وقيل: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن بيوسف واتبعه على دينه ثم مات ويوسف عليه الصلاة والسلام حي. قال ابن عباس: لما دخلوا مصر لقي قطفير مالك بن ذعر فاشترى يوسف منه بعشرين ديناراً وزوج نعل وثوبين أبيضين، وقال وهب بن منبه: قدمت السيارة بيوسف مصر ودخلوا به السوق يعرضونه للبيع فترافع الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه ذهباً ووزنه فضة ووزنه مسكاً وحريراً وكان وزنه أربعمائة رطل وكان عمره يومئذ ثلاث عشرة سنة أو سبع عشرة سنة فابتاعه قطفير بهذا الثمن فذلك قوله تعالى: {وقال الذي اشتراه من مصر} يعني قطفير من أهل مصر {لأمرأته} وكان اسمها راعيل وقيل زليخا {أكرمي مثواه} يعني أكرمي منزله ومقامه عندك والمثوى موضع الإقامة وقيل أكرميه في المطعم والملبس والمقام {عسى أن ينفعنا} يعني إن أردنا بيعه بعناه بربح أو يكفينا بعض أمورنا ومصالحنا إذا قوي وبلغ {أو نتخذه ولداً} يعني نتبناه وكان حصوراً ليس له ولد، قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة العزيز في يوسف حيث قال لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً وابنة شعيب في موسى حيث قالت لأبيها استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين وأبو بكر في عمر استخلفه بعده {وكذلك مكَّنّا ليوسف في الأرض} يعني كما مننا على يوسف بأن أنقذناه من القتل وأخرجناه من الجب كذلك مكناه في الأرض يعني أرض مصر فجعلناه على خزائنها {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} أي مكنا له في الأرض لكي نعلمه من تأويل الأحاديث يعني عبارة الرؤيا وتفسيرها {والله غالب على أمره} قيل الكناية في أمره راجعة إلى الله تعالى ومعناه والله غالب على أمره يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا دافع لأمره ولا راد لقضائه ولا يغلبه شيء وقيل هي راجعة إلى يوسف ومعناه أن الله مستولٍ على أمر يوسف بالتدبير والإحاطة لا يكله إلى أحد سواه حتى يبلغ منتهى ما علمه فيه {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} يعني ما هو صانع بيوسف وما يريد منه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وشروه} قال: إخوة يوسف باعوه حين أخرج المدلي دلوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وشروه} قال: إخوة يوسف باعوه حين أخرج المدلي دلوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وشروه} قال: بيع بينهما بثمن بخس. قال: حرام، لم يحل لهم بيعه ولا أكل ثمنه. وأخرج ابن جرير عن قتادة {وشروه بثمن بخس} قال: هم السيارة. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه {وشروه بثمن بخس} قال: باعوه بثمن حرام؛ كان بيعه حراماً وشراؤه حراماً. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وشروه بثمن بخس} قال: البخس، هو الظلم. وكان بيع يوسف عليه السلام وثمنه حراماً عليهم، وبيع بعشرين درهماً. وأخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ أنه قضى في اللقيط أنه حر {وشروه بثمن بخس}. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم رضي الله عنه، أنه كره الشراء والبيع للبدوي وتلا هذه الآية {وشروه بثمن بخس}. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {بثمن بخس} قال: البخس القليل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الشعبي رضي الله عنه قال: البخس، القليل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إنما اشتري يوسف عليه السلام بعشرين درهماً، وكان أهله حين أرسل إليهم بمصر ثلثمائة وتسعين إنساناً، رجالهم أنبياء، ونساؤهم صديقات، والله ما خرجوا مع موسى عليه السلام حتى بلغوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {دراهم معدودة} قال عشرون درهماً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {دراهم معدودة } قال: اثنان وعشرون درهماً لإخوة يوسف، أحد عشر رجلاً. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن نوف الشامي البكالي مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عطية رضي الله عنه في قوله {دراهم معدودة} قال: عشرون درهماً، كانوا عشرة اقتسموا درهمين درهمين. وأخرج أبو الشيخ، عن نعيم بن أبي هند {دراهم معدودة} قال: ثلاثون درهماً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عكرمة في قوله {بثمن بخس} قال: البخس، القليل. {دراهم معدودة} قال: أربعون درهماً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {وكانوا فيه من الزاهدين} قال: إخوته، زهدوا فيه لم يعلموا بنبوّته ولا بمنزلته من الله ومكانه.

ابو السعود

تفسير : {وَشَرَوْهُ} أي باعوه والضمير للوارد وأصحابه {بِثَمَنٍ بَخْسٍ} زيْفٍ ناقصِ العيار {دَرٰهِمَ} بدل من ثمن أي لا دنانير {مَّعْدُودَةٍ} أي غيرِ موزونة فهو بـيانٌ لقلته ونقصانِه مقداراً بعد بـيان نقصانِه في نفسه إذ المعتادُ ـ فيما لا يبلغ أربعين ـ العدُّ دون الوزن، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها كانت عشرين درهماً وعن السدي رضي الله عنه أنها كانت اثنين وعشرين درهماً {وَكَانُواْ} أي البائعون {فِيهِ} في يوسف {مِنَ ٱلزهِدِينَ} من الذين لا يرغبون فيما بأيديهم فلذلك باعوه بما ذكر من الثمن البخْسِ، وسببُ ذلك أنهم التقطوه، والملتقطُ للشيء متهاونٌ به، أو غيرُ واثق بأمره يخاف أن يظهر له مستحِقٌّ فينتزعه منه فيبـيعه من أول مُساومٍ بأوكسِ ثمن، ويجوز أن يكون معنى شرَوه اشتروه من إخوته على ما حُكي وهم غير راغبـين في شِراه خشية ذهابِ مالِهم لِما ظنّ في آذانهم من الإباق، والعدولُ على صيغة الافتعال المنبئةِ عن الاتخاذ لما مر من أن أخذَهم إنما كان بطريق البضاعةِ دون الاجتباء والاقتناءِ، وفيه متعلِّق بالزاهدين إن جُعل اللامُ للتعريف وبـيانٌ لما زهدوا فيه إن جُعلت موصولة، كأنه قيل: في أي شيء زهِدوا؟ فقيل: زهدوا فيه، لأن ما يتعلق بالصلة لا يتقدم على الموصول.

القشيري

تفسير : لم يعرفوا خسرانهم في الحال ولكنهم وقفوا عليه في المآل. ويقال قد يُبَاعُ مثل يوسف عليه السلام بثمن بخس، ولكن إذا وقعت الحاجةُ إليه فعند ذلك يعلم ما يلحق من الغَبْن. ويقال: لم يحتشموا من يوسف - عليه السلام - يوم باعوه ثمنٍ بَخْسٍ، ولكن لمَّا قال لهم: أنا يوسف وقع عليهم الخجل، ولهذا قيل: كفى للمقصر الحياء يوم اللقاء. ويقال لمَّا خَرُّوا له سُجَّداً علموا أنَّ ذلك جزاءُ مَنْ باع أخاه بثمنٍ بخسٍ. ويقال لمَّا وصل الناسُ إلى رفق يوسف عاشوا في نعمته، واحتاجوا إلى أن يقفوا بين يديه في مقام الذُّلِّ قائلين {أية : مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ}تفسير : [يوسف: 88]، وفي معناه أنشدوا: شعر : ستسمع بي وتذكرني وتطلبني فلا تجدِ تفسير : ويقال ليس العَجَبُ ممن يبيع مثلَ يوسف - عليه السلام - بثمنٍ نَجْسٍ إنما العَجَبُ ممن (....) مثل يوسف - عليه السلام - بثمن بخس، لا سيَّما {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ} الخرق لا غاية له، وكذا العجب لا نباته له. ويقال ليس العجب ممن يبيع يوسف - عليه السلام - بثمنٍ بخسٍ، إنما العجب ممن يبيع وقته الذي أعزُّ من الكبريت الأحمر بعَرَضٍ حقيرٍ من أعراض الدنيا. ويقال إنَّ السيارة لم يعرفوا قيمته فزهدوا في شرائه بدراهم، والذين وقفوا على جماله وشيءٍ من أحواله غالوا - بمصر - في ثمنه حتى اشتروه بزنته دراهم ودنانير مراتٍ كما في القصة، وفي معناه أنشدوا: شعر : إنْ كنتُ عندكَ يا مولاي مُطَّرَحاً فعند غيرِك محمولٌ على الحَدَقِ

اسماعيل حقي

تفسير : {وشروه} اى باعوه وهو من الاضداد والضمير للوارد واصحابه. يقول الفقير ايده الله القدير جعلوه عرضة للابتذال بالبيع والشراء لانهم لم يعرفوا حاله اما لان الله تعالى اغفلهم عن السؤال ليقضى امرا كان مفعولا او لانهم سألوا عن حاله ولم يفهموا لغته لكونها عبرية. وههنا روايات واهية بعيدة ينبغى ان لا يلتفت اليها وان ذهب اليها الجم الغفير من المفسرين ولله در المولى ابى السعود فى ارشاده {بثمن بخس} زيف ناقص العيار. قال الكاشفى [ببهاى اندك وبى اعتبار] وهو بمعنى المبخوس لان الثمن لا يوصف بالمعنى المصدرى ووصف بكونه مبخوسا اما لرداءته وغشه او لنقصان وزنه من بخسه حقه اى نقصه كما فى حواشى ابن الشيخ. وقال بعضهم بثمن بخس اى حرام منقوص لان ثمن الحر حرام انتهى حمل البخس على المعنى لكونه الحرام ممحوق البركات والقول الاول هو الاصح {دراهم} بدل من ثمن اى لا دنانير {معدودة} اى غير موزونة فهو بيان لقلته ونقصانه مقدارا بعد بيان نقصانه فى نفسه لانهم كانوا يزنون الاوقية وهى اربعون درهما ويعدون ما دونها. فعن ابن عباس انها كانت عشرين درهما. وعن السدى اثنين وعشرين درهما قيل ان الصبيان اخذوا النبى عليه السلام فى طريق المسجد وقالوا كن لنا جملا كما تكون للحسن والحسين قال لبلال اذهب الى البيت وائت بما وجدته لاشترى نفسى منهم فاتى بثمانى جوزات فاشترى بها نفسه وقال (اخوة يوسف باعوه بثمن بخس دراهم معدودة وباعونى بثمانى جوزات) كذا فى روضة الاخبار {وكانوا} اى البائعون {فيه} فى يوسف {من الزاهدين} الزهد والزهادة قلة الرغبة فى الشيء اى من الذين لا يرغبون فيما بايدهم فلذلك باعوه بما ذكر من الثمن البخس وسبب ذلك انهم التقطوه والملتقط للشيء متهاون به او غير واثق بامره يخاف ان يظهر له مستحق فينتزعه منه فيبيعه من اول مساوم باوكس ثمن هذا مع الجمال الظاهر وفيه اشارة الى ان الجمال الظاهر. لا خطر له عند الله تعالى وانما الجمال هو الجمال الباطن وفى الحديث "حديث : ان الله لا ينظر الى صوركم واموالكم بل الى قلوبكم واعمالكم" تفسير : يعنى ان كانت لكم قلوب واعمال صالحة تكونون مقبولين مطلقا سواء كانت لكم صور حسنة واموال فاخرة ام لا والا فلا وليس بيع يوسف بثمن بخس باعجب من بيعك نفسك بادنى شهوة فلا بد من الامساك والاحتماء والقناعة: قال المولى الجامى قدس سره شعر : هر آنكه كنج قناعت بكنج دنيا داد فروخت يوسف مصرى بكمترين ثمنى تفسير : [كويند كه نافع مولاى عبد الله بن عمر كه ايتاد امام شافعى بود آنكاه كه مرد كفت اين جايكه را بكنيد بكنيدند بيست وده هزاردرم درسبوى بديد آمد كفت آنكاه كه ازجنازه من باز امده باشيد اين بدرويش دهيد اورا كفتند ياشيخ جون توسكى درم نهد كفت بحق اين وقتك شك زكاة وى بر كردن من نيست وهركز عيالان خودرا بسختى نداشتم لكن هركاه كه مرا آرزويى بودى آنجه بدان آرزو بايستى دادن درين سؤال افكندمى تا اكر مرا روز سختى بيش آيد بدر سفله نبايد رفتن] ففى هذه الحكاية ما يدل على المجاهدة النفسية والطبعية. اما الاولى فلانه ما كتم المال وادخره لاجل الكنز بل لاجل البذل. واما الثانية فلانه منع عن طبيعته مقتضاها وشهواتها والحواس والقوى لا تعرف قدر القلب وتبيعه بادنى حفظ نفس فان لانها مستعدة للاحتظاظ بالتمتعات الدنيوية الفانية والقلب مستعد للاحتظاظ بالتمتعات الاخروية الباقية بل هو مستعد للاحتظاظ بالشواهد الربانية وانه اذا سقى بشراب طهور تجلى الجمال والجلال يهريق سؤره على ارض النفس والقوى والحواس فيحتظون به فانه للارض من كأس الكرام نصيب

الطوسي

تفسير : حكى الله تعالى عن اخوة يوسف أنهم باعوا يوسف. يقال شريت أشري اذا بعت. ومنه قوله {أية : ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون}تفسير : وقال يزيد ابن مفرغ الحميري: شعر : وشريت برداً ليتني من بعد برد كنت هامه تفسير : وقوله {بثمن بخس دراهم معدودة} أي بثمن ذي بخس أي ناقص. وقيل بثمن ذي ظلم، لانه كان حرّاً، لا يحل بيعه، فالثمن هو بدل الشيء من العين أو الورق. ويقال في غيرهما أيضاً مجازاً. والبخس النقص من الحق، يقال: بخسه في الوزن او الكيل إِذا نقصه من حقه فيهما. ومعنى {معدودة} اي قليلة، لان الكثير قد يمنع من عدده لكثرته. وقيل: عدوها ولم يزنوها. وقيل: انهم كانوا لا يزنون الدراهم حتى تبلغ أوقية، وأوقيتهم أَربعون درهماً. وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس وقتادة: إنها كانت عشرين درهماً. وعن ابي عبد الله (ع) إنها كانت ثمانية عشر درهماً. وقال ابن عباس ومجاهد: ان الذين باعوه اخوته، وانهم كانوا حضوراً، فقالوا هذا عبد لنا ابق، فباعوه. وقال قتادة الذين باعوه السيارة. وقوله {وكانوا فيه من الزاهدين} يعني الذين باعوه، زهدوا فيه، فلذلك باعوه بثمن بخس، وتقديره وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين بجهلهم بما له عند الله من المنزلة الرفيعة، وانما قدموا الظرف، لانه أقوى في حذف العامل من غيره، ولا يجوز قياساً على ذلك (وكانوا زيداً من الضاربين).

الهواري

تفسير : {وَشَرَوْهُ} أي: باعوه {بِثَمَنٍ بَخْسٍ} أي ظلم، أي حرام ولم يكن يحل بيعه {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ}. قال مجاهد: باعوه باثنين وعشرين درهماً. قال الكلبي: المعدودة ما كان دون الوقية والوقية أربعون درهماً! فما دون الوقية فهو معدود، لا يوزن. قوله: {وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} أي الذين التقطوه. وزهادتهم فيه أنهم لم يكونوا يعرفون منزلته من الله، فباعوه من ملك مصر.

اطفيش

تفسير : {وَشَروهُ} أى فشرته السيارة، وإنما أسند الشراء إليهم لأن مالك بن ذعر فيهم ومنهم: وقد اشتراه، وشروه بمعنى اشتروه، وقيل: الضمير لإخوة يوسف، والشراء بمعنى البيع أى فباعوه. وروى أن إخوة يوسف كانوا ينظرون فى الجب فنظروا يوما على عادتهم فلم يروه فأحاطوا بالسيارة وقالوا: هرب عبدنا فأخبرنا أنه دخل فى الجب وقد أخرجتموه، فأخرجوه من بين أمتعتكم وإلا صحنا بكم صيحة واحدة، لا تبقى أرواحكم فى أجسامكم، فأخرجوه من بين الأمتعة يهتز كالورقة فى الشجرة، فدنا منه يهودا وقال له: إن أقررت لهم بالعبودية نجوت، قال: ما أنا إلا عبد. وقيل: كان إخوة يوسف قريبا منه حين أخرجوه من الجب فجاءوهم فقالوا: عبد لنا أبق، فقال مالك: اشتريه، قالوا: بعناه لك بعيوبة، فقال بكم؟ ويوسف ينظر إليه وإليهم، وقال فى نفسه ما أظنه يقوم بثمنى، لأنهم يطلبون مالا كثيرا. فقال لهم: معى دراهم قليلة معدودة، فشراه كما قال الله سبحانه وتعالى: {بثمنٍ بخْسٍ} البخس النقص الظاهر وهو مصدر، وصف به مبالغة أو يأوّل بباخس، أو يقدر مضاف أى ذى بخس، والمراد النقص عن القيمة بالكمية، أو بكونه غير صافى الفضة، بل خلط فيها نحو نحاس، أو بنقصان الوزن، وقال الحسن، ومقاتل، والضحاك، والسدى: أراد بالبخس الحرام، لأنه ثمن الحرام، ويسمى الحرام بخسا لأنه ناقص البركة، وعن ابن عباس، وابن مسعود: زيوف، وأراد بالزيوف المخلوط فيها نحو نحاس، وقيل: أراد نقص الوزن، وعن عكرمة، والشعبى: البخس القليل كما مر أولا، وقال قتادة: البخس الظلم نقصان الحق. {دَرَاهم} بدل أو بيان الثمن {مَعْدُودةٍ} قال ابن عباس رضى الله عنهما: كان سبعة عشر درهما، وقال ابن مسعود، وقتادة: عشرين، وهو رواية عن ابن عباس، فاقتسموها درهمين درهمين وهم عشرة، وعن مجاهد، والسدى: اثنين وعشرين اقتسموها درهمين درهمين، أخذ أخوه من أبيه وأمه درهمين إذ هم به أحد عشر كذا قيل، وليس كذلك، لأن أخاه لأبيه وأمه لم يحضر لذلك، وكان يعقوب تسلى به، ولم يخرج معهم أيضا يوم ألقوه فى الجب، ولعله خرج يوم بيعة ولم يحضر البيع، ولم يعلم به. وعلى كل قول من تلك الأقوال: فالوصف بالمعدودية إشارة إلى القلة، وكانوا فى ذلك الزمان لا يزنون أقل من أربعين درهما، بل يأخذونها عددا، ويأخذون الأربعين فما فوق بالوزن، وتسمى الأربعون درهما وقية، انتهى. وقال فى عرائس القرآن، عن ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، والسدى، وعكرمة: أربعين درهما، ثم قال مالك بن ذعر: اكتبوا لى كتابا بأيديكم أنكم بعتم لى غلامكم بكذا وكذا، فكتبوا له، وجعل الكتاب بجيبه، فلما أرادوا الرحيل قالوا: اربطه بحبل شديد لكيلا يهرب، فلما همَّ بذلك قال له يوسف: لى إليك حاجة، قال: وما هى؟ قال: تخلينى أودع سادتى فلعلى لا ألقاهم بعد، فقال له مالك: ما أكرمك من مملوك عجيب تتقرب منهم وهم فعلوا بك ما فعلوا، فقال: كل أحد يفعل ما يليق به، فقصد نحوهم وهم قيام صفا واحدا، فلما دنا منهم بكوا وبكى يوسف، ثم عانقهم واحدا واحدا ويقول: يا إخوتى حفظكم الله وإن لم تحفظونى، آواكم الله وإن طردتمونى، رحمكم الله وإن لم ترحمونى. قيل: ألقت الحوامل ما فى بطونها من هول ذلك التوديع ثم قالوا: يا يوسف ندمنا على ما فعلنا، ولولا خشيتنا من أبينا واستحيائنا منه لرددناك، ولما رجع إلى مالك شد يده، وسلمه إلى فليج عبد له أسود وقال له: عينك عليه ألا يهرب. فقال فليج: يا سيدى رجعت إلى الشام مائة مرة فى خمسين سنة لأجله، ثم تفعل به هذا الفعل، وإنى أراه ضعيفا نحيفا، قال: نعم، وأنا أيضا متفكر فيه، لأن المعبر وصفه لى بوصف تحير فيه العقول، اشتريته بشعيرة من ذهب، أى بقيمتها دراهم، وهو [أى يوسف] يساوى دنانير، ويوسف يسمع ويضحك لعلمه أنه مستور على العيون. وقد زعم من زعم أن ما رآه على صورته إلا يعقوب، وذهب بصره عليه، وزليخا وذهبت صحتها عليه، وأبو يحيى ذهب ماله عليه، ولما انتصف النهار، بلغ يوسف إلى قبر أمه وطرح نفسه عليه، وبكى وسمع أنينا من القبر وهو يقول: وا ولداه، وا قرة عيناه، وا ثمرة فؤاداه، فخر مغشيا عليه، ثم إن الأسود طلبه ولم يجده، فصاح لسيده: هرب الغلام، قل للسيارة يقفوا فرجع الأسود فلما رآه لطمه وجره برجله على وجهه، ويوسف يقول: يا رب إن أتيت بزلة فاعف عنى بحق آبائى فإنهم ما عصوك، فظهرت غمامة سوداء على رءوسهم فأمطر بَرَداً، البردة كبيضة النعامة. فلما أيقنوا بالهلاك قال لهم مالك: إن كان فيكم مذنب فليتب قبل الهلاك، قال الأسود: أنا المذنب، قال: وكيف؟ قال: فعلت بالغلام العبرانى كذا وكذا. فحرك شفتيه وتكلم بكلمتين، فعند ذلك ظهرت هذه الغمامة، فجاءه مالك وتضرع إليه، وقال: يا غلام أظن بينك وبين إله السماء قربة؟ قال: نعم، قال: فارحمنا ولا تؤاخذنا بأفعالنا، ونحن تائبون، فتكلم بكلمتين وهو يتبسم فانقشعت الغمامة، وذهب البرد، فظهرت الشمس بقدرة الله تعالى، فقال مالك: عرفت جاهك عند الله تعالى، فلا يجوز لى أن أتركك على هذه الحالة، فأزال عنه القيد، وألبسه الحرير وزينه الذهب، وقال للقافلة: قدموه أمامكم ولا تستقدموه. فلما دخلوا مدينة نابلس، وكان أهلها يعبدون الأصنام، فلما رأوه قالوا: من خلقك؟ قال: الله تعالى. قالوا: آمنا بالذى خلقك، وكسروا الأصنام، واشتغلوا بعبادة الرحمن، ولما دخلوا مدينة بيسان، وكان أهلها مؤمنين اجتمعو إليه واتخذوا أصناما على صورته، وعبدوها ألف سنة. وروى أن إخوته قالوا لمالك: استوثق منه فإنه عبد آبق، سارق كذاب، وقد بينا لكم عيوبه، وحملوه إلى مصر، وكان طريقهم على قبر أمه راحيل، فلما وصله لم يتمالك أن رمى بنفسه وهو يقول: يا أماه، يا راحيل، حلى عنى عقدة الرداء، وارفقى إلى ولدك يوسف، وما لقى بعدك من الأذى، أيا أماه لو رأيت ذلى ارحمينى يا أماه، لو رأيتنى وقد نزعوا قميصى وشدونى، وفى الجب ألقونى، وفى حر وجهى لطمونى، وبالحجارة رجمونى ولم يرحمونى، وكما يباع العبيد باعونى، وكما يحمل الأسير حملونى. فسمع مناديا من خلفه يقول: اصبر وما صبرك إلا بالله. فتفقده مالك على الناقة، فصاح إن الغلام رجع فطلبوه، فأقبل به رجل وقال: يا غلام أخبرنا مواليك أنك آبق سارق فلم نصدقهم حتى شاهدناك، قال: والله ماأبقت ولكنكم مررتم على قبر أمى فلم أتمالك أن رميت نفسى إليها، فلطمه وحمله على الناقة. وفى رواية أنهم قيدوه حتى قدموا مصر، قال مالك: ما نزلت منزلا ولا رحلت إلا استبانت فى بركته، وكنت أسمع تسليم الملائكة عليه مساء وصباحا، وأنظر إلى غمامة بيضاء تظله من حر الشمس، وتسير من فوقه. {وكانُوا} أى مالك بن ذعر وأصحابه وهم السيارة {فيهِ} فى يوسف متعلق بزاهدين محذوفا خبرا لكان، مدلولا عليه بقوله: {مِنَ الزَّاهِدينَ} فلكان خبران: أحدهما محذوف، والآخر مذكور، وذلك مبالغة فى زهدهم فيه لا متعلق بزاهدين المذكور، لأنه اسم فاعل، فأل فيه موصولة ومعمول الصلة لا يتقدم على الموصول، وأجازه ابن الحاجب فى صلة أل كهذه إن كان ظرفا، وأجازه الكوفيون على مرجوحية مطلقا فى أل وغيرها، قيل: ويجوز أن يكون أل حرف تعريف فيتعلق بالزاهدين بلا إشكال، وذلك مذهب لبعض السلف، يرى أن أل لا تكون موصولة، ومعنى زهدهم فيه هوانه عليهم، لأن إخوة يوسف البائعين له أخبروهم أنه آبق سارق كذاب، أو أظهروا الزهد فيه ليبيعوه لهم برخص، ولم يبيعوه بعد شرائه حتى وصلوا مصر، فليس زهدهم بيعه بثمن رخيص. وقيل: المراد أنهم زهدوا فيه فباعوه بثمن رخيص هو نعلان أو أربعة، وثوبان أبيضان، وعشرون دينارا والمشتريه منهم بذلك بعد ما شروه من إخوته، رجل من مصر كما ذكره الله تعالى بعد هذا، وإنما رخصوه لما أخبرهم به إخوته فخافوا الخطر بما لهم، وإن قلنا: إن معنى شروه باعوه للرجل المذكور من أهل مصر، بعد ما التقطوه من الجب، ولم يبعه لهم إخوته، فزهدهم فيه لأنهم التقطوه، والملتقط للشئ متهاون به لا يبالى بما باعه، ولأنه يخاف أن يظهر مستحقه فينتزعه من يده، فكان يبيعه الأول مساوم بأوكس ثمن. وقيل: الواو فى كانوا لإخوة يوسف، وزهدهم فيه أن لا غرض لهم فى ثمنه، وإنما غرضهم تغييبه عن أبيه، والمشهور أن السيارة باعوه للمصرى بأغلى ثمن، وسيأتى اسمهم وهو زوج زليخا. روى أنهم لما قربوا مدينة القدس، رأى أميرهم فى منامه قائلا [يقول:] إن خير الناس أتاك ينبغى أن تستقبله غدا، وتفعل ما يأمرك به، فاتخذ ضيافة كبيرة فتلقاهم، وسألهم أيكم الأمير، وأشاروا إلى مالك فتحير فقال: هذا يجتاز بى كل عام مرتين، وما أمرت باستقباله، ودنا الملك من رجل هو الجنى الذى ولد مع يوسف، وكان على صورة غزال، ولكن تراه بصورة الرجل، فقال له الجنى: من أنت؟ قال: أنا أمير المدينة، فقال له: إن الذى أمرت باستقباله هو ذلك الغلام، أشار إلى يوسف، ولكن قل لأصحاب القافلة يدخلوا قبله، ففعل، ولما رآه تحير من حسنه وجماله، وقال له: من أنت؟ قال أنا الذى أمرت باستقبالى، فتحير فقال: من الذى أمرك أن لا تعبد صنما فتنجو من النار: فإن امتثلت أمره فلا تعبد صنمك، قال: قد قبلت على أنك إذا دخلت على صنمى سجد لك فأصدقك، قال: ربى يفعل ما يريد، وهو على كل شئ قدير. فدخل الدار فسجد له الصنم، وتقطعا قطعا، فأراد إطعام تلك الضيافة التى اتخذ، فأتى بقصعة فيها أرز بلبن فوضعها بين يدى يوسف، فرفع منها لقمة وأعطاها لمن حوله، وتناولوا كلهم منها وشبعوا، والأمير ينظر، فقال: يا قوم هذا سيدكم، قالوا: لا إنما هو عبد، قال: فمن السيد؟ فأشاروا إلى مالك فقال: معاذ الله هذا سيده، بل هو غلام، قال الملك: العبد خير منى. وكان يوسف ومن معه لما دخلوا الدرب، رآهم الأمير ورأى خيلا كثيرة فقال ليوسف: لمن هذه الخيل؟ ولمن هذا الجند؟ فإن دارى لا تسعهم، ولا عندى مايكفيهم؟ فتبسهم فقال: هم جند الله تعالى، طعامهم التهليل، وشرابهم التسبيح، قال: ومن هم؟ قال: هم الملائكة، أرسلهم الله تعالى ليشيعونى ويحفظونى، فتحير من شأنه. ولما أكل القوم، عزم على أخذ يوسف منهم، فتركه حتى رحلوا ووصلوا نحو عسقلان، فركب فى اثنى عشر ألفا، فلما وقعت أبصارهم على يوسف وقعوا كلهم من ظهور الخيل، وغشى عليهم ثلاثة أيام من حلاوة النظر إليه، ولما دخل يوسف مدينة العريش يفكر فى نفسه، أن الله جل وعلا لم يخلق خلقا أحسن منى، فإذا دخلت هذه المدينة تحيروا، منى، فلما دخلها رأى أهلها كلهم على صورته، فلم يلتفت أحد منهم، فسمع مناديا: يا يوسف توهمت أن لا أحسن منك، وفى الكونين من هو أحسن منك. ولما دخل مصر تاب من خاطره، فنودى: يا يوسف ارفع رأسك، فقد تغير الأمر بتوبتك، ثم نادى منادٍ: يا أهل مصر قد جاءكم شاب لا يلقاه أحد إلا سعد، ولا ينظر إليه أحد إلا أفلح، فدخلهم الوسواس، وأحاطوا بدار مالك، وماذاقوا طعاما، ولا شرابا شوقا إليه، وتحركت الأشجار لما دخل مصر، وترنمت الأطيار، فطلع مالك على السطح فقال: يا قوم ما تريدون؟ قالوا: نريد الذى أنت به متحير، وفى أمره متفكر، فتحير فى نفسه وقال: واعجباه، وأى عجب ترون فيه ما رى فيه زيادة على سائر الصور. فقال لهم الملك الذى صحبه على صورة بنى آدم قال لهم: من اشتهى رؤية يوسف فليأتنا بدينار عند فتح الباب، وما دخل أحد إلا ومعه دينار، فدخلوا ورمى كل واحد منهم دينارا، فبلغت ستمائة دينار، وما رآه أحد إلا ذهب عقله، بحيث لا يهتدى إلى الباب، فأمر مالك عبيده أن يخرجوهم يدا ورجلا، ولما خرجوا لم يهتد كل واحد منهم إلى داره من تحيره، ولا يعرف أحدا من قرابته، ولا ينطق بحرف، ولا يسمع ما يقال له. ولما كان اليوم الثانى: دفع كل من أراد رؤيته دينارين، وهكذا كل يوم يزيدون، حتى بلغ فى اليوم العاشر عشرة دنانير، على كل من أراد رؤيته، ثم فتح الباب وأجلس يوسف على سرير وزينه بأنواع الزينة، وأمر المنادى: من أراد شراء الغلام فليحضر فما بقى أحد إلا وطمع فى شرائه، فاجتمع القوم وعرضوا عليه ما يملكون، فقال الملك الموكل بحفظه: ارفعوا طمعكم إن هذا الغلام عزيز لا يشتريه إلا عزيز. قيل: لما نادى المنادى من يشترى هذا الغلام مات فى ازدحام لرؤيته خمسة وعشرون رجلا وامرأة، فنادى: من يشترى هذا الغلام الصبيح المتكلم الفصيح، يتكلم بكلام صحيح، أديب قريب حبيب، قال يوسف: لا تقل هذا، ولكن قل: من يشترى هذا الغريب الكئيب الحزين، قال: لا أقدر أن أقول هذا، وليس فيك شئ مما ذكرته. وكانوا لما رأوه فى الدار لم يقدروا على الخروج: وبلغ خبر النداء به قارعة بنت طالوت العملقية، وكانت من بنات الملوك، وكانت أكثر أهل مصر مالا، وأعظمهم خطرا، وكانت من ذرية شداد بن عاد، فقالت لقهرمانها: ويحك لم يبق أحد بمصر إلا خرج نحو هذا الغلام العبرانى، فإنى اليوم خارجة إليه بمالى، فأتى فهرمانها بالقافلة مزينة بأنواع الزينة، أحمالها الدنانير والدراهم، والديباج والجوهر والياقوت، وغير ذلك، فلما رأته تحيرت من جماله وقالت له: من أنت فقد جئت بمالى لأشتريك، حتى نظرتك فحقرت نفسى، لأنك تساوى جميع الدنيا. قال: إنى من خلق ربى، صورنى كما ترين. قالت: آمنت على يديك برب العالمين، فتصدقت بمالها على الفقراء والمساكين، وبنت بيتا على ساحل بحر القزم: وعبدت مولاها إلى أن ماتت. قيل: كان السبب فى استرقاق يوسف أن إبراهيم الخليل عليه السلام، أدخل مصر فى بعض الأزمنة، فلما خرج منها شيعه زهادهم وعبادهم مشاة حفاة إلى أربع فراسخ تعظيما له، ولم ينزل إبراهيم لهم، فأوحى الله جل جلاله إليه: إنك لم تنزل لعبادى وهم يمشون معك حفاة.

اطفيش

تفسير : {وَشَروهُ} باعوه، عطف على أَسروه والضمير للوارد ومن معه باعوه فى مصر، واشتروه من إِخوته، وعليه، فالشراءُ مقابل البيع، أَوللإخوة بأَمره للوارد ومن معه لما رأَوه ضربوه وشتموه وقالوا: هذا عبد أَبق منا، فاشتراه مالك بن ذعر {بِثَمَنٍ بَخْسٍ} مبخوس لزيفه بنحاس مثلا أَو لنقصه وزنا، أَو لزيفه ونقصه معا، أَو لكونه ثمن حر وهو حرام، والحرام بخس أَى ناقصة البركة {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} بدل من ثمن، ومعنى معدودة قليلة، قيل: كانوا يزنون ما بلغ الأُوقية ويعدون ما دونها، والأُوقية أَربعون درهما، قيل: كان عشرين درهما، وقيل: اثنين وعشرين، وعلى كل حال هو مِمَّا يعد لأَنه دون الأُوقية {وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} فيه متعلق بالزاهدين، ويناسبه القول بأَن أَل فى الأَوصاف حرف تعريف،ولو كانت للزم تقدم معمول الصلة عليها، ويجاب بأَن الظرف يتوسع فيه، أَو يقدر، وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين، أَى من جملة الزاهدين، أَو من الزاهدين فيه من الزاهدين، والثانى توكيد،والزهد فى الشىءِ وعنه الإعراض عنه، فإِن كان الضمير لإِخوته فإِعراضهم ظاهر؛ لأَنهم أَرادوا إِهلاكه، فهو عندهم هين يباع ببخس، ويقال: باعوه وقالوا لمشتريه قيده إِنه أَبق، فقيده، وإِن كان للوارد ومن معه، والشراء بمعنى البيع فزهدهم لأَنهم التقطوه، والملتقط لشىء يبادر البيع بما وجد لئَلا ينتزع منه، وإِن كان بمعنى الشراءِ ضد البيع فالزهد فيه لقول إِخوته الباقين له إِنه أَبق فلا يحرصون فى شرائِه بثمن غال.

الالوسي

تفسير : {وَشَرَوْهُ} الضمير المرفوع إما للإخوة فشرى بمعنى باع، وإما للسيارة فهو بمعنى اشترى كما في قوله: شعر : (وشريت) برداً ليتني من بعد برد كنت هامه تفسير : وقوله: شعر : ولو أن هذا الموت يقبل فدية (شريت) أبا زيد بما ملكت يدي تفسير : وجوز أن يكون على هذا الوجه بمعنى باع بناءاً على أنهم باعوه لما التقطوه من بعضهم {بِثَمَنٍ بَخْسٍ} أي نقص وهو مصدر أريد به اسم المفعول أي منقوص، وجوز الراغب أن يكون بمعنى باخس أي ناقص عن القيمة نقصاناً ظاهراً، وقال مقاتل: زيف ناقص العيار، وقال قتادة: بخس ظلم لأنه ظلموه في بيعه، وقال ابن عباس والضحاك في آخرين: البخس الحرام وكان ذلك حراماً لأنه ثمن الحر وسمي الحرام بخساً لأنه مبخوس البركة أي منقوصها، وقوله سبحانه: {دَرٰهِمَ} بدل من ثمن أي لا دنانير {مَّعْدُودَةٍ} أي قليلة وكنى بالعدّ عن القلة لأن الكثير يوزن عندهم وكان عدة هذه الدراهم في كثير من الروايات عشرين درهماً، وفي رواية / عن ابن عباس اثنين وعشرين، وفي أخرى عنه عشرين وحلة ونعلين، وقيل: ثلاثين وحلة ونعلين، وقيل: ثمانية عشر اشتروا بها أخفافاً ونعالاً، وقيل: عشرة، وعن عكرمة أنها كانت أربعين درهماً، ولا يأبـى هذا ما ذكره غير واحد من أن عادتهم أنهم لا يزنون إلا ما بلغ أوقية وهي أربعون درهماً إذ ليس فيه نفي أن الأربعين قد تعدّ. {وَكَانُواْ فِيهِ} أي في يوسف كما هو الظاهر {مِنَ ٱلزٰهِدِينَ} أي الراغبين عنه، والضمير في {وَكَانُواْ} إن كان للإخوة فظاهر وإن كان للرفقة وكانوا بائعين فزهدهم فيه لأنهم التقطوه والملتقط للشيء متهاون به لا يبالي بما باعه ولأنه يخاف أن يعرض له مستحق ينتزعه من يده فيبيعه من أول مساوم بأوكس الثمن وإن كان لهم وكانوا مبتاعين بأن اشتروه من بعضهم أو من الإخوة فزهدهم لأنهم اعتقدوا فيه أنه آبق فخافوا أن يخاطروا بما لهم فيه، وقيل: ضمير {فِيهِ} للثمن وزهدهم فيه لرداءته أو لأن مقصودهم ليس إلا إبعاد يوسف عليه السلام وهذا ظاهر على تقدير أن يكون ضمير {كَانُواْ} للإخوة، والجار ـ على ما نقل عن ابن مالك ـ متعلق بمحذوف يدل عليه ـ الزاهدين ـ أي كانوا زاهدين فيه من الزاهدين، وذلك أن اللام في الزاهدين اسم موصول ولا يتقدم ما في صلة الموصول عليه، ولأن ما بعد الجار لا يعمل فيما قبله، وهل {مِنَ ٱلزٰهِدِينَ} حينئذ صفة لزاهدين المحذوف مؤكدة كما تقول: عالم من العلماء. أو صفة مبينة أي زاهدين بلغ بهم الزهد إلى أن يعدّوا في الزاهدين لأن الزاهد قد لا يكون عرقياً في الزاهدين حتى يعدّ فيهم إذا عدّوا أو يكون خبراً ثانياً؟ كل ذلك محتمل، وليس بدلا من المحذوف لوجود {مِنْ} معه، وقدر بعضهم المحذوف أعنى وأنا فيه من الزاهدين، وقال ابن الحاجب في «أماليه»: إنه متعلق بالصلة والمعنى عليه بلا شبهة وإنما فروا منه لما فهموا من أن صلة الموصول لا تعمل فيما قبل الموصول مطلقاً، وبين صلة ـ أل ـ وغيرها فرق فان هذه على صورة الحرف المنزل منزلة الجزء من الكلمة فلا يمتنع تقديم معمولها عليها فلا حاجة إلى القول بأن تعلقه بالمذكور إنما هو على مذهب المازني الذي جعل ـ أل ـ في مثل ذلك حرف تعريف وكأنه لا يرى تقدم معمول المجرور ممتنعاً وإلا لم يتم بما ذكره ارتفاع المحذور. وزعم بعضهم أنه يلزم بعد عمل اسم الفاعل من غير اعتماد من الغفلة بمكان لأن محل الخلاف عمله في الفاعل والمفعول به الصريح لا في الجار والمجرور الذي يكفيه رائحة الفعل؛ وقال بعض المتأخرين: إن الصفة هنا معتمدة على اسم (كانوا) وهو مبتدأ في الأصل، والاعتماد على ذلك معتبر عندهم، ففي الرضى عند قول ابن الحاجب: والاعتماد على صاحبه ويعني بصاحبه المبتدأ إما في الحال نحو زيد ضارب أخواه أو في الأصل نحو كان زيد ضارباً أخواه وظننتك ضارباً أخواك وإن زيداً ضارب غلاماه، وعلى هذا لا يحتاج في الجواب إلى إخراج الجار والمجرور عن حكم الفاعل والمفعول به الصريح وإن كان له وجه وجيه خلافاً لمن أنكره، ومن الناس من يتمسك بعموم يتوسع في الظرف والجار والمجرور ما لا يتوسع في غيرهما في دفع ما يورد على تعلق الجار هنا بالصفة المجرور الواقعة صلة لأل كائناً ما كان فليفهم. هذا والشائع أن الباعة إخوته والزاهدين هم، وفي بعض الآثار أنهم حين باعوه قالوا للتاجر: إنه لص آبق فقيده ووكل به عبداً أسود فلما جاء وقت ارتحالهم بكى عليه السلام فقال له التاجر: مالك تبكى؟ فقال: أريد أن أصل إلى الذين باعوني لأودعهم وأسلم عليهم سلام من لا يرجع إليهم، فقال التاجر للعبد: خذه واذهب به إلى مواليه ليودعهم ثم ألحقه بالقافلة فما رأيت غلاماً أبر من هذا بمواليه ولا قوماً أجفى منهم فتقدم العبد به إلى إخوته وكان واحد منهم مستيقظاً يحرس الأغنام فلما وصل إليه يوسف وهو يعثر في قيده انكب / عليه وبكى، فقال له: لماذا جئت؟ فقال: جئت لأودعكم وأسلم عليكم فصاح عليهم أخوهم قوموا إلى من أتاكم يسلم عليكم سلام من لا يرجو أن يراكم أبداً فويل لكم من هذا الوداع فقاموا فجعل يوسف ينكب على كل واحد منهم ويقبله ويعانقه، ويقول: حفظكم الله تعالى وإن ضيعتموني آواكم الله تعالى وإن طرتموني رحمكم الله تعالى وإن لم ترحموني. قيل: إن الأغنام ألقت ما في بطونها من هول هذا التوديع، ثم أخذه العبد وطلب القافلة فبينما هو على الراحلة إذ مر بقبر أمه راحيل في مقابر كنعان فلما أبصر القبر لم يتمالك أن رمى بنفسه عليه فاعتنقه وجعل يبكي ويقول: يا أماه ارفعي رأسك من التراب حتى تري ولدك مقيداً يا أماه إخوتي في الجب طرحوني ومن أبـي فرقوني وبأبخس الأثمان باعوني ولم يرقوا لصغر سني ولم يرحموني فأنا أسأل الله تعالى أن يجمع بيني وبين والدي في مستقر رحمته إنه أرحم الراحمين. فالتفت العبد فلم يره فرجع رآه على القبر فقال: والله لقد صدق مواليك إنك عبد آبق ثم لطمه لطمة شديده فغشي عليه ثم أفاق فقال له: لا تؤاخذني هذا قبر أمي نزلت أسلم عليها ولا أعود بعد لما تكرهه أبداً ثم رفع عينيه إلى السماء وقد تمرغ بالتراب والدموع في وجهه فقال: اللهم إن كانت لي خطيئة أخلقت وجهي عندك فبحرمة آبائي الكرام إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن تعفو عني وترحمني يا أرحم الراحمين فضجت الملائكة إلى الله تعالى عند ذلك فقال تبارك وتعالى: يا ملائكتي هذا نبي وابن أنبيائي وقد استغاث بـي وأنا مغيثه ومغيث المستغيثين يا جبريل أدركه فنزل جبريل عليه السلام فقال: يا صديق الله ربك يقرئك السلام ويقول لك: مهلاً عليك فقد أبكيت ملائكة السماوات السبع أتريد أن أطبق السماء على الأرض؟ فقال: لا يا جبريل ارفق بخلق ربـي فإنه حليم لا يعجل فضرب الأرض بجناحه فهبت ريح حمراء وكسفت الشمس وأظلمت الغبراء فلم ير أهل القافلة بعضهم بعضاً، فقال التاجر: انزلوا قبل أن تهلكوا إن لي سنين عديدة أمر بهذا الطريق فما رأيت كاليوم فمن أصاب منكم ذنباً فليتب منه فما أصابنا هذا إلا بذنب اقترفناه فأخبره العبد بما فعل مع يوسف، وقال يا سيدي: إني لما ضربته رفع عينيه إلى السماء وحرك شفتيه فقال له التاجر: ويحك أهلكتنا وأهلكت نفسك فتقدم إليه التاجر وقال: يا غلام إنا ظلمناك حين ضربناك فإن شئت أن تقتص منها فها نحن بين يديك؟ فقال يوسف: ما أنا من قوم إذا ظلموا يقتصون ولكني من أهل بيت إذا ظلموا عفوا وغفروا ولقد عفوت عنكم رجاء أن يعفوا الله تعالى عني فانجلت الظلمة وسكنت الريح وأسفرت الشمس وأضاءت مشارق الأرض ومغاربها فساروا حتى دخلوا مصر آمنين وكان هذا التاجر فيما قيل: مالك بن ذعر الذي أخرجه من الجب، وقيل: غيره. وروي أنه حين ورد به مصر باعه بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين أبيضين، وقيل: أدخل السوق للبيع فترافعوا في ثمنه حتى بلغ وزنه مسكاً ووزنه ورقاً ووزنه حريراً فاشتراه بذلك العزيز الذي كان على خزائن مصر عند ملكها، وقيل: كان خباز الملك وصاحب شرابه ودوابه صاحب السجن المشهور، والمعول عليه هو الأول، واسمه قطفير أو اطفير أو قنطورا، والأول مروي عن ابن عباس، وهو المراد في قوله سبحانه: {وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ ...}.

ابن عاشور

تفسير : معنى {شروه} باعوه. يقال: شرى كما يقال: باع، ويقال: اشترى كما يقال: ابتاع. ومثلهما رَهن وارتهن، وعاوض واعتاض، وكَرى واكترى. والأصل في ذلك وأمثاله أن الفعل للحدث والافتعال لمطاوعة الحدث. ومن فسر {شروه} باشتروه أخطأ خطأ أوقعه فيه سوء تأويل قوله: {وكانوا فيه من الزاهدين}. وما ادّعاه بعض أهل اللغة أن شرى واشترى مترادفان في معنييهما يغلب على ظني أنه وَهَم إذ لا دليل يدل عليه. والبخس: أصله مصدر بَخَسه إذا نقصه عن قيمة شيئه. وهو هنا بمعنى المبخوس كالخلق بمعنى المخلوق. وتقدم فعل البخس عند قوله تعالى: { أية : ولا يَبخس منه شيئاً } تفسير : في سورة البقرة (282). و{دراهم} بدل من {ثمن} وهي جمع درهم، وهو المسكوك. وهو معرّب عن الفارسية كما في «صحاح الجوهري». وقد أغفله الذين جمعوا ما هو معرب في القرآن كالسيوطي في «الإتقان». و{معدودة} كناية عن كونها قليلة لأن الشيء القليل يسهل عدّه فإذا كثر صار تقديره بالوزن أو الكيل. ويقال في الكناية عن الكثرة: لا يعدّ. وضمائر الجمع كلها للسيّارة على أصح التفاسير. والزهادة: قلة الرغبة في حصول الشيء الذي من شأنه أن يرغب فيه، أو قلة الرغبة في عوضه كما هنا، أي كان السيارة غير راغبين في إغلاء ثمن يوسف ـــ عليه السّلام ـــ. ولعل سبب ذلك قلة معرفتهم بالأسعار. وصوغ الإخبار عن زهادتهم فيه بصيغة {من الزاهدين} أشد مبالغة مما لو أخبر بكانوا فيه زاهدين، لأن جعلهم من فريق زاهدين ينبىء بأنهم جَروا في زهدهم في أمثاله على سنَن أمثالهم البسطاء الذين لا يقدرون قدر نفائس الأمور. و{فيه} متعلق بـــ {الزاهدين} و(أل) حرف لتعريف الجنس، وليست اسم موصول خلافاً لأكثر النحاة الذين يجعلون (أل) الداخلة على الأسماء المشتقة اسم موصول ما لم يتحقق عهد وتمسكوا بعلل واهية وخالفهم الأخفش والمازني. وتقديم المجرور على عامله للتنويه بشأن المزهود فيه، وللتنبيه على ضعف توسمهم وبصارتهم مع الرعاية على الفاصلة.

د. أسعد حومد

تفسير : {دَرَاهِمَ} {ٱلزَّاهِدِينَ} (20) - وَبَاعَهُ رِجَالُ السَّيَّارَةِ فِي مِصْرَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ قَلِيلٍ نَاقِصٍ، عَنْ ثَمَنِهِ الحَقِيقِيِّ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ دَرَاهِمَ مَعْدُودَاتٍ (وَكَانُوا قَدِيماً يَعُدُّونَ ثَمَنَ مَا يَشْتَرُونَ عَدّاً إِذَا لَمْ يَبْلُغِ المَبْلَغُ الأُوِقِيَّةَ - أَيْ أَرْبَعِينَ دِرْهَماً - أَمَّا إِذا جَاوَزَ المَبْلَغُ الأَرْبَعِينَ دِرْهَماً فَكَانُوا يَدْفَعُونَهُ بِالمِيزَانِ). وَكَانَ الذِينَ بَاعُوهُ يَرْغَبُونَ فِي الخَلاصِ مِنْهُ لَئِلاَّ يَظْهَرَ مَنْ يُطَالِبُهُمْ بِهِ، لأَِنَّهُ حُرٌّ، وَلِذَلِكَ قَنِعُوا بِالثَّمَنِ البَخْسِ. شَرَوْهُ - بَاعُوهُ. بِثَمَنٍ بَخْسٍ - نَاقِصٍ عَنِ القِيمَةِ نَقْصاً ظَاهِراً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونعلم أنهم لم يشتروه بل عثروا عليه؛ ونعلم أن كلمة شراء تدل على البيع أيضاً، أي: أنهم باعوه بثمن بخس؛ أي: بثمن زهيد، وكانت العبيد أيامها مُقوَّمة بالنقود. والبخس أي: النقص، وهو إما في الكَمِّ أو في الكَيْف؛ فهو يساوي مثلاً مائة درهم وهم باعوه بعشرين درهماً فقط؛ وكان العبد في عُمر يوسف يُقوَّم بالنقد؛ وهم باعوه بالبخْس، وبثمن أقل قيمة إما كَمّاً وإما كَيْفاً. ثم أراد الحق سبحانه أن يوضح الأمر أكثر فقال: {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ} [يوسف: 20]. والزهد هنا هو حيثية الثمن البَخْس؛ فهُم قد خافوا أن يبحث عنه أبوه أو صاحبه؛ وكأنهم قالوا لأنفسهم: أي شيء يأتي من ورائه فهو فائدة لنا. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَشَرَوْهُ} معناه بَاعُوهُ {بِثَمَنٍ بَخْسٍ} معناهُ نَاقصٌ قَليلٌ. ويقالُ ثَمنٌ حَرامٌ. وقالوا كَانتْ عشرين درهماً ويقال: أَربَعونُ درهماً.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 388 : 8 : 1 - حدثنا أبو حذيفة ثنا سفين عن أبي اسحاق عن نوف الشامي في قوله {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} قال، كانت عشرين درهما. [الآية 20]. 389 : 9 : 30 - سفين قال {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} قال، اشتراه بعضهم من بعض منهم وقالوا: "هذه بضاعة معنا". 390 : 10 : 22 - سفين عن ليث عن مجاهد {أية : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ}تفسير : اربعين. [القصص: 14].

همام الصنعاني

تفسير : 1290- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ}: [الآية: 20] قال: ظلم، وهم السيارة الذين باعوه بعشرين درهماً، {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ}: [الآية: 20].